Полный текст (863 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وتكون له طبيعة في التجارة وليست له طبيعة في الفلاحة، وتكون له طبيعة في الحداء أو في التغيير، أو في القراءة بالألحان، وليت له طبيعة في الغناء وإن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون. وتكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي «١» ، وتكون له طبيعة في قصبة الراعي ولا تكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين، ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرهما، ويكون له طبع في تأليف الرسائل والخطب والأسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر. ومثل هذا كثير جدا.
وكان عبد الحميد الأكبر، وابن المقفع، مع بلاغة أقلامهما وألسنتهما لا يستطيعان من الشعر إلا ما يذكر مثله.
وقيل لابن المقفع في ذلك، فقال: الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه» .
وهذا الفرزدق وكان مستهترا بالنساء، وكان زير غوان، وهو في ذلك ليس له بيت واحد في النسيب مذكور، مع حسده لجرير. وجرير عفيف لم يعشق امرأة قط، وهو مع ذلك أغزل الناس شعرا.
وفي الشعراء من لا يستطيع مجاوزة القصيد إلى الرجز، ومنهم من لا يستطيع مجاوزة الرجز إلى القصيد، ومنهم من يجمعها كجرير وعمر بن لجأ، وأبي النجم، وحميد الأرقط، والعماني. وليس الفرزدق في طواله بأشعر منه في قصاره.
وفي الشعراء من يخطب وفيهم من لا يستطيع الخطابة، وكذلك حال الخطباء في قريض الشعر. والشاعر نفسه قد تختلف حالاته.
وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر الناس وربما مرت علي ساعة ونزع ضرس أهون عليّ من أن أقول بيتا واحدا.
стр. 177
وقال العجاج: لقد قلت أرجوزتي التي أولها:
بكيت والمحتزن البكيّ ... وإنما يأتي الصبا الصبي
أطربا وأنت قنسري «١» ... والدهر بالإنسان دواري
وأنّا بالرمل، في ليلة واحدة، فانثالت عليّ قوافيها انثيالا، وإني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة فما أقدر عليه.
وقال لي أبو يعقوب الخريمي: خرجت من منزلي أريد الشماسية، فابتدأت القول في مرثية لأبي التختاخ، فرجعت والله وما أمكنني بيت واحد.
وقال الشاعر:
وقد يقرض الشعر البكيّ لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو خطيب
[أقوال بليغة]
من القول في المعاني الظاهرة باللفظ الموجز من ملتقطات كلام الناس.
قال بعض الناس: «من التوقي ترك الإفراط في التوقي» .
وقال بعضهم: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» .
وقال الشاعر:
قدر الله وارد ... حين يقضى وروده
فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريده
وقيل لأعرابي في شكاته: كيف تجدك؟ قال: «أجدني أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان من جاد لم يجد، ومن وجد لم يجد» .
стр. 178
وقيل لابن المقفع ألا تقول الشعر؟ قال: الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني.
وقال بعض النساك: «أنا لما لا أرجو أرجى مني لما أرجو» .
وقال بعضهم: «أعجب من العجب، ترك التعجب من العجب» .
وقال عمر بن عبد العزيز لعبد بني مخزوم: «إني أخاف الله فيما تقلدت» . قال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف.
وقال الأحنف لمعاوية: أخافك إن صدقتك، وأخاف الله إن كذبتك.
وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يكيد بنفسه: أما ذنوبي فإني أرجو لها مغفرة الله، ولكني أخاف على بناتي الضيعة. فقال له صاحبه: فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.
وقال رجل من النساك لصاحب له: ما لي أراك حزينا؟ قال: كان عندي يتيم أربّيه لأوجر فيه، فمات وانقطع عنا أجره. إذ بطل قيامنا بمؤونته. فقال له صاحبه! فاجتلب يتيما آخر يقوم لك مقام الأول. قال: أخاف ألا أصيب يتيما في سوء خلقه! قال له صاحبه: أما أنا فلو كنت في موضعك منه لما ذكرت سوء خلقه.
وقال آخر: وسمعه أبو هريرة النحوي وهو يقول: ما يمنعني من تعلم القرآن إلا أني أخاف أن أضيعه. قال: أما أنت فقد عجلت له التضييع، ولعلك إذا تعلمته لم تضيعه.
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيّد قومك؟ قال: أنا. قال: لو كنت كذلك لم تقله!
[ما قيل في الحق والباطل]
وقالوا في حسن البيان، وفي التخلّص من الخصم بالحقّ والباطل، وفي تخليص الحق من الباطل، وفي الإقرار بالحق، وفي ترك الفخر بالباطل.
стр. 179
قال أعرابي وذكر حماس بن ثامل فقال:
برئت إلى الرحمن من كلّ صاحب ... أصاحبه إلا حماس بن ثامل
وظني به بين السماطين أنه ... سينجو بحق أو سينجو بباطل
وقال العجير السلوليّ:
وإن ابن زيد لابن عمي وإنه ... لبلّال أيدي جلّة الشول بالدم
طلوع الثنايا بالمطايا وإنه ... غداة المرادي للخطيب المقدم
يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... ويكفيك ما حملته حين تغرم
الشول: جمع شائلة، وهي الناقة التي قد جف لبنها. وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح فهي شائل، وجمعها شوّل. المرادي: المصادم والمقارع، يقال رديت الحجر بصخرة أو بمعول، إذا ضربته بها لتكسره. والمرادة: الصخرة التي يكسر بها الحجارة. وقال ابن ربع الهذلي «١» :
أعين ألا فابكي رقيبة إنه ... وصول لأرحام ومعطاء سائل
فأقسم لو أدركته لحميته ... وإن كان لم يترك مقالا لقائل
وقال بعض اليهود، وهو الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير «٢» :
سائل بنا خابر أكمائنا ... والعلم قد يلقى لدى السائل
إنّا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل
واعتلج الناس بألبابهم ... نقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلطّ دون الحق بالباطل
نكره أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل
وقال آخر وذكر حماسا أيضا:
стр. 180
أتاني حماس بابن ماه يسوقه ... ليبغيه خيرا وليس بفاعل
ليعطي عبسا مالنا، وصدورنا ... من الغيظ تغلي مثل غلي المراجل
وقافية قيلت لكم لم أجد لها ... جوابا إذا لم تضربوا بالمناصل
فأنطق في حق بحق ولم يكن ... ليرحض عنكم قالة الحق باطلي
ليرحض، أي ليغسل. والراحض: الغاسل. والمرحاض: الموضع الذي يغسل فيه.
وقال عمرو بن معديكرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرّت
الجرار: عود يعرض في فم الفصيل، أو يشق به لسانه، لئلا يرضع.
فيقول: قومي لم يطعنوا بالرماح فأثني عليهم، ولكنهم فروا فأسكت كالمجرّ الذي في فمه الجرار.
وقال أبو عبيدة: صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم والأزد: يا معشر بني تميم، أطلقوا من لساني.
