← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكان ميمون بن سياه «١» ، إذا جلس إلى قوم قال: إنّا قوم منقطع بنا. فحدثونا أحاديث نتجمل بها. قال: وفخر سليم مولى زياد، بزياد عند معاوية، فقال معاوية: أسكت، فو الله ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني. وضرب الحجاج أعناق أسرى، فلما قدموا إليه رجلا لتضرب عنقه قال: والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو! فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام! وأمسك عن القتل. وقال بشير الرّجّال: «إني لأجد في قلبي حرا لا يذهبه إلا برد العدل أو حر السنان» . قال: وقدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك بن مروان لتضرب عنقه، ودخل على عبد الملك ابن له صغير قد ضربه المعلم، وهو يبكي، فهمّ عبد الملك بالمعلم، فقال له الخارجي: دعوه يبكي فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره، وأذهب لصوته. قال له عبد الملك: أما يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟ قال الخارجي: ما ينبغي لمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء! فأمر بتخلية سبيله. قال: وقال زياد على المنبر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور «٢» ، لو بلغت أمامه سفك بها دمه» . وقال: وقال إبراهيم بن أدهم «٣» : «أعربنا كلامنا فما نحن نلحن، ولحنّا في أعمالنا فما نعرب حرفا» . وأنشد: نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

стр. 212

قال: وعزل عمر زيادا عن كتابة أبي موسى الأشعري، في بعض قدماته فقال له زياد: أعن عجز أم عن خيانة؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني أكره أن أحمل على العامّة فضل عقلك. قال: وبلغ الحجاج موت أسماء بن خارجة فقال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء ومات حين شاء! قال: وكان يقال: «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة» . قال أبو الحسن: مرّ عمر بن ذر «١» ، بعبد الله بن عياش المنتوف «٢» ، وقد كان سفه عليه فأعرض عنه، فتعلق بثوبه ثم قال له: «يا هناه، إنّا لم نجد لك إن عصيت الله فينا خيرا من أن نطيع الله فيك» . وهذا كلام أخذه عمر بن ذر، عن عمر بن الخطاب ﵀. قال عمر: «إني والله ما أدع حقا لله لشكاية تظهر، ولا لضب يحتمل، ولا لمحاباة بشر، وإنك والله ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن نطيع الله فيه» . قال: وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: «يا سعد سعد بني أهيب، إن الله إذا أحبّ عبدا حبّبه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند الله مثل ما لله عندك» . قال: ومات ابن لعمر بن ذر فقال: «أي بنيّ، شغلني الحزن لك، عن الحزن عليك» . وقال رجل من بني مجاشع: جاء الحسن في دم كان فينا، فخطب فأجابه رجل فقال: قد تركت ذلك لله ولوجوهكم. فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم. وآجرك الله.

стр. 213

وقال: ومرّ رجل بأبي بكر ومعه ثوب، فقال: أتبيع الثوب؟ فقال: لا عافاك الله. فقال أبو بكر ﵁: لقد علّمتم لو كنتم تعلمون. قل: لا، وعافاك الله. قال: وسأل عمر بن الخطاب رجلا عن شيء فقال: الله أعلم. فقال عمر: لقد شقينا إن كنا لا نعلم أن الله أعلم. إذا سئل أحدكم عن شيء لا يعلمه فليقل: لا أدري. وكان أبو الدرداء يقول: أبغض الناس إليّ أن أظلمه من لا يستعين عليّ بأحد إلا بالله. وذكر ابن ذر الدنيا فقال: كأنكم زادكم في حرصكم عليها ذمّ الله لها. ونظر أعرابي إلى مال له كثير، من الماشية وغيرها، فقال: «ينعة، ولكل ينعة استحشاف «١» » . فباع ما هناك من ماله، ثم يمّم ثغرا من ثغور المسلمين، فلم يزل به حتى أتاه الموت. قال: وتمنى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال: أتمنى كما تمنيتم؟ قالوا: تمنّه. قال: «ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذّب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلّد» . وقال الحجاج: «ليت الله إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا، فرفع عنا الهم بالمأكل والمشرب والملبس والمنكح. أوليته إذا أوقعنا في هذه الدنيا كفانا أمر الآخرة، فرفع عنا الاهتمام بما ينجّي من عذابه. فبلغ كلامهما عبد الله بن الحسن بن حسن، أو علي بن الحسين، فقال: ما علما في التمني شيئا، ما اختاره الله فهو خير.

стр. 214

وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها. قال شريح «١» : «الحدة كناية عن الجهل» . وقال أبو عبيدة: «العارضة «٢» كناية عن البذاء» . قال: وإذا قالوا فلان مقتصد فتلك كناية عن البخل، وإذا قالوا للعامل مستقص فتلك كناية عن الجور. وقال الشاعر، أبو تمام الطائي: كذبتم ليس يزهى من له حسب ... ومن له نسب عمّن له أدب إني لذو عجب منكم أردده ... فيكم، وفي عجبي من زهوكم عجب لجاجة لي فيكم ليس يشبهها ... إلا لجاجتكم في أنكم عرب وقيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك عن ابنك؟ قالت: إن مصيبته أمّنتني من المصائب بعده. قال: وقال سعيد بن عثمان بن عفان ﵀ لطويس المغني: أيّنا أسنّ أنا أم أنت يا طويس؟ فقال: «بأبي أنت وأمي، لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب» . فانظر إلى حذقه وإلى معرفته بمخارج الكلام، كيف لم يقل: زفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك. وهكذا كان وجه الكلام فقلب المعنى. قال: وقال رجل من أهل الشام: كنت في حلقة أبي مسهر «٣» ، في

стр. 215

مسجد دمشق، فذكرنا الكلام وبراعته، والصمت ونبالته، فقال: كلا إن النجم ليس كالقمر، إنك تصف الصمت بالكلام، ولا تصف الكلام بالصمت. وقال الهيثم بن صالح لابنه وكان خطيبا: يا بني إذا قلّلت من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب. قال: يا أبه، فإن أكثرت وأكثرت؟ - يعني كلاما وصوابا- قال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك! قال: وقال ابن عباس: «لولا الوسواس، ما باليت ألا أكلم الناس» . قال: وقال عمر بن الخطاب ﵀: «ما تستبقوه من الدنيا تجدوه في الآخرة» . وقال رجل للحسن: إني أكره الموت. قال: ذاك أنك أخّرت مالك، ولو قدمته لسرك أن تلحق به. قال: وقال عامر بن الظرب العدواني: «الرأي نائم، والهوى يقظان، فمن هنالك يغلب الهوى الرأي» . وقال: مكتوب في الحكمة: «اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكر لك» . وقال بعضهم: «أيها الناس، لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا» . وقال عبد الملك على المنبر: «ألا تنصفوننا يا معشر الرعية؟ تريدون منا سيرة أبي بكرة وعمر ولم تسيروا في أنفسكم ولا فينا بسيرة رعية أبي بكر وعمر، أسأل الله أن يعين كلا على حال» . وقال رجل من العرب: «أربع لا يشبعن من أربعة: أنثى من ذكر، وعين من نظر، وأرض من مطر، وأذن من خبر» . قال: وقال موسى ع لأهله: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها

