← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

القلوب من رقدتها، ونقلوها عن سوء عادتها، وشفوها من داء القسوة، وغباوة الغفلة، وداووا من العيّ الفاضح، ونهجوا لنا الطريق الواضح. ولولا الذي أملت في تقديم ذلك وتعجيله، من العمل بالصواب، وجزيل الثواب، لقد كنت بدأت بالرد عليهم، وبكشف قناع دعواهم. على أنّا سنقول في ذلك بعد الفراغ مما هو أولى بنا وأوجب علينا. والله الموفق، وهو المستعان. [باب فى الخطب] [أنواع الخطب] وعلى أن خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان، ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد، وتستفتح بالتمجيد: «البتراء» . ويسمون التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي ﷺ : «الشوهاء» . وقال عمران بن حطّان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصّر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعن علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخا يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن. وخطب أعرابي فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد، والاستفتاح بالتمجيد، قال: «أما بعد، بغير ملالة لذكر الله ولا إيثار غيره عليه، فإنّا نقول كذا، ونسأل كذا» ، فرارا من أن تكون خطبته بتراء أو شوهاء. وقال شبيب بن شيبة: «الحمد لله، صلّى الله على رسول الله. أما بعد، فإنّا نسأل كذا، ونبذل كذا» . وبنا- حفظك الله- أعظم الحاجة إلى أن يسلّم كتابنا هذا من النّبز «١» القبيح والشّوه «٢» المشين، واللقب السّمج المعيب، بل قد يجب أن نزيد في بهائه، ونستميل القلوب إلى اجتبائه، إذ كان الأمل فيه بعيدا، وكان معناه شريفا ثمينا. ثم اعلم بعد ذلك أن جميع خطب العرب، من أهل المدر والوبر،

стр. 317

والبدو والحضر، على ضربين: منها الطّوال، ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق به، وموضع يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويا في الجودة، ومتشاكلا في استواء الصنعة، ومنها ذوات الفقر الحسان، والنّتف الجياد. وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ، وإنما حظه التخليد في بطون الصحف. ووجدنا عدد القصار أكثر، ورواة العلم إلى حفظها أسرع. وقد أعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الاختيار، ووفيناه حظه من التمييز، ونرجو ألا نكون قصرنا في ذلك. والله الموفق. هذا سوى ما رسمنا في كتابنا هذا من مقطعات كلام العرب الفصحاء وجمل كلام الأعراب الخلص، وأهل اللسن من رجالات قريش والعرب، وأهل الخطابة من أهل الحجاز، ونتف من كلام النساك، ومواعظ من كلام الزهاد، مع قلة كلامهم، وشدة توقّيهم. وربّ قليل يغني عن الكثير، كما أن ربّ كثير لا يتعلق به صاحب القليل. بل رب كلمة تغني عن خطبة، وتنوب عن رسالة. بل رب كناية تربي على افصاح، ولحظ يدل على ضمير، وإن كان ذلك الضمير بعيد الغاية، قائما على النهاية. ومتى شاكل أبقاك الله ذلك اللفظ معناه، وأعرب عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقا، ولذلك القدر لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلّم من فساد التكلف، كان قمينا بحسن الموقع، وبانتفاع المستمع، وأجدر أن يمنع جانبه من تناول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، وألا نزال القلوب به معمورة، والصدور مأهولة. ومتى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول، بريئا من التعقيد، حبّب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول. وهشّت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخفّ على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريّض. فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة، ومصلحة حال الخاصة، وكان ممن يعمّ ولا يخصّ، وينصح ولا يغش، وكان مشغوفا بأهل الجماعة، شنفا «١» لأهل الاختلاف والفرقة، جمعت له الحظوظ من

стр. 318

أقطارها، وسيقت إليه القلوب بأزمتها، وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته، وجبلت على تصويب إرادته. ومن أعاره الله من معونته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا، جلبت إليه المعاني، وسلس له النظام، وكان قد أعفى المستمع من كد التكلف، وأراح قارىء الكتاب من علاج التفهم. ولم أجد في خطب السلف الطيب والأعراب الأقحاح، ألفاظا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعا رديئا، ولا قولا مستكرها. وأكثر ما تجد ذلك في خطب المولدين، وفي خطب البلديين المتكلفين، ومن أهل الصنعة المتأدبين، وسواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب، أم كان من نتاج التحبير والتفكير. [طبقات الشعراء] ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا «١» ، وزمنا طويلا، يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه، اتهاما لعقله، وتتبعا على نفسه، فيجعل عقله، زماما على رأيه، ورأيه عيارا على شعره، إشفاقا على أدبه، وإحرازا لما خوله الله تعالى من نعمته. وكانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات، والمقلّدات، والمنقّحات، والمحكّمات، ليصير قائلها فحلا خنذيذا، وشاعرا مفلقا. وفي بيوت الشعر الأمثال والأوابد، ومنها الشواهد، ومنها الشوارد. والشعراء عندهم أربع طبقات. فأولهم: الفحل الخنذيذ. والخنذيذ هو التام. قال الأصمعي: قال رؤبة: «الفحولة هم الرواة» . ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور. ولذلك قال الأول في هجاء بعض الشعراء: يا رابع الشعراء كيف هجوتني ... وزعمت أني مفحم لا أنطق

стр. 319

فجعله سكيتا مخلفا ومسبوقا مؤخرا. وسمعت بعض العلماء يقول: طبقات الشعراء ثلاث: شاعر، وشويعر، وشعرور. قال: والشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس بن حجر. ومنهم من بني ضبة المفوّف، شاعر بني حميس، وهو الشويعر، ولذلك قال العبدي: ألا تنهي سراة بني حميس ... شويعرها فويلية الأفاعي قبيّلة تردّد حيث شاءت ... كزائدة النعامة في الكراع فويلية الأفاعي: دويّبة سوداء فوق الخنفساء. والشويعر أيضا صفوان بن عبد ياليل، من بني سعد بن ليث، ويقال إن اسمه ربيعة بن عثمان. وهو الذي يقول: فسائل جعفرا وبني أبيها ... بني البزري بطخفة والملاح «١» وأفلتنا أبو ليلى طفيل ... صحيح الجلد من أثر السلاح وقد زعم ناس أن الخنذيذ من الخيل هو الخصي. وكيف يكون ذلك. كذلك مع قول الشاعر: يا ليتني بالخبث لم أر مثلها ... أمرّ قرى منها وأكثر باكيا وأكثر خنذيذا يجر عنانه ... إلى الماء لم يترك له السيف ساقيا وقال بشر بن أبي خازم: وخنذيذ ترى الغرمول منه ... كطي الزقّ علّقه التّجار

