وقال المؤيد: وفى هذه السنة طلب الناصر داود من الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز بن الظاهر بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب دستورا (١) إلى العراق بسبب طلب وديعته من الخليفة وهى الجوهر الذى تقدم ذكره، وأن يمضى إلى الحج، فأذن له الناصر يوسف فى ذلك، فسار الناصر داود إلى كربلاء، ثم مضى منها إلى الحج، ولما رأى قبر النبى ﷺ تعلق بأستار الحجرة الشريفة بحضور الناس وقال: اشهدوا أن هذا مقامى من رسول الله ﵇ داخلا عليه مستشفعا به إلى ابن عمه المستعصم فى أن يردّ علىّ وديعتى، فأعظم الناس ذلك، وجرت عبراتهم، وارتفع بكاؤهم، وكتب بصورة ما جرى مشروحا ورفع إلى أمير الحاج [كيخسرو (٢)] وذلك يوم السبت الثامن والعشرين من ذى الحجة من هذه السنة، وتوجه الناصر مع الحاج العراقى وأقام ببغداد (٣).
وفيها: ......... (٤)
وفيها: ......... (٥)
стр. 107
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الفقيه ضياء الدين صقر (١) بن يحيى بن صقر، مات فى حلب ليلة الإثنين [٣٦٠] الثامن عشر من صفر من هذه السنة.
وكان شيخا فاضلا دينا، ومن شعره:
من ادّعى أنّ له حاجة (٢) … تخرجه عن منهج الشرع
فلا تكوننّ له صاحبا … فإنّه ضرّ بلا نفع
واقف القوصيّة أبو العزّ إسماعيل (٣) بن حامد بن عبد الرحمن الأنصارى القوصى، واقف داره التى بالقرب من الرحبة على أهل الحديث وبها قبره.
وكان ظريفا مطبوعا، حسن المحاضرة، وقد جمع له معجما حكى فيه عن مشايخه أشياء كثيرة مفيدة.
стр. 108
وقال أبو شامة: وقد طالعته بخطه، فرأيت فيه أغاليط وأوهاما فى أسماء الرجال وغيرها، فمن ذلك أنه انتسب إلى سعد بن عبادة بن دليم، فقال سعد ابن عبادة بن الصامت: وهذا غلط فاحش (١).
وكانت وفاته يوم الإثنين سابع عشر ربيع الأول من هذه السنة.
الشيخ الصالح الجليل مجد الدين أبو المجد على بن عبد الرحمن الأخميمى الخطيب.
وكان أحد المشايخ المشهورين بالدين والعلم، وله قبول تامّ، من الخاص والعامّ، وكرم الأخلاق، توفى فى هذه السنة ودفن بالقرافة، وقبره ظاهر يزار.
الشريف المرتضى نقيب الأشراف بحلب وهو أبو الفتوح المرتضى بن أبى طالب أحمد (٢) [بن أحمد (٣)] بن محمد بن جعفر بن زيد بن جعفر بن محمد بن أحمد ابن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين الحلبى النقيب، المنعوت بالعز.
مات فى ليلة السادس عشر من هذه السنة فجاءة، ودفن بعد ثلاثة أيام بجبل الجوش، ومولده فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة بحلب.
الشيخ الأصيل أبو المكارم محمد بن أبى بكر محمد بن عبد الله بن علوان ابن عبد الله بن علوان بن عبد الله الأسدى الحلبىّ المنعوت بالنجم.
стр. 109
مات فى صبيحة الخامس والعشرين من شوال من هذه السنة بحلب، ودفن بالمقام، ومولده فى الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة [٣٦١] ثمان وثمانين وخمسمائة بحلب، سمع من أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وحدث بحلب، وله شعر حسن.
الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس بن تامتيت المغربى (١).
توفى بالقرافة بمصر، وقد جاوز مائة سنة.
وسئل يوما عن الحكم فى تارك الصلاة فقال: أنشدنى بن الرمامة واسمه محمد ابن جعفر العبسى الحافظ قال: أنشدنى أبو الفضل طاهر النحوىّ لنفسه هذه الأبيات:
فى حكم من ترك الصلاة وحكمه … إن لم يقرّ بها كحكم الكافر
فإذا أقرّ بها وجانب فعلها … فالحكم فيه للحسام الباتر
وبه يقول الشافعىّ ومالك … والحنبلىّ تمسّكا بالظّاهر
وأبو حنيفة لا يقول بقتله … ويقول بالضرب الشديد الزاجر
هذا أقاويل الأئمة كلّهم … وأجلّها ما قلته فى الآخر
المسلمون دماؤهم معصومة … حتى تراق بمستنير باهر
مثل الزنا والقتل فى شرطيهما … وانظر إلى ذاك الحديث السّائر
عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ٨
стр. 110
ومعنى قوله: تمسكا بالظاهر، معنى قوله ﵇: «بين العبد والكفر ترك الصلاة (١)». ومعنى قوله: فى الآخر، قوله ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (٢)» .. الحديث.
الشيخ الأصيل أبو بكر بن أبى الفوارس مرهف بن الأمير مؤيّد الدولة أبى المظفر أسامة بن أبى أسامة مرشد بن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكنانى الحلبى الشيزرىّ الأصل، المصرى الدار، المنعوت بالحسام.
توفى بالقاهرة فى الثامن والعشرين من شعبان، وقيل: فى السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة، ومولده فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وهو من بيت الإمارة والفضيلة والتقدّم، وقد حدّث منهم جماعة وحدث هو أيضا.
أبو عبد الله محمد (٣) بن محمد بن محمد بن عثمان البلخى، ثم البغدادىّ، ثم الحلبىّ المنعوت بالنظام.
أحد السادات الحنفيّة، درس بحلب، وسمع من المؤيد الطوسى.
قال الذهبى: وحدّث عنه بصحيح مسلم، [٣٦٢] وسمع ببخارى وسمرقند، وتفقّه بخراسان على المحبوبى، وحدّث بحلب وأفتى، وكتب عنه الحافظ الدمياطى
стр. 111
وذكره فى معجم شيوخه، وقال: توفى بحلب ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وستمائة، ودفن بالجبيل خارج باب الأربعين، ومولده ببغداد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
صاحب فاس من بلاد المغرب أبو بكر (١) بن عبد الحق المزينى؟؟؟.
