Полный текст (408 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عبد الله بن سلام: ذلك الصحابي الجليل المشهود له بالجنة، وهو من الذين أسلموا من أهل الكتاب، عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف، من ذرية يوسف النبي ﵇ حليف القوافل من الخزرج، وهو إسرائيلي، ثم أنصاري، حبر عظيم من أحبار اليهود، دخل الإسلام عندما قدم رسول الله إلى المدينة -صلوات الله وسلامه عليه- شهد له القرآن بالإيمان والصدق، فقد نزل فيه قول الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (الأحقاف: ١٠).
وروى الإمام البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص قال: "ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد إنه يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام. قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ ".
وأعرف أنه نزلت فيه آية أخرى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٤٣).
رغم هذه المكانة العظيمة لابن سلام طعن عليه المغرضون كأبي رية في كتابه (أضواء على السنة المحمدية) بمثل ما طعن في عبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة الأجلاء، ويذكر حديث البشارة بالنبي بأنه خرافة، وسبق أن بينا صحة الحديث وثبوته في (صحيح الإمام البخاري).
تميم بن أوس الداري: هذا الذي قدم المدينة فأسلم سنة تسعٍ، وهذا الصحابي الجليل الذي طعن فيه أبو رية وغيره، قال عنه: إنه لوث الإسلام بالمسيحية. وهذا قول مخالف للحقيقة، فلقد كان تميم صادقًا عَدْلًا، ومن أهل العلم، ووأهل الفن هم علماء الجرح والتعديل، وهم أدرى به حيث وثَّقوه وعدلوه، ورووا له في أصح كتب السنة.
стр. 37
أما ما يروى عنه أو ينسب إليه من رواياتٍ، فشأنها شأن كل المرويات المختلفة تعرض على قواعد القبول والرد، فما كان منها صحيحًا قبل، وما كان ضعيفًا يُرد، ولا وزر ولا ذنب لتميم فيها، إنما الوزر على من نسبها إليه وروجها عنه.
هذا ما اشتهر من أقطاب الرواية الإسرائيلية، ونسب إليهم هذا من صحابة رسول الله ﷺ .
أما طبقة التابعين، فهم أيضًا عدد لا بأس به، نستطيع أن نوجز القول عن اثنين منهم، ألا وهما كعب الأحبار، وهو كعب بن مانع الحميري، المعروف بكعب الأحبار، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقال عنه: كان على دين اليهودية فأسلم، قدم المدينة، ثم خرج إلى الشام، فسكن حمص حتى توفي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ﵁.
رماه بعد المعاصرين بالزندقة والنفاق والكذب، كما حدث من أبي رية وأحمد أمين، ومَن سار في فلكهم، والحقيقة: إن هذه الاتهامات مردودة على أصحابها، والرد عليها بشهادة الصحابة له وثنائهم عليه، قال عنه معاوية: "ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالثمار، وإن كنا فيه لمفرطين".
وثقه علماء الجرح والتعديل، روى له الأئمة الكبار الذين دونوا السنة، كالإمام مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي، وغيرهم كثيرون.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 38
الدرس: ٣ الإسرائيليات (٢) - نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١) .
стр. 39
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(الإسرائيليات (٢) - نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١))
تابع أقطاب الرواية الإسرائيلية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أما وهب بن منبه فهو من خراسان، أسلم في عهد النبي ﷺ وحسن إسلامه، هكذا يروى.
ولد باليمن، ولكنه -على كل حال- لم يحظ بصحبة النبي ﷺ وطعن فيه من بعض علماء الإسلام، كالشيخ محمد رشيد رضا، ومِن أحمد أمين الذي يكتب عن علماء التفسير من الصحابة والتابعين. وقد اتهمه الشيخ محمد رشيد رضا وأحمد أمين بالكذب، رغم أنه من العلماء الأفاضل، وإن نسب إليه بعض الراويات، فربما لم يكن يتعمد الكذب أو الغش أو الدس، كما نسب إليه.
الرد على هذا الكلام عن وهب بن منبه، وعن كعب الأحبار وغيرهم، نقول:
ليس كل ما ينسب إليهم من الإسرائيليات صحيح، فهناك قصص وروايات لم تنقل عنهم أصالةً، إنما نسبت إليهم، ووضعت كذبًا عليهم.
ثانيًا: لقد حكم العلماء بالقبول والثقة والعدل على كلام هؤلاء، فأحاديثهم في كتب الصحاح، في كتب السنة، روى البخاري لهم، كما روى لغيرهم، وقال العلماء عن وهب بن منبه: إنه تابعي ثقة، وكان على قضاء صنعاء. قال عنه أبو زرعة والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات) كفى أن الإمام البخاري روى له بعض الأحاديث من روايته عن أخيه عن أبي هريرة ﵃.
стр. 40
بعد سرد هؤلاء الأعلام من الصحابة والتابعين، ولا ننسى أن ما نسب إليهم فيه افتراء كثير، فهؤلاء الأئمة من الصحابة والتابعين ما نقلوا لنا هذا بهدف الإساءة إلى الإسلام أو إفساد عقيدة المسلمين أو الدس والغش، كما اتهمهم هؤلاء الناس.
المشتهرين من تابعي التابعين:
هناك اشتهر محمد بن السائب الكلبي، كما اشتُهر عبد الملك بن جريج، وكذا مقاتل بن سليمان، ومحمد بن مروان السدي الصغير.
نقول: إن محمد بن السائب الكلبي، وهو صاحب التفسير، وعِلم النسب، وكان سبئيًّا من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، كذَّبه العلماء، وأجمعوا على تركه، قال أبو حاتم: الناس يجمعون على ترك حديثه، وهو ذاهب الحديث، لا يستقل به. قال النسائي عنه: ليس بثقة، ولا يُكتب حديثُه. على كل حال إذا كان هذا حاله، فكل رواية ينقلها لنا ترد ولا تقبل.
أما عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، هذا كان نصرانيًّا فأسلم على ما كان عنده من ثقافة نصرانية، ولما أسلم كان صاحب علم غزير، وكان ثقة، إلا أن ما كان يحدث به كان فيه الغث والسمين، فيعرض ما ينقل عنه على موازين القبول والرد.
ما يروى عنه من الإسرائيليات: فنحن نحكم فيه ما عرفناه، ما كان موافقًا لشرعنا يقبل، وما كان مخالفًا يرد ويرفض، أما ما لا يثبت موافقته أو مخالفته، فنتوقف فيه كما سبقت الكلمات في هذا المنهج.
أما مقاتل بن سليمان: فكان حقًّا مكثرًا في الأخذ عن أهل الكتاب، وكان يفسر القرآن بما عندهم من نصوص، طَعن العلماء في علمه وعقيدته وتفسيره، وما
стр. 41
نقل عنه يحوي كثيرًا من الإسرائيليات والضلالات والخرافات، وبخاصة ما يتعلق بالتجسيم والتشبيه، وعلى هذا ما ينقل عنه يرفض أكثر.
محمد بن مروان السدي الصغير، أجمع العلماء على تركه وكذبه، قال ابن معين عنه: إنه ليس بثقة. وقال غيره: إنه لا يكتب حديثه.
بعد هذا نستطيع أن نقول: إن هؤلاء هم أقطاب الرواية الإسرائيلية التي نقلت وسرت إلى كتب التفسير، وإلى كتب الحديث عندنا.
إن لكل مفسر في تفسيره منهجًا خاصًّا تجاه الإسرائيليات، فمن المفسرين من يذكر تلك الإسرائيليات بأسانيدها دون تعقيب عليها بتصحيح أو تضعيف، كما فعل شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره. هل هو أخطأ في ذلك؟
نقول: إن حجتهم في ذلك أنه ساق لك السند، ومن أسند لك فقد حملك؛ أي: إنهم أتوا لك بالإسناد، وعليك أن تبحث عن مدى صحتها ومدى بطلانها.
