Полный текст (408 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ومع ما ذكرنا من قول المحققين في القصة؛ فالإمام ابن حجر حكمت الصنعة والقواعد الاصطلاحية عليه؛ فقال: القصة سندها صحيح، وجعل لها أصلًا هكذا قال في (الفتح) ولكن الحق: إن كان سندها صح في بعض الروايات؛ فالمتن لا محالة يخالف العقل والنقل، فإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما فيها على احتمال ما يقول ابن حجر؛ لأن فيها ما يستنكر، وهو قولهم: إن الشيطان ألقى على لسان النبي تلك الغرانيق العلا؛ فهذا لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يرد على لسانه لفظٌ أو حرف أو يزيد في القرآن شيئًا ليس منه لا عمدًا ولا سهوًا؛ لأن ذلك يخالف العصمة، والنبي ﵊ كان يرتل القرآن ترتيلًا؛ فهذا الكلام الذي ذهب إليه البعض كلامٌُ غير صحيح والقصة مختلقة، ومردود عليها، ولم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح.
من هنا نستطيع أن نقول: فما معني الآية إذًا: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (الحج: ٥٢) فالإجابة: ذكر العلماء الأئمة في تفسيرها وجهين؛ الأول: أن التمني بمعني القراءة، ورد في (صحيح البخاري) تعليقًا إلا أنه جعله مرجوحًا لا راجحًًا، وهو تفسير التمني بالتشهي وبالقراءة؛ إلا أن الإلقاء لا بالمعنى الذي ذكره هؤلاء المبطلون بل بمعني إلقاء الأباطيل والشبه، مما يحتمله الكلام؛ فالشيطان يلقي الأباطيل والشبه، ولا يكون مرادا للمتكلم، ولا يحتمله، ولكن يُدَّعَي أن ذلك يؤدي إليه، ونسبة الإلقاء إلى الشيطان حينئذ؛ لأنه يثير الشبهات بالوساوس والعراقيل؛ فيكون المعني: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حَدث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل الله فيه هداية لهم قام في وجهه مشاغبون معارضون يتقوَّلُونَ عليه ما لم يَقُلْهُ، ويحرِّفُون الكَلِمَ عن مواضعِهِ، وينشرون ذلك بين الناس، ولا يزال الأنبياء يجاهدونهم ويجاهدون في سيبل الحق حتى ينتصر؛ فينسخُ الله ما يلقي الشيطان
стр. 352
من شبه، ويثبت الحق ويقويه، وقد وضع الله هذه السنة في الخلق؛ ليتميز الخبيثُ من الطيب؛ فيفتتن ضعفاءُ الإيمان الذين في قلوبهم مرض، ثم يمحص الله الحق ويظهره، ويقبله من أراد الله له الهداية، وهم الذين أوتوا العلم؛ فيعلمون أنه الحق من ربهم، وتخبت له قلوبهم.
ثانيًا: أن المراد به -بالتمني- تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما كان ويكون، والأمنية من هذا المعني كأن المعني: وما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومه إلى هدًى جديدًا وشرعًا سابقًا إلا وغاية مقصودِة وجل أمانيه أن يؤمن قومه، وأن يصدقوا بالهداية التي جاء بها، وكان نبينا ﷺ من ذلك في المقام الأعلى؛ فكان شديد الحرص على إيمان قومه، وكان إذا أعرضوا عنه حزن فقال له ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: ٦) ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣) ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ (يس: ٧٦) مثل هذه الآيات تبين أن النبي كان يريد هدايتهم، والمعني: وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمني هذه الأمنية السامية، وهي هداية قومه ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس؛ فثاروا في وجهه، وجادلوه بالسلاح حين وبالقول حين آخر، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها ونالوا منه، وهو قليل الأتباع ظنوا أن الحق في جانبهم، وقد يستدرجهم الله جريًا على سنته يجعل الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالا؛ فينخدع بذلك الذين في قلوبهم شك ونفاق، ولكن سرعان ما يمحو الله ما ألقاه الشيطان من الشبهات، ويزيل العراقيل، وينشئ من ضعفِ أنصار الآيات قوة ويبدلهم من ذلهم عزة، وتكون في النهاية كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؛ ليعلم الذين أوتوا العلم أن ما جاء به الرسل هو الحق؛ فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط
стр. 353
مستقيم. نعود بعد ذلك إلى الشبهات التي أثارها بعض الزنادقة، وبعض المعادين للإسلام حول قصة السيدة زينب بنت حجش ﵂ وقد سبق الكلام فيها، وفي هذه القصة وتفنيد أقوالهم، لكن لا مانع من تكمله الردود في هذا الأمر؛ ليتضح الموقف، ونكون على بينةٍ من هذا الأمر؛ فالآية التي في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧).
روى المبطلون كلامًا كثيرًا سبق ذكره: أن الرسول ﵊ ذهب إلى بيتِ زيدٍ في غيبته، فرأى زينب، والريح كشفت عن ستر بيتها فرآها في حسنها؛ فوقع حبها في قلبه؛ من هذا الكلام الخبيث الذي ذكره المبطلون، ونحن نعلم أنه لمَّا حضر زيد أخبرته بكلامِ رسول الله، فذهب زيد وقال: بلغني أنك أتيت منزلي فهلَّا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها، هذا كلام أورده بعض المفسرين، قال له الرسول ﵊: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ فنزلت الآية.
يبقي لنا ما هو الشيء الذي عاتبه ربه فيه وهو قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ الرسول ﵊ هو الذي زوجها لزيد بن حارثة مولاه، وكانت معلومة يعرفها رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فلما تزوجها زيد كرهت ذلك، ثم رضيت بما صنعَ رسول الله وأمره فزوجها إياه، ثم أعلم الله رسوله بعد أن تزوجها زيد بأن زينب ستكون من أزواجه؛ فكان يستحي أن يعلن الرسول ﷺ ذلك.
فلما حدث بين سيدنا زيد وزوجه بعض الأمور، وأشتكي إلى رسول الله ﷺ أمره الرسول أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشي رسول الله أن
стр. 354
يعيب عليه الناس ويقولوا: تزوج محمد امرأة ابنه، وكان قد تبني زيدًا، وهذا هو السبب الصحيح في هذه الرواية.
وابن أبي حاتم والطبري رووا بسندهم قالوا: أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها، قال له النبي: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال الله: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مُبديه؛ فالذي أخفاه النبي ﵊ هو أن الله أخبره بأنها ستكون من زوجاته، وخشي النبي أن العرب يلومون هذا التصرف؛ لأن العرب كانوا من عادتهم التبني، وكانت العرب تلحق الابن المتبنى بالعصبي، وتجري عليه حقوقه في الميراث، وتحرم زوجته على الوالد أو الأب الذي تبناه، وكانت تلك العادة متأصلة في نفوسهم.
فلما أخبر الله رسوله بذلك، وأن الله سيزوج رسوله منها؛ خشي النبي لومَ العرب وعتابهم، فيما ألفوها وتعودوه، وأن الإسلام سيقضي على حرمه زوجة الابن المتبنى، وسيقضي بأن زوجه الابن المتبني ليست كزوجة الابن العصبي، وبينت الآيات القرآنية أن ذلك: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨).
فواضح في هذه الآيات: أن زواجَ رسول الله من السيدة زينب كان بأمرٍ من الله، وأن الله أراد يبطل ما تعود عليه العرب من حرمه زوجة المتبني، فلما قضي الله ذلك أتم أمره، وأظهر هذا الأمر، وكان جبريل قد أخبر النبي ﷺ بأن زينب ستكون زوجة له، وسيبطل الله بزواجه منها عادة العرب، ولكن النبي وجد غضاضةً على نفسه أن يأمر زيدا بطلاقِهَا، فتشيع المقالة بين الناس أن محمدًا تزوج حليلة ابنه، وبذلك يصير عرضةً للقيل والقال من أعدائه، وهو في دعوته لدين
стр. 355
الله أحوج إلى تأييد المؤيدين، فهذا المقدار من خشية الناس حتى أخفى ما أخبره الله به، وهو نكاحها، وهو ما عاتبه الله عليه.
وقد صرح الله في القرآن في كلامه بالسبب الباعث على هذا الزواج فقال: ﴿لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ هذا هو التفسير الذي يتفق مع الحق والواقع، أما المستشرقون والمبشرون وأعداء الإسلام فقد نسجوا من تلك الروايات الباطلة المختلقة الواهية ثوبًا من الكذب والخيال؛ طعنًا في الدين، وطعنًا في رسولنا محمد ﷺ .
هيا بنا ننتقل إلى بعض الأسباب التي وردت؛ وهي ضعيفة؛ لنستكمل بذلك الموضوعات في أسباب النزول:
هناك أيضًا في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان: ٨، ٩) أورد غالب المفسرين في سبب نزول هذه الآية روايات عن سيدنا علي وعن الحسن والحسين؛ فقد روي عن ابن عباس: أن الحسن والحسين مرضا؛ فعادهما جدهما رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، وعادهما من عادهما من الصحابة، جاءوا لزيارتهم فقالوا لعلي ﵁ لو نذرت على ولديك؛ أي: تقدم نذرًا فنذر عليٌ وفاطمة وفضلة جاريةٌ كانت لهما، نذروا إن برآ -يعني: إن شفاهما الله أن يصوموا ثلاثة أيام شكرًا لله، فألبس الله الغلامين ثوب العافية، فاستقرض سيدنا عليًّا ثلاثة آصع؛ أي: قدرًا من الطحين، أو من القمح، استعار ذلك من رجل يهودي شمعون الخيبري، فجاء بها فقامت السيدة فاطمة إلى صاع فطحنته، وخبزت منه خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم؛ ليفطرُوا فوقف بالباب سائل؛ السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا شيئًا من الطعام.
