← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقد ذكر المصدور أبو زبيد الطائي في صفة الأسد فقال: للصدر منه عويل فيه حشرجة ... كأنما هو من أحشاء مصدور [خطباء هذيل] ومن خطباء هذيل: أبو المليح الهذلي أسامة بن عمير، ومنهم أبو بكر الهذلي، كان خطيبا قاصا، وعالما بيّنا، وعالما بالأخبار والآثار. وهو الذي لما فخر أهل الكوفة قال: «لنا الساج والعاج، والديباج والخراج، والنهر العجّاج» . [خطباء قحطان] ذكر أسماء الكهان والحكام والخطباء والعلماء من قحطان. قالوا: أكهن العرب وأسجعهم سلمة بن أبي حيّة، وهو الذي يقال له عزّى سلمة. ومنهم من خطباء عمان: مرّة بن فهم التليد، وهو الخطيب الذي أوفده المهلب إلى الحجاج. ومن العتيك: بشر بن المغيرة بن أبي صفرة، وهو الذي قال لبني المهلّب «يا بني عمي، إني والله قد قصّرت عن شكاة العاتب، وجاوزت شكاة المستعتب، حتى كأني لست موصولا ولا محروما، فعدوني امرأ خفتم لسانه، أو رجوتم شكره. وإني وإن قلت هذا فلما أبلاني الله بكم أعظم مما أبلاكم بي» . ومن خطباء اليمن ثم من حمير: الصباح بن شفي الحميريّ، كان أخطب العرب. ومنهم ثم من الأنصار: قيس بن شمّاس. ومنهم: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي صلّى الله عليه وآله. ومنهم: روح بن زنباع، وهو الذي لما همّ به معاوية قال: «لا تشتمن بي عدوا أنت وقمته «١» ، ولا تسوءن فيّ صديقا أنت

стр. 282

سررته، ولا تهدمن مني ركنا أنت بنيته. هلا أتى حلمك وإحسانك على جهلي وإساءتي» . ومن خطبائهم الأسود بن كعب، الكذّاب العنسيّ» . وكان طليحة «٢» خطيبا وشاعرا وسجّاعا كاهنا ناسبا. وكان مسيلمة الكذاب «٣» بعيدا من ذلك كله. وثابت بن قيس بن شماس هو الذي قال لعامر، حين قال: أما والله لئن تعرضت لعنّي وفنّي، وذكاء سنّي «٤» لتولينّ عني» ، فقال له ثابت: «أما والله لئن تعرضت لسبابي، وشبا أنيابي «٥» ، وسرعة جوابي، لتكرهن جنابي» قال: فقال النبي صلّى الله عليه وآله: «يكفيك الله وابنا قيلة» . لعني: أي لما يعن لي ويعرض. فني: مذهبي في الفن. وأخذت هذا الحديث من رجل يضع الأخبار فأنا أتهمه. ومن خطباء الأنصار: بشر بن عمرو بن محصنة، وهو أبو عمرة الخطيب. ومن خطباء الأنصار: سعد بن الربيع، وهو الذي اعترضت ابنته النبي صلّى الله عليه وآله، فقال لها: من أنت؟ قالت: ابنة الخطيب النقيب الشهيد: سعد بن الربيع. ومنهم خال حسان بن ثابت، وفيه يقول حسان:

стр. 283

إن خالي خطيب جابية الجو ... لان عند النعمان حين يقوم وإياه يعني حسان بقوله: ربّ خال لي لو أبصرته ... سبط المشية في اليوم الخصر ومنهم من الرواة والنسابين والعلماء: شرقي بن القطامي الكلبي، ومحمد ابن السائب الكلبي، وعبد الله عياش الهمداني، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي. والهيثم بن عدي الطائي، وأبو رق الهمداني واسمه عطية بن الحارث، وأبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، ومحمد بن عمر الأسلمي الواقدي، وعوانة الكلبي، وابن أبي عيينة المهلّبي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وخلف بن حيان الأحمر الأشعري. قالوا: ومنا في الجاهلية عبيد بن شريّة، ومنا شقّ بن الصعب، ومنا ربيع ابن ربيعة السطيح الذئبي. ومنا المأمور الحارثي، والديّان بن عبد المدان، الشريفان الكاهنان ومنهم عمرو بن حنظلة بن نهد الحكم، وله يقول القائل: عمرو بن حنظلة بن نهد ... من خير ناس في معد ومنهم أبو السطّاح اللخمي، وجمع معاوية بينه وبين دغفل بن حنظلة البكري. ومنهم أبو الكباس الكندي، ومنهم أظفر بن مخوس الكندي وكانا ناسبين عالمين. ومن أصحاب الأخبار والآثار عبد الله بن عقبة بن لهيعة ويكنى أبا عبد الرحمن. ومن القدماء في الحكمة والرياسة والخطابة عبيد بن شريّة الجرهمي، وأسقف نجران، وأكيدر صاحب دومة الجندل، وأفيعي نجران وذرب بن حوط، وعليم بن جناب وعمرو بن ربيعة- وهو لحي- بن حارثة بن عمرو مزيقياء. وجذيمة بن مالك الأبرش، وهو أول من أسرج الشّمع ورمى بالمنجنيق.

стр. 284

ذكر النساك والزهاد من أهل البيان عامر بن عبد قيس، وصلة بن أشيم «١» ، وعثمان بن أدهم، وصفوان بن محرز «٢» والأسود بن كلثوم، والربيع بن خشيم «٣» ، وعمرو بن عتبة بن فرقد «٤» ، وهرم بن حيّان، ومؤرّق العجلي، وبكر بن عبد الله المزني، ومطرّف ابن عبد الله بن الشخّير الحرشيّ. وبعد هؤلاء: مالك بن دينار، وحبيب أبو محمد «٥» ، ويزيد الرقاشي، وصالح المريّ، وأبو حازم الأعرج «٦» ، وزياد مولى عياش بن أبي ربيعة «٧» ، وعبد الواحد بن زيد، وحيان أبو الأسود، ودهثم أبو العلاء. ومن النساء: رابعة القيسية «٨» ، ومعاذة العدوية امرأة صلة بن أشيم وأم الدرداء «٩» . ومن نساء الخوارج: البلجاء، وغزالة «١٠» ، وقطام، وحمّادة، وكحيلة، ومن نساء الغالية: ليلى الناعظية، والصّدوف، وهند.

стр. 285

وممن كان من النساك ممن أدركناه: أبو الوليد، وهو الحكم الكندي، ومحمد بن محمد الحمراوي. ومن القدماء ممن يذكر بالقدر والرياسة، والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنكراء: لقمان بن عاد، ولقيم بن لقمان، ومجاشع بن دارم، وسليط بن كعب بن يربوع، سموه بذلك لسلاطة لسانه. وقال جرير: إن سليطا كاسمه سليط ولؤي بن غالب، وقس بن ساعدة، وقصي بن كلاب. ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء: أكثم بن صيفي، وربيعة بن حذار، وهرم بن قطبة، وعامر بن الظّرب، ولبيد بن ربيعة، وكان من الشعراء. أسماء الصوفية من النساك ممن كان يجيد الكلام كلاب، وكليب، وهاشم الأوقص، وأبو هاشم الصوفيّ، وصالح بن عبد الجليل. ومن القدماء العلماء بالنسب وبالعرب: الخطفي وهو جد جرير بن عطية ابن الخطفي، وهو حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع. وإنما سمي الخطفي لأبيات قالها، وهي: يرفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنّان وهاما رجّفا وعنقا باقي الرسيم خيطفا العنق: ضرب من السير، وهو المسبطر، فإذا ارتفع عن العنق قليلا فهو التزيّد، فإذا ارتفع عن ذاك فهو الذّميل. والرسيم فوق الذميل. والخيطف: السريع، أي يخطف كما يخطف البرق. وخيطف من الخطف، والياء في خيطف زائدة، كما قالوا رجل صيرف من الصرف، ورجل جيدر من الجدر وهو القصر. وأصل الخطف الأخذ في سرعة ثم استعير لكل سريع.