من المفسرين من يذكر تلك الإسرائيليات بأسانيدها مع التعقيب عليها غالبًا، كما فعل العلامة ابن كثير في تفسيره، فهذا منهجه، وهو جهد عظيم، إلا أن الحيرة لا تزال تتعلق بالقارئ فيما لم يحكم عليه من الإسرائيليات.
من المفسرين من يذكر في تفسيره ما استطاع ذكره، فلا يترك صغيرة، ولا كبيرة، ولا شاردة، ولا واردة إلا أتى بها دون إسناد ودون تعقيب، وهذا أخطر التفاسير؛ لأن القارئ عندما يقرأ هذه الإسرائيليات يتوهم أنها صحيحة أو أنها أخبار موثوق فيها، بينما تحمل في طياتها ما هو مكذوب وموضوع يصل في بعض الأحيان إلى إفساد العقيدة، وأبرز مثال لهذه التفاسير تفسير مقاتل بن سليمان، وتفسير الثعلبي، المسمى (الكشف والبيان عن تفسير آي القرآن) هذا الكتاب
стр. 42
جمع كثيرًا من الإسرائيليات، ويعتبر من المراجع القديمة التي تناقل المفسرون عنها أكثر الإسرائيليات والأقوال الباطلة.
من المفسرين من يذكر الإسرائيليات بدون إسناد دون إشارة إلى ضعفها إلا نادرًا عندما يقول: روي أو قيل، ومثال ذلك تفسير الإمام الخازن المسمى (لباب التأويل في معاني التنزيل) وقيل: إنه مختصر من تفسير البغوي، كما نص الخازن في مقدمته على ذلك، وتفسير البغوي مختصر من تفسير الثعلبي، كما نص على ذلك ابن تيمية في (مقدمة أصول التفسير) إلا أن تفسير الإمام صاحب (معالم التنزيل) الإمام البغوي يعتبر أقرب إلى الصحة، وأقل كثيرًا من الإسرائيليات.
من المفسرين من يذكر الإسرائيليات بدون سند؛ لقصد بيان ما فيها من الباطل وتنبيه الناس على خطئها، وإن ذكر شيئًا منها تعقبه بالنقد والبيان، وإبراء الذمة، الذي فعل هذا هو إمام المفسرين بالرأي، هو جمع بين التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور، وغيره، ألا وهو العلامة شهاب الدين الألوسي في تفسيره (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني).
نختم ونقول:
من المفسرين الكبار العظماء من سلك في تفسيره تجاه الإسرائيليات مسلك المحارب المنبه، الذي شَنَّع عليها وعلى رواتها، حتى ولو كانوا من طبقة الصحابة، الذين شهدوا الوحي، فعل ذلك الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار) الذي كنا نتمنى أن يكون قد أتم هذا التفسير وأكمله، هو على كل حال ما فسر إلا قريبًا من ثلث القرآن، وصل إلى قوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: ١١) فتوفاه الله ولم يكمل تفسيره، نقل في تفسيره كثيرًا من التوراة، وهذا يوهم أنها غير محرفة، لكنه أشار إلى أنها منقولة، وبين أكثرَ ذلك.
стр. 43
بهذا نكون قد طُفنا بنماذج من التفاسير على اختلاف ألوانها، منها ما أكثر من الإسرائيليات دون تنبيه، ومن العلماء من أكثر في تفسيرهم من الإسرائيليات ونبه عليها، ومنهم من أقل، ومنهم من حاربها حربًا ظاهرة.
نماذج من الإسرائيليات
نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني:
قصة هاروت وماروت، قول الله -جل وعلا-: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٠٢).
نعم هذه الآية ورد فيها إسرائيليات كثيرة، الإمام الثعالبي والنسفي ومن سار في فلكهم، ونقل منهم، نقلوا كثيرًا من الإسرائيليات في هذه القصة، والمعلوم أن هذه الآية إنما وردت في بيان ما يحدث أيام سليمان، سنبدأ بتفسيرها الصحيح، ثم نذكر ما تورط فيه أصحاب التفاسير من القصص والإسرائيليات.
هذه الآية هي في سورة البقرة، وتفسيرها الصحيح: أن اليهود الذين أوتوا التوراة، نبذوا القرآن بعدما لزمهم تلقيه بالقبول، ولذلك قبل هذه الآية نعى الله
стр. 44
عليهم وذكر مثالبهم، فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٠١) ثم قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
إن اليهود الذين أوتوا التوراة لم يصدقوا بالقرآن، ورموه وراء ظهورهم استغناء عنه، وقلة التفات إليه، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: نبذ اليهود كتاب الله، واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرأها الشياطين على عهد سليمان ﵇ وفي زمان ملكه، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيبَ، يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوا منها في كتب يقرؤونها، ويعلمونها للناس.
وفشا ذلك في أيام سليمان ﵇ حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم لسليمان مُلكُه إلا بهذا العلم، وبه سخر الجن، وسخر الإنس، وسخر الريح، وسخر الحيوان، وسخر وسخر قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ قال هذا تكذيبًا للشياطين، ودفعًا لما قالته بهتانًا عن سليمان من اعتقاد السحر والعمل به، وأنه سخر الجن وغيرهم بهذا السحر، فنطقت الآية: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ كفروا لاستعمال السحر، وتدوينه وتعليمه للناس وإغوائهم.
ثم قالت الآية: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الجمهور على أن "ما" هنا: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ عطف على السحر؛ أي: أن الجن يعلمون الناس السحرَ، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين، أو عطف على:
стр. 45
﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ أي: اتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.
عن هاروت وماروت، هم علمان من الملائكة، أنزل عليهما علم السحر؛ ابتلاءً من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به كان كافرًا إن كان فيه رد ما لزم فيه شرط الإيمان، إلى آخره.
ثم قالت الآية: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: وما يعلم الملاكان أحدًا حتى يقولا له وينصحاه بقولهم: إنما نحن فتنة، نزلنا ابتلاء واختبارًا للخلق من الله، فلا تكفر بتعلم السحر والعمل به على وجه يكون كفرًا، فتعليم السحر كان هذا فتنةً واختبارًا لهؤلاء الناس، كان الناس يتعلمون السحر من الملكين، وهذا السحر له أثر كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه أي: في علم السحر الذي يكون سببًا في التفريق بين الزوجين، وهذا لا يحدث إلا بقضاء الله وقدره بأن يحدث عنده خلاف زوجي أو نشوذ أو ضرر، وهذا ابتلاء من الله .
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ﴾ أي: بالسحر. ﴿مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بعلمه ومشيئته.
هذا هو التفسير الصحيح، هاروت وماروت ملكَان، أُنزلَا من السماء لبيان أن سليمان لا يتعامل بالسحر، وإنما نزَل الملكان بالسحر ليعلمَا الناسَ أن سليمان له معجزات وأنه إنما سخر الجن وعالم الريح والطير والحيوان وغيرَ ذلك معجزةً، ولم يكن هذا بتأثير السحر.
كما قال بعض العلماء: إن تعليم الملكين للناس لهذا السحر كان أيضًا للعلاج والتخلص به مما وقع من السحرة والشياطين في إيذاء الناس، فكأن التعليم لاختبار الناس، ولبيان الفرق بين السحر والمعجزة، وأن سليمان إنما يتعامل بالمعجزات من ربه، وليس بالسحر، كما أن هذا العلم يستفيد منه الناس في دفع الأذى ودرأ المفاسد، والتخلص من ضرره.
стр. 46
ذكر المفسرون كثيرًا من الإسرائيليات، فالإمام النسفي وغيره ممن نقل عنهم يقول: إن هاروت وماروت كانَا ملَكين، اختارتهما الملائكة لتركب فيهما شهوة؛ حيث إن الملائكة عيرت بني آدم بأنهم أفسدوا في الأرض وقتلوا وكذا وكذا، فكانَا يحكمان في الأرض، ويصعدان بالليل، الملكان، فهويا زهرة فحملتهما على شرب الخمر، فوقعا في جريمة الزنا، فرآهما إنسان فقتلاه، فاختارَا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فهما يعذَّبان منكوسين في جب ببلدة ببابل، وسميت ببابل لتبلبل الألسنة بها.
