← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا جاءوا إلى الأزكشي، وقالوا: إن الرسول قد جاء من خربندا، فأمر بمد الاسقالة على الباب، فدخل الرسول، وقعد مع الأزكشي في داخل باب القلعة، ثم قال الرسول: إن الملك خربندا لما رأى ما حل بكم، وسمع بكاء النساء والصبيان، رق لكم، وحمل همكم، فإن أردتم أن تَسْلَموا من هذه المصيبة سلموا هذه القلعة، وهو يحلف لكم بالله أنه لا يؤذي أحدًا منكم، وإلا فإنه نوى أن يزحف عليكم زحفة واحدة فلا يبقى أحدًا منكم. وكان قاضى البلد ومشايخه حاضرين هناك، فقالوا: المصلحة أن تسلموا هذه القلعة إن حلفوا لكم أنهم لا يؤذون ولا يشوشون على أولادكم وحريمكم، فقال الأزكشي للقاضي ومشايخ البلد: انزلوا أنتم فاذهبوا فيحلف لكم، ونحن نسلم القلعة إليه، ويمكننا من الرواح إلى الشام. فنهض القاضي والمشايخ فنزلوا وذهبوا إلى خربندا، فلما حضروا بين يديه قربهم وأدناهم وأمرهم بالجلوس، فقالوا: أيها الملك، إن أمنتنا جلسنا، فقال: قد أمنتكم، فقام القاضي ودعا له، وطلب الأمان لأهل القلعة، فتبسم خربندا، وقال: قلنا لكم من أول يوم احقنوا الدماء ما سمعتم، فقال القاضي: الماضي ما يذكر، فالمسئول من صدقات الملك أن يأمر بكتابة كتاب الأمان إلى أهل القلعة والبلد جميعهم على أنهم ينزلون بالحريم والأولاد، وأن يأمر الملك بإيصال من يريد الرواح إلى الشام إلى مأمنه، فأمر بذلك، فكتبوا، فأخذه القاضي وعاد إلى القلعة، ووقفوا عليه، ورضوا بالتسليم. وعاد القاضي إلى خربندا، وأخبره بذلك، خلع عليه وعلى مَنْ معه، ثم أمر لأمير يقال له: آسن قطلو، وقال له: خذ معك ألفا من المغل وتسلم القلعة، وأنزل أهلها. فسار القاضي قدامهم حتى وصلوا إلى القلعة ففتح الباب ودخل القاضي، ورأوا وراءه رجال المغل، فقامت الأكراد وقالوا: إش بقى بعد أن جاءت المغل ودخلوا القلعة؟ سلموا إليهم نساءكم وأولادكم وأنتم بالحياة تنظرون إليهم، وهؤلاء ما لهم يمين، فلمن

стр. 2242

صَدَقُوا في يمينهم حتى [يَصْدُقوا] (١) لكم؟ ثم جردوا السيوف، وتقدم شخص منهم يُقال له: خضر البرددار، فضرب واحدا من المغل على رأسه فنزل السيف إلى نصف رأسه. فعند ذلك قامت الحرب [الشديدة] (٢) بينهم، وقُتل من الفريقين خلق، فولت المغل الأدبار، فقالوا: هذه حيلة عملوها معنا، وما صَدَّق آسن قطلو بالنجاة حتى عاد إلى خربندا، فازداد خربندا غضبًا، وأمر للمغل بالزحف من كل جانب، فزحفوا، واشتد المصاف بأهل القلعة، وعملت السيوف والسهام والحجارة، فَقُتِل خلقٌ كثير من المسلمين، ومن النساء أيضًا عند النقوب، حتى أيقن التتار أنهم قد أخذوا وملكوا. وكان خربندا قد نزل في خيمته، والأمراء في خدمته، فإذا استادار قراسنقر جاء، وحدث في أذن قراسنقر، فقام قراسنقر وتقدم إلى خربندا، وقال: أيد الله الخان، الجواسيس [الذين] (٣) قد سيرناهم إلى مصر قد حضروا، فأمر بإحضارهم، وكان فيهم شخص يقال له: زُريق، فقال له خربندا: ماذا رأيت بعينك؟ فقال: رأيت بأن عسكر مصر قد خرجوا، وهم في عدد وعُدَدٍ، وسمعنا أن الملك الناصر أرسل مملوكه كسناي (٤) والأمير قجليس (٥) والأمير جنكلي بن البابا بخلق كثير بالخيل والهجن على البرية، ومعهم عربان يدلون على الطرق يأتون من عانة والحديثة، والملك الناصر بمن معه ماشون على الطرق المادة. فلما سمع خربندا ذلك قال للأمراء: ما تقولون؟ وهم في ذلك، وإذا برسول من الأردو (٦) وقد حضر، فلما رأى خربندا آرمي روحه إلى الأرض، ونعى رجاله وبلاده، وقال له: يا خوند، أنت مشتغل ببلاد غيرك، وقد ملكوا بلادك وأخذوها من يدك،

стр. 2243

فقال: ويلك ما هذا؟ بَيِّن لي، فقال: قد خرج من بلاد الترك مقدم ومعه مائة ألف فارس يسمى [ذلدى] (١)، ومقدم آخر معه مائة ألف فارس أيضًا يسمى قنغوري، قال: فلما سمعنا بهم ركبنا إليهم بعسكر خراسان وجموعها، [فعملوا] (٢) علينا كمينًا وانكسروا قدامنا وجازوا إلى الكمين فخرجوا علينا فقتلوا منا بلا عدد، وقتل يولاي مقدم العساكر، وقتل ولدك بسطام، وانهزمت العساكر وأخذوا خراسان، وكلما تقدموا أخذوا البلاد. فلما سمع بذلك خربندا تغيرت حواسه، وسمعت بذلك عساكره، فعلا فيهم البكاء والصراخ لأنه ما فيهم أحد إلا وله في خراسان أخ أو ابن أو قرابة، فقال خربندا: فليس هذا موضع البكاء، فاتفقوا على أنهم يرحلوا إلى بلادهم ليحموها عن أعدائهم. ذكر رحيل خربندا من الرحبة لما سمع خربندا من رسول الأُرْدو ما ذكرنا، ركب من تلك الساعة وأخذ معه قراسنقر والأفرم في عشرة آلاف فارس وعبروا الفرات، وقال لجوبان، الحقني ببقية العساكر، واحرقوا المجانيق التي نصبناها على الرحبة والزردخانة أيضًا، ولا يبيت منكم أحد ليلة غد في أرض الشام. ولما سار خربندا وقع الصوت في العساكر، ووقعت الهجة، وأرسل جوبان إلى الأمراء الذين في النقوب يأمرهم بأن يخرجوا، وكذا أرسل وراء اليزك، ووقعت الضجة بينهم في ظلام الليل، وسمع أهل القلعة بذلك، وقالوا: ما هذه الضجة؟ فقال الأزكشي: إن صدق حزري فقد جاءهم الخبر بأن السلطان [قادم] (٣) فلذلك رحلوا، وإلا ما هذا وقت الرحيل وقد أشرفوا على أخذ القلعة.

стр. 2244

وما أصبح الصباح وقد بقى هناك أحد من التتار سوى جوبان ومعه عشرة آلاف فارس، فأمر للزراقين بأن يضرموا النيران في المنجنيقات وفي الزردخانة، وأمر بإحراق سائر الأثقال التي ما قدروا على حملها، ثم ساروا خلف خربندا. وقال ابن كثير: وفي أوائل رمضان نازلت التتار الرحبة وحاصروها عشرين يومًا، وقاتلهم نائبها بدر الدين موسى الأزكشي خمسة أيام قتالًا شديدًا، فأشار رشيد الدين له بأن ينزلوا إلى خدمة السلطان خربندا ويهدوا له هدية ويطلبوا منه العفو، فنزل القاضي نجم الدين إسحاق وجماعة وأهدوا له خمسة أروس خيل وعشرة أباليج سكر، فقبل ذلك ورجع. (١) وكانت بلاد حلب وحماة وحمص قد أخلوا (٢) منها وخرب أكثرها، ثم تراجعوا لما تحققوا رجوع التتار عن الرحبة، وأما أهل الرحبة فإنهم لما رأوا ذلك سجدوا شكرًا لله تعالى، وقالوا، بعد ما أشرفوا على الأخذ: رحلوا عنا بغير مدافع. وأرسل الأزكشي إلى الشام من يعلم النائب بذلك. ذكر خروج السلطان من مصر وتوجهه إلى الشام لمحاربة خربندا قال ابن كثير في تاريخه: لما كان العشر الأول من رجب تواترت الأخبار بحركة التتار، فندب للكشف الأمير سيف الدين أقول السلحدار، وتوجه السلطان إلى نحو الجيزة يتصيد، وختم بالأهرام، ورسم الأرغون النائب بأن ينزل الأجناد البطالة في مدة الغيبة ليكونوا معينين إن دعت الضرورة إليهم، ففعل ذلك. (٣) وعاد الركاب الشريف من الجيزة إلى القلعة في شعبان، وأعطى لمن استخدم من الجند البطالين مثالات مبلغ من معاملة ساحل الغلة، وأُحضرت الخيول من الربيع