مات فى فاس فى هذه السنة حتف أنفه، وقام بعده ولده عمر (٢) بن أبى بكر ابن عبد الحقّ، وكان ولى عهد أبيه، وهو الثانى من ملوك بنى مرين، فأقام نصف سنة أو دون ذلك، فثار عليه عمه يعقوب بن عبد الحق، وجرت بينهما حروب كثيرة، ثم اصطلحا على أن يخلع عمر نفسه، فخلع نفسه وأعطاه عمّه مكناسة الزيتون (٣) وأعمالها، فاستقرّ بها مدّة، ثم أرسل عمه بعد مديدة إلى أقوام من بنى عمه يقال لهم: أولاد عثمان بن عبد الحق، كانوا مطالبيه بدم لهم على أبيه، فاتبعوه فقتلوه.
وقام عمّه يعقوب بن عبد الحق، وهو الثالث من سلاطين بنى مرين، وكان رجلا صالحا، حسن السيرة، محبا فى الصالحين، واجتمع عليه أعيان بنى
стр. 112
مرين، ولما جلس فى السلطنة (١) سار إلى جزيرة الأندلس لغزو الفرنج فى ألف فارس، واجتمع إليه من المسلمين الذين بالأندلس ثلاثمائة فارس، فخرج قائد من زعماء الفرنج للقائه يقال له: دوالنتو (٢) فى نحو عشرة آلاف فارس مدرعين، وخلق كثير من الرجالة، فالتقاهم أبو يوسف المذكور فهزمهم وقتل عامتهم، ورجع إلى برّ العدوة (٣)، فكان منه ما سنذكره إن شاء الله.
***
стр. 113
فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والخمسين بعد الستمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله.
وصاحب الديار المصرية: السلطان الملك المعز أيبك التركمانى الصالحى.
وصاحب الديار الشامية: السلطان الملك الناصر يوسف [٣٦٣]، وكان قد أرسل فى هذه السنة كمال الدين المعروف بابن العديم الحلبى رسولا إلى الخليفة المستعصم بالله وصحبته تقدمة جليلة، وطلب خلعة من الخليفة لمخدومه.
ووصل أيضا من جهة الملك المعزّ أيبك صاحب الديار المصريّة رسول إلى الخليفة وهو شمس الدين سنقر الأقرع، من مماليك المظفّر غازى صاحب ميّافارقين، وصحبته تقدمة جليلة إلى الخليفة، وسعى فى تعطيل خلعة الناصر يوسف صاحب دمشق.
فبقى الخليفة متحيّرا، ثم أنه أحضر سكّينا كبيرة من اليشم وقال للوزير:
إعط هذه السكين لرسول صاحب الشام علامة منى فى أن له خلعة عندى فى وقت آخر، وأما فى هذا الوقت فلا يمكننى، فأخذ كمال الدين بن العديم السكين وعاد الى الملك الناصر بغير خلعة (١).
وفيها قبض المعز على الأمير علاء الدين أيدغدى العزيزى لأنه اتهمه، فأمسكه وسجنه.
стр. 114
وفيها أرسل المعزّ إلى صاحبى حماة والموصل يخطب ابنتيهما لنفسه، وبلغ ذلك شجر الدر والدة خليل الصالحيّة وأنكرته وأكبرته، لأنه بها وصل إلى ما وصل، وبوصلها حصّل من الدولة والصولة على ما حصل، فدبرت على إعدامه وقررت قتله مع خدامها وخدامه، على ما يأتى إن شاء الله تعالى.
ذكر دخول التتار إلى بلاد الروم:
اعلم أن التتار دخلوا فى هذه السنة إلى الروم مرتين:
الأولى: جرّد منكوقان بن طولو خان بن جنكز خان الأمير جرماغون والأمير بيجو ومعهما جماعة من العساكر إلى بلاد الروم، وهى يومئذ فى يد السلطان علاء الدين كيقباذ بن السلطان غياث الدين كيخسرو، فساروا إليها ونزلوا على آرزن الروم (١) وبها سنان الدين ياقوت أحد مماليك السلطان علاء الدين كيقباذ، فحاصروها مدة شهرين ونصبوا عليها إثنى عشر منجنيقا، فهدموا أسوارها ودخلوها وأخذوا سنان الدين ياقوت أسيرا، وكان حريمه فى القلعة، فأخذوها [٣٦٤] ثانى يوم وقتلوا الجند، واستبقوا أرباب الصنائع وذوى المهن، وداسوا الأطفال بحوافر الخيل، وغنموا وسبوا، وعادوا وقتلوا ياقوت العلائى وولده، واتفقت وفاة جرماغون أحد المقدمين على سرمارى (٢).
المرة الثانية: وهى التى دخل فيها بيجو ومن معه إلى الروم ومعه خجانوين، فوصلوا إلى أقشهر زنجان (٣) ونزلوا بالصحراء التى هناك، فجمع السلطان غياث
стр. 115
الدين جيشه وسار للقائهم، وأخذ حريمه معه ليقاتل قتال الحريم، ونزلوا على كوسا داغ وهو الجبل الأقرع، وذلك الجبل مطل على الوطأة التى نزل بها بيجو وعساكره، ثم أن السلطان غياث الدين ضرب مشورة مع أكابر أمرائه وذوى آرائه فى لقاء التتار وقتالهم، فتكلم كل بما عنده، ومنهم من هوّل أمره فغضب أخو كرجى خاتون زوجة السلطان، وقال: هؤلاء قد هابوا التتار وجبنوا عنهم وفرقوا منهم، فالسلطان يعطينى الكرج والفرنج الذى فى جيشه وأنا ألقاهم ولو كانوا من عساهم يكونون؟ فغاظ الأمراء كلامه، وتقدم واحد منهم من أعيانهم، فألزم نفسه الأيمان المغلظة أنه لا بد أن يلاقى التتار بنفسه، ومن يضمه تقدمته ولا ينتظر أحدا، فركب ومعه نحو من عشرين ألف فارس وركب السلطان على الإثر، وركبت عساكره وضربت كوساته (١)، ونزل المقدم المتقدم إلى الصحراء قاصدا الهجوم على التتار، فوجد قدامه [واد (٢)] قد قطعه السّيل فلم يستطع أن يقطعه، فسار مع لحف الجبل يطلب طريقا يمكنه التوجه منه نحو التتار، فركب التتار وقصدوه ودنوا منه وحاذوه، وأرسلوا إليه شهابا كالشهب المحرقة، فأهلكوا أكثر خيله وخيل من معه، وكان السهم لا يقع إلا فى الفارس أو الفرس. هذا والعساكر السلطانية قد تبعته قافية خطوه، وحاذية فيما فعل حذوه، فلما تقدموا ندموا حين أقدموا، ورأوا عساكر التتار تحاذى الجبل فسقط فى أيديهم وأيقنوا [٣٦٥] أن الكسرة عليهم، فطلب كل منهم لنفسه النجاة وفر نحو ملجئه.