هذا في كتاب النسفي، ونقله عن غيره، والحقيقة ما ذكره النسفي في هذه القصة هو خلاصة ما ذكره المتقدمون، ومنهم ابن جرير الطبري وغيرهم من المفسرين، الذين نقلوا القصة عن الثعلبي وعن غيره.
وقد رُوِيَ في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل وغيرهم، ذكرت في كتب التفسير من المتقدمين والمتأخرين وتناقلها الناس.
الرد على هذه الإسرائيليات:
لا ينبغي أبدًا أن يشك مسلم عاقل فضلًا عن أهل العلم في أن ما ذكر في قصة هاروت وماروت باطل، قال الإمام ابن الجوزي: إنها موضوعة. قال: وما رُفع في هذه القصة حدثنا الفرج بن فضالة أن هذا الشخص ضعفه يحيى، وقال ابن حبان: إنه يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، كما أن سند ابن داود ضعفه أبو داود والنسائي، وهذا يدل على أن هذه الرواية موضوعة. ألحقها الفرج بن فضالة بسند صحيح.
стр. 47
قال الثعالبي في تفسيره: قال عياض: وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت، وما روي عن علي وابن عباس ﵄ في خبرها وابتلائها، فاعلم -أكرمك الله- أن هذه الأخبار لم يرد منها سقيم -أي: ضعيف- ولا صحيح عن رسول الله ﷺ وليس هو بشيء يؤخذ بقياس، والذي منه في القرآن اختلف فيه المفسرون، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافتراءاتهم، كما نصه الله في الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
قال الإمام الفخر الرازي بعدما ذكر القصة بروايتها: واعلم أن هذه الرواية فاسدة، مردودة غير مقبولة؛ لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك، بل فيه ما يبطلها من وجوه:
الأول: الدلائل الدالة على عصمة الملائكة، فالله يقول في صفة الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: ٥٠) هذه الآية تتناول جميعَ الملائكة في فعل جميع المأمورات، وترك جميع المنهيات؛ لأن كل من نهى عن فعل فقد أمر بتركه، فهل ما وصف به هاروت وماروت في هذه الرواية الباطلة يعد من قبيل الخوف من الله وامتثال أمره؟
ثانيًا: قال تعالى في وصف الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٦، ٢٧).
ثالثًا: قال في شأنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٠) وما كانت صفته كذلك لا يصدر عنه الذنب، وقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ (فاطر: ١) فهم رسل الله، والرسل معصومون عن كل نقص وعيب، لا يليق بهم لقوله في تعظيمهم: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الحج: ٧٥).
стр. 48
الثاني: أن قولهم: إنما خيرَا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب؛ لأن الله تعالى خير بينهما من أشرك طول عمره، فكيف يبخل عليهما بذلك؟. هذا كلام الإمام الرازي.
الثالث: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين، ويدعوان إليه وهما يعاقبان.
أما الإمام القرطبي، فقد قال في قصة هاروت وماروت: قلنا: هذا أثر ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناءُ الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله. ثم ذكر نحو ما سبق عن الإمام الرازي في عصمتهم.
الإمام ابن كثير: فقد حكم بوضع المرفوع من هذه القصة، قال: وهذا منشؤه روايات إسرائيلية أخذت عن كعب الأحبار وغيره، وألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام زورًا وبهتانًا، والشهاب العراقي نص على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما، فهو كافر بالله العظيم.
وقال صاحب (الميزان) بعدما ذكر أسانيد الروايات: وهذه قصة خرافية تنسب إلى الملائكة المكرمين، الذين وصَّى القرآن على نزاهة ساحتهم، وطهارة وجودهم عن الشرك، والمعصية أغلظ الشرك وأقبح المعصية، وهو: عبادة الصنم والقتل والزنا وشرب الخمر، كل هذا نسب إليهم، وتنسب إلى كوكب الزهرة أنها امرأة زانية مسخت، إنها لأضحوكة، ثم كيف للعقل أن يقبل أن المرأة الفاجرة الزهرة ترفع إلى السماء وتكرم وتصير كوكبًا مضيئًا.
هذا إشارة إلى تفاصيل هذه الرواية في الكتب التي ذكرتها مفصلة.
стр. 49
قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد عن خالد عن كذا عن كذا سمعت عليًّا ﵁. كل هذا يدل على أن الروايات نقلوها عن الصحابة والتابعين كذبًا، يقول علي: كانت الزهراء امرأة جميلة من أهل فارس، وأنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما، إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحد يعرج به إلى السماء، فعلماها فتكلمت به فعرجت إلى السماء، فَمُسخت كوكبًا، وما هذا الكوكب الذي زعموا إلا في مكانه من يوم أن خلق الله السموات والأرض، وأن السماء لما خلقت خُلِقَ فيها كواكب ونجوم وسيارة هي: زحل والمشترى وعطارد والزهرة والشمس والقمر وغيرها: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٤٠) فالزهرة موجودة من قبل خلق آدم، وأقسم الله بها في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥، ١٦).
ومما يدل على كذب هذه الروايات أيضًا أنها مختلفة، وبينها اضطراب وتعارض وروايات متناقضة، هذه روايات أخرى جاءت في بعض الروايات قال كعب: والذي نفس كعب بيده ما استكملا يومهما الذي نزلَا فيه حتى أتيا ما حرما الله عليهما. وجاء في رواية أخرى عن كعب الأحبار: فأنزلهما إلى الأرض، فركب فيهما الشهوة، فما مر بها شهر حتى فتنا بامرأة اسمها بالنبطية "بيدخت" وبالفارسية "ناصيل" وبالعربية "الزهرة" الأثر انظر إليه، التعارض واضح وظاهر، وليس فيها رواية أصح من الأخرى.
أيضًا يقول: إن نزول الملكين هاروت وماروت كان بعد زمن سليمان، كما هو ظاهر الآية، وظاهر كلام الإمام النسفي، وجاء في بعض الروايات عن الربيع بن أنس أنهم كانوا في زمن إدريس ﵇ وما جاء أنهما قصدا إلى إدريس ﵇ فأخبراه بأمرهما، وسألاه أن يشفع لهما إلى الله -تعالى- ومن المعلوم أنه بين إدريس وسليمان زمن طويل.
стр. 50
مما يدل على كذب الرواية أيضًا الحديث الموضوع الذي رفع عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت". قال فيه ابن كثير: لا يصح، وهو منكر جدًّا.
قال المحققون لتفسير ابن كثير: إن الحديث الذي رُفع إلى النبي في شأن الزهرة -أو الزُّهرة- حديث مشكوك في سنده، والأحاديث التي رويت عن السلف لا تخرج عما جاء في هذا الحديث، وهي، وإن صح بعض أسانيدها، فهي من السمعيات التي لا تثبت إلا بخبر عن المعصوم، فالروايات من الإسرائيليات التي لا تستند إلى برهان أو إلى دليل، ومن هنا يظهر لك أيها الباحث أن الروايات في هذا وفي هذه القصة كلها من الإسرائيليات.
ثانيًا: نأخذ نموذجًا آخر، ألا وهو ما ورد في قصة أيوب ﵇ هذا الرسول الذي مدحه الله في كتابه بأنه كان من الصابرين، الآيات في شأن أيوب وردت في أكثر من سورة، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٣، ٨٤) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٤١ - ٤٤).
واضح في هذه الآيات أن أيوب ﵇ اختبره ربه بالمرض، فدعا ربه بأدب: أنت أرحم الراحمين، إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجاب الله له دعاءه، كشف عنه الضر، آتاه أهله، ومثلهم معهم، والآيات الأخرى:
стр. 51
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فالله أمره أن يركض برجله في الأرض، فخرج له مغتسل بارد، تطهر منه واغتسل وشفاه ربه، وعاد إليه، ووهب له أهله، وما كان قد فقد منه في حياته.
