Полный текст (408 стр.). Показаны 386–408 · переход к 391.
стр. 386
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني والعشرون
(أنواع الدخيل في الرأي (٢))
تابع الدخيل عن طريق الفرق المبتدعة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ونثني الآن بذكر نماذج من الدخيل في تفاسيرهم؛ ونظرًا لأن تفاسيرهم فيها كثير من الدخيل، فسنكتفي بأربعة نماذج فقط، مع أن الذي يريد المزيد بإمكانه أن يرجع إلى (تفسير الكشاف) للزمخشري أكبر تفاسيرهم؛ فعلى هامشِهِ نرى العلامة ابن المنير له كتاب (الإنصاف ببيان ما في الكشاف من الاعتزال).
النموذج الأول من الدخيل في تفسير المعتزلة عند قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥) يقولون: العقل كافٍ عن إرسال الرسل. وأما الرسل فإنما جاءوا منبهين للإنسان من غفلته، والإمام الزمخشري في تفسير هذه الآية يقول: فإن قلتَ: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبَهُ الله من الأدلة التي فيها النظر والنظر موصل للمعرفة، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرفوا أنهم رسلُ الله إلا بالنظر فيها.
قال الإمام الزمخشري: الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر، كما يرى علماء أهل العدل والتوحيد -يقصد علماء المعتزلة- مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين، وبيان أحوال التكليف، وتعليم الشرع ... إلى آخره، وتميمًا لإلزام الحجة؛ لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولًا، فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له.
ولا شك أن المعتزلة في هذا المبدأ مخطئون محجوجون بصريح الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ (الإسراء: ١٥).
стр. 387
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥) في ضوء مبدئِهِم الذي يقولون فيه: بأن الجن لا تتسلط على الإنس مطلق ً ا، وأن أقصى شيء يفعلونَهُ هو الوسوسة. يقول الزمخشري: لا يقومون إذا بعثوا من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، أي: المصروع، وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والمس: الجنون، ورجل ممسوس وهو أيضًا من زعماتهم، وأن الجني يمسه فيختلط عقله.
وإنكار ذلك التسلط من المعتزلة مصادم للنصوص الشرعية الصحيحة، من ذلك قوله ﵊: ((إذا استجنح الليل فكفوا صبيان عن الشفا؛ إن الشياطين تنتشروا حينئذ؛ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم)) الحديث في البخاري.
ثالثًا: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٩٣) في ضوء مبدأ المعتزلة عدم العفو على من لم يتب من ذنبه. يقول الزمخشري في هذه الآية: والعجب من قوم -يقصد أهل السنة- يقرءون هذه الآية، ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة وقول ابن عباس: يمنع التوبة، ثم لا تدعهم أطماعهم الفارغة، واتباع هواهم، وما تخيل إليه منامهم أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤) هذا التفسير من المعتزلة تفسير دخيل معارض لصريح القرآن الذي يقول في غير آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨).
النموذج الرابع: في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة ٢٢: ٢٣) الزمخشري يفسر قوله: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ أي: متوقعة؛ فيفسر الرؤية بمعنى التوقع والرجاء. والمعنى:
стр. 388
أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه. يفسر الزمخشري الرؤية لله بمعنى التوقع، وحتى لا تتصادم الآية مع مبدأ المعتزلة في نفي رؤية الله قالوا هذا؛ مع أن الآية صريحة وواضحة في إثبات رؤية اللهِ للمؤمنينَ في الآخرة.
ولذلك يعلق عليه العلامة ابن المنير بقوله: ما أقصر لسانه، أي: لسان الزمخشري عند هذه الآية، فكم له يدندن ويطبل في حجر الرؤية، ويشقق القباء، ويكثر ويتعمق؛ فلما فغرت هذه الآية فاه صنع في مصادمتها بالاستدلال.
هذه نماذج من تفاسير المعتزلة وما أكثرها في تفسير العلامة الزمخشري. ومن أراد المزيد فعليه الرجوع إلى هذا التفسير الذي كشف عوارَهُ الإمام ابن المنير في كتابه (الإنصاف فيما جاء من الاعتزال في تفسير الكشاف).
الدخيل عن طريق الإلحاد
هذا الإلحاد المتعمد في التفسير، ورد عن فِرَقٍ دخلت الإسلام بقصد القضاء عليه، لا حبًّا في الإسلام من هذه الفرق الباطنية. والباطنية اسم يطلق على جماعات متعددة من غلاة الشيعة، كالإسماعيلية، والقرامطة، والخرمية، والرافضة، وإنما أطلق عليهم جميعًا هذا الاسم؛ لاشتراكهم جميعًا في مبدأ التأويل الباطني، وللنصوص الشرعية، وهذه الدعوة ظهرت أولًا في زمن المأمون، وانتشرت في زمان المعتصم، ولها فروع، وتكاثرت هذه الفرقة، ثم نتج عنها فِرَق قاديانية والبابية، والبهائية.
стр. 389
وإذا أردنا أن نبين نشأةَ هذه الفرقة باختصارٍ شديدٍ، نقول: يذكر أصحاب التواريخ: أن دعوة الباطنية بعدما ظهرت أيام المأمون والمعتصم انتشرت، والذين أسسوا هذه الدعوة جماعة منهم: ميمون بن ديصان، المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن الصادق، اجتمعوا كلهم مع ميمون القداح في سجن والي العراق فأسسوا مذاهب الباطنية، ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن، ولما رحل ميمون بن القداح إلى ناحية المغرب، انتسب في هذه الناحية إلى عقيل بن أبي طالب وزعم أنه من نسله، فلما دخل في دعوته قومٌ من الروافض وغلاتهم، والحلولية ادعى منهم من ادعى أنه من أبناء إسماعيل بن جعفر الصادق. وظهرت في دعوته إلى الباطنية حمدان قرمط، بذلك لُقِّبَ لقرمطة في خطه، أو في خطوه، وإليه تنسب القرامطة.