стр. 2245

وأبرزهم (١) الدهليز إلى مسجد التبر في أوائل رمضان، وأنفق في العسكر، وتأهب للعرض والتبريز، فكان يعرض في كل يوم أميرين من مقدمي الألوف، ويخرجان بمن معهما من الأمراء والمقدمين والحلقة ويرحلون أولًا فأولا، من التاريخ المذكور إلى الثاني والعشرين من الشهر، فلم يبق في الديار المصرية أحدٌ من الجيوش الإسلامية. وعَيَّد السلطان عيد الفطر بالقلعة، وفي ثانيه ركب منها وحل في ثالثه، ورتب سيف أيتمش نائبًا بالقلعة، وسيف الدين المحسني مشد الدواوين، وقد ذكرنا أن الأمير غرلو كان نازلًا على تدمر لكشف الأخبار، فلما طال به الأمر رجع إلى دمشق وأعلم النائب دنكز بأن العدو محاصر الرحبة ليلًا ونهارًا، وقد جدوا على الحصار غاية الجد، وإن لم يُدْركوا وإلا أُخذت، فأرسل النائب البريدي إلى السلطان، بذلك، وضاقت صدور أهل دمشق، وصاروا بالليل والنهار يدعون الله تعالى بأن يزيل هذه الغمة عنهم، وكان في جامع دمشق صريخ بالدعاء ليلًا ونهارًا، وجفل أهل الشام ورحل أكثرهم إلى الحصون وإلى الديار المصرية، وجيش الشام كانوا في تجهيز العدد ليلًا ونهارًا، وإنعال الخيول، وهم ينتظرون قدوم السلطان. وهم في ذلك فإذا [بريدي] (٢) وصل من ديار مصر بأن السلطان قد عبر منازل الرمل، ويجعل منزلتين منزلة واحدة، وأرسل إلى نائب دمشق يقول له أنفق في الجيش ليكونوا مجهزين للركوب، فإنا عن قريب عندكم. فلما قرأ النائب الكتاب، ضُربت البشائر (٣)، ودُقت الكوسات ونادت النقباء في العساكر بالعرض والنفقة، وشرع النائب في النفقات. وهم على ذلك، فإذا قاصد من نائب الرحية قد حضر، وأخبر أن العدو قد رحل، ولم يصل إلى الرحبة بحال، ولا نال منها غرضًا، فلما سمع النائب بذلك تهلل وجهه فرحًا.

стр. 2246

وقال: ما كان سبب رحيلهم؟ فقالوا: لا علم لنا، إلا أنهم جدوا علينا وأشرفوا على الأخذ، فإذا بهم وقد وقع بينهم أصوات في الليل، فلما أصبح الصباح ما رأينا منهم أحدًا، وأحرقوا المنجنيقات والزردخانة، وعدوا الفرات، وقطعوا الجسر، وسارت الكشافة وراءهم، ولم يروا لهم أثرًا. فتعجب دنكز من ذلك، ومن الحال كتب دنكز مطالعة إلى السلطان، وأرسل خازنداره مع مملوك الأزكشي فلاقوا السلطان وهو على غزة، فأعلموه بذلك، فقال السلطان: لا غنى عن السير وراءهم، ولو قطعوا جيحون، ثم أنه أمر بالرحيل فرحلوا، وجدّوا يطلبون دمشق. ذكر وصول السلطان إلى دمشق ولما قرب السلطان من دمشق، ركب سيف الدين دنكز وسائر الخلق إلى ملاقاة السلطان، فلاقوه، ودعوا له، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا (١)، ونزل بالقصر، ونزلت العساكر في ظاهر دمشق، ثم طلب السلطان الأمراء، وقال لهم: تجهزوا، فإن الرحيل بعد ثلاثة أيام إلى بلاد العدو، ثم قال لهم: ما قلتم؟ فقالوا: خلد الله ملك السلطان، وإش نحن حتى نتحدث، والمرسوم مرسوم السلطان، فالسلطان يسير ونحن بين يديه، برجال لا يخافون الموت، بل يرونه مقيما، ويرون الحياة مغرما، فخرجوا على هذا وشرعوا في التجهز. وفي تلك الليلة، طلب الأمراء كلهم، وقال: اعلموا أن فيكم مشايخ وقد شاهدوا الحروب وقاسوا النوائب فليشيروا علينا، فالرأى شرك، فقام الأمير سيف الدين كجكن، وجوبان، وبلبان البدرى، وأقجبا الظاهري، وبلبان التترى، هؤلاء من أمراء دمشق، ومن المصريين: الأمير جنكلي بن البابا، وطغاي، وكستاي، وبكتمر الحاجب،

стр. 2247

وحسين بن جندر، وأيدغدي شقير، وباسوا الأرض، ودعوا للسلطان، وقالوا: ما فينا إلا مَنْ يُشير بشيء غير أنه يمتنع من هيبة السلطان، فإن رسم لنا نتحدث، وإلا فنحن سكوت، فقال: أنا جمعتكم إلا للمشورة، فكل منكم يقول ما عنده، فقالوا: أيد الله مولانا السلطان، إن عدو الله ما رحل عن الرحبة إلا عن أمر عظيم ناله في ذلك الوقت، مع شدة البرد، وقلة المأكول، وضعف عسكره، وبلوغ قدوم السلطان بالعساكر المنصورة إليه، ولا يخفى على مولانا السلطان أن الشتاء مقبلة على الخيل، فإذا توجه مولانا السلطان إلى بلاد العدو يقاسي الجيش شدة، ويحصل لأهل البلاد أيضًا فساد، ومولانا السلطان في قلبه رحمة، لا تريد أن يتأذى أحد من المسلمين، والرأي رأي مولانا السلطان، ورأيه عَليّ، فقال لهم السلطان: لقد صدقتم، ولكن تتحدث الناس بأن العدو في أيام الملك الناصر حاصر ثغر من ثغور المسلمين شهرًا والناصر لم يكشف عنهم، وهذا عجز عظيم للملك، وقالوا: إش يريد مولانا السلطان في تاريخه أعجب من هذا، يأتي مثل خربندا بعسكر لا يُعد ولا يُحصى، ويعدي من الفرات، ويقيم على أقل الثغور شهرًا ولم يقدر على أخذ حجر منه، ثم يهرب ويعدى الفرات، وهذا ليس بقليل، والناس ما يقولون إلا أنه من حركة السلطان لما سمعها، فاستحسن السلطان كلامهم، ولكنه قال: لا بد من الحركة، ولو إلى سفرة زيارة بيت [الله] (١) الحرام، وزيارة قبر نبيه ﵇، فقالوا: الرأي رأي مولانا السلطان. ذكر سفر السلطان إلى الحج قال بيبرس في تاريخه: وفي الثامن من شوال وردت إلى السلطان مطالعات بأنه لما كان ليلة السادس والعشرين من رمضان رحلت التتار من الرحبة، فثنى السلطان عزمه إلى الحجاز، وفرق العساكر المنصورة في قاقون وعسقلان، واستصحب من شاء من الأعيان، ودخل دمشق في اليوم التاسع من شوال، وتوجه منها إلى الكرك في ثاني ذي القعدة فوصلها في ثامنه، وسار منها إلى الحجاز.

стр. 2248

وأقامت العساكر التي بدمشق صحبة سيف الدين أرغون نائب الكرك (١). وقال ابن كثير: وخرج السلطان إلى الحجاز في أربعين أميرًا من خواصه (٢). وقال النويري: توجه بهم يوم السبت ثاني ذي القعدة إلى الكرك، ثم منها إلى مدينة النبي ﷺ ، ثم منها إلى مكة شرفها الله، وتصدق بصدقات وقضى مناسكهـ، ورجع إلى المدينة فزار، وتوجه إلى الكرك، ثم إلى دمشق، فدخلها يوم الثلاثاء الحادي عشر من محرم سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. (٣) وذكر في كتاب سيرة الناصر: ولما عزم السلطان على الحج كان الركب قد خرج من دمشق من مدة عشرة أيام، وعين السلطان الأمراء الذين يأخذهم معه، واشتغلوا بتجهيز الشعير والبقسماط والروايا والقرب، وبعد ثلاثة أيام رحل، وكان رحيله في الخامس من ذي القعدة، وسار في خدمته خمسون أميرًا من أمراء مصر والشام، وخمسة أمراء من أمراء العربان، وألفا رجل من المماليك والعسكر على الهجن والخيل، وكانت تلك السنة خير ورخص وكثرة مياه في المنازل، ولما قرب السلطان من المدينة لاقاه صاحبها منصور (٤) ومعه أولاده، وخلع عليه السلطان خلعة سَنية، وسار بين يديه حتى نزل السلطان بظاهر المدينة، ثم اغتسل من وعث الطريق، ثم سار إلى النبي ﵇ وزاره، وفرق على المجاورين الدنانير والدراهم، وأقام بالمدينة يومين، وقال لمنصور صاحب المدينة، أحضر ولدك كُبَيْشَا (٥) لأنه بلغني عنه أمور منكرة، وكان قد بلغ

