← Тафсир

Тафсир · id 10604

الدخيل في التفسير - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[الدخيل في التفسير]- كود المادة: GUQR٥٣٣٣ المرحلة: ماجستير المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ التعريف بالدخيل في التفسير وأنواعه - الإسرائيليات (١) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (التعريف بالدخيل في التفسير وأنواعه - الإسرائيليات (١)) تمهيد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: مما ينبغي أن نتذكره أن الدخيل والإسرائيليات هي موجودة في ثنايا كتب التفسير، لكنها لم تُفرد بالتأليف إلا في العصر المتأخر، ومن ثَم سنرى أن مراجع هذه المادة المستقلة التي ألفت في هذا العلم استقلالًا مراجع حديثة، وإن كان السابقون الأقدمون قد بينوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتطرقوا لأنواع كثيرة من هذا العلم. فمن الكتب المشتهرة في هذا: (الإسرائيليات والموضوعات) لفضيلة الدكتور محمد أبو شهبة، وأيضًا (التفسير والمفسرون) للدكتور محمد حسين الذهبي، و (الإسرائيليات في التفسير والحديث) له أيضًا، وسنرى أيضًا (الدخيل في التفسير) للدكتور عبد الوهاب فايد، و (الدخيل في التفسير) لأستاذنا الأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة. ولزملائنا في مجال التفسير الآن وفي حقل الدعوة سنرى: (الدخيل والإسرائيليات) للدكتور سمير شليوة، و (الدخيل في التفسير) للدكتور علي رضوان، و (الدخيل في التفسير) للدكتور المحمدي. أما السابقون، فلا يخفى أن الإمام السيوطي وابن عراق وغيرهم، هؤلاء لهم كتب، هناك (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة) لابن عراق الدمشقي، هناك أيضًا (تدريب الراوي على شرح تقريب النواوي) للإمام السيوطي، هناك (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) للسيوطي وغيرها.

стр. 3

المقدمة التي ندخل بها إلى هذا العلم: القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي أنزله على رسوله ﷺ ليكون هدايةً للعالمين، وهذا القرآن الذي أنزله ربنا قد تكفل بحفظه فقال -جل وعلا-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)، وقد كلف الله -جل وعلا- رسوله محمدًا ﷺ أن يبين، وأن يفسر، وأن يشرح للناس كما قال -جل وعلا-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤) كما تكفل له ربه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٧ - ١٩). هذا الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- بلغ وبين، وعلم الأمة، وتبعه أصحابه -رضوان الله عليهم- فكان من الصحابة جمع اشتهر بالتفسير هؤلاء، هم أعلام الهدى وأئمة التفسير: عبد الله بن عباس حبر الأمة، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو وغيرهم. وكانوا دائمًا يقرءون ويعملون ويشرحون ويفسرون القرآن الكريم لمن حولهم من التابعين، حتى عرف أن عبد الله بن عباس كانت له مدرسته في مكة المكرمة، وله تلاميذه، وعبد الله بن مسعود كانت مدرسته في الكوفة، وأبي كان مدرسته في المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ومما لا يخفى أن معرفة التفسير والوقوف على هدايات القرآن الكريم من أعظم الغايات، وأشرف المقاصد؛ ولذلك نجد صاحب (الإتقان) الإمام السيوطي عقد فصلًا كاملًا عن شرف علم التفسير لعله الباب السابع والسبعون، وتطرق لقوله سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: ٢٦٩) ونقل لنا ما رواه عن ابن عباس قال عن الحكمة: "المعرفة بالقرآن: حلاله وحرامه، ناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، مقدمه ومؤخره، وأمثال القرآن وقصصه". ونحو ذلك.

стр. 4

كل هذا بين أن التفسير من فروض الكفايات، ومن أجل العلوم الشرعية قاطبة؛ لأن موضوعه كتاب الله بعد جيل الصحابة جاء التابعون، فاعتمدوا على المصادر السابقة: القرآن، أقوال الرسول، أقوال الصحابة، وتلا ذلك التابعون وتابعو التابعين شرحًا لكتاب الله وبيانًا لما فيه. حتى جاءت العصور التي بدأ فيها يظهر التباس في الفهم، أو سوء وحقد من أعداء الإسلام، فأدخلوا في كتبنا وفي تفاسير القرآن ما ليس منه، بل إن بعض المفسرين القدامى كالثعلبي في كتابه (الكشف والبيان في تفسير القرآن) وهناك أيضًا الإمام الواحدي في تفسيره (الوسيط) وهناك أيضًا تفسير لابن جرير الطبري. هذه الكتب القديمة لم تخلُ من بعض الإسرائيليات والأقوال الضعيفة مما بدأ الدخيل يسري إلى كتب التفسير التي هي شرحٌ لكتاب الله . تعريف الدخيل والأصيل تعريف الدخيل: الدخيل في اللغة: هو الوافدُ الذي تسلل من الخارج، وليس له أصل في المحيط الذي تسلل إليه، وتُستعمل هذه الكلمة في: الأشخاص، والألفاظ، والكلمات، والمعاني، وما أشبه ذلك. لو رجعنا إلى كتب اللغة سنرى صاحب (القاموس) و (لسان العرب) وصاحب كتاب (الأساس) العلامة الزمخشري و (المصباح المنير) و (المفردات) للراغب الأصفهاني، كل أولئك حدثونا عن معنى الكلمة "الدخيل": الدخل ما داخلك من فساد في عقل أو جسم، وقد دخل كفرح، ودخل كعني دخلًا ودخلًا، وهذا المعنى يفيد الغدر والمكر والدهاء والخديعة والعيب، سواء كان في الحسب أو في الشجر أو في الناس أو في القوم الذين ينتسبون إلى من ليسوا منهم.

стр. 5

وقالوا: داء دخيل، ودخل أمره؛ أي: فسَدَ داخله، فلان دخيل في القوم؛ أي: ليس منهم، هو من غيرهم، وإذًا كلمة الدخيل كلمة إذا أدخلت في كلام العرب تطلق على الكلمة التي تندس في كلام العرب، وليست من كلام العرب. يتحصل من ذلك أن الدخيل يدور حول معنى: العيب، الفساد الداخلي، سواء من الغرابة أو من المكر أو من الخديعة أو الريبة أو عفن الجوف ونحو ذلك، وإذا قلنا كلمة دخيل فعيل، أهي بمعنى فاعل أو مفعول؟ إذا أطلق على العيب نفسه كانت كلمة دخيل بمعنى داخل، بمعنى فاعل، وإن أطلق على الشيء المعيب نفسه كانت بمعنى مدخول أي: هو مفعول، وهذا مبالغة، فالدخيل في التفسير: العيب والفساد، عيب وفساد اجتهد صاحبه أن يدس حقيقته، ويخفيها في ثنايا الأصيل في التفسير للقرآن الكريم. لعل هذا يوضح الآن أن الدخيل في اللغة هو الوافدُ الذي تسلل من الخارج، وليس له أصل في المحيط الذي تسلل إليه، وإذا ما خلصنا إلى المعنى الاصطلاحي: هو الذي ليس له أصل صحيح في الدين، تسلل إلى رحاب التفسير على حين غِرة، وعلى حين غفلة من الزمن؛ بفعل مؤثرات مختلفة بعد وفاة رسول الله ﷺ . ولو تساءلنا: الذي أثر في إظهار هذا الدخيل أكثر وأكثر؟ نقول: جانبان: الجانب الأول: جانب خارجي، وهذا يتمثل في أعداء الإسلام الحاقدين من اليهود والنصارى والشيوعيين، ومن الكافرين المشركين الذين كانوا حريصين على اللغو وعلى إظهار القرآن بأنه متناقض؛ ليشككوا فيه، لأن القرآن حمل على الشرك حملة شعواء، كما سيتضح الآن.

