← Тафсир

Тафсир · id 10604

الدخيل في التفسير - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

موسى هو شعيب ﵇ ويقول ابن كثير: وهذا ما ذهب إليه كثير من المفسرين، والطبري يقول روايةً عن الحسن: يقولون: شعيب صاحب موسى، ولكنه سيد أهل الماء يومئذٍ. وأجيب عنها: بأن شعيبًا ﵇ كان قبل زمان موسى بمدة طويلة، لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: ٨٩) وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل إبراهيم ﵇ بنص القرآن الكريم، وقد علم أنه كان بين موسى والخليل إبراهيم مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل: إن شعيبًا عاش مدة طويلة، إنما هو احتراز من هذا الإشكال، وورد في رواية الحسن: ولكنه سيد أهل الماء يومئذٍ، كيف يكون شعيب ﵇ سيد أهل الماء، وتنتظر ابنتاه بدون سقي حتى يصدر الرعاء؛ أي: يرجعون بماشيتهم ويتمنون سقيها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: ٢٣). من الجواب أيضًا: لو كان صهر موسى ﵇ هو شعيب لما انتظرت ابنتاه السقي حتى ينتهي الرعاء ويصدر، وله رهط كبير، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْم أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (هود: ٩٢). من الإجابات أيضًا: لم يذكر حديث صحيح، ولا نص قاطع يفيد بأن شعيبًا هذا الذي هو الرسول ﵊ كان هو صهر موسى ﵇ كل ما ورد فيه لا يقوى إلى درجة الاعتبار في مثل هذا الموضوع، ولا يكتفى فيه بالشهرة، وكثرة أخذ المفسرين به؛ لأن ذلك وحده لا يكفي، وإنما المعول على ذلك النقل الصحيح من المصادر المعتمدة شرعًا، وهي الكتاب والسنة.

стр. 72

القول الفصل في هذه القضية: إن كان الكلام الذي سبق ذكره ليس فيه جدوى كثير، كون شعيب هو الرسول الذي أرسله الله، وذكر اسمه في القرآن الكريم من بين خمسة وعشرين رسولًا أو ليس غيره، يعني: قضية لا جدوى من ورائها كثير، لكن يرى العلامة ابن جرير الطبري يقول: التوقف في تعيين صهر موسى ﵇ هو الأفضل، وهو الأسلم، وهذا هو رأي ابن جرير، حيث يقول: إن تعيين صهر موسى مما لا يدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله -جل ثناؤه-: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ويفهم أنه كان رجلًا صالحًا، لكن اسمه لم يثبت عنه من مصدر صحيح. وأما الأثر الذي ذكره الإمام النسفي عن ابن مسعود ﵁: فقد رواه الحافظ ابن كثير هكذا: قال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵃ قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عمر، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاه﴾ (يوسف: ٢١) وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ". وهو الموافق للصواب؛ إذ إنه بدون تعيين لاسم أبيها. ما ورد في كتب التفسير من تعيين أسماء بنات شعيب، هل ورد في تسميتهم نص يعتمد عليه؟ الحقيقة ذكر المفسرون ومنهم الإمام النسفي أن كُبراهما كانت تسمى صفراء، والصغرى صُفيراء، وأن موسى ﵇ تزوج صفراء الكبرى. هكذا ذكر النسفي، ولكن هذا الذي ذكره الإمام النسفي يتنافَى مع ما رواه الطبري عن طريق وابن جريج عن شعيب الجبائي، قال: اسم الجاريتين: ليا

стр. 73

وصفورا، وامرأة موسى هي صفورا بنت يثرون كاهن مدين، والكاهن حبر. كما روى الطبري عن ابن إسحاق بنحوه، وقال: إن اسم الثانية شرفا ويقال: ليا. والأولى عند ذلك عدم التعيين في اسم الجاريتين؛ لأن طرق روايات تعيينها غير صحيحة، فلم تثبت، وإن ابن جريج وابن إسحاق سبق أن ذكرنا أنهما يرويان الإسرائيليات، وإذا كان القرآن الكريم لم يحدد اسم إحداهما، فيجب علينا ألا نخوض فيما لم يذكره القرآن، وأن نتوقف عندما أجمل القرآن الكريم؛ إذ لا فائدة ولا جدوى من الخوض والتنطع، أو البحث والتقصي وراء ما أجمله القرآن الكريم، فالعظة والدرس فيما أجمل، ولا فائدةَ من تقصي تفاصيل ما أجمله أو بيان ما أبهمه القرآن الكريم، ففيه العظة والعبرة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.

стр. 74

الدرس: ٥ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٣) .

стр. 75

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدر س الخامس (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٣)) قصة عصا موسى ﵇، وقضية الأجلين الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: نذكر أن كتب التفسير التي عُنيت بالإسرائيليات، أو ذكرتها سواء بحسن قصد أو بعدم تعمد، ابن جرير الطبري (معالم التنزيل) للبغوي، (لباب التنزيل) للخازن، ابن كثير القرطبي، أبو السعود، النسفي، هذه الكتب مع أن ابن كثير من أميزها وأفضلها؛ إذ أنه عقَّب على كثير مما ذكر، ومحَّص كثيرًا من الروايات إلا أن أكثر ما ورد في هذه الكتب لا يزال يحتاج إلى تنقية. وردت روايات بشأن العصا مع صِهر موسى ﵇: ورد في تفسير النسفي: أن موسى ﵇ هو الذي أخذ العصا بعدما ردَّها سبع مرات، وأن هذه العصا توارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب ﵇ فكان مكفوفَ البصر فلما مسَّها هداه الله وأكرمه الله بها، وأنه ضَنَّ بها ﵇. وفي رواية الطبري: أن العصا استودعها ملِك في صورة رجل عند شعيب، وأن الذي أعطى موسى العصا ابنة شعيب، وفي رواية أخرى للطبري: أن العصا هي التي طارت إلى موسى، وليس موسى ولا ابنة شعيب أخذها أو أعطتها له، وهي رواية مقاتل عند الثعلبي في قصصه. وهناك رواية أخرى ثالثة عند الطبري: أن الذي أعطى العصا لموسى هو جبريل، ولا شك أن تناقض هذه الروايات واختلافها يدل على بطلانها.

стр. 76

ونستطيع أن نقول: إن إبطال هذه الروايات يتأتى من وجوه: هذه الروايات كلها ضعيفة، فرواية النسفي عن طريق محمد بن السائب الكلبي وهو معروف بالضعف، ورواية الطبري الأولى من طريق السدي وهو ضعيف أيضًا، والروايات الأخرى تأتي عن طريقهما، وهذان الراويان مشهوران برواية الإسرائيليات، كما أن رواية الإمام النسفي ذكرت أن شعيبًا كان مكفوفًا، وفي هذا وصف للأنبياء بما لا يليق بهم؛ إذ إن العمى نقص بشري، والأنبياء منزهون عن كل نقص بشري؛ لأنهم يرسلون إلى الناس، ولا بد أن يكونوا مع الفطانة، والتبليغ، والصدق، والأمانة يكون شكلهم مقبولًا وطيبًا، لا يقدح في أداء رسالتهم. ثالثًا: نقول: لقد ورد في رواية النسفي أن موسى ﵇ عرف قيمة العصا، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٨) أن موسى ﵇ لما ذكر بعض المآرب شكرًا أجمل الباقي؛ حياءً من التطويل، أو ليسأل عنها الملك العلام فيزيد في الإكرام، والمآرب الأخرى أنها كانت تماشيه، وتحدثه، وتحارب العدو والسباع، وتصير رِشاء فتطول بطول البئر أي: كالحبل الذي يُنزل به الدلو ليملأ به الماء، وتصير شعبتاها دلوًا، وتكونان شمعتين بالليل وتحمل زاده ويركزها، فتثمر ثمرة يشتهيها، ويركزها فينبع الماء، فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوامّ. هذا تكلف صعب وتعسف بالغ الشدة، إذ لو كانت كذلك لما استنكر موسى ﵇ صيرورتها ثعبانًا، أو حيةً تسعى، أو جانًّا كما كان يفرّ منها هاربًا، ويولي مُدبرًا. إذًا فكل ذلك من الإسرائيليات المنقولة عن أهل الأخبار والقصص، وكذا قولهم: أن العصا كانت لآدم ﵇ أو أعطاه إيَّاه جبريل ﵇ وأيضًا بينما ذكره الإمام النسفي في شأن العصا، وبين ما جاء في القرآن الكريم تناقض واضح،