ظهر بعده في الدعوة أبو سعيد الجنابي، وكان من مستجيبي حمدان تغلَّبَ على ناحية البحرين، ثم ظهرت هذه الفتنة بالمغرب على يد سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح وظهرت الفتنة أيضًا بأرض فارس على يد مأمون أخي حمدان قرمط وظهرت بأرض الديلم، وانتشرت هذه الدعوة، ولم تلبس هذه الفرقة حتى انتشرت في كثير من البلاد.
ومن أراد معرفة الخط البياني لها علوًّا وانحطاطًا، وظهورًا وانكماشًا؛ فعليه بكُتُب الفرق ككتاب (الفَرْقُ بين الفِرَق) وكتاب (فضائح الباطنية) وكتاب (تلبيس إبليس) و (مشكاة الأنوار) وغيرها.
لا بد أن نعرف أن هذه الفرقة -فرقة الباطنية- لها صلة وجذور تنتمي إلى المجوس، من يمعن النظر في مبادئها؛ يدرك أن هناك اتصالًا قويًّا بين هذه الفرقة وبين المجوسية؛ فإن دعاة الباطنية أولوا أصول الدين، وأحكام الشريعة تأويلًا
стр. 390
يؤدي في النهاية إلى تفضيل المجوسية، ودفع الشريعة، ونفيها أو جعل الشريعتين المجوسية وشريعة الإسلام في كفتي الميزان متساويتين ... إلى آخره.
الإمام البغدادي يوضح لنا هذه الحقيقة فيقول: إن الذين وضعوا أساس الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى أسلافهم، ولم يجسروا على إظهار ذلك؛ خوفًا من سيوف المسلمين، وتراهم تأولوا آيات القرآن، وسنن النبي ﵊ على وفق أُسُسِهِم.
يقول البغدادي: ثم إن الباطنية لما تأولت أصول الدين على الشرك احتالت أيضًا لتأويل أحكام الشريعة على وجوهٍ تؤدِّي إلى رفع الشريعة كليةً، والذي يدل على أن هذا مرادهم بتأويل الشريعة أنهم أباحوا لأتباعهم نكاح البنات، والأخوات، وأباحوا شرب الخمر وأباحوا جميع اللذات، ولم يقف أمرهم عند هذا، بل خلطوا كلامهم بمعتقدات الفلاسفة الخارجين عن دين الإسلام.
وأيضًا يقول الإمام الشهرستاني: ثم إن الباطنية القديمة خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على هذا المنهج، فقالوا في الباري ﵎: لا نقول هو موجود ولا موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز.
وكان لهم هدف معين من أجله كانوا يعملون، من كلامهم كان البعض يقول: أوصيك بتشكيكِ الناسِ في القرآنِ والتوراةِ والزبور والإنجيل، وكانوا يدعون إلى إبطال الشرائع، وذكر عنهم: أنهم أبطلوا القول بالمعاد، والقول بالعقاب والثواب، وقالوا: إن الجنة هي نعيم الدنيا، وأن العذاب إنما هو اشتغالُ أصحابِ الشرائع بالصلاة والصيام، والحج والجهاد.
وقالوا: إن أهلَ الشرائع يعبدون إلهًا لا يعرفونه، ولا يحصلون منه إلا على اسم بلا جسم، كلام فاسد كثير؛ لو أردنا أن ننظر نظرة عابرة إلى بعض نماذج من
стр. 391
كلامهم الباطل، نراهم أوَّلُوا الوضوء بأنه الإمام، والصلاة عبارة عن الناطق، والهجَّع وهو الرسول النائب عن الإمام، وقالوا: إن الغسل هو تجديد العهد، وقالوا: الزكاة عبارة عن تزكية النفس، والمراد بالكعبة النبي، والمراد بالباب علي، والمراد بالصفا هو النبي، والمروة علي، والجنة راحة الأبدان، والنار مشقة الأبدان، وهكذا كلام لهم باطل.
ولهم في تأويل الآيات كلام غاية في العجب: في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) قالوا هما أبو بكر وعمر، وفي قوله ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ (الزمر: ٦٥) أي: بين أبي بكر وعمر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: المراد هي عائشة. فقالوا: أئمة الكفر قالوا: طلحة، والزبير وأصحابهم، في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (الرحمن: ١٩) قالوا: علي وفاطمة، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (الرحمن: ٢٢) الحسن والحسين، كلام كثير يناقض شرعنا ويبطل شريعتنا ويخرجون به عن الشريعة إلى أباطيلهم الفاسدة. وقالوا: إن الزنا إفشاء سرهم ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: ٩٩) هو التأويل الذي يقولونه، ولهم كلام في هذا، والحقيقة العلماء ردوا على أباطيلهم.
