← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الشيخ أبو عبد الله محمد بن غانم بن كريم الأصبهانى. قدم بغداد، وكان إماما فاضلا، فتتلمذ (١) للشيخ شهاب الدين السهروردى (٢)، فانتفع به، وتكلم بعده على الناس فى الوعظ، وفاق أهل زمانه، وكان حسن الطريقة، له يد فى التفسير، وله تفسير على طريقة التصوف، وفيه لطافة، ومن أشعاره: وقوفى بأكناف العقيق عقوق … إذا لم أرد والدمع فيه عقيق وإن لم أمت شوقا إلى سكن الحمى … فما أنا فيما أدعيه صدوق أيا ربع ليلى ما لمجنون فى الهوى … سواه ولا كلّ الشراب رحيق ولا كلّ من يلقاك قلبه واعى … ولا كلّ من يحنو إليك مشوق تكاثرت الدعوى على الحبّ فاستوى … أسير صبابات الهوى وطليق توفى الشيخ بن غانم فى هذه السنة، ﵀. أبو الفتح نصر الله (٣) بن هبة الله بن عبد الباقى بن هبة الله بن الحسين بن يحيى الغفارى الكنانى المصرى، ثم الدمشقى. كان من أخصّاء الملك المعظم وولده الملك الناصر داود، وقد سافر معه إلى بغداد فى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وكان أديبا مليح المحاضرة، ومن أشعاره:

стр. 72

ولما أبيتم سادتى عن زيارتى … وعوضتمونى بالبعاد عن القرب ولم تسمحوا بالوصل فى حال يقظتى … ولم يصطبر عنكم لرقية قلبى نصبت لصيد الطيف نومى … حبالة فأدركت بالنوم بالنصب الشريف أبو عبد الله محمد (١) بن الحسين الأرموى، الفقيه الشافعى، المعروف بقاضى العسكر. تولى نقابة الأشراف، وقضاء العسكر، وترسّل إلى بغداد وغيرها، وصحب شيخ الشيوخ أبا الحسن بن حمويه (٢) وتفقه عليه، وكان [٣٤٣] من الرؤساء المذكورين والفضلاء المشهورين، توفى فى هذه السنة بمصر. باطو (٣) خان بن دوشى خان بن جنكز خان. مات فى هذه السنة ببلاد الشمال، وكان لقبه صاين خان، ومعناه الملك الجيدّ، وكانت مدّة مملكته ببلاد الشمال ونواحى الترك والقفجاق مدّة عشر سنين، وهو ثانى ملك تملكها من ذرّية جنكز خان، وكرسىّ هذه المملكة تسمى صراى (٤)، وخلّف

стр. 73

من الأولاد ثلاثة وهم: صغان (١) وبركة وبركجار، فنازعهم أخوه المملكة، واستبدّ بها دونهم، وكان اسمه صرطق (٢) بن دوشى خان بن جنكز خان، فاستقرّ فى هذه السنة فى الملك بالمملكة المذكورة.

стр. 74

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الحادية والخمسين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله. وصاحب الديار المصريّة: الملك المعز أيبك الجاشنكير التركمانى الصالحىّ. وصاحب الديار الدمشقيّة والحلبيّة والحمصيّة: الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر غازى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وصاحب تدمر والرحبة: الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن المنصور. وصاحب حماة: الملك المنصور ناصر الدين محمد بن المظفر تقى الدين محمود ابن المنصور بن المظفر تقى الدين محمود بن المنصور بن المظفر عمر بن شاهين شاه ابن أيوب. وصاحب الكرك: الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل. وصاحب بعلبك وبصرى: الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن العادل. وصاحب عينتاب: الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غازى ابن صلاح الدين، ولكنه توفى فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 75

وصاحب ميافارقين: الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازى بن العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وصاحب الموصل: الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ. وصاحب الروم ثلاثة وهم: عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، أولاد غياث الدين كيخسرو، والسلطان الأكبر بالروم علاء الدين كيقباذ، وكرسيّه قونية. وصاحب بلاد الشمال صرطق. [٣٤٤] وصاحب قراقروم: منكوقان. وصاحب العراق: هلاون. وكان نائب السلطنة بالديار المصريّة: سيف الدين قطز، والوزير بها: الصاحب شرف الدين الفائزى، وقاضى القضاة بدر الدين السنجارىّ استقلالا بالقاهرة ومصر المحروستين والوجهين القبلى والبحرىّ. وكان الأمير الكبير فى الديار المصريّة فارس الدين أقطاى الجمدار الصالحى النجمىّ، واستفحل أمره فى هذه السنة، وانحازت إليه البحريّة، وأرسل إلى ابن الملك المظفر صاحب حماة (١) يلتمس وصلته، ويخطب إليه ابنته، وكان الرسول إليه الصاحب فخر الدين محمد (٢) بن الصاحب بهاء الدين المعروف بابن حنّا، ولم

стр. 76

يكن والده وزّر بعد، وإنما كان مرشّحا لذلك، فلما وصل إلى صاحب حماة تلقّاه بالإجلال وإجابة السّؤال، وجهّز ابنته بما يليق بمثلها. فسمت نفس الأمير فارس الدين، وعلت رتبته، وكثرت أتباعه وشيعته على البحريّة وغيرهم من الخوشداشيّة بالإقطاعات والصلات والإطلاقات، وكانوا لا يعبأون بالملك المعزّ، ولا يلبّسونه ثوب عزّ؛ بل يهضمون جانبه، ويعطّلون مراسمه ومآربه، وينتقصون حرمته، ويغضون منه، وهو يسرّ ذلك كلّه ويخفيه، ويضمره فى نفسه ولا يبديه، وأعمل الحيلة على قتل الأمير فارس الدين أقطاى لأنه الرأس، وإذا قتله لا يثبت بنيان البحرية بغير أساس، فانقضت هذه السنة وهم على هذه الحال، والبحريّة منهمكون على اللّذات والصيد، والمعزّ ينصب لهم حبائل الكيد. وفيها قدّم (١) فى الجيش المصرىّ بالفرنج، ووعدوهم أن يسلّموا إليهم بيت المقدس إن نصروهم على الشاميّين، وكان قد اشتدّت الحرب بينهم ونشبت، ودخل الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة بينهم وأصلحهم. وقال السبط: وقدم الشيخ البادرائى والنظام بن المولى (٢) القاهرة، وحلّفا الملك المعزّ والأمراء، وخلّصا الأمراء المعظم وأخاه النصرة (٣)، وابن صاحب