стр. 216

بِخَبَرٍ ، فقال بعض المعترضين: فقد قال: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ . فقال أبو عقيل: «لم يعرف موقع النار من أبناء السبيل، ومن الجائع المقرور» . وقال لبيد بن ربيعة: ومقام ضيق فرجته ... ببيان ولسان وجدل لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل ولدى النعمان مني موطن ... بين فاثور أفاق فالدّحل «١» إذ دعتني عامر أنصرها ... فالتقى الألسن كالنبل الدّول «٢» فرميت القوم رشقا صائبا ... ليس بالعصل ولا بالمقثعل «٣» فانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضي ويجل وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم، ورهط ابن المعل وقال لبيد أيضا: وأبيض يجتاب الخروق على الوجى ... خطيبا إذا التفّ المجامع فاصلا يجتاب: يفتعل من الجوب، وهو أن يجوب البلاد، أي يدخل فيها ويقطعها. والخروق: جمع خرق، والخرق: الفلاة الواسعة. والوجى: الحفا، مقصور كما ترى، وأنه ليتوجى في مشيته، وهو وج. وقال رؤبة: به الرذايا من وج ومسقط وقال أيضا لبيد: لو كان حيّ في الحياة مخلّدا ... في الدهر أدركه أبو يكسوم والحارثان كلاهما ومحرّق ... أو تبع أو فارس اليحموم «٤»

стр. 217

فدعي الملامة ويب غيرك إنه ... ليس النوال بلوم كل كريم ولقد بلوتك وابتليت خليقتي ... ولقد كفاك معلمي تعليمي وله أيضا: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب يتأكّلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب والخلف: البقية الصالحة من ولد الرجل وأهله. والخلف ضد هذا. وقال زيد بن جندب، في ذكر الشّغب: ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم ... عن الجدال وأغناهم عن الشّغب وقال آخر في الشغب: إني إذا عاقبت ذو عقاب ... وإن تشاغبني فذو شغاب وقال ابن أحمر بن العمرّد» : وكم حلّها من تيجان سميدع ... مصافي الندى ساق بيهماء مطعم التيجان: الذي يعرض في كل شيء ليغنى فيه والسميدع: الكريم. والندى: السخاء. واليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها لطريق. طوي البطن متلاف إذا هبت الصّبا ... على الأمر غواص وفي الحي شيظم «٢» وقال: هل لامني قوم لموقف سائل ... أو في مخاصمة اللجوج الأصيد

стр. 218

الأصيد: السيد الرافع رأسه، الشامخ بأنفه. وقال في التطبيق: فلما أن بدا القعقاع لجت ... على شرك تناقله نقالا تعاورن الحديث وطبّقته ... كما طبقت بالنعل المثالا «١» قال: وهذا التطبيق غير التطبيق الأول. وقال آخر: لو كنت ذا علم علمت وكيف لي ... بالعلم بعد تدبّر الأمر يعني إدبار الأمر. [عودة إلى المفاضلة بين الصمت والكلام] وقال المعترض على أصحاب الخطابة والبلاغة: قال لقمان لابنه: «أي بنيّ، إني قد ندمت على الكلام، ولم أندم على السكوت» . وقال الشاعر: ما أن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا وقال الآخر: خلّ جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام إنما المسلم من أل ... جم فاه بلجام وقال الآخر في الاحتراس والتحذير: اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام

стр. 219

وقال آخر في مثل ذلك: لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في الضمير لهم من ذاك يكفيني وقال حمزة بن بيض «١» : لم يكن عن جناية لحقتني ... لا يساري ولا يميني جنتني بل جناها أخ عليّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجني لأن هذه الكلبة، وهي براقش، نبحت غزّى، قد مروا من ورائهم وقد رجعوا خائبين مخفقين، فلما نبحتهم استدلوا بنباحها على أهلها واستباحوهم، ولو سكتت كانوا قد سلموا. (فضرب ابن بيض به المثل) . وقال الأخطل: تنقّ بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حية البحر النقيق: صياح الضفادع. وقالوا: «الصمت حكم وقليل فاعله» . وقالوا: «استكثر من الهيبة صامت» . وقيل لرجل من كلب طويل الصمت: بحق ما سمتكم العرب خرس العرب. فقال: «أسكت فأسلم، وأسمع فأعلم» . وكانوا يقولون: «لا تعدلوا بالسلامة شيئا» . ولا تسمع الناس يقولون: جلد فلان حين سكت، ولا قتل فلان حين صمت. وتسمعهم يقولون: جلد فلان حين قال كذا، وقتل حين قال كذا وكذا. وفي الحديث المأثور: «رحم الله من سكت فسلم، أو قال فغنم» .

стр. 220

والسلامة فوق الغنيمة، لأن السلامة أصل والغنيمة فرع. وقال النبي صلّى الله عليه وآله: «إن الله يبغض البليغ الذي يتخلّل بلسانه، تخلل الباقرة بلسانها» . وقيل: «لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب» . قال صاحب البلاغة والخطابة، وأهل البيان وحب التبيّن: إنما عاب النبي صلّى الله عليه وآله المتشادقين والثرثارين والذي يتخلّل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها، والأعرابيّ المتشادق، وهو الذي يصنع بفكيه وبشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر، فمن تكلف ذلك منكم فهو أعيب، والذم له ألزم. وقد كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع، ومدار العلم على الشاهد والمثل، وإنما حثوا على الصمت لأن العامة إلى معرفة خطأ القول، أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت. ومعنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله، وإلا فإن السكوت عن قول الحقّ في معنى النطق بالباطل. ولعمري إن الناس إلى الكلام لأسرع، لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت عن جميع القول. وليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد علمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت. وقد قال الله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ . فجعل سمعه وكذبه سواء. وقال الشاعر: بني عدي ألا يا انهوا سفيهكم ... إن السفيه إذا لم ينه مأمور وقال آخر: فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجّ ويستشري وكيف يكون الصمت أنفع، والإيثار له أفضل، ونفعه لا يكاد يجاوز رأس

стр. 221

صاحبه، ونفع الكلام يعم ويخص، والرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين، وبالكلام ارسل الله أنبياءه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة، وطول الصمت يفسد اللسان. وقال بكر بن عبد الله المزني: «طول الصمت حبسة» كما قال عمر بن الخطاب ﵀: «ترك الحركة عقلة» . وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلّدت نفسه، وفسد حسّه. وكانوا يروون صبيانهم الأرجاز، ويعلّمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الجرم «١» . واللسان إذا أكثرت تقليبه رق ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسأ وغلظ. وقال عباية الجعفيّ: «لولا الدربة وسوء العادة لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضا» . وأية جارحة منعتها الحركة، ولم تمرّنها على الاعتمال، أصابها من التعقّد على حسب ذلك لمنع. ولم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله للنابغة الجعدي: «لا يفضض الله فاك» ؟ ولم قال لكعب بن مالك: «ما نسي الله لك مقالك ذلك» ؟ ولم قال لهيذان بن شيخ: «ربّ خطيب من عبس» ؟ ولم قال لحسان: «هيّج الغطاريف على بني عبد مناف، والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام، في غبش الظلام» «٢» ؟ وما نشك أنه ﵇ قد نهى عن المراء، وعن التزيد والتكلف، وعن كل ما ضارع الرياء والسمعة، والنفج والبذخ، وعن التهاتر والتشاعب، وعن المماتنة والمغالبة «٣» . فأما نفس البيان، فكيف ينهى عنه.