ونرى ابن الجوزي في مناقشة هادئة يقول: هذه التأويلات الرمزية للباطنية كلام باطل، فيقول: إن قلتم عن إمامٍ معصوم مثلًا؛ فما الذي دعاكم إلى قبوله، أو
стр. 392
قبول قوله بلا معجزة، وترك قول محمد ﷺ مع المعجزات؟ ثم ما يؤمنكم أن يكون ما سمع من الإمام المعصوم له باطن غير ظاهر؟
يقولون: إن هذا أسرار وكذا، وإذا قيل: هذه البواطن والتأويلات هل يجب إخفائها أم إظهارها؟ إن قالوا: يجب إظهارها، نقول: لم كتمها محمد ﷺ ؟ وإن قالوا: يجب إخفاؤها، قلنا: ما وجب على الرسول إخفاؤه كيف يحل لكم أنتم إفشاؤه؟! والحقيقة: أنهم عطلوا ظواهر الشرع بما ادعوه من تفاسيرهم، وأبطلوا أصول الدين بكلامهم الباطل هذه وذاك.
من الفرق المتعمدة الإلحاد في التفسير أيضًا: القاديانية: وفرقة القاديانية هذه الجماعة ظهرت على يد مرزا غلام أحمد، الذي ولد عام ١٢٥٢هـ سنة ١٨٣٩م في آخر عهد حكومة سيخ من أسرة نزحت قديمًا من سمرقند، واستوطنت قرية قاديان، وهذه الأسرة تنتمي إلى الترك إلى سلالة مغولية، منهم سلالة تيمورلنك القاديانية ... إلى آخره.
القاديانية من مبادئهم: يدعي صاحبها أن الله سماه نبي. من مبادئهم: تكفير من لا يؤمنُ بمبادئهم. من مبادئهم: مساواة الوحي القادياني بالقرآن الكريم، وليس عندهم لا وحي ولا شيء، إنما هي أوهام وخرافات. من مبادئهم: اعتقاد القادياني في الله والأنبياء والصحابة، اعتقادًا يصل إلى قمة الكفر.
стр. 393
من مبادئهم: النهي عن الصلاة خلف المسلمين أحياءً، ولا يُصَلَّى على المسلمين أمواتًا. من مبادئهم: نسخ فريضة الجهاد. كلام واضح في الإلحاد ضد الإسلام.
وإذا أردنا أن نأخذ بعض نماذج من تحريفاتهم فهذه هي الآية قول الله -جل وعلا-: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ (الصف: ٦) يقولون: إن الآية تبشر بمجيئي، وأن المراد من أحمد هو أنا، أي: غلام أحمد مؤسس هذه الجماعة.
وفي قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (الصف: ١٣) يقولون: إن المراد بها القاديانيون، وليس الصحابة المعروفون، في قوله تعالى: ﴿وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠) في وصف نبينا محمد ﵊ يقولون: ليس المراد أنه آخر النبيين، إنما هو زينة النبيين، واستدلوا على ذلك بقراءات أخر، كلام لا حجة معه، ولا شك أن هذا التفسير مخالف لما جاءت به الأحاديث النبوية الصريحة: بأن نبينا خاتم الأنبياء جميعًا، سواء قُرئت الآية "خَاتَم" أو "خَاتِم" بالقراءتين.
ومن الأحاديث: ما أخرجه الإمام أحمد قول رسول الله ﷺ : ((إن الرسالة قد انقطعت؛ فلا رسول بعدي ولا نبي)) حديث حسن صحيح، وحديث البخاري ومسلم المتفق عليه: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنا بيتًا، فأحسنه، وأجمله إلا موضعَ لبنة من زاويةٍ، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هَلَّا وُضِعَت هذِهِ اللبنة؟ قال: فأنا اللبنَةُ، وأنا خَاتَمُ النبيين)) حديث متفق عليه.
стр. 394
الفرق المنحرفة الأخرى البابية والبهائية: وأيضًا إطلالة سريعة على هذه الفرق، فنجد أن البابية نسبة إلى المؤسس الأول للجماعة الذي كان يلقب بالباب، والبهائية نسبة للمؤسس الثاني؛ حيث كان يلقب ببهاء الله، وهذه النحلة قامت على يد ميرزا علي محمد، الملقب بالباب الذي نشأ في شيراز بجنوب إيران، وأخذ شيئًا من مبادئ العلوم ثم اشتغل بالتجارة، ولما بلغ من العمر الخامسة والعشرين ادعى إنه المهدي المنتظر، وكان إعلانُه بهذه الدعوة سنة ١٢٦٠ هـ فأخذها بالتسليم طائفة من الجهلة، وأرسل بعض هؤلاء الجهال إلى نواحٍ مختلفة من إيران للإعلام بظهوره، ونشر مزاعمه، وأكاذيبه، والبابية والبهائية، وكلام كثير كله من الأباطيل.
لننتقل إلى نماذج من تفاسيرهم: يقول ميرزا علي المسمى بالباب المؤسس لهذه الفرقة يقول في تفسير قوله: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤) المراد من يوسف هو الحسين بن علي، والمراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمد، وبالنجوم أئمة الحق؛ فهم الذين يبكون على يوسف سجدًا.
ونظام البهاء له كلام في الوصية والميراث جاء عنه ما نصه: قرر بهاء الله أن يكون لكل شخص حق في التصرف في أملاكه في حال حياته، بأي طريقة يختارها، وأوجب على كل شخص وصيته يعين فيها كيف يكون تقسيم ميراثه بعد وفاته؛ فإذا توفي شخص بدون وصية، يقسم ما تركه على نسب معينة على سبعة أصناف من الوارث، وهم الأولاد والزوجة أو الزوج والأب والأم والأخوة
стр. 395
والأخوات والمعلمين، هذا كلام عندهم في تعليماتهم التي تخالف تعاليم الإسلام في كثير.