قال: وأبصر رجلا منهم قد طعن فارسا طعنة، فصاح: «لا عيّا ولا شللا!» والعرب تقول: «عي أبأس من شلل» . كأن العي فوق كلّ زمانة.
وقالت الجهنيّة:
ألا هلك الحلو الحلال الحلاحل ... ومن عنده حلم وعلم ونائل «١»
وذو خطب يوما إذا القوم أفحموا ... تصيب مرادي قوله ما يحاول
بصير بعورات الكلام إذا التقى ... شريجان بين القوم: حق وباطل
أتيّ لما يأتي الكريم بسيفه ... وإن أسلمته جنده والقبائل
وليس بمعطاء الظلامة عن يد ... ولا دون أعلى سورة المجد قابل «٢»
стр. 181
الحلاحل: السيّد. شريجان: جنسان مختلفان في كلّ شيء.
وأنشد أبو عبيدة في الخطيب يطول كلامه، ويكون ذكورا لأول خطبته وللذي بنى عليه أمره، وإن شغب شاغب فقطع عليه كلامه، أو حدث عند ذلك حدث يحتاج فيه إلى تدبير آخر، وصل الثاني من كلامه بالأوّل، حتى لا يكون أحد كلاميه أجود من الآخر، فأنشد:
وإن أحدثوا شغبا يقطّع نظمها ... فإنك وصّال لما قطع الشغب
ولو كنت نسّاجا سددت خصاصها ... بقول كطعم الشهد مازجه العذب
وقال نصيب:
وما ابتذلت ابتذال الثوب ودّكم ... وعائد خلقا ما كان يبتذل
وعلمك الشيء تهوى أن تبيّنه ... أشفى لقلبك من أخبار من تسل
وقال آخر:
لعمرك ما ودّ اللسان بنافع ... إذا لم يكن أصل المودة في الصدر
وقال آخر:
تعلّم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإنّ كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
وقال آخر:
فتى مثل صفو الماء ليس بباخل ... عليك ولا مهد ملاما لباخل
ولا قائل عوراء تؤذي جليسه ... ولا رافع رأسا بعوراء قائل
ولا مسلم مولى لأمر يصيبه ... ولا خالط حقا مصيبا بباطل
ولا رافع أحدوثة السوء معجبا ... بها بين أيدي المجلس المتقابل
يرى أهله في نعمة وهو شاحب ... طوي البطن مخماص الضحى والأصائل «١»
стр. 182
وقالت أخت يزيد بن الطثريّة «١» :
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... قريبا وقد غالت يزيد غوائله
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائل ... ولا رهل لبّاته وبآدله «٢»
فتى لا يرى خرق القميص بخصره ... ولكنما توهي القميص كواهله
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الحيّ حتى تستقلّ مراجله «٣»
مضى وورثناه دريس مفاضة ... وأبيض هنديا طويلا حمائله «٤»
يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكل الذي حملته فهو حامله
أخو الجدّ إن جدّ الرجال وشمروا ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله «٥»
يصير هذا الشعر وما أشبهه مما وقع في هذا الباب، إلى الشعر الذي في أول الفصل.
[مدح اللسن والبيان والكلام الجميل المعدل]
باب شعر وغير ذلك من الكلام مما يدخل في باب الخطب.
قال الشاعر:
عجبت لأقوام يعيبون خطبتي ... وما منهم في موقف بخطيب
وقال آخر:
إن الكلام من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
لا يعجبنّك من خطيب قوله ... حتى يكون مع البيان أصيلا
стр. 183
وأنشد آخر:
أبرّ فما يزداد إلا حماقة ... ونوكا وإن كانت كثيرا مخارجه «١»
وقد يكون رديء العقل جيد اللسان.
وقال أبو العباس الأعمى «٢» :
إذا وصف الإسلام أحسن وصفه ... بفيه، ويأبى قلبه ويهاجره
وإن قام قال الحق ما دام قائما ... تقيّ اللسان كافر بعد سائره
وقال قيس بن عاصم المنقريّ «٣» يذكر ما في بني منقر من الخطابة:
إني امرؤ لا يعتري خلقي ... دنس يفنّده ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة ... والأصل ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقوم قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جوارهم فطن
ومن هذا الباب وليس منه في الجملة، قول الآخر:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المسلّم
وقال نصيب «٤» ، مولى عبد العزيز بن مروان:
يقول فيحسن القول ابن ليلى ... ويفعل فوق أحسن ما يقول
стр. 184
وقال آخر:
ألا رب خصم ذي فنون علوته ... وإن كان ألوى يشبه الحق باطله «١»
فهذا هو معنى قول العتابي: «البلاغة إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق» . وقال الشاعر، وهو كما قال:
عجبت لإدلال العييّ بنفسه ... وصمت الذي كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعييّ وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
وموضع «الصحيفة» من هذا البيت، موضع ذكر «العنوان» في شعره الذي رثى عثمان بن عفان، ﵀، به حيث يقول:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
وأنشد أيضا:
ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخل
وكلّ في الهوى ليث ... وفيما نابه فسل
وليس الشأن في الوصل ... ولكن أن يرى الفصل
وقال كسرى أنو شروان، لبزرجمهر: أي الأشياء خير للمرء العييّ؟
قال: عقل يعيش به. قال: فإن لم يكن له عقل؟ قال: فإخوان يسترون عليه. قال: فإن لم يكن له إخوان؟ قال: فمال يتحبّب به إلى الناس. قال:
فإن لم يكن له مال؟ قال: فعيّ صامت. قال: فإن لم يكن له. قال: فموت مريح.
وقال موسى بن يحيى بن خالد: قال أبو علي: «رسائل المرء في كتبه أدل على مقدار عقله، وأصدق شاهدا على غيبه لك، ومعناه فيك، من أضعاف ذلك على المشافهة والمواجهة» .
стр. 185
ووصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوها كبرود العصب، وكالحلل والمعاطف، والديباج والوشي، وأشباه ذلك.
وأنشدني أبو الجماهر جندب بن مدرك الهلاليّ:
لا يشترى الحمد أمنية ... ولا يشترى الحمد بالمقصر
ولكنما يشترى غاليا ... فمن يعط قيمته يشتر
ومن يعتطفه على مئزر ... فنعم الرداء على المئزر
وأنشدني لابن ميادة «١» :
نعم إنني مهد ثناء ومدحة ... كبرد اليماني يربح البيع تاجره
وأنشد:
فإن أهلك فقد أبقيت بعدي ... قوافي تعجب المتمثّلينا
لذيذات المقاطع محكمات ... لو أن الشّعر يلبس لارتدينا
وقال أبو قردودة، يرثي ابن عمار «٢» قتيل النعمان ونديمه، ووصف كلامه، وقد كان نهاه عن منادمته:
إني نهيت ابن عمار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
وقال الشاعر «٣» في مديح أحمد بن أبي دؤاد:
стр. 186
وغويص من الأمور بهيم ... غامض الشخص مظلم مستور
قد تسهّلت ما توعّر منه ... بلسان يزينه التحبير
مثل وشي البرود هلهله النسج ... وعند الحجاج در نثير
حسن الصمت والمقاطع أما ... نطق القوم والحديث يدور
ثم من بعد لحظة تورث اليسر ... وعرض مهذّب موفور
ومما يضم إلى هذا المعنى وليس منه، قول جميل بن معمر:
نمت في الروابي من معدّ وأفلجت ... على الخفرات الغرّ وهي وليد
أناة على نيرين أضحى لداتها ... بلين بلاء الرّيط وهي جديد
نمت: شبت. الروابي من معد: البيوت الشريفة. وأصل الرابية والرباوة: ما ارتفع من الأرض. أفلجت: أظهرت. والخفرات: الحييات.