стр. 77

حمص، وغيرهم، [وبنت الأشرف (١)] وأولاد الصالح إسماعيل (٢)، وغيرهم من المحبوسين. وفيها: « ............... (٣)». وفيها: حج القاضى بدر الدين (٤) قاضى مصر على البحر وعاد على البرّ، والأصح أن حجه [٣٤٥] كان فى السنة الثانية والخمسين، وحج بالناس « ...... (٥)» عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ٦

стр. 78

ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ المسند أبو القاسم عبد الرحمن (١) بن أبى الحرم، المعروف بابن الحاسب، سبط الحافظ أبى طاهر السّلفى، توفى فى هذه السنة بمصر. الشيخ الفاضل أبو الفضائل أحمد بن يوسف المغربى القفصى، توفى فى هذه السنة بمصر، وله شعر حسن، ونثر جيّد، ومصنّفات فى عدّة فنون. الشيخ الأديب أبو إسحاق إبراهيم (٢) بن سليمان بن حمزة الدمشقّى، الكاتب المعروف بابن النجار. توفى فى هذه السنة بدمشق. وله شعر حسن، وكان أحد الكتاب المشهورين بجودة الحطّ، وقوّة الكتابة، وسافر إلى حلب، وإلى ديار مصر، وغيرها. سعد الدين محمد (٣) بن المؤيّد بن حمويه، ابن عمّ صدر الدين شيخ الشيوخ، توفى فى هذه السنة بخراسان.

стр. 79

وكان زاهدا عابدا ورعا لطيفا، يتكلّم فى الحقيقة، وله مجاهدات ورياضات، وقدم مصر، وحج، وسكن الشام، فأقام بقاسيون مدة فى زاوية يتعبّد، ومعه جماعة من أصحابه، وكان فقيرا جدّا، ومع ذلك لم يكن يتردد إلى أحد من أبناء الدنيا، ولا إلى بنى عمه، ولما ضاق به الحد توجه إلى خراسان واجتمع بملوك التتار، فأحسنوا فيه الظن، وأعطوه مالا كثيرا، وأسلم على يده خلق كثير منهم، وبنى بآمد خانكاة وتربة إلى جانبها، وأقام يتعبّد، وله قبول عظيم هناك، فقال فى بعض الأيام: أريد أزور جّدى محمد بن حمّويه بجراباذ، ومضى إليه وزاره، وأقام عنده أسبوعا، فمات ودفن هناك إلى جانب جدّه، وقيل: إنه مات فى سنة خمسين وستمائة (١). الإمام جواهر زاده، العالم العلاّمة بدر الدين محمد (٢) بن محمود بن عبد الكريم الكردرىّ المعروف بجواهر زاده، ابن أخت الشيخ شمس الدين الكردرىّ شمس الأئمة. تفقه على خاله شمس الأئمة الكردرىّ، وتوفى سلخ ذى القعدة من سنة إحدى وخمسين وستمائة، ودفن عند خاله. كمال الدّين أبو المكارم عبد الواحد (٣) بن خطيب زملكا (٤).

стр. 80

كان فاضلا، عالما خيّرا، متميّزا فى علوم متعددّة، وتولى قضاء صرخد، ودرّس [٣٤٦] ببعلبك، ثم توفى فى دمشق فى ثامن المحرم (١) من هذه السنة، ودفن بمقابر الصوفيّة. وكان أبوه عبد الكريم الخطيب، توفى فى سنة خمس وثلاثين وستمائة. الملك الصّالح صلاح الدين أحمد (٢) بن الملك الظاهر غازى بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب عينتاب (٣). توفى فى شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة (٤) بعينتاب ودفن فيها. وكانت ولادته فى صفر سنة ستمائة بحلب، وكان ملكه عينتاب من سنة أربع وعشرين وستمائة، وكان أولا بيده الشغر وبكاس، فانتزعهما الأتابك طغرل وعوّضه عنهما بعينتاب والراوندان، واستمّر فى عينتاب إلى أن توفى بها فى هذه السنة، ﵀.

стр. 81

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثانية والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله. وأصحاب البلاد وملوك الأطراف على حالهم، غير صاحب الشمال صرطق ابن دوشى خان بن جنكز خان، فإنه هلك فى هذه السنة على ما نذكره عن قريب، وكذلك هلك الأمير فارس الدين أقطاى قتيلا. ذكر مقتل فارس الدين أقطاى: قال بيبرس: وفى هذه السنة عزم الملك المعزّ على قتله، واتفق مع مماليكه على حيلة، فلما كان فى شهر شعبان أرسل إليه يستدعيه موهما له أنه يستشيره فى مهمات من الأمور، ويعرض عليه آراء من التدبير، وقد كمن له كمينا من مماليكه وراء قاعة الأعمدة (١) بالقلعة، وقرّر معهم أنه إذا مرّ مجتازا بالدهليز يبتدرونه بسرعة ويعاجلونه بالصرعة، فلما وردت إليه رسالة المعزّ بادر بالركوب فى نفر يسير من مماليكه من غير أن يعلم أحدا من خوشداشيّته، لثقته بتمكن حرمته، وطلع القلعة آمنا، ولم يدر بما كان له كامنا، فلما وصل إلى باب القلعة منع مماليكه من الدخول معه، ووثب عليه المماليك المعزيّة فعلوه بالمشرفيّة، وأذاقوه كأس المنيّة، وقتلوه على مكانته، ولم ينجده أحد من بطانته.