стр. 320

وأبين من ذلك قال البرجمي: وخناذيذ خصية وفحولا ويدل على ما قلنا قول القيسي: دعوت بني سعد إليّ فشمّرت ... خناذيذ من سعد طوال السواعد وكان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده الحوليات. وقد فسر سويد بن كراع العكليّ ما قلنا، في قوله: أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سربا من الوحش نزّعا أكالئها حتى أعرّس بعد ما ... يكون سحيرا أو بعيدا فأهجعا «١» عواصي إلا ما جعلت أمامها ... عصا مربد تغشى نحورا وأذرعا «٢» أهبت بغرّ الآبدات فراجعت ... طريقا أملته القصائد مهيعا «٣» بعيدة شأو، لا يكاد يردها ... لها طالب حتى يكلّ ويظلعا إذا خفت أن تروى عليّ رددتها ... وراء التراقي خشية أن تطلعا وجشمني خوف ابن عفان ردها ... فثقفتها حولا حريدا ومربعا وقد كان في نفسي عليها زيادة ... فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا ولا حاجة بنا مع هذه الفقر إلى الزيادة في الدليل على ما قلنا، ولذلك قال الحطيئة: «خير الشعر الحولي المحكك» . وقال الأصمعي: «زهير بن أبي سلمى، والحطيئة وأشباههما، عبيد الشعر» . وكذلك كل من جوّد في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة. وكان يقال: لولا إن الشعر قد كان استعبدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف وأصحاب الصنعة، ومن يلتمس قهر الكلام، واغتصاب الألفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين، الذين

стр. 321

تأتيهم المعاني سهوا ورهوا «١» ، وتنثال عليهم الألفاظ اشيالا. وإنما الشعر المحمود كشعر النابغة الجعدي ورؤبة. ولذلك قالوا في شعره: مطرف بآلاف وخمار بواف. وقد كان يخالف في ذلك جميع الرواة والشعراء. وكان أبو عبيدة يقول ويحكي ذلك عن يونس. ومن تكسب بشعره والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، في قصائد السماطين، وبالطوال التي تنشد يوم الحقل، لم يجد بدا من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما، فإذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام وتركوا المجهود، ولم نرهم من ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد في صنعة طوال الخطب، بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب، اقتدارا عليه، وثقة بحسن عادة الله عندهم فيه. وكانوا مع ذلك إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الأمور، ميّثوه «٢» في صدورهم، وقيدوه على أنفسهم، فإذا قوّمه الثقاف وأدخل الكير، وقام على الخلاص، أبرزوه محكما منقحا، ومصفى من الأدناس مهذبا. قال الربيع بن أبي الحقيق لأبي ياسر النضيري: فلا تكثر النجوى وأنت محارب ... تؤامر فيها كل نكس مقصر وقال عبد الله بن وهب الراسبي: «إياي والرأي الفطير» . وكان يستعيذ بالله من الرأي الدّبري، الذي يكون من غير روية، وكذلك الجواب الدبري. وقال سبحان وائل: «شر خليطيك السؤوم المحزّم» لأن السؤوم لا يصبر، وإنما التفاضل في الصبر. والمحزم صعب لا يعرف ما يراد منه، وليس الحزم إلا بالتجارب، وبأن يكون عقل الغريزة سلما إلى عقل التجربة. ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: «رأي الشيخ أحب إلينا من جلد الشاب» .

стр. 322

ولذلك كرهوا ركوب الصعب حتى يذل، المهر الأرن إلا بعد رياضة «١» ولم يحولوا المعانيق هماليج إلا بعد طول التخليع «٢» ، ولم يحلبوا الزبون إلا بعد الأبساس «٣» . [من أقوال رسول الله وأحاديثه وخطبه] وسنذكر من كلام رسول الله ﷺ ، مما لم يسبقه إليه عربي، ولا شاركه فيه أعجمي، ولم يدّع لأحد ولا ادّعاه أحد، مما صار مستعملا ومثلا سائرا. فمن ذلك قوله: «يا خيل الله اركبي» ، وقوله: «مات حتف أنفه» ، وقوله: «لا تنتطح فيه عنزان» ، وقوله: «الآن حمي الوطيس» . ولما قال عديّ بن حاتم «٤» في قتل عثمان ﵀: «لا تحبق فيه عناق» «٥» قال له معاوية بن أبي سفيان بعد أن فقئت عينه وقتل ابنه: يا أبا طريف، هل حبقت في قتل عثمان عناق؟ قال: أى والله، والتيس الأكبر! فلم يصر كلامه مثلا، وصار كلام رسول الله ﷺ مثلا. ومن ذلك قوله لأبي سفيان بن حرب: «كل الصيد في جوف الفرا» . ومن ذلك قوله: «هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء» «٦» ، ومن ذلك قوله: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين» .

стр. 323

ألا ترى أن الحارث بن حدّان، حين أمر بالكلام عند مقتل يزيد بن المهلب، قال: «أيها الناس، اتقوا الفتنة، فإنها تقبل بشبهة، وتدبر ببيان، وإن المؤمن لا يلسع من جحر تين» ، فضرب بكلام رسول الله ﷺ المثل، ثم قال: «اتقوا عصبا تأتيكم من الشام، كأنها دلاء قد انقطع وذمها» . وقال ابن الأشعث لأصحابه، وهو على المنبر: «قد علمنا إن كنا نعلم، وفهمنا إن كنا نفهم، أن المؤمن لا يلسع من جحر مرتين، وقد والله لسعت بكم من جحر ثلاث مرات، وأنا أستغفر الله من كل ما خالف الإيمان، واعتصم به من كل ما قارب الكفر» . وأنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلامه ﷺ ، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجلّ عن الصنعة، ونزّه عن التكلف، وكان كما قال الله ﵎: قل يا محمد: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ . فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعيب، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الأفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلت به قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلام القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج «١» إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز «٢» ، ولا يبطىء ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر. ثم لم يسمع الناس

стр. 324

بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى، من كلامه ﷺ كثيرا. قال: ولم أرهم يذمون المتكلف للبلاغة فقط، بل كذلك يرون المتظرف والمتكلف للغناء. ولا يكادون يضعون اسم المتكلف إلا في المواضع التي يذمونها. قال قيس بن الخطيم: فما المال والأخلاق إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد وإني لأغنى الناس عن متكلّف ... يرى الناس ضلالا وليس بمهتد وقال ابن قميئة: وحمال أثقال إذا هي أعرضت ... عن الأصل لا يسطيعها المتكلّف قال محمد بن سلّام: قال يونس بن حبيب: «ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله ﷺ » . وقد جمعت لك في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار. ولعل بعض من يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلم، يظن أنّا قد تكلفنا له من الامتداح والتشريف ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره. كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه! فمن كلامه ﷺ حين ذكر الأنصار فقال: «أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع» . وقال: «الناس كلهم سواء كأسنان المشط» ، و «المرء كثير بأخيه» ، و «لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له» . وقال الشاعر:

стр. 325

سواء كأسنان الحمار فلا ترى ... لذي شيبة منهم على ناشىء فضلا وقال آخر: شبابهم وشيبهم سواء ... فهم في اللوم أسنان الحمار وإذا حصلت تشبيه الشاعر وحقيقته، وتشبيه النبي ﷺ وحقيقته، عرفت فضل ما بين الكلامين. وقال ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم» . فتفهم رحمك الله، قلة حروفه، وكثرة معانيه. وقال ﵇: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» . وقال: «لا تجن يمينك على شمالك» . وذكر الخيل فقال: «بطونها كنز، وظهورها حرز» ، وقال: «خير المال سكة مأبورة، وفرس مأمورة» «١» . وقال: «خير المال عين ساهرة، لعين نائمة» . وقال: «نعمت العمة لكم النخلة، تغرس في أرض خوارة «٢» ، وتشرب من عين خرارة» . وقال: «المطعمات في المحل، الراسخات في الوحل» . وقال: «الحمى في أصول النخل» . وذكر الخيل فقال: «أعرافها دفاؤها، وأذنابها مدابها» ، و «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» . وقال: «ليس منا من حلق أو صلق أو شق» «٣» . وقال: «نهيتكم عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات» . وقال: «الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة» . وقال: «ما أملق تاجر صدوق» . وجاء في الحديث: «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» . وقال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» .