стр. 6

دس هؤلاء خرافاتهم وأباطيلهم حول القرآن يريدون فتنة المسلمين في دينهم، يريدون تشكيك المسلمين في كتاب ربهم، يريدون تفتيت وحدة الأمة الإسلامية التي أرسى قواعدها رسول الإسلام محمد ﷺ . الجانب الآخر: الجانب الداخلي، ويتمثل هذا في طوائف مختلفة انتسبت إلى الِإسلام زورًا، ولكنها في الحقيقة وثيقة الصلة بأعداء الإسلام، من هؤلاء طوائف شوشت بخرافاتها وتحريفها، ولها مخططات رسمها لهم أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس، هم جميعًا يريدون أن يمكروا، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠)، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: ٣٢). بهذا يتضح لنا معنى الدخيل، ماذا يقابل هذه الكلمة؟ الأصيل. قال علماء اللغة: الأصيل أو الأصل: أساس وأسفل كل شيء، ورجل أصيل: له أصل رجل ثابت الرأي عاقل، فلان أصيل الرأي، وقد أصل رأيه، ومجد أصيل أي: ذو أصالة، فالأصيل في الاصطلاح هو: التفسير الذي ثبت عن طريق القرآن أو السنة النبوية الصحيحة أو أقوال الصحابة أو أقوال التابعين ثبوتًا مقبولًا، أو ما يرِد عن طريق الرأي الصحيح المستكمل لشروط الرأي المحمود. أنواع الدخيل، وفائدته بعد هذا يمكن أن نسأل: هل لهذا الدخيل أنواع؟ أنواع كثيرة، ونقول: إن الدخيل أولًا قسمان، هذا الدخيل دخيل في المأثور، وسنبدأ به. ودخيل في الرأي، وسوف نثني به إجمالًا، ثم نتحدث عن الفائدة من دراسة الدخيل، وكيف نشأ؟ وكيف نَمَا، وكيف سرى وزحف إلى علم التفسير في حياة أمة الإسلام؟

стр. 7

أنواع الدخيل: الدخيل في المأثور يضم بإيجاز الأنواع السبعة الآتية: يضم الأحاديث الموضوعة على النبي ﷺ . الأحاديث الضعيفة، خاصة إذا كان ضعفها لا ينجبر. يضم الإسرائيليات المخالفة للقرآن أو السنة أو التي لا يعرف لها موافقة، ولا مخالفة، وهو ما نعرفه بأنه المسكوت عنه، أما الإسرائيليات الموافقة لما عندنا فلا تعتبر من قبيل الدخيل. رابعًا: يدخل تحت هذا القسم ما نُسب إلى الصحابة، ولم يثبت عنهم. خامسًا: ما نسب إلى التابعين، ولم يثبت عنهم. سادسًا: ما تعارض من أقوال الصحابة مع القرآن أو السنة أو العقل تعارضًا حقيقيًّا، ولا يمكن الجمع بينه وبين هذه الأشياء. سابعًا: ما تعارض من أقوال التابعين مع القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة أو العقل تعارضًا حقيقيًّا. ثانيًا: أنواع الدخيل في الرأي: قلنا: إن الدخيل إما في المأثور والمنقول وإما في الرأي. أنواع الدخيل في الرأي: نقول: إن هذه الأنواع تضمنت الأسبابَ التي أدت إلى وجود الدخيل في الرأي، وهذه الأنواع نتجت عن أحقاد أو جهل أصحابها. وها هي على الترتيب:

стр. 8

الإلحاد في آيات الله: هناك فرق كفرت بشريعة الإسلام، امتلأت قلوبها حقدًا وإلحادًا، فألحدت في آيات الله؛ فسرت القرآن بأقوال باطلة، وبما طفحت به قلوبهم ونفوسهم. ثانيًا: الأخذ بظاهر المنقول دون النظر إلى ما يجب ويليق بذات الله أو ما لا يليق، أخذوا بظاهر النصوص، وهؤلاء محسوبون على الإسلام. ثالثًا: تحريف النصوص الشرعية عن مواضعها، وتعطيلها وصَرْفها عن ظواهرها. رابعًا: التنطع أو التكلف الزائد في استخراج معانٍ من باطن النصوص، دون دليل يدل على صحتها أو جوازها. خامسًا: التنطع في اللغة والنحو والإعرابات، حتى خرج أصحاب ذلك عن القواعد المألوفة في النحو والصرف وعلوم اللغة. سادسًا: تفسير القرآن عن جهل دون الإلمام بشروط المفسر أو استكمال العلوم الواجب توافرها فيه. سابعًا: التكلف في التوفيق بين النصوص القرآنية، وما فُتِنَ به كثير من الشباب من المكتشفات العلمية الحديثة، فنرى أناسًا كثيرين حمّلوا القرآن نظريات علمية جَدت ووقعت في واقع الناس، حملوا عليها آيات القرآن الحكيم، الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢) والنظريات العلمية تتغير، وقد يأتي بعدها ما يبطلها أو يغيرها، فحمل القرآن على هذا النوع من المكتشفات كان نوعًا من دخيل الرأي أفسد كثيرًا من التفسير في حياة أمة الإسلام. فائدة دراسة هذا العلم: واضح جدًّا أن معرفة الدخيل في التفسير هدف حتى يتجنب المسلم الزللَ والوقوع في الخطأ، كما قال بعضهم:

стр. 9

عرفت الشر لا ... للشر بل لتوقيه ومن لم يعرف الشر ... من الناس يقع فيه فالفائدة من دراسة علم الدخيل باختصار شديد وإيجاز غير مخل، يتلخص في ثلاثة أشياء: أولًا: الانتفاع بتفسير القرآن الكريم، والاهتداء بهدي القرآن الكريم الصحيح، والامتثال لشريعة الإسلام امتثالًا صحيحًا. ثانيًا: رد مطاعن الطاعنين على القرآن الكريم، وكشف ضلالهم وكيدهم، والحقد الذي يطفح منهم، معرفة ذلك يساعدنا على أن نرد كيدهم، وأن ندافع عن قرآننا، الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. أخيرًا: الوقوف على التفسير الصحيح السليم حتى نبلغ دعوة الإسلام تبليغًا صحيحًا، فنتجنب الأباطيل التي دست في التفسير، وألحقت به، إذا عرف المسلم هذه الأمور استطاع أن يميز بين الصحيح وبين الضعيف، وبين الأصيل وبين الدخيل، ويستطيع بذلك أن يسلم من حقد وأخطاء هؤلاء الذين أرادوا للإسلام أن لا ترتفع رايته. كيف نشأ الدخيل ؟ كيف نشأ الدخيل؟ كيف سرى إلى علم التفسير، والتفسير يتعلق بشرح كتاب الله ؟ نقول: إن الدخيل له مصدران أساسيان: المصدر الأول: أعداء الإسلام. المصدر الثاني: التباس، وسوء فهم من الفِرق المنسوبة إلى الِإسلام، أو حتى بعض الصحابة والتابعين، وسنرى ذلك واضحًا.

стр. 10

المصدر الأول: وهو ما يتعلق بأعداء الإسلام: هذا المصدر هم: أعداء الإسلام من الكفار، المشركين، اليهود والنصارى، الحاقدون على الإسلام، كل أولئك عندما نزل القرآن الكريم، وارتفعت رايتُه بدأت شبهات الكفار الذين يريدون إظهار القرآن بمظهر المتناقض، ليتوصلوا بذلك إلى أنه ليس من عند الله، وإسقاط حجيته، والطعن بعد ذلك في رسول الله ﷺ الذي جاءهم به، لا سيما وأن القرآن الكريم قد رفع راية التوحيد، وأظهر أن أصنامهم هي شرك، وحَطَّمَ مكانتها، وأنزل معنوياتهم، فالقرآن هو الذي يقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٨) وبين لهم أن هذه الأصنام لا تنفع، ولا تضر، وليس لها من جدوى، فحطم ما ألفوا عبادته مئات السنين أو قرونًا طويلة فيما مضى. فبدأ الكفار يثيرون الشبهات، ويعترضون على بعض الآيات، وينتشر كلامهم وأباطيلهم، ويعلنونها بين الناس، من أمثلة ذلك: حديث أخرجه الإمام مسلم يقول: عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا: أريت ما تقرءون: ﴿يَا أُخْتَ هَارُون﴾ (مريم: ٢٨) وموسى كان قبل عيسى بمئات السنين، فيقول: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فقال: ((ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء الصالحين قبلهم؟)). إن أهل نجران أرادوا أن يلبسوا الأمر على المسلمين زاعمين أن القرآن تكلم عن هارون، وجعلت مريم أختًا لهارون، وهارون أخو موسى ﵈ بينما هناك فترة زمنية عدة قرون بين موسى وعيسى، فأرادوا بذلك أن يظهروا أن القرآن كلامه غير صحيح. تصدى رسول الله ﷺ لهذه الشبهة الدخيلة، وبين أن هارون هذا الذي نسبت مريم، وقيل في شأنها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُون﴾ ليس هو أخو موسى ﵇ إنما هو هارون آخر، إلى غير ذلك.