стр. 82

وفى تاريخ النويرىّ: وفى هذه السنة [٣٤٧] اغتال الملك المعزّ أيبك التركمانى المستولى على مصر خشداشه الفارس أقطاى الجمدار، وأوقف له فى بعض دهاليز الدور التى بقلعة الجبل ثلاث مماليك وهم: قطز وبهادر وسنجر الغتمى، فلما مرّ بهم أقطاى ضربوه بسيوفهم فقتلوه (١). ذكر ترجمة أقطاى: ويقال له: أقطايا (٢)، كان من مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب، وكان أحد الجمداريّة عنده، ثم ترقت به الحال إلى أن استولى على الديار المصرية، وتقدم على البحرية الذين أهلكوا الناس. وقال ابن واصل: وكان أقطاى إذا ركب يقتل (٣) بين يديه جماعة بأمره، وكانت خزائن مصر بيده، وكان أصحابه يأخذون أموال الناس وحريمهم وأولادهم أخذا باليد، ولا يقدر أحد على منعهم، ويدخلون حمامات النساء فيأخذون منهنّ من يختارون. وكان أقطاى يمنع الملك المعزّ أيبك من الاستقلال بالسلطنة، وكان الاسم للملك الأشرف موسى بن يوسف بن الملك الكامل بن العادل بن أيّوب، فلما قتل

стр. 83

أقطاى استقلّ أيبك بالسلطنة، وأبطل الأشرف المذكور بالكليّة، وبعث به إلى عمّاته القطبيّات (١)، والأشرف المذكور آخر من خطب له من بيت بنى أيّوب بالسلطنة فى مصر، وكان انقضاء دولتهم من الديار المصرية فى هذه السنة. ذكر ما تجدّد للبحريّة الصالحيّة بعد موت أقطاى المذكور: ولما شاع الخبر بموته قتيلا، وبلغ خوشداشيّته الأمر ضاق بهم الفضاء، وحاق بهم القضاء، وتحققوا أنهم متى تلبّثوا أخذوا بالنواصى والأقدام، وألحقوا به فى الإعدام، فأجمعوا أمرهم على التوجه إلى الشام، وكان منهم من الأمراء الأعيان: الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ، والأمير سيف الدين قلاوون الألفى، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، والأمير سيف الدين سكز، والأمير سيف الدين برامق، وغيرهم، فرأوا الرواح خيرا من الإقامة، واتفقوا وخرجوا ليلا فوجدوا باب المدينة [٣٤٨] الذى قصدوا الخروج منه مغلقا، فأضرموا فيه نارا، وهو الباب المعروف بباب القرّاطين (٢)، وتوجّهوا على حميّة نحو البلاد الشاميّة، وقصدوا الملك الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب وغيرهما ليكونوا عنده من جملة العساكر، ولما أصبح المعزّ بلغه تسحّبهم من المدينة، فأمر بالحوطة على أملاكهم وأموالهم ودورهم وغلالهم

стр. 84

ونسوانهم وغلمانهم وأتباعهم وأشياعهم، واستصفيت أموالهم وذخائرهم وشونهم، واستتر من تأخرّ منهم، واختفى من انقطع من الأتباع عنهم، ونودى عليهم فى الأسواق والشوارع والطرقات والقوارع بتهديد من يأوى منهم أحد عنده، وتمكن الملك المعزّ من المملكة، وارتجع ثغر الإسكندرية (١) إلى الخاصّة السلطانية، وأبطل ما قررّه من الجبايات ووزّعه من الجنايات، وأعفى الرعية من المطالبات والمصادرات. ذكر وصول البحرية إلى الشّام: ولما وصلت البحريّة المذكورون الهاربون من مصر إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام أطمعوه فى ملك مصر، فرحل من دمشق بعسكره ونزل غمتا من الغور، فأرسل إلى غزّة عسكرا فنزلوا بها، وكذلك برز المعزّ أيبك صاحب مصر إلى العبّاسة، وخرجت السنة وهم على ذلك. وفى تاريخ النويرىّ: ولما قتل أقطاى تفرقت أصحابه وانعزل منهم جماعة، تقدير اثنى عشر نفرا، وخرجوا هاربين خوفا من المعزّ، فوقعوا فى التّيه، فذكروا أنهم أقاموا فيه خمسة أيام حائرين؛ ثم نفذ زادهم وماؤهم فى اليوم السادس، ولاح لهم سواد على بعد، فقصدوه، فإذا هو مدينة عظيمة ذات أسوار وأبواب حصينة كلها من الرخام الأخضر، فدخلوها، فوجدوا الرمل ينبع من أرضها كنبع الماء، فطافوا بأسواقها ودورها، فلم يجدوا بها ما يأخذون، لأن جميع

стр. 85

أوانيهم وملابسهم (١) تتفتّت كالهباء إلا أنهم وجدوا فى بعض المواضع تسعة دنانير منقوش عليها صورة غزال وحوله أسطر بالعبرانيّة، ثم وجدوا مكانا ابريدون [٣٤٩] فحفروه، فطلعت لهم بلاطة، فرفعوها فإذا صهريج ماء أبرد من الثلج، فشربوا واستقوا وسافروا تلك الليلة، فوقعوا على قبيلة من العرب، فحملوهم إلى الملك المغيث صاحب الكرك (٢)، فأمر بهم فنزلوا فى الربض، ثم عرضوا تلك الدنانير على الصيارف، فقال بعضهم: هذه ضربت فى أيام موسى ﵇، فسألنا عن قصتها، فأخبرنا، فقال: هذه المدينة الخضراء بنيت لما كان بنو إسرائيل فى التّيه، ولها طوفان من رمل، فتارة يزيد وتارة ينقص، وهى مخفية لا يقع عليها إلا تائه، ثم بعنا كل دينار بمائة درهم (٣). ذكر هلاك صرطق (٤) بن دوشى خان بن جنكز خان صاحب البلاد الشمالية: مات فى هذه السّنة حتف أنفه، وكانت مدّة مملكته سنة وشهرا، ولم يكن له ولد يلى المملكة بعده، وكانت براق شين زوجة طغاى (٥) بن أخيه [باطو خان (٦)] قد أرادت أن تولى ولدها تدان منكو السلطنة، وكانت لها بسطة وتحكم، فلم يوافقها الخانات أولاد باطو وبقيّة الأمراء فلما رأت أنهم لم يوافقوها راسلت