стр. 2249

السلطان بأنه دخل إلى الحرم النبوي راكبا، فقام إليه المجاورون وأنكروا عليه، وقالوا هذا لا يحل لحرمة النبي ﷺ ، فشتم المجاورين، فقام منصور وباس الأرض، وطلب العفو عنه، فقال السلطان: لا بد من إحضاره، وإلا آخذك معي إلى الديار المصرية، ثم إنه رسم عليه، فخرج مع السلطان تحت الترسيم. وكان قد بلغ خبر السلطان إلى حُميضة (١) ورُميّثه (٢) ابني أبي نميّ صاحبي مكة، شرفها الله تعالى. وقال خُمَيضة أنا لا أقابل السلطان، وأى وقت حضرنا عنده قبض علينا لذنوب سَلفت منا في حقه وحق الناس، فاتفقا على أن ينهزما ويتعلقا بجبال بني شعبة إلى حين رواح السلطان. وهما في ذلك، وإذا بنجاب قد وصل إليهما من عند منصور صاحب المدينة، يعلمهما بقدوم أخيهما أبى الغيث (٣) مع السلطان، وفي نية السلطان أن يقبض عليكما ويخلي أبا الغيث في مكة، فلا يقف أحد منكما قدامه، وإلا تروح روحه، فسألا النجاب: كم يكون مع السلطان من العسكر؟ قال: الجملة تجئ مقدار أربعة آلاف غير العرب، وأمراء العرب من مصر والشام، وأما عرب الحجاز فإنهم معه في ذل عظيم، وقد رسم على منصور، وطلب منه ابنه كُبيشا وقد هرب، فلما سمع حميضة ذلك قال: والله، هذا هو الموت بعينه، ثم إنه ركب في ساعته.

стр. 2250

وكان قد جاء كارم كثير من اليمن وتجار فنهب الجميع، وطلب أكابر مكة فصادرهم وأخذ أموالهم، وهرب منه خلق كثير، وطلب المجاورين وأخذ كل ما كان معهم من القوت والمال، وأي مَنْ مَانع قتله، وأرسل من يكشف له الخبر ساعة فساعة، ثم خرج من مكة وسار إلى جبال بني شعبة، وكانت جبالًا حصينة عالية، ما لأحد عليها سبيل. ولما وصل السلطان إلى خُليص أرسلَ صاحبَ خُليص إلى مكة يقول لحميضة أن يحضر ولا يتأخر، هو ومن معه، فإن حضر فله الأمان ولا يؤاخذ بالذي جرى منه وله العطاء والإنعام، وإلا فالسلطان يضيق عليه ويحصله وهو صاغر ذليل، ويسلخ جلده ويحشيه تبنّا، فسار صاحب خليص حتى وصل مكة وإذا بحميضة قد خرج من مكة، ونهب أموال الناس، وسد الأبيار التي في منى، وأفسد البلد، وجفل الناس، وعاد ولاقى السلطان على بطن مر، فأخبره بما فعل حميضة في مكة. ورحل السلطان ودخل مكة، وخرج التجار المأخوذون وصرخوا: يا مولانا السلطان أجرنا من هذا الباغي الطاغي الفاجر، فاشتد غضب السلطان عليه، فطلب السلطان أبا الغيث وسأل عنه عن الجبال التي تحصن بها حميضة، فقال: يا خوند، جبال منيعة لا يقدر على السلوك فيها إلا أهلها غير أن أهلها إذا رأوا طول الحصار عليهم أخذوه وأخرجوه من عندهم، فقال السلطان: هذا الوقت أدركنا مناسك الحج وليس لنا فراغ، ولكن اطلبوا لي رجلًا من خيار أهل مكة، فأتوا برجل صالح يُقال له: حماد، فأعطاه السلطان أمانًا وأرسله إلى حميضة في تلك الجبال. ذكر قضية رُمَيْثه مع الحُجَّاج قال الراوى: كنت في تلك السنة مع الحجاج، ونحن وقوف بعرفة، وكان قد قل الماء للناس لأن حميضة أفسد آبار مكة ومنى، فراحت الناس يَرِدون الماء من وادي نخلة، وإذا بالصياح وقد علا، فسأل السلطان: ما الخبر؟ فقيل له أن حُميضة قد خرج على الحجاج الذين وردوا الماء في وادي نخلة فقتل منهم جماعة، وأخذ منهم مقدار

стр. 2251

خمسمائة جمل، فركب السلطان بعسكره، وركبت الأمراء معه، وسار حتى طلع إلى ظهر الجبل، فترجل الأمير علاء الدين أيدغدى شقير، فقال: يا خوند، أنا أروح وراءه، فأخذ معه مائة فارس وسار على مقدمتهم، وإلى جانبه أبو الغيث بعربان تلك الأرض، فساقوا ودخلوا إلى وادي نخلة في ساعة، وإذا بالمأخوذين ينادون بالويل والثبور، فصاح أيدغدي شقير وقال: إلى أين راح الذي أخذكم، فقالوا: يا خوند، ما راح إلى الآن، لأنه كان معنا جماعة من الروم والتركمان والعجم، فهربوا بجمالهم، وعبروا في شعب من شعاب الجبل، فإن لم تلحقهم أخذوه في هذه الساعة، فلما سمع بذلك أيدغدي ساق حتى أشرف عليهم، وإذا بالعرب قد ترجلت وتستروا بحدايج (١) الجمال خوفًا من النشاب، وحدبوا سيوفهم، وأصحاب الجمال قد أيقنوا بالأخذ، فأشرف عليهم أيدغدي، ولما رآهم العرب ركبوا خيولهم، وكانوا مقدار خمسمائة فارس، وألف راجل، ومقدمهم رُميثة أخو حُميضة، وكان يزعم أنه يلاقي عسكر مصر بالذين معه، وكان أكثر من معه عبيدًا قد تربوا عندهم. فلما رأوا الترك: تصارخوا وقالوا: دونكم وإياهم، فما هم بشيء وقد ساقهم الله إليكم، وهم يظنونكم عرب بلادهم، فحملوا عليهم، وفي أوائلهم رُميثه وعليه قرقل أصفر وبركستوان أحمر وتحته حصان أخضر، وكان أفرس أهل زمانه، فحمل هو، وهو يقول: يا طناجرة (٢) الترك حل بكم الدمار، أهلكتم العباد، وأفسدتم البلاد، فاليوم نترككم حديثًا للناس. فعند ذلك هجمت عليهم الترك، وعلى مقدمتهم أيدغدي شقير، وهو على حصان أشقر، وعليه زردية، ولم يقصد رُميثه إلا أيدغدي، فحمل عليه، فلما حمل عليه أطلق أيدغدي نشابه في يده فتلقاها بترس (٣) مكي في يده سبع طبقات من جلود الجمال،

стр. 2252

فأخرقت النشابة الترس ووصل إلى رميثه فجرحته، فوقع الرمح من يده، وعانق ظهر جواده، وطلب النجاة لنفسه. ثم رشت الترك السهام فأعملوا بها الخيل وركابها، فولت العبيد، وأدركتها الترك بالسهام، فعظمت فيهم المصيبة، وتفرق جمعهم وتبعتهم الترك، فأدرك الليل، ولولا ذلك لأُخذوا كلهم. ثم رجع أيدغدى شقير مع أصحابه، وقد قتلوا منهم (١) جماعة، وأسروا خلقًا كثيرًا وإذا بالحجاج وقد جمعوا الجمال الشاردة. وكان مع رُميثه عرب، وهم رُكاب هجن، فلما رأوا رُميثه هاربًا نزلوا من الهجن وتعلقوا بالجبال، فأخذت الترك منهم سبعين هجينًا، وردوا كل ما كانوا أخذوه من الحجاج، وساروا يطلبون جبل عرفات، وما وصلوا إلى الجبل إلا في نصف الليل. ثم اجتمعوا بالسلطان، وحدثه أيدغدي بجميع ما جرى، فسر السلطان بذلك. ولما نزل السلطان على منى جاء إليه استادار حُميضه، ومعه ثلاثون فرسًا جيادًا من خيل الحجاز، ومائة هجين، وشيء كثير من القماش والثياب والعبيد، فقدمها إلى السلطان، وقال: أقل مماليكك حُميضه ورُميثه يقبلان الأرض ويسألان المراحم الشريفة، وأن لا يسمع مولانا السلطان فيهما كلام الحساد والأعداء الذين ينقلون الكذب لأجل أغراضهم ليتقربوا إلى المقام الشريف بالكلام المزور، فقال السلطان: الظاهر عنوان الباطن، ولو لم يكن الذي قيل عنهم صحيحًا لما هربوا مني، فقال: يا مولانا السلطان، ومن هو الذي ما يهرب من بين يدي الأسد؟ وما هربوا إلا خوفا من السطوات الشريفة، ونسأل العفو من هذه الجَرْية. وكان أيضًا قَدِم بتقادم إلى الأعيان الذين مع السلطان من الأمراء والخاصكية،