стр. 11

وبدأ الكفار يتندرون ببعض الآيات، لما نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ (الدخان: ٤٣ - ٤٥) إلى آخر الآيات: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات: ٦٥) بدأ الكفار يتندرون ويتكلمون حول الآيات عن شجرة الزقوم. ولما نزل قول الله -جل وعلا-: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (المدثر: ٣٠) عن النار، بدءوا يتكلمون ويسخرون من هذا الكلام، وهذه الآيات. كما تندر اليهود لما نزل قول الله -جل وعلا-: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًاَ﴾ (البقرة: ٢٤٥) بدءوا يتكلمون: الله يريد القرض؟ الله فقير؟ وأخذوا يثيرون الشبهات، وأنزل الله -جل وعلا- ردًّا على افتراءاتهم: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (آل عمران: ١٨١). آيات من هذا النوع كانت تنزل لهم، وتعلن عليهم واقعًا وحقائق، لكنهم الكفر يملأ جوانحهم، والحقد على الإسلام وعلى القرآن، الذي حطم أصنامهم، ورفع التوحيد راية عالية، بدءوا يثيرون الشُّبه، والدخيل، والأباطيل حول هذه الآيات. المصدر الثاني لنشأة الدخيل في العهد النبوي الكريم، سواء كان من الالتباس أو سوء فهم لبعض صحابة رسول الله ﷺ أو كانت لبعض الفرق التي حسبت على الإسلام، وظهر آثارها بعد ذلك: هناك من غير سوء قصد، كان هناك لبس، تعجل بعض صحابة رسول الله ﷺ عند بعض الآيات، لما نزل قول الله -جل وعلا-: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: ١٨٧) لم تكن

стр. 12

كلمة: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ قد نزلت، هناك حديث في البخاري في صحيحه، عن سهيل بن حزم: لما نزلت هذه الآية، ولم ينزل قوله: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيضَ والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتها؛ فأنزل الله -جل وعلا- بعد ذلك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. فعلموا أنما المراد من الخيط الأبيض والخيط الأسود هو بياض النهار، وسواد الليل. وهكذا بدأ التباس في الفهم، فدخل شيء من هذا الفهم في عصر نزول القرآن الكريم، هم لا يريدون هذا اللبس، ولا يقصد منهم، ولكنه وقع. كذلك لما نزل قول الله -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ (المائدة: ٩٣) كان هناك موقف لبعض الصحابة، سنعرفه. كذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام: ٨٢) بعض الصحابة بكى، وفهم أن الظلم هو أي ظلم ولو كان قليلًا، والآية تحذر، فإذا لبس الإنسان إيمانه -أي: خلط إيمانه- بشيء من الظلم لم يكن في مأمن، وقع هذا اللبس، فبينه لهم رسول الله ﷺ . أما الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه، ونقله عنه الحافظ بن حجر في (الإصابة في تمييز الصحابة) أن أحد الصحابة تأول هذه الآية، وهو قُدامة بن مظعون، أخو عثمان بن مظعون فشرب الخمر، وزعم أنه لا حرجَ في شربها إذا كان الإنسان مؤمنًا تقيًّا، فلما علم عمر بذلك رد عليه، وبين له الفهم الصحيح للآية وقال له: "يا قدامة أخطأت التأويل، أنت إذا اتقيت الله

стр. 13

اجتنبت ما حرم الله". وأصر عمر على جلده بعد ثبوت سكره بالشهود، رغم أن قدامة بن مظعون، هو خال أولاد عمر، خال حفصة، وخال عبد الله بن عمر. والحديث مروي بسنده وروايته، وينتهي في آخر المطاف حتى لا نطيل الكلام، إلى أن عمر أقام عليه الحد، وغضب كل منهما من الآخر، عمر غضب على قدامة لفهمه السقيم، وقدامة كان غاضبًا حتى إنهم لما حج قدامة في بعض الأعوام تقابل مع عمر، وكان كل منهم غاضبًا من الآخر، عمر غضب؛ لأنه تأول تأولًا خطئًا، فقام عمر واستدعاه، فأبى قدامة أن يأتي، فأمر عمر أن يحضروه، فكلمه واستغفر له؛ لأن هذا تأويل غير صحيح. تعالوا بنا بعد ذلك أيام علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه- حدث ما لا تتوقعه الأمة، حدثت فتنة التحكيم، التي على أثرها حدثت اختلافات بين المسلمين، نعلم أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ وأرضاه- كان هو الأرجح لأن يكون أمير المؤمنين بعد عثمان، وحدثت فتنة التحكيم، وافترق المسلمون على أثرها كما نقرأ في السيرة والتاريخ- افترقوا إلى شيع وأحزاب. ظهر على الساحة فرقة الخوارج الذين خرجوا على علي، كما ظهرت فرقة الشيعة، والمرجئة، والقدرية، والمعتزلة، وكل من هذه الفرق أراد أن يفسر القرآن الكريم على هواه، بحيث يخدم التفسير المبادئ التي يدعو إليها كل فريق، على الأقل لا تتصادم مع مبادئهم، فكانوا يجعلون المذهب أصلًا والتفسير فرعًا. كما ظهر على الساحة جماعات من المتصوفين، ونحن لا نكره التصوف، نحن نحب التصوف المعتدل الذي يقوم على شُعب الإيمان: الزهد، الصبر، التوكل، الخوف، الرجاء، الورع، أما إذا كان التصوف شطحاتٍ ونطحاتٍ ومعانٍ باطلةً تخرج عن نصوص القرآن الكريم، وهذا هو الذي ظهر، ظهرت الفرقة الباطنية،

стр. 14

وزعموا أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وأن النص الظاهري هذا علم العوام، وأن العلم الباطني هو العلم الحقيقي اللدني، ووصلت بهم الشطحات أن فضلوا أتباعهم على الأنبياء، وكانوا يقولون: أنتم تتلقون علومكم عن البشر، ونحن نتلقى علومنا عن الله . كلام دخيل على الإسلام، ومدسوس على شريعة الله . أرادوا بذلك أن يتحللوا ويتخلصوا من شريعة الإسلام، وأن يقضوا على تفسير القرآن التفسير الصحيح، فمالوا بذلك إلى تفاسير فاسدة، وفرقة الباطنية هذه اتسع أتباعها، وتلونت في كل وقتٍ ومكانٍ حتى نرى منها فرق: البابية، والبهائية، والقاديانية، كما وجدنا فرقًَا تتلون بأسماء مستحدثة في عالمنا الذي نعيشه. كل هؤلاء، أقوالهم، تفسيرهم، اجتهاداتهم، كلها تعتبر دخيلًا على تفسير القرآن الكريم. وأخيرًا نقول: إن هناك نوعًا آخرَ ظهر على أيدي بعض العلماء، أو أرادوا يوفقوا بين نصوص القرآن وبين النظريات العلمية واكتشافات العلم الحديث، كلما ظهرت نظرية أو كلما وجدوا إعجازًا علميًّا قالوا: إن القرآن تحدَّث عنه، ودعا إليه، وحملوا آيات القرآن ما لا تحتمل، فهؤلاء تحت زعم الإعجاز العلمي للقرآن ظهر في توفيقهم للآيات كثير من التعسف، كثير من تحميل القرآن ما لا يتحمله، فهذا لون من ألوان الدخيل في تفسير القرآن الكريم. بعد هذا اتسع نطاق هذه الفِرق، كثر أتباعها، زاد تعصبها، حتى إننا أصبحنا نجد هذه الفرق بأتباعها وتابعيها تشمِّر عن سواعدها، وتسخر كل طاقاتها، سواء المشركون، سواء الأحقاد من الفرق الضالة، أو سواء من الصوفية أو سواء من

стр. 15

الذين زعموا معرفة النظريات العلمية، وجدنا الكل يسخر طاقاته للقضاء على المسلمين، وتشكيك المسلمين في قرآن ربهم، والتشويش عليه، مثلما اتجه الكفار وحرصوا أشد الحرص عند نزول القرآن الكريم على أن يصرفوا عنه الناسَ، كما حكى عنهم القرآن الكريم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: ٢٦). لم تتوقف حملات هؤلاء الأعداء عند القرون الأولى للإسلام، بل تنوعت طوائفهم، وتجددت أساليبهم، وكثرت انحرافاتهم وتأويلاتهم حتى ظهر على الساحة أنواع من الدخيل، والأباطيل سرت إلى كتب التفسير، يا ترى هل هذا الفساد سيبقى وتنتشر فروعه وألوانه؟! إن الله سبحانه يقيض لهذا الدين مَن يدفع عنه كيد الكائدين، وتأويل المبطلين، وانتحال الغالين، كما وعد ربنا سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: ٨). معنى الإسرائيليات، والعلاقة بين الدخيل والإسرائيليات ننتقل الآن إلى الدخيل في المنقول، فنتعرف على معنى الإسرائيليات، وعلى أقسام الإسرائيليات، وعلى أسباب تفشيها، وعلى أقطاب الرواية الإسرائيلية، ثم نماذج كثيرة من الإسرائيليات في القصص القرآني. أولًا: الإسرائيليات: ما علاقة كلمة الإسرائيليات بالدخيل؟ وما معناها؟ أما معنى الإسرائيليات: هي جمع مفرده إسرائيلية، نسبةً إلى بني إسرائيل، والنسبة في هذا المركب -بني إسرائيل- هذا المركب الإضافي النسبة فيه للعجُز لا للصدر، فنقول: إسرائيلي، وقصة إسرائيلية، خبر إسرائيلي، وقصة إسرائيلية أو حادثة إسرائيلية.