رأي الأزهر حول هذه الفرقة؟
وقد أصدر الأزهر الشريف عدة فتاوى بكفر هذه النحلة البابية والبهائية؛ لاعتناقها المبادئ الضالة التي تنافي أبسطَ قواعد الإسلام؛ فهم ينكرون الجنة والنار ويقولون: إن قصة آدم ليست حقيقة، وإنما هي وهمية، وينكرون في الميراث أشياء صريحة في القرآن الكريم، وكان آخر ما صدر عن الأوساط الدينية في مصر بشأن هذه النحلة هذا التقرير الذي قدمه أمين مجمع البحوث الإسلامية لنيابةِ أمن الدولة العليا بعد القبض على جماعةٍ من هذه الفرقة البابية والبهائية المنحرفة.
جاء في البيان والتقرير: إن جميع الفتاوى التي صدرت من الأزهر من الشيخ الخضر حسين أفتت بتكفير هذه الطائفة، وخروجها عن الدين الإسلامي؛ لما يأتي:
أولًا: للقول بأن محمد رسول الله ليس خاتم الأنبياء، وهذا يخالف صريح القرآن والسنة وما علم من الدين بالضرورة.
ثانيًا: عندهم إنكار ما جاء بالقرآن، بل القول بإلغائه، وهذا كفر صريح.
ثالثًا: البهائية مذهب يحاول صياغةَ الدين من جديد؛ بالخلط بين اليهودية والمسيحية والإسلام؛ لإيهام السذج بأنه الدين الذي يجمع بين جميع الديانات، وهذا مخالف للإسلام ولليهودية والمسيحية.
وعندما ظهرت هذه الدعوة في إيران حاربها العلماء وأعدموا زعيمها بعد محاكمته، وظهور كفره.
стр. 396
خامسًا: اعتبارهم لمدينة حيفا قبلة لهم بدلًا من الكعبة، وهذا كفر وضلال مبين؛ عداوة ظاهرة للقرآن والسنة، وما أجمعت عليه الأمة.
في ختام الكلمة عن هذه الفرقة يلاحظ: أن الباطنية والبهائية يتلاقيان، ويتشابهان في تأويل النصوص بالباطل مع المجوس ومع اليهود؛ ليفسدوا على المسلمين دينهم، فالبهائية امتداد للباطنية وبما اشتركوا فيهِ من المبادئ الهدامة والمعتقدات الفاسدة، وقد ادعى ميرزا علي الملقب بالباب: أنه رسول الله، ووضع كتابًا، وزعم أن ما فيه شريعة منزلة من السماء، وسماه (البيان) وزعم أن شريعته ناسخة للشريعة الإسلامية، وأبطل فرائض الإسلام وحرفها، بهذا يتفق ويتشابه مع ما في الباطنية.
وعندهم أيضًا من يدعي حلول الإله في بعض الأشخاص فالقرامطة قالوا بإلهية محمد بن إسماعيل بن جعفر، وادعوا الحلول، ودعواهم تظهر في مقالاتهم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الباطنية دائمًا مع كل عدوٍّ للمسلمين. والصلة بينهم وثيقة بينهم وبين الصهيونية؛ فقد رأت الصهيونية في البهائية الوسيلة العظمى لتشويه عقيدة الإسلام، بل إن الصهيونية أوَّلَت نصوص التوراة بما يتفق مع هوى البهائية؛ ليشتركوا في عداوتهم للإسلام.
هذا القدر يكفي عن هذه الفرقة.
الدخيل عن طريق التفسير الصوفي
ولننتقل إلى ما تناقلته الصوفية أيضًا.
هناك الدخيل عن طريق التفسير الصوفي:
وخلاصة القول في التفسير الصوفي: إن هذه المعاني الباطنية الباطلة القائمة على دعوى الإلهامات، والمكاشفات لا يمكن لنا بحالٍ من الأحوال أن نقبلها مهما قيل عنها، إلا إذا توفر فيها شرطان أساسيان: موافقة أقوالهم لقوانين الشريعة، وثانيًا: أن تتفق مع قواعد اللغة العربية الصحيحة، وهذا ما قاله الأئمة.
стр. 397
وإلى نماذج عابرة سريعة من شطحات الصوفية في التفسير، ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في تفسيره في فاتحة البقرة قال: ﴿الم﴾ (البقرة: ١) الألف ألف الوحدانية، واللام لام اللطف، والميم ميم الملك.
والمعنى: من وجدني على الحقيقة بإسقاط العلائق والأغراض تلطفت له؛ فأخرجته من رق العبودية إلى الملأ الأعلى، وهو الاتصال بمالك الملك دون الاشتغال بشيء من الملك، وقيل: ﴿الم﴾ الألف أي: أفرد سرك، واللام لَيِّنْ جوارحك لعبادتي، والميم أقم معي بمحوِ رسومك وصفاتك؛ أزينك بصفات الأنس بي والمشاهدة إياي والقرب مني.
نموذج آخر للصوفية: جاء في تفسير بن عربي لقوله تعالى ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (المزمل ٨: ٩). يقول محيي الدين بن عربي صاحب كتاب (تفسير القرآن العظيم) وكله حلول وإلحاد، وكفر صريح، يقول في معنى الآية: واذكر ربك الذي هو أنت، أي: اعرف نفسك، واذكرها ولا تنسها، فينسك الله، واجتهد لتحصيل كمالها بعد معرفة حقيقتها، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، أي: الذي ظهر عليك نوره، فطلع من أفق وجودِكَ بإيجادك، والمغرب الذي اختفى بوجودِك، وغرب نوره فيك، واحتجب بك سبحان الله!!.