وفي اليوم الثاني جاء يتيم فأعطوه الأقراص الخمسة كذلك، وفي اليوم الثالث جاء أسيرٌ فعل مثل الأولين، وبات عليٌ وفاطمة من غير طعام، هكذا ورد الكلام،
стр. 356
واشتمل الخبرُ على شعر قيل في هذا الشأن ركيك، ثم هبط جبريل على النبي ﷺ فقال: خذها يا محمد فأقرأه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنسان: ١) إلى قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾.
وقد أخرج هذا الخبر معظم المفسرين ويكادوا لم يسلم تفسير منهم حتى إن الحافظ السيوطي ذكره في (الدر) مع أنه وافق على ضعفه في (اللآلئ).
وقد نبه على وضعه الحكيم الترمذي في كتابه (نوادر الأصول) في الأصل الرابع والأربعين، حيث قال: ومن الحديث الذي تنكره قلوب المحقين؛ فذكر هذه القصة، وقال: هذا حديث مذوق، وانظر كذلك (تخريج حديث الكشاف) للحافظ الزيلعي، وانظر (الموضوعات) لابن الجوزي؛ كل هؤلاء ذكروا أنه موضوع.
والحافظ ابن الجوزي ذكره، وابن حجر في كتاب (التخريج) حيث تعقب هذا الحديث في (الكشاف) وقال: أخرجه الثعلبي عن ابن عباس من رواية الكلبي، وقال: إن آثار الوضع لائحةٌ عليه لفظًًا ومعنى؛ فبناء سيدنا عليٌ بالسيدة فاطمة، كان بالمدينة في السنة الثانية مع أن هذه السورة مكية؛ السورة مكية، وسيدنا عليٌ ما تزوج فاطمة إلا في المدينة، ثم أنجب فيما بعد -بعد ذلك بسنوات- فواضح أن هذه القصة فيها كذبً ُواضح، وبطلان صريح.
والسورة مكية كما روي عن ابن عباس والجمهور: فليس من المعقول أن يكون هذا هو السبب. ومن العجيب: أن الإمام الألوسي قد حاول إثبات الخبر؛ بالخلاف في مكية السورة ومدنيتها، وبأن ابن الجوزي متساهل في الحكم بالوضع، ومعظم التفاسير ذكرت هذا السبب؛ لأن الحكمَ بوضعِه يخفى إلا على الحافظ الناقد البصير.
стр. 357
هناك أسباب كثيرة؛ عندنا أيضًا: ما أورده البعض من حديث: "أنا ابن الذبيحين" ذكر الإمام الزمخشري في كشافه وتبعه النسفي في تفسيره وغيرهما عند قوله تعالي: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظر مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: ١٠٢) هذه الآيات ذكروا في الاستدلال على أن الذبيح إسماعيل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا ابن الذبيحين" يعني: جده الأعلى إسماعيل، وأباه عبد الله بن عبد المطلب، وهذا الحديث لا يثبت عند المحدثين، قال الإمامان الزيلعي، وابن حجر في (تخريج أحاديث الكشاف) لم نجد هذا الحديث بهذا اللفظ، وقال الحافظ العراقي: إنه لم يقف عليه، ولا يعرف بهذا اللفظ.
وأما حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ طالبًا العطاء، فقال فيما قال: فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه. فهو حديث حسن بل صححه الحاكم، وقد ورد من طرق عدة يقوي بعضه بعضًا.
أما حديث: "أنا ابن الذبيحين" فهذا لم يثبت.
انظر إلى بعض الأقوال الشيعية ذكر بعض المفسرين كابن جرير والسيوطي في (الدر المنثور) ومفسرو الشيعة في تفاسيرهم عند قوله -جل وعلا-: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧) فسره المنذر بالنبي ﷺ والهادي بأنه عليٌ ﵁ وجمهور المفسرين سلفًا وخلفًا على أن المنذر والهادي، هو رسول الله ﷺ .
وكذلك ما روي عند تفسير قوله تعالي: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٢) قالوا: إن المراد بها أُذن عليٍّ، فقد رووا: أن النبي ﷺ لما نزلت الآية أخذ بأذن عليٌ،
стр. 358
وقال: "هي أذنك يا عليٌ". وفي رواية: "اللهم اجعلها أٌذن عليٌ" وهذا كلامٌ موضوعٌ، فالحديثان موضوعان، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره من الأئمة.
هناك أيضًا ما ينشر وما يشتهر من قولهم: "المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء" ذكر الزمخشري في كشافه وتابعه النسفي في تفسيره قوله تعالي: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ٣١) وذكروا روايات: يحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعليٌ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان؛ علم الأديان، وعلم الأبدان، فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه، فقال: وما هي؟ قال: هي قوله تعالي: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب؟ فقال: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة، فقال: وما هي؟ قال: في قوله ﷺ : "المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء"، الحمية معروفة وهيالتقليل من الطعام والامتناع منه، والبعض يعتقد أن الحمية هي ما كان من الكي.
على كل حال: الحديث الذي أوردوه: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأعْطِي كلَّ بدنٍ ما عودتَهُ"، فقال النصراني: ما ترك كتابكم، ولا نبيكم لجالينوس طبًّا" ويقول شيخنا الشيخ أبو شهبة معلقًا على هذا وناقلًا وناقدًا، يقول: لئن أصاب في الآية بأن الآية فيها طب وحكمة؛ فقد أخطأ في ذكره الحديث؛ يعني: الآية فعلًا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ ما شاء الله فيها الطب، وفيها الحكمة، أما إيرادهم للحديث: فقد أخطئوا؛ فليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من كلام بعض أطباء العرب؛ هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب.
стр. 359
فنسبة الحديث إلى النبي ﷺ كذبٌ واختلاق؛ لأن الرسول لم يقله، نعم هناك من قول النبي ما هو أعظم، وما هو أدق، وأوفى من هذا؛ وهو قوله ﵊: ((ما ملأ ابنُ أدم وعاءً شرًًّا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلاتُ -أي: لقيمات- يقمن صلبه؛ فإن كان ولا بد؛ فثلث لطعامِهِ، وثلثٌ لشرابه، وثلث لنفسه)) رواه الترمذي، قال: حديث حسن.
وقد كان الإمام البيضاوي على حق عندما ذكر القصة التي ذكرها الزمخشري، ولكنه اكتفى بالبيان عن الآية، ولم يذكر الحديث؛ فقد علمتَ أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ .
بعض القراءات الموضوعة
هناك كتب التفسير (الزمخشري) و (النسفي) أورد بعض القراءات الشاذة التي تنسب إلى الإمام أبي حنيفة، وقد بين ذلك الإمام الخطيب في تاريخه، والإمام الذهبي في (طبقات القراء) وابن الجزري في (الطبقات) والذي وضع هذه القراءات، هو محمد بن جعفر الخزاعي المتوفى سنة سبع وأربعمائة، ونقلها عنه أبو القاسم الهُزلي.
قال الذهبي في (الميزان) في ترجمة محمد بن جعفر الخزاعي هذا؛ أنه ألف كتابًا في قراءة الإمام أبي حنيفة، فوضع الدارقطني خطه عليه بأن هذا موضوع، لا أصل له، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) برفع لفظ الجلالة، ونصب لفظ العلماء كأنه قرأ: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ" وطبعًا هذا كلام غير صحيح، وإذا كانت موضوعة؛ فلا حاجة للتكلف بتصحيح معناها، كما فعل الزمخشري في ت فسيره -والله أعلم.
стр. 360
التفسير بالرأي
ولننتقل إلى التفسير بالرأي حتى ننطلق بعد ذلك إلى بيان أقسام الدخيل في الرأي وأنواعه وألوانه، وقبل أن نبدأ الحديث عن تفاسير الفرق المبتدعة، وما يتفرع على التفسير بالرأي، نَمُرُّ بإيجاز سريع حول التفسير بالرأي.
نقول: التفسير بالرأي هل يجوز أو لا يجوز؟ ما هي ضوابط التفسير بالرأي؟ لن نتطرق إلى الأدلة بالتفصيل إلى القائلين بجوازه أو بمنعه، إنما نبذة عن التفسير بالرأي لكي نصل بعد ذلك إلى تفاسير الفرق المبتدعة.
ونبدأ بالتفسير بالرأي: اختلف العلماء في التفسير بغير المأثور؛ أي: بالتفسير بالرأي والاجتهاد؛ فذهب قوم إلى أنه لا يجوز لأحد أن يفسر شيئًا من القرآن، ولو كان عالمًا أديبا متسعًا في معرفة الأدلة والعلوم اللازمة للمفسر، وليس له أن ينتهي إلا إلى ما روي عن النبي ﷺ وإلى صحابته الآخذين عنه ومن أخذ عنهم من التابعين.