стр. 116
وأما السلطان غياث الدين فلم يبرح من مكانه وقيّد فرسه، ووقف على أعلى الجبل ظنا منه أن عساكره التى تقدمت قد نزلت ونازلت، ولم يدر بما أصابهم من الافتراق، وأن كل طائفة منهم صارت إلى أفق من الآفاق، فأتاه الخبر بذلك وهو فى قلة ممن حوله، وكان معه جماعة من الأمراء كان قد نقم عليهم أمرا، فأمسكهم وأودعهم الزردخاناة، فأطلقهم وسلم الحريم إلى أحدهم، وكان اسمه تركرى الجاشنكير وهو والد الأمير مبارز الدين سوارى الرومى أمير شكار الذى هاجر إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهرية على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وأمره أن يتوجه بهم إلى قونية التى هى دار ملكه، وموطن أهله ومسافتها من الذى كان فيه ثلاثون يوما، فسار بهن وقد تركوا القماش والفرش والأثاث، ولم يحملوا إلا الجواهر النفيسة التى يخف حملها ويسهل نقلها، ورحل السلطان عائدا، وترك الوطاق (١) بما حوى من الدهاليز المضروبة والخيام المنصوبة والأثقال التى لها ولعساكره، والخزائن المشتملة على ذخائرهم وذخائره.
ولما عاين التتار هزيمة ذلك العسكر الجرار ظنوها مكيدة، ولم يحسبوها هزيمة، فلبثوا ثلاثة أيام لا يتجاسرون على العبور إلى الخيم، ثم تحققوا أمرهم وعبروه، وحووا كل ما وجدوه من الخيول والأثاث والأثقال، واستعرضوا كله، وعادوا راجعين (٢).
ذكر بقية الحوادث:
منها: أن الملك الناصر داود لما عاد إلى بغداد بعد استشفاعه بالنبى ﷺ فى ردّ وديعته أرسل الخليفة المستعصم بالله من حاسب الناصر المذكور
стр. 117
على ما وصله فى ترداده إلى بغداد من المضيف مثل اللحم والخبز والحطب وغير ذلك، وثمنّ ذلك عليه بأغلى الثمن، ثم أرسل إليه شيئا نزرا، وألزمه بأن يكتب خطه بقبض وديعته وأنه ما بقى يستحق على [٣٦٦] الخليفة شيئا، فكتب خطه بذلك مكرها، وسار عن بغداد وأقام مع العرب، ثم أرسل إليه الملك الناصر يوسف صاحب الشام فطيب قلبه وحلف له، فقدم الناصر داود إلى دمشق ونزل بالصالحيّة (١).
ومنها: أن هلاون - على ما ذكر - دخل بغداد (٢) فى زىّ تاجر عجمىّ، ومعه مائة حمل حرير، واجتمع بالوزير مؤيّد الدين محمد بن العلقمى، وبأكابر الدولة، وكانوا قادرين على مسكه إلا أنهم خانوا الله ورسوله والمسلمين، ثم خرج بعد ما أتقن أمره معهم (٣).
ومنها: أنه كملت المدرسة الناصرية الجوانية (٤) داخل باب الفراديس بدمشق، وحضر فيها المدرّس قاضى البلد صدر الدين بن سنىّ الدولة، وحضر عنده الأمراء والعلماء وجمهور أهل الحلّ والعقد، وحضر السلطان الملك الناصر يوسف واقفها أيضا (٥).
стр. 118
ومنها: أن السلطان الملك الناصر يوسف أمر بعمارة الرباط بسفح جبل قاسيون.
ومنها: أن عسكر الملك الناصر يوسف رحلوا من العوجاء إلى عزّة ونزلوا على تلّ العجول، واتفق وصول رسول الخليفة وهو الشيخ نجم الدين البادرائى من بغداد ليجدّد الصلح الذى وهت مبانيه، وقرر الصلح، فأعاد العسكر.
ومنها: أنه كان ظهور النار من أرض الحجاز التى أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول فيه أبو شامة فى كتاب الذيل وملخصه أنه قال: جاء إلى دمشق كتب من المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، بخروج نار عندهم فى خامس جمادى الآخرة من هذه السّنة، وكتهت الكتب فى خامس رجب والنار بحالها.
قال: ووصلت الكتب إلينا فى عاشر شعبان وفيه تصديق لما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ أعناق الإبل ببصرى».
قال: فأخبرنى بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كتب بتيماء (١) على ضوئها الكتب.
قال: وكنا فى بيوتنا تلك الليالى وكأنّ فى دار كل رجل سراجا، ولم يكن لها حرّ ولفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات الله .
стр. 119
قال أبو شامة: هذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة منها: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوىّ عظيم، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان والسقف والأخشاب والأبواب ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نار عظيمة فى الحرّة (١) قريبة من قريظة، نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهى نار عظيمة، إشعالها أكبر من ثلاث منائر، وقد سالت أودية منها بالنار إلى وادى شظا (٢) مسيل الماه، وقد سدّت مسيل (٣) شظا وما عاد يسيل (٤)، والله لقد طلعنا ونحن جماعة نبصرها، فإذا الجبال تسيل (٥) نيرانا، وقد سدّت الحرّة طريق الحاج العراقى، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرّة، فوقفت بعد أن أشفقنا (٦) أن تجئ إلينا، ورجعت تسير فى الشرق، تخرج من وسطها مهود (٧) وجبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى فى كتابه العزيز فقال عز من قائل: ﴿(إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، كأنه جمالات صفر) (٨). وقد أكلت الأرض.
стр. 120
وقد كتب هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمائة، والنار فى زيادة ما تغيّرت، وقد عادت إلى الحرار فى قريظة طريق [عير (١)] الحاج العراقى إلى الحيرة (٢)، كلها نيران تشعل، نبصرها فى الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج، وأما أم النار الكبيرة فهى جبال نيران حمر، والأمّ الصغيرة (٣) النار التى سالت النيران منها من عند قريظة وقد زادت، وما عاد الناس يدرون أىّ شئ يتمّ بعد ذلك (٤)، والله يجعل العاقبة إلى خير وما أقدر أن أصف هذه النار.
وقال أبو شامة: فى كتاب آخر ظهر فى أول جمعة من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة: وقع (٥) بالمدينة فى شرقيها نار عظيمة [٣٦٨] بينها وبين المدينة نصف يوم، انفجرت من الأرض، وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، ثم وقف (٦) وعادت إلى الساعة، ولا ندرى ماذا نفعل، ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم ﷺ مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى، وهذه دلائل القيامة.