نلاحظ أن تفسيره قائم على أساس نظريته في عقيدته القائمة على وحدة الوجود، وكل هذا إلحاد بلا خلاف. تفاسير الصوفية جاءت على مبدأ أيضًا: لكل آية ظهر وبطن، والعلماء تحدثوا في ذلك تحدث الإمام الغزالي في إحيائه والألوسي في تفسيره عن ذلك، واشترط الأخذ بالمعنى الظاهر أولًا، على أن من العلماء من غلبت عليهم ناحيةُ التفسير الباطني، كما فعل سهل التستري، ومنهم من وجه همته كلها للتفسير الباطني، ولم يتعرض للمعاني الظاهرة، كما
стр. 398
فعل أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه، ومحيي الدين بن عربي في كتابه التفسير وفي (فصوص الحكم) وفي (الفتوحات المكية) إلى غير ذلك من الدخيل الذي ذكر عن الصوفية وما أكثره، وهو واضح البطلان؛ لأنه لم يتفق لا مع نص شرعي، ولا مع قواعد اللغة.
الدخيل عن طريق التفسير العلمي
ننتقل بعد ذلك إلى النوع الأخير من الدخيل في التفسير العلمي:
والدخيل عن طريق التفسير العلمي كثر وانتشر في الآونة الأخيرة، فما معنى التفسير العلمي؟ وما المبادئ والحقائق التي ينبغي مراعاتها عند التفسير العلمي؟ وما هي آراء العلماء حول التفسير العلمي؟ ثم نختم بنماذج من التفسير العلمي الدخيل الباطل، الذي يتعارض مع تفسير القرآن الكريم.
أولًا: التفسير العلمي: هو الذي يبين الآيات القرآنية الواردة في شأن الآفاق والأنفس، وانطلقوا من قوله ﵎: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣) انطلق لفيفٌ من العلماء حول المكتشفات العلمية في الآفاق والأنفس؛ فحملوا كثيرًا من الآيات، وفسّروها بمكتشفات العلم الحديث، أولًا: هناك حقائق وقواعد لا بد من مراعاتها عند التفسير العلمي.
أولًا: العلم الذي يدعو إليه الإسلام هو العلم الذي يهدي الإنسان إلى هدايته، وحسن مآله وحسن حاله في في الدنيا والآخرة.
ثانيًا: إن القرآن الكريم أفاض في الحديث عن الكون، ولفت أنظار العلماء إلى آيات القدرة، وآيات الإبداع في هذا الكون التي توصّل إلى توحيدِ اللهِ، توحيد ربوبية وألوهية وأسماء وصفات.
ثالثًا: إن إعجاز القرآن لا يتوقف بحال من الأحوال على موافقة الاكتشافات العلمية الحديثة لبعض آيات القرآن؛ فإعجاز القرآن ثابت بوجوه لا حصر لها من قبل أن
стр. 399
تتبين هذه الاكتشافات العلمية، وإن كنا نرى أن إذا تم اكتشاف حقيقة علمية يقينية ثابتة أشارت إليها الآيات، هذا نوع من الإعجاز، ربما يتلاءم مع العصور التي تكتشفه، وبما أن القرآن هو معجزةُ الله الخالدة الباقية إلى قيام الساعة؛ فإنه قد حوى أنواعًا من الإعجاز تناسب كل العصور وكل البلاد إلى قيام الساعة.
رابعًا: يستحيل أن توجد حقيقةٌ علميةٌ ثابتةٌ يقينيةٌ تتناقض مع القرآن الكريم؛ لأن خالق الكون هو الله، ومنزل القرآن هو الله فمحال أن يتناقض هذا مع ذاك.
خامسًا: القرآن غني عن العلوم الحديثة للتدليل على صحته، بينما العلوم الحديثة هي التي تحتاج للتدليل على صحتها؛ وبالتالي ليس من العدل أن نحاكم ما يأتي في الاكتشافات العلمية- نحاكم قول الله إلى أقوال الناس.
سادسًا: الحقيقة العلمية شيء، والتعسف في تفسير القرآن بها وحمله عليها شيء آخر، فليس ضروريًّا أن نحملَ كُلَّ حقيقة علمية، ونتكلف أن نحمل النص عليها، ونؤوله بها، أو نلوي عنق الآيات، والعبارات لَيًّا؛ لنقول: إن القرآن قد سبق العلم الحديث.
سابعًا: يجب علينا أن ننظرَ إلى القرآن على أن كل ما فيه حقائق، فَمَا وافقه من الاكتشافات الحديثة على وجه القطع واليقين قبلناه، وإلا فإن النظريات تخضع للتجربة والتمحيص، وقد تصدق اليوم وتنتفي غدًا؛ فالقرآن هو كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثامنًا: يجب مراعاة معاني المفردات على النحو الذي كان مستعملًا في أثناء نزولِ القرآنِ، والحظر مما طرأ عليها من تطور بعد القرون الأولى.
تاسعًا: لا يجوز لَنَا أن نعدل عن حقيقة اللفظ القرآني، وإن اتجه إلى معنى مجازيٍّ إلا إذا كان هناك قرائن، وعلامات توجب ذلك.
стр. 400
عاشرًا: يجب مراعاة الأساليب البلاغية في القرآن ودلالاتها.
حادي عشر: عدم قصر اللفظ على معنى واحد وردُّ بقية المعاني الصحيحة الأخرى من غير مرجح.