стр. 222

وأبين الكلام كلام الله، وهو الذي مدح التبيين وأهل التفصيل. وفي هذا كفاية إن شاء الله. وقال دغفل بن حنظلة: إن للعلم أربعة: آفة، ونكدا، وإضاعة، واستجاعة. فآفته النسيان، ونكده الكذب، وإضاعته وضعه في غير موضعه، واستجاعته أنك لا تشبع منه. وإنما عاب الاستجاعة لسوء تدبير أكثر العلماء، ولخرق سياسة أكثر الرواة، لأن الرواة إذا شغلوا عقولهم بالازدياد والجمع، عن تحفظ ما قد حصلوه، وتدبّر ما قد دونوه، كان ذلك الازدياد داعيا إلى النقصان، وذلك الربح سببا للخسران. وجاء في الحديث: «منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم، ومنهوم في المال» . وقالوا: علم علمك، وتعلم علم غيرك، فإذا أنت قد علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت. وقال الخليل بن أحمد: اجعل تعلمك دراسة لعلمك، واجعل مناظرة المتعلم تنبيها على ما ليس عندك. وقال بعضهم- وأظنه بكر بن عبد الله المزنيّ-: لا تكدّوا هذه القلوب ولا تهملوها، فخير الفكر ما كان عقب الجمام، ومن أكره بصره عشي. وعاودوا الفكرة عند نبوات القلوب، واشحذوها بالمذاكرة، ولا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض الاستغلاق، فإن من أدام قرع الباب ولج. وقال الشاعر: إذا المرء أعيته السيادة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد وقال الأحنف: «السؤدد مع السواد» . وتقول الحكماء: «من لم ينطق بالحكمة قبل الأربعين لم يبلغ فيها» . وأنشد:

стр. 223

ودون الندى في كل قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل وودّ الفتى في كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى، لو أن نائله جزل وقال الهذلي: وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل أترجو أن تسود ولا تعنّى ... وكيف يسود ذو الدّعة البخيل صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: «ما رأيت عقول الناس إلا وقد كاد يتقارب بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس» . أبو الحسن قال: سمعت أبا الصغدي الحارثي يقول: كان الحجّاج أحمق، بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم حماهم دخولها. فلما مات دلفوا إليها من قريب. وسمعت قحطبة الخشني يقول: كان أهل البصرة لا يشكون أنه لم يكن بالبصرة رجل أعقل من عبيد الله بن الحسن، وعبيد الله بن سالم. وقال معاوية لعمرو بن العاص: إن أهل العراق قد قرنوا بك رجلا طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحزّ وطبّق المفصل، وإياك أن تلقاه برأيك كله.

стр. 224

باب ما قالوا فيه من الحديث الحسن الموجز المحذوف، القليل الفضول قال الشاعر: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رقيق الحواشي لا هراء ولا نزر وقال ابن أحمر: تضع الحديث على مواضعه ... وكلامها من بعده نزر وقال الآخر: حديث كطعم الشهد حلو صدوره ... وإعجازه الخطبان دون المحارم «١» وقال بشار بن برد: أنس غرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من أنس الحديث زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام

стр. 225

ولبشار أيضا: وكأن [رصف] حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا وتخال ما جمعت علي ... هـ ثيابها ذهبا وعطرا وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا ولبشار العقيلي: وفتاة صبّ الجمال عليها ... بحديث كلذة النشوان وقال الأخطل: فأسرين خمسا ثم أصبحن غدوة ... يخبّرن أخبارا ألذّ من الخمر وقال بشار: وحديث كأنه قطع الرو ... ض وفيه الصفراء والحمراء وأخبرنا عامر بن صالح أن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى امرأته، وعنده إخوان له، بهذه الأبيات: إن عندي أبقاك ربّك ضيفا ... واجبا حقّهم كهولا ومردا طرقوا جارك الذي كان قدما ... لا يرى من كرامة الضيف بدّا فلديه أضيافه قد قراهم ... وهم يشتهون تمرا وزبدا فلهذا جرى الحديث ولكن ... قد جعلنا بعض الفكاهة جدا وأنشد الهذلي: كرّوا الأحاديث عن ليلى إذا بعدت ... إن الأحاديث عن ليلى لتلهيني وقال الهذلي أيضا: وإن حديثا منك لو تبذلينه ... جنى النحل أو ألبان عوذ مطافل مطافيل أبكار حديث نتاجها ... تشاب بماء مثل ماء المفاصل

стр. 226

العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، فإذا مشى ولدها فهي مرشح فإذا تبعها فهي متلية، لأنه يتلوها. وهي في هذا كله مطفل. فإن كان أول ولد ولدته فهي بكر. ماء المفاصل فيه قولان: أحدهما أن المفاصل ما بين الجبلين واحدها مفصل، وإنما أراد صفاء الماء، لأنه ينحدر عن الجبال، لا يمر بطين ولا تراب. ويقال إنها مفاصل البعير. وذكروا أن فيها ماء له صفاء وعذوبة. وفي الكلام الموزون يقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: إلزم الصمت إن في الصمت حكما ... وإذا أنت قلت قولا فزنه وقال أبو ذؤيب: وسرب يطلّى بالعبير كأنه ... دماء ظباء بالنحور ذبيح بذلت لهن القول إنك واجد ... لما شئت من حلو الكلام، مليح السرب: الجماعة من النساء والبقر والطير والظباء. ويقال: فلان آمن السرب، بفتح السين، أي آمن المسلك. ويقال فلان واسع السرب وخلي السرب، أي المسالك والمذاهب. وإنما هو مثل مضروب للصدر والقلب. وعن الأصمعي: فلان واسع السرب، مكسور، أي واسع الصدر، بطيء الغضب. وأنشد للحكم بن ريحان، من بني عمرو بن كلاب: يا أجدل الناس إن جادلته جدلا ... وأكثر الناس إن عاتبته عللا كأنما عسل رجعان منطقها ... إن كان رجع كلام يشبه العسلا وقال القطامي: وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيّدننا من كل مصطاد يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادي فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي

стр. 227

ينبذن: يلقين. الغلة والغليل: العطش الشديد. والصادي: العطشان أيضا، والاسم الصّدى. وأنشد للأخطل: شمس إذا خطل الحديث أوانس ... يرقبن كلّ مجذّر تنبال أنف كأن حديثهن تنادم ... بالكأس كلّ عقيلة مكسال الشّمس: النوافر. والتنبال: القصير. والأنف: جمع آنفة، وهي المنكرة للشيء غير راضية. العقيلة: المصونة في أهلها. وعقيلة كل شيء خيرته. والمكسال: ذات الكسل عن الحركة. وقال أبو العميثل عبد الله بن خليد: لقيت ابنة السهميّ زينب عن عفر ... ونحن حرام مسي عاشرة العشر وإني وإياها لحتم مبيتنا ... جميعا، ومسرانا مغذ وذو فتر فكلمتها ثنتين كالثلج منهما ... على اللوح والأخرى أحرّ من الجمر يقال: ما يلقانا إلا عن عفر، أي بعد مدة. مسي: أي وقت المساء. يقال أغذّ السير، إذا جد فيه وأسرع. واللوح بالفتح: العطش، يقال لاح الرجل يلوح لوحا، والتاح يلتاح التياحا، إذا عطش. واللوح بالفتح أيضا الذي يكتب فيه. واللوح بالضم: الهواء، يقال: «لا أفعل ذلك ولو نزوت في اللوح» ، أو «حتى تنزو في اللوح» . وأنشد: وإنّا لنجري بيننا حين نلتقي ... حديثا له وشي كحبر المطارف «١» حديث كطعم القطر في المحل يشتفى ... به من جوى في داخل القلب لاطف المحل: الجدب، وسنة محول. وأمحل البلد فهو ماحل وممحل، وزمان ماحل وممحل. الجوى ها هنا: شدة الحب حتى يمرض صاحبه. لاطف: لطيف. وأنشد للشماخ بن ضرار الثعلبي:

стр. 228

يقر بعيني أن أنبأ أنها ... وإن لم أنلها أيّم لم تزوّج وكنت إذا لاقيتها كان سرّنا ... وما بيننا مثل الشواء الملهوج يريد أنهما كانا على عجلة من خوف الرقباء. والملهوج: المعجل الذي لم ينتظر به النضج. وقال جران العود: فنلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النحل أو أبكار كرم يقطف حديثا لو أن البقل يولى بمثله ... زها البقل واخضرّ العضاه المصنّف زها: بدا زهره. العضاه: جمع عضة، وهي كل شجرة ذات شوك، إلا القتادة فإنها لا تسمى عضة. وقال الكميت بن زيد: وحديثهن إذا التقين ... تهانف البيض الغرائر وإذا ضحكن عن العذاب ... لنا المسفات الثواغر كان التهلل بالتبسم ... لا القهاقه بالقراقر التهانف: تضاحك في هزء. الغرائر: جمع غريرة، وهي المرأة القليلة الخبرة، الغمرة. والعذاب، يريد الثغر. والمسفات: اللثات التي قد أسفّت بالكحل أو بالنؤور، وذلك أن تغرز بالإبرة ويذر عليها الكحل فيعلوها حوة. والتهلل، يقال تهلل وجهه، إذا أشرق وأسفر. وقال الآخر: ولما تلاقينا جرى من عيوننا ... دموع كففنا غربها بالأصابع ونلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع سقاط الحديث: ما نبذ منه ولفظ به. يقال ساقطت فلانا الحديث سقاطا. الوقائع والوقيع: مناقع الماء في متون الصخور، الواحدة وقيعة.

стр. 229

وقال أشعث بن سميّ: هل تعرف المبدأ إلى السنام ... ناط به سواحر الكلام كلامها يشفي من السقام المبدأ وسنام: موضعان. ناط به: أي صار إليه. وقال الراجز ووصف عيون الظباء بالسحر وذكر قوسا فقال: صفراء فرع خطموها بوتر ... لأم ممرّ مثل حلقوم النغر حدت ظبات أسهم مثل الشرر ... فصرّعتهن بأكناف الحفر حور العيون بابليات النظر ... يحسبها الناظر من وحش البشر اللام من كلّ شيء: الشديد. والممر: المحكم الفتل، وحبل مرير مثله. النغر: البلبل. والظبات: ظبة، وهي حد السيف والسنان وغيرهما. وقال آخر: وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول من طمع هيا ربّا

стр. 230

باب من الأسجاع في الكلام قال عمر بن ذرّ، ﵀: «الله المستعان على ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخلف» . ولما مدح عتيبة بن مرداس عبد الله بن عباس قال: لا أعطي من يعصي الرحمن، ويطيع الشيطان، ويقول البهتان. وفي الحديث المأثور، قال: «يقول العبد مالي مالي، وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وأعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت» . وقال النّمر بن تولب: أعاذل إن يصبح صداي بقفرة ... بعيدا نآني صاحبي وقريبي تري أن ما أبقيت لم أك ربّه ... وأن الذي أمضيت كان نصيبي الصدى ها هنا: طائر يخرج من هامة الميت إذا بلي، فينعى إليه ضعف وليّه وعجزه عن طلب طائلته، وهذا كانت تقوله الجاهلية، وهو هنا مستعار. أي أن أصبحت أنا.

стр. 231

ووصف أعرابي رجلا فقال: «صغير القدر، قصير الشّبر، ضيّق الصدر، لئيم النجر، عظيم الكبر، كثير الفخر» . الشبر: قدر القامة، تقول: كم شبر قميصك، أي كم عدد أشباره. والنّجر: الطباع. ووصف بعض الخطباء رجلا فقال: «ما رأيت أضرب لمثل، ولا أركب لجمل، ولا أصعد في قلل منه» . وسأل بعض الأعراب رسولا قدم من أهل السند: كيف رأيتم البلاد؟ قال: «ماؤها وشل، ولصها بطل، وتمرها دقل «١» . إن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلوا بها ضاعوا» . وقيل لصعصعة بن معاوية: من أين أقبلت؟ فقال: من الفجّ العميق. قيل: فأين تريد؟ قال: البيت العتيق. قالوا: هل كان من مطر؟ قال: نعم، حتى عفّى الأثر، وأنضر الشجر، ودهدى الحجر «٢» . واستجار عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، بمحمد بن مروان بنصيبين، وتزوج بها امرأة، فقال محمد: كيف ترى نصيبين؟ قال: «كثيرة العقارب قليلة الأقارب» . يريد بقوله «قليلة» كقول القائل: فلان قليل الحياء، ليس يريد أن هناك حياء وإن قلّ. يضعون قليلا في موضع ليس. وولي العلاء الكلابي عملا خسيسا، بعد أن كان على عمل جسيم، فقال: «العنوق بعد النّوق» «٣» . قال: ونظر رجل من العبّاد إلى باب بعض الملوك فقال: «باب جديد، وموت عتيد ونزع شديد، وسفر بعيد» .

стр. 232

وقيل لبعض العرب: أي شيء تمنّى، وأي شيء أحب إليك؟ فقال: لواء منشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير» . وقيل لآخر، وصلى ركعتين فأطال فيهما، وقد كان أمر بقتله: أجزعت من الموت؟ فقال: إن أجزع فقد أرى كفنا منشورا، وسيفا مشهورا، وقبرا محفورا. ويقال إن هذا الكلام تكلم به حجر بن عديّ الكنديّ عند قتله. وقال عبد الملك بن مروان لأعرابي: ما أطيب الطعام؟ فقال: «بكرة سنمة، معتبطة غير ضمنة، في قدور رذمة، بشفار خذمة، في غداة شبمة» . فقال عبد الملك: وأبيك لقد أطيبت. معتبطة: منحورة من غير داء، يقال اعتبط الإبل والغنم، إذا ذبحت من غير داء. ولهذا قيل للدم الخالص عبيط. والعبيط: ما ذبح من غير علة. غير ضمنة: غير مريضة. رذمة: سائلة من امتلائها. بشفار خذمة: قاطعة. غداة شبمة: باردة. والشبم: البرد. وقالوا: «لا تغتر بمناصحة الأمير، إذا غشك الوزير» . وقالوا: «من صادق الكتّاب أغنوه، ومن عاداهم أفقروه» . وقالوا: «اجعل قول الكذاب ريحا، تكن مستريحا» . وقيل لعبد الصّمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لم تؤثر السجع على المنثور، وتلزم نفسك القوافي وإقامة الوزن؟ قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلّ خلافي عليك، ولكني أريد الغائب والحاضر، والراهن والغابر، فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلّت. وما تكلمت به العرب من جيّد المنثور، أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشرة، ولا ضاع من الموزون عشره. قالوا: فقد قيل للذي قال: يا رسول الله، أرأيت من لا شرب ولا أكل،