ولما كان أيوب ﵇ قد تغيبت عنه زوجه في بعض المواقف، وحلف أن يضربها، فالله ﷻ بين له أن يضربها بحِزمة من الأعواد الخفيفة، فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ الضغث: هي مجموعة من الأعواد الصغيرة، كحزمة صغيرة، ينفذ الوعد أو يفي بما قال في ضرب زوجته بشيء غير مؤذٍ، ولا يحنث، وأثنى عليه القرآن: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
ورد في هذه القصة إسرائيليات كثيرة، ووردت في كتب التفسير مثلما ذكرنا في ابن جرير، و (الكشف والبيان) للثعلبي ويمكن (الوسيط) أيضًا للواحدي، وتناقلها المفسرون والكثير من المفسرين كالرازي والقرطبي وغيرهما ذكروا القصة لبيان الإسرائيليات فيها.
نقول:
أولًا: قالوا: سبب بلائه ذبح شاة فأكلها وجاره جائع. هذا كلام لا يعقل أنه رأى منكرًا فسكت عليه. الرأي الصحيح في هذه البلوى في سبب بلائه أن الله -جل وعلا- ابتلاه لرفع درجاته بلا زلة سبقت، كما قال ربنا في محكم كتابه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ٢) الاختبار وارد لرفع الدرجات.
ثانيًا: قالوا: من الإسرائيليات في امرأته، قالوا: إن امرأته باعت ضفائر شعرها برغيفين؛ لتطعم زوجها الذي لم يجد القوت. هذا الكلام غير مقبول؛ لأن الله -جل وعلا- أكرم من أن يعرض نبيه إلى هذا الحال، فالأنبياء إنما يُبعثون من أوساط الناس، وأكرم الناس، فأين كان أهله وذووه؟ كيف حال المؤمنين حولَه؟ هل تخلوا عنه في بلائه ومحنته؟ لا بد أن الأقارب يحيطون بالإنسان.
стр. 52
ثالثًا: قالوا في الإسرائيليات: إن الخلاف في عدد أولاده وأمواله وعقاره كبير. كلامهم لا نحكم عليه بصدق، ولا كذب، البعض بالغ والبعض قلل، كلام يتناقض، وكذا ما قيل في مدة بلائه كلام كثير، بعضهم قال: سنوات عديدة سبعين سنة وأكثر من ذلك.
رابعًا: قالوا في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ قالوا: إن الشيطان قد سلط على ماله وعلى ولده وعلى جسده حتى نال منه، والصحيح في معنى الآية هو أن أيوب ﵇ ما كان يوسوس به الشيطان إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، وكان يحمله على الكراهة والجزع، فكان يلتجأ -أي: أيوب- إلى الله في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء عنه، وبالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل.
خامسًا: في الروايات التي ذكرت، ذكرت أن مرضه -مرض سيدنا أيوب- كان منفرًا، قيل: إنه صار به المرض إلى درجة أنتن فيها جسده، فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كُناسة خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته. كلام باطل؛ لأن الأنبياء معصومون من كل مرض منفر، أو كل مرض معد، وعن كل ما يبعد الناس عنهم، تجوز عليهم نعم الأحوال العادية، الأمراض العادية، لكن غير المنفرة؛ لأن الله -جل وعلا- كلفهم بالبلاغ والرسالة ودعوة الناس، فهذا الكلام يتناقض مع هذه الأسس في حق الرسل.
سادسًا: ما قيل: إن امرأة أيوب كانت تخدم الناس، وأنها باعت شعرها وضفائرها، فحلف أن يضربها. هذا الكلام من الإسرائيليات.
فالصحيح أن زوج أيوب امرأته ذهبت في حاجة له لقضاء مصلحة لإحضار طعام أو شيء فغابت عليه، وكان حاله لا يتحمل هذا الغياب الطويل، فحلَف عليها ليضربنها. الإسرائيليات في هذا كثيرة، والحقيقة إن الكلام في شأن أيوب كلام
стр. 53
كثير، لا يتسع المقام لذكره مفصلًا، وإلا قرأنا صفحات كثيرة، ووجدنا أقوالًا يطول الحديث عنها.
بالرجوع إلى كتب التفسير تعرف القصة بما فيها من الكلام عن سبب بلائه، كفى قول الله -جل وعلا- عنه إنه كان صابرًا: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
نعود إلى قصة موسى ﵇:
نموذج ثالث من الإسرائيليات، وقصة موسى في القرآن الكريم كثيرة، تعددت مواقفها، وكثرت آياتها حتى إن موسى ﵇ ذكر في القرآن أكثر من مائة مرة، على ما أذكر ١٣٤ مرة، وهذا يدل على أن حياة موسى مع قومه مليئة بالدروس والعِظات، ومنهج دعوة كامل، كما أن موسى أرسل إلى بني إسرائيل، وبنو إسرائيل قوم اكتملت عندهم جميع الأمراض: العقلية والبدنية والنفسية والتكذيب، كل المواقف التي تناوئ الدعوة وقعت منهم، ولذلك لو تأملت القرآن الكريم، وعرفت أن فيه خمسة وعشرين رسولًا، فأكثر من نصف هذا العدد كان موجهًا لبني إسرائيل، تقريبًا ثلاثة عشر رسولًا من المذكورين في القرآن الكريم، كلهم أرسلوا إلي بني إسرائيل.
على أية حال، الإسرائيليات في قصص موسى كثيرة، تبعًا لكثرة ذكر موسى، ومواقف قومه، وما وقع من فرعون، وما وقع من موسى مع قومه كلام كثير.
قصة موسى ﵇: اختلفوا في عدد القتلى الذين ذبحهم فرعون في طلب موسى، كما نعرف، الله ﷻ قال في محكم كتابه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٧) كان فرعون قد رأى رؤية وحكاها للكهنة أن رؤيا
стр. 54
أزعجته، فقالوا له: سيولد ولد في ملكك يكون زوال دولتك وملكك على يديه، فأمر بقتل المواليد، ولما انتبه المقربون منه إلى أن قتل المواليد عدة سنين سيقضي على القوة العاملة؛ لأن الموجودين سينالهم الكِبر والشيخوخة، والدولة بحاجة إلى قوة جديدة، فخفف الحكم، يقتل المواليد عامًا، ويبقيهم عامًا آخر.
شاءت إرادة الله أن يولد موسى في العام الذي فيه أمر بقتل المواليد، وشاءت إرادة الله أن ينقل موسى إلى بيت فرعون، وأن يتربى بين يديه وفي حِجره، وهو الذي يحمله ويربيه، ولما امتنع موسى عن الإرضاع كان فرعون هو الذي يسعى على طلب مَن ترضعه، ويدفع الميزانية كاملةً لتربية موسى ورعايته وحضانته وهو في بيت أمه، ويعود موسى إلى بيت فرعون؛ بدلًا من أن يكون قرة عين لهذه الأسرة، بل كان كما أخبر الحق -جل وعلا- إن موسى جاء إليهم ليكون لهم عدوًّا وحزنًا.
قال الإمام النسفي -وهو أحد رواة الإسرائيليات-: روي أنه في طلب موسى ذُبِحَ تسعون ألف وليد؛ يعني: حرصًا من فرعون على أن يقضي على الوليد الذي سيولد ويعيش ويكون دمار فرعون وذهاب مُلكه على يدي هذا الوليد، أمر بقتل المواليد.
اختلف الناس أصحاب الإسرائيليات في هذا العدد، البعض قال: تسعون ألف وليد قتل، هذه الرواية ذكرها عدد من المفسرين: الزمخشري في (الكشاف) والفخر الرازي في (مفاتح الغيب) حتى الإمام النيسابوري في تفسيره على (هامش الطبري) والعلامة الألوسي أيضًا ذكر هذا العدد، هذه الرواية حددت عددًا من القتلى، يختلف مع العدد الذي ذكره رواة أُخر، الإمام الثعلبي في روايته عن وهب بن عتبة قال الثعلبي: وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى سبعون ألف وليد.