стр. 86

هلاون، وأرسلت إليه نشابا بلا ريش، وقباء بلا بنود، وبعثت تقول له: قد فرغ الكاشن من النشاب، وخلا القرنان من القوس، فتحضر لتتسلم الملك، ومعنى (١) هذه الرسالة: إنه لم يبق ممانع ولا مدافع، ثم سارت فى إثر الرسول تقصد اللحاق بهلاون وإحضاره إلى بلاد الشمال. وكان (٢) أول من دخل البلاد الشماليّة ومملكتها من أولاد جنكز خان دوشى خان، واستقر بها إلى حين هلاكه، فملكها بعده ولده باطو خان، ثم ملكها بعده ولده (٣) الثانى صرطق، فلما عزمت براق شين على ذلك، بلغ القوم ما أرادته، فأرسلوا فى إثرها، وأعادوها كارهة، وغرقوها جزاء بما فعلت. ذكر جلوس بركة فى المملكة: ولما جرى ما ذكرنا، جلس بركة خان فى كرسى المملكة، وبركة خان هذا هو ابن باطو خان بن دوشى خان بن جنكز خان، ولما ملك البلاد أسلم وحسن إسلامه، وأقام منار الدين، وأظهر شعائر المسلمين، وأكرم الفقهاء [٣٥٠] والعلماء، وأدناهم، وأبرّهم، ووصلهم، واتخذ المساجد والمدارس بنواحى مملكته، وأخذ بالإسلام جلّ عشيرته، ونفذ أمره، وامتدّت أيامه، وأسلمت زوجته حجك خاتون، واتخذت لها مسجدا من الخيم (٤) يحمل معها حيث اتجهت، ويضرب حيث نزلت، وكان من شأنها وشأن زوجها ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 87

وفى تاريخ بيبرس: وكان السبب فى إسلام بركة خان أن الشيخ نجم الدين الكبراء (١) كان قد ظهر صيته وارتفع ذكره، ففوّق مريديه إلى المدن العظام، ليظهروا بها شعائر الإسلام، وأرسل سعد الدين الحموىّ إلى خراسان، وكمال الدين السرياقى إلى تركستان، ونظام الدين الجندى إلى قفجاق، وسيف الدين الباخرزى إلى بخارى، فلما استقر الباخرزى ببخارى أرسل تلميذا له كبير المحلّ عنده إلى بركة خان، فاجتمع به ووعظه، وحبّب إليه الإسلام، وأوضح له منهاجه، فأسلم على يده، واستمال بركة عامّة أصحابه إلى الإسلام، وقصد أن يبرّ الشيخ بشئ قبالة ما أسداه إليه، فأمر له ببايزة (٢) بالبلاد التى هو فيها ليكون وقفا على الفقراء والصلحاء وتجبى أموالها إليه، وأرسل البايزة إلى الباخرزى، فلما وصلته قال لرسوله: ما هذه؟ قال: هذه تكون فى يد الشيخ تحمى كل من يكون من جهته. فقال: اربطها على حمار، ثم أرسله إلى البريّة، فإن حمته من الذهاب (٣) فأنا أقبلها، وإن كانت لا تحمى الحمار فما عساه لى فيها، وأبى أن يقبلها، فعاد الرسول وأخبر بركة بما قال الشيخ، فقال بركة: أنا أتوجّه إليه بنفسى، فسار نحوه، ووصل إلى بخارى، وأقام بباب الشيخ ثلاثة أيام، وهو لا يأذن له فى الدخول إليه،

стр. 88

حتى تحدّث معه بعض مريديه، فقال: إن هذا ملك كبير، وقد أتى من بلد بعيد يلتمس التبرّك بالشيخ والحديث معه، فلا بأس بالإذن له، فأذن له عند ذلك، فدخل إليه وسلم عليه، وكان الشيخ متبرقعا فلم يكشف له عن وجهه، ووضع بين يديه [٣٥١] مأكولا، فأكل منه، وجدّد إسلامه على يده، وعاد عنه إلى بلده. ذكر بقيّة الحوادث: منها: أنه وردت الأخبار من مكة، شرفها الله، بأن نارا ظهرت فى أرض عدن فى بعض جبالها بحيث أنه يظهر شررها إلى البحر فى الليل، ويصعد منها دخان عظيم فى أثناء النهار، فما شكّوا أنها النار التى ذكر النبىّ ﷺ أنها تظهر فى آخر الزمان، فتاب الناس، وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا فى أفعال الخير والصدقات. ومنها: أن الشريف المرتضى وصل من الروم ومعه بنت علاء الدين كيقباذ صاحب الروم ملكة خاتون التى خطبها الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، فزفت إليه بدمشق، ودخل بها، واحتفل لها احتفالا عظيما. قال السبط: وتلقاها قضاة البلاد، والولاة، والنواب، بالهدايا والإقامات، من الروم إلى دمشق (١). ومنها: أن الملك المنصور صاحب حماة ولّى قضاء حماة للقاضى شمس الدين إبراهيم بن هبة الله بن البارزى بعد عزل القاضى المحيى حمزة بن محمد.

стр. 89

ومنها: أن هلاون شن الغارات على بلاد الإسماعيليّة وقلاعهم ومعاقلهم، وهم المسمّون بالملاحدة، فنهب وسبى، وفتح فى هذه السنة قلعتين من قلاعهم إحداهما (١) تسمى قلعة صرطق والأخرى قلعة تون، واستمرّ على النهب والغارة ومضايقة القلاع. وفيها: « ......... » (٢). وفيها: حج بالناس « ......... » (٣).

стр. 90

ذكر من توفى فيها من الأعيان الخسرو شاهى المتكلم عبد الحميد (١) بن عيسى شمس الدين. أحد مشاهير المتكلمين، وممن اشتغل على الفخر الرازى فى الأصول وغيرها، ثم قدم الشام فلزم الملك الناصر داود بن الملك المعظم وحظى عنده. وقال أبو شامة: وكان شيخا نبيها (٢) فاضلا متواضعا حسن الظاهر. وقال السبط: كان كيّسا، محضر خير، لم ينقل عنه أنه أذى أحدا، فإن قدر على نفع وإلا سكت (٣). توفى ﵀ بدمشق، [٣٥٢] ودفن بقاسيون على باب تربة المعظم. الشيخ كمال الدّين [محمد بن أحمد بن هبة الله (٤)] ابن طلحة الذى ولى الخطابة بدمشق بعد الدولعى، ثم عزل وصار إلى الجزيرة، فولى قضاء نصيبين، ثم صار إلى حلب، فتوفى فيها فى هذه السنة.