стр. 77

ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ (طه: ١٧ - ٢٣) تدل هذه الآيات على أن موسى ﵇ لم يكن يعرف ما في العصا من أسرار، وإنما عَرَف ذلك بعدما ألقاها بأمر ربه، ولما تحولت إلى حية تسعى خاف منها، فأم َّ نه الله. وكون العصا آية من آيات الله الكبرى يبطل كل ما ذكر فيها من روايات، فإن العصا عصى عادية تمامًا، وليست كما صوروا، وقد صوروها ووصفوها بكل هذه الأوصاف التي لا ت ُ تصو َّ ر قبل أن يوحى إلى موسى ﵇ وكانت العصا آية ومعجزة لموسى بعد الوحي، كما أن هناك فرقًا بين المقامين كما جاء في حال موسى والعصا في سورة "النمل" و"القصص". قال الإمام النسفي في المآرب: إ ن العصا شعبتاها تكونان شمعتين بالليل، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا قال موسى لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (القصص: ٢٩). قضية الأجلين: أي الأجلين قضى موسى ﵇ مع صهره؟ الذي يظهر من نص القرآن الكريم أن موسى قضى أبعد الأجلين عشر سنين عند صهره، وهذا ما تدل ّ عليه الآية: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ (القصص: ٢٩)، ذكرت الآية هذا الكلام، وع ُ طفت بالفاء، والفاء للترتيب والتعقيب، يعني: عقب انقضاء الأجل سار موسى لأهله، وقد

стр. 78

ذُكرت فيه أخبار موقوفة على ابن عباس تدل على هذا. أما ما ذكره الإمام النسفي عن وهب بن منبه قال: لبث موسى عند شعيب ثماني ة وعشرين سنة، عشر منها نهر بصافوراء، وأقام عنده ثماني عشرة سنة بعدها، حتى ولد له أولاد، فهو ظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا حاجة لنا فيها، وليست متطابقة مع النص القرآني. بعد ذلك أي ّ البنتين تزوج موسى ﵇؟ وردت الروايات تفيد أن موسى ﵇ تزوج من الصغرى لكنها روايات ضعيفة، والأرجح أن موسى ﵇ تزوج واحدة من ابنتي الشيخ الكبير، والله أعلم أهي الصغرى أم الكبرى؟. بعض مواقف موسى ﵇ مع فرعون موقف آخر مع موسى وفرعون، وما حدث من المواقف بينهما والعصا والثعبان المبين ... إلى آخره: الإسرائيليات في قصة موسى مع فرعون مع أول لقا ئ هـ به حتى عبر البحر ببني إسرائيل: في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٠٦ - ١٠٨). وردت روايات في الثعبان تفيد أنه كان ذكرًا فاغرًا فاه بين لحييه ثمانون ذراعًا، وضع لحية الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه فرعون فهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، وحمل على الناس فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قتل بعضهم بعض ً ا، وصاح فرعون: يا موسى يا موسى

стр. 79

خذه، وأنا أؤمن بك، فأخذه موسى، فعاد عصى. كلام مذكور في النسفي و (الكشاف) وكتب التفسير، ولا شك أن هذه روايات كلها إسرائيليات، والقرآن الكريم فيه غن ًى عن مثل هذه الإسرائيليات. وترى أيضًا مما نقل قال وهب بن منبه: لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون: أعرفك؟ قال: نعم، قال: ألم نربك فينا وليدًا، قال: فرد إليه موسى الذي رد قال فرعون: خذوه، فبادره موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قتل بعضهم بعض ً ا، وقام فرعون منهزمًا حتى دخل البيت. كل هذا كلام قال عنه ابن الكثير: فيه غرابة في سياقه. وهذه الرواية إسرائيلية إذ إن من رواتها السدي، وهو معروف بالكذب. بياض يد موسى ﵇: ورد فيها كلام كثير ذكر الإمام النسفي أن بياض يد موسى غلب شعاع الشمس، وهذا من الإسرائيليات، ويكفي ما ذكر القرآن الكريم أنها: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (طه: ٢٢). الإسرائيليات في إسراء موسى ببني إسرائيل، وأين ذهبوا، وماذا حال ألواح التوراة، والكلام عن غضب موسى ﵇؟ الآيات قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (الشعراء: ٥٢ - ٥٦)، وردت الروايات تفيد أن جيش موسى كان ستمائة ألف وسبعين ألفًا، وعن الضحاك كان الجيش سبعة آلاف ألف، وروي أن الجيش

стр. 80

ألف ألف وسبعمائة ألف، قال ابن كثير: هذه الروايات من الإسرائيليات التي لا فائدةَ فيها، إنما القول الصحيح في هذه المسألة أن جند موسى كانوا أقل من جند فرعون؛ لأن الله يقول على لسانهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ انظر إسرائيليات كثيرة نحن في غن ًى عنها، لكنها غ ُ ص َّ ت بها كتبُ التفسير. الإسرائيليات في ألواح التوراة: قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٥) ولها آيات آخر بنفس المعنى، وردت فيها آيات في عدد الألواح، والله سبحانه يقول: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية على الإجمال والعموم، لكن الروايات الإسرائيلية تفيد أنها عشرة، وقيل سبعة، وقيل كانت من نوع من زمرد، قيل من خشب، وقيل أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير أي: حمل بعير، التوراة يحملها سبعون بعير كلام مبالغ فيه، ثم قال وا: لم يقرأ كلها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وغيرهم. وقال ابن جريج: كانت من زمرد، الله أعطاه جبريل حتى جاء بها من عدم، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد َّ من نهر النور. كل هذه إسرائيليات. وما روي أن التوراة أنزلت وهي سبعون وقر بعير إلى آخره رواها ربيع بن أنس، هكذا قال الشيخ محمد أبو شهبة في كتابه (الإسرائيليات والموضوعات) والتحقيق أن كل هذه الروايات إسرائيليات حملها عنها مَن حملها كالحسن البصري بحسن نية، وابن جريج، والسدي، وغيرهم، وغيرهم، وكلها روايات ضعيفة وبينها تعارض، وبينها فروق وتناقض، ترى مثلًا الروايات مما صنفت هذه الألواح، وكيف

стр. 81

كتبت، وكم عددها، وما ثقلها حتى تكون حمل سبعين بعيرًا؟ ثم تكون التوراة والألواح بهذا القدر العظيم الذي يحمله سبعون بعيرًا، ولم يقرأه اإلا أربعة!! وعلى هذا فإن البحث في كل ذلك لا جدوى له، وعلينا أن نؤمن بما جاء في القرآن من هذا الموضوع كما نصت عليه الآية. هل كس َّ ر موسى الألواح في غضبه وألقى بها؟ الآية في هذا ناطقة بما يلي: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ (الأعراف: ١٥٠) هذا غضب موسى، لكن الروايات التي ذ ُ كرت تفيد أنه حينما ألقى الألواح تكسرت فر ُ فعت ستة أسباعها، وبقي منها سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي هدى ورحمة. تفسير النسفي والطبري وغيرهم، إنما رواه النسفي في هذه الرواية كله من الإسرائيليات لم؟ أولًا: لأن ابن إسحاق وهو صاحب الرواية عند الطبري معروف برواية الإسرائيليات. ثانيًا: كيف ر ُ فع تفصيل كل شيء في ستة أسباع الألواح، وهو كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام، فالقرآن أثبت بطلان هذه الرواية بقوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٤) هذه الألواح بالألف واللام، فالألف واللام هنا ذكرت في الألواح كلمة معرفة بأل، وفي قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وفي قوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ وفي: ﴿أخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ كلها بالألف واللام، والاسم إذا