قال: وظهر كتاب آخر: لما كان يوم الإثنين مستهلّ جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وقع بالمدينة صوت تشبه صوت الرعد البعيدة تارة وتارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كان ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور
стр. 121
تعقب الصوت الذى كنا نسمعه زلازل، [فتقيم على هذه الحالة ثلاثة أيام، يقع فى اليوم والليلة أربع عشرة زلزلة (١)]، فلما كان فى يوم الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست الأرض من (٢) الحرّة بنار عظيمة، تكون قدرها مثل مسجد رسول الله ﷺ ، وهى برأى العين من المدينة، نشاهدها وهى ترمى بشرر كالقصر، كما قال الله ، وهى بموضع يقال له أجلين، وقد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، وهى تجرى على وجه الأرض، وتخرج منها أمهاد وجبال صغار، وتسير على وجه (٣) الأرض وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك، فإذا جمد (٤) صار أسودا، وقبل الجمود (٥) لونه أحمر، وقد حصل بطريق هذه النار إقلاع عن المعاصى والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها.
قال أبو شامة: ومن كتاب شمس الدين بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسينى قاضى المدينة إلى بعض أصحابه: لما كان ليلة الأربعاء ثالث شهر جمادى الآخرة حدث بالمدينة فى الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، وباتت (٦) باقى تلك الليلة تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات، والله لقد زلزلت مرّة ونحن حول حجرة رسول الله ﷺ اضطرب لها المنبر إلى أن
стр. 122
سمعنا (١) منه صوتا للحديد الذى فيه، واضطربت قناديل الحرم الشريف [النبوى (٢)] [٣٦٩] ودامت (٣) الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوىّ [مثل دوى (٤)] الرعد القاصف، ثم بين فيه صفة النار، ثم قال: وكتب الكتاب يوم خامس رجب وهى على حالها، والناس منها خائفون، والشمس والقمر يوم يطلعان (٥) ما يطلعان إلا كاسفين، [فنسأل الله العافية (٦)].
قال أبو شامة: وبان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، وكنا حيارى من ذلك إش هو (٧) إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار.
قال: وجاء كتاب من بعض بنى القاشانى بالمدينة يقول فيه: وصل إلينا فى جمادى الآخرة نجابة من العراق وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غرق عظيم حتى دخل (٨) الماء من أسوار بغداد إلى البلد، وغرق كثير من البلد، ودخل الماء دار الخليفة وسط البلد، وانهدمت دار الوزير وثلاثمائة وثمانون دارا، «وانهدم مخزن الخليفة (٩)»، وهلك من خزانة السلاح شئ كثير، [بل تلف كله (١٠)]، وأشرف
стр. 123
الناس على الهلاك، وعادت السفن تدخل إلى أوسط (١) البلد وتخترق (٢) أزقة بغداد، ثم ذكر فيه حكاية النار (٣).
وقال ابن كثير ﵀: الحديث الوارد فى هذه النار مخرّج فى الصحيحين من طريق الزهرىّ عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ أعناق الإبل ببصرى». وهذا لفظ البخارى (٤)، وقد وقع هذا فى هذه السنة، أعنى سنة أربع وخمسين وستمائة كما ذكرنا.
وقد أخبرنى قاضى القضاة صدر الدين على بن أبى القاسم التميمى الحنفى الحاكم بدمشق فى بعض الأيام فى المذاكرة وجرى ذكر هذا الحديث وما كان من [أمر (٥)] هذه النار فى هذه السنة: فقال: سمعت رجلا من الأعراب يخبر والدى ببصرى فى تلك الليالى أنهم رأوا أعناق الإبل فى ضوء هذه النار التى ظهرت من أرض الحجاز (٦).
وقال ابن كثير: وكان مولده فى سنة ثنتين وأربعين وستمائة (٧)، وكان والده مدرّسا للحنفية ببصرى، وكذلك كان جدّه، وهو أيضا قد درّس بها، ثم انتقل
стр. 124
[٣٧٠] إلى دمشق فدرس بالصادرية (١) وبالمقدمية (٢)، ثم ولى قضاء القضاة الحنفية، وكان مشكور السيرة فى الأحكام، وقد كان عمره حين وقع هذه النار بالحجاز ثنتى عشرة سنة، ومثله ممن يضبط ما سمع من الخبر أن الأعرابىّ أخبر والده فى تلك الليالى (٣).
وقال أبو شامة: وفى ليلة الجمعة مستهل شهر رمضان من هذه السنة احترق مسجد النبى ﵊، وابتداء حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم، ومعه نار فعلقت فى آلات ثمّ، واتصلت بالسقف سرعة، ثم دبت فى السقوف آخذة قبلة، فاعجزت (٤) الناس [عن (٥)] قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع (٦)، ووقعت بعض أساطينه وذاب رصاصها، وكل ذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقف الحجرة النبويّة على ساكنها (٧) السلام، ووقع ما وقع منه فى الحجرة وبقى على حاله لما شرع فى عمارة سقفه وسقف المسجد، وكان ذاك ليلة الجمعة وأصبح الناس فعزلوا موضعا للصلاة.
стр. 125
وعدّ (١) ما وقع من تلك النار الخارجة وحريق (٢) المسجد من جملة الآيات، وكأنها كانت (٣) منذرة عما يعقبها فى السنة الآتية من الكائنات على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٤).
ونظم بعضهم فى هذه النار وغرق بغداد بيتين، قال:
سبحان من أصبحت مشيئته … جارية فى الورى بمقدار
أغرق بغداد بالمياه كما … أحرق أرض الحجاز بالنار
قال أبو شامة: كان ينبغى أن ينّبه على أن الأمرين فى سنة واحدة، وإلا فالإغراق والإحراق يقعان كثيرا، فالصواب أن يقال:
فى سنة أغرق العراق وقد … أحرق أرض الحجاز بالنار (٥)
وقال (٦):
بعد ستّ من المئين وخمسين … لدى أربع جرى فى العام
نار أرض الحجاز مع حرق … المسجد مع غريق (٧) دار السلام
ثم أخذ التتار بغداد فى … أول عام من بعد ذاك بعام (٨)
[٣٧١]
عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ٩
стр. 126
لم يفن (١) … أهلها وللكفر أعوان
عليهم يا ضيعة الإسلام
وانقضت (٢) … دولة الخلافة منها
صار مستعصم بغير اعتصام (٣)
وفيها: « ......... (٤)»
وفيها: حج بالناس « ......... (٥)»
стр. 127
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الوهاب بن على بن عبد الوهاب بن مناس الطرابلسى المالكى.