стр. 16

فما معنى إسرائيلية؟ هي القصة أو الحادثة، تروَى عن مصدر إسرائيلي، كلمة إسرائيلي نسبة إلى بني إسرائيل أو إلى أبيهم الأول؛ لأن بني إسرائيل هم بنو سيدنا يعقوب ﵇. فلفظ إسرائيليات -كما يقول دكتور محمد الذهبي- وإن كان يدل على القصص الذي يروى أصلًا عن مصادر يهودية، يستعمله علماء التفسير والحديث على ما هو أوسع وأشمل من القصص اليهودي، فهو يُطلق على التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة إلى مصدر يهودي أو نصراني. إذًا كلمة إسرائيليات ليست قاصرةً على المنسوب لليهود، إنما الكلمة تشمل ما نُسِبَ إلى اليهود أو إلى النصارى، بل توسع العلماء، فعدوا من الإسرائيليات ما دَسَّه أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم على التفسير وعلى الحديث، ومن أخبار لا أصلَ لها في مصدر قديم، قالوا عنها جميعًا: إنها إسرائيليات. وأطلق علماء التفسير والحديث لفظ إسرائيليات على كل ذلك من باب التغليب للون اليهود على غيرهم؛ وذلك لأن اليهود كانوا ساكنين في المدينة، واللقاءات التي كانت تتم بين العرب واليهود في رحلتي الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام، وفي اليمن والشام كثير من أهل الكتاب، كما كانت لقاءات هناك كثيرة بين اليهود والنبي ﷺ وبين اليهود وبعض المسلمين، وكان اليهود يلقون الأسئلةَ على رسول الله ﷺ فكانوا يقدمون ما يعن لهم، إما امتحانًا واختبارًا لصدق نبوته ﵊ وإما تحديًا وتعجيزًا، فَرَدَّ الله كيدهم، وجعل كلمتهم السفلى، وجعل كلمة الله هي العليا . كذلك يمكن أن نقول: إن اليهود كانوا قومًا بُهتًا، كانوا سماعين للكذب، أكالين للسحت، كذابين، هم أشد الناس عداوةً وبغضًا للإسلام والمسلمين، وكان لهم

стр. 17

حيل وخداعات كثيرة يتظاهرون بأنهم محبون لرسول الله ﷺ بينما هم يضمرون العداوة والبغضاء للمسلمين، وما أصدقَ القرآن عندما قال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾! (المائدة: ٨٢). أما النصارى فكانت ثقافتهم تعتمد في الغالب على الإنجيل الذي أشار القرآن إلى أنه من الكتب السماوية في قوله: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلََ﴾ (الحديد: ٢٧). وعلى كل حالٍ الأناجيل يطلق عليها وعلى ما انضم إليها من رسائل الرسل اسم "العهد الجديد" والكتاب المقدس عند النصارى يشمل: التوراة والإنجيل، يعني: يشمل العهد القديم والعهد الجديد، وهذا مما ينبغي أن نغفل عنه. وعلى كل حال فأثر الإسرائيليات هو الأكثر، وكان غالب اللون اليهودي هو الدخيل من كلام اليهود، فأُطلِقَ لفظ الإسرائيليات على كلام اليهود، وعلى كلام غيرهم. العلاقة بين الدخيل والإسرائيليات: بعدما عرفنا معنى الدخيل ومعنى الإسرائيليات، وأن كلًّا منهما غريب على التفسير وبعيد عنه. نقول: إن الإسرائيليات جزء من الدخيل، فالدخيل أعم من الإسرائيليات؛ لأن لفظ الدخيل كلمة واسعة تتناول القسمين، الدخيل المأثور، ودخيل الرأي، بينما الإسرائيليات هي جزء فقط من أنواع الدخيل في النقل والمأثور. وكلاهما الإسرائيليات والدخيل أمر مرفوض؛ لأنه يجيء بما لا يتفق مع القرآن الكريم شرحًا صحيحًا، وإن كنا سنقول: إن من الإسرائيليات ما يتفق مع القرآن أو ما لا يتعارض معه، وهذا سيكون مقبولًا إن شاء الله.

стр. 18

الدخيل يتناول في لفظه ومعناه أنواعًا كثيرةً: الإسرائيليات في التفسير، والأحاديث الضعيفة والموضوعة في القرآن الكريم، كما يتناول تأويلات الباطنية في التفسير، كما يتناول شطحات المتصوفة في التفسير، كما يتناول بدع التفاسير اللغوية والإعرابية، كما يتناول تحريفات الفرق الضالة: البهائية والقاديانية ونحوها. كما يتناول أيضًا هذا الشطط، وهذا التكلف الذي مال إليه العصريون في النظريات العلمية، كل هذا يعتبر من الدخيل، ويعتبر خارجًا عن معاني الآيات المعاني الصحيحة، وقطعًا للآيات عن السباق واللحاق، وعن سياق الآيات، والاستدلال بالآيات في غير ما تحتمله. فنستطيع أن نقول: إن العلاقة إذًا بين الدخيل والإسرائيليات هي العموم والخصوص المطلق، فكل الإسرائيليات دخيل، وليس كل الدخيل إسرائيليات. والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.

стр. 19

الدرس: ٢ الإسرائيليات (٢) .

стр. 20

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (الإسرائيليات (٢)) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: أقسام الإسرائيليات: تنقسم باعتبار معنى الخبر الإسرائيلي وموضوعه، وهو بهذا ينقسم إلى ما يتعلق بالعقائد، وما يتعلق بالأحكام، وما يتعلق بالمواعظ أو الحوادث التي لا صلةَ لها لا بالعقائد، ولا بالأحكام، نأخذ مثالًا سريعًا عن كل نوعٍ من هذه الأنواع، ثم نثنِّي بما هو أهم، وهو أقسام الإسرائيليات من حيث القبول والرد. أولًا: ما يتعلق بالعقائد: رويت عندنا أحاديث صحيحة، منها ما رواه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الأنعام: ٩١) ونص الحديث الذي رواه الإمام البخاري قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأراضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثَّرَى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول -جل وعلا-: أنا الملك. فضِحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. فمعنى قول الراوي: "فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر": اختلف علماؤنا حول قول الراوي هذا، فمنهم من ذهب إلى أن ضحك النبي ﷺ من قول الحبر لم يكن تصديقًا له، كما فهم الراوي، وصرح بذلك في رواية أخرى، وإنما كان تعجبًا وإنكارًا لقول اليهودي الذي يفيد التجسيم والتشبيه. ممن ذهب إلى هذا الرأي الإمام الخطابي، كما نقل عنه ابن حجر في شرحه على هذا الحديث قال: قال الخطابي: لم يقع ذكر الإصبع في القرآن، ولا في حديث