стр. 55
والملاحظ أن الروايتين مصدرهما واحد، وهو رواة أهل الكتاب، والقرآن الكريم لم يبين عددًا لهؤلاء القتلى حتى ولو بالإشارة، إنما ذكر أنه أمر أو علم من القرآن أن فرعون كان جبارًا، وكان طاغيةً، فالقرآن حتى ولو بالإشارة لم يشر إلى كثرة عدد القتلى حتى نفهم منه هذا التحديد، إنما قال ربنا: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: ٤).
والأشياء التي لم يبينها القرآن وأجملها، ولم يفصل دقائقها، يجب أن نقف عندها تمامًا.
هذا ما وجهنا إليه علماؤنا أن ما يذكره القرآن مجملًا، نقف عند إجماله، ولا نتعمق أو نتكلف التفصيل، فربما لا نسلم من الزلل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله أعلم.
стр. 56
الدرس: ٤ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٢) .
стр. 57
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٢))
تسلل الإسرائيليات إلى كتب التفسير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أولًا: الإسرائيليات خطر عظيم اندس وسرى في كتب التفسير، فكان خطرًا على ثقافة المسلمين عامة وعلى كتب التفسير خاصة؛ لأن اليهود كانوا أكثر أهل الكتاب صلة بالمسلمين، وهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، كما ذكر القرآن الكريم، وهؤلاء بحكم عداوتهم للإسلام لم تعوذهم الحيل؛ يعني: لم تنقصهم الوسائل، ولا الحيل، ولا الخداع الذي يصلون من خلاله إلى إفساد عقائد المسلمين، فدخلوا الساحة من أكثر من باب: من الكذب، ومن تحريف الكلم عن مواضعه، ومن الكتمان لما أنزل الله ناهيك عن فرقة منهم تعمدت أن تظهر الإسلام، اعتنقت طائفة منهم الإسلام، ليس حبًّا في الإسلام، ولكن رغبة في القضاء عليه، وتحريفه، وإظهاره أمام الناس بالأساطير والخرافات والأباطيل.
ونعلم جميعًا قصة عبد الله بن سبأ، هذا الرجل اليهودي الأصل، دخل الإسلام ليضل من أمكنه من المسلمين، كما قال الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) قال: دخل ابن سبأ الإسلام ليضل المسلمين، فمال إلى طائفة رذلة كانوا يتشيعون لعلي، كانوا يقولون بإلهيته، على نهج ما قال أحد أتباع المسيح بولس لما قال لأتباعه أن يقولوا بإلهية عيسى ﵇ مع أنه منزه عن ذلك. فالقرآن الكريم يبين أنه لا ألوهية إلا لله -جل وعلا- وأن الله سائل عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (المائدة: ١١٦) والآيات كثيرة ليس بصددها الرد على شبهات هؤلاء.
стр. 58
على كل حال هذه الطائفة من ابن سبأ وأتباعه، قصدت إلى إدخال قدر كبير من الأباطيل في ثقافة المسلمين للنيل من دين المسلمين، ومن مكانة المسلمين.
كيف تسللت الإسرائيليات إذًا إلى التفسير؟
هذا أمر يرجع إلى عصر الصحابة ﵃ وذلك لأن القرآن يتفق مع التوراة والإنجيل في أمور كثيرة، في العقائد، وفي الأخلاقيات، وكذلك في بعض القصص؛ يعني: هناك قصص ذكر في التوراة والإنجيل وذكر في القرآن مع فارق واحد، هو أنه ذكرت هذه القصص ذكرت في القرآن الكريم على وجه الإيجاز، بينما كان في التوراة والإنجيل بسط وتفصيل لبعضها.
فكان من مصادر التفسير عند الصحابة أن يرجعوا إلى أهل الكتاب، غير أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا على فطنة؛ إذ لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء، ولم يقبلوا منهم كل شيء، وإذا ما عرضنا بعض الأمثلة أمامنا روايات، فهناك ما ورد بين الصحابي الجليل أبي هريرة وكعب الأحبار، وما ورد أيضًا بين أبي هريرة وعبد الله بن سلام.
والروايات في هذه كما ذكرها الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: ((فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئًا، إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها)) اختلف السلف في تعيين هذه الساعة، وهل هي باقية أو رفعت؟ وإذا كانت باقية، فهل في جمعة واحدة من السنة أو في كل يوم جمعة؟ فنجد أبا هريرة ﵁ يسأل كعب الأحبار عن ذلك، فيجيبه بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا، ويبين له أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة فيرى الصواب مع أبي هريرة، فيرجع إليه.
стр. 59
المثال الآخر: أبو هريرة أيضًا يسأل عبد الله بن سلام عن تحديد هذه الساعة: فمتى تكون؟ ويقول له: "أخبرني، ولا تضن علي. فيجيبه ابن سلام بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة، فيرد عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد سأل رسول الله ﷺ فقال: ((لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي)) وتلك الساعة لا يصلي فيها أحد، فيجيبه ابن سلام بقوله: ألم يقل رسول الله ﷺ : ((من جَلَس مجلسًا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة حتى يصلي)) ". انظر إلى هذه المراجعات بين أبي هريرة وكعب، وبين أبي هريرة وبين ابن سلام، كلها تدل على أن الصحابة كانوا يسمعون، ويتناقشون مع أهل الكتاب، ويتحرون الصواب ما استطاعوا، لا يقبلون كل ما يقال لهم عن أهل الكتاب، إنما كانوا يزينون ما يقولونه، إن وافق ما عندنا كانوا يصدقون، وإن خالف كانوا لا يصدقون.
كانوا يسألون عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحًا لقصة أو بيانًا لما أجمله القرآن الكريم منها، يعرفون التفصيل، ويتوقفون فيما يلقى إليهم بالصدق أو الكذب عملًا بقول رسول الله ﷺ : ((لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ... ﴾ الآية (البقرة: ١٣٦)))، كما أن صحابة رسول الله ﷺ لم يسألوهم عن أشياء تتعلق بالعقيدة أو تتصل بالأحكام إلا إذا كان على وجه الاستشهاد والتقوية، كما كانوا لا يسألون عن الأشياء التي يشبه أن يكون السؤال عنها نوعًا من اللهو أو العبث، يعني: ما كان صحابة رسول الله يتساءلون عن الأمور التي لا جدوى لها عن لون كلب أهل الكهف، ومثلًا عصا موسى كانت من أي شجر، الطير الذي كان أحياه الله لإبراهيم ما أسماؤه، هذه الأمور لا تسمن ولا تغني من جوع، هذا مبلغ رجوع صحابة رسول الله إلى أهل الكتاب.
стр. 60
أما التابعون، فالأمر يختلف، لأن التابعين توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب، ولم يلزموا أنفسهم بالمنهج الذي كان عليه سلفهم من تمحيص الأخبار، ووزنها بميزان الشرع الدقيق، فكثرت في أيامهم الروايات الإسرائيلية في التفسير، ويرجع ذلك أيضًا لكثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وميل نفس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، فظهرت في هذا العهد جماعة من المفسرين، أرادوا أن يسدوا الثغرات القائمة في التفسير بما هو موجود عند اليهود وعند النصارى، فحشوا كتب التفسير بكثير من القصص المتناقض أو الباطل أو الذي يتصادم مع بعض الآيات القرآنية. من هؤلاء: مقاتل بن سليمان، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وغير هؤلاء.
ثم جاء بعد عصر التابعين من عظم شغفه بالإسرائيليات، وأفرطوا في الأخذ منها، إلى درجة جعلتهم يقبلون كل شيء، لا يردون قولًا، ولا يحجمون عن أن يلصقوا بالقرآن كل ما يسمعون، وكل ما يروى لهم، وإن كان يخالف العقل أو الشرع، إلى أن جاء دور التدوين للتفسير، لا سيما التفسير بالمأثور، فوجد من المفسرين من حشوا كتبهم بهذا القصص الإسرائيلي، الذي كاد يصد الناس عن النظر في آيات الله والاهتداء بهديه.