أخيرًا: يجب الجمع بين كل آيات القرآن التي تتحدث في الموضوع الواحد، ولا نستطيع الجزم بأن ما يقال عنه حقيقة علمية ستظل إلى الأبد هكذا، فكثير مما يكتشفه العلماء، ويقولون: إنه حقائق علمية، وتبقى فترةً طويلةً- يأتي ما ينقُضَها، ويزلزل أركانها فيما بعد.
وعليه فينبغي أن نعلم أن الحقائق البشرية غير قاطعة أما الحقائق الإلهية القرآنية فهي قاطعة ونهائية.
قبل أن ننتقل إلى نماذج من الدخيل في التفسير العلمي نعرّج على آراء العلماء في التفسير العلمي، فماذا قال العلماء، أو ما رأي أكثرهم؟
نقول: لقد اختلف العلماء في التفسير العلمي منذ القرون الأولى، ويرجع في تاريخ المسلمين إلى العصر العباسي، ومن أبرز وأنشط من روّج لهذا الإمام أبو حامد الغزالي ﵀، ثم نمى هذا الاتجاه على مر الأيام بالفخر الرازي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وابن أبي الفضل المرسي، وجلال الدين السيوطي، ولكن هذا الاتجاه لقي معارضةً قويةً من آخرين.
وعلى هذا، فإننا نقول: إن هذِهِ النزعةَ التفسيرية، كما وجدنَا لها أنصارًا ومؤيدين؛ فقد وجدنا لها أيضًا منكرينَ ومعارضين؛ فمن أبرز الزعماء لكل فريق؟ أبو حامد الغزالي، كان من أبرز الذين أيدوا هذا بصورةٍ لم يُسْبَق إليها، وفي كتابيه (إحياء علوم الدين) و (جواهر القرآن) ذكر الكثير؛ خصص في (الإحياء) الباب الرابع من أبواب آداب تلاوة
стр. 401
القرآن في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقلٍ. وذهب إلى القول: بأن القرآن فيه إشارة إلى مجامع العلوم التي لا نهاية لها، حتى قال: لكل آية ستون ألف فهم، وما بقي في فهمها أكثر.
وقال آخرون: القرآن يحوي سبع وسبعين ألف علم ومائتي علم؛ إذ كل كلمة فيها علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف؛ لأن كل كلمة لها ظاهر وباطن، وحد ومطلع، وأما في كتابه (جواهر القرآن) المتأخر عن (الإحياء) فجعل فيه الفصل الرابع والخامس عن كل العلوم الدينية والدنيوية، كالطب، والنجوم، والهيئة، والتشريح، والطلسمات وغير ذلك، وقال: تفكر في القرآن والتمس غرائبه؛ ليتصادف فيه مجامع علم الأولين، والآخرين.
غير الإمام الغزالي نرى الإمام الرازي؛ فرفع الراية عالية، ولم يترك آية تتحدث عن السموات والأرض، والبحار والأنهار، والجبال، وكل آيات الآفاق والأنفس إلا أعمل فيها عقلَهُ وفسرها بما وصل إليه العلم في عصرِه، وجاء الإمام الزركشي في (البرهان) والسيوطي في (الإتقان) وتأثروا بالغزالي، ونقلوا عباراته: أن القرآن يحتوي على سبعة وسبعين ألف علم، والكلمة لها ظاهر وباطن، وحد ومطلع ... إلى آخره؛ ثم نقل الإمام السيوطي عن أبي الفضل المرسي، وعن القاضي أبي بكر ابن العربي كثيرًا من ذلك.
وجاء بعد هذا العصرِ العصرُ الحديث باكتشافات، ومعرفة أسرار الكون، ووجدوا أسرارًا تحدثوا عنها من هؤلاء الإمام القاسمي في تفسيره والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محمد عبد الله دراز، والشيخ محمد متولي الشعراوي تحدثوا عن كثيرٍ من الاكتشافات العلمية، وربطوا بينها وبين آياتِ القرآنِ الكريمِ، وبين ما اكتشفَهُ العلم، وبين الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
стр. 402
الشيخ محمد عبد الله دراز له كتاب (مدخل إلى القرآن الكريم) ذكر وجوهَ إعجازٍ كثيرة أيد بها الآيات، والشيخ شعراوي له كتاب (معجزة القرآن) وخاصة تكلم عن الإعجاز العلمي، وذكر أن عطاء القرآنِ متجددٌ، وفيه من الإعجاز ما يشبِعُ كُلَّ الأجيال عبر القرون، وأن آيات الإعجاز على مدى الزمان متجددة مع الهدايات القرآنية الدائمة إلى قيام الدين، وأيضًا نرى هناك الشيخ طنطاوي جوهري وله تفسيره المعروف في هذا الشأن تفسير للقرآن كامل.
وجاء كذلك دكتور محمد الغمراوي، وله: (الإسلام في عصر العلم) والأستاذ حنفي أحمد له (التفسير العلمي للآيات الكونية) والدكتور عبد العزيز إسماعيل له: (الإسلام والطب الحديث) والدكتور عبد الرازق نوفل له: (الإعجاز العددي) ولهم كلامٌ كثير في هذا المعنى.
ويقولون: إن آيات الفرائض آيات الفقه والعبادات معدودة؛ فإذا كانت سبعمائة آية عن الكون، فيها عجائب الدنيا في القرآن، أما تستحق أن تكون لها دراسات عظيمة لإعجاز القرآن ... إلى آخره.