стр. 21

مقطوع به، وقد تقرر أن اليد ليست بجارحة حتى يتوهم في ثبوتها الأصابع، بل هو توقيف أطلقه الشارع فلا يكيف هذا، ولا يشبه، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي؛ لأن اليهود كما نعرف مشبهة، وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه، ولا تدخل في مذاهب المسلمين. وأما ضحكه ﷺ من قول الحبر، فيحتمل الرضا والإنكار؛ يعني: يحتمل هذا وذاك، وأما قول الراوي: "تصديقًا له"، فهذا ظن من الراوي وحسبان، وقد جاء الحديث من طرق أخرى ليس فيها هذه الزيادة، وعلى كل حال على تقدير صحتها، قد يستدل بحمرة الوجه على الخجل، كما يستدل بصفرته على الوجل، ويكون الأمر بخلاف ذلك، كما فهمنا. وعلى تقدير أن يكون هذا محفوظًا، فهو محمول على تأويل قول الله -جل وعلا-: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (الزمر: ٦٧). كما أن الإمام ابن حجر نقل في موضعٍ آخر من (فتح الباري) عن ابن التين أنه قال: تكلف الخطابي في تأويل الإصبع، وبالغ حتى جعل ضحكه ﷺ تعجبًا وإنكارًا لما قال الحبر، ورد ما وقع في الرواية الأخرى: "فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا" بأنه على قدر ما فهم الراوي. قال الإمام النووي: وظاهر السياق أنه ضحك تصديقًا له بدليل قراءة الآية التي تدل على صدق ما قال الحبر. وعلى كل حال فالأولى في هذه الأشياء الكف عن التأويل مع اعتقاد تنزيه الله -جل وعلا- فإن كل ما يستلزم النقص من ظاهرها غير مراد في هذه النصوص. ثانيًا: النوع الثاني: ما يتعلق بالأحكام، وهنا أيضًا روى الإمام البخاري ﵀ في كتاب التفسير في باب: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ٩٣) روى لنا حديثًا عن نافع

стр. 22

عن ابن عمر: أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأةٍ قد زنيَا فقال لهم: ((كيف تفعلون بمن زنا منكم؟)) قالوا: نحممها؛ أي: نسود وجهها، أو نحممهما ونضربهما، فقال النبي ﵊: ((لا تجدون في التوراة الرجم؟)) فقالوا: لا نجد فيها شيئًا. فقال لهم عبد الله بن سلام - عالمهم وحبرهم وإمامهم-: كذبتم: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ٩٣) فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما فرجما قريبًا من حيث موضع الجنائز. قال: فرأيت أنهم يميلون وينحنون عليها، وهي تضرب بالحجارة، مثال ذلك، وهو ما يتعلق بالمواعظ أو الحوادث التي لا تمت إلى العقائد والأحكام بصلة ما أورده ابن كثير عند قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (هود: ٣٧) ذكر محمد بن إسحاق عن التوراة أن الله أمر نوحًا أن يصنع السفينة من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعًا وعرضها خمسين ذراعًا وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤًا أزور يشق الماء ... كل هذا من كلام الإسرائيليات باعتباراتها المختلفة التي ذكرنا أنها تتعلق إما بالعقائد أو بالأحكام أو بالمواعظ. أما أقسام الإسرائيليات من حيث القبول والرد، فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولًا: القسم الأول: ما جاء موافقًا لما في كتاب الله لما في قرآن ربنا، فهذا نؤمن به ونصدقه، مثال ذلك: ما رواه البخاري عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: "والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ،

стр. 23

ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًّا، وأعينًا عميًا". قال عطاء: ثم لقيت كعبًا، فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفًا إلا أن كعبًا قال بلغته: "قلوبيًّا غلوفيًّا، وآذانًا صمميًّا، وأعينًا عمميًّا". هذا هو القسم الأول جاء في صفة رسول الله ﷺ في أقوالهم ما يتفق تمامًا مع ما في القرآن الكريم. القسم الثاني: ما جاء عنهم مخالفًا في شريعتنا، مثل الروايات التي تنص على أن الله لما فرغ من الخلق استراح في اليوم السابع، والتي تذكر أن الرب حَزِنَ؛ لأنه عمل الإنسان في الأرض، وأنه تأسَّف في قلبه لما كثرت ذنوب الإنسان، ومثلما ورد في شرب نوحٍ الخمر، فسكِر وتعرى، وما ورد في شأن لوط وأنه زنا بابنتيه وحملَا وأنجبَا!! كل هذه الأكاذيب والخرافات والأباطيل لا يمكن أن يقبلها عقل، ولا يتصور أنها ترد في شرع. هذا القسم ينافي عقيدة الإسلام والمسلمين؛ ولذلك فهو مرفوض مردود في وجه صاحبه إلى أن يلقى ربه فيجازيه بما هو أهله من الخزي المقيم، والهوان العظيم. القسم الثالث: لا يأتي موافقًا، ولا مخالفًا، إنما هو مسكوت عنه، لا دليل عليه في شرعنا يؤيد صدقه، ولا برهان في ديننا ينص على كذبه وإنكاره، مثال ذلك ما يروى عن اسم الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وعن عدد الذين أحياهم عيسى ابن مريم بإذن الله سبحانه وأسمائهم، أو عن أنواع الطعام التي كانت على مائدة عيسى ﵇ أو عن البعض في البقرة الذي ضُرِبَ به قتيل بني إسرائيل، كما قال ربنا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (البقرة: ٧٤). هذه الأمور لم تُقيد، ولم تفصل عندنا، فغالب ذلك -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (مقدمة أصول التفسير) له،: هذا مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني،

стр. 24

فهذا القسم يتوقف في الحكم عليه، فلا نصدقه، ربما كان كذبًا، ولا نكذبه ربما كان حقًّا. التوقف هنا أولى لعدم وجود دليل بين يبين صدقه أو كذبه، وهذا يتفق مع منهج رسول الله ﷺ عندما وجَّه الأمة فقال: ((لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا)). أسباب تفشي الإسرائيليات، وخطورتها على أمة الإسلام أما أسباب تفشي الإسرائيليات وانتشارها، فإنها تعود إلى عدة أسباب، نلخصها فيما يلي: فقد ساعد على انتشار الإسرائيليات هذه أمور: أولًا: قوة الإسلام، وانتصاره، وسرعة انتشاره في أرض الله، ومدى اقتناع الناس بكتابه، وسماحة شريعته، وعدالة أهله، كل هذا أزعج أعداء الإسلام، وبخاصة اليهود، فأخذوا يدبرون له الكيد والمكر بكل سلاح وبكل وسيلة، يريدون أن يوقفوا مسيرة الإسلام المباركة، وأن يصرفوا الناس عنه، فتنوعت أساليبهم، وتعددت وسائلهم؛ ليصلوا إلى أغراضهم الدنيئة، فنفثوا سمومهم بالوضع والكذب والاختلاق والدس في المرويات الإسلامية عن رسول الله، وعن صحابته، وعن التابعين ﵃ أجمعين-. واليهود أصحاب ألسنة أحلى من العسل -كما يقال- هم أصحاب إعلام، لكن قلوبهم مليئة بالسواد من شدة الحقد على الإسلام وأهله، فكانوا يؤلفون القصة ويحبكونها حبكًا تامًّا، ويثيروا الفتنة والفُرقة في خبثٍ ومهارةٍ بين الناس، وينشرون ذلك بين العامة، وينسبونها إلى رسول الله ﷺ وكان أن تظاهر منهم نفر للدخول في الإسلام، وقلوبهم خاوية، بل تشيعوا لآل بيت النبي ﷺ -

стр. 25

وصدورهم طاوية على الحقد على رسول الله، وعلى أهل بيته، وعلى المسلمين عامة. هؤلاء نراهم سكبوا الدموع أسًى وحزنًا مظهرين تأثرهم بما حصل لآل بيت رسول الله ﷺ وبالغوا في ذلك في تقديرهم وتقديسهم لآل البيت، فوصلوا بهم إلى أن رفعوا منزلتهم إلى مرتبة النبوة، وصوروا أبا بكر وعمر وعثمان بأنهم سطوا على حقوقهم، واعتدوا على ما لهم من حقوق، واغتصبوا الخلافة التي زعموا أنها حق لعلي وذريته من بعده، فوضعوا في ذلك أحاديث غريبة، ونسجوا قصصًا عجيبةً معظمها منتزع من أصل يهودي. روى صاحب (العقد الفريد) عن الشعبي أنه قال لمالك بن معاوية: أحذرك الأهواء المضللة، وأحذرك شر الرافضة، فإنهم يهود هذه الأمة، يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود الإسلام وأهله، وكما يبغض النصارى الإسلام وأهله، إنهم لم يدخلوا في الإسلام رغبةً فيه، ولا خوفًا أو رهبةً من الله، ولكن كُرهًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم، وقد حَرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ وذلك أن محبة الرافضة محبة لليهود، قالت اليهود: لا يكون الملك إلا في آل داود. وقالت الرافضة: لا يكون الملك إلا في آل علي بن أبي طالبٍ ﵁. السبب الثاني في تفشي الإسرائيليات وانتشارها: كثرة القصاصين، القصاصون الذين يجلسون ويقصون على الناس السيرة والتاريخ والقَصص، كثر هؤلاء كثرة أزعجت علماء المسلمين، كما أزعجت بعض أولي الأمر منهم، والقصاصون -بطبيعتهم- يستميلون قلوب العامة ويستهونهم بالغرائب والعجائب والفرائد، فاختلقوا بعض القصص الباطل وروجوا البعض الذي نقلوه، وفي هذا الكثير من الإسرائيليات، والكثير من الخرافات، والكثير من الأباطيل، لكن عامة الناس تلقف هذا بجهلٍ أو بحسن نية، ولم يعلموا أن هذه من الأكاذيب.