الأناة: المرأة التي فيها فتور عند القيام. وقوله على نيرين، وصفها بالقوة، كالثوب الذي ينسج على نيرين، وهو الثوب الذي له سديان، كالديباج وما أشبهه. أضحى لداتها، اللدة: القرينة في المولد والمنشأ فيقول: إن أقرانها قد بلين، وهي جديد لحسن غذائها ودوام نعمتها.
ومن هذا الشكل وليس منه بعينه قول الشاعر:
على كلّ ذي نيرين زيد محاله ... محالا وفي أضلاعه زيد أضلعا
المحال: محال الظهر، وهي فقاره، واحدها محالة.
وقال أبو يعقوب الخريميّ الأعور: أول شعر قلته هذان البيتان:
بقلبي سقام لست أحسن وصفه ... على أنه ما كان فهو شديد
تمر به الأيام تسحب ذيلها ... فتبلى به الأيام وهو جديد
وقال الآخر:
أبى القلب إلا أمّ عمرو وحبها ... عجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد
كبرد اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد
стр. 187
وقال ابن هرمة:
إن الأديم الذي أصبحت تعركه ... جهلا لذو نغل باد وذو حلم
ولن يئطّ بأيدي الخالقين ولا ... أيدي الخوالق إلا جيّد الأدم
وفي غير هذا الباب وهو قريب منه قول ذو الرمة:
وفي قصر حجر من ذؤابة عامر ... إمام هدى مستبصر الحكم عادله
كأن على أعطافه ماء مذهب ... إذا سمل السّربال طارت رعابله
الرعابل: القطع. وشواء مرعبل: مقطع. ورعبلت الشيء أي قطعته. ويقال ثوب سمل وأسمال. ويقال سمل الثوب وأسمل، إذا خلق.
وهو الذي يقول:
حوراء في دعج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
الحور: شدة بياض العين. والدعج: شدة سواد الحدقة. والنعج:
اللين. قالوا: لأن المرأة الرقيقة اللون يكون بياضها بالغداة يضرب إلى الحمرة، وبالعشيّ يضرب إلى الصفرة. ولذلك قال الأعشى:
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشية كالعراره
وقال آخر:
قد علمت بيضاء صفراء الأصل ... لأغنينّ اليوم ما أغنى رجل
وقال بشار بن برد:
وخذي ملابس زينة ... ومصبّغات فهي أفخر
وإذا دخلت تقنّعي ... بالحمر إنّ الحسن أحمر
وهذان أعميان قد اهتديا من حقائق هذا الأمر إلى ما لا يبلغه تمييز البصير. ولبشار خاصة في هذا الباب ما ليس لأحد، ولولا أنه في كتاب الرجل
стр. 188
والمرأة، وفي باب القول في الإنسان من كتاب الحيوان، أليق وأزكى، لذكرناه في هذا الموضع.
ومما ذكروا فيه الوزن قوله:
زني القول حتى تعرفي عند وزنهم ... إذا رفع الميزان كيف أميل
وقال ابن الزبير الأسديّ، واسمه عبد الله «١» :
أعاذل غضي بعض لومك إنني ... أرى الموت لا يرضى بدين ولا رهن
وإني أرى دهرا تغيّر صرفه ... ودنيا أراها لا تقوم على وزن
ويذكرون الكلام الموزون ويمدحون به، ويفضّلون إصابة المقادير، ويذمون الخروج من التعديل.
قال جعفر بن سليمان: ليس طيب الطعام بكثرة الإنفاق وجودة التوابل، وإنما الشأن في إصابة القدر. وقال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمنا ... على البراذين أشباه البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلة ... من الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجية ... ومن أثاث وقول غير موزون «٢»
وأنشدني بعض الشعراء:
رأت رجلا أودى السفار بجسمه ... فلم يبق إلا منطق وجناجن
إذا حسرت عنه العمامة راعها ... جميل الحفوف أغفلته الدواهن
فإن أك معروق العظام فإنني ... إذا ما وزنت القوم بالقوم وازن
(الجناجن: عظام الصدر) .
стр. 189
وقال مالك بن أسماء في بعض نسائه وكانت لا تصيب الكلام كثيرا، وربما لحنت:
أمغطّى مني على بصري للحب ... أم أنت أكمل الناس حسنا
وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
وقال طرفة في المقدار وإصابته:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
طلب الغيث على قدر الحاجة، لأن الفاضل ضارّ. وقال النبي صلّى الله عليه وآله في دعائه: «اللهم اسقنا سقيا نافعا» . لأن المطر ربما جاء في غير أبّان الزراعات، وربما جاء والتمر في الجرن، والطعام في البيادر، وربما كان في الكثرة مجاوزا لمقدار الحاجة. وقال النبي صلّى الله عليه وآله: «اللهم حوالينا ولا علينا» .
وقال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك. قال: ولم؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه.
وعاب رؤبة شعر ابنه فقال: «ليس لشعره قران» . وجعل البيت أخا البيت إذا أشبهه وكان حقه أن يوضع إلى جنبه. وعلى ذلك التأويل قال الأعشى:
أبا مسمع أقصر فإن قصيدة ... متى تأتكم تلحق بها أخواتها
وقال الله : وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها.
وقال عمرو بن معديكرب:
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وقالوا فيما هو أبعد معنى وأقل لفظا. قال الهذليّ:
أعامر لا آلوك إلا مهنّدا ... وجلد أبي عجل وثيق القبائل
ويعني بأبي عجل الثور.
стр. 190
وقالوا فيما هو أبعد من هذا. قال ابن عسلة الشيباني، واسمه عبد المسيح:
وسمّاع مدجنة تعللنا ... حتى ننام تناوم العجم
فصحوت والنمري يحسبها ... عمّ السماك وخالة النجم
النجم واحد وجمع. والنجم: الثريا في كلام العرب. مدجنة، أي سحابة دائمة.
وقال أبو النجم فيما هو أبعد من هذا، ووصف العير والمعيوراء وهو الموضع الذي يكون فيه الأعيار:
وظل يوفي الأكم ابن خالها
فهذا مما يدل على توسعهم في الكلام، وحمل بعضه على بعض، واشتاق بعضه من بعض.