وكان عصر ما بعد التابعين مليئًا بالروايات الإسرائيلية، ونقل كثير من المفسرين قصصًا وروايات في كتبهم مما يتنافى مع عصمة الأنبياء، وقد ساعد على هذا أناس نقلوا لنا هذا، نشك في عقيدتهم، بل إن رجال الحديث والكتب التي تحدثت عن الرجال بينت أنهم اتصفوا بالكذب، أمثال محمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن مروان السدي الصغير، بالإضافة إلى مقاتل بن سليمان، الذي ذكر آنفًا.
стр. 61
أما الكلبي فكان سبئيًّا متسترًا بحبه أهل البيت، قال ابن حبان: قد كان الكلبي سبئيًّا، من أولئك الذين يقولون أن عليًّا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا، ويملأها عدلًا كما ملئت جورًا، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها. وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد بن حنبل: يحل النظر في تفسير الكلبي؟ قال: لا. وذكر السيوطي الإمام العلامة أن أوهَى الطرق عن ابن عباس طريقة الكلبي عن أبي صالح، فإن أنضم إليها رواية محمد بن السدي بن مروان السدي الصغير، فهي سلسلة الكذب.
أما مقاتل بن سليمان فإنه متهم بالتجسيم، قال ابن حبان: كان مقاتل يشبه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث كما كان متهمًا في علمه. وقال يحي بن معين: مقاتل بن سليمان ليس حديثه بشيء. وكذا قال ابن حنبل عنه.
وهكذا إخوة الإسلام كثرت الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير بَيْد أنها كانت مسندة؛ يعني: كانت الروايات تذكر بأسانيدها، وحجة من ذكر هذه الروايات ذكر السند على حد قول من قال: من أسند فقد حملك، من ذكر لك الرواية بسندها، فربما خرج من التبعة؛ فأنت تستطيع أن تقيّم السند، وتحكم على درجة الحديث، وفَعَل هذا ابن جرير وغيره من المفسرين.
ثم حصلت الطامة الكبرى عندما جاء بعد ذلك من المفسرين من روى هذه الإسرائيليات محذوفة السند، ولم يتحر الدقة فيما ينقل، فكان ذلك بلاءً وشرًّا مستطيرًا؛ لأن حذف السند وحذف الأسانيد جعل من ينظر في الروايات وفي هذه الكتب يظن أنها صحيحة، فكان يعتقد صحة كل ما جاء فيها؛ ثقةً منه بأصحابها الذين نقلوها، وجاء من نقل عنهم كل ما حوته رواياتهم من الأكاذيب والأباطيل معتقدين صحتها وصدقها، فامتلأت كتب التفسير بالإسرائيليات.
стр. 62
حكم رواية الإسرائيليات
هل يجوز رواية الإسرائيليات؟
نحن قسمناها إلى ثلاثة أقسام، باستعراض النصوص الشرعية الخاصة بالتحديث عن بني إسرائيل نجد أن هناك نصوصًا في القرآن والسنة تدل على المنع من الأخذ عن أهل الكتاب، كما أن هناك نصوصًا تدل على الجواز والإباحة.
نستعرض النصوص التي دلت على المنع، ثم نستعرض النصوص التي تدل على الإباحة، ثم نجمع بين الروايات، ونوفق ونستخرج من هداياتها الرأي الصحيح.
النصوص التي دلت على المنع كثيرة، منها: الآيات التي تدل على تحريفهم لكتبهم، وأفقدتنا الثقة فيها: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٧٥) وقوله سبحانه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (النساء: ٤٦) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (الأنعام: ٩١).
وعن النصارى وحدهم قال -جل وعلا-: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة: ١٤) وعن النصارى واليهود عنهما معًا جاءت آيات، منها قوله سبحانه: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (المائدة: ١٥) آيات كثيرة في هذا المعنى.
стр. 63
ومن الأحاديث: ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ والذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده قال: أتى عمر النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب النبي، وقال: ((أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، لا تسألوهم عن شيء يخبرونكم بحق فتكذبوا أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني)) وأحاديث كثيرة في البخاري وغيره، ها هو حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويقرءونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾)) ".
ومنها أيضًا: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث؟ تقرءونه محضًا -أي: خالصًا- لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم". والحديث العام الذي رواه ابن مسعود أيضًا، وذكره ابن حجر أنه قال: "لا تسألوا أهل الكتاب، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم، فتكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل".
أحاديث صحيحة، وآيات صريحة، كلها تدل على المنع من الأخذ عن بني إسرائيل.
أما الطائفة الثانية، وهي النصوص الدالة على الجواز والإباحة بالأخذ من بني إسرائيل، فهي كثيرة أيضًا، منها قول الله سبحانه: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ (البقرة: ٢١١) وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (يونس: ٩٤) ومن الآيات أيضًا قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ٩٣) آيات صريحة.
стр. 64
ومن الأحاديث أيضًا أحاديث كثيرة، تلك الأحاديث التي تدل على أن الرسول ﵊ كانت تستدعيه بعض المواقف، فيستمع لما عند اليهود، جاء في (مسند أحمد) الحديث: حدثنا إسماعيل، عن أبي صخر العقيلي، حدثنا رجل من الأعراب قال: "جاءت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا الرجل، فلأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم في أثنائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرًا التوراة يقرأها يعزي بها نفسه على ابن له في الموت، كان له ولد يعاني سكرات الموت، فكان الولد جميلًا كأحسن الفتيان وأجملهم، فقال رسول الله ﷺ لليهودي: ((أنشدك بالله الذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك ذا صفتي ومخرجي)) فقال: -أي: اليهودي- برأسه هكذا -أي: لا- فقال ابنه، الذي يعاني سكرات الموت، أنطقه الله نطق فقال: إي، والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك، ومخرجك يا رسول الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال النبي ﵊: ((أقيموا اليهودي عن أخيكم))، ثم ولي الرسول كفنه والصلاة عليه".
قال العلامة ابن كثير: هذا حديث جيد قوي، له شاهد في الصحيح عن أنس. ومن أحاديث الجواز الحديث المشهور قول رسول الله ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) حديث في البخاري في كتاب الأنبياء.
وإذا ما تصفحنا الأحاديث، نراها كثيرة، فثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنه قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب؛ يعني: مجموعة من كتبهم، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث الذي أباح التحديث عنهم، كتب ذلك صاحب (مقدمة في أصول التفسير) ابن تيمية، كل هذا يدل على الجواز، فقد أباح الله لنبيه أن يسأل أهل الكتاب، وكذا أباح لأمته أن يسألوا عما
стр. 65
هو مقرر شرعًا، وانظر قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٤٣) والمراد بـ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ هم علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، كما قال أكثر المفسرين.
بعد هذا نصوص منعت، ونصوص وافقت وأباحت، هل هناك توفيق بين النصوص؟
نعم، إن أمامنا الآن نصوص أجازت الأخذ عن بني إسرائيل، تقابلها نصوص منعت الأخذ عن بني إسرائيل بأنهم حرفوا كلام الله من بعد ما عقلوه، وأخفوا منه الكثير، ونسوا حظًّا مما ذكروا به، نصوص هذه في جهة، وتلك في جهة أخرى.
وللتوفيق بين هذه النصوص نقول:
إن ما جاء منها موافقًا لشريعتنا، فإنه مقبول، وتجوز روايته، وعليه تحمل النصوص القرآنية التي تحمل في طياتها جواز الرجوع إليهم، وكذلك حديث رسول الله ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج)) وسائر النصوص الأخرى في هذا المعنى. أما ما جاء مخالفًا لشريعتنا، فلا يُعقل أن تحمل عليه النصوص الشرعية الدالة على الرجوع إليهم والتحديث عنهم؛ لأن ما ينقل عنهم كذب، ورواية المكذوب غير جائزة إلا إذا كانت الرواية مقترنة ببيان كذب ما فيها، وعلى هذا تحمل الأحاديث والآيات التي تدل على المنع من الأخذ عن أهل الكتاب، كالآيات التي تحدثنا عنها، والأحاديث كذلك.