стр. 326

وقال علي بن أبي طالب ﵁: قال رسول الله ﷺ : «الخير في السيف، والخير مع السيف، والخير بالسيف» . وقال: «لا يوردن مجرب على مصح» . وقال: «لا تزال أمتي صالحا أمرها ما لم تر الأمانة مغنما والصدقة مغرما» . وقال: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس» ، و «لن يهلك امرؤ بعد مشورة» . وقال: «المستشار مؤتمن» . وقال: «المستشار بالخيار، إن شاء قال وإن شاء أمسك» ، وقال: «رحم الله عبدا قال خيرا؟ غرم أو سكت فسلم» . وقال: «افصلوا بين حديثكم بالاستغفار» . وقال: «استعينوا على طول المشي بالسعي» . وقال للخاتنة: «يا أم عطية، أشمّيه ولا تنهكيه، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج» ، وقال: «لا تجلسوا على ظهر الطريق، فإن أبيتم فغضوا الأبصار وردوا السلام، واهدوا الضال، وأعينوا الضعيف» . وقال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرّقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» . وقال: «يقول ابن آدم: مالي مالي. وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو وهبت فأمضيت» . «لو أن لابن آدم واديين من ذهب لسأل إليهما ثالثا» . و «لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» . وقال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستعملكم فيها، فناظر كيف تعملون» . وقال: «إن أحبكم إليي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون. وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة، الثرثارون المتشدقون المتفيهقون» . وقال: «إياي والتشادق» ، وقال: «إياكم والفرج في الصلاة» ، وقال: «إياكم والفرج في الصلاة» ، وقال: «لا يؤمّن ذو سلطان في سلطانه ولا يجلس على فراش تكرمته إلا بإذنه» . وقال: «إياكم والمشارّة، فإنها تميت الغرّة، وتحيي العرّة» . وقال: «لا ينبغي لصديق أن يكون لعّانا» . وكان يقول: «أعوذ بالله من الأيهمين، وبوار الأيّم» «١» . وكان

стр. 327

يقول: «أعوذ بالله من دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع» . وقال له رجل: يا رسول الله، أوصني بشيء ينفعني الله به. قال: «أكثر ذكر الموت يسلك عن الدنيا، وعليك بالشكر، فإنه يزيد في النعمة، وأكثر الدعاء، فإنك لا تدري متى يستجاب لك. وإياك والبغي، فإن الله قد قضى أنه من بغى عليه لينصرنّه الله، وقال: يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم. وإياك والمكر، فإن الله قد قضى ألا يحيق المكر السيء إلا بأهله» . وقيل يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ فقال: «اجتناب المحارم، وألا يزال فوك رطبا من ذكر الله» . وقيل له: أي الأصحاب أفضل؟ قال: «الذي إذا ذكرت أعانك، وإذا نسيت ذكرك» . وقيل: أي الناس شر؟ قال: «العلماء إذا فسدوا» . وقال «دب اليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء. والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا أقول حالقة الشعر. والذي نفس محمد بيده لا تؤمنون حتى تحابوا. ألا أنبئكم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم؟» فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أفشوا السلام، وصلوا الأرحام» . وقال: «تهادوا تحابوا» . وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : أوصاني ربي بتسع. أوصاني بالاخلاص في السر والعلانية، وبالعدل في الرضى والغضب، وبالقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني وأن يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا» . وثلاث كلمات رويت مرسلة، وقد رويت لأقوام شتى، وقد يجوز أن يكونوا حكوها ولم يسندوها. منها قوله: «لو تكاشفتم لما تدافنتم» .

стр. 328

ومنها قوله: «الناس بأزمانهم، أشبه منهم بآبائهم» . ومنها قوله: «ما هلك امرؤ عرف قدره» . وقد ذكر اسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك عند المقابر» . وقال: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم» «١» وحدثنا اسماعيل بن عياش الحمصي، عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر، عن رجل، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم» . ومن حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «قيدوا العلم بالكتاب» . وقال: «يقول الله: لولا رجال خشع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصببت عليكم العذاب صبا» . ومن حديث عبد الله بن المبارك يرفعه قال: «إذا ساد القبيل فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره، فلينتظروا البلاء» . ومن أحاديث ابن ابي ذئب عن المقبري، عن ابي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ستحرصون على الامارة، فنعمت المرضع، وبئست الفاطمة» . ومن حديث عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان» . ومن حديث عبد الله بن المبارك، قال: كان رسول الله ﷺ : يقول: «إن قوما ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا، فصار لكل رجل موضع، فنقر رجل موضعه بفأس فقالوا: ما تصنع؟ قال: هو فكاني أصنع به ما شئت. فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا» . وقال: «علق سوطك حيث يراه أهلك» .

стр. 329

ودخل السائب بن صيفي، على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أتعرفني؟ فقال: «كيف لا أعرف شريكي الذي كان لا يشاريني ولا يماريني» . وقال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالوالي الذي يجلد فوق ما أمره الله تعالى فيقول له الرب تعالى: أي عبدي، لم جلدت فوق ما أمرتك به؟ فيقول: رب غضبت لغضبك. فيقول: أكان ينبغي لغضبك أن يكون أشد من غضبي؟! ثم يؤتى بالمقصر فيقول: عبدي، لم قصرت عما أمرتك به؟ فيقول: رب، رحمته. فيقول: أكان ينبغي لرحمتك أن تكون أوسع من رحمتي؟! قال: فيأمر فيهما بشيء قد ذكره لا أعرفه، ألا أنه قال: صيرهما إلى النار» . وكيع قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر، عن قزعة قال: قال لي ابن عمر: أودعك كما ودعني رسول الله ﷺ : «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك» . وقال: «كل أرض بسمائها» . وروى سعيد بن عفير عن ابن لهيعة، عن أشياخه، أن النبي ﷺ كتب إلى وائل بن حجر الحضرمي ولقومه: «من محمد رسول الله ﷺ على الأقيال العباهلة من أهل حضر موت، بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة: على التيعة شاة، والتيمة لصاحبها «١» ، وفي السيوب الخمس «٢» . لا خلاط، ولا وراط «٣» ، ولا شناق «٤» ، ولا شغار. فمن أجبى «٥» فقد أربى. وكل مسكر حرام» . ومن حديث راشد بن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «لا تغالوا بالنساء