стр. 82

تكرر معرفًا كان الثاني عين الأول، فموسى ﵇ أخذ الألواح كلها لا بعضها، وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ تعمُّ كل ما في الألواح من شرائع ومواعظ وغيرها، وإلا فما معنى الهدى والرحمة؟!. ثالثًا: كيف رُفع تفصيل كل شيء وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِزيد سالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: ٤٣ - ٤٥). قصة زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش قصة ز واج النبي ﷺ بزينب بنت جحش ابنة عمته ﵊، ورضي الله تعالى عنها-: هذه القصة التي تناقل المفسرون فيها إسرائيليات لا تقبل؛ لأن فيها ما ينافي عصمة الأنبياء، فيها ما يقدح في خُلق رسول الله ﷺ مما يجب أن يتصف به من الصدق، والأمانة، والعِصمة.

стр. 83

أما الآيات فهي قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧). روى البعض من المفسرين: أن رسول الله ﷺ رأى زينب أبصرها بعدما أنكحها زيد بن حارثة وتبن َّ اه بعدما أعتقه، فوقعت زينب في نفسه، فقال: "سبحان مقلب القلوب " وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، أوردوا أيضًا أن الرسول خرج يوم ً ايريد زيدًا، وعلى الباب ستر من شعر فيرفع الريح الستر ف انكشفت زينب بنت جحش وهي في حجرتها حاسرة؛ فوقع إعجابها في قلب النبي، حاشاه ﷺ . هذه القصة البا ط لة ما ذكره بعض المفسرين بهذا الشأن ما هو إلا أكاذيب وأ باطيل وإسرائيليات، وإذا ما حققنا في هذا الأمر عرفنا أن الذي كان سببًا في هذه الثورة الاستشراقية على الإسلام والرسول يرجع في أصله إلى يوحنا الدمشق ي، نصراني عاش في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني الهجري: هذا الرجل وجد أن ينقل هذه الإسرائيليات، وو ُ جد في عهد عبد الملك بن مروان وكان اسمه بالعربي منصور، هذا الرجل هو الذي دس َّ أو ل فِرية مما يتناقله الناس بعده من أن النبي ﷺ عشق زينب بنت جحش، وفشت هذه الفرية وراجت بين تابعي التابعين حتى جاءت على لسان قتادة منسوبةً إليه، وذكرها ابن جرير الطبري ونقلها عنه غيره من المفسرين فكانت أعظمَ ال افتراء، وهي تتجافى عن نسق الآية وعن عصمة نبينا محمد ٍ ﷺ وعن خلقه. ولم يثبت في الصحاح شيء من هذا أبدًا، ولم ينسب هذا التاريخ لأحد ٍ بطريق مقبول، وكان يوحنا هذا نصراني ًّا، له باع في المجادلة والمناظرة، وكان يستطيع

стр. 84

بمجادلته ومناظرته إفحام بعض المسلمين العوام ببراهين كاذبة من الإسرائيليات، ومن هذه البراهين الإسرائيلية دس َ هذه القصة الكاذبة مقارنًا إي َّ اها بما ن ُ سب كذبًا وبهتانًا إلى داود ﵇ من أنه تخلص من أوريا بعدما أحب زوجته حتى ق ُ تل وتزوجها. كل ذلك دس ٌّ رخيص على رسل الله -عليهم الصلاة والسلام. نقول توضيحًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ الخصوم فسروا هذه العبارة بأن الذي كان يخفيه في نفسه هو حب زينب، ورغبته الأكيدة في طلاقها من زيد؛ ليتزوجها بعده. وهذا كذب على رسول الله ﷺ تفسير خطأ عظيم، وخروج بالآية عن معناها الحقيقي، وتحميل لها بما لا تحتمله. والتفسير الصحيح لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ هو ما ذكرته الآية بعد ذلك، والبيان: أي: وتخفي ما أعلمك الله به من قبل من أن زيدًا سيطلقها وأنك ستتزوجها بعدها؛ هدمًا لظاهرة التبني، وتشريعًا للأمة أن زوجة المتبنا ة لا تحرم إذا ط لقها المتبن ى؛ لأ نه ليس ابنًا حقيق يًّ اللإنسان، وهذا: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. لماذا أخفى النبي ذلك؟ مراعاةً لشعور زيد؛ حياءً منه، مع أن الله - جل وعلا - سيبد ي هذا الأمر لا محالة، ويظهره إلى حيز الوجود، وإنما خشي النبي ﷺ من ملامة الناس لعدم علمهم أن يقولوا: إ ن محمدًا تزوج زوجة متبناه، فهذا الذي معنى الآية: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أي: تخشى الناس أن يقولوا تزوج محمد زوجة ابنه. ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فهو الذي بيده الخلق والأمر، وهو الذي شرع لك ما أوحى به إليك في هذا الموضوع، فلا

стр. 85

تلتفت إلى مقالة الناس ما دامت الأوامر وحي ًا من الله، ولا تستحي من أحد؛ لأن الله أحق أن يستحيا منه. والعجيب أن القرآن الكريم قد قرر أن زواج زوجة المتبنا ة هذا مباح لا حرج فيه، بل هو مشروع وكان مقررًا في الشرائع السابقة، تأم َّ ل الآية: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨) إذًا الذي أخفاه النبي ﷺ هو أن زوج زيد السيدة زينب بن جحش سوف يطلقها ويتزوجها رسول الله ﷺ ليعلم الناس أن زواج زوجة المتبنَّى هذا أمر جائز مشروع، ويجب أن ي ُ بطل ما عرفته العرب من حرمة زواج زوجة المتبنى، وأن ذلك كزوجة ال ابن، أراد القرآن الكريم بعد أن تبنى رسول الله زيد ًا ثم أعتقه وزوجه ابن ة عمته زينب ًا، وكانت أمام رسول الله لو كان يريدها لتزوجها من قبل، ولكن الله أراد بهذا أن تنتهي هذه الحالة التي كانت العرب تأنف منها، وكان وا لا يرضون أن يتزوج الرجل زوجة متبناه. فالذي أخفاه النبي ﷺ في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ هو الذي أبداه الله وأظهره بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ هذا الذي أخفاه النبي ﷺ خشيةَ الحرج من زيد، وخشية ملامة البعض؛ لأنهم لا يفهمون الحكم الشرعي، ومن أجل ذلك كانت الآيات واضحة. فكلام الناس في الروايات الإسرائيلية أن النبي رآها وأ ُ عجب بها، ونظر إليها، هذا من الإسرائيليات والأكاذيب التي دس َّ ها لكتب التفسير في العصر الأول هذا الرجل النصراني الذي كان عدو ًّا للإسلام يوحنا الدمشقي.