وكان قد ولى القضاء بطرابلس المغرب والمهديّة، ثم استوطن الإسكندرية.
وكان شيخا صالحا. توفى فى هذه السنة.
الشيخ عماد الدين عبد الله (١) بن النحاس الزاهد الورع.
خدم الملوك ووزر بالعجم، وانقطع فى آخر عمره بجبل قاسيون، وأقام ثلاثين سنة مشغولا بالله، ويقضى حوائج الناس بنفسه وماله. توفى فى هذه السنة، ودفن بقاسيون بدمشق.
وهو الذى قال له ابن شيخ الشيوخ فخر الدين: والله لأسبقنك إلى الجنة بمدة، فسبقه فخر الدين.
الشيخ شمس الدين عبد الرحمن (٢) بن نوح المقدسى، الفقيه الشافعى، مدرس
стр. 128
الرواحية (١) بعد شيخه تقى الدين بن الصلاح (٢). توفى فى هذه السنة، ودفن بالصوفية (٣).
وكانت له جنازة حافلة.
سبط ابن الجوزى: الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف (٤) بن الأمير حسام الدين قزغلى بن عبد الله، عتيق الوزير عون (٥) بن هبيرة الحنفى، أحد السادات الحنفية البغدادى، ثم الدمشقى، سبط ابن الجوزى، أمّه رابعة بنت الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى (٦) الواعظ.
وقد كان حسن الصورة، طيّب الصوت، حسن الوعظ، كثير الفضائل والمصنفات، وله مرآة الزمان فى عشرين مجلدا (٧) من أحسن التواريخ، انتظم فيها
стр. 129
المنتظم (١) تاريخ جدّه وزاد عليه، وذيل إلى زمانه، وهى من أحسن التواريخ وأبهجها، قدم دمشق فى حدود الستمائة، وحظى عند ملوك بنى أيوب، وقدّموه وأحسنوا إليه.
وكان له مجلس وعظ كل يوم سبت بكرة النهار عند السارية التى يقوم عندها الوعاظ اليوم عند مشهد على بن الحسين زين العابدين، وقد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع ويتركون البساتين [٣٧٢] فى الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذاكرون ما قاله من الفوائد والكلام الحسن على طريق جدّه.
وقد كان الشيخ تاج الدين الكندى (٢) وغيره من المشايخ يحضرون عنده تحت قبّة يزيد التى عند باب المشهد ويستحسنون ما يقول.
ودرّس بالعزية البرانية (٣) التى بناها الأمير عز الدين أيبك (٤) المعظمى أستادار الملك المعظم وهو واقف العزية الجوانية (٥) التى بالكشك أيضا، وكانت قديما تعرف بدور ابن منقذ.
стр. 130
ودرّس السبط أيضا بالشبلية (١) التى بالجبل عند جسر كحيل، وفوض إليه البدرية (٢) التى قبالتها، فكانت سكنه، وبها توفى ليلة الثلاثاء الحادى والعشرين من ذى الحجة من هذه السنة، وحضر جنازته سلطان البلد الملك الناصر يوسف ابن العزيز فمن دونه.
وأثنى عليه أبو شامة فقال: كان فاضلا، عالما، ظريفا، منقطعا، منكرا على أرباب الدول ما هم عليه من المنكرات، وقد كان مقتصدا فى لباسه، مواظبا على المطالعة والاشتغال، والجمع والتصنيف، ربى فى طول زمانه فى حياة طيبة وجاه عريض عند الملوك والعوامّ نحو خمسين سنة، وقد كان مجلس وعظه مطربا، وصوته فيما يورده فيه حسنا (٣) طيبا.
وقد سئل يوم عاشوراء فى زمن الملك الناصر يوسف صاحب حلب أن يذكر للناس شيئا من مقتل الحسين رضى الله عنه، فصعد المنبر وجلس طويلا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه وبكى، ثم أنشأ يقول وهو يبكى شديدا:
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه … والصور فى نشر الخلائق ينفخ
لابدّ أن ترد القيامة فاطم … وقميصها بدم الحسين ملطخ
стр. 131
ثم نزل عن المنبر وهو يبكى، وصعد إلى الصالحية وهو يبكى (١).
وقال صاحب طبقات الحنفيّة: روى السبط عن جدّه ببغداد، وسمع من أبى الفرج بن كليب وأبى حفص بن طبرزد، وسمع بالموصل ودمشق وحدّث بها وبمصر، وله تصانيف منها: مرآة الزمان، وشرح الجامع الكبير، وإيثار [٣٧٣] الإنصاف وغير ذلك، مات فى التاريخ المذكور، وصلّى عليه بباب جامع جبل قاسيون الشمالى، وصلّى عليه السلطان الملك الناصر يوسف، وكان مولده نحو سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد.
ورثاه الشهاب أحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن مصعب ارتجالا بأبيات:
ذهب المؤّرّخ وانقضت أيامه … فتكدّرت من بعده الأيّام
قد كان شمس الدين نورا هاديا … فقضى فعمّ الكائنات ظلام
كم قد أتى فى وعظه بفضائل … فى حسنها تتحيّر الأفهام
حزن العراق لفقده وتأسّفت … مصر وناح أسى عليه الشّام
فسقى ثرى واراه صوب غمامة … وتعاهدته تحيّة وسلام
مجير الدين يعقوب (٢) بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب. توفى فى هذه السنة، ودفن عند والده بتربة العادلية (٣).
стр. 132
الأمير مظفر الدين إبراهيم (١) بن صاحب صرخد عز الدين أيبك، أستاذ دار الملك المعظم، واقف العزيزيتين الجوانية والبرانية على الحنفية. توفى فى هذه السنة، ودفن عند والده بالتربة تحت القبة عند الوراقة.
الأمير الكبير سيف الدين أبو الحسن يوسف (٢) بن أبى الفوارس موسك القيمرى الكردىّ، أكبر أمراء القيمريّة.
كان يقفون بين يديه كما يفعل بالملوك، ومن أكبر حسناته وقفه (٣) المارستان الذى بسفح جبل قاسيون، وكانت وفاته ودفنه بالسفح فى القبّة التى تجاه المارستان المذكور، وكان ذا مال كثير وثروة.
السلطان الملك غياث الدين كيخسرو (٤) بن السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش ابن أرسلان بن سلجوق.