стр. 2253

فالكل ساعدوه على ما طلبه، وكان السلطان قد عين [أميرًا] (١) من أمراء مصر ومعه خمسمائة مملوك بأن يقيموا في مكة ومعهم أبو الغيث. ثم قال له السلطان: أنا ما لي عرض في أخذ مكة ولا في أخذ المال، وأنا ما أطلب إلا أمن الحجاج والتجار والمترددين إلى مكة، فقال استاداره: يا خوند، من عَدِم له عقال أعطيناه بعيرًا، ومن راح له درهم أعطيناه دينارًا، والله على ما أقول وكيل، فعند ذلك تحدثت الأمراء أيضًا، فرضى السلطان، وخلع على استاداره، وجهز معه خُلعًا لحُميضة ورُميثة، وسيوفًا وحوائص، وتقليد مكة ونواحيها ما داموا على الاستقامة. ثم رحل السلطان طالبا الديار الشامية. ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها: أن السلطان احتاط على دار شمس الدين قراسنقر المنصوري بالقاهرة، ووجد فيها، على ما قيل، اثنان وثلاثون ألف دينار عينًا، ومائة ألف وخمسون ألف درهم، وسروج مذهبة، وغير ذلك، فحُملت إلى بيت المال. ومنها: أن في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة قدم الإمام تقي الدين ابن تيمية إلى دمشق، وكانت غيبته عنها سبع سنين كامل، ومعه أخوه (٢) وجماعة من أصحابه، وخرج كثير من الناس لتلقيه، وسُروا بقدومه وعافيته، وكان قد خرج مع السلطان من مصر بنية الغزاة، فلما تحقق عدم الغزاة فارق الجيش من غزة وزار البيت المقدس وجاء على عجلون وبلاد السواد وزُرَع حتى قدم يوم قدم (٣).

стр. 2254

ومنها: أن خربندا لما رحل من الرحبة إلى بلاده بعساكره نزل على الموصل فجاءته نواب بلاده بالأموال والتقادم، فلم يستقر بل رحل طالبا تبريز، ولما استقر في تبريز سَير رُسلا إلى بلاده، فطلب النواب والملوك الذين بها مع عساكرهم، فأتى الجميع إلى تبريز، واجتمع عليها خلق كثير، فبينما هم كذلك، [إذ] (١) قد وصل رسول من عند ذلدي. قال الراوي: فأحضره خربندا، بعد أن حضر جميع الأمراء وقراسنقر والأفرم، وقال للرسول: قل لما جئت؟ فقال: يقول لك ذلدي: إن ملك الترك قد سيره ومعه ثمانون ألف فارس، وهو يطلبك أن تروح إليه، وإلا فهو يجئ إليك، قال: وأنت تعلم أنَّا إنما خَلَّينا لك هذه البلاد حتى تُسَير إلينا في كل عام الحمل، وقد انقطع الحمل من مدة ثلاث سنين، وقد علمت أَنَّا لو أردنا أن نَصفَّ من بلادنا إليكم عساكرا فارسًا بعد فارس لقدرنا، ولكنا نقنع بالحمل، فلا يكون جوابك إلا إرسال حمل ثلاث سنين التي مضت، أو الحرب بيننا. فلما سمع خربندا بذلك، قال للرسول: اذهب الآن واسترح حتى يجيئك الجواب، فخرج من عنده. ثم قال خربندا: ماذا يكون الجواب؟ فكل واحد منهم تكلم بشيء، ولم يكن جُوبان حاضرًا، فلما كان بعد ثلاثة أيام حضر جوبان، فقال له خربندا: نحن ننتظرك في الجواب، قال له جوبان: جوابه حاضر، فطلب الرسول وضربه بالدبوس إلى أن كاد أن يموت، فقال: أنا رسول وليس من عادة الملوك ضرب الرسول، فقال جوبان: أنا ما ضربتك حتى تعلموا أن ما عندنا جواب غير الرمح والسيف، فقال الرسول: أنا ما جئت إليك، وإنما جئت لصاحب الكرسي، قال: فقال له خربندا: اسمع من كلامه ما قال لك. فرجع الرسول إلى ذلدي وأخبره بما جرى عليه مع خربندا، فامتلأ عليه غضبًا، ثم أرسل إلى ملك الترك بأنه قد كسر عساكر خُراسان وقتل مقدميها، وأرسل إلى خربندا

стр. 2255

يطلب منه حمل البلاد، وأنه ضرب رسوله ورده بما يكره، ونحن منتظرون الجواب، فرد إليه الجواب: بأنك حال وصول الرسول إليك تركب إليه بعسكرك، فإن رأيتم فيكم قلة فأعلمني أُسير لكم عسكرًا يسد الأرض، ولولا خوفي من العساكر لسَيَّرت لك جيشًا يكون أوله عندكم وآخره في بلاد الترك. فرجع الرسول إلى ذلدي، وكان نازلًا على خُرسان، فلما سمع الرسالة قام وركب، وكان قد وصل إليه خبر دَمندار بأنه وصل إلى الماء الأسود، وهو نازل على بكر ويكير (١)، فلما ركب ذلدي سَيَّر دمندار يُعلم خربندا بركوبه. قال: فجمع خربندا الأمراء وقال لهم: اعلموا أن ذلدي ركب، ونخاف على دَمَنْدَار من مكيدة يعملها عليه ويهلك مَنْ معه من العساكر، وكان دمندار من أمراء خربندا، وكان قد جهزه إلى مازندران بعشرة آلاف فارس. ولما جمع خربندا أمراءه، قال لهم: ماذا تريدون في أمر ذلدي، فقال جوبان: ما ينفع إلا أن نجرد العساكر ونسير إليه، وهذه أيام الشتاء، فإن كان هو طلبنا قاتلناه، وإن تأخر سَيّرنا نوابّا إلى خراسان، ونحن نشتي في هذه السنة في مُوغان. فقال: فاستصوب الأمراء كلهم هذا الرأي، وسار خربندا يطلب خراسان، فإذا برسول من عند دَمَنْدَار أعلمه بأن ذلدي نازل على الماء الأسود، واليزك منا ومنهم على المشارع (٢)، وإن لم تلحقوا بالعساكر وإلا عبروا إلينا. قال الراوي: فساق خربندا وهو مسرع من غير تمهل حتى وصل إلى الماء الأسود، فإذا بعسكر ذلدي وهم يريدون قطع الماء إلى الناحية الأخرى، ولهم يزك مقابل دمندار. وكان ذلدي قد سير رسولًا إلى بلاد كيلان، لما نزل على الماء الأسود، يقول لهم: قد علمنا ما جرى عليكم مع التتار أولا، وكيف جاءوا عليكم وقصدوا هلاككم، ونصركم الله تعالى عليهم، فالآن نحن قد وصلنا إليهم، ونحن مسلمون وأنتم مسلمون، ونريد منكم أن

стр. 2256

تمكنونا من العبور في رأس الماء، لأن الماء الأسود من بلد كيلان ينزل من جبالها فيجتمع ويصير بحرًا لا يقدر أحد أن يعبر فيه، ولا له مشرع، وإذا أراد أهل كيلان أن لا يمكنوا أحدًا من العبور في رأس الماء يمنعونه، لأنه مكان وعر كثير الأشجار صعب المسلك. فلما وصل رسول ذلدي إلى صاحب كيلان جوان شير، وسمع كلامه، أجابه: السمع والطاعة، وقال له: لكم منا كل ما تريدون، فإن [جئتم] (١) إلينا نزلنا معكم، وإن أردتم أن لا نمكن أحدًا من العبور في رأس الماء من التتار فعلنا ذلك، فقال له نعم. وفي الحال جهز جوان شير أربعة آلاف راجل إلى دربند الماء فساروا إليه، وسَيَّر مع الرسول حاجبه ومعه هدايا وتحف. ولما وصل حاجب جوان شير إلى ذلدي فرح به، وقال له: إن جوان شير يقبل الأيادي الكريمة ويهنئ مولانا بالنصر على الأعداء، ويقول لك: لا يهولك مكر التتار، فإنهم ما ملكوا البلاد إلا بالمكر والحيل، وإنهم لا يقاومونكم في الحرب أبدًا، وإذا جد بينكم الحرب أرسلوا إلينا وعرفونا حتى ننزل إليكم ونشهد موقفكم. وأما خربندا، فإنه لما وصل إلى الماء الأسود، كما ذكرنا، ونظر إلى ذلدي وأصحابه، جمع أصحابه وقال لهم: ماذا ترون لي مع هؤلاء؟ وهؤلاء عسكر عظيم مقدار عسكرنا مرات، فإن عبروا إلينا ما نعرف يكون الأمر بيننا وبينهم، وكان ذلك الوقت أول زمان الشتاء. قال الراوى: فأقام خربندا هناك شهرين مقابل ذلدي [ولا يقدر] (٢) أحدهما على الآخر لأجل عدم التمكن من العبور في الماء، فلما جمد الماء حتى صار يحمل مشى الخيل عليه أرسل ذلدي إلى خربندا يقول له: نحن نعبر إليكم أو نتأخر حتى تعبروا إلينا، فقال خربندا: نحن نتأخر واعبروا أنتم إلينا، فرجع رسول ذلدي إليه وأعلمه بذلك.