стр. 330

فإنما هن سقيا الله» . وقال: «خير نساء ركبن الابل صوالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره. وأرعاه على بعل في ذات يده» . مجالد عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ «اللهم أذهب ملك غسان وضع مهور كندة» . والذي يدلك على أن الله قد خصه بالايجاز وقلة عدد اللفظ، مع كثرة المعاني، قوله ﷺ : «نصرت بالصبا وأعطيت جوامع الكلم» . ومما رووا عنه ﷺ من استعماله الأخلاق الكريمة، والافعال الشريفة وكثرة الأمر بها، والنهي عما خالف عنها، قوله: «من لم يقبل من متنصل عذرا، صادقا كان أو كاذبا، لم يرد علي الحوض» . وقال في آخر وصيته: «اتقوا الله في الضعيفين» . وكلمته جارية من السبي فقال لها: من أنت؟ فقالت: أنا بنت الرجل الجواد حاتم. فقال ﷺ : «ارحموا عزيزا ذل، ارحموا عالما ضاع بين جهال» . وقال: «سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن» . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الأحاديث ستكثر عني بعدي كما كثرت عن الأنبياء من قبلي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله، فهو عني، قلته أو لم أقله» . وسئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «خلق القرآن» ، وتلت قول الله ﵎: (وإنك لعلى خلق عظيم) . وقال محمد بن علي: أدب الله محمدا ﷺ بأحسن الآداب، فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ فلما وعى قال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ. حدثنا علي بن مجاهد، عن هشام بن عروة، قال: سمع عمر بن الخطاب ﵀ رجلا ينشد:

стр. 331

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد فقال عمر: ذاك رسول الله ﷺ . وقد كان الناس يستحسنون قول الأعشى: تشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق فلما قال الحطيئة البيت الذي كتبناه قبل هذا سقط بيت الأعشى. وقال رسول الله ﷺ : «لا يزال المسروق منه في تهمة من هو بريء، حتى يكون أعظم جرما من السارق» . وقال ابو الحسن: أجرى رسول الله ﷺ الخيل وسبق بينها، فجاء فرس له أدهم سابقا، فجثا رسول الله ﷺ على ركبتيه وقال: «ما هو إلا بحر» . فقال عمر بن الخطاب: كذب الحطيئة حيث يقول: وإن جياد الخيل لا تستفزنا ... ولا جاعلات العاج فوق المعاصم وقد زعم ناس من العلماء أنه لم يستفزه سبق فرسه، ولكنه أراد إظهار حب الخيل وتعظيم شأنها. وكان رسول الله ﷺ يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض ويلبس العباء، ويجالس المساكين، ويمشي في الأسواق، ويتوسد يده، ويقصّ من نفسه، ويلطع أصابعه، ولا يأكل متكئا، ولم يرقط ضاحكا ملء فيه. وكان يقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، واشرب كما يشرب العبد، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت» . ولم يأكل قط وحده، ولا ضرب عبده، ولا ضرب أحدا بيده إلا في سبيل ربه. ولو لم يكن من كرم عفوه وثخانة حلمه، إلا ما كان منه يوم فتح مكة، لقد كان ذلك من أكمل الكمال وأوضح البرهان. وذلك أنه حين دخل مكة عنوة وقد قتلوا أعمامه وبني أعمامه، وأولياءه وأنصاره، بعد أن حصروه في الشعاب، وعذبوا أصحابه بأنواع العذاب، وجرحوه في بدنه، وآذوه في نفسه، وسفهوا عليه، وأجمعوا

стр. 332

على كيده. فلما دخلها بغير حمدهم، وظهر عليها على صغر منهم، قام خطيبا فيهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» . وإنما نقول في كل باب بالجملة من ذلك المذهب، وإذا عرفتم أول كل باب كنتم خلقاء أن تعرفوا الأواخر بالأوائل، والمصادر بالموارد. خطبة النبي ﷺ في الوداع قال ﷺ : الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد، أيها الناس أسمعوا مني أبيّن لكم، فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلّغت؟ اللهم أشهد!. فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى الذي أئتمنه عليها. وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدا به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السدانة «١» والسقاية. والعمد قود «٢» ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.

стр. 333

أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس: إن النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله. إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، ورجب الذي بين جمادي وشعبان. ألا هل بلّغت؟ اللهم أشهد!. أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حق. لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإنما النساء عندكم عوان «١» لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا. ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد!. أيها الناس، إنما المؤمنون أخوة، ولا يحل لامرىء مسلّم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد!. فلا ترجعنّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإن قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب الله.

стр. 334

ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير. وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد! قالوا: نعم. قال: فليبلّغ الشاهد الغائب. أيها الناس، إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث. والولد للفراش، وللعاهر الحجر. من ادّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعن الحسن قال: جاء قيس بن عاصم إلى النبي ﷺ فلما رآه قال: هذا سيد أهل الوبر. فقال: يا رسول الله، خبرني عن المال الذي لا تكون عليّ فيه تبعة من ضيف ضافني، أو عيال كثروا علي. قال: «نعم المال الأربعون، والأكثر الستون، وويل لأصحاب المئين إلا من أعطى في رسلها ونجدتها، وأطرق فحلها «١» ، وأفقر ظهرها «٢» ، ونحر سمينها، وأطعم القانع والمعتر «٣» » . قال: يا رسول الله، ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها، وما يحل بالوادي الذي أكون فيه أكثر من إبلي. قال: فكيف تصنع بالطروقة؟ قال: تغدو الابل ويغدو الناس، فمن شاء أخذ برأس بعيد فذهب به. قال: فكيف تصنع في الافقار؟ قال إني لأفقر البكر الضرع، والناب المسنة. قال: فكيف تصنع بالمنيحة «٤» ؟ قال: إني لأمنح في كل سنة مائة. قال: فأي المال

стр. 335

أحب إليك، أمالك أم مال مولاك؟ قال: بل مالي. قال: «فمالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت. وما سوى ذلك للوارث» . وذكر أبو المقدام هشام بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه، فجعلت أحد النظر إليه، فقال لي: يا ابن كعب، ما لك تحد النظر إلي؟ قلت: لما نحل من جسمك، وتغير من لونك. قال: فكيف لو رأيتني بعد ثالثة في قبري، وقد سالت حدقتاي على وجنتي وابتدر فمي وأنفي صديدا ودودا، كنت والله أشدّ نكرة لي. أعد علي حديثا كنت حدثتنيه عن عبد الله بن عباس. قال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: «إن لكل شيء شرفا، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة، ومن أحب أن يكون أعز الناس فليتق الله. ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق منه بما في يديه» ، ثم قال: «ألا أنبئنكم بشرار الناس؟» فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده» . ثم قال: «ألا أنبئكم بشر من ذلك؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا» . ثم قال: «ألا أنبئكم بشر من ذلك؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من يبغض الناس ويبغضونه. إن عيسى بن مريم ﵇ قام خطيبا في بني اسرائيل فقال: يا بني اسرائيل، لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تظلموا ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم. يا بني اسرائيل، الأمور ثلامة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فإلى الله فردوه» . وقال النبي ﷺ : «كل قوم على زينة من أمرهم، ومفلحة في أنفسهم، يزرون على من سواهم. ويتبين الحق في ذلك بالمقايسة بالعدل عند أولى الألباب من الناس» .