стр. 91

وقال أبو شامة: وكان فاضلا، عالما، طلب أن يلى الوزارة فامتنع من ذلك، وكانت وفاته فى السابع والعشرين من رجب منها (١). السّديد (٢) بن علان، آخر من روى عن الحافظ ابن عساكر سماعا، مات فى هذه السنة بدمشق. الناصح فرج (٣) بن عبد الله الحبشى. كان كثير السماع مسندا خيّرا صالحا، مواظبا على سماع الحديث وإسماعه إلى أن مات بدار الحديث النوريّة بدمشق فى هذه السنّة (٤). القاضى الفقيه أبو القاسم محمد بن أبى إسحاق إبراهيم الحموى الشافعى المعروف بابن المنقشع المنعوت بالعباد. ولى القضاء بحماة، وترسّل عن صاحب حمص إلى بغداد مرارا، ودخل مصر، وتولى القضاء بها، ثم خرج إلى الشام فتوفى فيها.

стр. 92

الشيخ أبو شجاع بكبرس (١) بن عبد الله التركى الفقيه الحنفى المعروف بنجم الدين الزاهد مولى الخليفة الناصر لدين الله (٢). توفى فى هذه السنة، ودفن بتربة الإمام أبى حنيفة، رضى الله عنه، ببغداد وقال صاحب طبقات الحنفيّة: بكبرس بن يلنقح أبو الفضائل وأبو شجاع الفقيه الأصولىّ الملقّب نجم الدين التركىّ الناصرى مولى الإمام الناصر لدين الله، وله مختصر فى الفقه على مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه نحو من القدورى (٣) اسمه الحاوى، وله شرح العقيدة للطحاوى، فى مجلد كبير ضخم فيه فوائد، سماه بالنور اللامع والبرهان الساطع (٤).

стр. 93

وذكره الصاحب ابن العديم فى تاريخ حلب، وقال: فقيه حسن، عارف بالفقه والأصول، وكان يلبس لبس الأجناد: القباء (١) والشربوش (٢)، عرض عليه المستنصر قضاء القضاة ببغداد وأن يلبس العمامة، فامتنع من ذلك (٣). قال ابن العديم: وبلغنى أنه كان اسمه أولا منكو برس فسمىّ بكبرس، وكان خيّرا، ورعا تقيّا، فاضلا، حسن الطريقة، وتوفى فى أوائل ربيع الأول من هذه السنة، ودفن إلى جانب قبر أبى حنيفة ﵀[٣٥٣] فى القبّة فى الرّصافة. وبكبرس بفتح الباء الموحّدة، وسكون الكاف، وفتح الباء الثانية، وسكون الراء، وفى آخره سين مهملة. ويلنقلح: بفتح الياء آخر الحروف، واللام، وسكون النون، وكسر القاف، وكسر اللام الثانية، وفى آخره حاء مهملة. الشيخ أبو الخير بن عثمان بن محمد بن حاجى المقرئ توفى بمصر فى هذه السنة. الشيخ الفقيه العالم أبو البركات عبد السّلام (٤) بن عبد الله الحرانى الحنبلى، مات فى هذه السنة بحرّان.

стр. 94

الأديب أبو الفتوح ناصر (١) بن ناهض اللحمى المعروف بالحصرى. كان شاعرا محسنا، ومن شعره المعشّرات المشهورة التى مطلعها: أما لك باداء المحبّ دواء … بلى عند بعض الناس منك شفاء وغيرها من القصائد. مات فى هذه السنة بمصر، ﵀. شهاب الدين بن كجبابات، شرب الخمر (٢)، فأصبح سكرانا، ميّتا.

стр. 95

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثالثة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله. وصاحب الديار المصرية: السلطان الملك المعز أيبك. وصاحب الديار الشامية: السلطان الملك يوسف بن العزيز. وصاحب الروم: أولاد الملك غياث الدين كيخسرو وهم ثلاثة: كيكاوس وقليج أرسلان وكيقباذ، وأبوهم مات فى سنة أربعة وخمسين وستمائة على ما نذكره، وعند بعض المؤرخين مات فى سنة إحدى وخمسين وستمائة، فاستقر أولاده الثلاثة فى السلطنة متشاركين فيها، وإن كان تأخر موته إلى سنة أربعة وخمسين كما ذكرناه الآن، فى حياة أبيهم، والله أعلم. وصاحب البلاد الشمالية: بركة خان. وصاحب العراق: هلاون اللعين. وصاحب إفريقية فى الغرب: محمد بن أبى زكريا يحيى، ولكنه مات فى ستة خمس وسبعين وستمائة. قال السبط: وفى سنة الثانية والخمسين وستمائة وصلت الأخبار من المغرب باستيلاء إنسان على إفريقية، وادعى الخلافة (١)، وتلقب بالمستنصر، وخطب له

стр. 96

فى تلك البلاد والنواحى، وأظهر العدل والإحسان (١) والإنصاف، وبنى له برجا، وأجلس الوزير والقاضى والمحتسب [٣٥٤] والوالى بين يديه يحكمون بين الناس (٢). وقال الشيخ الفاضل ركن الدين (٣): الحفصيون الذين ملكوا تونس أولهم أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتى، بتاءين مثناتين من فوق، وهى قبيلة من المصامدة، ويزعمون أنهم قرشيّون من بنى عدى بن كعب رهط عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكان أبو حفص المذكور من أكبر أصحاب ابن تومرت (٤) بعد عبد المؤمن (٥)، وتولى عبد الواحد بن أبى حفص المذكور [إفريقية (٦)] نيابة عن بنى عبد المؤمن فى سنة ثلاث وستمائة، ومات فى ذى الحجة (٧) سنة ثمانية عشر وستمائة، وتولى بعده أبو العلاء (٨) من بنى عبد المؤمن، ثم توفى، فعادت إفريقية إلى ولاية الحفصيين، وتولى منهم عبد الله بن عبد الواحد بن أبى حفص فى سنة

стр. 97

ثلاث وعشرين وستمائة (١)، ولما تولى ولى أخاه أبا زكريا يحيى قابس (٢)، وأخاه أبا إبراهيم إسحاق بلاد الجريد (٣)، ثم خرج على عبد الله - وهو على قابس - أصحابه ورجموه وطردوه، وولوا موضعه أخاه أبا زكريا بن عبد الواحد سنة خمس وعشرين (٤) وستمائة. فنقم بنو عبد المؤمن على أبى زكريا ذلك، وأسقط أبو زكريا اسم عبد المؤمن من الخطبة، وبقى متملكا لإفريقية وخطب لنفسه بالأمير المرتضى، واتسعت مملكته، وفتح تلمسان، والمغرب الأوسط، وبلاد الجريد والزاب، وبقى كذلك إلى أن توفى على بونة فى سنة سبع وأربعين (٥) وستمائة. وأنشأ فى تونس بنايات عظيمة شامخة، وكان عالما بالأدب، وخلف أربع بنين وهم: أبو عبد الله محمد، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو حفص عمر، وأبو بكر وكنيته أبو يحيى، وخلف أخوين وهما أبو إبراهيم إسحاق، ومحمد اللحيانى ابنى عبد الواحد بن أبى حفص. وكان محمد اللحيانى صالحا منقطعا يتبرك به الناس.

