← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تعزية إمرأة للمنصور على أبي العباس مقدمه من مكة. قالت: أعظم الله أجرك، فلا مصيبة أجل من مصيبتك، ولا عوض أعظم من خلافتك. وقال عثمان بن خريم للمنصور، حين عفا عن أهل الشام في أجلابهم مع عبد الله بن علي عمه: يا أمير المؤمنين: لقد أعطيت فشكرت، وابتليت فصبرت، وقدرت فغفرت. وقال آخر: يا أمير المؤمنين، الإنتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتفضل قد تجاوز حد المنصف. فنحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، دون أن يبلغ أرفع الدرجتين. وقال آخر: من انتقم فقد شفي غيظ نفسه، وأخذ أقصى حقه. وإذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تطوّلت. ومن أخذ حقه وشفي غيظه لم يجب شكره، ولم يذكر في العالمين فضله. وكظم الغيظ حلم، والحلم صبر، والتشفي طرف من العجز، ومن رضي ألا يكون بين حاله وبين حال الظالم إلا ستر رقيق، وحجاب ضعيف، فلم يجزم في تفضيل الحلم، وفي الإستيثاق من ترك دواعي الظلم. ولم تر أهل النهي والمنسوبين إلى الحجا والتقى. مدحوا الحلماء بشدة العقاب، وقد ذكروهم بحسن الصفح، وبكثرة الإغتفار، وشدة التغافل. وبعد فالمعاقب مستعد لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم، آمن من مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثنى عليك بإتساع الصدر خير من أن يثنى عليك بضيق الصدر. على أن إقالتك عثرة عباد الله موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد الله، وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك. وقالوا: الموت الفادح، خير من اليأس الفاضح. وقال آخر: لا أقل من الرجاء. فقال آخر: بل اليأس المريح. وقال عبد الله بن وهب الراسبي: إزدحام الجواب مضلة للصواب، وليس الرأي بالإرتحال، ولا الحزم بالإقتضاب، فلا تدعونك السلامة من خطأ موبق، أو غنيمة نلتها من صواب نادر، إلى معاودته، وإلتماس الأرباح من قبله. إن

стр. 387

الرأي ليس بنهبى، وخمير الرأي خير من فطيره. ورب شيء غابّه خير من طريه، وتأخيره خير من تقديمه. ولما قدم بعبد الجبار بن عبد الرحمن، إلى المنصور، قال: يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة. قال: وراءك تركتها، يا ابن اللخناء. ولما احتال أبو الأزهر المهلب بن عبيثر المهري، لعبد الحميد بن ربعي ابن معدان، وأسلمه إلى حميد بن قحطبة، وأسلمه حميد إلى المنصور، فلما صار إلى المنصور قال: لا عذر فأعتذر وقد أحاط بي الذنب، وأنت أولى بما ترى. قال: لست أقتل أحدا من آل قحطبة، بل أهب مسيئهم لمحسنهم، وغادرهم لوفيّهم. قال: إن لم يكن فيّ مصطنع فلا حاجة بي إلى الجاه. ولست أرضى أن أكون طليق شفيع وعتيق ابن عم. قال: أخرج، فإنك جاهل، أنت عتيقهم ما حييت. قال زياد بن ظبيان التيمي، لأبنه عبيد الله بن زياد، وزياد يومئذ يكيد بنفسه وعبيد الله غلام: ألا أوصى بك الأمير زيادا؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: إذا لم تكن للحي إلا وصية الميّت فالحي هو الميت. ودخل عمرو بن سعيد الأشدق بعد موت أبيه على معاوية، وعمرو يومئذ غلام، فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك يا غلام؟ قال: إن أبي أوصى إليّ ولم يوصى بي. قال: وبأي شيء أوصاك؟ قال: أوصاني ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه. قال معاوية لأصحابه: إن ابن سعيد هذا لأشدق. ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، في شأن إبراهيم بن عبد الله وصار سفيان إلى المنصور، أمر الربيع فخلع سواده. ووقف به على رؤوس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة، ثم قال: يقول لكم أمير المؤمنين: قد عرفتم ما كان من إحساني إليه، وحسن بلائي عنده، والذي حاول من الفتنة والغدر، والبغي وشقّ العصا، ومعاونة الأعداء، وقد رأى أمير المؤمنين أن يهب مسيئكم لمحسنكم، وغادركم لوفيكم. وقال يونس بن حبيب: المفحم يأتيه دون ما يرضى، ويطلب فوق ما يقوى.