أما في المقابل؛ فنجدُ نجد هناك جبهةً معارضةً، هناك المعارضون لهذا الاتجاه، وأكثرهم ممن تخصص في العلوم الشرعية أو الأدبية على رأسهم: الإمام الشاطبي، والشيخ محمود شلتوت، والأستاذ عباس العقاد، والدكتور محمد حسين الذهبي، والأستاذ أمين الخولي في بعض كتبه.
ونرى الإمام الشاطبي في (الموافقات) والشيخ شلتوت في تفسيره للقرآن، وعباس العقاد في كتابه (الفلسفة القرآنية) تحدث عن العلم والقرآن، وأكثروا بعناوين ذكروها: إنكار التفسير العلمي، وذكروا: أن القرآن كتاب هداية، وليس بنظريات الهندسة، أو الطب، أو النجوم، ونحن نقرأ القرآن يدعو إلى العلم،
стр. 403
وهو العلم الذي يهدي البشر إلى الله ﵎، والأصل في قولهم: أن القرآن عقيدة وشريعة وهداية، إلا أن الله نشر فيه إشاراتٍ علمية تتضح للناس في كل زمان ومكان؛ لقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ إلى آخره.
ولنعد إلى نماذج عابرة على وجه السرعة فيما دخل التفسير من الدخيل في التفسير العلمي:
جاء في قوله تعالى ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (سبأ: ٥٣) قال دكتور صلاح الدين خطاب: يقذفُونَ بالغيب هي: المسرة التليفون، والهاتف، والتلغراف، والتليفزيون، والراديو، يعني: يريد أن يقول: إن القرآن تنبَّأَ بوجود هذه الاختراعات الحديثة؛ مع أن التفسير الصحيح للآية، كما قال قتادة والصحابة والتابعون: أن الكفار يرجمون بالظن؛ لا بعث، ولا جنة، ولا نار، والقرآن يرد عليهم هذه الأكاذيب.
مثال آخر: هو قوله ﵎: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ (الأنعام: ٦٥). يقول صاحب كتاب (الجانب العلمي في القرآن) الدكتور صلاح الدين خطاب: إن العذاب الذي وضعته الآية من فوقكم ينطبق على القنابل النازلة من الطائرات، ومن فوق الرءوس، ومن الأعالي، وأما العذاب من تحت الأرجل؛ فإشارة إلى الألغام والغواصات التي تنصب في الأرض، أو في البحر، فيمر عليها من مراد إهلاكه فتنفجر تحت رجله أو سيارته فتسبب له الهلاك.
ونحن نتساءل من أتى بهذه الأمور؟ وهل قدرة البشر تساوي قدرة الله ألم يقرأ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت﴾ (الحج ١: ٢) الآيات ... إلى آخره.
стр. 404
وأيضًا يقولون في مثال ثالث في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (يونس: ٢٤). يقول: هذا إشارة إلى صنع القنابل الذرية التي تخرِّبُ العالم. وعجبًا لهذا الكلام!! فالقرآن الكريم أعم، وأعظم، وأكبر من تفسيراتهم المحدودة في مثل هذا القول.
وننتقل إلى نماذج أخرى نختتم بها ما دخل كتب التفسير من الدخيل من التفسير العلمي:
فهناك أيضًا الحقائق العلمية التي بهرت كثيرًا من الناس؛ فنسبوا إليها هذه الخرافات نسبوها إلى الآيات، بعض العلماء بُهِرَ بالاكتشافات العلمية، فراحوا يتكلمون ويربطون بينها وبين آيات القرآن الكريم، حتى نسبوا خرافاتٍ علمية إلى الإسلام، وشككوا بذلك في عصمة النبي ﵊ وهو ما ينطق عن الهوى، بحجة العلم والمعرفة، ولو أن المرويات صحت أسانيدها ربما كان للمتمسكين بها بعض العذر، أما وهي ضعيفة السند، فلا قدر لها.
والشيخ أبو شهبة صاحب كتاب (الإسرائيليات والموضوعات في التفسير) يقول: وأحب أن أقول: إن معظم هذا الذي يروى في الأمور الكونية تخالف مخالفة ظاهرة المقررات والحقائق العلمية التي أصبحت في حكم البدهيات والمسلمات، ككروية الأرض ودورانها، وحدوث الخسوف والكسوف، ونحو ذلك، وهذا كلام قالوه يتناقض مع الحقائق.
ذكروا لكسوف الشمس، وخسوف القمر أشياء كثيرة منها ما هو صحيح، ومنها ما ليس كذلك، لكن نسبة ذلك إلى كتب التفسير والقرآن هذا كلام يحتاج إلى مراجعة، وهناك لا يزال البعض في عصرنا ينكر كروية الأرض ودورانها، وأسباب حدوث هذه الظواهر، ويتكلمون عن الخسوف، والكسوف، والرعد
стр. 405
والبرق والصواعق، وقانون الجاذبية ونحو ذلك مما لا يقبل عقلًا، لهم أيضًا كلام في عمر الدنيا، ذكروا في عمر الدنيا أنه سبعة آلاف سنة؛ وأن النبي محمد بعث في آخر السادسة، وحكم ابن الجوزي على كلامهم هذا بأنه كلام موضوع، لا يُقبل.
تحدثوا عن خلق الشمس والقمر، ورووا كلامًا في خلق الشمس والقمر، والخسوف والكسوف لا يتسع المقام لذكره تفصيلًا.
وابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهم، وابن الجوزي حكموا على ما يروى من كلامهم في هذا بأنها أحاديث باطلة.
وأيضًا هناك أحاديث في أن الله وكل بالشمس تسعة أملاك ويرمونها بالثلج كل يوم، ولولا ذلك ما أتت الشمس على شيء إلا أحرقته كلام وأحاديث ضعيفة، لم تصح.