стр. 2257

وكان ذلدي هذا معروفًا بالمكر والدهاء والحيل في أمور الحرب، فأحضر أميرًا من أصحابه يقال له: تكال بغا، يعلم أنه كفء لما نُدب إليه، وقال له: خذ معك مائة ألف واعبر من دربند كيلان من رأس الماء، ويكون اجتماعنا في يوم واحد، فقال له: سمعًا وطاعة، وقال لهم: لا ترحلوا إلا في الليل بحيث لا يعلم أحد إلى أين أنتم رائحون، فأي مَنْ وجدتموه في الطريق فاقبضوا عليه، فرحل تكال بغا في تلك الليلة مع أصحابه وساروا. وأما خربندا فإنه جمع الأمراء للمشاورة، وقال لهم: اعلموا أننا اتفقنا مع العدو بأنه يعبر إلينا، وقد تعين الحرب، فأشيروا، فالرأي مشترك، فقال جوان: الرأي عندي إنا ليلة الميعاد نؤخر منا عشرين ألفا يكمنون بين هذه الروابي والشعاب ليلة المصاف، فإذا [اشتدت] (١) الحرب وعظم الخطب فَنُهزم بين أيديهم إلى وسط الكمين، فنخرج عليهم فنكسرهم، فقال له خربندا: لقد أصبت في هذا الرأي، ولكن نخاف أن يولى العسكر فلا نقدر على جمعه، فقال جوبان: هاهنا رأي آخر، وهو أنا نخلى لنا كشافة عليهم، فإذا شرعوا في العبور (٢)، تترصدهم كشافتنا، فإذا عبر نصف عسكرهم يعلموننا بهم فنعاجلهم فنأخذهم إن شاء الله تعالى، فقال خربندا: نخاف من عاقبة البغي، فقال قراسنقر، مَنْ شفق على عدوه بُلى به، فآخر الأمر اتفقوا على هذا الرأي. ولما كان ثاني اليوم رحل خربندا وتأخر إلى الوراء، وركب ذلدي وقال لقومه: إن خربندا يريد أن يخادعنا فيترصد عبورنا في الماء حتى عَدَّى نصفنا يعاجلنا، فالرأي عندي أن لا تعبروا كردوسًا (٣) كردوسًا ملبسين متأهبين للحرب، ولا يعبر ناس بعد ناس لأن الماء قد جمد فيحمل الخيل والجمال، وها أنا أول من يعبر، وكان هو أول من عبر ومعه عشرة آلاف ملبس، وكشافة خربندا وقوف، وكان قد صح عندهم أن مع ذلدي مائتا ألف فارس، فقالوا: إذا رأينا وقد عبر مقدار مائة ألف فارس أعلمنا خربندا بذلك، وشرعت عسكر ذلدي تعبر أولًا فأول، وما انتصف النهار إلا وقد عبر أكثر من مائة

стр. 2258

[ألف] (١) فارس، وذهبت كشافة خربندا فأعلموه بذلك، وكان خربندا وعسكره على ظهور خيولهم واقفين غارقين في السلاح، فساق خربندا حاطمًا على ذلدي، فلما رأى ذلدى ذلك صاح في رجاله وأبطاله. ولما رأى قراسنقر ذلك، قال للأفرم وهو إلى جانبه: كم هربنا من الموت وما قدرنا، وهذا آخر أيامنا من الدنيا، فياليتني ما خرجت من بلاد [الملة] (٢) الإسلامية المحمدية، ثم قال للأفرم: اجمع بالك ولا تفارقني وقد [قامت] (٣) الحرب، ولما رآهم ذلدي وهم في لبسهم، ولم يغيروا ذلك، قال لأصحابه: إن صدق حزري فهؤلاء الأمراء الذين هربوا من السلطان الملك الناصر وجاءوا عند خربندا، فاحذروهم، فإنهم رجال الحرب. وفي ذلك الوقت حملت الخيل على الخيل، وقد ذكرنا أن خربندا جعل كمينا، وكان رأس الكمين هو جوبان ومعه عشرون ألف فارس، وحمل خربندا بباق عسكره، فبينما هم في شدة الحرب، إذ وَلَّى خربندا مع التتار يطلبون موضع الكمين، فلما رأى ذلدي ذلك تبعهم، خرج جوبان بمن معه، فلما رأى عسكر ذلدي خروج الكمين من خلفهم، وأن العسكر المنهزمة رَدَّت، قال ذلدي: والله، سبقونا إلى ما دبرناه، فولت عسكره، وأخذوا الطريق الذي خرجوا منها، وجاء خربندا من قدامهم بمن معه من العسكر فالتجأوا إلى جبل هناك، ومانعوا عن أنفسهم، وكان قريب المساء، فدارت عساكر خربندا بهم من كل جانب وأيقن ذلدي وأصحابه بالهلاك، فقال له أمراؤه: والله، أسأت حيث فرقت (٤) عسكرك فرقتين، وما نعلم ما الذي جرى لتكال بغا، واليوم ميعاده معنا، فقال ذلدي: الذي قدره الله كان، وما بقي هذا الكلام يخلصكم، ولا يخلص إلا ضرب الحُسام وتجريع الموت، فقاتلوا عن أنفسكم قتال من أيس من الحياة وأيقن

стр. 2259

بالوفاة، ولو كان القوم يبارزونا فارس بعد فارس لخرجت إليهم وبذلت نفسي دونكم، وفي غد ترون ما أصنع. وبات تلك الليلة يشجعهم ويطمعهم بزخرف الأقاويل. هذا وخربندا في الفرح والسرور وأنه في يقين من انتصاره عليهم، وقد عول أن يأخذهم وقت الصباح. ولما أصبح الصباح قامت الحرب، وأمر خربندا لعساكره بأن تترجل فترجلوا على الأرض، ولما نظر ذلدي وأصحابه إلى ذلك عزموا على أن يسلموا لهم أرواحهم ويطلبوا الأمان، فبينما هم على ذلك فإذا بغبار قد ثار حتى ملأ الأقطار من ناحية بلاد التتار، ولم يسمعوا من تحت الغبار إلا دق الطبول وصياح الفرسان، فصرخ ذلدي في أصحابه وقال لهم: هذا تُوكال وقد أقبل إليكم فخذوا لأرواحكم وشجعوا أنفسكم، فالشجاعة هي صبر ساعة، فلما سمعوا ذلك قووا قلوبهم وركبوا خيولهم، وانحدروا من رأس الجبل. وأما خربندا، فإنه لما نظر إلى عسكر وقد أقبلت، قال لأصحابه: إش هذا الغبار؟ فقال له جوبان: هذا غبار كمين ذلدي، فوالله، لقد رابنى قلة عسكرهم، وإذا بالغبار وقد ارتفع عن تُكال بُغا ومعه مائة ألف فارس، فصرخ في فرسانه فحملوا، ونزل ذلدي من الجبل وحمل من ناحية أخرى. ولقد قاتل في ذلك اليوم قراسنقر والأفرم وجوبان، ما [رأى] (١) الراؤون بمثله، فكثر بين الفريقين القتل والجرح، وامتلأت المعركة من [القتلى] (٢)، فعند ذلك ذلت طائفة التتار وطلبوا النجاة لأنفسم، وذلدي تبعهم بمن معه ثلاثة أيام. هذا والأفرم وقراسنقر والزردكاش ومماليكهم حول خربندا، فقال خربندا: والله، إن كان عسكر الشام مثل هؤلاء فما على وجه الأرض أفرس منهم.

стр. 2260

وأما خربندا فإنه تأخر إلى ورائه قليلًا، قليلًا، وسار حتى وصل تبريز، [وتفقد] (١) عسكره، فوجد قد عدم منهم خمسين ألفًا، فاغتم غمًا شديدًا، وقال له جوبان: لا تُضيق صدرك فالدنيا هكذا، فيوم لنا ويوم علينا، ولكن عن قريب يبقى عسكرك أحسن مما كان وأكثر إن سمعت مِنِّي، فقال له: وما أصنع؟ فقال: اخرج الأموال القديمة التي من عهد الآباء والأجداد، وأنفق في العسكر، واستخدم الرجال، فقال له: نِعم الرأي. ففي الحال أرسل البريدية، ونادي في البلاد بالنفقة في الجند، وأرسل إلى بحيرة المجمع وجاب منها الأموال على ظهور الجمال، واجتمع عليه الجند من جميع البلاد ونفق عليهم، فيما مضى عليه ستة أشهر حتى بقى عسكره مائتي ألف مقاتل. وأما ذلدي فإنه عول على الرحيل خلفهم، ونزل على بكر وبكير، وهما قلعتان على النهر الأسود، فنزل إليه صاحب القلعتين وقدم له تقادم واستعرض حوائجه، فقال له: يا ملك، أنا وبلادي وأولادي كلهم مماليك الملك الكبير، ففرح ذلدي بذلك وشكره على فعله، ثم رحل طالبًا لبلاده. وأما خربندا فإنه أقام أياما في هم وحزن بسبب انكساره ورواح رجاله وأمواله، فدخلت عليه المغل وطيبوا قلبه، وقالوا: أيها الملك، بلادك متسعة، ورجالك كثيرة، وأموالك غزيرة، فلا تحمل الهم. فقال: ما هي إلا صاحب مصر يسمع بهذه الكسرة فيطمع فيَّ ويَشْمت بي، فقال له قراسنقر والأمراء، صاحب مصر يرضى بالمساكتة، فعند ذلك فرح بعض الفرح، وخلع على قراسنقر، وأعطى الأفرم همدان وجهزه بأحسن جهاز، وشكر صنيعهم. قال الراوي: فباسوا كلهم الأرض، ورحل كل أمير إلى محل ولايته.