стр. 86

بهذا يتبين أن هذه القصة الحق فيها واضح، وأن رسول الله ﷺ كل َّ فه ربه أن يخبر بهذا؛ لكي يبطل عادة التبني، وعادة حرمة زواج زوجة المتبنى، وهذا مقرر في الشرائع السابقة كما نطقت الآية القرآنية المباركة. قصة "إرم ذات العماد " الآيات: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ (الفجر: ٦ - ٨) بعض المفسرين ذكر إن إرم ذات العماد مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، أساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أنواع الأشجار والحدائق وأصناف ال أشجار والأنهار، انظر تفسير الن س في، و (قصص الأنبياء) للثعلبي، و (الكشاف)، والكتب الأخر ى التي توس َّ عت في ذكر هذه الإسرائيليات في قصة إرم ذات العماد. وقوم عاد كانوا أشد الناس في الأرض، مما لا يخف ى أن الله ذكر عنهم أنهم قالوا: ﴿م َ ن ْ أ َ ش َ د ُّ م ِ ن َّ اق ُ و َّ ة ً﴾ استفهام (فصلت: ١٥) وأن القرآن الكريم لم ينكر عليهم هذا، فالقران الكريم ما قال: إ نهم ليسوا أقوى الناس في الأرض، وإنما انتقل إلى شيء آخر فبعدما قالوا في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (فصلت: ١٥) قال الله -جل وعلا- بعدها: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: ١٥) كانوا قوم عمالقة أقوياء، نعم، وقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم فرعون ذكروا في هذه السورة؛ لأنهم طغوا في البلاد.

стр. 87

ذكر بعض المفسرين أن إرم ذات العماد مدينة عظيمة، ودخل في هذه القصة خرافات لبني إسرائيل من وضع زنادقتهم، وعندما نقرأ الآيات نعرف أن التفسير الصحيح لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ أن هذه القبيلة أو هؤلاء الناس سواء كانت إرم اسم القبيلة أو اسم جدهم الكبير، أو اسم البلد إ ن الله أهلكهم بعدما عصوا الله وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، والآيات في هذا كثيرة جد ًّ ا. كلمة إرم تسمية لهم ب اسم جدهم، ولمن بعدهم، فإرم إذًا عطف بيان لكلمة عاد: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ﴾ هي عطف بيان لهم، وبيان أنهم عاد الأولى القديمة. ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: كانوا بدوًا بين أهل عمد، أو كانوا طوال الأجسام، هذا ما ذكره المفسرون، كانوا قوم ًا أشداءً وأقوياء ً، وهذا القول واضح لكن دع اكثير من المفسرين أن ينقلوا كلام ًا مبالغًا فيه، فمما ورد عنهم، الأصح طبع ً اأن هذا القول هو قوم أقوياء البدن، ولهم أعمال في الأرض قوية، ودعاهم نبيهم إلى عبادة الله وحده، وذكرهم بنعمه عليهم، وأن يسخروا نعمة الله في طاعته، فكما قال ربنا: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ٦٩) وقال أيضًا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا﴾ وقال تعالى عنهم: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ هذه الآيات تشير إلى أن المراد بعاد إرم هي القبيلة المعروفة المشهورة التي لم يخلق م ثلها في بلادهم، ولا في زمانهم؛ لقوتهم وشدتهم، وعظم تركيبهم؛ وأيضًا لأن الآية بعدها تقول: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي﴾ (الفجر: ٩) فذكر قبيلة ثمود.

стр. 88

ورد إسرائيليات كثيرة في طول هؤلاء الأقوام، أقوال كثيرة بعض المفسرين يقول: كان طول الرجل منهم أربعم ائة ذراع، تتصور أربعم ائة ذراع يعني: مائتي متر كان الطول، هكذا، وقال الطبري: كان الرجل مهم اثن ي عشر ذراعًا، واحد يقول: أربعم ائة، والثاني يقول: اثن ي عشر ذراعًا طول ً افي السماء!! هذا كلام ذكره النسفي والطبري، وكله من الإسرائيليات من أجل ذلك نقول: لسنا مكلفين بالنظر إلى هذه الأحجام الطوال ما دام أحدها لا هذا الرأي ولا ذاك لم يثبت ولم يرد عن طريق صحيح، وإنما نحن يجب أن نعتقد بما صر َّ حت به الآيات، ونؤمن بما في القرآن والسنة الصحيحة، فالآيات بينت أنهم قوم أشداء وأقوياء، أما تحديد أطوالهم وأعمارهم وكل هذا، هذا من الكلام الذي لم يثبت لنا به نص ٌّ أو دليل صحيح. فتنة سليمان ﵇ - نبي الله سليمان ﵇ كنموذج آخر فيه إسرائيليات: قوله - جل وعلا - عن سليمان وعن الهدهد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (النمل: ٢٢) الآيات، وإذا ما تأملنا الآيات نرى قول الله - جل وعلا - عن لسان سليمان: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (النمل: ٢٠ - ٢٢) حقيقةً أن الله سخر لرسوله سليمانَ وآ تاه مُلكًا كما دعا، وقال: ﴿مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: ٣٥) فقال الله له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

стр. 89

من هذا العطاء أن الله سخر لسليمان الطير، وهذا الهدهد الذي كان يرسل بمأموريات خاصة، فيرجع بتقارير ويرجع بتكاليف يكلف بها، وهذا موقف من مواقفه، جاء الهدهد فأخبر نبيَّ الله سليمانَ: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ المفسرون، ومنهم العلامة الألوسي رغم أنه يم ي ّز بين الغث ّ والسمين، قال: وفي بعض الآثار أن سليمان ﵇ لما لم ير َ الهدهد دع اعريفَ الطير وهو النسر، فسأله فلم يجد عنده علم ًا، ثم قال لسيد الطير وهو العُقاب: علي به، فارتفعت فنظرت، فإذا هو مقبل فقصدته فناشدها الله تعالى، وقال: بحق الله الذي قواكِ وأقدرك علي إلا رحمتيني فتركته، وقالت: ثكلتك أمك، إن نبي الله تع الى قد حلف ليعذبنك أو ليذبحنك، قال: وما استثنى؟ قلت: بلى، قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ف قال: نجوت إذًا، فلما قرب من سليمان أرخى ذَنَبه وجناحيه يجرهما على الأرض؛ تواضعًا له، فلما دَن َا منه أخذ برأسه فمد َّ هـ إليه، فقال: يا نبي الله، اذكر وقوفك بين يدي الله فارتعد سليمان وعف اعنه. وعن عِكرمة أنه عف اعنه؛ لأنه كان بار ًّا بأبويه يأتيهما بالطعام فيذقهما لكبرهما. والقصة -كما ترى- ظاهر عليها أمارات الوضع، فمن الذي نقل لنا حوار الطير، وترجم لنا منطقه؟ ومن الذي عرف قتادة أن الهدهد كان بارًّا بأبويه، وأنه من أجل ذلك عفا عنه سليمان؟ ترى القصة موضوعة ولا شك. ولكن العلامة الألوسي في هذا الموضع على غير عادته يرويها، ولا يعقب عليها بما يفيد بطلانها، نعم العلامة الألوسي من أعظم المفسرين، ومن أنزههم عندما يعرض الإسرائيليات فيفرزها ويمحصها، ويعقب عليها، لكن أفلتت منه بعض الإسرائيليات، هذا الموقف منها.