وقال النبي صلّى الله عليه وآله: «نعمت العمة لكم النخلة» ، حين كان بينها وبين الناس تشابه وتشاكل ونسب من وجوه. وقد ذكرنا في ذلك كتاب الزرع والنخل.
وفي مثل ذلك قال بعض الفصحاء:
شهدت بأن التمر بالزبد طيب ... وأن الحبارى خالة الكروان
لأن الحبارى، وإن كانت أعظم بدنا من الكروان، فإن اللون وعمود الصورة واحد، فلذلك جعلها خالته، ورأى أن ذلك قرابة تستحق بها هذا القول.
قال كعب الأشقريّ «١» :
إلا أكن في الأرض أخطب قائما ... فإني على ظهر الكميت خطيب
وقال ثابت قطنة:
فإلا أكن فيهم خطيبا فإنني ... بسمر القنا والسيف جدّ خطيب
стр. 191
وقالت ليلى الأخيلية:
حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما
وقال آخر:
عجبت لأقوام يعيبون خطبتي ... وما منهم في مأقط بخطيب
وهؤلاء يفخرون بأن خطبهم التي عليها يعتمدون، السيوف والرماح وإن كانوا خطباء. وقال دريد بن الصّمّة:
أبلغ نعيما وأوفى إن لقيتهما ... إن لم يكن كان في سمعيهما صمم
فلا يزال شهاب يستضاء به ... يهدي المقانب ما لم تهلك الصّمم
عاري الأشاجع معصوب بلمته ... أمر الزعامة في عرنينه شمم
المقانب: جمع مقنب، والمقنب: الجماعة من الخيل ليست بالكثيرة.
والأشاجع: عروق ظاهر الكف، وهي مغرز الأصابع. واللمة: الشعرة التي ألمّت بالمنكب. وزعيم القوم: رأسهم وسيدهم الذي يتكلم عنهم والزعامة: مصدر الزعيم الذي يسود قومه. وقوله «معصوب بلمته» أي يعصب برأسه كل أمر. عرنينه: أنفه.
وقال أبو العباس الأعمى، مولى بني بكر بن عبد مناة في بني عبد شمس:
ليت شعري أفاح رائحة المس ... ك وما إن أخال بالخيف إنسي
حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابر فرسا ... ن عليها وقالة غير خرس
لا يعابون صامتين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يقولوا بلبس
بحلوم إذا الحلوم استخفّت ... ووجوه مثل الدنانير ملس
وقال العجاج:
وحاصن من حاصنات ملس ... من الأذى ومن قراف الوقس
стр. 192
المحصنة: ذوات الزوج. والحاصن: العفيف. والوقس: العيب.
وقال امرؤ القيس:
ويا ربّ يوم قد أروح مرجّلا ... حبيبا إلى البيض الكواعب أملسا
وقال أبو العباس الأعمى:
ولم أر حيا مثل حي تحملوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت
أعزّ وأمضى حين تشتجر القنا ... وأعلم بالمسكين حيث يبيت
وأرفق بالدنيا بأولى سياسة ... إذا كاد أمر المسلمين يفوت
إذا مات منهم سيد قام سيد ... بصير بعورات الكلام زميت
وقال آخر:
لا يغسل العرض من تدنّسه ... والثوب إن مسّ مدنسا غسلا
وزلّة الرّجل تستقال ولا ... يكاد رأي يقيلك الزللا
وقال آخر في الزلل:
ألهفي إذ عصيت أبا يزيد ... ولهفي إذ أطعت أبا العلاء
وكانت هفوة من غير ريح ... وكانت زلّة من غير ماء
وقال آخر:
فإنك لم ينذرك أمرا تخافه ... إذا كنت فيه جاهلا مثل خابر
وقال ابن وابصة [اسمه سالم] «١» ، في مقام قام فيه مع ناس من الخطباء:
يأيها المتحلي غير شيمته ... ومن سجيته الإكثار والملق
أعمد إلى القصد فيما أنت راكبه ... إن التخلق يأتي دونه الخلق
стр. 193
صدت هنيدة لما جئت زائرها ... عني بمطروفة إنسانها غرق
وراعها الشيب في رأسي فقلت لها ... كذاك يصفرّ بعد الخضرة الورق
بل موقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق
فما زللت ولا ألفيت ذا خطل ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا
قال: وأنشدني لأعرابي من باهلة:
سأعمل نصّ العيس حتى يكفّني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها ... على الحر بالإقلال وسم هوان
متى يتكلم يلغ حسن حديثه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان
كأن الغنى عن أهله، بورك الغنى ... بغير لسان ناطق بلسان
وفي مثلها في بعض الوجوه قال عروة بن الورد:
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير
وأهونهم وأحقرهم لديهم ... وإن أمسى له كرم وخير «١»
ويقصى في النديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير «٢»
وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جم ... ولكنّ الغنى ربّ غفور
وقال ابن عباس ﵀: «الهوى إله معبود» . وتلا قول الله : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ.
وقال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل «٣» :
تلك عرساي تنطقان على عمد ... لي اليوم قول زور وهتر
стр. 194
سألتاني الطلاق أن رأتا ما ... لي قليلا قد جئتماني بنكر
فلعلّي إن يكثر المال عندي ... ويعرّي من المغارم ظهري
وترى أعبد لنا وأواق ... ومناصيف من خوادم عشر
ونجرّ الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر
وي كأن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
ويجنّب سر النجي ولكن ... أخا المال محضر كلّ سرّ
المناصيف: الخدم واحدهم منصف وناصف، وقد نصف القوم ينصفهم نصافة، إذا خدمهم. نعمة زول: حسنة. والزول: الخفيف الظريف، وجمعه أزوال.
وقال عبيد بن الأبرص في نحو هذا وليس كمثله:
تلك عرسي غضبى تريد زيالي ... ألبين تريد أم لدلال
إن يكن طبّك الفراق فلا أحفل ... إن تعطفي صدور الجمال
أو يكن طبك الدلال فلو في ... سالف الدهر والليالي الخوالي
كنت بيضاء كالمهاة وإذ آ ... تيك نشوان مرخيا أذيالي
فاتركي مطّ حاجبيك وعيشي ... معنا بالرجاء والتأمال
زعمت أنني كبرت وأني ... قلّ مالي وضن عني الموالي
وصحا باطلي وأصبحت شيخا ... لا يواتي أمثالها أمثالي
إن تريني تغيّر الرأس مني ... وعلا الشيب مفرقي وقذالي
فبما أدخل الخباء على مهضومة ... الكشح طفلة كالغزال
فتعاطيت جيدها ثم مالت ... ميلان الكثيب بين الرمال
ثم قالت فدى لنفسك نفسي ... وفداء لمال أهلك مالي
الكشح: الخصر. وقوله: «مهضومة» ، أراد لطيفة. والطفلة: الرخصة الناعمة.