стр. 2261

ومن الحوادث في هذه السنة أن عمارة الجامع الجديد الناصر بمصر بشاطئ النيل انتهت في هذه السنة، وكان الناصر قد شرع فيها في أوائل سنة عشرة وسبعمائة كما ذكرنا (١). ومنها أن الوزير أمين الملك تكلم بعد سفر السلطان في الأموال، وطلب أرباب الولايات، وأمر بالاستخراج والعقوبة، وممن صودر القاضي محيي الدين (٢) بن فضل الله، أُخذ منه جملة من المال، فانقطع عن ديوان الإنشاء. وفيها بلغ النيل (٣). وفيها حج بالناس بالركب المصري الأمير مظفر قيدان الرومي، وبالركب الشامي حسام الدين لاجين الصغير الذي كان والى البر.

стр. 2262

ذكر من توفي فيها من الأعيان • قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد (١) بن إبراهيم بن [إبراهيم بن داوود ابن] (٢) حازم الأذرعى الحنفي. وكان بارعًا فاضلًا، دَرَّس وأفتى، وكان من أعيان مذهبه، يعرف الفقه والأصول والنحو، ودَرس مدة بالشبلية التي على جسر ثورا بدمشق، وتولى القضاء بدمشق سنة كاملة ثم عُزل، وسافر منها إلى الديار المصرية فدخلها متمرضّا، ونزل بخانقاه سعيد السعداء فأقام بها خمسة أيام. ومات في سلخ رجب (٣)، وكان مولده بأذرعات سنة أربعين (٤) وستمائة، وكان متواضعًا ساكنًا، كريم الأخلاق، ﵀. • القاضي تاج الدين عبد الرحيم (٥) بن تقي الدين عبد الوهاب بن الفضل بن يحيى بن السنهوري (٦)، كان ناظر النظار بالديار المصرية. أقام في نظر الدواوين نحوا من ثلاثين سنة (٧)، وعُرضت عليه الوزارة مرارًا فلم يقبل، قيل أنه لم يكن أحد يعرف أموال الديار المصرية مثله.

стр. 2263

مات في سابع عشر (١) ربيع الآخر بمصر معزولًا، وعمره نحو مائة سنة وتسع سنين. وكان كثير الصيام والذكر والتلاوة. • القاضي شهاب الدين غازي (٢) بن شهاب الدين أحمد بن الواسطى ناظر حلب. وولي نظر الدواوين بمصر مدة، ونظر الصحبة، ونظر دمشق، وغير ذلك، وكتب بديوان الإنشاء مدة. توفي في الثامن عشر من ربيع الآخر منها (٣). • القاضي تاج الدين أحمد (٤) بن القاضي عماد الدين محمد بن شمس الدين محمد بن هبة الله بن الشيرازي الدمشقي. مات ببستانه بالمزة، ودُفن بسفح قاسيون بتربة والده. وكان من أعيان الدماشقة، ولى وكالة بيت المال والحسبة ونظر الدواوين، وتنقل في المناصب، ولما مات لم يكن في يده منصب. ومولده سنة ست وخمسين وستمائة، ومات في رابع رجب، وهو والد القاضي عماد الدين (٥).

стр. 2264

• القاضي نور الدين أحمد (١) بن الشيخ شهاب الدين عبد الرحيم بن عز الدين عبد الله بن رواحة الحموي الأنصاري، وكان رأس الدرج بطرابلس. مات بحماة معزولًا في السادس عشر (٢) من شعبان. وكان دينًا فاضلًا، وله شعر فمنه ما ذكره الشيخ علم الدين البرزالي، قال أنشدني نور الدين بن رواحة لنفسه قوله: ألا يا رسول الله دعوة مخلص … يُرَجِّيك في بُعد المزار وقربه وسائله سارت لأكرم مرسل … متى يدعه للجود داع يُلبه وقد كان من أنصار جندك جنده … فكن أنت من أنصاره عند ربك وسله له جدوى بإغناء فقره … وكبت أعاديه وغفران ذنبه (٣) • شرف الدين محمد (٤) بن موسى بن محمد بن خليل المقدسي، الكاتب المنشيء. مات في خامس عشر (٥) شعبان بالقاهرة. وكان فاضلًا، حسن النظم والنثر، إلا أنه كان كثير الهجاء، وكان معروفًا بكاتب أمير سلاح، وعنده حكمة وفلسفة.

стр. 2265

ومن شعره: اليوم يوم سرور لا شرورَ به … فَزَوِّج ابن سحاب (١) بابنة العنب ما أنصف الناس (٢) من أبدى القطوب بها (٣) … وثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب وله: صَرَّف بصِرف الحُميا ما حَمي طربًا … فإن فيه (٤) لسم الهم درْياقا (٥) دنياك معشوقةٌ والروح ريقتها … فارشُف مراشفها إن كنت عَشَّاقا وله: نقص الفتى يُبديه قرينه … فاهجر كبيرك إن أردت كمالا فالبدر صار لبعده عن شمسه … بدارا وكان من الدنو هلالا وقال الشيخ بدر الدين بن المحدث (٦): رأى شرف الدين المذكور عندي صبيًا حسنًا يكتب، فأخذ لوحه وكتب فيه، وكان اسمه سالمًا: وأهيفَ تهفو نحو بانة قَدِّه … [قلوب] (٧) تبث الشجو فهي حمائمُ

стр. 2266

عجبت له إذ دام توريدُ خدّه … وما الورد في حال على الغصن دائمُ وأعجب من ذا أن حيَّة شَعْره … تجول على أعطافه وهو سالمُ وله: عانقتُه ولثمت وجنته التي … ختمت بعنبر خاله الفيَّاح فبكى وبَلَّ الدمعُ خديه كما … ضحك الحبابُ على احمرارِ الراح وله القصيدة البديعة التي أولها: ما مِلتُ عنك لجفوة وملال … كلا (١) ولا خطرَ السلو ببالي (٢) • الشيخ عمر (٣) بن الشيخ أبي عبد الله بن النعمان. توفي بمصر في أواخر شهر رمضان (٤). • العدل الفاضل شهاب الدين أحمد (٥) بن سليمان بن مروان بن علي بن سحاب البعلبكي. مات بداره بدمشق (٦)، ودفن بسفح قاسيون

стр. 2267

وكان تاجرًا بالخواصين، ثم ترك ذلك وشهد عند [الحكام] (١)، واستقر في شهادة القيمة. وكان له اشتغال بالعربية والأدب، ونظم الشعر، فمن نظمه قوله: صُن ذا الجمال الذي استولى على المهج … وراقب الله في ذا المنظر البهج فما القلوب جماد عند رؤيته … كم مغرم بك يا روح الحياة شج عد الجميل وخف يوم المعاد ولا … تثني سجاياك دعوى البارد الحجج ولا يصدك عن إسعاف ذي كمد … متيم بك عذل العاذل السمج بما بقدك من لين ومن هيف … وما بطرفك من سحر ومن دعج لا تتعب الطرف في نهب الورى عبثًا … أرح قليلا سرايا طرفك الغنج فكم أسير غرام في قيود هوى … ومن سليب من الأشواق في لجُج يساير النجم لا ترقي مدامعه … ولا يبيت على وعد ولا فرج وإن جرى العذل في مجرى مدامعه … قال الهوى بلسان الحال لا تلج وقال: هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا … ومنتهى أربى صدوا وإن وصلوا مالى أعترض عليهم في تصرفهم … جاروا على بوصل أم هم بخلوا أحبابنا كيف حللتم قطيعة مَنْ … أمسى وليس له في غيركم أمل لا يحمل الضيم إلا في محبتكم … ولا يُقاس به في عزه رجل

стр. 2268

ولى رسائل في ظن القبول خذوا … منها حديثي الذي نيطت به القبل إذا تذكرت إياي بقربكم … والوصل متصل والهجر منفصل وخدد الدمع خدي من تدفقه … وفي الحشا لهب الأشواق يشتعل والآن قد حيل ما بيني وبينكم … وضاق منه عَلَىّ السهل ترى أرى صافيا ما قد تكدر من … عيشي وترجع لي أيامي الأول ويصبح الشمل ملتاما وليس لمن … قد كان يحسدنا قول ولا عمل والحب يبدى اعتذارا من جنايته … بغير وجه ويعلو وجهه الخجل وكل ساع سعى فينا يقول لنا … لا ناقة لي في هذا ولا جمل وله: إلى سحر عينيك العيون تهاجر … وقد فبيت أبصارنا والبصائر بكل فؤادي للعيون وساوس … نواه بتحكيم الغرام أوامر بآيات هذا الحسن مازلت مؤمنًا … وإني بما يُوحى من العذل كافر وحزني طويل مثل حسنك كامل … ودمعي سريع مثل هجرك وافر وربع اشتياقي أهل بك عامر … ومغني اصطباري دارس الرسم داثر لساني وطرفي منك يا غاية المنى … وفي كلف عندي خطيب وشاعر فهذا المعنى حُسن وجهك ناظم … وهذا لدمعي من تجنبك ناثر وإني لشاك للمشيب وواجد عليه … وداع للشباب وشاكر