стр. 388

وذكر بعض الحكماء أعاجيب البحر وتزيد البحرين، فقال: البحر كثير العجائب، وأهله أصحاب زوائد، فأفسدوا بقليل الكذب كثير الصدق، وأدخلوا ما لا يكون في باب ما قد يكاد يكون، فجعلوا تصديق الناس لهم في غرائب الأحاديث سلّما إلى إدعاء المحال. وقال بعض العرب: «حدث عن البحر ولا حرج، وحدث عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدث عن معن ولا حرج» . وجاء في الحديث: «كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر» . وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، يصف له البحر فقال: «يا أمير المؤمنين، البحر خلق عظيم، يركبه خلق صغير، دود على عود» . وقال الحسن ﵀: «إملاء الخير خير من الصمت، والصمت خير من إملاء الشر» . وقال بعضهم: مروا الأحداث بالمراء، والكهول بالفكر، والشيوخ بالصمت. عبد الله بن شداد قال: «أرى داعي الموت لا يقلع، وأرى من مضى لا يرجع. لا تزهدنّ في معروف، فإن الدهر ذو صروف. وكم من راغب قد كان مرغوبا إليه، وطالب أصبح مطلوبا إليه. والزمان ذو الوان، ومن يصحب الزمان يرى الهوان. وإن غلبت يوما على المال فلا تغلبن على الحيلة على حال. وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا، أقل ما تكون في الباطن مالا» . وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ قال: ببذل الندى، وكفّ الأذى، ونصر المولى. وقيل لشيخ: أين شبابك؟ قال: من طال أمده، وكثر ولده، وقل عدده، وذهب جلده، ذهب شبابه. وقال زياد: لا يعد منك من الجاهل كثرة الإلتفات، وسرعة الجواب.

стр. 389

وقال عبد الرحمن بن أمّ الحكم: لولا ثلاث ما باليت متى مت: تزاحف الأحرار إلى طعامي، وبذل الأشراف وجوههم إلي في أمر أجد السبيل إليه، وقول المنادي الصلاة أيها الأمير. وقال ابن الأشعث: لولا أربع خصال ما أعطيت بشريا طاعة: لو ماتت أم عمران- يعني امه- ولو شاب رأسي، ولو قرأت القرآن، ولو لم يكن رأسي صغيرا. وقال معاوية: أعنت على علي بثلاث خصال: كان رجلا يظهر سره، وكنت كتوما لسري. وكان في أخبث جند وأشده خلافا، وكنت في أطوع جند وأقله خلافا. وخلا بأصحاب الجمل فقلت إن ظفر بهم اعتددت بهم عليه وهنا في دينه، وإن ظفروا به كانوا أهون علي شوكة منه. وكنت أحبّ إلى قريش منه. فكم شئت من جامع إلي ومفرق عنه. جهم بن حسان السليطي قال: قال رجل للأحنف: دلني على حمد بلا مرزئة. قال: الخلق السّجيح، والكف عن القبيح. ثم اعلموا إن أدوى الداء اللسان البذيء، والخلق الرديء. وقال محمد بن حرب الهلالي: قال بعض الحكماء: لا يكوننّ منكم المحدث لا ينصت له، ولا الداخل في سر اثنين لم يدخلاه فيه، ولا الآتي الدعوة لم يدع إليها، ولا الجالس المجلس لا يستحقه. ولا الطالب الفضل من أيدي اللئام، ولا المتعرّض للخير من عند عدوه، ولا المتحمق في الدالة. قالوا: قل النبي ﷺ في معاوية: «للهم علّمه الكتاب والحساب، وقه العذاب» . وقال رجل من بني أسد: مات لشيخ منا ابن، فاشتدّ جزعه عليه، فقام إليه شيخ منا فقال: اصبر أبا إمامه، فإنه فرط افترطته، وخير قدمته، وذخر أحرزته. فقال مجيبا له ولد دفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته. والله لئن لم أجزع من النقص لا أفرح بالمزيد.