وخلّف من الأولاد ثلاثة وهم: عزّ الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، ولما توفى والدهم استقرّوا فى السلطنة ولم ينفرد
стр. 133
بها أحد عن الآخر، وضربت السكّة بأسمائهم مشتركة، وخطب لهم جميعا، [٣٧٤] وكان أبوهم قد فوض ولاية عهده إلى ولده علاء الدين كيقباذ الذى هو من كرجى خاتون، فاتفقوا على أن يتوجه إلى منكوقان يطلب منه الصلح والهدنة، ويقرّر له الإناوة، ليكفّ عساكره المتوالية، ويمنع جيوشه العادية، وأما التتار فإنهم استولوا على قيسارية وأعمالها وصار إليهم مسافة شهر من بلاد الروم (١) وأقاليمها فى هذه البرهة اللطيفة يقتلون ويأسرون وينهبون، ثم لما استأصلوا شعبها وبالغوا فى تخريبها عادوا إلى مستقرهم.
وكانت تولية غياث الدين كيخسرو المذكور فى السنة التى مات فيها والده علاء الدين كيقباذ وهى سنة أربع وثلاثين وستمائة (٢)، فيكون مدة مملكته عشرين سنة، وكان والده علاء الدين قد زوّجه بكرجى خاتون ابنة ملك الكرج، فلما صارت إليه السلطنة صيّر أخاها - وكان نصرانيا لم ينتقل عن ملته - مقدّما على الجيش، فكرهه الأمراء وكرهوا السلطان غياث الدين لتقديمه إياه عليهم، وقد خبّط نفر من المؤرخين فى تاريخ وفيات هؤلاء وتاريخ ولاياتهم، منهم: بيبرس الدوادار، والصواب ما ذكرناه.
فإن قلت: أنت قد ذكرت فى أول سنة إحدى وخمسين وستمائة أن صاحب الروم ثلاثة وهم (٣): عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان وعلاء الدين
стр. 134
كيقباذ أولاد غياث الدين كيخسرو، فكيف يلتئم هذا الكلام بالذى ذكرته آنفا؟
قلت: هذا نقلته هناك فى تاريخ بيبرس، ولكنه أطلق كلامه بحيث أنه يوهم أن غياث الدين كيخسرو الذى هو والد الثلاثة مات فى تلك السنة، أعنى سنة إحدى وخمسين وليس كذلك، بل وجهه أنه كأنه قسم بلاده فى حياته بين أولاده الثلاثة المذكورين فى السنة المذكورة، واستقلّ كل منهم سلطانا، إلا أنه مات فى تلك السنة، واستقلوا سلاطين فيها، فافهم، والله أعلم.
***
стр. 135
فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الخامسة والخمسين بعد الستمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة: وهو المستعصم بالله.
[٣٧٥] وسلطان الديار المصرية: الملك المعز أيبك الصالحى، ونائبه فيها الأمير سيف الدين قطز، ولكن أيبك قتل فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله.
وسلطان الشام وحلب: الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز ابن الظاهر بن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.
وصاحب بلاد الروم: الأخوة الثلاثة وهم: عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، أولاد غياث الدين كيخسرو، ولكن كبيرهم علاء الدين كيقباذ، وهو كيقباذ الصغير، وجده هو كيقباذ الكبير، وعلاء الدين كيقباذ الأصغر، مات هو أيضا فى هذه السنة.
ولنذكر أولا وفاة الملك المعز أيبك، ثم وفاة كيقباذ الأصغر.
стр. 136
ذكر وفاة الملك المعزّ أيبك الصالحى
والكلام فيه على أنواع:
الأوّل، فى ترجمته:
هو السلطان الملك المعزّ عز الدين أيبك (١) الصالحى النجمى التركمانى المعروف بالجاشنكير، كان من أكبر مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل بن السلطان الملك العادل أبى بكر ابن أيوب، وكان من الأخصاء عند أستاذه الملك الصالح، وترقى حاله عنده إلى أن غلب على الديار المصرية بعد قتل الملك المعظم تورانشاه بن الملك الصالح، وصار أتابك العساكر بالديار المصريّة، ثم استقرّ فى السلطنة فى التاريخ الذى ذكرناه.
الثّانى، فى سيرته:
كان دينا صيّنا عفيفا كريما، شجاعا، وهو الذى وقف المدرسة المعزية التى بمصر على شاطئ النيل، ومكث فى الملك نحوا من سبع سنين.
وقال بيبرس فى تاريخه: كانت دولة المعز خمس سنين وأشهرا.
الثالث، فى مقتله:
قال ابن كثير: قتلته زوجته شجر الدرّ أم خليل التى كانت حظية أستاذه الملك الصالح، وكان سبب ذلك أنه كان قد تغيّر على شجر الدرّ بعد قتل الفارس أقطاى، وبلغها أنه أرسل يخطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب
стр. 137
الموصل ليتزوجها، وأنه اتفق أنه قبض على جماعة من البحريّة وهو على أمّ البارد وأرسلهم إلى القلعة ليعتقلوا (١) بها، وكان منهم شخص يسمّى أيدكين الصالحىّ، فلما وصلوا تحت الشبّاك الذى تجلس فيه شجر [٣٧٦] الدر، قال لبعض الطواشية:
يا طواشى، خوند (٢) جالسة فى الشباك. قال: نعم، فخدم أيدكين المذكور برأسه ورفعها إلى الشباك، وقال لها بالتركى: المملوك أيدكين البشمقدار: والله يا خوند ما عملنا ذنبا يوجب مسكنا إلا أنه لما سيّر يخطب بنت بدر الدين لؤلؤ ليتزوجها ما هان علينا لأجلك، فإنا نحن تربية نعمتك ونعمة الشهيد المرحوم فعاتبناه على ذلك، ماترين؟ قال، قال: وأومأت بمنديل (٣) من الشباك، يعنى قد سمعت كلامك، فلما نزلوا بهم إلى الجب قال أيدكين: إن كان حبسنا فقد قتلناه (٤).
فلما رجع المعز أيبك من لعب الأكرة ودخل الحمام، رتبت شجر الدر له فى الحمام سنجر الجوجرى مملوك الطواشى محسن (٥) والخدام الذين كانت اتفقت معهم فقتلوه فى الحمام، وأرسلت فى تلك الساعة أصبع المعز أيبك وخاتمه إلى الأمير
стр. 138
عز الدين الحلبى الكبير (١)، وطلبت منه أن يقوم بالأمر، فلم يجسر على ذلك، وكان قتله يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة (٢).