стр. 26

وفي القصاصين ومدى تأثيرهم على العامة ذكر ابن قتيبة، قال: إنهم كانوا يميلون وجوه العوام إليهم، ويشدون انتباههم بالمناكير والأكاذيب والغريب من الأحاديث. والعوام الذين يقعدون عند القصاص من شأنهم أن يصدقوا هذا، وهذا فيه عَجب، وكلام غريب على العقول، أو فيه كلام فيه ترقيق للقلوب، فكانوا يحبون هذا، وينزفون العيون، ويدمعون لذلك، فإذا ذكر الجنة قال: فيها الحوراء من مسك أو زعفران، وفيها وفيها، وفيها من اللؤلؤ، وفيها من القصور، وفيها سبعون ألف قبة، وفي كل قبة سبعون ألف فراش، وفي كل فراش سبعون ألف كذا وكذا، هذه الأخبار المكذوبة كانت تستهوي كثيرًا من العوام، ولا يزال هكذا في السبعين ألفًا والسبعين والسبعين، كأنه يرى أنه لا يمكن أن يكون العدد إلا بهذا، فيصدقه الكثير من الناس. اشتهر من المفسرين بالقصص والإسرائيليات أيضًا أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي النيسابوري، الذي عاش في القرن الرابع والخامس، توفي عام أربعمائة وسبعة وعشرين، كتابه (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) وكتابه الآخر (العرائس الحِسان في قصص الأنبياء) كلا الكتابين مليء بالقصص والحكايات التي تستهوي عوامَّ الناس، وكتاب الخازن أيضًا نقل منه الكثير والكثير، مما لا يمت للحقيقة بصلة. ثالثًا: من الأسباب: بعض الزهاد والمتصوفة، قد استباح لأنفسهم وضع الأحاديث والقصص في الترغيب والترهيب، وتأولوا الحديث المتواتر قول رسول الله ﷺ : ((مَن كذَب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعدَه من النار)) وقالوا: إنما نكذب للنبي ﷺ ولا نكذب عليه؛ أي: لترويج دينه، والانتصار لشريعته، لا للطعن فيها، وهذا منهم حصل مبالغةً وهذا كله كذب على رسول الله ﷺ سواء كان كذبًا له أو كذب

стр. 27

عليه، فألفوا قصصًا كثيرة، وقالوا: نحن نقولها كذبًا لرسول الله لا عليه، وهذا خطأ. رابعًا: من الأسباب: نقل كثير من الأقوال والآراء المنسوبة إلى الصحابة أو التابعين من غير تثبت أو تحرٍّ عن رواتها، فمن ثم التبس الصحيح بالسقيم، لما نقلوا أقوال وآراء لا سند لها، وخلطوها بما له سند؛ التبس على الناس، واختلط الحق بالباطل، وصار كل من يقع على رأي يعتمده ويورده، ثم يجيء من بعده فينقله على اعتبار أن له أصلًا، دون أن يكلف نفسه مئونة البحث عن منشأ الرواية، وعمن رويت، ومن الذي رواها. قال ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث): وهكذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في فضل القرآن الكريم سورةً سورةً. وقد بحث عن هذا الحديث، وعرف مخرجه حتى انتهى إلى مَن اعترف بأنه هو وجماعة قد وضعوه وكتبوه كذبًا وألفوا ذلك، وهذا الحديث ربما نورده في العبارات، وهو شامل لكل سور القرآن الكريم، وهو حديث معروف أنه مكذوب وموضوع عن أبي على رسول الله ﷺ . خامسًا: من الأسباب التي ساعدت على تفشي الإسرائيليات: النقل على أهل الكتاب، أهل الكتاب أصحاب ثقافة، أسلم منهم عدد كبير، منهم الصحابة، ومنهم التابعون، ومشهور منهم: عبد الله بن سلام، وتميم بن أوس الداري، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وأمثالهم، وهؤلاء جميعًا قد حملوا من المرويات المكذوبة والخرافات الباطلة الموجودة في التوراة وشروحها، وكتبهم القديمة التي تلقَّوْها عن أحبارهم ورهبانهم جيلًا بعد جيل، رووا لنا كثيرًا من القصص والحكايات التي لا تصح. هذه الإسرائيليات منها ما يتعلق بأصول الدين والحلال والحرام، وهي التي جرى العلماء من الصحابة والتابعين على التثبت منها، والتحري عن رواياتها، ومنها

стр. 28

ما كان يتعلق بالقصص والملاحم، وبدء الخليقة، وأخبار الأمم الماضية، والفتن، وأسرار الكون، وأحوال القيامة، كل هذا نقل عن هؤلاء، هذه الإسرائيليات رواها أهل الكتاب الذين أسلموا، إما أنهم لا يعرفون حقيقتها، أو ورثوها عن كتبهم السابقة، أو رووها للتحذير منها، وإن كانوا لم ينصوا على ذلك، فتلقفها الرواة ونشروها بين الناس، وتوارثتها الأجيال، ومُلِئت بها كتب التفسير. هذه الإسرائيليات التي رواها أحد الكتاب الذين أسلموا، إما لأنهم لا يعرفون حقيقتها، أو ورثوها عن كتبهم السابقة وملئت بها الكتب الإسلامية، ومنها كتب التفسير كما قلت. سادسًا: ولعله السبب الذي نختم به: وجود عددٍ غير قليل من الخطباء غير المؤهلين علميًّا في المساجد، والذين يغترفون معلوماتهم من أي منهلٍ، ويتلقفون أي حادثةٍ أو قصةٍ، ويلقونها على أسماع الناس من غير أن يتثبتوا أو يتعرفوا على حقيقة ما يقرءون ويبلغون، فيكونوا سببًا واضحًا في نشر الإسرائيليات بين المسلمين، وهذا هو الضلال المبين. أما أثر الإسرائيليات وخطورتها على المسلمين، فإن هذا يتلخص فيما يلي: أولًا: هذه الإسرائيليات أحدثت أثرًا سيئًا، ينعكس على الإسلام والمسلمين للأسباب الآتية: أولًا: أنها تفسد على المسلمين عقائدهم بما تنطوي هذه الإسرائيليات من أباطيل وأكاذيب في حق الله، بما لا يليق بذاته سبحانه، وبما يرد في حق الملائكة، وفي حق الأنبياء والرسل، بما يتنافَى مع العِصمة لهم، وبعض هذه الإسرائيليات كان يصور هؤلاء الرسل صورة استبدت بهم شهواتهم، وملذاتهم ونزواتهم، فأوقعتهم في قبائح وفضائح ما ينبغي أن تليق بهم.

стр. 29

من أمثلة ذلك: ما جاء في كتب السابقين في (سفر التكوين) مما لا يليق بجلال الله وكماله، في قصة نوح يقولون: "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور في أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمح عن وجه الأرض هذا الإنسان". كلام ما ينبغي أن يتفوه به بشر، وهذا يعبر عن أن الله -جل وعلا- ندِمَ على خلق الإنسان، وكأنه لا يعلم الأمور قبل حدوثها، ومثل هذا أباطيل طفحت بها الكتب. ومن أمثلة ذلك: ما يروى في قصة أيوب ﵇ من أنه ألقي على مزبلة لبني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، وتنهش منه. هذا كلام لا يليق بنبي كلفه ربه أن يكون بين الناس مبشرًا ونذيرًا. هذه الإسرائيليات نستطيع أن نقول: ثانيًا: إن وجودها في كتب التفسير كاد يذهب الثقة في علماء السلف، من صحابة رسول الله ﷺ ومن التابعين؛ حيث أسند من هذه الإسرائيليات المنكرة شيء كثير إلى سلفنا الصالح الذين عرفوا بالثقة والعدالة، واشتهروا بين المسلمين بعلم التفسير وعلم الحديث، واعتبروا مصادر ومراجع لهذه الأمة، فاتهامهم بهذه الإسرائيليات من أبشع التهم، التي لا تنبغي، ولا تليق. ولذلك عدهم بعض المستشرقين ومن سار في ركابهم من المسلمين مدسوسين على الإسلام، فعلًا هذا الكلام الذي نسب إليهم يجعل الناس يتشككون فيهم، وقد صرف قلوب الأمة عن سلفنا الصالح لمثل هذه التهم التي لا تنبغي، ولا تليق، وهذا يقصد منه التشكيك في علماء الإسلام، والذين تحملوا عبء تبليغه