стр. 390

الأصمعي قال: قال ابن أقيصر: خير الخيل الذي إذا استدبرته جنا، وإذا استقبلته أقعى، وإذا استعرضته استوى وإذا مشى ردى، وإذا ردى دحا. ونظر ابن أقيصر إلى خيل عبد الرحمن بن أم الحكم، فأشار إلى فرس منها فقال: تجيء هذا سابقة، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: رأيتها مشت فكتفت «١» ، وخبت فوجفت «٢» ، وعدت فنسفت «٣» . وذكرت أعرابية زوجها فقالت: ذهب ذفره «٤» ، وأقبل بخره، وفتر ذكره. وكان مالك بن الأخطل قد بعثه أبوه ليسمع شعر جرير والفرزدق، فسأله أبوه عنهما فقال: جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر. فقال: الذي يغرف من بحر أشعرهما. قد ذكرنا من مقطعات الكلام وقصار الأحاديث، بقدر ما اسقطنا به مؤونة الخطب الطوال. وسنذكر من الخطب المسندة إلى أربابها مقدارا لا يستفرغ مجهود من قرأها، ثم نعود بعد ذلك إلى ما قصر منها وخف، وإلى أبواب قد تدخل في هذه الجملة وإن لم تكن مثل هذه بأعيانها. والله الموفق. أبو الحسن، عن يحيى بن سعيد، عن ابن خرّبوذ البكري، عن خالد ابن صفوان، قال: دخل عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، على عمر بن عبد العزيز مع العامة، فلم يفجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله خلق الخلق غنيا عن طاعتهم، آمنا لمعصيتهم، والناس يومئذ

стр. 391

في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بشرّ تلك المنازل، أهل الوبر وأهل المدر، تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاغة عيشها «١» : ميتهم في النار وحيهم أعمى. مع ما لا يحصى من المرغوب عنه، والمزهود فيه. فلما أراد الله أن ينشر فيهم رحمته، ويسبغ عليهم نعمته، بعث إليهم رسولا منهم عزيزا عليه ما عنتوا، حريصا عليهم، بالمؤمنين رؤوفا رحيما، فلم يمنعهم ذلك من أن جرحوه في جسمه، ولقبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق، وبرهان من الله صادق، لا يرحل إلا بأمره، ولا ينزل إلا بإذنه. واضطروه إلى بطن غار، فلما أمر بالعزم أسفر لأمر الله لونه، فأفلج الله حجته، وأعلى كلمته وأظهر دعوته، ففارق الدنيا نقيا تقيا، مباركا مرضيا. ﷺ . ثم قام بعده أبو بكر ﵀، فسلك سنته، وأخذ بسبيله، وأرتدّت العرب، فلم يقبل منهم بعد رسول الله إلا الذي كان قابلا منهم، فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران من شعلها، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أوصالهم، ويسقي الأرض دماءهم، حتى أدخلهم في الذي خرجوا عنه، وقررهم بالذي نفروا منه. وقد كان أصاب من مال الله بكرا يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدا له، فرأى ذلك غصة عند موته في حلقه، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وبرىء إليهم منه، وفارق الدنيا نقيا تقيا، على منهاج صاحبه، ﵀. ثم قام من بعده عمر بن الخطاب ﵀، فمصّر الأمصار، وخلط الشدة باللين، فحسر عن ذراعيه، وشمر عن ساقيه، وأعدّ للأمور أقرانها، وللحرب آلتها، فلما أصابه فتى المغيرة بن شعبة، أمر ابن عباس أن يسأل الناس هل يثبتون قاتله، فلما قيل له: فتى المغيرة، استهل بحمد الله ألا يكون اصابه ذو حق في الفيء فيستحل دمه بما استحل من حقه. وقد كان أصاب من مال الله بضعا وثمانين ألفا، فكسر رباعه، وكره بها كفالة أهله