стр. 286

ذكر القصاص [الأبيناء] قصّ الأسود بن سريع، وهو الذي قال: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا وقص الحسن وسعيد ابنا أبي الحسن. وكان جعفر بن الحسن أول من اتخذ في مسجد البصرة حلقة وأقرأ القرآن في مسجد البصرة وقص إبراهيم التيمي. وقص عبيد بن عمر الليثيّ وجلس إليه عبد الله بن عمر. حدثني بذلك عمرو بن فائد بإسناد له. ومن القصاص: أبو بكر الهذلي وهو عبد الله بن سلمى، وكان بيّنا خطيبا صاحب أخبار وآثار. وقص مطرّف بن عبد الله بن الشخير في مكان أبيه. ومن كبار القصاص ثم من هذيل: مسلم بن جندب وكان قاص مسجد النبي صلّى الله عليه وآله بالمدينة، وكان إمامهم وقارئهم، وفيه يقول عمر بن عبد العزيز: «من سره أن يسمع القرآن غضا فليسمع قراءة مسلم بن جندب» . ومن القصاص: عبد الله بن عرادة بن عبد الله بن الوضين، وله مسجد في بني شيبان. ومن القصاص: موسى بن سيّار الاسواري، وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأي لسان هو أبين. واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها إلا ما ذكرناه من لسان موسى بن سيار الأسواري. ولم يكن في هذه الأمة بعد أبي موسى الأشعري أقرأ في محراب من موسى بن سيار ثم عثمان بن سعيد بن أسعد، ثم يونس النحوي، ثم

стр. 287

المعلى. ثم قص في مسجده أبو علي الاسواري، وهو عمرو بن فائد «١» ، ستا وثلاثين سنة، فابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن حتى مات، لأنه كان حافظا للسير، ولوجوه التأويلات فكان ربما فسر آية واحدة في عدة أسابيع، كأن الآية ذكر فيها يوم بدر، وكان هو يحفظ مما يجوز أن يلحق في ذلك الأحاديث كثيرا. وكان يقص في فنون من القصص، ويجعل للقرآن نصيبا من ذلك. وكان يونس بن حبيب يسمع منه كلام العرب، ويحتجّ به. وخصاله المحمودة كثيرة. ثم قص من بعده القاسم بن يحيى، وهو أبو العباس الضرير، لم يدرك في القصاص مثله. وكان يقص معهما. وبعدهما مالك بن عبد الحميد المكفوف، ويزعمون أن أبا عليّ لم تسمع منه كلمة غيبة قط، ولا عارض أحدا قط من المخالفين والحساد والبغاة بشيء من المكافأة. فأما صالح المري، فكان يكنى أبا بشر، وكان صحيح الكلام رقيق المجلس. فذكر أصحابنا أن سفيان بن حبيب «٢» ، لما دخل البصرة وتوارى عند مرحوم العطار قال له مرحوم: هل لك أن تأتي قاصّا عندنا ها هنا، فتتفرّج بالخروج والنظر إلى الناس، والاستماع منه؟ فأتاه على تكرّه، كأنه ظنه كبعض من يبلغه شأنه، فلما أتاه وسمع منطقه، وسمع تلاوته للقرآن، وسمعه يقول حدثنا شعبة «٣» عن قتادة، وحدثنا قتادة عن الحسن، رأى بيانا لم يحتسبه، ومذهبا لم يكن يظنّه، فأقبل سفيان على مرحوم فقال: ليس هذا قاصّا، هذا نذير!

стр. 288

ما قيل في المخاصر والعصي وغيرهما كانت العرب تخطب بالمخاصر «١» ، وتعتمد على الأرض بالقسيّ، وتشير بالعصي والقنا. نعم حتى كانت المخاصر لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها، ولذلك قال الشاعر «٢» : في كفّه خيزران ريحه عبق ... بكف أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم إن قال قال بما يهوى جميعهم ... وإن تكلم يوما ساخت الكلم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم وقال الشاعر قولا فسر فيه ما قلنا. قال: مجالسهم خفض الحديث وقولهم ... إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر وقال الكميت بن زيد: ونزور مسلمة المهذ ... ب بالمؤبّدة السّوائر بالمذهبات المعجبا ... ت لمفحم منا وشاعر وأهل التجاوب في المحا ... فل والمقاول بالمخاصر فهم كذلك في المجا ... لس والمحافل والمشاعر وكما قال الأنصاري في المجامع حيث يقول: وسارت بنا سيّارة ذات سورة ... بكوم المطايا والخيول الجماهر يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا ... ملوكا بأرض الشام فوق المنابر يصيبون فصل القول في كل خطبة ... إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر

стр. 289

وفي المخاصر والعصي وفي خدّ وجه الأرض بالعصي، قال الحطيئة: أم من لخصم مضجعين قسيّهم ... صعر خدودهم عظام المفخر وقال لبيد بن ربيعة في الإشارة: غلب تشذّر بالذّحول كأنها ... جنّ البديّ رواسيا أقدامها «١» وقال في خد وجه الأرض بالعصي والقسي: نشين صحاح البيد كلّ عشية ... بعوج السّراء عند باب محجب عوج: جمع عوجاء، وهي ها هنا القوس. السراء: شجر تعمل منه القسي. وفي مثله يقول الشاعر: إذا اقتسم الناس فضل الفخار ... أطلنا على الأرض ميل العصا وقال الآخر: كتبت لنا في الأرض يوم محرّق ... أيامنا في الأرض يوما فيصلا وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي: ما إن أهاب إذا السرادق غمّه ... قرع القسيّ وأرعش الرّعديد وقال معن بن أوس المزني «٢» : ألا من مبلغ عني رسولا ... عبيد الله إذ عجل الرّسالا تعاقل دوننا أبناء ثور ... ونحن الأكثرون حصى ومالا إذا اجتمع القبائل جئت ردفا ... وراء الماسحين لك السّبالا «٣»

стр. 290

فلا تعطي عصا الخطباء فيهم ... وقد تكفي المقادة والمقالا فإنكم وترك بني أبيكم ... وأسرتكم تجرون الحبالا وودّكم العدي ممن سواكم ... لكالحيران يتبع الضلالا ومما قالوا في حمل القناة قوله: إلى امرىء لا تخطاه الرفاق، ولا ... جدب الخوان إذا ما استنشىء المرق صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذا ... هزّ القناة ولا مستعجل زهق وكما قال جرير بن الخطفي: من للقناة إذا ما عي قائلها ... أم للأعنة يا شبّ بن عمّار وقال: ومثل هذا قول أبي المجيب الربعي: «ما تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يحمدك» . يقول: إذا قام يخطب. وفي كتاب جبل بن يزيد: «احفظ أخاك إلا من نفسه» . وقال عبد الله بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال: «خداش بن لبيد بن بينة» يعني البعيث. وإنما قيل له البعيث لقوله: تبعّث مني ما تبعّث بعدما ... أمرّت حبالي كل مرّتها شذرا وزعم سحيم بن حفص أنه كان يقال: أخطب بني تميم البعيث إذ أخذ القناة. وقال يونس: لعمري لئن كان مغلبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب. [سبب تسمية بعض الشعراء] ومن الشعراء من يغلب شيء قاله في شعره، على اسمه وكنيته، فيسمى به بشر كثير. فمنهم البعيث هذا. ومنهم عوف بن حصن بن حذيفة بن بور، غلب عليه عويف القوافي لقوله:

стр. 291

سأكذب من قد كان يزعم أنني ... إذا قلت شعرا لا أجيد القوافيا فسمي عويف القوافي لذلك. ومنهم: يزيد بن ضرار التغلبي، غلب على اسمه المزرّد، لقوله: فقلت تزرّدها عبيد فإنني ... لدرد الموالي في السّنين مزرّد «١» فسمي المزرّد. ومنهم: عمرو بن سعد بن مالك، غلب عليه مرقّش، وذلك لقوله: الدار قفر والرسوم كما ... رقّش في ظهر الأديم قلم فسمي مرقشا. ومنهم: شأس بن نهار العبدي، غلب عليه الممزّق لقوله: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزّق فسمي الممزق. ومنهم: جرير بن عبد المسيح الضبعي، غلب عليه المتلمس لقوله: فهذا أوان العرض حيّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس ومنهم: عمرو بن رياح السّلمي، أبو خنساء ابنة عمرو، وغلب الشريد على اسمه لقوله: تولّى إخوتي وبقيت فردا ... وحيدا في ديارهم شريدا فسمي الشريد. وهذا كثير.