أما ما سكتت عنه شريعتنا، فلا وسيلة لنا للجزم بتصديقه، ولا بتكذيبه أيضًا، وعليه فلا يسعنا إلا التوقف في أمره، وعليه ينطبق حديث: ((لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم)).
стр. 66
بعد هذا نستطيع أن نقول: مع التوقف عن التصديق وعن التكذيب، الصنف الثالث الذي لا نؤيده، ولا نعارضه، المسكوت عنه، هل تجوز روايته؟ الإسرائيليات التي سكتت عنها شريعتنا، هل يجوز روايتها؟
نقول:
اختلف العلماء في ذلك، فبعض العلماء أجاز روايةَ هذا النوع من الإسرائيليات، ومن العلماء الذين أجازوا ذلك الإمام ابن تيمية، وأيضًا وافقه الأستاذ الدكتور الذهبي -عليه رحمة الله- حيث يقول الشيخ الذهبي: وما سكت عنه شرعنا توقفنا فيه، فلا نحكم عليه بصدق، ولا بكذب، وتجوز روايته؛ لأن غالب ما يروى من ذلك راجع إلى القصص والأخبار لا إلى العقائد والأحكام، وروايته ليست إلا مجرد حكاية له، كما هو في كتبهم، أو كما يحدثون به بصرف النظر عن كونه حقًّا أو غير حق.
لكن بعض العلماء الآخرين قالوا: لا يجوز رواية هذا النوع من الإسرائيليات، من هؤلاء الدكتور عبد الوهاب فايد، وآخرون سأذكرهم الآن؛ حيث يقول: ولكنني أرى هذا القسم المسكوت عنه، وهو الذي لا نعلم صدقه، ولا كذبه، لا تجوز روايته، بل يجب أن نتوقف في روايته، كما توقفنا في قبوله؛ لأن روايته توهم قبوله والتصديق به، وما دمنا قد توقفنا في قبوله، فمن الأحوط أن نتوقف كذلك في روايته، إذًا فالمقياس في القبول والرواية واحد، وهو ما ورد من نصوص في القرآن أو السنة، فما كان من الإسرائيليات موافقًا لذلك قبلناه وأجزنا روايته، وما كان منها مخالفًا لذلك رددناه أخذًا، وأبطلنا روايته، وما كان مسكوتًا عنه في ديننا؛ بحيث لا يكون في نصوص القرآن أو السنة ما يوافقه، ولا ما يخالفه توقفنا في قبوله؛ عملًا بالحديث الشريف، وأرى كذلك أن نتوقف في روايته قياسًا على توقفنا في قبوله وسدًّا للذريعة.
стр. 67
والحقيقة أن النفس تميل إلى عدم رواية الإسرائيليات فعلًا، أميل إلى رأي أستاذنا الدكتور عبد الوهاب فايد؛ لأن الروايات التي سكتت عنها شريعتنا، فالأولى أن نسكت عنها كذلك، فلا نؤيد ما يفعله كثير من المفسرين يأتون بالإسرائيليات المسكوت عنها، ويفسرون بها النص القرآني، فإن ذلك يوهم أو يعني تفصيلًا لما أجمل أو تبيينًا لما أبهم، وهذا يتنافى مع الحديث أيضًا: ((لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم)).
نقول أيضًا: لا منافاة بين كون الرواية الإسرائيلية صحيحة السند أو حسنة أو ثابتة، وبين كونها من إسرائيليات بني إسرائيل وخرافاتهم، فهي صحيحة السند إلى ابن عباس أو إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، أو إلى مجاهد أو عكرمة أو سعيد بن جبير، لكنها ليست متلقاة من النبي ﷺ لا بالذات، ولا بالواسطة، إنما هي متلقاة عن أهل الكتاب الذين أسلموا، فثبوتها إلى من رويت عنه شيء، وكونها مكذوبة في نفسها أو باطلة أو خرافة شيء آخر.
بعض الأحاديث التي فيها موافقات وفيها مخالفات فيما مضى:
نقول: إن الحديث الذي أورده جابر فيما مضى، والذي رواه أبو هريرة أنهم كانوا يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها، نريد أن نلقي نظرة عابرة، الحديث الذي رواه جابر، والذي يفيد نهي المسلمين عن سؤال أهل الكتاب، السبب في نهي الرسول ﷺ عن ذلك أن ثقافات أهل الكتاب لا يوثق بها؛ لأنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وبدلوا الكتب التي أنزلها الله على رسلهم، وفيها اضطرابات وفيها بلبلة، فهذا النهي إنما هو في سؤالهم عما لا نص فيه؛ لأن شرعنا مكتف بنفسه، كامل مهيمن، لا ينقصه شيء، فإذا لم يوجد فيه نص، ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم، الذي يدخل فيه البعض.
стр. 68
أما حديث أبي هريرة الذي يفيد أن أهل الكتاب كانوا يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية، وأن الرسول ﵊ أمر المسلمين ألا يصدقوهم، ولا يكذبوهم، فيراد منه التوقف فيما يحدث به أهل الكتاب مما يكون محتملًا للصدق والكذب؛ إذ لا يتيسر لنا أن نميز فيما عندهم بين السالم من التحريف وغيره، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: وخصص النهي هذا في هذا الحديث بقوله: ((لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم)) إلى آخره، ولذلك نبه على هذا الإمام الشافعي أيضًا فقال: وعلى هذا نحمل ما جاء عن السلف من ذلك.
أما الحديث الذي أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو، والذي يفيد أن النبي أباح للمسلمين أن يحدثوا عن بني إسرائيل، فهذه الإباحة بعد أن أصبح المسلمون لا يُخشى عليهم مما عند أهل الكتاب من أخبارهم، وإباحة التحدث عن بني إسرائيل إنما تنصرف إلى المسكوت عنه في شرعنا، ويحتمل الصدق والكذب، وعلى ذلك يحمل حديث عبد الله بن عمرو من الزاملتين اللتين أصابهما الكتيبين الذين وجدهما يوم اليرموك، أما ما يقطع بصدقه أو كذبه، فلا يحمل عليه هذا الإذن.
وقال الشافعي ﵀: من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فقوله: ((حدثوا عن بني إسرائيل)) أي: بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه، فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم)) ولا يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه.
مما تقدم نستنج أن الحكم تدرج من المنع إلى التوقف، ثم إلى الإذن بالحديث عنهم فيما لا يعلم صدقه أو كذبه، وكل مرحلة من هذه المراحل كان لها ما يدعو إليها، قال العلامة ابن حجر، يوفق بين تلك المراحل الثلاث: وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية؛ خشيةَ الفتنة، ثم لما زال المحظور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.
стр. 69
ومن كلام ابن حجر يفهم أن النهي عن الرجوع إلى أهل الكتاب كان ذلك في مبدأ الإسلام؛ مخافةَ الفتنة والتشويش، وأن الإذن والإباحة كان بعد استقرار أصول الشريعة الإسلامية، وزوال المحظور، إذن فلا تعارض بين هذه النصوص، والله أعلم.
ويقول الدكتور محمد أبو زهرة: ويرى بعضهم أن معنى حديث ابن عمر: ((حدثوا عن بني إسرائيل)) بما يثبت لديكم كذبه في المواعظ والقصص، لا في العقائد والأحكام، وحمل الحديث على هذا المعنى؛ يعني: التحديث عن بني إسرائيل بما لا يعلم كذبه، ولا صدقه في المواعظ والقصص، أما ما يعلم كذبه فلا بد من من التنصيص عليه، نعم ما لم يثبت كذبه عندنا نوعان:
أحدهما: ما ثبت صدقه، وهذا تجوز حكايته باتفاق، ولا ينبغي أن يخص بالمواعظ والقصص.
وثانيهما: ما لم يثبت صدقه ولا كذبه، ولا فائدة تعود على المسلمين من التحديث بهذا النوع، فشرعنا فيه الكفاية، ولا نحتاج إلى مثل هذا، وكذا مال إلى هذا الرأي فضيلة الشيخ أحمد شاكر ﵀ فإنه رأى عدم الخوض في ذلك؛ صيانة لكتبنا وتراثنا مما يفهم أنه حق، وليس كذلك. والله أعلم.