стр. 90

قول الدكتور محمد حسين الذهبي تعقيبًا على موقف العلامة الألوسي: ولقد كنا نودّ أن لو وقف الألوسي موقف المتشدد دائمًا من رواية الإسرائيليات، فلا يروي رواية ويسكت عنها، ذكر ذلك الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه (الإسرائيليات في التفسير والحديث). هذا موقف الهدهد والكلام عنه الكثير وكثير، والكلام عن النمل، وعن تسخير الله لعالم الطير، وعالم الحيوان، وعالم الجن أشياء كثيرة في حياة نبي الله سليمان ﵇. الآية الأخرى في شأن سليمان ﵇ والتي أثارت جدلًا واسعًا وكلامًا كثيرًا مِن مَن دسُّوا الإسرائيليات في كتب التفسير: أما الآية فهي قوله -جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص: ٣٤) الآية حولها إسرائيليات كثيرة، ذكرها المفسرون بين مقلٍّ وبين متوسعٍ، في بيانها بما يحتاج وقت طويل نفصلها فيه، لكنها باختصار: ذكر ابن جرير الطبري، وهو من أسبق من تحدث عن قصة الفتنة التي فُتن بها سليمان، واختبر بها، وتحدث عن الجسد الذي أُلقي على كرسيّه ﵇. قال ابن جرير: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة في الآية: أن سليمان أمر ببناء بيت المقدس فقيل له: ابنيه ولا يُسمع فيه صوتُ حديدٍ، قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطانًا في البحر يقال له صخر المارد ة، قال: فطلبه وكانت عين في البحر يريدها في كل سبعة أيام مرة ً، فنزح ماؤها وجُعل فيها خمر، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تُصبّين الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا، قال: ثم رجع حتى عطش عطشًا شديدًا، ثم آتاها، فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تُصبِّين الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا، ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال: فأرى الخاتم، أو ختم به

стр. 91

بين كتفيه، فذلَّ، قال: فكان ملكه في خاتمه، فأتى به سليمان فقال: إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمع عنا فيه صوت حديد، قال: فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها يرى بيضه ولا يقدر عليه، فجاء بالماس فوضعه عليها فقطعها به، ثم أفضى إلى بيضه، فأخذ الماسّ، فجعلوا يقطّعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخله بالخاتم، فانطلق يومًا إلى الحمام، وذلك الشيطان اسمه صخر كان معه عند مفارقة ذنب قارف فيه بعض نسائه، قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونُزع ملك سليمان منه، فألقي على الشيطان شبه سليمان، قال: فجاء -أي: الشيطان- فقعد على كرسي سليمان وسريره، وسلّط على ملك سليمان كله غير نسائه، قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا يُنكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن نبي الله، وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب، فقال: والله لأجربنه، قال: فقال: يا نبي الله، وهو لا يرى إلا أنه نبي الله، أحدنا تصيبه الجَنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدًا حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأسًا؟ قال: لا. فبين هو كذلك أربعين ليلةً حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل لا يستقبله جنيّ إلا سجد له حتى انتهى إليهم: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر. هذه القصة واضح كل الوضوح أنها إسرائيليات، وكذب وافتراء؛ إذ محال إن يلقي الله شبه سليمان ﵇ على شيطان، فيلبس على الناس أمر دينهم، ومحال أن يمكّن الله شيطانًا من التسلط على ملك سليمان، فيتحكم فيه كيف يشاء، ومحال أن يشرب سليمان الخمر أو شيئًا من هذا، كل هذا لا يقبله عقل ولا شرع. فكيف يمكن أن يتمثل الشيطان بنبي الله سليمان ويتسلط على ملكه؟

стр. 92

ثم ما لنا نذهب في تفسير الآية إلى هذه القصة التي لا أصل لها، وقد روى البخاري عن رسول الله ﷺ ما يمكن أن تُحمل الآية عليه؛ فالذي ألقي على كرسي سليمان يُمكن أن يُفهم من حديث الإمام البخاري ﵀ فقد روى عن رسول الله ﷺ ما يمكن أن تُحمل الآية عليه، من غير أن نقول زورًا أو نرتكب محذورًا، جاء الحديث في البخاري بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال سليمان بن داود ﵇: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، أو تسع وتسعين كلهنّ يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله؛ فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشِق ولد، أو بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فرسان أجمعون)). فيمكن أن يكون هذا الذي فُتن به سليمان وألقي على كرسيه هذا الطفل الصغير الذي لم يكتمل، أو أن الله امتحنه بمولود فأحبه واهتمَّ به، فمات هذا المولود، أو قتل، وألقته الشياطين على كرسي سليمان جسدًا لا حَراكَ فيه، فأدرك أن الله امتحنه به، فرجع إلى الله ودعاه أن يهَبه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 93

الدرس: ٦ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٤) .

стр. 94

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٤)) المسوخ من المخلوقات في روايات بني إسرائيل الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين: المسوخ من المخلوقات: المسوخ جمع: مسخ، أي: الممسوخ من حالة إلى حالة أخرى، يعني: هناك مخلوقات مسخها الله وحوَّلها من شيء إلى شيء، ونعلم أن الله قد عاقب فريقًا من بين إسرائيل أصحاب السبت، لما عصوا ربهم واعتدوا في يوم السبت كان العقاب لهم كما نطقت الآية: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (البقرة: ٦٥). حديثنا عن حديث أو عن إسرائيلية وردت ذكرها زنادقة أهل الكتاب، فوضعوا حديثًا عن النبي ﷺ وهو خرافات لا يُصدقها عقل، قالوا: إن هناك بعضَ أنواع الحيوانات زعموا أنها مُسخت -سبحان الله العظيم- ولو أن هذه الخرافات نُسبت إلى من دخل في الإسلام من أهل الكتاب، من نسميهم أقطاب الرواية الإسرائيلية مثل كعب الأحبار وأمثاله، أو حتى نسبوها إلى بعض الصحابة أو التابعين؛ لهان الأمر، ولكن عظم الإثم أن يُنسب ذلك إلى رسول الله ﷺ المعصوم، وهذا اللون من الوضع والدسّ مِن أخبث أنواع الكيد للإسلام ونبي الإسلام ﷺ . ذكر الإمام السيوطي -عفا الله عنه، بعدما أورد طامَّات وإسرائيليات في قصة هاروت وماروت، ولم يعلق عليها بكلمة - هذا الحديث الغريب ونصه: أخرج الزبير بن بكار في (الموفقيات) وابن مردويه والديلمي: أن النبي ﷺ سئل عن المسوخ فقال: "هم ثلاثة عشر الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث، والضب، والوطواط، والعقرب، والدعموث، والعَنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهرة، فقيل: يا رسول الله، وما سبب مسخهنّ؟ يعني: كأن هذه الأشياء كانت خلقًا آخر، ثم مُسخت إلى هذه الحيوانات، فقال -كما زعم هؤلاء-:

стр. 95

فأما الفيل فكان رجلًا جبارًا لوطيًّا لا يدع رطبًا ولا يابسًا، وأما الدب فكان مؤنثًا يدعو الناس إلى نفسه، وأما الخنزير فكان من النصارى الذين سألوا المائدة، فلما نزلت كفروا، وأما القردة فيهودٌ اعتدوا في السبت، وأما الجريث -هي على وزن سكيت، وهي نوع من السمك- فكان ديّوثًا الذي لا يغار على زوجته - فنسخ إلى الجريث يدعو الرجال إلى حليلته، ولا يغضب. أما الضب فكان أعرابيًّا يسرق الحاج بمحجنه، وأما الوطواط فكان رجلًا يسرق الثمار من رءوس النخل، وأما العقرب فكان رجلًا لا يسلم أحدٌ من لسانه، وأما الدعموث -دابة صغيرة مثل الدودة دويبة، أو دودة سوداء تكون في أماكن تجمع الماء إذا نضب ماؤها - فكان نمامًا يفرق بين الأحبة، وأما العنكبوت فامرأة سَحرت زوجَها، وأما الأرنب فامرأة كانت لا تتطهر من حَيْضها، وأما سهيل فكان عشارًا باليمن -العشار هو الذي يأخذ عشر الثمرات، والإنتاج، ضرائب يأخذها بلا مقابل، وهو معروف أن هذا من المكسب من المحرمات - وأما الزهرة فكانت بنتًا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت وماروت". حديث ذكره السيوطي ونقله عن غيره، ويتعلق بقضية المسوخ من المخلوقات. ألا قبح الله من وضع هذا الكذب وهذا الزور والباطل، ونسبه إلى المعصوم إلى مَن لا ينطق عن الهوى ﷺ . يقول شيخنا فضيلة الشيخ محمد أبو شهبة: ومما يقضى منه العجب أن الإمام السيوطي ذكر هذا الهُراء من غير سند، ولم يعقب عليه بكلمة استنكار، سبحان الله، مع أن الإمام السيوطي له مواقف كثيرة طيبة في التعقيب على الأحاديث الباطلة، والموضوعات، ونحو ذلك: ومثل هذا لا يشك طالب علم في بطلانه فضلًا عن عالم كبير.