стр. 195
[آراء في الخطباء والشعراء والعلماء]
قال: وخرج عثمان بن عفان- ﵀ من داره يوما، وقد جاء عامر ابن عبد قيس. فقعد في دهليزه، فلما خرج رأى شيخا دميما أشغى ثطّا، في عباءة، فأنكره وأنكر مكانه، فقال: يا أعرابي، أين ربك؟ فقال: بالمرصاد! والشغي: تراكب الأسنان واختلافها. ثط: صغير اللحية.
ويقال إن عثمان بن عفان لم يفحمه أحد قط غير عامر بن عبد قيس.
ونظر معاوية إلى النخار بن أوس العذري، الخطيب الناسب، في عباءة في ناحية من مجلسه، فأنكره وأنكر مكانه زراية منه عليه، فقال: من هذا؟
فقال النخار: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها! قال: ونظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى هرم بن قطبة، ملتفا في بتّ في ناحية المسجد، ورأى دمامته وقلته، وعرف تقديم العرب له في الحكم والعلم، فأحب أن يكشفه ويسبر ما عنده، فقال: أرأيت لو تنافرا إليك اليوم أيهما كنت تنفر؟ يعني علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل. فقال: يا أمير المؤمنين: لو قلت فيهما كلمة لأعدتها جذعة. فقال عمر بن الخطاب ﵁: لهذا العقل تحاكمت العرب إليك.
ونظر عمر إلى الأحنف وعنده الوفد، والأحنف ملتف في بتّ له «١» ، فترك جميع القوم واستنطقه، فلما تبعّق منه ما تبعّق، وتكلم بذلك الكلام البليغ المصيب، وذهب ذلك المذهب، لم يزل عنده في علياء، ثم صار إلى أن عقد له الرياسة ثابتا له ذلك، إلى أن فارق الدنيا.
ونظر النعمان بن المنذر إلى ضمرة بن ضمرة، فلما رأى دمامته وقلته قال: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» ، هكذا تقوله العرب. فقال ضمرة:
стр. 196
«أبيت اللعن، إن الرجال لا تكال بالقفزان، ولا توزن في الميزان، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه» .
وكان ضمرة خطيبا، وكان فارسا شاعرا شريفا سيّدا.
وكان الرمق بن زيد مدح أبا جبيلة الغساني، وكان الرّمّق دميما قصيرا، فلما أنشده وحاوره، قال: «عسل طيب في ظرف سوء» .
قال: وكلّم علباء بن الهيثم السدوسي عمر بن الخطاب، وكان علباء أعور دميما، فلما رأى براعته وسمع بيانه، أقبل عمر يصعّد فيه بصره ويحدره، فلما خرج قال عمر: «لكل أناس في جميلهم خبر» .
وقال أبو عثمان «١» : وأنشدت سهل بن هارون، قول سلمة بن الخرشب وشعره الذي أرسل به إلى سبيع التغلبي في شأن الرهن التي وضعت على يديه في قتال عبس وذبيان، فقال سهل بن هارون: والله لكأنه قد سمع رسالة عمر ابن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في سياسة القضاء وتدبير الحكم «٢» .
والقصيدة قوله:
أبلغ سبيعا وأنت سيدنا ... قدما وأوفى رجالنا ذمما
إن بغيضا وإن أخوتها ... ذبيان قد ضرموا الذي اضطرما
نبّيت أن حكّموك بينهم ... فلا يقولنّ بئس ما حكما
إن كنت ذا خبرة بشأنهم ... تعرف ذا حقهم ومن ظلما
وتنزل الأمر في منازله ... حكما وعلما وتحضر الفهما
ولا تبالي من المحق ولا المبطل ... لا ألة ولا ذمما
فاحكم وأنت الحكيم بينهم ... لن يعدموا الحكم ثابتا صتما
стр. 197
واصدع أديم السواء بينهم ... على رضا من رضي ومن رغما
إن كان مالا فقضّ عدّته ... مالا بمال وإن دما فدما
حتى ترى ظاهر الحكومة ... مثل الصبح جلى نهاره الظلما
هذا وإن لم تطق حكومتهم ... فانبذ إليهم أمورهم سلما
الصتم: الصحيح القوي، يقال رجل صتم، إذا كان شديدا.
وقال العائشي: كان عمر بن الخطاب- ﵀ أعلم الناس بالشعر، ولكنه كان إذا ابتلي بالحكم بين النجاشي والعجلاني «١» ، وبين الحطيئة والزبرقان، كره أن يتعرض للشعراء، واستشهد للفريقين رجالا، مثل حسان بن ثابت وغيره، ممن تهون عليهم سبالهم، فإذا سمع كلامهم حكم بما يعلم، وكان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مقنعا للفريقين، ويكون هو قد تخلص بعرضه سليما، فلما رآه من لا علم له يسأل هذا وهذا، ظن أن ذلك لجهله بما يعرف غيره.
وقال: ولقد أنشدوه شعرا لزهير- وكان لشعره مقدّما- فلما انتهوا إلى قوله:
وإن الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
قال عمر كالمتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها، وإقامته أقسامها:
وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
يردّدن البيت من التعجب.
стр. 198
وأنشدوه قصيدة عبدة بن الطبيب الطويلة التي على اللام، فلما بلغ المنشد إلى قوله:
والمرء ساع لشيء ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل
قال عمر متعجبا:
والعيش شح وإشفاق وتأميل
يعجّبهم من حسن ما قسّم وما فصّل.
وأنشدوه قصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، وهو ساكت، فلما انتهى المنشد إلى قوله:
الكيس والقوة خير من الإشفاق والفهمة والهاع أعاد عمر البيت وقال:
الكيس والقوة خير من الإشفاق والفهّة والهاع وجعل عمر يردد البيت ويتعجب منه.
قال محمّد بن سلام، عن بعض أشياخه قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر.
وقال أبو عمرو بن العلاء: كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر. ولذلك قال الأول: «الشعر أدنى مروءة السري، وأسرى مروءة الدنيّ» .
стр. 199
قال: ولقد وضع قول الشعر من قدر النابغة الذبيانيّ، ولو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة.
وروى مجالد عن الشعبي قال: ما رأيت رجلا مثلي، وما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني بشيء إلا لقيته.
وقال الحسن البصري: يكون الرجل عابدا ولا يكون عاقلا، ويكون عابدا عاقلا ولا يكون عالما. وكان مسلم بن يسار»
عاقلا عالما عابدا.
قال: وكان يقال: فقه الحسن، وورع ابن سيرين، وعقل مطرّف، وحفظ قتادة.
قال: وذكرت البصرة، فقيل: شيخها الحسن، وفتاها بكر بن عبد الله المزنيّ.
قال: والذين بثوا العلم في الدنيا أربعة: قتادة، والزهري، والأعمش، والكلبيّ.
وجمع سليمان بن عبد الملك بين قتادة والزهري، فغلب قتادة الزهري، فقيل لسليمان في ذلك، فقال: إنه فقيه مليح. فقال القحذمي: لا، ولكنه تعصب للقرشية، ولانقطاعه إليهم، ولروايته فضائلهم.