стр. 98

ثم تولى بعده ابنه أبو عبد الله محمد بن أبى زكريا، ثم سعى عمه أبو إبراهيم فى خلعه، وبايع لأخيه محمد اللحيانى الزاهد على كره منه لذلك، فجمع أبو عبد الله [محمد (١)] المخلوع أصحابه فى يوم خلعه، وشد على عميه فقهرهما وقتلهما، واستقر فى ملكه، وتلقب بالمستنصر بالله أمير المؤمنين أبى عبد الله محمد ابن الأمراء الراشدين (٢). وفى أيامه [فى سنة ثمان وستين وستمائة (٣)] وصل الفرنسيس (٤) إلى إفريقية بجموع الفرنج، وأشرفت [٣٥٥] إفريقية على الذهاب، فقصمه الله تعالى، ومات الفرنسيس لعنه الله، وتفرقت تلك الجموع. وفى أيامه خاف أخوه أبو إسحاق إبراهيم بن أبى زكريا، فهرب، ثم أقام بتلمسان، وبقى المستنصر المذكور كذلك حتى توفى حادى عشر ذى الحجة سنة خمس وسبعين وستمائة (٥). وملك بعده ابنه يحيى بن محمد بن أبى زكريا وتلقب بالواثق بالله أمير المؤمنين، وكان ضعيف الرأى، فتحرك عليه عمه أبو إسحاق إبراهيم الذى هرب وأقام بتلمسان، وغلب على الواثق فخلع نفسه، واستقر أبو إسحاق إبراهيم فى المملكة فى ربيع الأول سنة ثمان وسبعين (٦) وستمائة، وخطب لنفسه بالأمير المجاهد، وترك

стр. 99

زى الحفصييّن، وأقام على زىّ زناته، وأقام على الشرب، وفرق المملكة على أولاده، فوثب أولاده على الواثق المخلوع، فذبحوه وذبحوا معه ولديه الفضل والطيّب ابنى يحيى الواثق، وسلم للواثق ابن صغير يلقّب أبا عصيدة، لأنهم يصنعون للنفساء (١) عصيدة فيها أدوية يهدى منها للجيران، فعملت أم الصبى ذلك، فتلقب ولدها بأبى عصيدة، ثم ظهر إنسان [ادعى (٢)] أنه الفضل بن الواثق الذى ذبح مع أبيه (٣)، واجتمعت عليه الناس، وقصد ابا إسحاق إبراهيم وقهره، فهرب أبو إسحاق إلى بجاية، وبها ابنه أبو فارس عبد العزيز بن إبراهيم، فترك أبو فارس أباه ببجاية، وسار بإخوته (٤) وجمعه إلى الدعى بتونس، والتقى الجمعان، فانهزم عسكر بجاية، وقتل أبو فارس وثلاثة من إخوته، ونجا له أخ اسمه يحيى بن إبراهيم وعمه أبو حفص عمر بن أبى زكريا. ولما هزم الدعى عسكر بجاية وقتل المذكورين أرسل إلى بجاية من قتل أبا إسحاق إبراهيم وجاءه برأسه، ثم تحدث الناس بدعوة الدعى، واجتمعت العرب على عمر بن أبى زكريا بعد هروبه من المعركة وقوى أمره، وقصد الدعى ثانيا بتونس وقهره، واستتر الدعى (٥) فى بعض المواضع (٦) بتونس، ثم أحضر واعترف بنسبه وضربت عنقه.

стр. 100

وكان الدعى (١) المذكور من أهل بجاية واسمه أحمد (٢) بن مرزوق بن أبى عمارة (٣)، وكان أبوه يتجر إلى بلاد السودان، وكان الدعىّ المذكور مجازفا قصّيفا (٤)، وسار إلى ديار مصر ونزل بدار الحديث الكاملية، [٣٥٦] ثم عاد إلى المغرب، فلما مر (٥) على طرابلس، كان هناك شخص أسود يسمى نصيرا كان خصيصا بالواثق المخلوع قد هرب لما جرى للواثق ما جرى، وكان فى أحمد الدعىّ بعض الشبه من الفضل بن الواثق، فدبر مع نصير المذكور الأمر، فشهد له أنه الفضل بن الواثق، واجتمعت عليه العرب، وكان منه ما ذكرناه حتى قتل. وكان الدعى يخطب له بالخليفة الإمام المنصور بالله القائم بحق الله أمير المؤمنين [ابن أمير المؤمنين (٦)] أبى العباس الفضل. ولما استقر أبو حفص عمر فى المملكة، وقتل الدعى تلقب بالمستنصر بالله [أمير المؤمنين (٧)]، وهو المستنصر الثانى. ولما استقر فى المملكة سار ابن أخيه يحيى بن إبراهيم بن أبى زكريا الذى سلم من المعركة إلى بجاية وملكها، وتلقب بالمنتخب لإحياء (٨) دين الله أمير المؤمنين،

стр. 101

واستمر المستنصر بالله فى مملكته حتى توفى فى أوائل المحرم سنة خمس وتسعين وستمائة (١)، ولما اشتد مرضه بايع لإبن صغير له، واجتمعت الفقهاء وقالوا له: أنت صائر إلى الله، وتولية (٢) مثل هذا لا يحل، فأبطل بيعته، وأخرج ولد الواثق المخلوع الذى كان صغيرا وسلم من الذبح (٣) الملقب بأبى عصيدة، وبويع له صبيحة موت أبى حفص عمر المذكور الملقب بالمستنصر، وكان اسم أبى عصيدة أبا عبد الله محمد، وتلقب أيضا بالمستنصر، وهو المستنصر الثالث. وفى أيامه توفى صاحب بجاية المنتخب يحيى بن إبراهيم، وملك بعده بجاية ابنه خالد بن يحيى، وبقى أبو عصيدة كذلك حتى توفى سنة تسع وسبعمائة (٤)، وملك بعده شخص من الحفصيين يقال له أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبى بكر بن أبى زكريا بن عبد الواحد بن أبى حفص صاحب ابن تومرت، فأقام فى الملك ثمانية عشر يوما (٥)، ثم وصل خالد بن المنتخب صاحب بجاية ودخل تونس، وقتل أبا بكر المذكور فى سنة تسع وسبعمائة (٦)، ولما جرى ذلك كان زكريا اللحيانى بمصر، فسار مع [٣٥٧] عسكر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون إلى طرابلس الغرب (٧)