стр. 392

وولده، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وفارق الدنيا تقيا نقيا، على منهاج صاحبيه، ﵀. ثم أنّا والله ما أجتمعنا بعدهما إلا على ظلّع «١» ، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، والقمتك ثديها، وليتك وضعتها حيث وضعها الله. فالحمد لله الذي جلا بك حوبتها «٢» ، وكشف بك كربتها. امض ولا تلتفت فإنه لا يغني من الحق شيئا. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وللمؤمنين والمؤمنات. قال: ولما أن قال: «ثم أنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلّع» . سكت الناس كلهم إلا هشاما، فإنه قال له: كذبت. خطبة عمر بن عبد العزيز (ر) أبو الحسن قال: حدثنا المغيرة بن مطرّف، عن شعيب بن صفوان، عن ابيه قال: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة خطبة لم يخطب بعدها غيرها حتى مات ﵀. فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه ثم قال: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادا يحكم الله بينكم فيه. فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، وحرم الجنّة التي عرضها السموات والأرض. واعلموا أن الأمان غدا لمن خاف الله اليوم، وباع قليلا بكثير، وفائتا بباق. ألا ترون أنكم في اسلاب الهالكين، وسيخلفها من بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين. ثم أنتم في كل يوم تشيّعون غاديا ورائحا إلى الله، قد قضى نحبه وبلغ أجله، ثم تغيبونه في صدع من الأرض، ثم تدعونه غير موسّد ولا ممهّد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وباشر التراب، وواجه الحساب، غنيا عما ترك، فقيرا إلى ما قدّم، وأيم الله إني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد

стр. 393

منكم من الذنوب أكثر مما عندي. فاستغفر الله لي ولكم. وما تبلّغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها، وما أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي، ولحمتي الذين يلونني «١» ، حتى يستوي عيشنا وعيشكم. وايم الله إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة، لكان اللسان مني ناطقا ذلولا، عالما بأسبابه. لكنه مضى من الله كتاب ناطق، وسنّة عادلة دلّ فيها على طاعته، ونهى فيها عن معصيته. ثم بكى ﵀ فتلقى دموع عينيه بطرف ردائه، ثم نزل، فلم ير على تلك الأعواد حتى قبضه الله إلى رحمته. خطبة أخرى ذهب عني إسنادها «٢» أما بعد: فإنك ناشىء فتنة وقائد ضلالة، وقد طال جثومها، واشتدت غمومها، وتلونت مصايد عدو الله فيها، وقد نصب الشرك لأهل الغفلة عما في عواقبها. فلن يهدّ عمودها، ولن ينزع أوتادها إلا الذي بيده ملك الأشياء، وهو الله الرحمن الرحيم. إلا وإن لله بقايا من عباده لم يتحيّروا في ظلمتها، ولم يشايعوا أهلها على شبهتها، مصابيح النور في أفواههم تزهر، وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق. ركبوا نهج السبيل، وقاموا على العلم الأعظم، فهم خصماء الشيطان الرجيم، وبهم يصلح الله البلاد، ويدفع عن العباد. فطوبى لهم وللمستصبحين بنورهم. أسأل الله أن يجعلنا منهم. خطبة أبي حمزة الخارجي دخل أبو حمزة الخارجي مكة- وهو أحد نساك الإباضية وخطبائهم، واسمه يحيى بن المختار- فصعد منبرها متوكئا على قوس له عربية، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