وكان الأصمعي يقول: «وصلت بالعلم، ونلت بالملح» .
وكان سهل بن هارون يقول: «اللسان البليغ والشعر الجيد لا يكادان يجتمعان في واحد، وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة الشعر، وبلاغة القلم» .
والمسجديون «٢» يقولون: من تمنى رجلا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، تمنى شيئا عسيرا.
стр. 200
[ذم النوك]
وكانوا يعيبون النّوك والعيّ والحمق، وأخلاق النساء والصبيان. قال الشاعر:
إذا ما كنت متخذا خليلا ... فلا تثقن بكلّ أخي إخاء
وإن خيرت بينهم فألصق ... بأهل العقل منهم والحياء
فإن العقل ليس له إذا ما ... تفاضلت الفضائل من كفاء
وإن النوك للأحساب داء ... وأهون دائه داء العياء
ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه سعي العناء
فلا تثقنّ بالنوكي لشيء ... وإن كانوا بني ماء السماء
فليسوا قابلي أدب فدعهم ... وكن من ذاك منقطع الرجاء
وقال آخر في التضييع والنّوك:
ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه أبدا تباب
فعش في جدّ أنوك ساعدته ... مقادير يخالفها الصواب
ذهاب المال في حمد وأجر ... ذهاب لا يقال له ذهاب
وقال آخر في مثل ذلك:
أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ... ولكنما يشقى به كلّ عاقل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكبّ الأعالي بارتفاع الأسافل
وقال الآخر:
فلم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أر مثل المال أرفع للرّذل
ولم أر عزّا لامرىء كعشيرة ... ولم أر ذلا مثل نأي عن الأصل
ولم أر من عدم أضر على امرىء ... إذا عاش وسط الناس من عدم العقل
وقال آخر:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالنوك فعل أخي الجهل
стр. 201
وخلّط إذا لاقيت يوما مخلّطا ... يخلّط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
وقال آخر:
وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال بشر بن المعتمر:
وإذا الغبي رأيته مستغنيا ... أعيا الطبيب وحيلة المحتال
وأنشدني آخر:
وللدهر أيام فكن في لباسه ... كلبسته يوما أجدّ وأخلقا
وكن أكيس الكيسي إذا ما لقيتهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
وأنشدني آخر:
ولا تقربي يا بنت عمي بوهة ... من القوم دفناسا غبيا مفّندا «١»
وإن كان أعطى رأس ستين بكرة ... وحكما على حكم وعبدا مولدا
ألا فاحذري لا توردنّك هجمة ... طوال الذرى جبسا من القوم قعددا «٢»
وأنشدني آخر:
كسا الله حيّي تغلب ابنة وائل ... من اللؤم أظفارا بطيئا نصولها
إذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلوا ... عليها وردوا وفدهم يستقيلها
وأنشدني آخر:
وإن عناء إن تفهّم جاهلا ... ويحسب جهلا أنه منك أفهم
стр. 202
وقال جرير:
ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا
وقال الأعرج المعني الطائي «١» :
لقد علم الأقوام إن قد فررتم ... ولم تبدؤهم بالمظالم أولا
فكونوا كداعي كرة بعد فرة ... ألا ربّ من قد فر ثمّت أقبلا
فإن أنتم لم تفعلوا فتبدلوا ... بكل سنان معشر الغوث مغزلا
واعطوهم حكم الصبي بأهله ... وإني لأرجو أن يقولوا بأن لا
ويقال: «أظلم من صبي» و «أكذب من صبي» و «أخرق من صبي» .
وأنشد:
ولا تحكما حكم الصبي فإنه ... كثير على ظهر الطريق مجاهله
قال: وسئل دغفل بن حنظلة، عن بني عامر فقال: «أعناق ظباء، وأعجاز نساء» . قيل: فما تقول في أهل اليمن؟ قال: «سيّد وأنوك» «٢» .
стр. 203
باب في ذكر المعلمين «١»
ومن أمثال العامة: «أحمق من معلم كتّاب» . وقد ذكرهم صقلاب فقال:
وكيف يرجّى الرأي والعقل عند من ... يروح على أنثى ويغدو على طفل
وفي قول بعض الحكماء: «لا تستشيروا معلما ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء» . وقالوا: «لا تدع أم صبيك تضربه، فإنه أعقل منها وإن كانت أسن منه» . وقد سمعنا في المثل: «أحمق من راعي ضأن ثمانين» .
فأما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون ذلك صوابا وقد رعى الغنم عدة من جلة الأنبياء صلى الله عليهم. ولعمري إن الفدّادين من أهل الوبر ورعاة الإبل ليتنبلون على رعاة الغنم، ويقول أحدهم لصاحبه: «إن كنت كاذبا فحلبت قاعدا» . وقال الآخر:
стр. 204
ترى حالب المعزى إذا صرّ قاعدا ... وحالبهن القائم المتطاول
وقال امرأة من غامد، في هزيمة ربيعة بن مكدّم، لجمع غامد وحده:
ألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد
تمنيتم مائتي فارس ... فردكم فارس واحد
فليت لنا بارتباط الخيو ... ل ضأنا لها حالب قاعد
وقد سمعنا قول بعضهم: الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين. قال:
والحاكة أقل وأسقط من أن يقال لها حمقى. وكذلك الغزالون، لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش والحائك ليس عنده صواب جيد في فعال ولا مقال، إلا أن يجعل جودة الحياكة من هذا الباب، وليس هو من هذا في شيء.
ويقال: فلان أحمق. فإذا قالوا مائق، فليس يريدون ذلك المعنى بعينه، وكذلك إذا قالوا أنوك. وكذلك إذا قالوا رقيع. ويقولون: فلان سليم الصدر، ثم يقولون عيي، ثم يقولون أبله. وكذلك إذا قالوا معتوه ومسلوس وأشباه ذلك.
قال أبو عبيدة: يقال للفارس شجاع، فإذا تقدم في ذلك قيل بطل، فإذا تقدم شيئا قيل بهمة، فإذا صار إلى الغاية قيل أليس. وقال العجاج:
أليس عن حوبائه سخيّ
وهذا المأخذ يجري في الطبقات كلها: من جود وبخل، وصلاح وفساد، ونقصان ورجحان. وما زلت أسمع هذا القول في المعلمين.
والمعلمون عندي على ضربين: منهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة، ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى تعليم أولاد
стр. 205
الملوك أنفسهم المرشيحن للخلافة. فكيف تستطيع أن تزعم أن مثل علي بن حمزة الكسائي، ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب «١» ، وأشباه هؤلاء يقال لهم حمقى. ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم. فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية وسفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم. وكيف تقول مثل ذلك في هؤلاء وفيهم الفقهاء والشعراء والخطباء، مثل الكميت بن زيد، وعبد الحميد الكاتب، وقيس بن سعد «٢» ، وعطاء بن أبي رباح «٣» ، ومثل عبد الكريم بن أبي أمية «٤» ، وحسين المعلم «٥» ، وأبي سعيد المعلم.