وأجاز تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد الأكثرون من السلف الصالح والعلماء؛ ولكل وجهة، ولكل أدلة، وسنعرف أن التفسير بالرأي إذا اكتملت له أسبابه وشروطه صار مقبولًا ممدوحًا، أما إذا اختلت الشروط ولم يستكمل العلومَ الكاملة التي تؤهل صاحبها للتفسير بالرأي؛ فسوف يصنف هذا من قبيل التفسير بالرأي المذموم، ومن ذلك دخلت أقوال الباطنية، والشيعة، والمعتزلة، والخوارج، وغير هؤلاء من الفرق الذين برأيهم أفسدوا كثيرًا من التفسير حول آيات القرآن الكريم.
ولنبدأ باختصارٍ وإيجازٍ: القائلون بعدم جواز التفسير بالرأي والاجتهاد أدلتهم؛ روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)) وحديث آخر: ((اتقوا الحديث عليَّ إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه؛ فليتبوأ مقعده من النار)).
стр. 361
ثالثًا: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن تفسير حرفٍ من القرآن، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، وأين أذهب وكيف أصنع، إذا قلت في حرف من كتاب الله؛ أي: في كلمة من كتاب الله بغير ما أراد الله، وفي رواية: إذا قلتُ في كتاب الله بما لا أعلم.
وأيضًا أوردوا عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن تفسير آية من آيات القرآن، قال: أنا لا أقول في القرآن شيئًا، بينما لو سئل عن الحلال والحرام تكلم.
وروي عن الشعبي أنه قال: ثلاثة لا أقول فيهن حتى أموت؛ القرآن والروح والرؤى -الرؤى هي تفسير الأحلام- وروي مثل هذا أدلةٌ كثيرة.
والذين أجازوا التفسير بالرأي والاجتهاد ناقشوا هذه الأدلة؛ قالوا: أما الأحاديث التي وردت في صحتها وثبوتها نظر، وأن المراد من قول من يقول في القرآن: إنني لا أتكلم، واتقوا الحديث وإنكار أبو بكر هذا يحمل على أن المراد من يفسر بمجرد رأيه وهواه، بأن يجعل الرأي أصلًا والقرآن تبعًا لرأيه؛ وذلك بأن يكون المسألة فيها رأي، وإليه ميل بطبعِهِ وهواه، فيتأول على وفق رأيه وهواه؛ فهذا لا شك مردود.
وأن المراد بالأحاديث التي ترفض، والتي تحذر من القول في القرآن المراد من يفسر المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ﵎ أو الذي يفسر القرآن، ولم يستكمل العلوم اللغوية والشرعية التي تؤهله، فمثل هذا وإن أصاب القول والصواب؛ فقد أخطأ الطريق الصحيح في تفسيره.
وما ذكر عن السلف من أنهم كانوا يتحاشون الكلامَ في القرآن فأيضًا هذا ما عارضه ما ورد عن الصديق ﵁ فقد سئل عن معني الكلالة، فقال: أقول فيها
стр. 362
برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه؛ الكلالة هي من لا ولد له ولا والد؛ فلما ولي الخلافة الفاروق عمر ﵁ وأرضاه- قال: إني لأستحي أن أخالف أبي بكر في رأي رآه.
وهذا يدل على أن قوله: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني؟ إنما أراد به أن يتكلم بما لم يقم عليه دليل، أو بما لا علم له به، أو تخوفًا من أن لا يصيب مراد الله .
يقول لنا العلامة الحافظ ابن كثير: فهذه الآثار الصحيحة، وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم من الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلَّم بما يعلم من ذلك لغةً وشرعًا؛ فلا حرج عليه، ولذلك روي عن هؤلاء وغيرهم أقوالٌ في التفسير كثيرة، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه الإنسان عملًا بقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران: ١٨٧) ولِمَا جاء عن رسول الله ﷺ في الحديث الذي ورد من طرق: ((من سئل عن علم فكتمه؛ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار)).
وأيضًا نقول استلالًا لجواز التفسير بالرأي مع الانضباط بالشروط: روي عن كثير من صحابة رسول الله ﷺ في تفسير القرآن الكثير والكثير، كالسادة الأخيار؛ عليٌ، وابن مسعود، وابن عباس حبر الأمة الذي لا تجد آية من كتاب الله، إلا وله فيها رأي، وكذا أُبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وأبو هريرة، وغيرهم؛ فلولا أنت تفسير القرآن جائز لمن تأهل له؛ لما فعلوه؛ لأنهم كانوا أشد الناس ورعًا وتقوى، ووقوفًا عند حدود الله .
стр. 363
ثم تذكر أن تفسير القرآن قد ورد عن كثير من خيار التابعين؛ سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، وعطاء، ومسروق، والشعبي وغيرهم؛ مما يدل على أن من امتنع منهم من تفسير القرآن إنما كان زيادة احتياط، ومبالغةً في تورعهم.
بعد ذلك نقول: التفسير بالرأي والاجتهاد، هل هو يترجح جوازه؟ نقول: نعم، وإذا كانت الأدلة التي استند إليها المانعون لم تنهض أمام البحث والنظر، فقد تبين جوازُ التفسير بالرأي إذا كان مستكملًا للشروط.
مما يجب أن ننتبه إليه أن التفسير بالرأي ليس من قبيل الدخيل في التفسير؛ فإن التفسير بالرأي والاجتهاد الذي توفرت لصاحبه أسبابه؛ وهي العلم بالعلوم، والعلم بالأحكام الشرعية، وفروع اللغة العربية هذا جائز، وهذا واضح.
وأيضًا لو لم نفسر القرآن بالاجتهاد؛ لفات معني التدبر والتأمل في القرآن، الذي حثنا الله عليه في غير آية، ولفات الكثير مما اشتمل عليه الكتاب الكريم من الأحكام والآداب، وليس من شك في أن الصحيح الثابت المروي في تفسير القرآن عن النبي ﷺ قليل بالنسبة إلى ما لم يروَ عنه فيه شيء، وكذلك ما روي عن الصحابة والتابعين لم يستوعب كل آيات القرآن الكريم هذا ما فيه من بعض الضعيف الموضوع والإسرائيليات.
وبعد ذلك نستطيع أن نقول: لا بد من البدء في تفسير القرآن الكريم بالرأي والاجتهاد، والأدلة في ذلك كثيرة ولو أننا وقفنا عند قول الله -جل وعلا-: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: ٨٣) وإلي قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤) والآيات التي تذم كاتم العلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة: ١٥٩).
стр. 364
ولا يخفى أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا أصحاب مدارس عظيمة؛ فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أعظم مدارس التفسير ثلاثة؛ مدرسة ابن عباس بمكة، ومدرسة ابن مسعود بالكوفة، ومدرسة أُُبَي بالمدينة؛ إن كل مدرسة من هذه المدارس كان لها رجالها وتلاميذها، وقد ملئوا ثقافة الأمة بأقوال صحيحة، وتفاسير مرضية.
والخلاصة: هل التفسير بالرأي كله مقبول؟
الجواب: إن التفسير بالرأي قسمان؛ الأول: التفسير الممدوح المقبول:
وهو التفسير المبني على المعرفة الكافية بالعلوم اللغوية، والقواعد الشرعية والأصولية؛ أصول الدين وأصول الفقه، وعلم الحديث والمصطلح، وألا يعارض نقلًا صحيحًا، ولا عقلًا سليمًا، ولا علمًا يقينًا ثابتًا مستقرًّا، مع بذل غاية الوسع في البحث والاجتهاد، والمبالغة في تحري الحق والصواب.
ومن هذا تفاسير كثيرة منها: تفاسير الإمام الرازي، ومنها (البحر للمحيط) لأبي حيان و (تفسير البيضاوي) و (تفسير روح المعاني) للآلوسي و (زاد المسير) لابن الجوزي، تفاسير كثيرة تملأ ثقافتنا الإسلامية.
القسم الثاني من التفسير بالرأي: وهو التفسير المذموم المردود:
وهو تفسير من غير تأهلٍ له بالعلوم التي لا بد منها للمفسر، أو التفسير بالهوى والاستحسان، أو التفسير المقصود به تأييد المذهب الفاسد والنِّحْلة الخاصة والرأي الباطل، أو تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ﵎ وهذا اللون من التفسير كثيرًا ما يشتمل على المرويات الواهية والباطلة، ولا ننطرق تفصيلًا؛ فإننا نعرف تفاسير الشيعة، تفاسير المعتزلة، تفاسير الخوراج، التفسير الإشاري لبعض الصوفية المغالين، ويندرج تحت هذا تفاسير الباطنية، وأقوال البابية، والبهائية، والملاحدة، ونحو ذلك.
стр. 365
أما الآن؛ فإذا قلنا: إن التفسير بالرأي إذا استوفى شروطه، واستكمل العلوم اللازمة جائز؛ فما هو المنهج القويم في تفسير القرآن الكريم؟
نستطيع أن نقول: إن المنهج القويم لمن يفسر كتاب الله تعالي يجب عليه أن يبحث في القرآن عن معنى الآيات؛ فإن لم يجد تفسير القرآن بالقرآن، فليطلبه فيما صح وثبت في السنة عن رسول الله ﷺ ؛ فإن لم يجد فليطلبه في أقوال الصحابة، وليتحاشى الضعيف والموضوع والإسرائيليات؛ فإن لم يجد في أقوال الصحابة، فليطلبه في أقوال التابعين.