стр. 2269

ليالى فيه الغانيات نواظر إلىّ … وغُصنُ اللهو فينان ناضر ويجمعنا روضُ بُنعمان زاهر … تجاوب عيدان به ومزاهر يطوف علينا بالحُميا جاء در … وليس لنا عن مذهب الغي زاجر ولا كاشح يخشى ولا عيبُ عائب … وعاد لنا من سائر الناس عادر • الشيخ الصالح نور الدين أبو الحسن علي (١) بن محمد بن هارون بن محمد بن هارون بن على بن حميد الثعلبي الدمشقي، قارئ الحديث. مات في ربيع الآخر (٢) بالقاهرة، ودفن خارج باب النصر، ومولده سنة ست وعشرين وستمائة. وكان مسند القاهرة في وقته، وخَرَّج له قاضي القضاة تقي الدين (٣) السبكي مشيخة، وكان رجلًا صالحًا مشهورًا بقراءة الحديث، معروفًا بالخير، وهو والد زين الدين عبد الرحمن (٤) المعروف بابن القارئ.

стр. 2270

• الفقيه العدل علاء الدين على (١) بن عماد الدين إبراهيم بن عبد المحسن بن عبد الصمد بن قرناص، الخزاعي الحموى. مات بظاهر دمشق (٢)، ودفن بمقابر الصوفية، ومولده في أواخر سنة أربع وخمسين وستمائة. وكان فاضلًا، اشتغل وحصل، وسافر إلى الحجاز واليمن وديار مصر. وله نظم كثير، فمنه قوله: إليك اشتياقي لا إلى الربع والمغني … وأنت لقلبي (٣) عندما نطق المعنى فيا غائبًا وفي القلب حاضر … فلله ما أقصاه (٤) عني وما أدنى أذبت فؤادي بالقطيعة والجفا … وأنعمت عيشي بالتواصل والحسنى أأحبابنا منوا عَلَىَّ بعودة (٥) … فقد سلمت أرواحنا بالجفا منا وحقكم لم أبغ (٦) عنكم تسليا … وإن كان ما قد قيل حقًا فلا كُنَّا

стр. 2271

• الشيخ المسند نور الدين على (١) بن نصر الله بن عمر بن عبد الواحد القرشي، المعروف بابن الصواف. مات بسوق الغنم ظاهر القاهرة (٢). روي عن ابن باقا (٣) وسمع: جعفر الهمداني، وابن الصابون، وجماعة كثيرة، ومولده سنة عشرين وستمائة تقريبًا. تفرد بالرواية، وقصده الطلبة وأخذوا عنه، ﵀. • الشيخ الفاضل الصدر الرئيس سراج الدين عبد اللطيف (٤) بن رشيد بن محمد التكريتي، التاجر الكارمى. مولده في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وستمائة بتكريت، ودخل اليمن والهند، وقدم الإسكندرية واستوطنها، وبنى بها مدرسة للفقهاء الشافعية. وكان له عند السلطان الملك المنصور قلاوون مكانة عظيمة، وكان يقول ما لأحد

стр. 2272

على فضل وأنا أمير مثل سراج الدين التكريتي، عُرض عليه أشياء كثيرة من الولايات فلم يقبل. ولسراج الدين قصائد رائقة في النبي ﷺ ، منها قوله: ما شاقه البان ولا يشوقه … مذ لمعت ببارق بروقُه وجرى إلى المغنى القديم فانثنى … وشوقه نحو الحمى يسوقه يهوى بأكناف الحمى مُحبًا … حكاه من غض النقا وريقه وهي قصيدة طويلة. وله أيضًا قوله: يا دار عزه مَنْ للواله الباكي … بنظرة يتملى من مُحياكي أضحى الحزام وبيت الشيح منذ سرى … به النسيم عبيرًا حين وافاك كم ليلة بات طرفي ساهرا قلقا … يرعى النجوم وليس القصد إلَّاك حملت بارقك النجدي حين سرى … إلى الحمى أرجَى يحكي خزاماك ما المنحنى ما رُبى نجد وابرقها … وما العُذيب وبان الجزع لولاك وما سعاد وما لُبنى وزينتها … إليك أنست ولكن لَوَّح الحاكي يا ظبية المنحنى من أضلعي سكنت … جاورت قلبي فأمسى وهو مرعاك مازلت راعية حسب القلوب وما … زالت قلوب جميع الخلق ترعاك لولاك ماسرت الهوج الركاب بنا … وَخْدًا وما سارت الركبان لولاك دعوت وفدك والأشواق تجدُ بهم … إلى قراك فكل الوفد لباكي

стр. 2273

تُرى تجود لنا الأيام عائدة … بالمنحنى ويُحيِّينَا محياكي وهل تعود ليالينا بقربكم … ويرجع الشمل محصلًا برياك ودعت قلبي وصبري بعد بعدكم … والبين أقصاها من حين أقصاك هَبي المنام لأجفاني ولا سِنَة … يحيى بطيفك فيها بعض قتلاك أزوره في الدجى أقضى بها وطرا … لا أصغر الله رب العرش ممشاكي أو لامع البرق من تلقاك لى سَحَرًا … بلوح وَهْنًا فيحكي حُسن مَرآك يا نوق لا تسامي حر الهجير ولا … طول المسير وهذا من سجاياك لك الهنا إن بدا وادي العقيق لنا … ضُحى فما بعده إلا مضحاك لا مَسَّ ظهرك من بعد النقا قتب … ولا تعدى الحيا الوسمي مغناك بُشراك يا نفس إن نلت المنى وحوى … مغناك صريع هذا الحي بشراك هذا محل الرجاء فيما أؤمله … هذا الحبيب وهذا الحي حياك وأنشد بنا وناد حول روضته … الغناء لا فض من بعد النداء فاك يا تربة المصطفى المختار من مضر … سقى ثراك الحياط لا ورواك ضممت خير عباد الله كلهم … من أنبياء وعباد ونُساك هذا النبي الذي تُرجى شفاعته … للهارب المستجير الخائف الباكي هذا البشير النذير الشافع القمر … المنير الطيب الطهر التقي الزاكي يا سيد العرب العرباء قاطبة … وأشرف الخلق من عرب وأتراك

стр. 2274

يا من سَمَتْ سماء العلياء رتبته … على القبيلين من رسل وأملاك إن رمت وصفك أو احصاء معجزة … من معجزاتك كل الوصف والحاكي لكن أتيتك بالتقصير معترفا … إذا اعترافى بالتقصير إدراكي يا سيدي يا رسول الله يا أملي … يا عدتي ورجائي عند إضناكي هاجرت نحوك من أقصى البلاد وقد … هجرت أهلي وأولادي وأملاكي وقد نزلت حماك اليوم معتضدًا … أسير ذنب عظيم حائر باكي وعادة العرب العرباء جارية … حمي النزيل وكشف الضيم للشاكي وهذا أوان انصرافى عن حماك وفي … يديك عتقى وتسريحي وإفكاكي صلى عليك إله الناس ما طلعت … شمس الضحى وسرت شهب بأفلاك وشعره كثير، وكله مدح في النبي ﷺ . • الشيخ مجد الدين أحمد (١) بن ديلم بن محمد الشيبي، شيخ بني شيبة، وشيخ الكعبة المعظمة، وشيخ الحرم الشريف. مات في هذه السنة (٢)، ودفن بالمعلاة (٣). روى عن ابن مسدي، والمرسي، وغيرهما.

стр. 2275

• الملك المظفر شهاب الدين غازي (١) بن الملك الناصر صلاح الدين داوود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب. مات بالقاهرة يوم الاثنين ثاني عشر رجب بعد العصر. وتوفيت زوجته، وهي ابنة عمه الملك المغيث بن المعظم، وقت عشاء الآخرة. فخرجت جنازتهما جميعًا (٢). وكان قد حج وزار القدس وتوجه إلى دمشق وعاد إلى القاهرة فمات بها. وولد بالكرك عاشر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة. وكان فاضلًا دينًا متواضعًا. • الملك المنصور صاحب ماردين، وهو نجم الدين أبو الفتح غازي (٣) بن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان بن الملك السعيد نجم الدين غازي بن أرتق الأرتقي، أصحاب ماردين من عدة سنين. وكان شيخًا حسنًا، مهيبًا، كامل الحلقة، سمينًا بدينا، إذا ركب يكون خلفه محفة خوفًا أنه يمسه لغوب (٤) فيركب فيها. وكانت وفاته في تاسع ربيع الآخر، ودُفن في مدرسة تحت القلعة، وعَمر فوق السبعين، فكانت مملكته قريبًا من عشرين سنة.