стр. 292

[اللفظ الغريب ليس فصيحا] قال: ودخل رجل من قيس عيلان على عبد الملك بن مروان، فقال زبيريّ عميري! والله لا يحبك قلبي أبدا! فقال: «يا أمير المؤمنين، إنما بجزع من فقدان الحب المرأة، ولكن عدل وإنصاف» . وقال عمر لأبي مريم الحنفي، قاتل زيد بن الخطاب: «لا يحبك قلبي أبدا حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح» . وهذا مثل قول الحجاج: «والله لأقلعنك قلع الصّمغة» ، لأن الصمغة اليابسة إذا قرفت «١» عن الشجرة انقلعت انقلاع الجلبة «٢» . والأرض لاتنشف الدم المسفوح ولا تمصه، فمتى جف الدم وتجلّب لم تره أخذ من الأرض شيئا. ومن الخطباء: الغضبان بن القبعثريّ «٣» ، وكان محبوسا في سجن الحجاج، فدعا به يوما، فلما رآه قال: إنك لسمين! قال: القيد والرتعه «٤» ، ومن يكن ضيفا للأمير يسمن» . وقال يزيد بن عياض «٥» : لما نقم الناس على عثمان، خرج يتوكأ على مروان، وهو يقول: «لكل أمّة آفة، ولكل نعمة عاهة، وإن آفة هذه الأمة عيّابون طعّانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، طغام مثل النعام، يتبعون أول ناعق، لقد نقموا عليّ ما نقموه على عمر، ولكن قمعهم عمر ووقمهم. والله إني لأقرب ناصرا وأعز نفرا. فضل فضل من مالي، فما لي لا أفعل في الفضل ما أشاء» .

стр. 293

قال: ورأيت الناس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر «١» ، على لسان يزيد ابن المهلب: «إنّا لقينا العدوّ فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة بعراعر الأودية واهضام الغيطان، وبتنا بعرعرة الجبل، وبات العدو بحضيضة» . قال: فقال الحجاج: ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام. فقيل له: إن معه يحيى بن يعمر! فأمر بأن يحمل إليه فلما أتاه قال: أين ولدت؟ قال: بالأهواز. قال: فأنّى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي. عراعر الأودية: أسافلها. وعراعر الجبال: أعاليها. وأهضام الغيطان: مداخلها. والغيطان: جمع غائط، وهو الحائط ذو الشجر. ورأيتهم يديرون في كتبهم أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر فانتهرها مرارا، فقال له يحيى بن يعمر: «أإن سألتك ثمن شكرها وشرك، أنشأت تطلّها وتضهلها» . قالوا: الضهل: التقليل. والشكر: الفرج. والشبر: النكاح. وتطلها: تذهب بحقها، يقال دم مطلول. ويقال بئر ضهول، أي قليلة الماء. قال: فإن كانوا إنما رووا هذا الكلام لأنه يدل على فصاحة فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة. وإن كانوا إنما دوّنوه في الكتب، وتذاكروه في المجالس لأنه غريب، فأبيات من شعر العجاج وشعر الطّرمّاح وأشعار هذيل، تأتي لهم مع حسن الرصف على أكثر من ذلك. ولو خاطب بقوله: «أإن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها» الأصمعي، لظننت أنه سيجهل بعض ذلك. وهذا ليس من أخلاق الكتاب ولا من آدابهم. قال أبو الحسن: كان غلام يقعّر في كلامه، فأتى أبا الأسود الدؤلي

стр. 294

يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ قال: «أخذته الحمى فطبخته طبخا، وفنخته فنخا، وفضخته فضخا، فتركته فرخا» . فنخته: أضعفته. والفنيخ: الرخو الضعيف. وفضخته: دقته. فقال أبو الأسود: «فما فعلت امرأته التي كانت تهارّه وتشارّه، وتجارّه «١» وتزارّه» ؟ قال: «طلقها فتزوّجت غيره، فرضيت وحظيت وبظيت» . قال أبو الأسود: قد عرفنا رضيت وحظيت، فما بظيت؟ قال: حرف من الغريب لم يبلغك. قال أبو الأسود: يا بني كل كلمة لا يعرفها عمك فاسترها كما تستر السنور جعرها. تزارّه: تعاضه. والزر: العض. وحظيت: من الحظوة. وبظيت: اتباع لحظيت. قال أبو الحسن: مرّ أبو علقمة النحويّ ببعض طرق البصرة، وهاجت به مرة، فوثب عليه قوم منهم فأقبلوا يعضون إبهامه ويؤذّنون في أذنه، فأفلت منهم فقال: «ما لكم تتكأكئون عليّ كما تتكأكئون على ذي جنّة، إفرنقعوا عني» . قال دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية. قال أبو الحسن: وهاج بأبي علقمة الدم فأتوه بحجام، فقال للحجام: «اشدد قصب الملازم، وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الوضع وعجّل النزع، وليكن شرطك وخزا، ومصّك نهزا، ولا تكرهنّ أبيّا، ولا تردّنّ أتيّا» . فوضع الحجام محاجمه في جونته ثم مضى. فحديث أبي علقمة فيه غريب، وفيه أنه لو كان حجاما مرة ما زاد على ما قال. وليس في كلام يحيى بن يعمر شيء من الدنيا إلا أنه غريب، وهو أيضا من الغريب بغيض. وذكروا عن محمد بن إسحاق قال: لما جاء ابن الزبير وهو بمكة قتل

стр. 295

مروان الضحاك بمرج راهط، قام فينا خطيبا فقال: «إن ثعلب بن ثعلب، حفر بالصحصحة «١» ، فأخطأت استه الحفرة. والهف أم لم تلدني على رجل من محارب كان يرعى في جبال مكة، فيأتي بالصربة «٢» من اللبن فيبيعها بالقبضة من الدقيق، فيرى ذلك سدادا من عيش، ثم أنشأ يطلب الخلافة ووراثة النبوة» . وأول هذا الكلام مستكره، وهو موجود في كل كتاب. وجار على لسان كل صاحب خبر. وقد سمعت لابن الزبير كلاما كثيرا، ليس هذا في سبيله، ولا يتعلق به. وقال أبو يعقوب الأعور: وخلجة ظن يسبق الطرف حزمها ... تشيف على غنم وتمكن من ذحل صدعت بها والقوم فوضى كأنهم ... بكارة مرباع تبصبص للفحل خلجة ظن: أي جذبه ظن، كأنه يجذب صواب الرأي جذبا. والخلج: الجذب. تشيف: أي تشرف، يقال أشاف وأشفى بمعنى واحد، أي أشرف. بكارة مرباع: أي نوق فتايا قد أذلت للفحل. مرباع: أي نوق رئيس، والمرباع: ربع الغنيمة في الجاهلية لصاحب الجيش، وقال ابن عنمة: لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول وقال رجل من بني يربوع: إلى الله أشكو ثم أشكو إليكما ... وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدها حزازات حب في الفؤاد وعبرة ... أظلّ بأطراف البنان أذودها يحن فؤادي من مخافة بينكم ... حنين المزجّى وجهة لا يريدها وقد أحسن الآخر حيث قال:

стр. 296

وأكرم نفسي عن مناكح جمة ... ويقصر مالي أن أنال الغواليا وقال الآخر: وإذا العبد أغلق الباب دوني ... لم يحرّم عليّ متن الطريق وقال الخليع العطاردي: كنا بالبادية إذ نشأ عارض وما في السماء قزعة «١» معلّقة، وجاء السيل فاكتسح أبياتا من بني سعد، فقلت: فرحنا بوسميّ تألق ودقه ... عشاء فأبكانا صباحا فأسرعا «٢» له طلّة كأن ريّق وبلها ... عجاجة صيف أو دخان ترفعا «٣» فكان على قوم سلاما ونعمة ... وألحق عادا آخرين وتبّعا وقال أبو عطاء السندي، لعبيد الله بن العباس الكندي: قل لعبيد الله لو كان جعفر ... هو الحي لم يبرح وأنت قتيل إلى معشر أردوا أخاك واكفروا ... أباك فماذا بعد ذاك تقول فقال عبيد الله: أقول عض أبو عطاء ببظر أمه! فغلب عليه. قال أبو عبيدة: قال أبو البصير، في أبي رهم السدوسيّ، وكان يلي الأعمال لأبي جعفر: رأيت أبا رهم يقرّب منجحا ... غلام أبي بشر ويقصي أبا بشر فقلت ليحيى كيف قرب منجحا ... فقال: له أير يزيد على شبر [بعض محتويات الجزء الثاني] وقال أبو عثمان «٤» : وقد طعنت الشعوبية على أخذ العرب في خطبها

стр. 297

المخصرة والقناة والقضيب، والاتكاء والاعتماد على القوس، والخدّ في الأرض، والإشارة بالقضيب، بكلام مستكره سنذكره في الجزء الثاني إن شاء الله. ولا بد من أن نذكر فيه بعض كلام معاوية، ويزيد، وعبد الملك، وابن الزبير، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، والوليد بن يزيد بن الوليد، لأن الباقين من ملوكهم لم يذكر لهم من الكلام الذي يلحق بالخطب، وبصناعة المنطق، إلا اليسير. ولا بد من أن نذكر فيه أقسام تأليف جميع الكلام، وكيف خالف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور، وهو منثور غير مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع وكيف صار نظمه من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحجج. ولا بد من أن نذكر فيه شأن إسماعيل صلّى الله عليه وآله وانقلاب لغته بعد أربع عشرة سنة، وكيف نسي لغته التي ربي فيها، وجرى على أعراقها وكيف لفظ بجميع حاجاته بالعربية على غير تلقين ولا ترتيب، وحتى لم تدخله عجمة ولا لكنة ولا حبسة، ولا تعلق بلسانه شيء من تلك العادة، إن شاء الله. ولا بد من ذكر بعض كلام المأمون ومذاهبه، وبعض ما يحضرني من كلام آبائه وجلة رهطه. ولا بد أيضا من ذكر من صعد المنبر فحصر أو خلط، أو قال فأحسن، ليكون أتمّ للكتاب إن شاء الله. ولا بد من ذكر المنابر ولم اتخذت، وكيف كانت الخطباء من العرب في الجاهلية وفي صدر الإسلام، وهل كانت المنابر في أمّة قط غير أمتنا، وكيف كانت الحال في ذلك. وقد ذكرنا أن الأمم التي فيها الأخلاق والآداب والحكم والعلم أربع، وهي: العرب، والهند، وفارس، والروم. وقال حكيم بن عياش الكلبيّ: ألم يك ملك أرض الله طرّا ... لأربعة له متميزينا لحمير والنجاشي وابن كسرى ... وقيصر غير قول الممترينا فما أدري بي سبب وضع الحبشة بهذا المكان. وأما ذكره لحمير فإن كان إنما ذهب إلى تبّع نفسه في الملوك، فهذا له وجه. وأما النجاشي فليس هو عند الملوك في هذا المكان، ولو كان النجاشي في نفسه فوق تبّع وكسرى

стр. 298

وقيصر لما كان أهل مملكته من الحبش في هذا الموضع. وهو لم يفضّل النجاشي لمكان إسلامه، يدل على ذلك تفصيله لكسرى وقيصر. وكان وضع كلامه على ذكر الممالك، ثم ترك الممالك وأخذ في ذكر الملوك. والدليل على أن العرب أنطق، وإن لغتها أوسع، وإن لفظها أدلّ، وأن أقسام تأليف كلامها أكثر، والأمثال التي ضربت فيها أجود وأسير. والدليل على أن البديهة مقصور عليها، وأن الارتجال والاقتضاب خاصّ فيها، وما الفرق بين أشعارهم وبين الكلام الذي تسميه الروم والفرس شعرا. وكيف صار النسيب في أشعارهم وفي كلامهم الذي أدخلوه في غنائهم وفي ألحانهم إنما يقال على ألسنة نسائهم، وهذا لا يصاب في العرب إلا القليل اليسير. وكيف صارت العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، فتضع موزونا على موزون، والعجم تمطّط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونا على غير موزون. وسنذكر في الجزء الثاني من أبواب العيّ واللحن والغلط والغفلة، أبوابا طريفة، ونذكر فيه النوكى من الوجوه ومجانين العرب، ومن ضرب به المثل منهم، ونوادر من كلامهم، ومجانين الشعراء. ولست أعني مثل مجنون بني عامر، ومجنون بني جعدة، وإنما أعني مثل أبي حية في أهل البادية، ومثل جعيفران في أهل الأمصار، ومثل أريسيموس اليوناني. وسنذكر أيضا بقية أسماء الخطباء والنساك وأسماء الظرفاء والملحاء، إن شاء الله. وسنذكر من كلام الحجاج وغيره ، ما أمكننا في بقية هذا الجزء إن شاء الله. [من كلام الحجاج وغيره] وقال أبو الحسن المدائني: قال الحجاج لأنس بن مالك، حين دخل عليه في شأن ابنه عبد الله، وكان خرج مع ابن الأشعث: «لا مرحبا بك ولا أهلا. لعنة الله عليك من شيخ جوّال في الفتنة، مرة مع أبي تراب ومرة مع ابن الأشعث. والله لأقلعنك قلع الصّمغة، ولأعصبنّك عصب السلمة، ولأجرّدنّك

стр. 299

تجريد الضّب» . قال أنس: من يعني الأمير أعزّه الله؟ قال: إياك أعني، أصمّ الله صداك! فكتب أنس بذاك إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك إلى الحجاج: «بسم الله الرحمن الرحيم. يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، والله لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها في نار جهنم. قاتلك الله، أخيفش العينين أصكّ الرجلين «١» ، أسود الجاعرتين. والسلام» . وكان الحجاج أخيفش، منسلق الأجفان، ولذلك قام إمام بن أقرم النميري، وكان الحجاج جعله على بعض شرط أبان بن مروان ثم حبسه، فلما خرج قال: طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير ولا الحجاج عيني بنت ماء ... تقلب طرفها حذر الصقور لأن طير الماء لا يكون أبدا إلا منسلق الأجفان. قال: وخطب الحجاج يوما فقال في خطبته: «والله ما بقي من الدنيا إلا مثل ما مضى، ولهو أشبه به من الماء بالماء والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه» . المفضل بن محمد الضبي قال: كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: أن أبعث إليّ بالآدم الجعد «٢» ، الذي يفهمني ويفهم عني. فبعث إليه غذّام بن شتير فقال الحجاج: لله درّه! ما كتبت إليه في أمر قط إلا فهم عني وعرف ما أريد. وقال أبو الحسن وغيره: أراد الحجاج الحج، فخطب الناس فقال: «أيها الناس، إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني محمدا هذا،

стр. 300

وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله صلّى الله عليه وآله في الأنصار. إن رسول الله صلّى الله عليه وآله أوصى أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، ألا وإني قد أوصيته ألا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة ما يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي. ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة! ألا وإني معجل لكم الإجابة، لا أحسن الله عليكم الخلافة» . ثم نزل. وكان يقول في خطبته: «أيها الناس، إن الكف عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله» . وقال عمرو بن عبيد ﵀: كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد بيده وأمر الناس بحفظها وتدبّر معانيها، وهي: «إن الله جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، فالناس بين محسن بنعمة الله عليه، ومسيء بخذلان الله إياه. ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء. فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه، ورأى العبرة في غيره، بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء، ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله . فأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة، قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها، فلا تقدروا فيها على توبة، وليست لكم منها أوبة. وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم» . وقد روي هذا الكلام عن الحجاج، وزياد أحق به منه. قال جرير: تكلّفني ردّ الفوائت بعدما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله وقال الكميت بن معروف:

стр. 301

خذوا العقل إن أعطاكم القوم عقلكم ... وكونوا كمن سيم الهوان فأربعا «١» ولا تكثروا فيه الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا والمثل السابق: «سبق السيف العذل» . ومن أهل الأدب: زكريّاء بن درهم، مولى بني سليم بن منصور، صاحب سعيد بن عمرو الحرشي. وزكرياء هو الذي يقول: لا تنكروا لسعيد فضل نعمته ... لا يشكر الله من لا يشكر الناسا ومن أهل الأدب ممن وجهه هشام إلى الحرشي: السّرادق بن عبد الله السدوس الفارس. ولما ظفر سلم بن قتيبة بالأزد، كان من الجند في دور الأزد انتهاب وإحراق، وآثار قبيحة، فقام شبيب بن شيبة إلى سلم بن قتيبة فقال: أيها الأمير، إن هريم بن عدي بن أبي طحمة- وكان غير منطيق- قال ليزيد بن عبد الملك في شأن المهالبة: يا أمير المؤمنين، إنّا والله ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك، ولا عفا عفوك. وإنّا نقول أيضا: أيها الأمير، إنّا والله ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك. فافعل الثالثة نقلها. قال الهيثم بن عديّ: قام عبد الله بن الحجاج التغلبي إلى عبد الملك بن مروان، وقد كان أراد الاتصال به، وكان عبد الملك حنقا عليه، فأقام ببابه حولا لا يصل إليه، ثم ثار في وجهه في بعض ركباته فقال: أدنو لترحمني وترتق خلّتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع فقال عبد الملك: إلى النار! فقال: ولقد أذقت بني سعيد حرّها ... وابن الزبير فعرشه متضعضع فقال عبد الملك: قد كان ذلك، وأنا أستغفر الله.

стр. 302

وقال أبو عبيدة: كان بين الحجاج وبين العذيل بن الفرخ العجليّ بعض الأمر، فتوعده الحجاج، فقال العذيل: أخوّف بالحجاج حتى كأنما ... يحرّك عظم في الفؤاد مهيض ودون يد الحجاج من أن تنالني ... بساط لأيدي اليعملات عريض «١» مهامه أشباه كأن سرابها ... ملاء بأيدي الغاسلات رحيض «٢» المهيض: الذي قد كسر ثم جبر ثم كسر. اليعملات: العوامل، والياء زائدة لأنها من عملت. ثم ظفر به الحجاج فقال: ايه يا عديل، هل نجاك بساطك العريض؟ فقال: أيها الأمير، أنا الذي أقول فيكم: لو كنت بالعنقاء أو بيسومها ... لكان لحجاج عليّ دليل خليل أمير المؤمنين وسيفه ... لكلّ إمام مصطفى وخليل بنى قبة الإسلام حتى كأنما ... هدى الناس من بعد الضلال رسول فقال له الحجاج: اربح نفسك، واحقن دمك، وإياك وأختها، فقد كان الذي بيني وبين قتلك أقصر من إبهام الحبارى. قال: وقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، خطيبا بالمدينة، وكان واليها، ينعي معاوية ويدعو إلى بيعة يزيد، فلما رأى روح بن زنباع إبطاءهم قال: «أيها الناس، إنّا لا ندعوكم إلى لخم وجذام وكلب، ولكنا ندعوكم إلى قريش ومن جعل الله له هذا الأمر واختصه به، وهو يزيد بن معاوية، ونحن أبناء الطعن والطاعون، وفضالات الموت، وعندنا إن أجبتم وأطعتم من المعونة والعائدة ما شئتم» . فبايع الناس.

стр. 303

قال: وخطب إبراهيم بن إسماعيل، من ولد المغيرة المخزومي فقال: «أنا ابن الوحيد، من شاء أجزر نفسه صقرا يلوذ حمامة بالعرفج» . ثم قال: استوسقي أحمرة الوجين ... سمعن حسّ أسد حرون فهن يضرطن وينتزين ثم قال: «والله إني لأبغض القرشي أن يكون فظا» . يا عجبا لقوم يقال لهم من أبوكم فيقولون: أمنا من قريش. فتكلم رجل من عرض الناس وهو يخطب، فقال غيره: مه فإن الإمام يخطب. فقال: إنما أمرنا بالإنصات عند قراءة القرآن، لا عند ضراط أحمرة الوجين. وقال آخر: سمعت عمر بن هبيرة وهو يقول على هذه الأعواد في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من عدو يسري، ومن جليس يغري، ومن صديق يطري. قال أبو الحسن: كان نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرّث، خال مروان، واليا على مكة والمدينة، وكان شاهرا سيفه لا يغمده، وبلغه أن فتى من بني سهم يذكره بكل قبيح، فلما أتي به وأمر بضرب عنقه قال الفتى: لا تعجل عليّ، ودعني أتكلم. قال: أوبك كلام؟ قال: نعم وأزيد، يا نافع وليت الحرمين تحكم في دمائنا وأموالنا، وعندك أربع عقائل من العرب، وبنيت ياقوته بين الصفا والمروة- يعني داره- وأنت نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث، أحسن الناس وجها، وأكرمهم حسبا، وليس لنا من ذلك إلا التراب، لم نحسدك على شيء منه، ولم ننفسه عليك، فنفست علينا أن نتكلم. قال: فتكلم حتى ينفك فكّاك. عليّ بن مجاهد، عن الجعد بن أبي الجعد، قال: قال صعصعة بن صوحان: ما أعياني جواب أحد ما أعياني جواب عثمان، دخلت عليه فقلت:

стр. 304

أخرجنا من ديارنا وأموالنا أن قلنا ربنا الله! فقال: نحن الذين أخرجنا من ديارنا وأموالنا أن قلنا ربنا الله، فمنا من مات بأرض الحبشة ومنا من مات بالمدينة. قال: وقال الحجاج على منبره: «والله لألحونّكم لحو العصا، ولأعصينّكم عصب السلمة، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل. يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب. وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف فتنة. أي بني اللكيعة وعبيد العصا، وأبناء الإماء، والله لئن قرعت عصا عصا لأتركنكم كأمس الدابر» . مالك بن دينار قال: ربما سمعت الحجاج يخطب، يذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه وأنه صادق، لبيانه وحسن تخلصه بالحجج. قال: وقسم الحجاج مالا، فأعطى منه مالك بن دينار، وأراد أن يدفع منه إلى حبيب أبي محمد فأبي أن يقبل منه شيئا، ثم مر حبيب بمالك، فإذا هو يقسم ذلك المال، فقال له مالك: أبا محمد، لهذا قبلناه! قال له حبيب: دعني مما هناك، أسألك بالله الحجاج اليوم أحب إليك أم قبل اليوم؟ قال: بل اليوم. فقال حبيب: فلا خير في شيء حبب إليك الحجاج. ومرّ غيلان بن خرشة الضّبيّ، مع عبد الله بن عامر، على نهر أمّ عبد الله الذي يشق البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير، يعلّم القوم صبيانهم فيه السباحة، ويكون لسقياهم ومسيل مياههم، وتأتيهم فيه ميرتهم. قال: ثم مر غيلان يساير زيادا على ذلك النهر، وقد كان عادى ابن عامر، فقال زياد: ما أضر هذا النهر، بأهل هذا المصر! قال غيلان: أجل والله أيها الأمير، تنزّ منه دورهم، وتغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم. فالذين كرهوا البيان إنما كرهوا مثل هذا المذهب، فأما نفس حسن البيان فليس يذمه إلا من عجز عنه. ومن ذم البيان مدح العيّ، وكفى بهذا خبالا.