стр. 30

إلى المسلمين، فيطعنون بهذا في سند الخبر الإسلامي، ويفقدون الناس الثقة في الدين الإسلامي نفسه، ويبعدون الناس عن اتباعه والالتزام والتمسك به. ثالثًا: إن هذه الإسرائيليات في التفسير كادت تصرف الناس عن الغرض الصحيح، والهدف المنشود الذي أُنزِلَ القرآن من أجله، وهو هداية الناس وتوجيههم إلى ربهم وعبوديتهم لله فإن هذا ألهى الكثيرَ عن التدبر في الآيات، وأبعدهم عن الانتفاع بمواعظ الآيات القرآنية العظيمة. رابعًا: إن الإسرائيليات قد صورت الإسلامَ في صورة دين خرافي يعنَى بِتُرهات وأباطيل وأكاذيب لا سند لها من الصحة، ولكنها نسج عقولٍ ضالةٍ وخيالات جماعات مضللة، وهذا يشكك في علماء الإسلام وقادتنا من السلف الصالح -رضوان الله عليهم- وتصورهم بأنهم لا هَمَّ لهم إلا الأباطيل، فنفقد الثقة في هؤلاء. مثلًا: ما رواه وهب بن منبه أنه قال في قصة آدم: "لما أهبط الله آدم من الجنة، واستقر جالسًا على الأرض، عطس عطسةً فسال أنفه دمًا، فلما رأى سيلان الدم من أنفه، ولم يكن رأى قبل ذلك دماء، هاله ما رأى، ولم تشرب الأرض الدم فاسود على وجهها كالحُمم، ففزع آدم من ذلك فزعًا شديدًا، فذكر الجنة وما كان من الراحة، فخر مغشيًّا عليه، وبكى أربعين عامًا، فبعث الله إليه ملكًا، فمسح ظهره وبطنه، وجعل يده على فؤاده، فذهب عنه الحزن، فاستراح مما كان يصيبه". هذه روايات وأمثالها مما يروى في قصة أيوب، وقصص كثير من الأنبياء، هذه أكاذيب، وألقيت من بني إسرائيل على أمة الإسلام، فكانت آثارها سيئة، وكانت خطورتها شديدة.

стр. 31

أقطاب الرواية الإسرائيلية: إن الذين نقل لنا عنهم هذه الإسرائيليات هم عدد ليس قليلًا، إنهم عرفوا بأن بعضهم كان من الصحابة، وبعضهم كان من التابعين، نستطيع أن نقول: إن المشهور من هؤلاء بما نسميهم أقطاب الرواية الإسرائيلية، في مقدمتهم مَن نقل عنهم بعض الإسرائيليات: عبد الله بن عباس، وأيضًا أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأيضًا عبد الله بن سلام الذي كان من أهل الكتاب وأسلم، وأيضًا اشتُهِرَ عن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه. واشتهر أيضًا من تابعي التابعين: محمد بن السائب الكلبي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومقاتل بن سليمان، ومحمد بن مروان السدي الصغير، هؤلاء جماعة نقل عنهم الكثير والكثير. أما عبد الله بن عباس، فهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عم رسول الله ﷺ حَبر الأمة وبحرها، وهو صاحب الرصيد الأكبر في علم التفسير من صحابة رسول الله ﷺ وقد دعا له النبي دعوة خاصة عندما قال: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)). هل كان ابن عباس يرجع إلى الإسرائيليات، أو يفسر بعض الآيات القرآنية بالإسرائيليات؟ لقد اتهم بأنه كان يفسر بعض الآيات من خلال الإكثار من الأخذ عن أهل الكتاب، وأنه كان يصدقهم فيما يقولون مخالفًا بذلك التعاليم التي وردت عن

стр. 32

رسول الله ﷺ . من أبرز من اتهمه بذلك المستشرق الشهير اليهودي "جولد زيهر" وأيضًا تبعه أحمد أمين، ولهؤلاء كلام كثير عن عبد الله بن عباس ﵁ ونحن عندما ندافع عن عبد الله بن عباسٍ ﵁ وهو حبر الأمة، نقول: إن رجوعه إلى مسلمي أهل الكتاب لم يكن بهذه الكثرة التي يحاول أعداء الإسلام أن يصوروها لنا، بل كان ما نقله ابن عباس قليلًا بل أقل القليل، بل إننا لا نتجاوز الصدق إذا قلنا: إن ما نقله كان قليلًا جدًّا. ثانيًا: إن هذا النادر الذي حدث فيه رجوع من الصحابة لأهل الكتاب، لم يكن في أمرٍ يتعلق بالعقيدة أو أمور التشريع، وإذا حدث فكان على سبيل الاستشهاد والتقوية لما جاء في بعض الآيات، ولم يكن يتعلق بأصول العقيدة، ولا بأصول التشريع. ثالثًا: إن الصحابة لم يسألوا أهل الكتاب عن شيء كان للرسول ﷺ فيه كلام، فالصحابة أجل من أن يقدموا بين يدي الله ورسوله شيئًا، بل كانوا يأخذون على سبيل الاستشهاد فقط. رابعًا: إن الصحابة -وخاصة ابن عباس- كانوا ينهون عن سؤال أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب حرفوا وغيروا وبدَّلوا، وزالت الثقة تمامًا عنهم، فلم يبقَ في الدنيا كتاب سماوي صحيح إلا القرآن، وهو المهيمن على ما عداه من الكتب السابقة، وفيه غُنية عما سواه. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباسٍ ﵂ قال: "يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب؟ وكتابكم الذي أنزله الله على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله

стр. 33

تقرؤونه لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا رجلًا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم". أما ما يذكره هؤلاء الأفاكون من أن ابن عباس سأل عن معنى البرق الوارد في سورة الرعد، فإن هذا على فرض ثبوته لا يتعلق بالعقيدة أو أصول التشريع، وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدناه ضعيفًا، ولا يصح. هذا ما يتعلق بعبد الله بن عباس الصحابي الجليل. أما أبو هريرة الذي كناه الرسول ﷺ بهذه الكنية الطيبة، فكانت له حافظة قوية، وكان حفظه الجيد سببًا في طعن الطاعنين عليه، قالوا: إنه كان مكثرًا، وأنه كان وعاء علمٍ لثقافة أهل الكتاب، من هؤلاء الطاعنين عليه: أبو رَية حيث نص صراحةً في كتابه (أضواء على السنة المحمدية) فقال: إن أبا هريرة كان أكثر الصحابة وثوقًا بمسلمي أهل الكتاب، وأخذًا عنهم، وانقيادًا لهم، وإن كعب الأحبار، الذي أظهر الإسلام خداعًا، وطوى قلبه على يهوديته!!. وهذا افتراء من أبي رية على كعب، وعلى أبي هريرة ﵃ أجمعين-. الرد على هذا، نستطيع أن نوجز فيما يلي: إن أبا هريرة لم يكن ساذجًا بالمرة إلى هذا الحد، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ كان يستعمله على حراسة أموال الزكاة، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قد ولاه إمارةَ البحرين، وكان أبو هريرة يتصدى للفتوى، وأخذ كثير من الصحابة

стр. 34

والتابعين العلم عنه. قال الإمام البخاري -فيما ذكر ابن حجر في (الإصابة) -: روى عنه الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ مَن روى الحديث في عصره عن رسول الله ﷺ . أما ما كان يسمعه أبو هريرة من كعب الأحبار، فإن ذلك لا يطعن في أبي هريرة، ولا يدل على سَذاجته؛ لأن أبا هريرة والصحابة كانت لهم مقاييس خاصة ومعايير صحيحة في كل ما يسمعونه، كما روينا عن عبد الله بن عباس ﵃ ومن هذا أنهم كانوا يُعْمِلون عقولَهم فيما يسمعون وفيما ينقلون عن غيرهم. أما الروايات التي تروي أن أبا هريرة، أو تنسب إليه، فإنها تعامل كروايات غيره، توضع على قواعد القبول والرد، فما كان صحيحًا قُبِلَ، وما كان ضعيفًا فلا بأس برده. عبد الله بن عمرو بن العاص: ذلك الصحابي الجليل، أثنى عليه الرسول ﷺ حيث قال: ((نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله)) هذا وارد في كتاب (تهذيب التهذيب) أسلم قبل أبيه، وكان عالمًا فاضلًا قرأ القرآن والكتب السابقة، واستأذن النبي ﷺ في أن يكتبَ عنه، فأذن له، فقال: "يا رسول الله: أكتب ما أسمع في الرضا والغضب؟ قال ﵊: ((نعم، فإني لا أقول إلا حقًّا)) ". كانت لعبد الله بن عمرو هذه المكانة السامية، ولما كانت له هذه المكانة وجدنا كثيرًا من الروايات الإسرائيلية تُنسب إليه؛ حتى تأخذ مكانتها من الذيوع والشهرة، رغم اشتمالها على الغَث والسمين والصحيح والباطل، فوجدنا من يطعن فيه ويعتبره مخدوعًا من مسلمة أهل الكتاب ككعب الأحبار.