ويلاحظ أن التابعين إذا اتفقوا على شيء كان ذلك أمارة غالبًا على تلقيه عن الصحابة، أما إذا اختلفوا فلنتخير من أقوالهم، ونرجح ما يشهد له الدليل؛ فإن لم نجد في أقوالهم ما يصلح أن يكون تفسيرًا للآية؛ فليجتهد المفسر رأيه، ولا يقصر إذا كان مستكملًا لأدوات الاجتهاد، وعليه أن يراعي القواعد الآتية التي أسوقها باختصارٍ:
١ - أن يتحرى في التفسير مطابقة المُفَسِّر للمُفَسر، وأن يتحرز في ذلك عن نقص لما يحتاج إليه في إيضًاح المعنى، أو زيادة لا يحتاج إليها.
٢ - أن يعنى بأسباب النزول؛ فإن أسباب النزول كثيرًا ما تعين على فهم المراد من الآية.
٣ - أن يعنى بذكر المناسبات بين الآيات، وقد اختلفت مناهج المفسرين في هل المناسبة أولًا أو سبب النزول؟ فمنهم من يذكر المناسبة؛ لأنها المصححة لنظم الكلام وهي سابقة عليه، وبعضهم يذكر السبب أولًا؛ لأن السبب مقدم على المسبب، وبه يتضح المعني. والتحقيق: أن التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفًا على سبب النزول كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨) فهذا ينبغي تقديم السبب على المناسبة؛ لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد، وإن لم يتوقف وجه المناسبة على السبب؛ فالأولى تقديم المناسبة.
стр. 366
٤ - أن يجرد المفسر نفسه من الميل إلى مذهب بعينه؛ حتى لا يحمله ذلك على تفسير القرآن برأيه ومذهبه؛ فيقع في الزيغ والضلال.
٥ - مراعاة المعنى الحقيقي والمجازي؛ حتى لا يصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بصارف، وليقدم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية، وكذا الحقيقة العرفية، وليراعي حمل كلام الله على معانٍ جديدة أولى من حمله على التأكيد.
٦ - ينبغي مراعاة نظم الكلام وتأليفه والغرض الذي سيق له؛ فإن ذلك يعينه على فهم المعني المراد وإصابة الصواب، قال الإمام الزركشي في (البرهان): ليكن محطُّ نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له.
٧ - يجب على المفسر البداءة بما يتعلق بالمفردات، وتحقيق معانيها، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب؛ فيبدأ بالإعراب إن كان خفيًّا، ثم المعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم يبين المعني المراد، ثم ما يستنبط من الآيات من أحكامٍ وآداب، وليراعي القصد فيما يذكر من لغويات أو نحويات أو بلاغيات، فلا يتوسع فيما ليس فيه فائدة.
أخيرًا؛ يجب أن يتحاشى عن ذكر الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة، ويتجنب الروايات المدسوسة من الإسرائيليات ونحوها حتى لا يقع فيما وقع فيه كثيرٌ من المفسرين السابقين من الموضوعات والإسرائيليات في أسباب النزول، أو في قصص الأنبياء والسابقين، وبدء الخلق والميعاد، ونحو ذلك؛ فيكون تفسيره قد سَلِمَ من هذه الأباطيل التي تضعف جانب التفسير.
هذا فيما يتعلق بالشروط والمنهج القويم الذي يجب أن يلتزمه من يفسر القرآن بالرأي والاجتهاد.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.
стр. 367
الدرس: ٢١ أنواع الدخيل في الرأي (١) .
стр. 368
الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
(أنواع الدخيل في الرأي (١))
معنى الدخيل في الرأي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لقد انتهينا من الدخيل في النقل والموضوعات والإسرائيليات، وبيان قدر كبير مما حوته كتب التفسير من هذا النوع، والآن ننتقل إلى الدخيل في التفسير بالرأي، وهذا يشتمل معنى الدخيل في الرأي - أنواع الدخيل في الرأي - ذِكْر نماذج لكل نوع من أنواع الدخيل في الرأي.
أولًا: الدخيل في الرأي:
الدخيل في الرأي: هو ما كان من التفسير ناشئًا عن رأي فاسد واجتهاد غير صحيح، وترجع أسبابه إلى إما الجهل بقوانين اللغة العربية وقواعدها، أو الشريعة وأصول الدين، أو التعصب لطائفة من الطوائف المارقة من عقيدة أهل السنة والجماعة، أو الكيد لدين الإسلام بتحريف القرآن عن موضعِهِ، ولم يستطيعوا النيل من الآيات؛ فعمدوا إلى دس أباطيلهم وإفساداتهم في كتب التفسير، فالتحريف تناول التفسير للقرآن، يحرفون الكلم عن مواضعه والباعث لهم على ذلك هو الحقد على الإسلام والكيد لأهله.
أما أنواع الدخيل في الرأي فكثيرة: أشهرها الدخيل عن طريق اللغة؛ حيث أورد كثير من المفسرين كلامًا في اللغة والإعراب والآراء والأقوال لم تكن صحيحة.
ثانيًا: الدخيل عن طريق الفرق المبتدعة: الشيعة، الخوارج، المعتزلة، وغيرهم فرق كثيرة، لكنَّ هؤلاء الثلاثة هم أشهر الفرق التي كتبوا في تفسير القرآن كلامًا فاسدًا، وآراء باطلةً، يتعصبون بها لعقائدهم الزائغة، وينتصرون بها لأهوائهم.
ثالثًا: الدخيل عن طريق الإلحاد المُتَعَمَّد: من الفرق التي لبثت ثوب الإسلام كذبًا وزورًا: الزنادقة، الباطنية، القاديانية، البابية، والبهائية، هذه أشهر الفرق التي ألحدت في دين الله، تظاهرت بالإسلام، لكنها تضمر في قلوبها الحقدَ الأسودَ الدفين الذي يريدون به هدمَ الإسلام، ونقض قواعده، والنيل من رسول
стр. 369
الإسلام، والتنقيص من شأن علماء الأمة سلفًا وخلفًا، والطعن في القرآن الكريم.
رابعًا: الدخيل عن طريق الصوفية، والصوفية فيهم قوم معتدلون يلتزمون شرع الله وهديه، وهؤلاء لا نتكلم عنهم، هؤلاء المنصفون الذين يعتزون بإيمانهم، ويلتزمون أخلاق الإسلام، وشعب الإيمان: التوكل على الله، الصبر، اليقين، المراقبة، الخوف، الرجاء، الزهد، الورع، هذه الصفات العظيمة، لكن خرج من بين الصوفية أناس مغالون؛ يغالون في تصوفهم، فخرجوا وشطحوا، ولهم مواقف كثيرة تخالف منهج الإسلام.
خامسًا: الدخيل عن طريق التفسير العلمي: هذا الباب الذي فُتح ليكون باب إعجاز لكتاب الله، ولو أن أصحابه التزموا القواعدَ الصحيحة، والقصد والاعتدال؛ فإن هذا باب إعجاز، أما وأنهم قد تطاولوا، وحمَّلُوا القرآن ما لا يحتمل، وخرجوا به عن قصده وهداياته؛ فهذا الجانب من التفسير العلمي لا بد أن نشير إليه وأنه فيه دخيل، وتحميلٌ لكتاب الله ما ليس يحتمله.
والآن نبدأ بالدخيل عن طريق اللغة:
والدخيل عن طريق اللغة يتناول أنواع عدة؛ فالمقصود من الدخيل هنا ما حدث لبعض المفسرين من إعرابٍ لبعض كلمات القرآن، أو توجيهها توجيهًا خاطئًا شاذًّا، لا يتمشّى مع القواعد المتعارف عليها؛ مما أدى إلى خطأ في المعنى، واضطراب في الفهم.
مثال ذلك: ما جاء في تفسير قوله ﵎: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف: ١٦) الآية مسوقة على لسان إبليس، فجوز بعض
стр. 370
المفسرين كون ﴿مَا﴾ استفهامية كأنه قيل: بأي شيء أغويتني، ثم ابتدأ بقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهذا الإعراب شاذ؛ لأن قوله ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ هنا ما ليست استفهامية.
وسنعرف الآن ماذا يقصد هؤلاء الذين حرفوا الآية بهذا الإعراب الشاذ، جعلوا "ما" استفهامية، كأنه قيل فبما أغويتني؟ كأنه قيل: بأي شيء أغويتني؟ ثم ابتدأ بقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إعراب شاذ مضطرب مخالف لما عليه قواعد اللغة العربية، وعليه لا يصلح تخريج الآية الكريمة؛ لأن الاستفهام هنا لا معنى له؛ إذ كيف يسأل إبليس ربه بأي شيءٍ أغواه وأضله، ثم إن ما الاستفهامية إذا وقعت بعد حروف الجر؛ فإن ألفها تحذف، كما هو مقرر في علم القواعد النحوية الصحيحة كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (النبأ: ١) حذفت الألف.
وكقوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (النازعات: ٤٣) فأما إثبات الألف في تلك الحالة فهو قليل شاذ كما قال الزمخشري؛ وعلى هذا فإن القول بأن ما في الآية استفهامية قول باطل، والصحيح أنها مصدرية ليست استفهامية، والمعنى: فبسبب إغوائك إياي؛ لأقعدن لهم صراطك المستقيم، أي لأعترضن لهم على طريق الإسلام، كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة والمارين، فهنا ما مصدرية سببية.