стр. 336

وقال ﷺ : «من رضي رقيقه فليمسكه، ومن لم يرض فليبعه، فلا تعذبوا خلق الله» . وقال في اخر ما أوصى به: «اتقوا الله في الضعيفين» . قال ابن ثوبان عن ابيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال» ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال: «إن هذا لحقّ كما إنك ها هنا» . أو «كما أنك قاعد» ، يعني معاذا. صالح المري عن الحسن البصري، قال: قال رسول الله ﷺ : حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلاء بالدعاء» . كثير بن هشام، عن عيسى بن ابراهيم، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الجمعة حجّ المساكين» . قال عوف، عن الحسن، أن النبي ﷺ قال: «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان، وإنما أخذتموهن بإمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» . الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن ابيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحبّ الجواد من خلقه» . أبو عبد الرحمن الأشجعي، عن يحيى بن عبيد الله، عن ابيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما خلا يهوديّ بمسلّم قط إلا همّ بقتلة» ، ويقال: «حدث نفسه بقتله» . ابو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : «من ذب عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن نحرّم لحمه على النار» .

стр. 337

اسماعيل بن عياش، عن الحسن بن دينار، عن الخصيب بن جحدر، عن رجل، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم» . وعن عبد ربه بن أعين، عن عبد الله بن ثمامة بن أنس، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «قيدوا العلم بالكتاب» وقال: «فضل جاهك تعود به على أخيك الذي لا جاه له صدقة منك عليه، وفضل لسانك تعبر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة منك عليه، وفضل علمك تعود به على أخيك الذي لا علم عنده صدقة منك عليه، وفضل قوتك ترده على أخيك الذي لا قوة له صدقة منك عليه، واماطتك الأذى عن الطريق صدقة منك على أهله» . [كلمات بليغة] وإنما مدار الأمور والغاية التي يجري إليها، الفهم ثم الافهام، والطلب ثم التثبت. وقال عمرو بن العاص: «ثلاثة لا أملهّم: جليسي ما فهم عني، وثوبي ما سترني، ودابتي ما حملت رجليّ» . وذكر الشعبي ناسا فقال: «ما رأيت مثلهم أشد تنابذا في مجلس ولا أحسن تفهّما عن محدّث» . ووصف سهل بن هارون رجلا فقال: «لم أر أحسن منه فهما لجليل، ولا أحسن تفهما لدقيق» . وقال سعيد بن سلّم لأمير المؤمنين المأمون: «لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين، من قصده إلي بحديثه، وإشارته إلي بطرفه، لقد كان ذلك من أعظم ما تفرضه الشريعة، وتوجيه الحرية» . فقال المأمون: «لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدّثت، وحسن

стр. 338

التفهّم إذا حدّثت، ما لم يجد عند أحد فيمن مضى، ولا يظن أنه يجده فيمن بقي» . وقال له مرة أخرى: «والله إنك لتستقفي حديثي، وتقف عند مقاطع كلامي، وتخبر عنه بما كنت قد أغفلته» . وقال أبو الحسن: قالت إمرأة لزوجها: ما لك إذا خرجت إلى اصحابك تطلّقت وتحدثت، وإذا كنت عندي تعقدّت وأطرقت؟ قال: «لأنني أجل عن دقيقك، وتدقين عن جليلي» . وقال أبو مسهر: «ما حدثت رجلا قط إلا أعجبني حسن إصغائه، حفظ عني أم ضيع» . وقال أبو عقيل بن درست: «نشاط القائل على قدر فهم المستمع» . وقال أبو عباد كاتب أحمد بن ابي خالد: «للقائل على السامع ثلاث: جمع البال، والكتمان، وبسط العذر» . وقال أبو عباد: «إذا أنكر القائل عيني المستمع فليستفهمه عن منتهى حديثه، وعن السبب الذي أجرى ذلك القول له: فإن وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، وإن كان لاهيا عنه حرمه حسن الحديث ونفع المؤانسة، وعرفه بفسولة «١» الاستماع، والتقصير في حق المحدث» . وأبو عباد هذا هو الذي قال: «ما جلس بين يدي رجل قط إلا تمثل لي إني سأجلس بين يديه» . وذكر رجل من القرشيين عبد الملك بن مروان، وعبد الملك يومئذ غلام، فقال: «إنه لآخذ بأربع، وتارك لأربع: آخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدّث، وبأيسر المئونة إذا خولف، وبأحسن البشر إذا لقي وتارك لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة السفيه، ومصاحبة المأفون» .

стр. 339

وذم بعض الحكماء رجلا فقال: «يحزم قبل أن يعلم، ويغضب قبل أن يفهم» . وقال عمر بن الخطاب ﵀ في بعض رسائله إلى قضاته: «الفّهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك» . ولا يمكن تمام الفهم إلا مع تمام فراغ البال. وقال مجنون بني عامر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي فارغا فتمكنا وكتب مالك بن أسماء بن خارجة إلى أخيه عيينة بن أسماء بن خارجة: أعيين هلّا إذ شغفت بها ... كنت استعنت بفارغ العقل أقبلت ترجو الغوث من قبلي ... والمستغاث إليه في شغل وقال صالح المري: «سوء الاستماع نفاق» . وقد لا يفهم المستمع إلا بالتفهم، وقد يتفهم أيضا من لا يفهم. وقال الحارث بن حلزة: وحبست فيها الركب أحدس في ... كل الأمور وكنت ذا حدس وقال النابغة الجعدي: أبى لي البلاء وأني امرؤ ... إذا ما تبينت لم أرتب وقال آخر: تحلم عن الأدنين واستبق ودّهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلّما والمثل السائر على وجه الدهر قولهم: «العلم بالتعلم» . وإذا كانت البهيمة إذا أحست شيئا من أسباب القانص، أحدت نظرها، واستفرغت قواها في الاسترواح، وجمعت بالها للتسمع- كان الانسان العاقل أولى بالتثبّت، وأحق بالتعرف.

стр. 340

ولما اتهم قتيبة بن مسلّم، أبا مجلز لاحق بن حميد، ببعص الأمر، قال له أبو مجلز: «أيها الأمير تثبت، فإن التثبت نصف العفو» . وقال الاحنف: «تعلمت الحلم من قيس بن عاصم» . وقال فيروز حصين: «كنت أختلف إلى دار الاستخراج أتعلم الصبر» . وقال سهل بن هارون: «بلاغة اللسان رفق، والعيّ خرق» . وكان كثيرا ما ينشد قول شتيم بن خويلد: ولا يشعبون الصّدع بعد تفاقم ... وفي رفق أيديكم لذي الصدع شاعب خطبة أبي بكر في الملوك وقال ابراهيم الانصاري، وهو ابراهيم بن محمد المفلوج، من ولد أبي زيد القاريء: الخلفاء والأئمة وأمراء المؤمنين ملوك، وليس كل ملك يكون خليفة وإماما، ولذلك فصل بينهم أبو بكر ﵀ في خطبته، فإنه لما فرغ من الحمد والصلاة على النبي قال: «ألا أن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك!» . فرفع الناس رؤوسهم، فقال: «ما لكم أيها الناس، إنكم لطعانون عجلون. إن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما في يديه، ورغبه فيما في يدي غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الاشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخط الكثير، ويسأم الرخاء، وتنقطع عنه لذة الباءة «١» ، ولا يستعمل العبرة، ولا يسكن إلى الثقة. فهو كالدرهم القسي، والسراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظله «٢» ، حاسبه الله فأشد حسابه، وأقل عفوه، إلا من امن بالله، وحكم بكتابه وسنة نبيه ﷺ . ألا إن الفقراء هم المرحومون ألا وإنكم اليوم على خلافة النبوة، ومفرق المحجة. وإنكم سترون بعدي ملكا عضوضا، وملكا عنودا «٣» ، وأمة شعاعا، ودما مباحا. فإن كانت للباطل نزوة، ولأهل الحق