стр. 305

ولخالد بن صفوان كلام في الجبن المأكول، ذهب فيه شبيها بهذا المذهب. قال: ورجع طاوس عن مجلس محمد بن يوسف، وهو يومئذ والي اليمن، فقال: ما ظننت أن قول سبحان الله معصية لله حتى كان اليوم. سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما فقال رجل من أهل المجلس: سبحان الله! كالمستعظم لذلك الكلام. فغضب ابن يوسف. قال أبو الحسن وغيره، قالوا: دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان دميما، فلما رآه قال: على رجل أجرّك رسنك، وسلّطك على المسلمين، لعنة الله! قال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتني والأمر عني مدبر، ولو رأيتني والأمر عليّ مقبل لاستعظمت من أمري ما استصغرت! قال: فقال سليمان: أفترى الحجاج بلغ قعر جهنّم بعد! قال: يا أمير المؤمنين، يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك، قابضا على يمين أبيك وشمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت. وذكر يزيد بن المهلب، يزيد بن أبي مسلم، بالعفة عن الدينار والدرهم وهمّ بأن يستكفيه مهما من أمره، قال: فقال عمر بن عبد العزيز: أفلا أدلك على من هو أزهد في الدرهم والدينار منه، وهو شرّ خلق الله؟ قال: من هو؟ قال: إبليس. قال: وقال أسيلم بن الأحنف، للوليد بن عبد الملك قبل أن يستخلف: أصلح الله الأمير، إذا ظننت ظنا فلا تحققه، وإذا سألت الرجال فسلهم عمّا تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا ذلك بك فيما لا تعلم، ودس من يسألك لك عما تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا ذلك بك فيما لا تعلم، ودس من يسأل لك عما لا تعلم. وكان أسيلم بن الأحنف الأسدي، ذا بيان وأدب وعقل وجاه، وهو الذي يقول فيه الشاعر:

стр. 306

ألا أيها الركب المخبون هل لكم ... بسيّد أهل الشام تحبوا وترجعوا أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين ترجّي أو لأذن تسمّع من النفر البيض الذين إذا انتموا ... وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا جلا الأزفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدّهان رأسه فهو أنزع إذا النفر السود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا وهذا الشعر من أشعار الحفظ والمذاكرة. الهيثم بن عدي قال: قدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك، بعد ما استخلف، فأمرهم بشتم الحجاج، فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم إن عدو الله الحجاج، كان عبدا زبابا، قنّورا ابن قنّور «١» ، لا نسب له في العرب. فقال سليمان: أي شتم هذا؟ إن عدو الله الحجاج كتب إليّ: «إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيت فيّ ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما، وإلا فأنا الحجاج وأنت النقطة، فإن شئت محوتك، وإن شئت أثبتك» .. فالعنوه لعنة الله! فأقبل الناس يلعنون، فقام ابن أبي بردة بن أبي موسى فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك عن عدو الله بعلم. قال: هات. قال: كان عدو الله يتزيّن تزيّن المومسة، ويصعد على المنبر فيتكلم بكلام الأخيار، وإذا نزل عمل الفراعنة وأكذب في حديثه من الدجال. فقال سليمان لرجاء بن حيوة: هذا وأبيك الشتم لا ما تأتي به هذه السّفلة. وعن عوانة قال: قطع ناس من عمرو بن تميم وحنظلة، على الحجاج ابن يوسف، فكتب إليهم: من الحجاج بن يوسف. أما بعد فإنكم قد استصحبتم الفتنة- وقال بعضهم قد استنجتم الفتنة- فلا عن حق تقاتلون، ولا عن منكر تنهون، وأيم الله إني لأهمّ أن يكون أول ما يرد عليكم من قبلي خيل تنسف الطارف والتالد، وتخلي النساء أيامى، والأبناء يتامى، والديار خرابا، والسواد بياضا، فأيّما

стр. 307

رفقة مرّت بأهل ماء فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير إلى الماء الذي يليه. تقدمة مني إليكم، والسعيد من وعظ بغيره. والسلام. مسلمة بن محارب قال: كان الحجاج يقول: «أخطب الناس صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة «١» ، إذا شاء خطب، وإذا شاء سكت» . يعني الحسن. فيقول: لم ينصب نفسه للخطاب. قال: ولما اجتمعت الخطباء عند معاوية في شأن يزيد، وفيهم الأحنف، قام رجل من حمير، فقال: إنّا لا نطيق أفواه الكمال- يزيد الجمال- عليهم المقال، وعلينا الفعال. وقول هذا الحميري: إنّا لا نطيق أفواه الكمال، يدل على تشادق خطباء نزار. سفيان بن عيينة قال: قال ابن عباس: «إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله» . وقال عمر بن عبد العزيز: «من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم» . لأن الذي له على نفسه هذه القوة قد دلنا على جودة التثبت، وكثرة الطلب، وقوة المنّة. قال: وقيل لعيسى بن مريم ﵇: من نجالس؟ قال: من يزيد في علمكم منطقه، ويذكركم الله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله. قال: ومر المسيح ع بقوم يبكون، فقال: ما بال هؤلاء يبكون؟ قيل له: يخافون ذنوبهم. قال: أتركوها يغفر لكم. الوصافي «٢» قال: دخل الهيثم بن الأسود بن العريان، وكان خطيبا شاعرا، على عبد الملك بن مروان فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أجدني قد

стр. 308

ابيضّ مني ما كنت أحب أن يسودّ، واسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ، واشتدّ مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد. ثم أنشد: اسمع أنبيك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسحر وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطعم إذا الزاد حضر وسرعة الطرف وتحميج النظر ... وتركي الحسناء في قبل الطّهر «١» وحذرا ازداده إلى حذر ... والناس يبلون كما يبلى الشجر وقال الآخر: «مروا الأحداث بالمراء، والكهول بالفكر» . فقال عبد الله ابن الحسن: «المراء رائد الغضب، فأخزى الله عقلا يأتيك بالغضب» . وقالوا: أربعة تشتدّ معاشرتهم: الرجل المتواني، والرجل العالم، والفرس المرح، والملك الشديد المملكة. وقال غاز أبو مجاهد، يعارضه: أربعة تشتد مؤونتهم: النديم المعربد، والجليس الأحمق، والمغني التائه، والسفلة تقرّأ «٢» . وكان أبو شمر الغساني يقول: أقبل عليّ فلان باللحظ واللفظ، وما الكلام إلا زجر أو وعيد. قال: وقال عمير بن الحباب «٣» ، وروى ذلك عنه مسعر «٤» : ما أغرت على حي في الجاهلية أحزم امرأة ولا أعجز رجلا من كلب، ولا أحزم رجلا ولا أعجز امرأة من تغلب. قال: وقامت امرأة من تغلب إلى الجحّاف بن حكيم حين أوقع بالبشر، فقتل الرجال، وبقر بطون النساء، فقالت له: «فضّ الله فاك، وأصمّك

стр. 309

وأعماك، وأطال سهادك، وأقل رقادك، فو الله إن قتلت إلا نساء أسافلهن دميّ، وأعليهن ثديّ» . فقال الجحاف لمن حوله: «لولا أن تلد مثلها لخليت سبيلها» . فبلغ ذلك الحسن فقال: «إنما الجحاف جذوة من نار جهنم» . وكان عامر بن الظّرب العدواني حكيما، وكان خطيبا رئيسا. وهو الذي قال: «يا معشر عدوان، إن الخير ألوف عزوف، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حليما حتى اتبعت الحكماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبّدت لكم» . وقال أعشى بني شيبان: وما أنا في أمري ولا في خليقتي ... بمهتضم حقي ولا قارع سني ولا مسلم مولاي من شر ما جنى ... ولا خائف مولاي من شر ما أجني وإن فؤادا بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني وفضّلني في العقل والشعر أنني ... أقول بما أهوى وأعرف ما أعني وقال رجل من ولد العباس: ليس ينبغي للقرشي أن يستغرق شيئا من العلم إلا علم الأخبار، فأما غير ذلك فالنتف والشدو «١» من القول. وقال اخر: وصافية تعشي العيون رقيقة ... رهينة عام في الدنان وعام أدرنا بها الكأس الرؤية بيننا ... من الليل حتى انجاب كلّ ظلام فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العيّ نحكي أحمد بن هشام ومرّ رجل من قريش بفتى من ولد عتّاب بن أسيد «٢» وهو يقرأ كتاب سيبويه، فقال: أف لكم، علم المؤدّبين وهمة المحتاجين!