стр. 233

ولا صاح واستهلّ، أليس مثل ذلك يطلّ. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أسجع كسجع الجاهلية» قال عبد الصمد: لو أن هذا المتكلم لم يرد إلا الإقامة لهذا الوزن، لما كان عليه بأس، ولكنه عسى أن يكون أراد إبطال حق فتشادق في الكلام. وقال غير عبد الصمد: وجدنا الشعر: من القصيد والرجز، قد سمعه النبي صلّى الله عليه وآله فاستحسنه وأمر به شعراءه، وعامة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قالوا شعرا، قليلا كان ذلك أم كثيرا، واستمعوا واستنشدوا. فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز، فكيف يحلّ ما هو أكثر ويحرم ما هو أقلّ. وقال غيرهما: إذا لم يطل ذلك القول، ولم تكن القوافي مطلوبة مجتلبة، أو ملتمسة متكلفة، وكان ذلك كقول الأعرابي لعامل الماء: «حلّئت ركابي، وخرّقت ثيابي، وضربت صحابي» - حلّئت ركابي، أي منعت إبلي من الماء والكلأ. والركاب: ما ركب من الإبل- قال: «أو سجع أيضا؟» . قال الأعرابي: فكيف أقول؟ لأنه لو قال حلّئت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو صرمتي، لكان لم يعبر عن حق معناه، وإنما حلّئت ركابه، فكيف يدع الركاب إلى غير الركاب. وكذلك قوله: وخرقت ثيابي، وضربت صحابي. لأن الكلام إذا قل وقع وقوعا لا يجوز تغييره، وإذا طال الكلام وجدت في القوافي ما يكون مجتلبا، ومطلوبا مستكرها. ويدخل على من طعن في قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ . وزعم أنه شعر، لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن، وطعن في قوله في الحديث عنه: «هل أنت إلا إصبع دميت؟ وفي سبيل الله ما لقيت» - فيقال له: اعلم أنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم، لوجدت فيها مثل مستفعلن مستفعلن كثيرا، ومستفعلن مفاعلن. وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرا. ولو أن رجلا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات. وكيف يكون هذا شعرا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر؟ ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام. وإذا جاء المقدار الذي يعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها، كان ذلك شعرا. وهذا قريب، والجواب سهل بحمد الله.

стр. 234

وسمعت غلاما لصديق لي، وكان قد سقي بطنه «١» ، وهو يقول لغلمان مولاه: «اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى» . وهذا الكلام يخرج وزنه على خروج فاعلاتن مفاعلن، فاعلاتن مفاعلن مرتين. وقد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبدا. ومثل هذا كثير، ولو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته. وكان الذي كرّه الأسجاع بعينها وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة، أن كهان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، وكانوا يدعون الكهانة وأن مع كلّ واحد منهم رئيا من الجن مثل حازي جهينة «٢» ، ومثل شقّ وسطيح، وعزّى سلمة وأشباههم، كانوا يتكهنون ويحكمون بالأشجاع، كقوله: «والأرض والسماء، والعقاب الصقعاء «٣» ، واقعة ببقعاء «٤» ، لقد نفر المجد بني الشعراء، للمجد والسناء» . وهذا الباب كثير. ألا ترى أن ضمرة بن ضمرة، وهرم بن قطبة، والأقرع ابن حابس، ونفيل بن عبد العزّى كانوا يحكمون وينفّرون بالأسجاع. وكذلك ربيعة بن حذار. قالوا: فوقع النهي في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية، ولبقيتها فيهم وفي صدور كثير منهم، فلما زالت العلة زال التحريم. وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة، فلا ينهونهم. وكان الفضل بن عيسى الرّقاشي سجّاعا في قصصه. وكان عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، يأتون مجلسه. وقال له داود ابن أبي هند: لولا أنك تفسر القرآن برأيك لأتيناك في مجلسك. قال: فهل

стр. 235

تراني أحرّم حلالا، أو أحلّل حراما؟ وإنما كان يتلو الآية التي فيها ذكر الجنة والنار، والموت والحشر، وأشباه ذلك. وقد كان عبد الصمد بن الفضل، وأبو العباس القاسم بن يحيى، وعامة قصاص البصرة، وهم أخطب من الخطباء، يجلس إليهم عامة الفقهاء. وقد كان النهي ظاهرا عن مرثية أمية بن أبي الصلت لقتلى أهل بدر، كقوله: ماذا ببدر بالعقن ... قل مرازبة جحاجح هلا بكيت على الكرام ... بني الكرام أولي الممادح وروى ناس شبيها بذلك في هجاء الأعشى لعلقمة بن علاثة. فلما زالت العلة زال النهي. وقال وائلة بن خليفة، في عبد الملك بن المهلّب: قد صبرت للذلّ أعواد منبر ... تقوم عليها، في يديك قضيب بكى المنبر الغربي إذ قمت فوقه ... وكادت مسامير الحديد تذوب رأيتك لما شبت أدركك الذي ... يصيب سراة الأسد حين تشيب سفاهة أحلام وبخل بنائل ... وفيك لمن عاب المزون عيوب قال: وخطب الوليد بن عبد الملك فقال: «إن أمير المؤمنين كان يقول: إن الحجاج جلدة ما بين عينيّ، ألا وإنه جلدة وجهي كله» . وخطب الوليد أيضا فذكر استعماله يزيد بن أبي مسلم بعد الحجاج فقال: «كنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا» . شبيب بن شيبة قال: حدثني خالد بن صفوان قال: خطبنا يزيد بن المهلّب بواسط فقال: «إني قد أسمع قول الرعاع: قد جاء مسلمة، وقد جاء العباس، وقد جاء أهل الشام، وما أهل الشام إلا تسعة أسياف، سبعة منها معي، واثنان منها عليّ، وأما مسلمة فجرادة صفراء. وأما العباس فنسطوس

стр. 236

ابن نسطوس، أتاكم في برابرة وصقالبة، وجرامقة وجراجمة، وأقباط وأنباط، وأخلاط من الناس. إنما أقبل إليكم الفلاحون الأوباش كأشلاء اللّجم. والله ما لقوا قوما قط كحدّكم وحديدكم، وعدّكم وعديدكم. أعيروني سواعدكم ساعة من نهار تصفقون بها خراطيمهم «١» ، فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين» . ثم دعا بفرس، فأتي بأبلق، فقال: تخليط وربّ الكعبة! ثم ركب فقاتل فكثره الناس فانهزم عنه أصحابه، حتى بقي في إخوته وأهله، فقتل وانهزم باقي أصحابه. وفي ذلك يقول الشاعر «٢» : كل القبائل بايعوك على الذي ... تدعو إليه طائعين وساروا حتى إذا حمي الوغى وجعلتهم ... نصب الأسنة أسلموك وطاروا إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك وبعض قتل عار ومدح الشاعر بشار، عمر هزار مرد العتكي «٣» ، بالخطب وركوبه المنابر، بل رثاه وأبّنه فقال: ما بال عينك دمعها مسكوب ... حربت «٤» فأنت بنومها محروب وكذاك من صحب الحوادث لم يزل ... تأتي عليه سلامة ونكوب يا أرض ويحك أكرميه فإنه ... لم يبق للعتكي فيك ضريب أبهى على خشب المنابر قائما ... يوما وأحزم إذ تشب حروب وقال: كان سوّار بن عبد الله، أول تميمي خطب على منبر البصرة. ثم خطب عبيد الله بن الحسن. وولي منبر البصرة أربعة من القضاة فكانوا أمراء: بلال بن أبي بردة بن