ومن المعلمين: الضحاك بن مزاحم. وأما معبد الجهني وعامر الشعبي، فكانا يعلمان أولاد عبد الملك بن مروان. وكان معبد يعلم سعيدا، ومنهم أبو سعيد المؤدب، وهو غير أبي سعيد المعلم، وكان يحدث عن هشام بن عروة وغيرهم. ومنهم عبد الصمد بن عبد الأعلى، وكان معلم ولد عتبة بن أبي سفيان. وكان إسماعيل بن علي ألزم بعض بنيه عبد الله بن المقفع ليعلمه.
وكان أبو بكر عبد الله بن كيسان معلما. ومنهم محمد بن السكن «٦» .
وما كان عندنا بالبصرة رجلان أروى لصنوف العلم، ولا أحسن بيانا، من أبي الوزير وأبي عدنان المعلمين، وحالهما من أول ما أذكر من أيام الصبا.
وقد قال الناس في أبي البيداء، وفي أبي عبد الله الكاتب، وفي الحجاج بن
стр. 206
يوسف وأبيه ما قالوا، وقد أنشدوا مع هذا الخبر شاهدا من الشعر على أن الحجاج وأباه كانا معلمين بالطائف.
ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول.
قالوا: أحق الناس بالرحمة عالم يجري عليه حكم جاهل.
قال: وكتب الحجاج إلى المهلب يعجله في حرب الأزارقة ويسمعه، فكتب إليه المهلب: «إن البلاء كل البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره» .
[خير الكلام الوسط]
وقال بعض الربانيين «١» من الأدباء، وأهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التشادق والتعمّق، ويبغض الإغراق في القول، والتكلّف والاجتلاب «٢» ، ويعرف أكثر ادواء الكلام ودوائه، وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول، وما يعرض للسامع من الافتتان بما يسمع، والذي يورث الاقتدار من التهكم والتسلط، والذي يمكن الحاذق والمطبوع من التمويه للمعاني، والخلابة وحسن المنطق، فقال في بعض مواعظه: «أنذركم حسن الألفاظ، وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا وأعاره البليغ مخرجا سهلا، ومنحه المتكلم دلا متعشقا، صار في قلبك أحلى، ولصدرك أملا. والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها، بقدر ما زينت، وحسب ما زخرفت. فقد صارت الألفاظ في معاني المعارض «٣» ، وصارت المعاني في معنى
стр. 207
الجواري. والقلب ضعيف، وسلطان الهوى قوي، ومدخل خدع الشيطان خفي» .
فاذكر هذا الباب ولا تنسه، ولا تفرّط فيه، فإن عمر بن الخطاب ﵀ لم يقل للأحنف بن قيس- بعد أن احتبسه حولا مجرّما، «١» ليستكثر منه، وليبالغ في تصفح حاله والتنقير عن شأنه-: «إن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد كان خوّفنا كل منافق عليم، وقد خفت أن تكون منهم» إلا لما كان راعه من حسن منطقه، ومال إليه لما رأى من رفقه وقلة تكلّفه، ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله:
«» إن من البيان لسحرا» - وقال عمر بن عبد العزيز لرجل أحسن في طلب حاجة وتأتى لها بكلام وجيز، ومنطق حسن: «هذا والله السحر الاحلال» . وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «لا خلابة» .
فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقي والوحشي، ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني. وفي الاقتصاد بلاغ، وفي التوسط مجانبة للوعورة، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه.
وقد قال الشاعر:
عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وقال الآخر:
لا تذهبنّ في الأمور فرطا ... لا تسألنّ إن سألت شططا
وكن من الناس جميعا وسطا
وليكن كلامك ما بين المقصر والغالي، فإنك تسلم من المحنة عند العلماء، ومن فتنة الشيطان.
وقال أعرابي للحسن: علمني دينا وسوطا، لا ذاهبا شطوطا، ولا هابطا هبوطا. فقال له الحسن: لئن قلت ذاك إن خير الأمور أوساطها.
стр. 208
وجاء في الحديث: «خالطوا الناس وزايلوهم» .
وقال علي بن أبي طالب ﵀: «كن في الناس وسطا وامش جانبا» .
وقال عبد الله بن مسعود في خطبته: «وخير الأمور أوساطها، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، نفس تنجيها، خير من إمارة لا تحصيها» .
وكانوا يقولون: أكره الغلوّ كما تكره التقصير.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول لأصحابه: «قولوا بقولكم ولا يستحوذنّ عليكم الشيطان» . وكان يقول: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .
стр. 209
باب من الخطب القصار من خطب السلف، ومواعظ من مواعظ النساك، وتأديب من تأديب العلماء
قال رجل لأبي هريرة النحويّ: أريد أن أتعلّم العلم وأخاف أن أضيّعه.
فقال: «كفى بترك العلم إضاعة» .
وسمع الأحنف رجلا يقول: «التعلم في الصغر كالنقش في الحجر» .
فقال الأحنف: «الكبير أكبر عقلا، ولكنه أشغل قلبا» .
وقال أبو الدرداء: ما لي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلوا» .
قالوا: ولذلك قال عبد الله بن عباس ﵀، حين دلّى زيد بن ثابت في القبر، ﵀: «من سرّه أن يرى كيف ذهاب العلم فلينظر، فهكذا ذهابه» .
وقال بعض الشعراء في بعض العلماء:
стр. 210
أبعدت من يومك الفرار فما ... جاوزت حيث انتهى بك القدر
لو كان ينجي من الردى حذر ... نجّاك مما أصابك الحذر
يرحمك الله من أخي ثقة ... لم يك في صفو ودّه كدر
فهكذا يفسد الزمان ويفنى ال ... علم منه ويدرس الأثر
قال: وقال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى ﵇، إذ قال للعبد الصالح: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) .
أبو العباس التميمي قال: قال طاوس: «الكلمة الصالحة صدقة» .
وقال ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه قال: «فضل لسانك تعبّر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة» .
وقال الخليل: «تكثّر من العلم لتعرف، وتقلّل منه لتحفظ» .
وقال الفضيل «١» : «نعمت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يلقيها إلى أخيه» .
وكان يقال: يكتب الرجل أحسن ما يسمع، ويحفظ أحسن ما يكتب.
وكان يقال: اجعل ما في كتبك بيت مال: وما في قلبك للنفقة.
وقال أعرابي: حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك «٢» .
وقال عمر بن عبد العزيز: «ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم، ومن عفو إلى قدرة» .
стр. 211
وكان ميمون بن سياه «١» ، إذا جلس إلى قوم قال: إنّا قوم منقطع بنا.
فحدثونا أحاديث نتجمل بها.
قال: وفخر سليم مولى زياد، بزياد عند معاوية، فقال معاوية:
أسكت، فو الله ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني.
وضرب الحجاج أعناق أسرى، فلما قدموا إليه رجلا لتضرب عنقه قال:
والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو! فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام! وأمسك عن القتل.