стр. 35

يقول أبو رية: في كتابه (أضواء على السنة): إن عبد الله بن عمرو بن العاص خدعه اليهود، ودل على هذا بحديث البشارة بنبوة رسول الله ﷺ ووصف الحديث بأنه خرافة إسرائيلية امتدت وسرت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص من أحد تلاميذ كعب الأحبار. هذا الكلام يمكن رده ودفعه: إن الحديث الذي وصف بأنه خرافة أو أنه من وضع عبد الله بن سلام وكعب الأحبار حديث صحيح، شهد له القرآن الكريم، وجاء في أصح مصادر السنة، وهو (صحيح البخاري) ففي القرآن الكريم يقول الله -تعالى-: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثََ﴾ (الأعراف: ١٥٦، ١٥٧) إلى آخر الآيات. أما الحديث في البخاري فقد جاء في كتاب التفسير: باب قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥) جاء الحديث عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال: في التوراة: يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحِرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ... ". إلى آخر الحديث. فهل يعقل أن هذا الحديث خرافة، كما يدعي أبو رية وغيره، هذا كلام ليس صحيحًا.

стр. 36

عبد الله بن سلام: ذلك الصحابي الجليل المشهود له بالجنة، وهو من الذين أسلموا من أهل الكتاب، عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف، من ذرية يوسف النبي ﵇ حليف القوافل من الخزرج، وهو إسرائيلي، ثم أنصاري، حبر عظيم من أحبار اليهود، دخل الإسلام عندما قدم رسول الله إلى المدينة -صلوات الله وسلامه عليه- شهد له القرآن بالإيمان والصدق، فقد نزل فيه قول الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (الأحقاف: ١٠). وروى الإمام البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص قال: "ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد إنه يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام. قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ ". وأعرف أنه نزلت فيه آية أخرى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٤٣). رغم هذه المكانة العظيمة لابن سلام طعن عليه المغرضون كأبي رية في كتابه (أضواء على السنة المحمدية) بمثل ما طعن في عبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة الأجلاء، ويذكر حديث البشارة بالنبي بأنه خرافة، وسبق أن بينا صحة الحديث وثبوته في (صحيح الإمام البخاري). تميم بن أوس الداري: هذا الذي قدم المدينة فأسلم سنة تسعٍ، وهذا الصحابي الجليل الذي طعن فيه أبو رية وغيره، قال عنه: إنه لوث الإسلام بالمسيحية. وهذا قول مخالف للحقيقة، فلقد كان تميم صادقًا عَدْلًا، ومن أهل العلم، ووأهل الفن هم علماء الجرح والتعديل، وهم أدرى به حيث وثَّقوه وعدلوه، ورووا له في أصح كتب السنة.

стр. 37

أما ما يروى عنه أو ينسب إليه من رواياتٍ، فشأنها شأن كل المرويات المختلفة تعرض على قواعد القبول والرد، فما كان منها صحيحًا قبل، وما كان ضعيفًا يُرد، ولا وزر ولا ذنب لتميم فيها، إنما الوزر على من نسبها إليه وروجها عنه. هذا ما اشتهر من أقطاب الرواية الإسرائيلية، ونسب إليهم هذا من صحابة رسول الله ﷺ . أما طبقة التابعين، فهم أيضًا عدد لا بأس به، نستطيع أن نوجز القول عن اثنين منهم، ألا وهما كعب الأحبار، وهو كعب بن مانع الحميري، المعروف بكعب الأحبار، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقال عنه: كان على دين اليهودية فأسلم، قدم المدينة، ثم خرج إلى الشام، فسكن حمص حتى توفي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ﵁. رماه بعد المعاصرين بالزندقة والنفاق والكذب، كما حدث من أبي رية وأحمد أمين، ومَن سار في فلكهم، والحقيقة: إن هذه الاتهامات مردودة على أصحابها، والرد عليها بشهادة الصحابة له وثنائهم عليه، قال عنه معاوية: "ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالثمار، وإن كنا فيه لمفرطين". وثقه علماء الجرح والتعديل، روى له الأئمة الكبار الذين دونوا السنة، كالإمام مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي، وغيرهم كثيرون. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 38

الدرس: ٣ الإسرائيليات (٢) - نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١) .

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (الإسرائيليات (٢) - نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١)) تابع أقطاب الرواية الإسرائيلية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: أما وهب بن منبه فهو من خراسان، أسلم في عهد النبي ﷺ وحسن إسلامه، هكذا يروى. ولد باليمن، ولكنه -على كل حال- لم يحظ بصحبة النبي ﷺ وطعن فيه من بعض علماء الإسلام، كالشيخ محمد رشيد رضا، ومِن أحمد أمين الذي يكتب عن علماء التفسير من الصحابة والتابعين. وقد اتهمه الشيخ محمد رشيد رضا وأحمد أمين بالكذب، رغم أنه من العلماء الأفاضل، وإن نسب إليه بعض الراويات، فربما لم يكن يتعمد الكذب أو الغش أو الدس، كما نسب إليه. الرد على هذا الكلام عن وهب بن منبه، وعن كعب الأحبار وغيرهم، نقول: ليس كل ما ينسب إليهم من الإسرائيليات صحيح، فهناك قصص وروايات لم تنقل عنهم أصالةً، إنما نسبت إليهم، ووضعت كذبًا عليهم. ثانيًا: لقد حكم العلماء بالقبول والثقة والعدل على كلام هؤلاء، فأحاديثهم في كتب الصحاح، في كتب السنة، روى البخاري لهم، كما روى لغيرهم، وقال العلماء عن وهب بن منبه: إنه تابعي ثقة، وكان على قضاء صنعاء. قال عنه أبو زرعة والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات) كفى أن الإمام البخاري روى له بعض الأحاديث من روايته عن أخيه عن أبي هريرة ﵃.

стр. 40

بعد سرد هؤلاء الأعلام من الصحابة والتابعين، ولا ننسى أن ما نسب إليهم فيه افتراء كثير، فهؤلاء الأئمة من الصحابة والتابعين ما نقلوا لنا هذا بهدف الإساءة إلى الإسلام أو إفساد عقيدة المسلمين أو الدس والغش، كما اتهمهم هؤلاء الناس. المشتهرين من تابعي التابعين: هناك اشتهر محمد بن السائب الكلبي، كما اشتُهر عبد الملك بن جريج، وكذا مقاتل بن سليمان، ومحمد بن مروان السدي الصغير. نقول: إن محمد بن السائب الكلبي، وهو صاحب التفسير، وعِلم النسب، وكان سبئيًّا من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، كذَّبه العلماء، وأجمعوا على تركه، قال أبو حاتم: الناس يجمعون على ترك حديثه، وهو ذاهب الحديث، لا يستقل به. قال النسائي عنه: ليس بثقة، ولا يُكتب حديثُه. على كل حال إذا كان هذا حاله، فكل رواية ينقلها لنا ترد ولا تقبل. أما عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، هذا كان نصرانيًّا فأسلم على ما كان عنده من ثقافة نصرانية، ولما أسلم كان صاحب علم غزير، وكان ثقة، إلا أن ما كان يحدث به كان فيه الغث والسمين، فيعرض ما ينقل عنه على موازين القبول والرد. ما يروى عنه من الإسرائيليات: فنحن نحكم فيه ما عرفناه، ما كان موافقًا لشرعنا يقبل، وما كان مخالفًا يرد ويرفض، أما ما لا يثبت موافقته أو مخالفته، فنتوقف فيه كما سبقت الكلمات في هذا المنهج. أما مقاتل بن سليمان: فكان حقًّا مكثرًا في الأخذ عن أهل الكتاب، وكان يفسر القرآن بما عندهم من نصوص، طَعن العلماء في علمه وعقيدته وتفسيره، وما
следующие страницы →