стр. 96

وأما العلامة ابن الجوزي فقد حكم عليه بالوضع، وكذا ذكره الإمام السيوطي في (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) وتعقبه بما لا يجدي، يعني: كأنه عقَّب عليه بكلام هزيل لا يبين بطلانه وفساده، وكان من الأمانة العلمية -والكلام لشيخنا الشيخ أبو شهبة- أن يشير -أي: السيوطي- إلى هذا، وبعد هذا الكذب والتخريف ينقل الإمام السيوطي ما رواه الطبراني في (الأوسط) بسندٍ ضعيفٍ، كذا قال عن عمر بن الخطاب قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ في غير حينه، ثم ذكر قصة طويلة في وصف النار، وأن النبي ﷺ بكى، وأن جبريل بكى حتى نوديَا: إن الله أمنكما أن تعصياه. الكلام هذا مذكور في تفسير الإمام السيوطي (الدر المنثور) الجزء الأول صفحة ١٠٢ وما بعدها، وأغلب الظن -كلام شيخنا الشيخ أبو شهبة- أن هذا من الإسرائيليات التي دُسَّت في الرواية الإسلامية على حين غفلة من الناس. ما ورد في بناء الكعبة المشرفة الكعبة المشرفة بيت الله الحرام، وعندما نتذكر هذا البيت العتيق في التاريخ السحيق نعلم أنه بُني أكثر من مرة. القرآن الكريم بيَّن أن الذي بناه هو إبراهيم ﵇ وبعد ذلك بُني عدة مرات، ويذكر أنه بنته الملائكة وبناه آدم، وكذا، وكذا، كلام كثير. ما ذكره العلامة السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) عند قوله -جل وعلا-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٧) نقل عن الأزراقي وأمثاله من المؤرخين والمفسرين الذين هم كحاطبي ليل، ولا يميزون بين بين الغث والسمين، والخبيث والطيب، والمقبول

стр. 97

والمردود في بناء البيت: ومن بناه قبل إبراهيم أهم الملائكة أم آدم؟ والحجر الأسود من أين جاء؟ وورد في فضلهما كلام كثير، وقد استغرق في هذا النقل الذي معظمه من الإسرائيليات التي أخذت عن أهل الكتاب بضعة عشرة صحيفة. ما ذكره الإمام السيوطي لا يصح منه عُشر ما ذكره من الروايات، ولو أن الإمام السيوطي اقتصر على الروايات الصحيحة التي رواها الإمام البخاري في صحيحه في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء: ١٢٥) ورواه غيرُه من العلماء الأثبات لأراحنا وأراح نفسه، ولما أفسد العقول، وسمم النفوس بكل هذه الإسرائيليات التي نحن في غُنية عنها بما تواتر من القرآن الكريم، وثبت من السنة الصحيحة. والحق أن ابن جرير كان مقتصدًا في الإكثار من هذه الإسرائيليات وإن كان لم يسلم منها، وذكر بعضها، وذلك مثل ما رواه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما أهبط الله آدم من الجنة قال: إني مهبط معك بيتًا يُطاف حوله كما يُطاف حول عرشي، ويصلَّى عنده كما يصلى عند عرشي، فلما كان زمن الطوفان رفع فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوَّأه الله إبراهيم ﵇ وأعلمه مكانَه، فبناه من خمسة أجبن من: حراء وثبير ولبنان وجبل الطور وجبل الخمر. كلام!! وأعجب من ذلك ما رواه بسنده عن عطاء بن أبي رباح قال: لما أهبط الله آدم من الجنة كان رِجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها؛ فوجَّه إلى مكة فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلى

стр. 98

مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة حتى بعث الله إبراهيم ﵇ فبناه، فذلك قوله الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (الحج: ٢٦) إلى غير ذلك مما مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وخرافاتهم. ولم يصح عن ذلك خبر عن المعصوم ﷺ ورحم الله الإمام الحافظ ابن كثير فقد بيَّن لنا منشأ معظم هذه الروايات التي هي من صُنع بني إسرائيل، ومن دسّ زنادقتهم، فقد قال ما رواه البيهقي في (الدلائل) من طرق عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ : "بعث الله جبريل إلى آدم، فأمره ببناء البيت فبناه آدم ثم أمره بالطواف به، وقال له: أنت أول الناس، وهنا أول بيت وضع للناس ". قال العلامة الإمام ابن كثير: إن هذا من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف، والأشبه -والله أعلم- أن يكون موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك، وهي قدر من الكتب أخذها على بعير كان يحمل عليه متاعه؛ لعله فاز بزاملتين بعيرين بما فيهما وما عليهما، فكان في ما نقل عليهما وأخذه يوم اليرموك بعض الكتيبات التي فيها عن أهل الكتاب من هذا الكثير، فكان هذا من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث بما فيهما. والعلامة ابن كثير قال في كتابه (البداية): ولم يجئ في خبر صحيح عن المعصوم أن البيت كان مبنيًّا قبل الخليل ﵇ ومن تمسك في هذا بقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ فليس بناهضٍ ولا ظاهر؛ لأن مراده مكانه المقدر في علم الله تعالى المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من آدم إلى زمان إبراهيم ﵇. ورغم هذا أقول: إن كثيرًا من كُتَّاب التاريخ ذكروا أن الكعبة بُنيت عشر مرات، حتى نسجوا في ذلك أبياتٍ من الشعر:

стр. 99

بنى بيت رب العرش عشر ... فخذهم ملائكة الله الكرام وآدم فشيث فإبراهيم ثم عمالق ... قصي قريش قبل هذين جُرهم وعبد الإله بن الزبير بنى ... كذا بناء لحجاج وهذا متمم ثم جاء بعد ذلك السلطان مراد العثماني فبنى المرة الحادية عشرة. وعلى هذا القول كأن الكعبة بُنيت إحدى عشرة مرةً، لا يعنينا إلا أن ما ذكره القرآن الكريم أن إبراهيم هو الذي بنى البيت وكان معه إسماعيل، وهذا ثابت في القرآن، وما كان بعد ذلك من بناء قريش وعبد الله بن الزبير والحجاج ونحو ذلك، هذا تذكره كتب التاريخ، أما قبل إبراهيم، فكما ذكر العلامة ابن كثير أن البيت لم يُذكر في خبر صحيح عن المعصوم من الذي بناه قبل إبراهيم ﵇؟ الإسرائيليات في قصة التابوت والتابوت شيء ذُكر في قصة طالوت الذي كان ملكًا على بني إسرائيل، والآيات القرآنية أشارت إلى هذا، والذي ذُكر في التابوت في القرآن إشارات لم يفصل ولم يبين. الإسرائيليات باختصار التي أوردها المفسرون حول هذا التابوت، وما له من بركات، وما فيه من آثار. من الإسرائيليات التي التبس فيها الحق بالباطل ما ذكره غالب المفسرين في تفسيرهم في قصة طالوت، وتنصيبه ملكًا على بني إسرائيل، واعتراض بني إسرائيل عليه، وإخبار نبيهم لهم بالآية الدالة على ملكه، وهي التابوت،