مثال آخر: نقول: جاء في تفسير قوله ﵎: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (القصص: ٦٨) من الواضح: أن "ما" في قوله ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نافية، أي: نفى اختيار الناس في أمرٍ قد اختاره الله سبحانه، هذا هو المعنى الصحيح لـ"ما"، لكن هناك قوم جعلوها، أي: "ما" موصولة، وبعضهم يجعلها مصدرية، وذلك غاية البطلان، كأنهم يقولون:
стр. 371
وربك يخلق ما يشاء مشيئته، ويختار ما كان لهم الخيرة، جعلوا "ما" في ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ هنا موصولة والبعض جعلها مصدرية؛ مع أن الواضح: أنها نافية؛ لأن المعنى يكون على أنها موصولة، أن الله يختار لهم الأمر الذي كان هو الخيرة، وعلى جعل ما مصدرية، يكون المعنى يختار اختيارهم فيه، وهذا ظاهر البطلان.
ومن أمثلة هذا النوع أيضًا: ما أورده المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٩) حيث ادعى بعضهم أن ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ موضعها بعد قوله تعالى: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (يوسف: ٩٨) وهذا ظاهر الضعف والبطلان؛ ولذلك يقول الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن قوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من باب التقديم والتأخير، وأن موضعها ما بعد قوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ في كلام يعقوب؛ أي: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله، ولا أدري ما أقوله فيه وفي نظائره.
ثانيًا: ما يتعلق بمدلول اللفظ: هناك نوع آخر أورده المفسرون، وهو من اللغة الباطلة، وذلك أن تفسير القرآن بغير ما يدل عليه في لغة العرب مما ينتج عنه الخطأ في التأويل، مثال ذلك: ما جاء عن بعض أدعياء العلم في قوله ﵎: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١) فقد ذكروا في تفسير هذه الآية من أن كلمة إمامهم. قالوا: إن إمام جمع "إم"، أو جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم لا بآبائهم سترٌ عليهم، وهذا خطأ؛ لأن جمع أم أمهات، كما قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) وليس على إمام.
стр. 372
والمعنى الصحيح للآية: يوم ندعو كل أناس من بني آدم بمن ائتموا له من نبي، أو مقدم في الدين، أو كتاب دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا، يا أهل كتاب كذا؛ فحملهم كلمة إمام على أنها جمع أمٍّ هذا كلام غير صحيح.
ثانيًا: وضع الكلام على غير موضعه: مثال ذلك قوله ﵎ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥) أورد بعضهم كلامًا وتفسيرًا لا يليق وغير مراد من الآية؛ فبعض المتصوفة فسروا الآية بأن معناه: "من ذل ذي يشفى عو" انظر إلى تقطيع الآية وفسروا كل كلمة بمعنى، من ذل: أي من الذل، ذي: إشارة إلى النفس، يشفى: من الشفا جواب مَن، عو: أمر من الوعي، وهذا إلحاد في آيات الله.
ولا يخفى أن من في الآية استفهامية؛ فالله ﷻ في هذه الآية يذكر ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ استفهام بمعنى النفي، استفهام إنكاري، كأن الله يقول: لا أحد يشفع عند الله في الآخرة إلا بإذنه وإلا لمن ارتضى الله كما فسرت الآيات يفسر بعضها بعضًا فمن هم هنا استفهامية لا شرطية، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي ولذا جاء الاستثناء بعده. والمقصود من الآية: بيان كبرياء الله، وعظم شأنه، وأن لا أحد يساويه، أو يدانيه؛ بحيث يستقل أن يدفع ما يريده الله دفعًا على وجه الشفاعة؛ فضلًا عن أن يستقل بدفعه عنادًا، أو مكابرة، أو مناصبة، وهذا تأييس للكفار؛ حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله ﵎ تفاسير (البيضاوي) و (الألوسي) و (الكشاف) وغيرهم.
مثال آخر: تفسير الآية بشيء لا يليق مع الذوق السليم، واللغة العربية الفصيحة، مثال ذلك قولهم عند الآية: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (الأحزاب: ٢٧) فإن
стр. 373
قوما فسروا الأرض بمعنى نساء الأعداء، والزمخشري يصف هذا التفسير بأنه من البدع. ومن المعلوم: أن الآيات تتكلم عن غزوة الأحزاب وعن بني قريظة، وما أنعم الله به على المسلمين من توريثهم أرض بني قريظة وأموالهم الذين نقضوا العهد وغدروا في غزوة الأحزاب، فحمل الآية على أن أرضًا لم تطئوها نساء الأعداء، هذا تفسير الآية بشيء إن لا يصح، ولا يليق ذوقًا أبدًا.
أمثلة أخرى: تفسير الآية بلغة شاذة أو غريبة:
مع أن القرآن الكريم نزل بأفصح اللغات؛ فوجب على المفسر أن يحمله على أفضل وجوه التأويل، ويبتعد عن تفسير الآية بلغةٍ شاذةٍ أو غريبة، ومن أمثلة ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّة﴾ (التوبة: ٨) فالإل معناها القرابة، وقيل: العهد، وقيل: الحلف، ولكن قومًا فسروا الإل بمعنى الله كيف يصح هذا، وأسماء الله توقيفية؟! أي: لا يصح أن يسمى الله باسم إلا إذا جاء صريحًا في آية كالأسماء المذكورة في خواتيم سورة الحشر أو ورد في حديث صحيح، فكلامهم هذا تفسيرٌ للآية بلغةٍ غريبةٍ شاذة.
وخذ مثالًا آخر أيضًا من أمثلة هذا النوع: ما أوردوه في قوله جل وعلا: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ (القصص: ٣٢) فالرهب هنا مقصود منه الخوف، وفي ذلك يقول الإمام القرطبي ﵀: وهو بمعنى الخوف، والمعنى: إذا هالك أمر يدك وشعاعها، فأدخلها في جيبك وارددها إليك، تعد كما كانت، فهناك قوم فسروا الرهب بمعنى الكُم، وهو تفسير غريب لا يتفق مع مفهوم الآية.
стр. 374
هناك أيضًا أن تفسر الآية تفسرًا يصادم الشرع ويأباه العقل، وذلك كما فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق: ١٩) قال: إن الخطاب هنا للرسول، والإنسان يعجب من ذلك، والله تعالى يقول لرسوله: ﴿وَلَلآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُوْلَى﴾ (الضحى: ٤) فهذا تفسيرٌ يصادم هذه الآية، ويأبى العقل قبوله؛ إذ كيف يفضل ﷺ الحياة الفانية على الآخرة الباقية ذات النعيم الدائم والمتاع المقيم.
والصحيح: إن هذه الآية، إنما وردت للفاجر أو الكافر، أما البر المؤمن فلا يحيد عن الموت، ولا يهرب منه؛ فضلًا عن رسول الله ﷺ وكيف يحيد النبي عن الموت، وهو الذي خيَّرَهُ الله بين الدنيا وبين ما عنده؛ فاختار ما عند الله كما ثبت في (الصحيحين).
أيضًا، هنا نجد نماذج لا يُرَاعَى فيها سياقُ الكلام أثناء التفسير وذلك كقول المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (البقرة: ٢٤٣) فالمعروف أن كلمة ألوف جمع ألف، لكن بعض المفسرين فسروا الألوف بالألفة، وهذا التفسير بعيد من سياق الكلام؛ لأنه لا معنى لذكر الألفة هنا، ولا مناسبة تقتضيها، وإنما التفسير الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌِ﴾ أي عددهم كثير، فالألوف جمع ألف، وهذا هو المناسب لسياق الكلام.
ننتقل من نماذج اللغة إلى ما يتعلق بعلم القراءات: والقراءات أيضًا هي من اللغة، إن البدع التي تتعلق بالقراءات في كتب التفسير صنفان؛
стр. 375
فهناك رد قراءة نزل بها جبريل الأمين ﵇ من عند الله على قلب رسول الله ﷺ ، وهناك استحداث قراءة ليس لها سند صحيح.
مثال الأول: ما ذكره المفسرون، فبعضهم رد قراءة حمزة أحد القراء السبعة لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: ١) فالقراءة بجر الأرحام "تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" قراءة حمزة، والذي جعلهم يردون هذه القراءة مسايرتهم لمذهب البصريين في قاعدة العطف التي تقول: إن الضمير المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة الجار له، نحو: مررت بك وبزيد، وهم يقولون: لا يجوز: مررت بك وزيدٍ، هكذا يشرح ابن عقيل وكتب اللغة، ولكن هذا ليس محل اتفاق بين النحاة؛ فقد أجاز الكوفيون هذا العطف؛ ونظرًا لوروده في النثر والنظم فقد مال إليه العلامة ابن مالك حيث قال:
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازمًا قد جعل
وليس عندي لازمًا إذ أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتَا
العلامة ابن مالك مالَ إلى الجواز، وهو ما عليه الكوفيون.
ويرد الإمام القشيري على هذا الرأي برد يقوم على دعامتين: إحدهما: أن القراءة جاءت عن الرسول ﷺ وهذه القراءة أخذت عن الرسول بطريق التواتر.
ثانيًا: إن العربية تؤخذ عن الرسول ﷺ فالرسول هو عربي، وأفصح من نطق بالضاد، والقرآن كلام رب العالمين يؤخذ منه القواعد، ولا يقعّد عليه.