قصة موسى ﵇ مع بنات شعيب، وما ورد في تعيين أسمائهم
نماذج من الإسرائيليات:
قصة موسى ﵇:
فإن في قصص موسى في القرآن دروسًا وعبرًا كثيرةً، كما أن كتب التفسير حوت كثيرًا من الإسرائيليات لا بد من بيانها لا سيما أن موسى هو أكثر الأنبياء ذِكرًا في القرآن الكريم، وهو بهذا له مواقف كثيرة كثيرة، وكل موقف له فيها منهج دعوة ومنهج هداية، والقرآن الكريم إنما يذكر ذلك لأمة الإسلام؛ لنأخذ منها العظة
стр. 70
والعبرة، كما قال ربنا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١).
من المواقف التي وردت في شأن موسى وفيها دروس وعظات، كما أن فيها أيضًا كثيرًا من الإسرائيليات في التفسير، العظات والدروس من الآيات، لكن التفسير ما خلا من الإسرائيليات.
قصة موسى ﵇ مع بنات شعيب:
الآيات في هذا هي قول الله -جل وعلا-: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (القصص: ٢٥ - ٢٨).
الآيات فيها دروس كثيرة وعظات، فموسى القوي الأمين، والحياء من بنات شعيب، وزواج موسى من واحدة منهما، وقال أبوها: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ كانت الأجرة والصداق أن يعمل موسى عند والد الفتاة ثماني حجج، فإن أتم عشرًا، فهذا من عنده.
والدروس واضحة في الآيات، لكن كتب التفسير سار إليها بعض الإسرائيليات في هذا، فالإمام النسفي وأبو السعود وابن جرير وغيرهم تكلموا إلى أن صهر
стр. 71
موسى هو شعيب ﵇ ويقول ابن كثير: وهذا ما ذهب إليه كثير من المفسرين، والطبري يقول روايةً عن الحسن: يقولون: شعيب صاحب موسى، ولكنه سيد أهل الماء يومئذٍ. وأجيب عنها: بأن شعيبًا ﵇ كان قبل زمان موسى بمدة طويلة، لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: ٨٩) وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل إبراهيم ﵇ بنص القرآن الكريم، وقد علم أنه كان بين موسى والخليل إبراهيم مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد.
وما قيل: إن شعيبًا عاش مدة طويلة، إنما هو احتراز من هذا الإشكال، وورد في رواية الحسن: ولكنه سيد أهل الماء يومئذٍ، كيف يكون شعيب ﵇ سيد أهل الماء، وتنتظر ابنتاه بدون سقي حتى يصدر الرعاء؛ أي: يرجعون بماشيتهم ويتمنون سقيها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: ٢٣).
من الجواب أيضًا: لو كان صهر موسى ﵇ هو شعيب لما انتظرت ابنتاه السقي حتى ينتهي الرعاء ويصدر، وله رهط كبير، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْم أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (هود: ٩٢).
من الإجابات أيضًا: لم يذكر حديث صحيح، ولا نص قاطع يفيد بأن شعيبًا هذا الذي هو الرسول ﵊ كان هو صهر موسى ﵇ كل ما ورد فيه لا يقوى إلى درجة الاعتبار في مثل هذا الموضوع، ولا يكتفى فيه بالشهرة، وكثرة أخذ المفسرين به؛ لأن ذلك وحده لا يكفي، وإنما المعول على ذلك النقل الصحيح من المصادر المعتمدة شرعًا، وهي الكتاب والسنة.
стр. 72
القول الفصل في هذه القضية: إن كان الكلام الذي سبق ذكره ليس فيه جدوى كثير، كون شعيب هو الرسول الذي أرسله الله، وذكر اسمه في القرآن الكريم من بين خمسة وعشرين رسولًا أو ليس غيره، يعني: قضية لا جدوى من ورائها كثير، لكن يرى العلامة ابن جرير الطبري يقول: التوقف في تعيين صهر موسى ﵇ هو الأفضل، وهو الأسلم، وهذا هو رأي ابن جرير، حيث يقول: إن تعيين صهر موسى مما لا يدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله -جل ثناؤه-: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ويفهم أنه كان رجلًا صالحًا، لكن اسمه لم يثبت عنه من مصدر صحيح.
وأما الأثر الذي ذكره الإمام النسفي عن ابن مسعود ﵁: فقد رواه الحافظ ابن كثير هكذا: قال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵃ قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عمر، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاه﴾ (يوسف: ٢١) وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ". وهو الموافق للصواب؛ إذ إنه بدون تعيين لاسم أبيها.
ما ورد في كتب التفسير من تعيين أسماء بنات شعيب، هل ورد في تسميتهم نص يعتمد عليه؟
الحقيقة ذكر المفسرون ومنهم الإمام النسفي أن كُبراهما كانت تسمى صفراء، والصغرى صُفيراء، وأن موسى ﵇ تزوج صفراء الكبرى. هكذا ذكر النسفي، ولكن هذا الذي ذكره الإمام النسفي يتنافَى مع ما رواه الطبري عن طريق وابن جريج عن شعيب الجبائي، قال: اسم الجاريتين: ليا
стр. 73
وصفورا، وامرأة موسى هي صفورا بنت يثرون كاهن مدين، والكاهن حبر. كما روى الطبري عن ابن إسحاق بنحوه، وقال: إن اسم الثانية شرفا ويقال: ليا.
والأولى عند ذلك عدم التعيين في اسم الجاريتين؛ لأن طرق روايات تعيينها غير صحيحة، فلم تثبت، وإن ابن جريج وابن إسحاق سبق أن ذكرنا أنهما يرويان الإسرائيليات، وإذا كان القرآن الكريم لم يحدد اسم إحداهما، فيجب علينا ألا نخوض فيما لم يذكره القرآن، وأن نتوقف عندما أجمل القرآن الكريم؛ إذ لا فائدة ولا جدوى من الخوض والتنطع، أو البحث والتقصي وراء ما أجمله القرآن الكريم، فالعظة والدرس فيما أجمل، ولا فائدةَ من تقصي تفاصيل ما أجمله أو بيان ما أبهمه القرآن الكريم، ففيه العظة والعبرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.
стр. 74
الدرس: ٥ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٣) .
стр. 75
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدر س الخامس
(نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٣))
قصة عصا موسى ﵇، وقضية الأجلين
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
نذكر أن كتب التفسير التي عُنيت بالإسرائيليات، أو ذكرتها سواء بحسن قصد أو بعدم تعمد، ابن جرير الطبري (معالم التنزيل) للبغوي، (لباب التنزيل) للخازن، ابن كثير القرطبي، أبو السعود، النسفي، هذه الكتب مع أن ابن كثير من أميزها وأفضلها؛ إذ أنه عقَّب على كثير مما ذكر، ومحَّص كثيرًا من الروايات إلا أن أكثر ما ورد في هذه الكتب لا يزال يحتاج إلى تنقية.
وردت روايات بشأن العصا مع صِهر موسى ﵇:
ورد في تفسير النسفي: أن موسى ﵇ هو الذي أخذ العصا بعدما ردَّها سبع مرات، وأن هذه العصا توارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب ﵇ فكان مكفوفَ البصر فلما مسَّها هداه الله وأكرمه الله بها، وأنه ضَنَّ بها ﵇.
وفي رواية الطبري: أن العصا استودعها ملِك في صورة رجل عند شعيب، وأن الذي أعطى موسى العصا ابنة شعيب، وفي رواية أخرى للطبري: أن العصا هي التي طارت إلى موسى، وليس موسى ولا ابنة شعيب أخذها أو أعطتها له، وهي رواية مقاتل عند الثعلبي في قصصه. وهناك رواية أخرى ثالثة عند الطبري: أن الذي أعطى العصا لموسى هو جبريل، ولا شك أن تناقض هذه الروايات واختلافها يدل على بطلانها.
следующие страницы →