أوردوا أيضًا كلامًا عن كسوف الشمس وخسوف القمر، وأن أنوارهما موكلٌ بها أملاك، كلام لا يصح ولا يقبل، فرووا أن سئل ابن عباس عن المد والجذر؟ فقال: إن ملكًا موكلًا بناموس البحر؛ فإذا وضع رجله فاضت البحار، وإذا رفعها غاضت البحار، ينسبون المد والجذر إلى هذه الأحاديث الموضوعة التي لا تصح.
والحق: أن الإمام الذهبي حكم ببطلان هذه الأخبار، وأنها أحاديث غير صحيحة، بل قال شيخنا الشيخ أبو شهبة: إنما هناك من وضع الزنادقة أحاديث، وأكاذيب نسبوها إلى الرسول، تتعلق بالكونيات والفلكيات، وأسباب الكائنات، وكل ذلك من الأباطيل التي ذكروها.
стр. 406
ما يتعلق بالرعد والبرق: أيضًا معظم كتب التفاسير، ذكرت أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب، وأن الصوت المسموع هو صوت زجره للسحاب، أو صوت تسبيحه، وأن البرق أثر من المخراق الذي يزجر به السحاب، أو لهب ينبعث منه، وأن الله في قوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه﴾ (الرعد: ١٣) يقولون: إن الفلاسفة ذكروا الرعد والبرق، وأنه هذا صوت الملك، أو صوت كذا أو ضحك أو كذا، هذا كلام ساقوه، وذكره أكثر المفسرين في تفسير ظاهرة الرعد، والبرق، وكلام لا يتوافق مع الحق.
ومن العلماء من قال: إن تسبيح الرعد بلسان الحال لا بلسان المقال؛ حيث شبّه دلالة الرعد على قدرة الله وعظمته، وتنزيه الله عن الشريك والعجز بالتسبيح والتنزيه، واستعار لفظ يسبح كلام ذكره المفسرون. والعلامة الألوسي قال: والذي اختاره أكثر المحدثين أن الإسناد حقيقي، الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب: "واليهود لما سألوا رسول الله، أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، بيده مخراق من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله تعالى، قالوا: فما ذلك الصوت الذي نسمعه؟ قال: صوته" وهذا الحديث إن صح يمكن حمله على التمثيل، ولا يطمئن إليه القلب، كما يقول الشيخ أبو شهبة: ولا يكاد يصدق عن المعصوم ﷺ ، بل جعله من الإسرائيليات.
على كل حال، من الحق أن نقول أن بعض المفسرين كانت لهم محاولات على ما كان من العلم من الظواهر في عصرهم، كتفسير الرعد والبرق، تكلم ابن عطية وغير ابن عطية، والألوسي وغيرهم، والحقيقة في هذه الظواهر الكونية: ما ينبغي أن يحمل القرآن إلا على الحق.
стр. 407
نختم بما كان يقوله رسول الله ﷺ عند سماع الرعد والبرق: عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: ((اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وقال: إذا سمعتم الرعد فسبحوا، ولا تكبروا، وكان يقول إذا سمع الرعد: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) يقول الشيخ أبو شهبة: فهذا هو اللائق برسول الله وبعصمته.
أما ما نقل أن الرعد ملك، أو صوته زجره للسحاب، وأن البرق أثر صوته- فلم يعتمد هو هذا الكلام، ولنا كلام في الرياح والكهرباء الجوية، وحدوث الرعد، والبرق، والصواعق، ذُكِرَ في كتب كثيرة لا يتسع المقام لذكر ذلك تفصيلًا.
ونختم بكلمات موجزة: هكذا نرى كثيرًا من أعداء الإسلام، يحرصون على أن يظهروا دين الإسلام بمظهر الدين الباطل الذي يشتمل على الخرافات والأباطيل، وذلك من خلال تفسير القرآن؛ لأنهم لم يصلوا إلى النص القرآني، بعد أن عجزوا أن يلحقوا بالقرآن ذاته شيء من الأباطيل لجئوا إلى التفسير، فدسوا سمومهم حول القرآن في تفسيره؛ مما يخالفُ حقائق العلم، وسنن الله في الكون، أو ما يصادم العقل والمنطق، ومؤلفو هذا الكلام هم أناس أرادوا عداوة الإسلام، أوردوا في عمر الدنيا من الإسرائيليات أن عمرها سبعة ألاف سنة، وهذا يتناقض؛ لأن معرفة قيام الساعة مفوض إلى علم الله وحده ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأعراف: ١٨٧).
стр. 408
وذكروا في ظواهر الرعد والبرق، والخسوف والكسوف، وقاف ونون، والكلام الذي مر ذكره تفصيلًا، وقد حمل كبر هذا الإثم القساوسة والمستشرقون؛ حيث وجدوا في هذه الأباطيل ما يشفي حقدهم على الإسلام والمسلمين.
وهجموا على السنة، وفي سبيل إرضاء صليبيتهم الموروثة يصححون الأحاديث الموضوعة، ويحكمون بوضع كثير من الأحاديث الصحيحة، وربما يتبعهم بعضُ علماء المسلمين المثقفين؛ فينقلون كلامهم عن حسن ظن، أو عدم علم، ويتوهمون إذا نقل الكلام هذا عن علماء الإسلام أنه حق؛ فيقع كثير من المقلدين في خطر هذا الذي ينقل عن المستشرقين، وعن أعداء الإسلام.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.