أيضًا من هذه الأمثلة التي ردوا بها قراءة صحيحة، ما ورد في قراءة سيدنا جبريل على قلب رسول الله ﷺ في الآية: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾ (الأنعام: ١٣٧) لقد
стр. 376
رد الزمخشري قراءة ابن عامر ببناء الفعل لما لم يسمّ فاعله "وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادَهَمْ شُرَكَائِهُمْ" ببناء الفعل لما لا يسم فاعله، ورفع القتل وأضاف لشركائهم، فصار قتلُ أولادَهم شركائِهِم، وبخفض شركائهم، ونصب أولادَهُم، لوقوع القتل عليهم، وحال بينهم وبين المضاف إليه.
وفي ذلك يقول: وأما قراءة ابن عامر: "زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادَهَمْ شُرَكَائِهُمْ" برفع القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء على إضافة القتل إلى شركائهم، والفصل بينهما بغير الظرف؛ فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر؛ لكان سمجًا مردودًا إلى أن قال: فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن لفظه ونظمه، وجزالته.
والذي جعله يقول بهذا: أنه رأى في بعض شركائهم مكتوب بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء؛ لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب.
ولقد احتج الزمخشري في رد هذه القراءة: بأنها مخالفةٌ للقواعد النحوية التي لا تجيز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير ظرف، كما أرجع خطأ ابن عامر في قراءته هذه إلى رسم المصحف؛ حيث قال: والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف شركايهم مكتوبًا بالياء؛ فالسبب إذًا في رد هذه القراءة في رأي الزمخشري: هو رسم المصحف، وأن ابن عامر اعتمد على المصحف، ولم يعتمد على الرواية، وهذا غير صحيح؛ بل إنه منكر مردود؛ وذلك لأن هذه القراءة رويت، وشاعت القراءة بها قبل تدوين المصاحف، وجمع القرآن، ثم حين دونت المصاحف لم يكن النقط عرف، ولا الشكل اخترع؛ فظهرت حركة القراءات قبل النقل، والضبط؛ فكانت قراءتهم للكلمة على حسب ما يروون، وينقلون لا على ما يقرءون في المصاحف.
وبهذا نقول: فالعمدة في القراءة الرواية والمشافهة والتلقي، وليس رسم المصحف أو خطه، ونحن لا يمكننا بحال أن نقبل من الزمخشري تخطئته لقراءة ابن عامر، بل
стр. 377
إننا نكر عليه رده لهذه القراءة، وتعلله في ذلك بأن الفصل بين المضاف والمضاف إليه غير جائز عند النحاة. ونقول: إن ذلك جائز عندهم؛ فإذا كان بعض النحاة قد منعه؛ فإن آخرين قد أجازوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف إذا كان المضاف شبه فعل بأن كان مصدرًا أو اسم فاعل، وكان عاملًا النصب فيما هو فاصل كما هو الحال في الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
وحتى لو سلمنا: أن قراءة ابن عامر منافية لقياس العربية؛ لوجب قبولها أيضًا بعد أن تحقق صحة نقلها، كما قبلت أشياء ثبتت، وإن نافت القياس مع أن صحة نقلها هي المعتمد، وطبعًا صحة القراءة أولى ... إلى آخر الكلام في هذا المثال.
الكلام في هذا تكلم فيه أبو حيان وغيره، ونكتفي بهذا في رد كلام (الكشاف) حيث يتبين لنا أن قراءة ابن عامر قراءة صحيحة يجب قبولها، وقد نص أئمة القُرَّاءَ على أن الاعتماد في قبول القراءة، إنما هو في ثباتها، وصحة نقلها، لا على ما عُرِفَ في اللغة أو فشا أو كان مقيسًا فيها، بل الأثبت الأثر، والأصح في النقل والرواية، وهو ثابت عندنا.
من ذلك أيضًا: ما استحدثه البعض؛ فاستحداث قراءة ليس لها سند صحيح ما قرئ في قوله تعالى: "فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصِبْ" (الشرح: ٧) روي عن بعض الرافضة أنه قرأ فانصِب بكسر الصاد، ويقصد بذلك عليًّا للإمامة، ولا شك أن هذه القراءة من الرافضة، وهي مرفوضة لعدم ورودها من طريق صحيح، سواء كانت القراءة التي يتكلم عنها هؤلاء يرفضون قراءة ثابتة، أو يختلقون قراءةً غير صحيحة؛ فهذا كلام لا يقبل، وإنما هو مرفوض.
стр. 378
فيأتي إنسان ما ويؤول الآية لصالحه، ويجعل "فانصِب" أمر من النصب الذي هو عداوة علي وكراهيته؛ ولذا يقول الزمخشري: من البدع ما روي عن بعض الراوية أنه قرأ "فانصِب" بكسر الصاد أي: فانصب عليًّا للإمامة، ولو صح هذا لرافضي؛ لصح للناصبي الذي هو بغض علي وعداوته، وهذا كلام لا يقبل.
ومن أمثلة هذا النوع أيضًا، وهو استحداث قراءة لا سند لها ما أورده البعض في تفسير قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (الفلق ١، ٢) فقد قرأ بعض المعتزلة "مِنْ شَرٍّ مَا خَلَقَ" بتنوين شرٍّ، وجعل ما نافية، ومعنى ذلك: أنهم يستعيذون برب الفلق من شرٍّ لم يخلقه هو، بل خلقه فاعله، وذلك وفقًا لمذهبهم الاعتزالي، وهذا ولا ريب تحريفٌ في كتاب الله العزيز.
قال ابن عطية فيما نقله عنه العلامة الألوسي عن هذه القراءة: هي قراءة عمر بن عبيد، وبعض المعتزلة القائلين: بأن الله تعالى لم يخلق الشر، وحملوا "ما" على النفي، وجعلوا الجملة في توضيح الصفة، أي: من شرٍّ ما خلقه الله تعالى ولا أوجده، وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل.
الدخيل عن طريق الفرق المبتدعة
والكلام عن الفرق المبتدعة يشمل أنواعًا كثيرة؛ فهو إما يشمل فرق الشيعة أو الخوارج أو المعتزلة.
فرقة الشيعة: يراد بهم أولئك الذين شايعوا عليًّا وذريته، وأهل بيته، وادعوا أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ هو الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ مباشرة، وأن الخلافة لا تخرج عنه في حياته، ولا عن أبنائه بعد موته.
стр. 379
وقد ظهرت تلك الفرقة في أواخر عهد عثمان ﵁، فلما كان عهد علي ﵁ ظهروا على الساحة بشكل واضح ونما عددهم، واتسع شأنهم، فلما كان العهد الأموي، وكثر الظلم من الأمويين على العلويين، وتحركت شفقة الناس على العلويين كان هذا الظلم سببًا في اتساع المذهب الشيعي.
ورغم أن الشيعة انقسموا على أنفسهم إلى عدد من الفرق إلا أنهم جميعًا يكادون يتفقون على مبدأ واحد، وهو كما قال العلامة ابن خلدون: إن الإمامة ليست من مصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويعيَّنُ القائم بها تعينهم بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز للنبي إغفاله، ولا تفويضه إلى الأمة. بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر، وأن عليًّا ﵁ هو الذي عيَّنَهُ رسول الله ﷺ .
وعلى رأس فرقة الشيعة فرقتان: الزيدية، والإمامية الاثنى عشرية، والإسماعيلية، وأن كانت في الحقيقة فرقٌ الشيعة كثيرة جدًّا أوصلها بعضهم إلى خمسٍ وعشرين فرقة، لكن على رأس هذه الفرق فرقتان الزيدية والإمامية.
أما الزيدية: فهم أتبع زيد بن علي بن الحسين ﵃ الذي تمرد على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك؛ طمعًا في استرداد الخلافة، فخذله أتباعه فَقُتِلَ وصُلِبَ، ثم أحرق جسده، وكانت الزيدية ترى: أن النبي ﷺ عرَّضَ بالإمامة لعلي ﵁.
أما الإمامية: فيرون أن النبي ﷺ قد نص على إمامة علي نصًّا وليس فقط عرض كما يقول الزيدية ويحصرون الإمامة بعد عليٍّ في ولده من فاطمة ﵃ أجمعين-، والإمامية انقسموا إلى فرق كثيرة، أبرزها: الإسماعيلية الإثني عشرية والإمامية الإسماعيلية.
ما الإمامية الإثنا عشرية: فسموا بذلك نسبة إلى الإمام الثاني عشر محمد المهدي المنتظر، الذين يدَّعُون أنه دخل سردابًا في دار أبيه، ولم يعد بعد، بل هو مختفي، وإنما سيخرج آخر الزمان ليملأ الكون عدلًا وأمنًا بدلًا من الظلم والخوف.
стр. 380
أما الإمامية الإسماعيلية: فينسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، الذي ينتمي إلى محمد الباقر إلى الحسين إلى علي ﵃ أجمعين.
وإلى نماذج من الدخيل في التفسير عن طريق هذه الفرقة بأقسامها:
الإمامية الإثنا عشرية: في قوله ﵎: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (الانشقاق: ١٩) قالوا: في هذه الآية إشارة إلى أن هذه الأمة، ستسلك سبيل من كان قبلها من الأمم، في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء، في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (يونس: ١٥) قالوا: إن الضمير في "بدله" لعلي بن أبي طالب، رغم أن علي لم يسبق له ذكر ولم يكن سياق الكلام في شأن خلافته أو ولايته.