وفى تاريخ بيبرس: ولما بلغ شجر الدرّ أن المعز أرسل يخطب لنفسه بنتى صاحب حماة وصاحب الموصل أخذتها الحرّة وملكتها الغيرة لما قصد من الاستبدال عنها والاعتزال منها. فحملها ذلك على قتله، ولما كان يوم الثلاثاء الرابع والعشرين (٣) من ربيع الأول، ركب إلى الميدان كعادته وعاد إلى القلعة من عشيته، فلما دخل الحمام أحاط به جماعة من الخدّام، وأذاقوه كأس الحمام، وأشاعوا بكرة يوم الأربعاء أنه قد مات فجاءة فى جوف الليل، ودعوا بالثبور والويل، وأعولت النساء فى الدور، وأردن التلبيس بهذه الأمور فلم تتم الحيلة على مماليكه لأنهم فارقوه بالعشى سليما، وألفوه فى الصباح عديما، فعلموا أنه قد قتل غيلة.
стр. 139
ذكر تولية الملك المنصور نور الدين [على (١)] بن السلطان الملك المعز أيبك
ولما ظهر الخبر بقتل المعز أراد مماليك المعزّ قتل شجر الدر، فجاءها المماليك الصالحية واتفقت الكلمة على إقامة نور الدين على بن المعزّ أيبك سلطانا، ولقبوه الملك المنصور، وعمره يومئذ خمسة عشر سنة، ونقلت شجر الدر [٣٧٧] من دار السلطنة إلى البرج الأحمر، وصلبوا الخدام الذين اتفقوا معها على قتل المعز، وهرب سنجر الجوجرى، ثم ظفروا به وصلبوه، واحتيط على الصاحب بهاء الدين بن حنا لكونه وزير شجر الدر، وأخذ خطه بستين ألف دينار.
وفى يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر منها: اتفقت مماليك المعز أيبك مثل:
سيف الدين قطز وسنجر الغتمى، وبهادر، وقبضوا على علم الدين سنجر الحلبى، وكان قد صار أتابك العساكر للملك المنصور نور الدين علىّ، ورتّبوا فى أتابكيتّه أقطاى المستعرب (٢) الصالحىّ.
وفى تاريخ بيبرس: استقر نور الدين على فى السلطنة بعد موت أبيه، وكان جلوسه فى السادس والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة،
стр. 140
وعمره يومئذ حول عشر سنين، وكان يميل إلى اللهو واللعب لصباه، وقام الأمير سيف الدين قطز المعزى بأتابكيته وتدبير دولته، وكان ذا بأس وشهامة، وحزم وصرامة، فأمسك الصاحب شرف الدين الفائزى وعزله عن الوزارة، واحتيط على أمواله، وأسبابه، وذخائره. وكان مثريا من المال، وله ودائع كثيرة متفرقة، فتتبّعت واستخرجت من أربابها وحملت، واعتقل ثم قتل.
وسبب قتله أنّ والدة الملك المنصور هذا كانت مجفوّة من زوجها الملك المعز، وكان قد اتخذ سرارى وصيّرهن عند الوزير، فنقمت عليه، وسأل أن يبذل عن نفسه مالا فلم ترض إلا بقتله، واستوزر بعده الصاحب زين الدين يعقوب (١) بن الزبير.
ذكر وفاة السلطان علاء الدّين كيقباذ الصغير بن السلطان كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباذ:
مات فى هذه السنة بمدينة أرزنكان (٢)، وكان توجه إلى خدمة منكوقان ابن طلو خان بن جنكز خان من قونية قاصدا الأرد، وسار فى خدمته الأمير سيف الدين طرنطاى، صاحب أماسية، وكان من أكابر أمراء الدولة، وحده، وكان يلقب بكلار باكى، يعنى أمير الأمراء، وشجاع الدين، ومحسن ملك
стр. 141
السواحل، واستصحب معه الهدايا النفيسة، والجواهر الثمينة، [٣٧٨] والتحف الغريبة، والأقمشة شيئا كثيرا.
فلما توجّه وأقام أخواه بقونية وهما: عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، لم يلبثا إلا قليلا حتى دبّت بينهما عقارب السعاة، وأفضى الحال بينهما إلى المعاداة، واختلفت الآراء، وشعّبت الأهواء، وتقسمت خواطر الأمراء.
وكان الصاحب يومئذ شمس الدين الطغرائى، وكان يميل مع ركن الدين، وآل أمر الأخوين إلى أن اقتتلا، فانكسر ركن الدين قليج أرسلان، وانتصر عليه أخوه عز الدين كيكاوس، وأخذه أسيرا، واعتقله عنده، واستقر بقونية، وحكم فى المملكة، هذا وبيجو ومن معه يجوسون خلال الديار.
ولما حصل ركن الدين فى الأسر ضاق بإلزامه الأمراء (١) وهم: شمس الدين الطغرائى، والأمير سيف الدين جاليش، وبهاء الدين أزدكردى، ونور الدين الخزندار، ورشيد الدين صاحب ملطيّة وهو أمير عارض، وفكّروا فيما يفعلون، فاتفقوا على أن زوّروا كتبا عن السلطان عز الدين إلى سيف الدين طرنطاى ورفيقيه بأن يسلّما إليهما السلطان علاء الدين وما معهما من الهدايا والخزانة، ليتوجّه الصاحب بذلك إلى منكوقان وتعودا أنتما من الطريق.
وساروا بهذه الكتب الموضوعة فى إثر السلطان علاء الدين، فلحقوه وقد وصل هو ومن معه إلى أردو بايطو، فدخلوا على بايطو وقالوا له: إن السلطان عز الدين كان قد أرسل أخاه ليتوجّه إلى القان، وأرسل معه هذين الذين هما طرنطاى
عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ١٠
стр. 142
ورفيقه، ثم اتضح (١) له أنهما قد أضمرا السّوء، وأنّ طرنطاى ضربته الصاعقة فيما مضى من الزمان فلا يصلح أن يدخل بين يدى القان، وأنّ رفيقه شجاع الدين رئيس طبيب ساحر، وقد أخذ صحبته شيئا من السمّ القاتل يغتال به منكوقان، فأرسلنا نحن عوضا منهما وأمر بردّهما.