стр. 310

وقال ابن عتّاب: يكون الرجل نحويا عروضيا، وقساما فرضيا، وحسن الكتاب جيد الحساب، حافظا للقرآن، راوية للشعر، وهو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهما. ولو أن رجلا كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم، لأن النحوي الذي ليس عنده إمتاع، كالنجار الذي يدعى ليعلق بابا وهو أحذق الناس، ثم يفرغ من تعليقه ذلك الباب فيقال له انصرف. وصاحب الامتاع يراد في الحالات كلها. خبّرنا عبيد الله بن زيد السفياني قال: عوّد نفسك الصبر على الجليس السوء، فإنه لا يكاد يخطئك. وقال سهيل بن عبد العزيز: من ثقل عليك بنفسه، وغمّك في سؤاله، فأعره أذنا صمّاء، وعينا عمياء. سهيل بن أبي صالح «١» عن أبيه قال: كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال: اللهم اغفر له وأرحنا منه! وقال ابن أبي أمية «٢» : شهدت الرقاشيّ في مجلس ... وكان إليّ بغيضا مقيتا فقال اقترح يا أبا جعفر ... فقلت اقترحت عليك السكوتا وقال ابن عباس: «العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء بأحسنه» . المدائني عن العباس بن عامر، قال: خطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فقال: «الحمد لله رب العزة والكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء أما

стр. 311

بعد فقد أحسن بك ظنا من أودعك حرمته، واختارك ولم يختر عليك وقد زوجناك على ما في كتاب الله، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» . قال: وخطب أعرابي وأعجله القول وكره أن تكون خطبته بلا تحميد ولا تمجيد، فقال: «الحمد لله، غير ملال لذكر الله، ولا إيثار غيره عليه» . ثم ابتدأ القول في حاجته. وسأل أعرابي ناسا فقال: «سأجعل الله حظّكم في الخير، ولا جعل حظّ السائل منكم عذرة صادقة» . وكتب إبراهيم بن سيّابه «١» إلى صديق له كثير المال، كثير الدخل، كثير الناضّ «٢» يستسلف منه نفقة، فكتب إليه: «العيال كثير، والدخل قليل، والدّين ثقيل، والمال مكذوب عليه» . فكتب إليه إبراهيم: «إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت مليما فجعلك الله معذورا» . وقال الشاعر: لعل مفيدات الزمان يفدنني ... بني صامت في غير شيء يضيرها قال: وقال أعرابي: «اللهم لا تنزلني بماء سوء فأكون امرأ سوء» . وقال أعرابي: «اللهم قني عثرات الكرام» . قال: وسمع مجاشع الرّبعيّ رجلا يقول: الشحيح أعذر من الظالم. فقال: أخزى الله شيئين خيرهما الشح. قال: وأنشدنا أبو فروة: إني امتدحتك كاذبا فأثبتني ... لما امتدحتك، ما يثاب الكاذب

стр. 312

وأنشدني عليّ بن معاذ: ثالبني عمرو وثالبته ... فأثم المثلوب والثالب قلت له خيرا وقال الخنا ... كلّ على صاحبه كاذب أبو معشر، قال: لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد قام خطيبا فقال: «إن أبا ذبّان قتل لطيم الشيطان. كذلك نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون» . ولما جلس عثمان بن عفان على المنبر قال: «يأيها الناس، إن الله قد فتح عليكم افريقية، وقد بعث إليكم ابن أبي سرح، عبد الله الزبير بالفتح، قم يا ابن الزبير» . قال: فقمت فخطبت، فلما نزلت قام فقال: «يأيها الناس، انكحوا النساء على آبائهن وإخوتهن، فإني لم أر لأبي بكر الصديق ولدا أشبه به من هذا» . وقال الخريمي: وأعددته ذخرا لكلّ مصيبة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع وذكر أبو العيزار جماعة من الخوارج بالأدب والخطب فقال: ومسوّم للموت يركب ردعه ... بين القواضب والقنا الخطار «١» يدنو وترفعه الرماح كأنه ... شلو تنشّب في مخالب ضاري فثوى صريعا والرماح تنوشه ... إن الشراة قصيرة الاعمار «٢» أدباء أما جئتهم خطباء ... ضمناء كل كتيبة جرّار «٣» ولما خطب سفيان بن الأبرد الأصمّ الكلبي، فبلغ في الترهيب والترغيب المبالغ، ورأى عبيدة بن هلال اليشكري أن ذلك قد فتّ في أعضاد أصحابه: أنشأ يقول:

стр. 313

لعمري لقد قام الأصمّ بخطبة ... لها في صدور المسلمين غليل لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي ... وفارقت ديني إنني لجهول ولما قام أحد الخطباء الذين تكلموا عند رأس الاسكندر قال أحدهم: «الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس» . فأخذه أبو العتاهية فقال: بكيتك يا عليّ بدرّ عيني ... فما أغنى البكاء عليك شيّا طوتك خطوب دهرك بعد نشر ... كذاك خطوبه نشرا وطيا كفى حزنا بدفنك ثم أني ... نفضت تراب قبرك عن يديّا وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا ومن الأسجاع الحسنة قول الأعرابية حين خاصمت ابنها إلى عامل الماء فقالت: «أما كان بطني لك وعاء؟ أما كان حجري لك فناء؟ أما كان ثديي لك سقاء؟» . فقال ابنها: «لقد أصبحت خطيبة، رضي الله عنك» . لأنها قد أتت على حاجتها بالكلام المتخير كما يبلغ ذلك الخطيب بخطبته. وقال النّمر بن تولب: وقالت ألا فاسمع نعظك بخطبة ... فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي فلن تنطقي حقا ولست بأهله ... فقبّحت مما قائل وخطيب قال أبو عباد كاتب ابن أبي خالد: ما جلس أحد قط بين يدي إلا تمثل لي أني سأجلس بين يديه. قال الله : وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً . ليس يريد بلاغة اللسان، وإن كان اللسان لا يبلغ من القلوب حيث يريد إلا بالبلاغة. قال: وكانت خطبة قريش في الجاهلية- يعني خطبة النساء-: «باسمك اللهم، ذكرت فلانة وفلان بها مشغوف. باسمك اللهم، لك ما سألت ولنا ما أعطيت» .

стр. 314

ولما مات عبد الملك بن مروان صعد الوليد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «لم أر مثلها مصيبة، ولم أر مثلها ثوابا: موت أمير المؤمنين، والخلافة بعده. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. والحمد لله رب العالمين على النعمة. انهضوا فبايعوا على بركة الله» . فقام إليه عبد الله بن همّام فقال: الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها فبايع الناس. وقيل لعمرو بن العاص، في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟ قال: «أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي أكثر من رزئي، فما بقاء الشيخ على ذلك» . وقيل لأعرابي كانت به أمراض عدة، كيف تجدك؟ قال: «أما الذي يعمدني فحصر وأسر» «١» . وعن مقاتل قال: سمعت يزيد بن المهلب، يخطب بواسط، فقال: «يا أهل العراق، يا أهل السبق والسباق، ومكارم الأخلاق، إن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، زبّبت لها الأشداق «٢» ، وقاموا لها على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال، فالبسوا لهم جلود النمور» «٣» .

стр. 315

الجزء الثاني [مقدمة] الحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على محمد خاصة وعلى أنبيائه عامة. أردنا- أبقاك الله- أن نبتدىء صدر هذا الجزء الثاني من البيان والتبيين بالرد على الشعوبية في طعنهم على خطباء العرب وملوكهم، إذ وصلوا أيمانهم بالمخاصر واعتمدوا على وجه الأرض بأطراف القسيّ والعصيّ، وأشاروا عند ذلك بالقضبان والقنيّ. وفي كل ذلك قد روينا الشاهد الصادق، والمثل السائر. ولكنا أحببنا أن نصيّر صدر هذا الباب كلاما من كلام رسول رب العالمين، والسلف المتقدمين، والجلة من التابعين، الذين كانوا مصابيح الظلام، وقادة هذا الأنام، وملح الأرض، وحليّ الدنيا، والنجوم التي لا يضل معها الساري، والمنار الذي يرجع إليه الباغي، والحزب الذي كثر الله به القليل، وأعز به الذليل، وزاد الكثير في عدده، والعزيز في ارتفاع قدره. وهم الذين جلوا بكلامهم الأبصار الكليلة، وشحذوا بمنطقهم الأذهان العليلة، فنبهوا