стр. 341

جولة، يعفو لها الاثر، ويموت لها البشر، وتحيا بها الفتن، وتموت لها السنن، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن، واعتصموا بالطاعة، ولا تفارقوا الجماعة. وليكن الابرام بعد المشاورة، والصفقة بعد طول التناظر. أيّ بلادكم خرشنة؟ فإنكم سيفتح عليكم أقصاها كما فتح عليكم أدناها» . كلام أبي بكر الصديق (ر) لعمر حين استخلفه عند موته . إني مستخلفك من بعدي، وموصيك بتقوى الله. إنّ لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة. وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفته عليهم في الدنيا وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا. إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، والتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف ألا أكون من هؤلاء. وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ولم يذكر حسناتهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء. وذكر آية الرحمة مع آية العذاب، ليكون العبد راهبا، ولا يتمنى على الله إلا الحق، ولا يلقي بيده إلى التهلكة. فإذا حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحبّ إليك من الموت، وهو آتيك. وإن ضيعت وصيتي، فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجز الله. [وصية] عمر للخليفة من بعده . أوصيك بتقوى الله لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرا: أن تعرف لهم سابقتهم. وأوصيك بالأنصار خيرا، فاقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم. وأوصيك بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء «١» العدو، وجباة الأموال

стр. 342

والفيء «١» لا تحمل إلا عن فضل منهم. وأوصيك بأهل البادية خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الاسلام: أن تأخذ من حواشي «٢» أموال أغنيائهم، فترد على فقرائهم. وأوصيك بأهل الذمة خيرا: أن تقاتل من ورائهم ولا تكلفهم فوق طاقتهم، إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا أو عن يد «٣» وهم صاغرون. وأوصيك بتقوى الله وشده الحذر منه، ومخافة مقته، أن يطلع منك على ريبة. وأوصيك أن تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله. وأوصيك بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم وثغورهم. ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم، فإن ذلك- بإذن الله- سلامة لقلبك، وحط لوزرك، وخير في عاقبة أمرك، حتى تفضي من ذلك إلى من يعرف سريرتك، ويحول بينك وبين قلبك. وآمرك أن تشتد في أمر الله، وفي حدوده ومعاصيه، على قريب الناس وبعيدهم، ثم لا تأخذك في أحد الرأفة حتى تنتهك منه مثل ما انتهك من حرمه. واجعل الناس سواء عندك، لا تبال على من وجب الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم. وإياك والأثرة والمحاباة، فيما ولاك الله مما أفاء الله على المؤمنين، فتجور وتظلم، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك. وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة، فإن اقترفت «٤» لدنياك عدلا وعفة مما بسط الله لك، اقترفت به إيمانا ورضوانا، وإن غلبك الهوى ومالت بك شهوة، اقترفت به سخط الله ومعاصيه. وأوصيك ألا ترخص لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمة. وقد أوصيتك وحضضتك، ونصحت لك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. واخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي وولدي، فإن عملت بالذي وعظتك، وانتهيت إلى الذي أمرتك، أخذت به نصيبا وافيا، وحظا وافرا. وإن لم تقبل ذلك ولا يهمك، تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى الله به عنك، يكن ذلك بك انتقاصا، ورأيك فيه مدخولا،

стр. 343

لأن الأهواء مشتركة. ورأس كل خطيئة، والداعي إلى كل هلكة إبليس وقد أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار، ولبئس الثمن أن يكون حظ امرىء موالاة لعدو الله، والداعي إلى معاصيه! ثم اركب الحق وخض إليه الغمرات، وكن واعظا لنفسك، وأنشدك الله لما ترحمت على جماعة المسلمين فأجللت كبيرهم، ورحمت صغيرهم، ووقرت عالمهم، ولا تضربهم فيذلوا، ولا تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم، ولا تحرمهم عطاياهم عند محلها فتفقرهم، ولا تجمّرهم «١» في البعوث فتقطع نسلهم، ولا تجعل المال دولة بين الأغنياء منهم، ولا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم. هذه وصيتي إياك، وأشهد الله عليك، وأقرأ عليك السلام. رسالة عمر (ر) إلى ابي موسى الأشعري . رواها ابن عيينة، وأبو بكر الهذلي ومسلمة بن محارب، رووها عن قتادة. ورواها أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم، عن عبيد الله بن ابي حميد الهذلي عن ابي المليح أسامة الهذلي. أن عمر بن الخطاب كتب إلى ابي موسى الأشعري: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس «٢» بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا يخاف ضعيف من جورك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما. ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع عنه إلى الحق فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم عندما يتلجلج في صدرك، مما لم يبلغك في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ . أعرف الأمثال

стр. 344

والأشباه، وقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق فيما ترى. واجعل للمدعي حقا غائبا أو بينة، أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا وجهت عله القضاء، فإن ذلك انفى للشك، وأجلى للعمى، وابلغ في العذر. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة، فإن الله قد تولى منكم السرائر ودرأ عنكم الشبهات. ثم إياك والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق، التي يوجب الله بها الأجر، ويحسن بها الذخر، فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله ﵎، ولو على نفسه، يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه خلاف ذلك هتك الله ستره، وأبدى فعله. فما ظنك بثواب غير الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته. والسلام عليك. [أول] خطبة لعلي بن ابي طالب (ر) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أول خطبة خطبها علي بن ابي طالب ﵀ أنه قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه: أما بعد فلا يرعينّ مرع إلا على نفسه «١» ، فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه. ساع مجتهد ينجو، وطالب يرجو، ومقصر في النار. ثلاثة، واثنان: ملك طار بجناحيه، ونبي أخذ الله بيديه، ولا سادس. هلك من ادعى، وردي من اقتحم، فإن اليمين والشمال مضلة، والوسطى الجادة، منهج عليه باقي الكتاب والسنة، وآثار النبوة. إن الله داوى هذه الأمة بدواءين: السيف والسوط، فلا هوادة عند الأمام فيهما، استتروا ببيوتكم وأصلحوا فيما بينكم، والتوبة من ورائكم. من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت لكم أمور ملتم علي فيها ميلة لم تكونوا عندي فيها بمحمودين ولا مصيبين. أما إني لو أشاء لقلت عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث، كالغراب همّته بطنه، يا ويحه، لو قصّ جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا

стр. 345

له. انظروا فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فآزروا. حق وباطل، ولكل أهل، ولئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قلّ الحق لربما ولعل. ما أدبر شيء فأقبل. ولئن رجعت عليكم أموركم أنكم لسعداء، وإني لأخشى أن تكونوا في فترة وما علينا إلا الاجتهاد. قال أبو عبيدة: وروى فيها جعفر بن محمد: ألا أن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا. ألا وإنّا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا. وأن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا. معنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وإن بنا ترد دبرة «١» كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة «٢» الذل من أعناقكم، وبنا غنم، وبنا فتح الله لا بكم، وبنا يختم لا بكم. خطبة لعلي بن ابي طالب أيضا (ر) [في الآخرة] . أما بعد فإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع. وإن المضمار اليوم والسباق غدا. ألا وإنتم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله، ولم يضرره أمله ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضره أمله. ألا فاعملو الله في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة. ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها. ألا وإنه من لم ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدي يجر به الضلال. ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على الزاد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.