فلما سمع بايطو مقال الصاحب ورفقته ظنه حقّا، فأمر بإحضار طرنطاى ورفيقه، وأن يفتش ما صحبتهما من القماش والزاد وغيره، ليظهر السمّ الذى معه، فكبست خيمة شجاع الدين الرئيس (٢) [٣٧٩] وحمل ما وجد، فكان من جملته برانى شراب وعقاقير الأدوية وشئ من المحمودة (٣)، فألزموه بالأكل من جميعها، فأكل حتى انتهوا إلى المحمودة أمروه أن يأكل منها فأبى، وقال: إن أكلت من هذه متّ، فقالوا: هو السمّ الذى قيل فيه إنه معكما، وسألوا الأمير سيف الدين طرنطاى: ما هذا السمّ؟ ولم حملتماه؟ ومن الذى تقصدان أن تغتالا به وتقتلاه؟ فأجاب: بأنه لا علم له بأمره، وإنما يسأل عنه من وجد معه، فرسم بايطو بأن يقرر شجاع الدين بالضرب ليلطلعهم على الأمر، فقال لهم: اطلبوا الأطبّاء إلى هاهنا، وأروهم هذا النوع واسألوهم عنه، فإن ذكروا أنه سمّ قاتل، فأنا خائن خاتل، وإن قالوا: إنه دواء يتخذه الناس ويستعملونه لعلاج الأمراض، فهؤلاء القوم ذو أغراض.
стр. 143
فأحضروا الأطباء وسألوهم عن المحمودة، فأجابوا بأنها دواء يشرب للمنفعة، وتوجد عند كثير من الباعة وغيرهم، فتبيّن لهم أن الصاحب قد تقوّل عليه، ثم سألوا طرنطاى ما هى الصاعقة التى ضربته وفى أىّ وقت أصابته؟ فقال: الصاعقة لا حقيقة لها، والحال فيها كالحال فى السمّ، وإنما هؤلاء زوّروا الكتب التى على أيديهم، وكتبوا ما أرادوا لأنفسهم، وأنا بينى وبين السلطان أمارة جعلها معى عند وداعه فأقول سرّا، فإن قالها الصاحب ومن معه فهم صادقون، وإن لم يعرفوها فهم ماذقون، وأسرّ إليه الأمارة، فسأل الصاحب ورفقته عنها فلم يعرفوها، فقال بايطو لطرنطاى: أنتم جميعا متوجهون إلى القان، وهو يفعل ما يراه.
وهؤلاء حضروا من مسافة بعيدة فاختاروا (١) إما أن يتسلّموا السلطان وتبقى الخزائن معكم، أو تسلّموا إليهم الخزائن ويبقى السلطان معكم، فأجمع رأى الأمير سيف الدين طرنطان على أن تكون الخزائن معه ومع رفيقه، وأن يتسلّم السلطان علاء الدين الصاحب شمس الدين الطغرائىّ ورفيقه، فتسلّماه.
وسار طرنطاى ورفيقه قبلهما، وسار الصاحب والسلطان معه بعده، فمرض السلطان علاء الدين فى [٣٨٠] أثناء الطريق ومات.
فاتفق الصاحب وجاليش أن يسيرا إلى طرنطاى ورفيقه يعرّفانهما أن السلطان ضعيف، فإذا حضرا ليبصراه يقتلونهما، وبلغ سيف الدين طرنطاى موت السلطان، فأرسل فراشا ليكشف له أمره وأوصاه بأن يفتش آثارهم بالمنزلة التى
стр. 144
رحلوا منها، فمهما أصاب من ورقة ممزّقة أو غيرها يحضرها إليه ليستدلّ منها على شئ من أحوالهم.
فوجد الفراش رقعة ممزّقة كان جاليش قد كتبها إلى الصاحب بما اتفقا عليه عند موت السلطان، فأحضرها الفراش إلى سيف الدين طرنطاى، فاحتفظ بها، وعلم منها ما كانا عزما عليه من المكيدة، وسار هو ورفيقه حتى إذا صارا من الأردو على مسافة ثلاثة أيام نزلا فى إنتظار الصاحب ومن معه معتقدين أنهم جاءون وراءهم، وكانوا قد توجّهوا من طريق أخرى إلى منكوقان، فلما وصلوا إليه وأعلموه بأنّ لهم رفقة لم يصلوا بعد أنكر منكوقان عليهم، وأمر بأن يربطوا ويقاموا فى الشمس إلى حين وصول رفقتهم (١)، فأرسل الصاحب يخبر طرنطاى بأمره، ويسأله سرعة القدوم ليفكّ من أسره، فقدم طرنطاى.
وجلس [لهم] منكوقان (٢) مجلسا عامّا، وأحضرهم بين يديه، ووقف التراجمة يعبرّون لهم وعنهم، فأمر بأن يجلسوا فى مراتبهم كما يجلسون فى بلادهم، فتنافسوا فى الجلوس، وقصد كلّ من التقدّم على الآخر، ثم سألهم عن وظائفهم، فصار كلّ يدّعى أنه الأكبر، فلما انتهى إلى طرنطاى ذكر أن وظيفته الأتابكيّة وتقدمة الجيش، فأمر أن يجلس فوق جميعهم، فأبى، وضرب جوك الخدمة وقال:
أنا بمرسوم القان أجلس فى المنزلة التى كنت أجلس فيها فى بلادنا، فأعجب منكوقان قوله وقال: هذا قد تبيّن لنا صدقه [وعقله (٣)]، وسأله عن أمر السلطان
стр. 145
علاء الدين وكيف كان موته؟ فقال: منذ سلمه المملوك إلى الصاحب ورفقته، وتقدمنا [هم (١)] فى المسير لم نعرف له خبرا، فالقان يسأل من كان معه عن أمره، فعطف [٣٨١] إلى الصاحب وسأله عنه، فقال له إن طرنطاى قتله وزوجة السلطان تشهد بذلك، ولم يكن مع السلطان زوجة، وإنما كان سيف الدين طرنطاى قد اشترى للسلطان جارية تخدمه فى الطريق وعهدتها معه، وكان الصاحب قد أوصاها أن تقول: إنها زوجته وتوافقه على ما رتّبه، فاستدعاها (٢) القان وسألها كيف كان موت السلطان؟ فاستصرخت واستغاثت، وادّعت أن طرنطاى ورفيقه هما اللذان قتلاه، فأحضر طرنطاى عهدة الجارية، وعرف القان كذبها فى زعمها أنها زوجة السلطان (٣)، وأحضر الورقة الممزّقة التى أحضرها إليه الفراش، وهى من جهة جاليش إلى الصاحب بما تآمرا عليه، فتحقق منكوقان غرض الصاحب ونقله الكاذب، فأخّره ودحره، وقدّم طرنطاى وأكرمه، وقبل التقدمة، وسمع الرسالة، وكان مضمونها إن السلطان عز الدين كيكاوس كبير الأخوة وأولاهم بالمملكة، وسأل أن يسيّر إليه القان (٤) يرليغ (٥) بتقليده، ويمنع التتار من الغارات على بلاده والتعرّض إلى رعيته، فأجاب