стр. 316

القلوب من رقدتها، ونقلوها عن سوء عادتها، وشفوها من داء القسوة، وغباوة الغفلة، وداووا من العيّ الفاضح، ونهجوا لنا الطريق الواضح. ولولا الذي أملت في تقديم ذلك وتعجيله، من العمل بالصواب، وجزيل الثواب، لقد كنت بدأت بالرد عليهم، وبكشف قناع دعواهم. على أنّا سنقول في ذلك بعد الفراغ مما هو أولى بنا وأوجب علينا. والله الموفق، وهو المستعان. [باب فى الخطب] [أنواع الخطب] وعلى أن خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان، ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد، وتستفتح بالتمجيد: «البتراء» . ويسمون التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي ﷺ : «الشوهاء» . وقال عمران بن حطّان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصّر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعن علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخا يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن. وخطب أعرابي فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد، والاستفتاح بالتمجيد، قال: «أما بعد، بغير ملالة لذكر الله ولا إيثار غيره عليه، فإنّا نقول كذا، ونسأل كذا» ، فرارا من أن تكون خطبته بتراء أو شوهاء. وقال شبيب بن شيبة: «الحمد لله، صلّى الله على رسول الله. أما بعد، فإنّا نسأل كذا، ونبذل كذا» . وبنا- حفظك الله- أعظم الحاجة إلى أن يسلّم كتابنا هذا من النّبز «١» القبيح والشّوه «٢» المشين، واللقب السّمج المعيب، بل قد يجب أن نزيد في بهائه، ونستميل القلوب إلى اجتبائه، إذ كان الأمل فيه بعيدا، وكان معناه شريفا ثمينا. ثم اعلم بعد ذلك أن جميع خطب العرب، من أهل المدر والوبر،

стр. 317

والبدو والحضر، على ضربين: منها الطّوال، ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق به، وموضع يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويا في الجودة، ومتشاكلا في استواء الصنعة، ومنها ذوات الفقر الحسان، والنّتف الجياد. وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ، وإنما حظه التخليد في بطون الصحف. ووجدنا عدد القصار أكثر، ورواة العلم إلى حفظها أسرع. وقد أعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الاختيار، ووفيناه حظه من التمييز، ونرجو ألا نكون قصرنا في ذلك. والله الموفق. هذا سوى ما رسمنا في كتابنا هذا من مقطعات كلام العرب الفصحاء وجمل كلام الأعراب الخلص، وأهل اللسن من رجالات قريش والعرب، وأهل الخطابة من أهل الحجاز، ونتف من كلام النساك، ومواعظ من كلام الزهاد، مع قلة كلامهم، وشدة توقّيهم. وربّ قليل يغني عن الكثير، كما أن ربّ كثير لا يتعلق به صاحب القليل. بل رب كلمة تغني عن خطبة، وتنوب عن رسالة. بل رب كناية تربي على افصاح، ولحظ يدل على ضمير، وإن كان ذلك الضمير بعيد الغاية، قائما على النهاية. ومتى شاكل أبقاك الله ذلك اللفظ معناه، وأعرب عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقا، ولذلك القدر لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلّم من فساد التكلف، كان قمينا بحسن الموقع، وبانتفاع المستمع، وأجدر أن يمنع جانبه من تناول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، وألا نزال القلوب به معمورة، والصدور مأهولة. ومتى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول، بريئا من التعقيد، حبّب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول. وهشّت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخفّ على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريّض. فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة، ومصلحة حال الخاصة، وكان ممن يعمّ ولا يخصّ، وينصح ولا يغش، وكان مشغوفا بأهل الجماعة، شنفا «١» لأهل الاختلاف والفرقة، جمعت له الحظوظ من

стр. 318

أقطارها، وسيقت إليه القلوب بأزمتها، وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته، وجبلت على تصويب إرادته. ومن أعاره الله من معونته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا، جلبت إليه المعاني، وسلس له النظام، وكان قد أعفى المستمع من كد التكلف، وأراح قارىء الكتاب من علاج التفهم. ولم أجد في خطب السلف الطيب والأعراب الأقحاح، ألفاظا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعا رديئا، ولا قولا مستكرها. وأكثر ما تجد ذلك في خطب المولدين، وفي خطب البلديين المتكلفين، ومن أهل الصنعة المتأدبين، وسواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب، أم كان من نتاج التحبير والتفكير. [طبقات الشعراء] ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا «١» ، وزمنا طويلا، يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه، اتهاما لعقله، وتتبعا على نفسه، فيجعل عقله، زماما على رأيه، ورأيه عيارا على شعره، إشفاقا على أدبه، وإحرازا لما خوله الله تعالى من نعمته. وكانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات، والمقلّدات، والمنقّحات، والمحكّمات، ليصير قائلها فحلا خنذيذا، وشاعرا مفلقا. وفي بيوت الشعر الأمثال والأوابد، ومنها الشواهد، ومنها الشوارد. والشعراء عندهم أربع طبقات. فأولهم: الفحل الخنذيذ. والخنذيذ هو التام. قال الأصمعي: قال رؤبة: «الفحولة هم الرواة» . ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور. ولذلك قال الأول في هجاء بعض الشعراء: يا رابع الشعراء كيف هجوتني ... وزعمت أني مفحم لا أنطق

стр. 319

فجعله سكيتا مخلفا ومسبوقا مؤخرا. وسمعت بعض العلماء يقول: طبقات الشعراء ثلاث: شاعر، وشويعر، وشعرور. قال: والشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس بن حجر. ومنهم من بني ضبة المفوّف، شاعر بني حميس، وهو الشويعر، ولذلك قال العبدي: ألا تنهي سراة بني حميس ... شويعرها فويلية الأفاعي قبيّلة تردّد حيث شاءت ... كزائدة النعامة في الكراع فويلية الأفاعي: دويّبة سوداء فوق الخنفساء. والشويعر أيضا صفوان بن عبد ياليل، من بني سعد بن ليث، ويقال إن اسمه ربيعة بن عثمان. وهو الذي يقول: فسائل جعفرا وبني أبيها ... بني البزري بطخفة والملاح «١» وأفلتنا أبو ليلى طفيل ... صحيح الجلد من أثر السلاح وقد زعم ناس أن الخنذيذ من الخيل هو الخصي. وكيف يكون ذلك. كذلك مع قول الشاعر: يا ليتني بالخبث لم أر مثلها ... أمرّ قرى منها وأكثر باكيا وأكثر خنذيذا يجر عنانه ... إلى الماء لم يترك له السيف ساقيا وقال بشر بن أبي خازم: وخنذيذ ترى الغرمول منه ... كطي الزقّ علّقه التّجار

стр. 320

وأبين من ذلك قال البرجمي: وخناذيذ خصية وفحولا ويدل على ما قلنا قول القيسي: دعوت بني سعد إليّ فشمّرت ... خناذيذ من سعد طوال السواعد وكان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده الحوليات. وقد فسر سويد بن كراع العكليّ ما قلنا، في قوله: أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سربا من الوحش نزّعا أكالئها حتى أعرّس بعد ما ... يكون سحيرا أو بعيدا فأهجعا «١» عواصي إلا ما جعلت أمامها ... عصا مربد تغشى نحورا وأذرعا «٢» أهبت بغرّ الآبدات فراجعت ... طريقا أملته القصائد مهيعا «٣» بعيدة شأو، لا يكاد يردها ... لها طالب حتى يكلّ ويظلعا إذا خفت أن تروى عليّ رددتها ... وراء التراقي خشية أن تطلعا وجشمني خوف ابن عفان ردها ... فثقفتها حولا حريدا ومربعا وقد كان في نفسي عليها زيادة ... فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا ولا حاجة بنا مع هذه الفقر إلى الزيادة في الدليل على ما قلنا، ولذلك قال الحطيئة: «خير الشعر الحولي المحكك» . وقال الأصمعي: «زهير بن أبي سلمى، والحطيئة وأشباههما، عبيد الشعر» . وكذلك كل من جوّد في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة. وكان يقال: لولا إن الشعر قد كان استعبدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف وأصحاب الصنعة، ومن يلتمس قهر الكلام، واغتصاب الألفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين، الذين
следующие страницы →