وقال بشير الرّجّال: «إني لأجد في قلبي حرا لا يذهبه إلا برد العدل أو حر السنان» .
قال: وقدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك بن مروان لتضرب عنقه، ودخل على عبد الملك ابن له صغير قد ضربه المعلم، وهو يبكي، فهمّ عبد الملك بالمعلم، فقال له الخارجي: دعوه يبكي فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره، وأذهب لصوته. قال له عبد الملك: أما يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟
قال الخارجي: ما ينبغي لمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء! فأمر بتخلية سبيله.
قال: وقال زياد على المنبر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور «٢» ، لو بلغت أمامه سفك بها دمه» .
وقال: وقال إبراهيم بن أدهم «٣» : «أعربنا كلامنا فما نحن نلحن، ولحنّا في أعمالنا فما نعرب حرفا» . وأنشد:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
стр. 212
قال: وعزل عمر زيادا عن كتابة أبي موسى الأشعري، في بعض قدماته فقال له زياد: أعن عجز أم عن خيانة؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني أكره أن أحمل على العامّة فضل عقلك.
قال: وبلغ الحجاج موت أسماء بن خارجة فقال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء ومات حين شاء! قال: وكان يقال: «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة» .
قال أبو الحسن: مرّ عمر بن ذر «١» ، بعبد الله بن عياش المنتوف «٢» ، وقد كان سفه عليه فأعرض عنه، فتعلق بثوبه ثم قال له: «يا هناه، إنّا لم نجد لك إن عصيت الله فينا خيرا من أن نطيع الله فيك» .
وهذا كلام أخذه عمر بن ذر، عن عمر بن الخطاب ﵀. قال عمر: «إني والله ما أدع حقا لله لشكاية تظهر، ولا لضب يحتمل، ولا لمحاباة بشر، وإنك والله ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن نطيع الله فيه» .
قال: وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: «يا سعد سعد بني أهيب، إن الله إذا أحبّ عبدا حبّبه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند الله مثل ما لله عندك» .
قال: ومات ابن لعمر بن ذر فقال: «أي بنيّ، شغلني الحزن لك، عن الحزن عليك» .
وقال رجل من بني مجاشع: جاء الحسن في دم كان فينا، فخطب فأجابه رجل فقال: قد تركت ذلك لله ولوجوهكم. فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم. وآجرك الله.
стр. 213
وقال: ومرّ رجل بأبي بكر ومعه ثوب، فقال: أتبيع الثوب؟ فقال: لا عافاك الله. فقال أبو بكر ﵁: لقد علّمتم لو كنتم تعلمون. قل:
لا، وعافاك الله.
قال: وسأل عمر بن الخطاب رجلا عن شيء فقال: الله أعلم. فقال عمر: لقد شقينا إن كنا لا نعلم أن الله أعلم. إذا سئل أحدكم عن شيء لا يعلمه فليقل: لا أدري.
وكان أبو الدرداء يقول: أبغض الناس إليّ أن أظلمه من لا يستعين عليّ بأحد إلا بالله.
وذكر ابن ذر الدنيا فقال: كأنكم زادكم في حرصكم عليها ذمّ الله لها.
ونظر أعرابي إلى مال له كثير، من الماشية وغيرها، فقال: «ينعة، ولكل ينعة استحشاف «١» » . فباع ما هناك من ماله، ثم يمّم ثغرا من ثغور المسلمين، فلم يزل به حتى أتاه الموت.
قال: وتمنى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال: أتمنى كما تمنيتم؟ قالوا:
تمنّه. قال: «ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذّب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلّد» .
وقال الحجاج: «ليت الله إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا، فرفع عنا الهم بالمأكل والمشرب والملبس والمنكح. أوليته إذا أوقعنا في هذه الدنيا كفانا أمر الآخرة، فرفع عنا الاهتمام بما ينجّي من عذابه.
فبلغ كلامهما عبد الله بن الحسن بن حسن، أو علي بن الحسين، فقال: ما علما في التمني شيئا، ما اختاره الله فهو خير.
стр. 214
وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
قال شريح «١» : «الحدة كناية عن الجهل» .
وقال أبو عبيدة: «العارضة «٢» كناية عن البذاء» .
قال: وإذا قالوا فلان مقتصد فتلك كناية عن البخل، وإذا قالوا للعامل مستقص فتلك كناية عن الجور.
وقال الشاعر، أبو تمام الطائي:
كذبتم ليس يزهى من له حسب ... ومن له نسب عمّن له أدب
إني لذو عجب منكم أردده ... فيكم، وفي عجبي من زهوكم عجب
لجاجة لي فيكم ليس يشبهها ... إلا لجاجتكم في أنكم عرب
وقيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك عن ابنك؟ قالت: إن مصيبته أمّنتني من المصائب بعده.
قال: وقال سعيد بن عثمان بن عفان ﵀ لطويس المغني: أيّنا أسنّ أنا أم أنت يا طويس؟ فقال: «بأبي أنت وأمي، لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب» . فانظر إلى حذقه وإلى معرفته بمخارج الكلام، كيف لم يقل: زفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك. وهكذا كان وجه الكلام فقلب المعنى.
قال: وقال رجل من أهل الشام: كنت في حلقة أبي مسهر «٣» ، في
стр. 215
مسجد دمشق، فذكرنا الكلام وبراعته، والصمت ونبالته، فقال: كلا إن النجم ليس كالقمر، إنك تصف الصمت بالكلام، ولا تصف الكلام بالصمت.
وقال الهيثم بن صالح لابنه وكان خطيبا: يا بني إذا قلّلت من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب. قال: يا أبه، فإن أكثرت وأكثرت؟ - يعني كلاما وصوابا- قال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك! قال: وقال ابن عباس: «لولا الوسواس، ما باليت ألا أكلم الناس» .
قال: وقال عمر بن الخطاب ﵀: «ما تستبقوه من الدنيا تجدوه في الآخرة» .
وقال رجل للحسن: إني أكره الموت. قال: ذاك أنك أخّرت مالك، ولو قدمته لسرك أن تلحق به.
قال: وقال عامر بن الظرب العدواني: «الرأي نائم، والهوى يقظان، فمن هنالك يغلب الهوى الرأي» .
وقال: مكتوب في الحكمة: «اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكر لك» .
وقال بعضهم: «أيها الناس، لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا» .
وقال عبد الملك على المنبر: «ألا تنصفوننا يا معشر الرعية؟ تريدون منا سيرة أبي بكرة وعمر ولم تسيروا في أنفسكم ولا فينا بسيرة رعية أبي بكر وعمر، أسأل الله أن يعين كلا على حال» .
وقال رجل من العرب: «أربع لا يشبعن من أربعة: أنثى من ذكر، وعين من نظر، وأرض من مطر، وأذن من خبر» .
قال: وقال موسى ع لأهله: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها
следующие страницы →