ثالثًا: الأمر يصل بهم إلى حدِّ الزيادة في الألفاظ القرآنية، انظر إلى باطلهم وضلالهم، ففي قوله ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك﴾ (المائدة: ٦٧) زادوا فيها لفظًا "في شأن علي"، قالوا "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في شأن علي" وهي زيادة باطلة موضوعة لم ترد إلا في زعمهم وكذبهم واختلاقِهِم.
رابعًا: روى العباس عن الباقر أنه قال: لما قال النبي ﷺ : ((اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام)) زعم أن أنزل الله ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف: ٥١) وهذا كذب منهم، جاء في (أصول الكافي) -وما أكثر الأكاذيب والأباطيل في تفاسيرهم- في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٣٧) قالوا: إن هذه الآية نزلت
стр. 381
في أبي بكر وعمر وعثمان؛ آمنوا بالنبي ﷺ أولًا، ثم كفروا، حيث عُرضت عليهم ولاية علي، ثم آمنوا بالبيعة لعلي، ثم كفروا بعد موت النبي، ثم ازدادوا كفرًا بأخذ البيعة من كل الأمة -لا حول ولا قوة إلا بالله.
انظر: كتاب (الوشيعة في نقض عقائد الشيعة) لموسى جاد الله، نقلًا عن أصول تفسيرهم (الكافي)، وما أكثر الأباطيل التي يسوقها الرافضة الشيعة في تفاسير الآيات الكثيرة، يحملون آيات الثناء والإيمان على علي وبنيه، وآيات الكفر والذم والترهيب يحملونها على صفوةِ أصحاب رسول الله ﷺ .
ننتقل بعد ذلك إلى نوع آخر من الفرق التي ضلت، والفرق المبتدعة وأقوالهم ألا وهي فرقة الخوارج:
وبداية نلقي نظرة مختصرة على هذه الفرقة: نشأت هذه الفرقة بسبب التحكيم الذي كان بين سيدنا علي، وسيدنا معاوية ﵄ بشأن من أحقُّ بالخلافة منهما؛ وذلك أنه قامت عدة حروبٍ بين علي ومعاوية، وكان لكل منهما أنصاره ومشايعوه، وكانت الغلبة فيها دائمًا لعلي ﵁ وجندِهِ إلى أن جاءت موقعة صفين؛ فكاد جيش معاوية أن ينهَزِمَ هزيمةً لا قائمةَ له بعدها؛ فلجأ معاوية إلى دهائه، فرفع المصاحف على أسنة الرماح وتظاهروا بها، طالبًا وقف القتال، والتحكيم بين الحزبين، حينئذٍ آثر عليٌّ ﵁ بعض مشورةٍ وأخذٍ ورد قبول التحكيم رغبة منه في عدم إراقة الدماء، وحقن دماء الأمة، لعل الله أن يجمع بهذا التحكيم كلمة الأمة ويوحد صفوفها.
لكن جماعة من أصحاب علي ﵁ رفضوا هذه الفكرة وخرجوا على علي، ولم يقبلوا الرجوع إليه إلا إذا كفَّر نفسه، ونقض الشروط التي بينه وبين معاوية، ولما يئسوا من رجوع علي إليهم خرجوا إلى حروراء قرية قريبة من الكوفة، ووقعت بينهم وبين علي عدة حروب هزمهم فيها كلها دون استئصال شأفتهم، فدبروا له مؤامرةً لقتلِهِ حيث قتله بعد ذلك عبد الرحمن بن ملجم.
стр. 382
وكان لهذه الفرقة وجودٌ قوي أيام الأمويين؛ حيث كانوا يشكلون شوكة قوية في ظهرهِم؛ فحاربهم الأمويون؛ ثم كان عهد العباسيين، فنشبت الحروب بين الفريقين حتى تفرقت كلمة الخوارج، وضعفت قوتهم، وتعددت جماعتهم، فصاروا شيعًا وأحزابًا حتى وصلوا إلى عشرين حزبًا، ورغم أن هذه الأحزاب كانت متباينةً في العقيدة والمبدأ إلا أن الخوارج جميعًا يتفقون على أمرين: الأمر الأول: تكفير علي وعثمان، والحكمين، وأصحاب موقعة الجمل، وكل من رضي، أو شارك في التحكيم.
والأمر الثاني: وجوب الخروج على السلطان الجائر، وهناك أمر ثالث يعتقد به معظم أحزاب الخوارج ألا وهو: تكفير مرتكب الكبيرة.
ولننتقل إلى نماذج من أقوالهم في التفسير:
الخوارج جعلوا عقيدتهم ومبادئهم نُصْبَ أعينهم في المقام الأول، أما التفسير: فيأتي في المرتبة التالية، وهو كالفرع الذي ينتجُ عن المذهب، فجعلوا المذهب أصلًا، مع أن المفروض أن يكون المبدأ والاعتقاد تبعًا للتفسير الصحيح للقرآن، وبناء على هذا الوضع جاءت تفاسيرهم فيها مخالفات كثيرة، من ذلك في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٧) قالوا: إن تارك الحج كافر؛ لأن الله تعالى جعل تارك الحج كافرًا.
ثانيا: في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٦) الآية قالوا:
стр. 383
الفاسق لا يجوز أن يكون ممن ابيضت وجوههم، فوجب أن يكون ممن اسودت وجوههم، ووجب أن يسمى كافرًا؛ لقوله تعالى ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر: ٤٢) قالوا: إن الغاوي الشيطان يكون مشركًا بدليل قوله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: ١٠٠) وهكذا يأتي تفاسير الخوارج بكفر مرتكب الكبائر، مع أن النصوص الشرعية تبين أن مرتكب الكبائر ليس بكافر، وأن أمره مفوض إلى مشيئة الله، إن شاء عفا عنه بفضله، وإن شاء عذبه بعدله، وأن هذا العذاب لن يكون على سبيل التخليد، وحديث الشفاعة مشهور وهو في (الصحيحين): ((ادخرت دعوتي شفاعةً لأهل الكبائر من أمتي)).
وفي سورة الحجرات أيضًا يصف الله المتقاتلين بالإيمان، ولا يرفعه عنهم فيقول ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: ٩) فجعل الطائفتين من المؤمنين، ولما أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بقدوم رسول الله ﷺ في فتح مكة أنزل الله سورة الممتحنة، وفي صدرها يخاطبه الله -جل وعلا- بصفة الإيمان فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءِ﴾ (الممتحنة: ١) ولما أراد عمر بن الخطاب أن يقتله؛ بحجة أنه منافق دافعَ عن نفسه أمام رسول الله، بأنه فعل ما فعل ليس نفاقًا منه ولا تكذيبًا، إنما أراد أن يكون له عند قريش يدٌ يحمون بها قرابته التي تعيش في مكة، لو أن أصحاب رسول الله أرادوا بهم سوءً حين فتحِ مكة، فصدقه رسول الله ﷺ وقال: ((لعل الله اطَّلَعَ على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)) والحديث في (الصحيحين).
стр. 384
فرقة المعتزلة: سبب نشأة فرقة المعتزلة ما اشتهر وعُرِفَ في مجلس الحسن البصري ﵀ الذي كان يمثل سيدَ التابعين في زمانه؛ حيث كان له مجلس زاخر بالعلم وطلاب العلم، وكان من أبرز طلابه واصل بن عطاء، وبينما الحسن كان منشغلًا بدرس العلم إذا برجل يدخل على الحسن، ويخبره عن ظهور جماعتين إحداهما تكفر مرتكب الكبيرة، وهم الخوارج.
والأخرى: تتساهل في الكبائر تساهلًا شديدًا حتى قالوا: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة وهم المرجئة، ثم سأله عن رأيه في تلك المسألة وقبل أن يجيب الحسن بادره واصل بن عطاء بالإجابة، فقال: إنه في منزلة بين المنزلتين ليس مؤمنًا على الإطلاق، ولا كافرًا على الإطلاق، ثم اعتزل المجلس بجوار أسطوانة من أسطوانات المسجد "عمود من أعمدة المسجد" فقال الحسن البصري: اعتزلنا واصل؛ فسميت الفرقة بالمعتزلة، التفَّ حولَهُ جماعة، اقتنعوا برأيِهِ؛ فأطلِقَ عليه، وعلى من تبعه اسمَ المعتزلة.
ومبادئ المعتزلة تقوم باختصار على الأمور التالية:
أولًا: استحالة رؤية الله .
ثانيًا: أن الفاسق في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.
ثالثًا: كل ما لم يأمر الله به، أو ينهى عنه من أعمال العباد لم يشأ الله شيئًا منها.
رابعًا: قالوا بمبدأ الحسن والقبح العقليين، وأن العقل كافٍ عن إرسال الرسل، وأما الرسل فإنما جاءوا مذكرين، أو منبهين للإنسان من غفلته.
خامسًا: قالوا: إن الجن لا تتسلط على الإنس مطلقًا، وإن أقصى شيء يفعلونه هو الوسوسة والإيحاء.
سادسًا: عدم العفو على من لم يتب من ذنبِهِ، وخالفوا بذلك عقيدة أهل السنة والجماعة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والله أعلم.