стр. 2276

وقام من بعده ولده العادل عَلِىَّ فملك سبعة عشر يومًا، ثم ملك [أخوه] (١) الصالح بن المنصور. • الأمير سيف الدين قطلوبك (٢) الشيخي. كان من أمراء دمشق الكبار، توفي في هذه السنة فيها (٣): ﵀. • الأمير بهاء الدين مغلطاي (٤) البهائي. توفي فيها (٥) بطرابلس، وكان قد رُسم بالقبض عليه، فوصل البريدي بذلك بعد وفاته بيوم (٦).

стр. 2277

مصَادِر ومرَاجِع التحقيق تحتوي القائمة التالية على أسماء المصادر والمراجع الإضافية التي استلزمها تحقيق هذا الجزء من كتاب "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك" (١). (١) القرآن الكريم. (٢) إتحاف الوري بأخبار أم القرى، ابن فهد (محمد بن محمد ت ٨٨٥ هـ)، ٥ مجلدات، جامعة أم القرى - ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م. (٣) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، السلاوي (أحمد بن خالد الناصري ت ١٣١٥ هـ/ ١٨٩٧ م)، تحقيق ولدى المؤلف: جعفر ومحمد، ٩ أجزاء، دار الكتاب، الدار البيضاء ١٩٥٤ - ١٩٥٦. (٤) إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، ابن هاشم الطباخ الحلبي (محمد بن راغب بن محمود)، ٧ أجزاء، حلب ١٩٢٣ م. (٥) إعلام الوري بمن ولي نائبا من الأتراك بدمشق الشام الكبرى، ابن طولون (محمد بن علي الصالحي الدمشقي ت ٩٥٣ هـ/ ١٥٤٦ م)، تحقيق د. عبد العظيم حامد خطاب، القاهرة ١٩٧٣ م. (٦) أعيان العصر وأعوان النصر، ابن أيبك الصفدي (صلاح الدين ت ٧٦٤ هـ/ ١٣٩٣ م)، ٦ مجلدات، تحقيق د. على أبو زيد وآخرين، دار الفكر، دمشق ١٩٩٧ م. (٧) الألقاب الإسلامية، د. حسن الباشا، القاهرة ١٩٥٧ م. _________ (١) تخفيفًا لهوامش التحقيق استخدمنا مختصرات في الإشارة إلى غالبية المصادر والمراجع، وفي هذه القائمة أثبتنا المختصرات - كما وردت في الهوامش - مرتبة ترتيبًا أبجديًا، وأمام كل مختصر اسم المصدر أو المرجع بالكامل.

стр. 2278

(٨) الانتصار لواسطة عقد الأمصار، ابن دقماق (إبراهيم بن محمد ت ٨٠٩ هـ/ ١٤٠٦ م) نشر فولرز، بولاق ١٣٠٩ هـ/ ١٨٩٣ م. (٩) الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، ابن أبي زرع (على بن محمد بن أحمد ت ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٥ م)، الرباط ١٩٧٣ م. (١٠) الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر في عصر سلاطين المماليك، د. محمد محمد أمين، دار النهضة العربية، القاهرة، ١٩٨٠. (١١) الإيضاح والتبيان في معرفة الكيل والميزان، ابن الرفعة الأنصاري (أبو العباس نجم الدين ت ٩١٠ هـ/ ١٣١٠ م)، تحقيق د. محمد أحمد إسماعيل الخاروف، من منشورات مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى - دمشق ١٩٨٠. (١٢) بدائع الزهور في وقائع الدهور، ابن إياس (محمد بن أحمد الحنفي ت ٩٣٠ هـ)، تحقيق محمد مصطفى، الطبعة الثالثة، القاهرة ٢٠٠٨ م. (١٣) البداية والنهاية، ابن كثير (أبو الفداء إسماعيل بن عمر ت ٧٧٤ هـ)، ٢١ مجلد، تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي، القاهرة، ١٩٩٧ م. (١٤) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، الشوكاني (محمد بن علي بن محمد ت ١٢٥٥ - ١٨٣٤ م)، جزءان، القاهرة، ١٣٦٤ هـ، ١٩٢٩ م. (١٥) بغية الوعاة في طبقات النحاة، السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ت ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م)، جزءان، القاهرة، ١٩٦٤ م. (١٦) تاج التراجم في طبقات الحنفية، قاسم بن قطلوبغا (الشيخ أبو العدل زين الدين ت ٨٧٩ هـ/ ١٤٧٤ م)، بغداد ١٩٦٢ م. (١٧) تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي (أبي الفيض، محمد بن محمد ت ١٢٠٥ هـ)، تحقيق مجموعة من العلماء، الكويت، ١٩٦٥ - ٢٠٠١ م. (١٨) تاريخ ابن الجزري، (شمس الدين محمد بن إبراهيم ت ٧٣٨ هـ)، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، ٣ أجزاء، بيروت ٢٠٠٦ م.

стр. 2279

(١٩) تاريخ الحروب الصليبية، ستيفن رنسيمان، نقله إلى العربية د. السيد الباز العريني، ٣ مجلدات، بيروت ١٩٦٧ - ١٩٦٩ م. (٢٠) تاريخ الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الله، السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ت ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م)، القاهرة ١٣٥١ م. (٢١) تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسرات الحاكمة، د. أحمد السعيد سليمان، جزءان، دار المعارف بالقاهرة ١٩٦٩. (٢٢) تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية، الزركشي (محمد بن إبراهيم، القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي)، تحقيق محمد ماضور، تونس ١٩٦٦ م. (٢٣) تاريخ ابن الفرات، ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات (ت ٨٠٧ هـ)، المجلدات ٧، ٨، ٩، تحقيق د. قسطنطين زريق، د. نجلاء عز الدين، بيروت ١٩٣٦ - ١٩٤٢ م. (٢٤) تاريخ ابن قاضي شهبة، ابن قاضي شهبة (أبو بكر بن أحمد الأسدي الدمشقي، ت ٨٥١ هـ)، ج ٣، تحقيق عدنان درويش، دمشق ١٩٧٧ م. (٢٥) تاريخ الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي وأولاده، الشجاعي (شمس الدين الشجاعي) تحقيق بربارة شيفر، فيسبادن ١٩٧٨ م. (٢٦) تاريخ ابن الوردي، ابن الوردي (زين الدين عمر بن مظفر ت ٧٤٩ هـ)، مجلدان، بيروت ١٩٩٦ م. (٢٧) تالي كتاب وفيات الأعيان، الصقاعي (فضل الله بن أبي الفخر، ت القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي)، تحقيق جاكلين سويلة، المعهد الفرنسي - دمشق ١٩٧٤ م. (٢٨) تثقيف التعريف بالمصطلح الشريف، ابن ناظر الجيش (عبد الرحمن بن محمد التميمي الحلبي، ت ٧٨٦ هـ)، تحقيق رودلف فسلي - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة ١٩٨٧ م. (٢٩) التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية، ابن الجيعان (شرف الدين يحيى بن شاكر ت ٨٨٥ هـ/ ١٤٨٠ م)، نشره مريتز، بولاق ١٢٩٦ هـ/ ١٨٩٨ م.

стр. 2280

(٣٠) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، السخاوي (محمد بن عبد الرحمن ت ٩٠٢ هـ/ ١٤٩٧ م)، ٣ أجزاء، القاهرة ١٩٧٩ - ١٩٨٠ م. (٣١) التحفة الملوكية في الدولة التركية، بيبرس المنصوري (ت ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م)، تحقيق د. عبد الحميد صالح حمدان، القاهرة ١٩٨٧ م. (٣٢) تذكرة الحفاظ، الذهبي (محمد بن أحمد ت ٧٤٨ هـ/ ١٣٤٨ م)، ٤ أجزاء، بيروت ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٤ م. (٣٣) تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، ابن حبيب الحلبي (الحسن بن عمر ت ٧٧٩ هـ/ ١٣٧٧ م)، ٣ أجزاء - تحقيق د. محمد محمد أمين، القاهرة ١٩٧٦ - ١٩٨٦ م. (٣٤) تقويم البلدان، أبو الفدا (إسماعيل بن علي، الملك المؤيد ت ٧٣٢ هـ/ ١٣٣١ م)، باريس ١٨٤٠ م. (٣٥) التكملة لوفيات النقلة، المنذري (زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي ت ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، مجلد ٥ - ٦ تحقيق بشار عواد معروف، القاهرة ١٩٧٥ - ١٩٧٦ م. (٣٦) التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنكية والقبطية، محمد مختار، مصر ١٣١١ هـ. (٣٧) الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين، ابن دقماق (إبراهيم بن محمد ت ٨٠٩ هـ/ ١٤٠٦ م)، تحقيق د. سعيد عبد الفتاح عاشور، مركز البحث العلمي - جامعة أم القرى ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٢ م. (٣٨) حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر ت ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م)، جزءان، القاهرة ١٩٦٧ م. (٣٩) خطط الشام، محمد كرد على، ٦ أجزاء، دمشق ١٩٢٥ م.
следующие страницы →