стр. 102

وبايعه [العرب (١)]، وسار إلى تونس، فخلع خالد بن المنتخب، وحبس (٢)، ثم قتل قصاصا بأبى بكر بن عبد الرحمن المقدّم ذكره. واستقر اللحيانى فى ملك إفريقية، وهو أبو يحيى (٣) زكريا بن أحمد بن محمد الزاهد بن عبد الواحد بن أبن حفص صاحب ابن تومرت. ثم تحرك على اللحيانى أخو خالد وهو أبو بكر بن يحيى المنتخب، وهرب اللحيانى إلى الديار مصر وأقام بالإسكندرية، وملك أبو بكر المذكور تونس وما معها خلا طرابلس والمهدية، فإنه بعد هروب اللحيانى بايع (٤) ابنه محمد بن اللحيانى لنفسه واقتتل مع أبى بكر فهزمه أبو بكر، واستقر محمد بن اللحيانى بالمهدية وله معها طرابلس. وكان استيلاء أبى بكر وهروب اللحيانى إلى ديار مصرفى سنة عشرين وسبعمائة (٥)، وأقام اللحيانى فى الإسكندرية، ثم وردت عليه مكاتبات من تونس فى ذى القعدة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة إلى الإسكندرية يذكر (٦) فيها أن أبا بكر متملك تونس المذكور قد هرب وترك البلاد، وأن الناس قد اجتمعوا على طاعة اللحيانى وبايعوا

стр. 103

نائبه وهو محمد بن أبى بكر من الحفصيين، وهو صهر زكريا اللحيانى المذكور، وهم فى انتظار وصول اللحيانى إلى مملكته (١). وقال المؤيد فى تاريخه: اللحيانى المذكور قدم إلى مصر قبل أن يملك، ورأيته بها فى سنة تسع وسبعمائة، وكان حسن الشكل، ضخم الخلقة، قدم إلى ديار مصر وربما أنه حج، ثم عاد إلى بلاد المغرب فملك تونس، وهو مقهور فيها مع العرب، فإنهم يتغلبون عليه. وقال: وهو صاحب تونس فى زماننا هذا، وهو سنة ثمانى عشرة وسبعمائة (٢). ذكر ماجريات المصريين: منها: أن العزيزية المقيمين عند الملك المعز أيبك التركمانى عزموا على القبض عليه وهم على العباسة، وعلم بذلك المعز واستعد لهم، فهربوا من مخيّمهم على العباسة، واحتيط على مخيّمهم. ومنها: أن الأمير عز الدين [٣٥٨] أيبك (٣) الأفرم الصالحى عصى بصعيد مصر، وتظاهر بالعصيان، وجمع عليه جماعة من العربان، ووافقه حصن الدين ابن ثعلب والأمير ركن الدين الصيرمى، واعتدوا ونهبوا البلاد (٤)، وأكثرت

стр. 104

العربان من الفساد، ووضع هؤلاء أيديهم على الأموال فأخذوها من بيوت المال، وجبوا الجزية من ذمة تلك الأعمال، فانفسد النظام، وانتكث الإبرام، فاقتضى الحال إرسال الصاحب شرف الدين الفائزى الوزير ليتدارك الخلل بالتدبير، وجرد معه إلى الصعيد من العسكر جماعة، وأمروا له بالطاعة، فتحيلوا على الشريف حصن الدين فمسكوه، وأحضروه إلى القلعة المحروسة فاعتقل بها، ثم نقل إلى ثغر الإسكندرية، فاعتقل فى جب تحت الأرض، يعرف بجب الشريف، إلى أن كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله. ذكر ماجريات أولاد جنكز خان: منها: كانت وقعة بين بركة خان بن باطو وبين هلاون بن طولو ملك التتار، قد ذكرنا (١) أن براق شين زوجة طغاى بن باطو خان لما لم يوافقها التتار على تمليك ولدها تدان منكو راسلت هلاون وهو يومئذ ببلاد عراق العجم بصدد افتتاحها، وأطمعته فى أخذ مملكة الشمال التى فى بنى عمه، فلما وصلته رسالاتها تجهز وسار بجيوشه إليها، وكان وصوله بعد مقتلها وجلوس بركة على سرير الملك، فبلغه وصول هلاون لحربه، فسار للقائه بعساكره وحزبه، وكان بينهما نهر يسمى نهر ترك، وقد جمد ماؤه لشدة البرد، فعبر عليه هلاون وعساكره متخطيا إلى بلاد بركة، فلما التقى الجمعان واصطدم الفريقان كانت الكسرة على هلاون وعسكره، فولوا على أدبارهم وتكردسوا على النهر الجامد، فانفقأ الجمد من تحتهم، فغرق منهم جماعة كثيرة، وأفلت من نجا منهم من المصاف والغرق صحبة هلاون راجعا إلى

стр. 105

بلاده، ونشأت الحرب بينهم من هذه السنة وصارت العداوة بين هاتين الطائفتين متمكنة (١). وكان فيمن شهد مع بركة هذه الوقعة ابن عمه نوغيه بن ططر [٣٥٩] ابن مغل بن دوشى خان، فأصابته فى عينه طعنة رمح فعوّر، ولما قذف النهر جثث الغرقى جمعها نوغيه المذكور مع جثث القتلى أهراما وقال: هذه أجساد بنى الأعمام والذرية فلا نتركها يأكلها الذئاب والكلاب فى البرية. ومنها: أن هلاون فتح بالمشرق قلعتين أخرايين من قلاع الإسماعيلية، اسم الواحدة بمجوش واسم الأخرى نماشر، ولم يزل يخرب أولا فأولا ويقتل من لقى منهم حتى أفنى عامتهم (٢). بقية الحوادث: منها: ما قاله المؤيد: وهو أن الملك المعز أيبك تزوج شجر الدرّ أم خليل التى خطب لها بالسلطنة فى ديار مصر، وقيل: إنما تزوجها فى السنة الماضية، والله أعلم (٣). ومنها: أنه كان وقع فتنة بين الحج العراقى وأصحاب مكة وأصلح بينهم الملك الناصر داود، وكان قد ذهب إلى بغداد، ثم حج من العراق، ولما عاد أقام بالحلّة.