стр. 100

والآيات في هذا واضحة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٨). نعرف أن بني إسرائيل قال لهم نبيهم: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٤٧). ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. ذكر العلامة ابن جرير والثعلبي والبغوي والقرطبي وابن كثير، والسيوطي في كتابه (الدر)، وغيرهم في تفسيرهم كثير من الأخبار عن الصحابة والتابعين، وعن وهب بن منبه وغيره من مسلمة أهل الكتاب، وعندما نقول: "مسلمة أهل الكتاب" نَصِفُ الذين دخلوا من أهل الكتاب في الإسلام وأسلموا، وطبعًا منهم من كان ينقل أخبارًا لا يقصد أن يدسّ في ثقافة المسلمين؛ إنما ينقل من أخبارهم، فورد عن وهب بن منبه وغيره من مسلمة أهل الكتاب في وصف التابوت، وكيف جاء، وعلام يشتمل، وعن السكينة وكيف صِفتها؟ كل هذا ورد في أشياء كثيرة نحكيها باختصار، مع أنني قرأت في (معالم التنزيل) للإمام البغوي في هذا التابوت وفي داود وجالوت وطالوت روايات إسرائيلية أكثر من ثلاث عشرة صفحة. ذكروا في شأن التابوت أنه كان من خشب الشمشات، ونحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين. كلمة الشمشاد أو الشمساد نوع من أنواع الخشب الجيد، كان عند آدم إلى

стр. 101

أن مات، كلها أخبار، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاده إلى إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل، ثم يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل، إلى أن وصل إلى موسى ﵇. فكان يضع فيه التوراة ومتاعًا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت شمويل، وكان عندهم حتى عصوه فغلبهم عليه العمالقة، وهذا الكلام وإن كان محتملًا للصدق والكذب، لكننا في غُنية عنه، ولا يتوقف تفسير الآية عليه، أين كان؟ وكم كان مقداره؟ ومَن الذي توارثه من آدم إلى شيث إلى إبراهيم إلى إسماعيل إلى يعقوب؟ كل هذا كلام لا يُسمن ولا يغني من جوع. وقال بعضهم: إن التابوت إنما كان في بني إسرائيل ولم يكن من عهد آدم ﵇ وأنه الصندوق الذي كان يحفظ فيه موسى ﵇ التورا ة، ولعل هذا أقرب إلى الحق والصواب كما قال شيخنا الشيخ أبو شهبة. وكذلك أكثروا من النقل في السكينة، فروي عن علي بن أبي طالب ﵁: "هي ريح خجوج وهفافة لها رأسان، ووجه كوجه الإنسان". الريح الخجوج: هي التي تمر كثيرًا شديدة المرور من غير استواء، ولكن تأمل كيف يكون للريح رأسان، ووجه كوجه الإنسان، كل هذا إسرائيليات!! وورد عن مجاهد أنه قال: السكينة حيوان كالهِر -يعني: كالقط- له جناحان وذنب، ولعينيه شعاع إذا نظر إلى الجيش انهزم، وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هِر أيقنوا بالنصر. وهذا من خرافات بني إسرائيل وأباطيلهم. وعن وهب بن منبه قال: السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تتكلم، فتخبرهم ببيان ما يريدون. وعن ابن عباس: "السكينة: قسط من ذهب، كانت تُغسل فيه قلوب الأنبياء أعطاه الله موسى ﵇".

стр. 102

كل هذه الروايات لم يثبت منها شيء، والحق أنه ليس في القرآن ما يدل على شيء من ذلك، ولا فيما صح عن النبي ﷺ شيء، وإنما هذه من أخبار بني إسرائيل التي نقلها إلينا مسلمة أهل الكتاب، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين، وتناقلوها، ومرجعها إما إلى كعب الأحبار أو وهب بن منبه وأمثالهما. التفسير الصحيح للسكينة: التفسير الصحيح -والذي ينبغي أن تُفسر به- أن المراد بها الطمأنينة والسكون الذي يحلّ بالقلب عند تقديم التابوت أمام الجيش، فهي من أسباب السكون: الطمأنينة، وبذلك تقوى نفوسهم، وتشتدّ وترتفع معنوياتهم، فيكون ذلك من أسباب النصر، فهو كقوله -جل وعلا-: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (التوبة: ٤٠) أي: طمأنينته، وما ثبَّت به قلبه، ومثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (الفتح: ٤) ﴿فَأَ نْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (الفتح: ٢٦) فالمراد بالسكينة طمأنينة القلب، ثبات النفوس، اليقين الذي ينزل على قلوب مَن يتبع شرع الله ويتبع رسوله. يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة: ويعجبني في هذا ما قاله الإمام أبو محمد الشيخ عبد الحق بن عطية، حيث قال: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به، وتقوى، وكذلك ذكروا في مجيء التابوت أقوالًا متناقضةً متضاربةً يردّ بعضُها بعضًا، مما يدل على أن مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وابتداعاتهم، وأنه ليس فيه نقل يُعتدّ به، ولا يُوثَق به.

стр. 103

روي عن ابن عباس أنه قال: "جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون". ورُوي عن السدي: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت، وقال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت المُلكَ حملته الملائكة. سبحان الله!! هذا مع أنهم رووا -كما سلف- أنهم لما عصوا وأفسدوا غلبتهم العمالقة، فأخذوا التابوت. الرواية عن الحسن: فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ووضعته بينهم، وقال قتادة: بل كان التابوت في التيح خلَّفه موسى عند يوشع بن نون، فبقي هناك حتى حملته الملائكة ووضعته في دار طالوت فأقروا بمُلكِه. وذكر غير هؤلاء: أن التابوت كان بأريحاء، وكان الذين استولوا عليه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الأكبر، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحتهم فأصبح الصنم مكسورَ القوائم مُلقًى بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قِبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها أمراض في رقابهم. هذه كلها إسرائيليات. وقيل: بل جعلوه في مخرأة قوم لهم -المكان الذي يذهبون إليه للغائط- فكان كل من تبرز هناك أصيب بالناصور وقيل: بالباصور، فتحيروا في الأمر فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون، ما دام هذا التابوت فيكم، فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت، ثم علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل، فكسروا نَيريهما -ما يوضع على رقبة الثور عند الحرف، والجر بالجر -.

стр. 104

والرواية تقول: أنهما كسرَا نيريهما، وقطعا حبالهما، ووضعَا التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل، ورجعا إلى أرضهما فلم يرع بني إسرائيل أي: ويلفت أنظارهما إلا التابوت، فكبروا، وحمدوا الله تعالى، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَة﴾ أي: تسوقه. وكل هذا من أخبار بني إسرائيل، الذين غيروا وحرفوا وبدلوا، فالله أعلم بصحتها، وأقرب هذه الأقوال من الصحة، وما يدل عليه القرآن هو ما روي عن ابن عباس ﵄. وكذلك اختلفوا في تعيين البقية مما ترك آل موسى وآل هارون، يعني: كل جزئية مما يتعلق بالتابوت فيها أخبار واختلافات وتناقضات، اختلفوا في تعيين قوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ ما هذه البقية؟ والمراد بآل موسى وآله هارون هما ذاتهما، وهذا أمر معهود في لغة العرب، فالحديث الشريف: ((لقد أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود)) أي: صوتًا حسنًا، ولم يكن في آل داود حسن الصوت أحد إلا هو، فالمراد بآل داود هو داودُ نفسُه، فعندما نقول: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ يعني: موسى وهارون، وكانت هذه الأشياء محفوظةً في التابوت، فعن عبد الله بن عباس قال: "عصاه ورضاض الألواح" أي: البقية هذه كانت عصى موسى، والرضاض: الألواح، الرضاض هو الفتات الذي ينفصل من احتكاك لوحين وما يتهشم منهما، قال ابن عباس: "هذه هي البقية الباقية مما ترك آل موسى وآل هارون". لأن الألواح لما انكسرت عندما ألقاها موسى ﵇ حين عاد ووجدهم يعبدون العجل بقيت منه هذه الآثار. وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة، وبعضهم قال: والتوراة، قال أبو صالح: الآثار هذه عصى موسى وعصى هارون، ولوحين من التوراة، وقفيذ من المن، القفيذ: قدر من الكيل من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل

стр. 105

في التيه، وقيل: عصى موسى ونعلاه، وعصى هارون وعمامته، وثياب موسى وثياب هارون، ورضاض الألواح. إلى غير ذلك. على كل حال، هي أقوال متقاربة، كما قال شيخنا الشيخ أبو شهبة، ولا يردّ بعضها بعضًا، وكلها محتملة، فالله أعلم بالصواب منها. وهي على كل حال، من الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب، فلا نصدقها ولا نكذبها، بل نتوقف عندها، والذي نقطع به ويجب الإيمانُ به، أنه كان في بني إسرائيل تابوت أي: صندوق من الخشب مثلًا ونحوه، من غير بحث في حقيقته وهيئته، من أين جاء؟ لا يلزمنا أن نسأل من أين جاء؟ إذ ليس في ذلك خبر صحيح عن المعصوم ﷺ وأن هذا التابوت كان فيه مخلفات، وآثار من مخلفات موسى وهارون ﵉ مع احتمال أن يكون تعيين ذلك في بعض ما ذكرنا آنفًا، وأن هذا التابوت كان مصدرَ سكينة وطمأنينة لبني إسرائيل لا سيما عند قتال عدوهم، وأنه عاد إلى بني إسرائيل تحمله الملائكة، من غير بحث في الطريق الذي حملته بها الملائكة، وبذلك كان التابوت آية دالة على صدق طالوت في كونه ملِكًا عليهم، وما وراء ذلك من الأخبار التي نقلناها، أو نقلنا بعضًا منها لم يقم عليه دليل. شجرة طوبَى من الأشياء التي وردت فيها إسرائيليات: شجرة طوبى: كلمة طوبَى: كلمة طيبة، وحسنة، وجميلة، إلا أن الإسرائيليات لم تتركها أيضًا، أورد المفسرون في كلمة طوبى ومعناها كلامًا كثيرًا، وإسرائيلياتٍ كثيرةً. إليك هذه الإسرائيليات:

стр. 106

من الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند الآية وهي قول الله -جل وعلا-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (الرعد: ٢٩)، أورد ابن جرير بسنده وغيره عن وهب، قال: إن في الجنة شجرة يقال لها: طُوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرتها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم؛ إذ أتتهم ملائكة من ربهم، يقودون نجبًا مزمومةً -النجب أي: الإبل الكرام- بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنًا، ووبرها كخز المرعزي من لينه -الخز الحرير- عليها رحال، ألواحها من ياقوت، دفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، فيفتحونها، يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه، وتسلموا عليه، قال: فيركبونها، فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نُجبًا من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه، وهو يكلمه ويناجيه لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى، ولا برك راحلة برك الأخرى -أي: الصدر- حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم؛ لئلا تفرق بين الرجل وأخيه. قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيُسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه، قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول الله تعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم السلام، حقت رحمتي ومحبتي، مرحبًا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك، قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نَصَب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنية، فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس

стр. 107

أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، ربي فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا قصر يد. قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال، قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قُبة من ذهب مفرَّغة فيه، كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة، في كل منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن مَن يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبه كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ويدخل إليهما فيحييانه، ويقبِّلانه، ويتعلقان به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفًّا في الجنة، حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له. هذا الكلام رواه ابن جرير عند تفسير هذه الآية، وكذا (الدر المنثور) للإمام السيوطي عند تفسيره لهذه الآية. أما العلامة ابن الكثير فقد وصف في تفسيره هذا الأثر بعدما أورده باختصار بأنه غريب، وعجيب، وساقه، وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب أيضًا، وزاد زيادات أخرى رغم أن ابن أبي حاتم قد اشترط ألا يُخرج إلا ما صح، لكن أورد هذا الأثر أيضًا، وكذا ذكره البغوي وغيرهم.

стр. 108

التفسير الصحيح لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾: المأثور عن السلف في تفسير طوبى غير الذي ذكر، فقد روي عن ابن عباس ﵄ في تفسيرها قال: "فرح لهم وقرة عين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ ". قال عكرمة: نِعم مالهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وقال إبراهيم النخعي: خير لهم وكرامة، وروي أيضًا عن بعض الصحابة وغير واحد من السلف: أن: ﴿طُوبَى﴾ هي شجرة في الجنة، بل ورد ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا قال: ((طوبى شجرة في الجنة، ظلها مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة، تخرج من أكمامها)) هذا كلام ذكره العلامة ابن كثير. بل قيل أيضًا: إن الشجرة التي ذكرها النبي ﷺ في حديثة: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)) والحديث طبعًا في (مسند أحمد) ومتفق عليه في البخاري، ومسلم، قيل: إنها الشجرة أي: شجرة طوبى هي التي وصفها النبي ﷺ بأن الراكب يسير في ظلالها مائة عام، فلا يقطع ظلالَها. وفي بعض روايات الإمام أحمد والبخاري، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (الواقعة: ٣٠) إلى آخره. ونحن لا ننكر احتمال أن تكون هذه الشجرة المذكورة في الحديث الصحيح أن تكون هي هذه الشجرة، ولكن الذي ننكره، ونقول إنه من الإسرائيليات: هذه الزيادات التي زادها وهب، ومن أخذ عنه من هذه التخريفات والتهويلات، ونحن في غُنية عن هذا بما ثبت في الأحاديث الصحاح، ونحن نرى أن الأحاديث الصحاح جاءت خاليةً من هذه التخريفات والتهويلات التي ننزّه عنها الرواية الإسلامية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 109

الدرس: ٧ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٥) .

стр. 110

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٥)) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قصة ذي القرنين: ذلك الرجل الذي تحدثت عنه سورة "الكهف"، وبينت لنا أنه كان رجلًا ملِكًا، آتاه الله من كل شيء، والقرآن الكريم عندما يشير إلى أشياء هو يشير إلى أشياء باختصار على قدر ما يأخذ من العظة والعبرة، لكن الإسرائيليات فتحت الأبواب على مصاريعها، فما تمر قصة لنبي، أو قصة لشخصية، كذي القرنين، ولقمان، وأصحاب الأخدود، وعزير، وغير هؤلاء، إلا وترى أن الإسرائيليات سرت إلى كتب التفسير بأخبار كثيرة في هذا الشأن. فنقول: ومن الإسرائيليات التي طفحت بها بعضُ كتب التفسير ما يذكرونه في تفسيرهم عند الآيات التي ذُكرت في سورة الكهف. أما الآيات فهي قول الله -جل وعلا-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (الكهف: ٨٣ - ٨٥) والآيات تتوالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ (الكهف: ٨٦) ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ (الكهف: ٩٠) ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ (الكهف: ٩٣). وردت الآيات في هذا الشأن واضحة، أوجزت الإخبار عن هذا الملك الذي كان مطيعًا لله، وسخَّر الله له كثيرًا من الأشياء كما قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. الإمام ابن جرير عادةً ما يكون أسبقَ مَن تحدَّث ونقل هذه الأخبار كغيره من التفاسير القديمة، ذكر في تفسيره بسنده عن وهب بن منبه اليماني، وكان له عِلم بالأحاديث الأولى، كان له دراية وصلة بالأخبار القديمة والقصص القديم، وما كان قبل الإسلام، فيقول:
следующие страницы →