стр. 237

أبي موسى الأشعري، وسوار، وعبيد الله، وأحمد بن أبي رباح. فكان بلال قاضيا ابن قاض ابن قاض. وقال رؤبة: فأنت يا ابن القاضيين قاضي ... معتزم على الطريق ماضي قال أبو الحسن المدائني: كان عبيد الله بن الحسن حيث وفد على المهدي معزيا ومهنئا، أعد له كلاما، فبلغه أن الناس قد أعجبهم كلامه فقال لشبيب بن شيبة: إني والله ما ألتفت إلى هؤلاء، ولكن سل لي عبيد الله الكاتب عنه. فسأله فقال: ما أحسن ما تكلم به! على أنه أخذ مواعظ الحسن، ورسائل غيلان «١» ، فلقح بينهما كلاما. فأخبره بذلك شبيب، فقال عبيد الله: لا والله إن أخطأ حرفا واحدا. وكان محمد بن سليمان «٢» له خطبة لا يغيرها، وكان يقول: «إن الله وملائكته» . فكان يرفع الملائكة، فقيل له في ذلك، فقال: خرّجوا لها وجها. ولم يكن يدع الرفع. قال: وصلى بنا خزيمة يوم النحر، فخطب، فلم يسمع من كلامه إلا ذكر أمير المؤمنين الرشيد، وولي عهده محمد. قال: وكان إسحاق بن شمّر يدار به إذا فرغ المنبر. قال الشاعر: أمير المؤمنين إليك نشكو ... وإن كنا نقول بغير عذر غفرت ذنوبنا وعفوت عنا ... وليست منك أن تعفو بنكر فإن المنبر البصريّ يشكو ... على العلات إسحاق بن شمر أضبّي على خشبات ملك ... كمركب ثعلب ظهر الهزبر

стр. 238

وقال بعض شعراء العسكر، يهجو رجلا من أهل العسكر: ما زلت تركب كل شيء قائم ... حتى اجترأت على ركوب المنبر ما زال منبرك الذي دنسته ... بالأمس منك كحائض لم تطهر فلأنظرنّ إلى المنابر كلها ... وإلى الأسرّة باحتقار المنظر وقال آخر: فما منبر دنّسته يا ابن أفكل ... بزاك ولو طهّرته بابن طاهر «١» عبد الله بن المبارك، عن بعض أشياخه، عن الشعبيّ قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: «البرّ ثلاثة: المنطق، والنظر، والصمت. فمن كان منطقة في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها» . وقال علي بن أبي طالب: «أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج» . وقال يزيد بن المهلّب، وهو في الحبس: «والهفاه على طليّة «٢» بمائة ألف، وفرج في جبهة أسد» . وقال عمر بن الخطاب ﵁: «استغزروا الدموع بالتذكر» . وقال الشاعر: ولا يبعث الأحزان مثل التذكر حفص بن ميمون قال، سمعت عيسى بن عمر «٣» يقول: سمعنا الحسن يقول: «اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة، واعصوها، فإنكم إن أطعتموها تنزع بكم إلى شرّ غاية. وحادثوها بالذكر، فإنها سريعة الدثور» .

стр. 239

اقدعوا: انهوا. طلعة: أي تطلع إلى كل شيء. حادثوا، أي اجلوا واشحذوا. والدثور: يقال: دثر أثر فلان، إذا ذهب، كما يقال درس وعفا. قال: فحدّثت بهذا الحديث أبا عمرو بن العلاء، فتعجب من كلامه. وقال الشاعر: سمعن بهيجا أوجفت فذكرته ... ولا يبعث الأحزان مثل التذكر الوجيف: سير شديد، يقال: وجف الفرس والبعير وأوجفته. ومثله الايضاع، وهو الإسراع. أراد: بهيجا أقبلت مسرعة. ومن الأسجاع قول أيوب بن القريّة، وقد كان دعي للكلام واحتبس القول عليه، فقال: «قد طال السهر، وسقط القمر، واشتد المطر، فما ينتظر» . فأجابه فتى من عبد القيس فقال: «قد طال الأرق، وسقط الشفق وكثر اللثق، فلينطق من نطق» . اللثق: الندى والوحل. وقال أعرابي لرجل: «نحن والله آكل منكم للمأدوم، وأكسب منكم للمعدوم، وأعطى منكم للمحروم» . ووصف أعرابي رجلا فقال: «إن رفدك لنجيح، وإن خيرك لسريح، وإن منعك لمريح» . سريح: عجل. ومريح: أي مريح من كدّ الطلب. وقال عبد الملك لأعرابي: ما أطيب الطعام؟ فقال: «بكرة سنمة، في قدور رذمة، بشفار حذمة، في غداة شبمة» . فقال عبد الملك: وأبيك لقد أطيبت.

стр. 240

وسئل أعرابي فقيل له: ما أشدّ البرد؟ فقال: «ريح جربياء «١» ، في ظلّ عماء «٢» ، في غبّ سماء «٣» » . ودعا أعرابي فقال: «اللهم إني أسألك البقاء والنماء، وطيب الأتاء، وحط الأعداء، ورفع الأولياء» . الأتاء: الرزق. قال: وقال إبراهيم النخعي لمنصور بن المعتمر: «سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الكيسى «٤» » . ووصفت عمّة حاجز اللصّ حاجزا «٥» ، ففضلته وقالت: «كان حاجز لا يشبع ليلة يضاف، ولا ينام ليلة يخاف» . ووصف بعضهم فرسا فقال: «أقبل بزبرة الأسد، وأدبر بعجز الذئب» . الزبرة: مغرز العنق، ويقال للشعر الذي بين كتفيه. وصفه بأنه محطوط الكفل. قال: ولما اجتمع الناس، وقامت الخطباء لبيعة يزيد، وأظهر قوم الكراهة قام رجل من عذرة يقال له يزيد بن المقنّع، فاخترط من سيفه شبرا ثم قال: أمير المؤمنين هذا- وأشار بيده إلى معاوية- فإن مات فهذا- وأشار بيده إلى يزيد- فمن أبى فهذا- وأشار بيده إلى سيفه. فقال له معاوية: أنت سيد الخطباء. قالوا: ولما قامت خطباء نزار عند معاوية فذهبت في الخطب كل مذهب، قام صبرة بن شيمان، فقال: «يا أمير المؤمنين، إنّا حي فعال، ولسنا حي مقال، ونحن نبلغ بفعالنا أكثر من مقال غيرنا» .

стр. 241

قال: ولما وفد الأحنف في وجوه أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير، تكلم أبو حاضر الأسيدي وكان خطيبا جميلا، فقال له عبد الله بن الزبير: أسكت، فو الله لوددت أنّ لي بكل عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم. قال: يا أمير المؤمنين، إن لنا ولك مثلا، أفتأذن في ذكره؟ قال: نعم. قال: مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام، كقول الأعشى حيث يقول: علّقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل أحبك أهل العراق، وأحببت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك ابن مروان. عليّ بن مجاهد «١» ، عن حميد بن أبي البختري قال: ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد، فقال ابن الزبير: إني أناديك ولا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم، وتفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم، والتفكر قبل التندم» . فضحك معاوية ثم قال: تعلمت أبا بكر السّجاعة عند الكبر، إن في دون ما سجعت به على أخيك ما يكفيك. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير. أخبرنا ثمامة بن أشرس، قال: لما صرفت اليمانية من أهل مزّة، الماء عن أهل دمشق، ووجهوه إلى الصحارى، كتب إليهم أبو الهيذام: «إلى بني استها أهل مزة، ليمسّينّني الماء أو لتصبحنكم الخيل» قال: فوافاهم الماء قبل أن يعتموا. فقال أبو الهيذام: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» . وحدثني ثمامة عن من قدم عليه من أهل دمشق قال: لما بايع الناس يزيد بن الوليد، وأتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكؤ والتحبّس، كتب إليه:

стр. 242

«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله أمير المؤمنين يزيد بن الوليد، إلى مروان بن محمد. أما بعد فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت. والسلام» . وها هنا مذاهب تدل على أصالة الرأي، ومذاهب تدل على تمام النفس، وعلى الصلاح والكمال، لا أرى كثيرا من الناس يقفون عليها. واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن نضلة، بن صفوان بن محرّث خال مروان، على مكة، فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان بحذاء المنبر، فشتم طلحة والزبير، فلما نزل قال لأبان: أرضيتك من المدهنين في أمير المؤمنين؟ قال: لا والله ولكن سؤتني، حسبي أن يكونا شركا في أمره. فما أدري أيهما أحسن كلاما: أبان بن عثمان هذا، أم إسحاق بن عيسى، فإنه قال: «أعيذ عليّا بالله أن يكون قتل عثمان، وأعيذ بالله أن يقتله علي» . فمدح عليّا بكلام سديد غير نافر، ومقبول غير وحشيّ، وذهب إلى معنى الحديث في قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أشد أهل النار عذابا من قتل نبيا أو قتله نبيّ» . يقول: لا يتفق أن يقتله نبي بنفسه إلا وهو أشدّ خلق الله معاندة وأجرؤهم على معصية. وقال هذا: لا يجوز أن يقتله علي إلا وهو مستحق للقتل. قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله بعشر كلمات: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبرة، ومن الحياة قبل الموت، فو الذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار» .

стр. 243

أبو الحسن المدائني قال: تكلم عمار بن ياسر يوما فأوجز، فقيل له: لو زدتنا. فقال: أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وآله بإطالة الصلاة وقصر الخطب. محمد بن إسحاق «١» ، عن يعقوب بن عتبة، عن شيخ من الأنصار من بني زريق، أن عمر بن الخطاب ﵀ لما أتي بسيف النعمان بن المنذر دعا جبير بن مطعم فسلّحه إياه، ثم قال: يا جبير، ممن كان النعمان؟ قال: من أشلاء قنص بن معدّ. وكان جبير أنسب العرب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر الصديق ﵀. وعن جبير أخذ سعيد بن المسيّب. وروي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قلت لسعيد بن المسيب: علّمني النسب. قال: أنت رجل تريد أن تسابّ الناس. قال: وثلاثة في نسق واحد كانوا أصحاب نسب: عمر بن الخطاب ﵀، أخذ ذلك من الخطاب، والخطاب بن نفيل، ونفيل بن عبد العزّى، تنافر إليه عبد المطلب وحرب بن أمية، فنفّر عبد المطلب، أي حكم لعبد المطلب، والمنافرة: المحاكمة. قال: والنسّاب أربعة: دغفل بن حنظلة، وعميرة أبو ضمضم، وصبح الحنفي، وابن الكيّس النمري. قال الأصمعي: دغفل بن حنظلة، والنسابة البكري، وكان نصرانيا. ولم يسمّه. ذكر كلمات خطب بهن سليمان بن عبد الملك: قال: «اتخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه قائدا، فإنه ناسخ لما قبله، ولم ينسخه كتاب بعده» .

стр. 244

قال: وكان أول كلام بارع سمعوه منه: «الكلام فيما يعنيك خير من السكوت عما يضرك، والسكوت عما لا يعنيك خير من الكلام فيما يضرك» . خلّاد بن يزيد الأرقط قال: سمعت من يخبرنا عن الشعبي قال: ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا تمنيت أن يسكت خوفا من أن يسيء، إلا زيادا، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما. وكان نوفل بن مساحق» ، إذا دخل على امرأته صمت، وإذا خرج من عندها تكلم، فرأته يوما كذلك فقالت: أما عندي فتطرق، وأما عند الناس فتنطق. قال: لأني أدقّ عن جليلك، وتجلين عن دقيقي. قال أبو الحسن: قاد عياش بن الزبرقان بن بدر، إلى عبد الملك بن مروان خمسة وعشرين فرسا، فلما جلس لينظر إليها نسب كل فرس منها إلى جميع آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس بيمين غير اليمين التي حلف بها على الفرس الآخر، فقال عبد الملك بن مروان: عجبي من اختلاف إيمانه أشد من عجبي من معرفته بأنساب الخيل. وقال: كان للزبرقان بن بدر ثلاثة أسماء: القمر، والزبرقان، والحصين. وكانت له ثلاث كنى: أبو شذرة، وأبو عياش، وأبو العباس. وكان عياش ابنه خطيبا ماردا شديد العارضة شديد الشكيمة وجيها، وله يقول جرير: أعياش قد ذاق القيون مرارتي ... وأوقدت ناري فادن دونك فاصطل فقال عياش: إني إذا لمقرور. قالوا: فغلّب عليه. [عودة إلى تراجم بعض الخطباء والبلغاء] ذكر أسماء الخطباء والبلغاء والأبيناء وذكر قبائلهم وأنسابهم.

стр. 245

كان التدبير في أسماء الخطباء وحالاتهم وأوصافهم أن نذكر أسماء أهل الجاهلية على مراتبهم، وأسماء أهل الإسلام على منازلهم، ونجعل لكلّ قبيلة منهم خطباء، ونقسم أمورهم بابا بابا على حدته، ونقدّم من قدمه الله ورسوله ﵇ في النسب، وفضله في الحسب. ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده، تكلفت ذكرهم في الجملة. والله المستعان، وبه التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا به. [الفضل الرقاشي] كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، وكان متكلما قاصا مجيدا، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، وكثير من الفقهاء. وهو رئيس الفضيلة، وإليه ينسبون. وخطب إليه ابنته سوادة بنت الفضل، سليمان بن طرخان التيمي، فزوّجه فولدت له المعتمر ابن سليمان. وكان سليمان مباينا للفضل في المقالة، فلما ماتت سوادة شهد الجنازة المعتمر وأبوه، فقدّما الفضل. وكان الفضل لا يركب إلا الحمير، فقال له عيسى بن حاضر: إنك لتؤثر الحمير على جميع المركوب، فلم ذلك؟ قال: لما فيها من المرافق والمنافع. قلت: مثل أي شيء؟ قال: لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان، ثم هي أقلها داء وأيسرها دواء، وأسلم صريعا، وأكثر تصريفا، وأسهل مرتقى وأخفض مهوى، وأقل جماحا، وأشهر فارها، وأقل نظيرا، يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويكون مقتصدا وقد أسرف في ثمنه. قال: ونظر يوما إلى حمار فاره تحت سلم بن قتيبة، فقال: «قعدة نبيّ وبذلة جبار» . وقال عيسى بن حاضر: ذهب إلى حمار عزيز، وإلى حمار المسيح، وإلى حمار بلعم. وكان يقول: لو أراد أبو سيارة عميلة بن أعزل، أن يدفع بالموسم على فرس عربي، أو جمل مهريّ لفعل، ولكنه ركب عيرا أربعين