стр. 106

وقال المؤيد: وفى هذه السنة طلب الناصر داود من الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز بن الظاهر بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب دستورا (١) إلى العراق بسبب طلب وديعته من الخليفة وهى الجوهر الذى تقدم ذكره، وأن يمضى إلى الحج، فأذن له الناصر يوسف فى ذلك، فسار الناصر داود إلى كربلاء، ثم مضى منها إلى الحج، ولما رأى قبر النبى ﷺ تعلق بأستار الحجرة الشريفة بحضور الناس وقال: اشهدوا أن هذا مقامى من رسول الله ﵇ داخلا عليه مستشفعا به إلى ابن عمه المستعصم فى أن يردّ علىّ وديعتى، فأعظم الناس ذلك، وجرت عبراتهم، وارتفع بكاؤهم، وكتب بصورة ما جرى مشروحا ورفع إلى أمير الحاج [كيخسرو (٢)] وذلك يوم السبت الثامن والعشرين من ذى الحجة من هذه السنة، وتوجه الناصر مع الحاج العراقى وأقام ببغداد (٣). وفيها: ......... (٤) وفيها: ......... (٥)

стр. 107

ذكر من توفى فيها من الأعيان الفقيه ضياء الدين صقر (١) بن يحيى بن صقر، مات فى حلب ليلة الإثنين [٣٦٠] الثامن عشر من صفر من هذه السنة. وكان شيخا فاضلا دينا، ومن شعره: من ادّعى أنّ له حاجة (٢) … تخرجه عن منهج الشرع فلا تكوننّ له صاحبا … فإنّه ضرّ بلا نفع واقف القوصيّة أبو العزّ إسماعيل (٣) بن حامد بن عبد الرحمن الأنصارى القوصى، واقف داره التى بالقرب من الرحبة على أهل الحديث وبها قبره. وكان ظريفا مطبوعا، حسن المحاضرة، وقد جمع له معجما حكى فيه عن مشايخه أشياء كثيرة مفيدة.

стр. 108

وقال أبو شامة: وقد طالعته بخطه، فرأيت فيه أغاليط وأوهاما فى أسماء الرجال وغيرها، فمن ذلك أنه انتسب إلى سعد بن عبادة بن دليم، فقال سعد ابن عبادة بن الصامت: وهذا غلط فاحش (١). وكانت وفاته يوم الإثنين سابع عشر ربيع الأول من هذه السنة. الشيخ الصالح الجليل مجد الدين أبو المجد على بن عبد الرحمن الأخميمى الخطيب. وكان أحد المشايخ المشهورين بالدين والعلم، وله قبول تامّ، من الخاص والعامّ، وكرم الأخلاق، توفى فى هذه السنة ودفن بالقرافة، وقبره ظاهر يزار. الشريف المرتضى نقيب الأشراف بحلب وهو أبو الفتوح المرتضى بن أبى طالب أحمد (٢) [بن أحمد (٣)] بن محمد بن جعفر بن زيد بن جعفر بن محمد بن أحمد ابن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين الحلبى النقيب، المنعوت بالعز. مات فى ليلة السادس عشر من هذه السنة فجاءة، ودفن بعد ثلاثة أيام بجبل الجوش، ومولده فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة بحلب. الشيخ الأصيل أبو المكارم محمد بن أبى بكر محمد بن عبد الله بن علوان ابن عبد الله بن علوان بن عبد الله الأسدى الحلبىّ المنعوت بالنجم.

стр. 109

مات فى صبيحة الخامس والعشرين من شوال من هذه السنة بحلب، ودفن بالمقام، ومولده فى الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة [٣٦١] ثمان وثمانين وخمسمائة بحلب، سمع من أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وحدث بحلب، وله شعر حسن. الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس بن تامتيت المغربى (١). توفى بالقرافة بمصر، وقد جاوز مائة سنة. وسئل يوما عن الحكم فى تارك الصلاة فقال: أنشدنى بن الرمامة واسمه محمد ابن جعفر العبسى الحافظ قال: أنشدنى أبو الفضل طاهر النحوىّ لنفسه هذه الأبيات: فى حكم من ترك الصلاة وحكمه … إن لم يقرّ بها كحكم الكافر فإذا أقرّ بها وجانب فعلها … فالحكم فيه للحسام الباتر وبه يقول الشافعىّ ومالك … والحنبلىّ تمسّكا بالظّاهر وأبو حنيفة لا يقول بقتله … ويقول بالضرب الشديد الزاجر هذا أقاويل الأئمة كلّهم … وأجلّها ما قلته فى الآخر المسلمون دماؤهم معصومة … حتى تراق بمستنير باهر مثل الزنا والقتل فى شرطيهما … وانظر إلى ذاك الحديث السّائر عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ٨

стр. 110

ومعنى قوله: تمسكا بالظاهر، معنى قوله ﵇: «بين العبد والكفر ترك الصلاة (١)». ومعنى قوله: فى الآخر، قوله ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (٢)» .. الحديث. الشيخ الأصيل أبو بكر بن أبى الفوارس مرهف بن الأمير مؤيّد الدولة أبى المظفر أسامة بن أبى أسامة مرشد بن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكنانى الحلبى الشيزرىّ الأصل، المصرى الدار، المنعوت بالحسام. توفى بالقاهرة فى الثامن والعشرين من شعبان، وقيل: فى السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة، ومولده فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وهو من بيت الإمارة والفضيلة والتقدّم، وقد حدّث منهم جماعة وحدث هو أيضا. أبو عبد الله محمد (٣) بن محمد بن محمد بن عثمان البلخى، ثم البغدادىّ، ثم الحلبىّ المنعوت بالنظام. أحد السادات الحنفيّة، درس بحلب، وسمع من المؤيد الطوسى. قال الذهبى: وحدّث عنه بصحيح مسلم، [٣٦٢] وسمع ببخارى وسمرقند، وتفقّه بخراسان على المحبوبى، وحدّث بحلب وأفتى، وكتب عنه الحافظ الدمياطى
следующие страницы →