стр. 346

[خطبة علي في الجهاد] قالوا: أغار سفيان بن عوف الأزدي ثم الغامدي على الأنبار، زمان علي ابن ابي طالب ﵁، وعليها حسان- أو ابن حسان- البكري فقتله، وأزال تلك الخيل عن مسالحها، فخرج علي بن ابي طالب ﵁ حتى جلس على باب السّدة، فحمد الله واثنى عليه وصلّى على نبيه ثم قال: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، ولزمه الصّغار، وسيم الخسف، ومنع النّصف. ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: أغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريّا، حتى شنّت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقتل حسان- أو ابن حسان- البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، وقتل منكم رجالا صالحين. ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المسلمة والأخرى المعاهدة، فينزع حجلها وقلبها ورعاثها «١» ثم انصرفوا وافرين، ما كلم رجل منهم كلما، فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان عندي به ملوما، بل كان به عندي جديرا. فيا عجبا من جد هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم. فقبحا لكم وترحا، حين صرتم هدفا يرمى، وفيئا ينتهب، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: حمّارة القيظ، أمهلنا ينسلخ عنا الحرّ وإذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم: أمهلنا ينسلخ عنا القرّ. كلّ ذا فرار من الحر والقر. فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال وددت أن الله قد أخرجني من بين ظهرانيكم وقبضني إلى رحمته من بينكم. والله لوددت أني لم أركم، ولم أعرفكم. معرفة والله جرّت ندما. قد وريتم صدري غيظا، وجرّعتموني الموت

стр. 347

أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: ابن ابي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم، وهل منهم أحد أشدّ لها مراسا أو أطول لها تجربة مني؟ لقد مارستها وما بلغت العشرين، فهأنذا قد نيفت على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع. قال: فقام له رجل من الأزد يقال له فلان بن عفيف، ثم أخذ بيد ابن أخ له فقال: هأنذا يا أمير المؤمنين لا أملك إلا نفسي وابن أخي فأمرنا بأمرك فوالله لنمضين له ولو حال دون أمرك شوك الهراس «١» وجمر الغضى. فقال لهما علي: وأين تبلغان ما أريد، رحمكما الله. [خطبة علي في الشكوى من أنصاره] قام فيهم خطيبا فقال: أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤكم. كلامكم يوهي الصمّ الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم. تقولون في المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم حيدي حياد «٢» . ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل. سألتموني التأخير دفاع ذي الدّين المطول. هيهات لا يمنع الضيم الذليل، ولا يدرك الحقّ إلا بالجدّ. أيّ دار بعد داركم تمنعون؟ أم أيّ أمام بعدي تقاتلون. المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. أصبحت والله لا أصدّق قولكم، ولا أطمع في نصركم، فرّق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم، لوددت أن لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس بن غنم، صرف الدينار بالدرهم. خطبة عبد الله بن مسعود ﵀ أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم ﷺ ، وأحسن السّنن سنة محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وخير

стр. 348

الأمور عزائمها، ما قل وكفى خير مما أكثر وألهى. نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها، خير الغنى غنى النفس. خير ما ألقى في القلب اليقين. الخمر جماع الآثام. النساء حمالة الشيطان. الشباب شعبة من الجنون. حب الكفاية مفتاح المعجزة. من الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا «١» . ولا يذكر الله إلا نزرا. أعظم الخطايا اللسان الكذوب. سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر. وأكل لحمه معصية. ومن يتألّ على الله يكذبه ومن يغفر يغفر له. مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفي عنه. الشقي من شقي في بطن أمه. السعيد من وعظ بغيره. الأمور بعواقبها. ملاك الأمر خواتمه. أحسن الهدي هدي الأنبياء. أقبح الضلالة بعد الهدى. أشرف الموت الشهادة. من يعرف البلاء يصبر عليه. من لا يعرف البلاء ينكره. خطبة عتبة بن غزوان السلمي بعد فتح الابلة حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي ﷺ ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد تولّت حدّاء «٢» مدبرة، وقد آذنت أهلها بصرم، وإنما بقي منها صبابة كصبابة «٣» الاناء يصطبّها صاحبها. ألا وإنكم منقولون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما يحضركم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى في النار من شفيرها فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا. والله لتملأنّ. أفعجبتم ولقد ذكر لنا أن بين مصراعين من الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتينّ عليه وقت وهو كظيظ بالزحام. ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فائتزرت بنصفها وائتزر بنصفها، فما أصبح اليوم أحد منا حيا إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار. وإني أعوذ بالله من أن أكون في نفسي عظيما، وعند الله صغيرا. وإنها لم تكن نبوة قطّ إلا تناسخت حتى يكون عاقبتها ملكا وستخبرون الأمراء بعدي فتعرفون وتنكرون.

стр. 349

خطبة من خطب معاوية (ر) رواها شعيب بن صفوان، وزاد فيها البقطريّ وغيره، قالوا: لما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك. فقال: ويحك، ولم؟ قال: لا أدري، قال: فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوؤهم. وأذن للناس فدخلوا، فحمد وأثنى عليه وأوجز ثم قال: أيها الناس، أنا قد أصبحنا في دهر عنود «١» ، وزمن شديد، يعدّ فيه المحسن مسيئا، ويزداد فيه الظالم عتوا، ولا ننتفع بما علمناه، ولا نسأل عما جهلناه، ولا نتخوف قارعة حتى تحلّ بنا. فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حدّه، ونضيض وفره «٢» . ومنهم المصلت لسيفه، المجلب بخيله ورجله، المعلن بسره، قد أشرط لذلك نفسه، وأوبق دينه، لحطام ينتهزه، أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه «٣» ، ولبئس المتجر أن تراها لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا. ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه وشمّر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه، وانقطاع من سببه، فقصرت به الحال عن أمله. فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهادة وليس من ذلك في مراح ولا مغدى. وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد نادّ «٤» ، وخائف منقمع، وساكت مكعوم، وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامزة «٥» ، وقلوبهم قرحة، وقد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا. فلتكن الدنيا في

стр. 350

عيونكم أصغر من حثالة القرظ، وقراضة الجلمين «١» . واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من يأتي بعدكم. فارفضوها ذميمة، فإنها رفضت من كان أشغف بها منكم. وفي هذه الخطبة أبقاك الله ضروب من العجب: منها أن الكلام لا يشبه السبب الذي من أجله دعاهم معاوية، ومنها أن هذا المذهب تصنيف الناس، وفي الأخبار عما هم عليه من القهر والاذلال، ومن التقية والخوف أشبه بكلام علي ﵁ ومعانيه وحاله منه بحال معاوية. ومنها أنّا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه مسلك الزهاد، ولا يذهب مذاهب العباد. وإنما نكتب لكم ونخبر بما سمعناه، والله أعلم بأصحاب الأخبار، وبكثير منهم. خطبة زياد بالبصرة. وهي التي تدعى البتراء قال أبو الحسن المدائني، وغيره، ذكر ذلك عن مسلمة بن محارب، وعن أبي بكر الهذلي قالا: قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان وضم إليه خراسان وسجستان، والفسق بالبصرة كثير فاش ظاهر. قالا: فخطب خطبة بتراء، لم يحمد الله فيها، ولم يصل على النبي. وقال غيره: بل قال: الحمد لله على أفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه. اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا. أما بعد فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والغيّ الموفي بأهله