стр. 246

عاما، لانه كان يتأله «١» . وقد ضرب به المثل فقالوا: «أصح من عير أبي سيارة» . والفضل هو الذي يقول في قصصه: «سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» . وكان عبد الصمد بن الفضل أغزر من أبيه وأعجب وأبين وأخطب. وقال: وحدثني أبو جعفر الصوفي القاص قال: تكلم عبد الصمد في خلق البعوضة وفي جميع شأنها ثلاثة مجالس تامة. قال: وكان بزيد بن أبان عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، من أصحاب أنس والحسن، وكان يتكلم في مجلس الحسن، وكان زاهدا عابدا، وعالما فاضلا، وكان خطيبا، وكان قاصا مجيدا. قال أبو عبيدة: كان أبوهم خطيبا، وكذلك جدهم، وكانوا خطباء الأكاسرة فلما سبوا وولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب، نزعهم ذلك العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخطب، وما زالوا كذلك حتى أصهر إليهم الغرباء ففسد ذلك العرق ودخله الخور. [قس بن ساعدة] ومن خطباء إياد قسّ بن ساعدة، وهو الذي قال فيه النبي صلّى الله عليه وآله: «رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت» . وهو القائل في هذه: «آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ضوء وظلام، وبر وأثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب،

стр. 247

ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج. ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا فناموا» . وهو القائل: «يا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد. أين المعروف الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينكر. أقسم قسّ قسما بالله، إن لله دينا هو أرضى له من دينكم هذا» . وأنشدوا له: في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر [زيد بن علي بن الحسين] ومن الخطباء زيد بن عليّ بن الحسين. وكان خالد بن عبد الله «١» أقرّ على زيد بن علي، وداود بن علي، وأيوب بن سلمة المخزومي، وعلى محمد بن عمر بن علي، وعلى سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فسأل هشام زيدا عن ذلك فقال: أحلف لك. قال: وإذا حلفت أصدقك قال زيد: اتّق الله. قال: أو مثلك يا زيد يأمر مثلي بتقوى الله. قال هشام: بلغني أنك تريد الخلافة، ولا تصلح لها، لأنك ابن أمة. قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم ع ابن أمة، وإسحاق صلّى الله عليه وآله. فعندها قال له: قم. قال: إذن لا تراني إلا حيث تكره! ولما خرج من الدار قال: «ما أحب أحد الحياة قط إلا ذل» . فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعنّ هذا الكلام منك أحد.

стр. 248

وقال محمد بن عمير: إن زيدا لما رأى الأرض قد طبّقت «١» جورا، ورأى قلّة الأعوان وتخاذل الناس، كانت الشهادة أحبّ الميتات إليه. وكان زيد كثيرا ما ينشد: شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد وقال: وكان كثيرا ما ينشد شعر العبسيّ في ذلك: إن المحكّم ما لم يرتقب حسبا ... أو يرهف السيف أو حدّ القنا جنفا من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجبا ... موتا على عجل أو عاش منتصفا ولما بعث يوسف بن عمر برأس زيد، ونصر بن خزيمة، مع شبّة بن عقال، وكلف آل أبي طالب أن يبرؤوا من زيد، ويقوم خطباؤهم بذلك. فأول من قال عبد الله بن الحسن، فأوجز في كلامه ثم جلس، ثم قام عبد الله بن جعفر، فأطنب في كلامه، وكان شاعرا بيّنا، وخطيبا لسنا، فانصرف الناس وهم يقولون: ابن الطيّار أخطب الناس! فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك، فقال: لو شئت أن أقول لقلت، ولكن لم يكن مقام سرور. فأعجب الناس ذلك منه. [هند بنت الخس وجمعة بنت حابس] ومن أهل الدهاء والنّكراء «٢» ، ومن أهل اللسن واللقن، والجواب العجيب، والكلام الفصيح، والأمثال السائرة، والمخارج العجيبة: هند بنت الخسّ، وهي الزرقاء، وجمعة بنت حابس. ويقال إن حابسا من إياد.

стр. 249

وقال عامر بن عبد الله الفزاريّ جمع بين هند وجمعة، فقيل لجمعة: أي الرجال أحب إليك؟ فقالت: «الشنق الكتد «١» ، الظاهر الجلد، الشديد الجذب بالمسد» . وقيل لهند: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: «القريب الأمد، الواسع البلد، الذي يوفد إليه ولا يفد» . وقد سئلت هند عن حر الصيف وبرد الشتاء، فقالت: «من جعل بؤسا كأذى» وقد ضرب بها المثل. فمن ذلك قول ليلى بنت النّضر الشاعرة: وكنز بن جدعان دلالة أمّه ... وكانت كبنت الخسّ أو هي أكبر وقال ابن الأعرابي: يقال بنت الخس، وبنت الخص، وبنت الخسف وهي الزرقاء. وقال يونس: لا يقال إلا بنت الأخسّ. وقال أبو عمرو بن العلاء: داهيتا نساء العرب هند الزرقاء، وعنز الزرقاء، وهي زرقاء اليمامة. وقال اليقطريّ: قيل لعبد الله بن الحسن: ما تقول في المراء؟ قال: ما عسى أن أقول في شيء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، فإن أقل ما فيه أن يكون دربة للمغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب الفتنة إن رسول الله صلّى الله عليه وآله لما أتاه السائب بن صيفي فقال: أتعرفني يا رسول الله؟ قال: «كيف لا أعرف شريكي الذي كان لا يشاريني ولا يماريني» . قال: فتحولت إلى زيد بن علي فقلت له: الصمت خير أم الكلام؟ قال: أخزى الله المساكتة، فما أفسدها للبيان، وأجلبها للحصر. والله للمماراة أسرع في هدم العيّ من النار في يبيس العرفج، ومن السيل في الحدور. وقد عرف زيد أن المماراة مذمومة، ولكنه قال: المماراة على ما فيها أقل ضررا من المساكتة التي تورث البلدة، وتحل العقدة، وتفسد المنّة، وتورث عللا، وتولّد أدواء أيسرها العيّ. فإلى هذا المعنى ذهب زيد.

стр. 250

ومن الخطباء: خالد بن سلمة المخزومي من قريش، وأبو حاضر، وسالم ابن أبي حاضر، وقد تكلم عند الخلفاء. ومن الخطباء بني أسيد: الحكم بن يزيد بن عمير، وقد رأس. ومن اهل اللسن منهم والبيان: الحجاج بن عمر بن يزيد. [سعيد بن العاصي وابنه عمرو وحفيده سعيد] ومن الخطباء: سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية. قال: وقيل لسعيد بن المسيّب: من أبلغ الناس؟ قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله. فقيل: ليس عن هذا نسألك. قال: معاوية وابنه، وسعيد وابنه، وما كان ابن الزبير دونهم، ولكن لم يكن لكلامه طلاوة. فمن العجب أن ابن الزبير قد ملأ دفاتر العلماء كلاما، وهم لا يحفظون لسعيد بن العاص وابنه من الكلام إلا ما لا بال له. وكان سعيد جوادا، ولم ينزع قميصه قط، وكان أسود نحيفا، وكان يقال له «عكة العسل» «١» . وقال الحطيئة: سعيد فلا يغررك قلة لحمه ... تخدّد «٢» عنه اللحم فهو صليب وكان أول من خشّ الإبل في نفس عظم الأنف. وكان في تدبيره اضطراب. وقال قائل من أهل الكوفة: يا ويلنا قد ذهب الوليد ... وجاءنا مجوعا سعيد ينقص [في] الصّاع ولا يزيد قال: الأمراء تتحبب إلى الرعية بزيادة المكاييل، ولو كان المذهب في الزيادة في الأوزان كالمذهب في زيادة المكاييل ما قصروا، كما سأل الأحنف عمر بن الخطاب الزيادة في المكاييل. ولذلك اختلفت أسماء المكاييل، كالزيادي والفالج، والخالدي. حتى صرنا إلى هذا الملجم اليوم.
следующие страницы →