стр. 385
الدرس: ٢٢ أنواع الدخيل في الرأي (٢) .
стр. 386
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني والعشرون
(أنواع الدخيل في الرأي (٢))
تابع الدخيل عن طريق الفرق المبتدعة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ونثني الآن بذكر نماذج من الدخيل في تفاسيرهم؛ ونظرًا لأن تفاسيرهم فيها كثير من الدخيل، فسنكتفي بأربعة نماذج فقط، مع أن الذي يريد المزيد بإمكانه أن يرجع إلى (تفسير الكشاف) للزمخشري أكبر تفاسيرهم؛ فعلى هامشِهِ نرى العلامة ابن المنير له كتاب (الإنصاف ببيان ما في الكشاف من الاعتزال).
النموذج الأول من الدخيل في تفسير المعتزلة عند قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥) يقولون: العقل كافٍ عن إرسال الرسل. وأما الرسل فإنما جاءوا منبهين للإنسان من غفلته، والإمام الزمخشري في تفسير هذه الآية يقول: فإن قلتَ: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبَهُ الله من الأدلة التي فيها النظر والنظر موصل للمعرفة، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرفوا أنهم رسلُ الله إلا بالنظر فيها.
قال الإمام الزمخشري: الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر، كما يرى علماء أهل العدل والتوحيد -يقصد علماء المعتزلة- مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين، وبيان أحوال التكليف، وتعليم الشرع ... إلى آخره، وتميمًا لإلزام الحجة؛ لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولًا، فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له.
ولا شك أن المعتزلة في هذا المبدأ مخطئون محجوجون بصريح الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ (الإسراء: ١٥).
стр. 387
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥) في ضوء مبدئِهِم الذي يقولون فيه: بأن الجن لا تتسلط على الإنس مطلق ً ا، وأن أقصى شيء يفعلونَهُ هو الوسوسة. يقول الزمخشري: لا يقومون إذا بعثوا من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، أي: المصروع، وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والمس: الجنون، ورجل ممسوس وهو أيضًا من زعماتهم، وأن الجني يمسه فيختلط عقله.
وإنكار ذلك التسلط من المعتزلة مصادم للنصوص الشرعية الصحيحة، من ذلك قوله ﵊: ((إذا استجنح الليل فكفوا صبيان عن الشفا؛ إن الشياطين تنتشروا حينئذ؛ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم)) الحديث في البخاري.
ثالثًا: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٩٣) في ضوء مبدأ المعتزلة عدم العفو على من لم يتب من ذنبه. يقول الزمخشري في هذه الآية: والعجب من قوم -يقصد أهل السنة- يقرءون هذه الآية، ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة وقول ابن عباس: يمنع التوبة، ثم لا تدعهم أطماعهم الفارغة، واتباع هواهم، وما تخيل إليه منامهم أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤) هذا التفسير من المعتزلة تفسير دخيل معارض لصريح القرآن الذي يقول في غير آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨).
النموذج الرابع: في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة ٢٢: ٢٣) الزمخشري يفسر قوله: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ أي: متوقعة؛ فيفسر الرؤية بمعنى التوقع والرجاء. والمعنى:
стр. 388
أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه. يفسر الزمخشري الرؤية لله بمعنى التوقع، وحتى لا تتصادم الآية مع مبدأ المعتزلة في نفي رؤية الله قالوا هذا؛ مع أن الآية صريحة وواضحة في إثبات رؤية اللهِ للمؤمنينَ في الآخرة.
ولذلك يعلق عليه العلامة ابن المنير بقوله: ما أقصر لسانه، أي: لسان الزمخشري عند هذه الآية، فكم له يدندن ويطبل في حجر الرؤية، ويشقق القباء، ويكثر ويتعمق؛ فلما فغرت هذه الآية فاه صنع في مصادمتها بالاستدلال.
هذه نماذج من تفاسير المعتزلة وما أكثرها في تفسير العلامة الزمخشري. ومن أراد المزيد فعليه الرجوع إلى هذا التفسير الذي كشف عوارَهُ الإمام ابن المنير في كتابه (الإنصاف فيما جاء من الاعتزال في تفسير الكشاف).
الدخيل عن طريق الإلحاد
هذا الإلحاد المتعمد في التفسير، ورد عن فِرَقٍ دخلت الإسلام بقصد القضاء عليه، لا حبًّا في الإسلام من هذه الفرق الباطنية. والباطنية اسم يطلق على جماعات متعددة من غلاة الشيعة، كالإسماعيلية، والقرامطة، والخرمية، والرافضة، وإنما أطلق عليهم جميعًا هذا الاسم؛ لاشتراكهم جميعًا في مبدأ التأويل الباطني، وللنصوص الشرعية، وهذه الدعوة ظهرت أولًا في زمن المأمون، وانتشرت في زمان المعتصم، ولها فروع، وتكاثرت هذه الفرقة، ثم نتج عنها فِرَق قاديانية والبابية، والبهائية.
стр. 389
وإذا أردنا أن نبين نشأةَ هذه الفرقة باختصارٍ شديدٍ، نقول: يذكر أصحاب التواريخ: أن دعوة الباطنية بعدما ظهرت أيام المأمون والمعتصم انتشرت، والذين أسسوا هذه الدعوة جماعة منهم: ميمون بن ديصان، المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن الصادق، اجتمعوا كلهم مع ميمون القداح في سجن والي العراق فأسسوا مذاهب الباطنية، ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن، ولما رحل ميمون بن القداح إلى ناحية المغرب، انتسب في هذه الناحية إلى عقيل بن أبي طالب وزعم أنه من نسله، فلما دخل في دعوته قومٌ من الروافض وغلاتهم، والحلولية ادعى منهم من ادعى أنه من أبناء إسماعيل بن جعفر الصادق. وظهرت في دعوته إلى الباطنية حمدان قرمط، بذلك لُقِّبَ لقرمطة في خطه، أو في خطوه، وإليه تنسب القرامطة.
ظهر بعده في الدعوة أبو سعيد الجنابي، وكان من مستجيبي حمدان تغلَّبَ على ناحية البحرين، ثم ظهرت هذه الفتنة بالمغرب على يد سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح وظهرت الفتنة أيضًا بأرض فارس على يد مأمون أخي حمدان قرمط وظهرت بأرض الديلم، وانتشرت هذه الدعوة، ولم تلبس هذه الفرقة حتى انتشرت في كثير من البلاد.
ومن أراد معرفة الخط البياني لها علوًّا وانحطاطًا، وظهورًا وانكماشًا؛ فعليه بكُتُب الفرق ككتاب (الفَرْقُ بين الفِرَق) وكتاب (فضائح الباطنية) وكتاب (تلبيس إبليس) و (مشكاة الأنوار) وغيرها.
لا بد أن نعرف أن هذه الفرقة -فرقة الباطنية- لها صلة وجذور تنتمي إلى المجوس، من يمعن النظر في مبادئها؛ يدرك أن هناك اتصالًا قويًّا بين هذه الفرقة وبين المجوسية؛ فإن دعاة الباطنية أولوا أصول الدين، وأحكام الشريعة تأويلًا
стр. 390
يؤدي في النهاية إلى تفضيل المجوسية، ودفع الشريعة، ونفيها أو جعل الشريعتين المجوسية وشريعة الإسلام في كفتي الميزان متساويتين ... إلى آخره.
الإمام البغدادي يوضح لنا هذه الحقيقة فيقول: إن الذين وضعوا أساس الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى أسلافهم، ولم يجسروا على إظهار ذلك؛ خوفًا من سيوف المسلمين، وتراهم تأولوا آيات القرآن، وسنن النبي ﵊ على وفق أُسُسِهِم.
يقول البغدادي: ثم إن الباطنية لما تأولت أصول الدين على الشرك احتالت أيضًا لتأويل أحكام الشريعة على وجوهٍ تؤدِّي إلى رفع الشريعة كليةً، والذي يدل على أن هذا مرادهم بتأويل الشريعة أنهم أباحوا لأتباعهم نكاح البنات، والأخوات، وأباحوا شرب الخمر وأباحوا جميع اللذات، ولم يقف أمرهم عند هذا، بل خلطوا كلامهم بمعتقدات الفلاسفة الخارجين عن دين الإسلام.
وأيضًا يقول الإمام الشهرستاني: ثم إن الباطنية القديمة خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على هذا المنهج، فقالوا في الباري ﵎: لا نقول هو موجود ولا موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز.
وكان لهم هدف معين من أجله كانوا يعملون، من كلامهم كان البعض يقول: أوصيك بتشكيكِ الناسِ في القرآنِ والتوراةِ والزبور والإنجيل، وكانوا يدعون إلى إبطال الشرائع، وذكر عنهم: أنهم أبطلوا القول بالمعاد، والقول بالعقاب والثواب، وقالوا: إن الجنة هي نعيم الدنيا، وأن العذاب إنما هو اشتغالُ أصحابِ الشرائع بالصلاة والصيام، والحج والجهاد.
وقالوا: إن أهلَ الشرائع يعبدون إلهًا لا يعرفونه، ولا يحصلون منه إلا على اسم بلا جسم، كلام فاسد كثير؛ لو أردنا أن ننظر نظرة عابرة إلى بعض نماذج من
следующие страницы →