стр. 351

على النار، ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام ينبت فيها الصغير، ولا ينحاش «١» عنها الكبير، كأنكم لم تقرأوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الاسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله، وهذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل. ألم تكن منهم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟! أقربتم القرابة، وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس. أليس كل امرىء منكم يذب عن سفيهه، صنع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام، ثم اطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب. حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها بالأرض، هدما واحراقا. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوّله: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. وإني أقسم بالله لآخذنّ الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم. إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، وإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيّ «٢» واعلموا أن عندي أمثالها. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه. فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه. وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع اليكم. وإيّاي ودعوة الجاهلية، فإني لا آخذ داعيه بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم احداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة: فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش

стр. 352

قبرا دفناه فيه حيا. فكفوا عني أيديكم وألسنتكم، أكف عنكم يدي ولساني. ولا تظهر على أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه وقد كانت بيني وبين أقوام أحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته. إني والله لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره. فاستأنفوا أموركم، وأرعوا «١» على أنفسكم، فرب مسوء بقدومنا سنسرّه ومسرور بقدومنا سنسوؤه. أيها الناس، أنّا أصبحنا لكم سادة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا. فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أخببنا، ولكم علينا العدل والانصاف فيما ولينا. فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا إني مهما قصّرت عنه فلن أقصّر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن ابانه، ولا مجمرا لكم بعثا. فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا به حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيه لكان شرا لكم. أسأل الله أن يعين كلا على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله وأيم الله أن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرىء منكم أن يكون من صرعاي. قال: فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال له: كذبت، ذلك نبي الله داوود ﷺ . فقام الأحنف بن قيس فقال: أيها الأمير، إنما المرء بجدّه، والجواد بشدّه وقد بلغك جدك أيها الأمير ما ترى، وإنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وأنا لن نثني حتى نبتلي. فقال زياد: صدقت.

стр. 353

فقام إليه أبو بلال مرداس بن أديّة «١» ، وهو يهمس ويقول: أنبأنا الله بغير ما قلت، فقال: (وإبراهيم الذي وفى. ألا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للانسان إلا ما سعى) . وأنت تزعم إنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر. فسمعه زياد فقال: أنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا. وقال الشعبي: ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا أن يسيء، إلا زيادا، فإنه كلما أكثر كان أجود كلاما. أبو الحسن المدائني قال: قال الحسن: أوعد عمر فعوفي، وأوعد زياد فابتلي. قال: وقال الحسن تشبه زياد بعمر فأفرط، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس. [مقطعات وخطب قصيرة] قال أبو عثمان: قد ذكرنا من كلام رسول الله ﷺ وخطبه صدرا، وذكرنا من خطب السلف ﵏ جملا، وسنذكر من مقطّعات الكلام، وتجاوب البلغاء، ومواعظ النساك، ونقصد من ذلك إلى القصار دون الطوال، ليكون ذلك أخفّ على القارىء، وأبعد من السآمة والملل. ثم نعود بعد ذلك إلى الخطب المنسوبة إلى أهلها إن شاء الله. ولا قوة إلا بالله. قال ابو الحسن المدائني: قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي، على المهلّب بن ابي صفرة، في بعض أيامه مع الأزارقة، فرأى بنيه قد ركبوا عن آخرهم فقال: «شدّ الله الاسلام بتلاحقكم، فوالله لئن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم لأسباط ملحمة» .

стр. 354

وقال أبو الحسن: دخل الهذيل بن زفر الكلابي، على يزيد بن المهلب في حملات لزمته، ونوائب نابته، فقال له: «أصلحك الله، إنه قد عظم شأنك، وارتفع قدرك أن يستعان بك، أو يستعان عليك. ولست تفعل شيئا من المعروف إلا وأنت أكبر منه. وليس العجب من أن تفعل ولكن العجب من أن لا تفعل» . قال يزيد: حاجتك. فذكرها، فأمر له بها، وأمر له بمائة ألف، فقال: أما الحمالات فقد قبلتها، وأما المال فليس هذا موضعه. عيسى بن يزيد بن دأب، عمّن حدثه عن رجل كان يجالس ابن عباس قال: قال عثمان بن أبي العاصي الثقفي لبنيه: «يا بني، إني قد أمجدتكم في أمهاتكم، وأحسنت في مهنة أموالكم، وإني ما جلست في ظل رجل من ثقيف أشتم عرضه. والناكح مغترس، فلينظر امرؤ منكم حيث يضع غرسه. والعرق السوء قلما ينجب ولو بعد حين» . قال: فقال ابن عباس: «يا غلام، أكتب لنا هذا الحديث» . قال: ولما همت ثقيف بالارتداد قال لهم عثمان: «معاشر ثقيف، لا تكونوا آخر العرب إسلاما، وأولهم إرتدادا» . قال: وسمعت إعرابيا ذكر يوما قريشا، فقال: «كفى بقريش شرفا إنهم أقرب الناس نسبا برسول الله ﷺ ، وأقربهم بيتا من بيت الله» . الأصمعي قال: قيل لعقيل بن علّفة أتهجو قومك؟ قال: الغنم إذا لم يصفر بها لم تشرب. قال: وقيل لعقيل: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» . قال: وسأل عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن معد يكرب، عن سعد قال: كيف أميركم؟ قال: «خير أمير. نبطي في حبوته، عربي في نمرته، أسد في تامورته «١» ، يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، وينفر في

стр. 355

السرية، وينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذّرّة» . فقال عمر: لشد ما تقارضتما الثناء. قال: ولما تورّد الحارث بن قيس الجهضمي بعبيد الله بن زياد، منزل مسعود بن عمرو العتكي، عن غير إذن، فأراد مسعود إخراجه من منزله، قال عبيد الله: قد أجارتني ابنة عمك عليك، وعقدها العقد الذي يلزمك، وهذا ثوبها عليّ وطعامها في مذاخيري «١» ، وقد التف علي منزلك. وشهد له الحارث بذلك. قال: مرّ الشعبي بناس من الموالي يتذاكرون النحو فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده. قال: وتكلم عبد الملك بن عمير، وإعرابي حاضر، فقيل له: كيف ترى هذا الكلام؟ فقال: لو كان الكلام يؤتدم به لكان هذا الكلام مما يؤتدم به. وقال جرير: «العذرة طرف من البخل» . وقال جرير: «الخرس خير من الخلابة» . وقال ابو عمر الضرير: «البكم خير من البذاء» . قال: وقدم الهيثم بن الأسود بن العريان على عبد الملك بن مروان فقال. كيف تجدك؟ قال: أجدني قد أبيض مني ما كنت أحب أن يسود، وأسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد. ثم أنشد: اسمع أنبئك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسحر وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطعم إذا الزاد حضر
следующие страницы →