стр. 394

أيها الناس، إن رسول الله ﷺ كان لا يتأخر ولا يتقدم إلا بإذن الله وأمره ووحيه، أنزل الله كتابا بيّن له فيه ما يأتي وما يتقي، ولم يك في شك من دينه، ولا في شبهة من أمره، ثم قبضه الله وقد علّم المسلمين معالم دينهم، وولى أبا بكر صلاتهم، فولاه المسلمون أمر دنياهم حين ولاه رسول الله أمر دينهم، فقاتل أهل الردّة، وعمل بالكتاب والسنة، فمضى لسبيله رحمة الله عليه. ثم ولي عمر بن الخطاب ﵀، فسار بسيرة صاحبه، وعمل بالكتاب والسنة، وجبى الفيء، وفرض الأعطية، وجمع الناس في شهر رمضان، وجلد في الخمر ثمانين، وغزا العدو في بلادهم، ومضى لسبيله رحمة الله عليه. ثم ولي عثمان بن عفان فسار ستّ سنين بسيرة صاحبيه، وكان دونهما ثم سار في الست الأواخر بما أحبط به الأوائل، ثم مضى لسبيله. ثم ولي عليّ بن أبي طالب، فلم يبلغ من الحق قصدا، ولم يرفع له منارا، ثم مضى لسبيله. ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله وابن لعينه، فاتخذ عباد الله خولا، ومال الله دولا، ودينه دغلا، ثم مضى لسبيله، فالعنوه لعنة الله. ثم ولي يزيد بن معاوية، ويزيد الخمور، ويزيد القرود، ويزيد الفهود، الفاسق في بطنه، المأبون في فرجه، فعليه لعنة الله وملائكته. ثم اقتصهم خليفة خليفة، فلما انتهى إلى عمر بن عبد العزيز أعرض عنه، ولم يذكره. ثم قال: ثم ولي يزيد بن عبد الملك الفاسق في دينه، المأبون في فرجه، الذي لم يؤنس منه رشد، وقد قال الله تعالى في أموال اليتامى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ، فأمر أمة محمد ﵇ أعظم. يأكل الحرام ويشرب الخمر، ويلبس الحلة قوّمت بألف دينار، قد ضربت فيها

стр. 395

الأبشار، وهتكت فيها الأستار، وأخذت من غير حلها. حبابة عن يمينه، وسلّامة عن يساره تغنيّانه، حتى إذا أخذ الشراب منه كل مأخذ قدّ ثوبه، ثم التفت إلى أحداهما فقال: ألا أطير ألا أطير! نعم فطر إلى لعنة الله، وحريق ناره، وأليم عذابه. وأما بنو أمية ففرقة الضلالة، بطشهم بطش جبرية، يأخذون بالظّنة، ويقضون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويحكمون بالشفاعة، ويأخذون الفريضة من غير موضعها، ويضعونها في غير أهلها، وقد بيّن الله أهلها فجعلهم ثمانية أصناف، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ . فأقبل صنف تاسع ليس منها فأخذها كلها. تلكم الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله. وأما هذه الشيع فشيع ظاهرت بكتاب الله، واعلنوا الفرية على الله، لم يفارقوا الناس ببصر نافذ في الدين، ولا بعلم نافذ في القرآن، ينقمون المعصية على أهلها، ويعملون إذا ولّوا بها. يصرون على الفتنة، ولا يعرفون المخرج منها، جفاة عن القرآن، أتباع كهان، يؤملون الدول في بعث الموتى، ويعتقدون الرجعة الى الدنيا، قلدوا دينهم رجلا لا ينظر لهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون. ثم أقبل على أهل الحجاز فقال: يا أهل الحجاز، أتعيرونني بأصحابي وتزعمون انهم شباب؟! وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابا. أما والله إني لعالم بتتايعكم «١» فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم عنكم ما تركت الأخذ فوق ايديكم. شباب والله مكتهلون في شبابهم، غبية عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة وأطلاح «٢» سهر، ينظر الله إليهم في جوف الليل منحنية

стр. 396

أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنه. موصول كلالهم بكلالهم: كلال الليل بكلال النهار. قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم، وأنوفهم وجباههم، واستقلوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السهام قد فوّقت، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد أنتضيت، ورعدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت استخفوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، ومضى الشباب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت عليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله. ثم قال: آه آه (ثلاثا) . ثم بكى ونزل. خطبة قطري بن الفجاءة صعد قطريّ بن الفجاءة منبر الأزارقة- وهو أحد بني مازن بن عمرو بن تميم- فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه ثم قال: أما بعد فإني أحذّركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة وحليت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها، غرّارة ضرارة، خوّانة غدّارة، حائلة زائلة، نافذة بائدة، أكّالة غوّالة، بدّالة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال الله: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً. مع إن امرأ لم يكن منها في حبرة إلا اعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرّائها ظهرا، ولم تطلّه غبية رخاء إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحرى إذا أضحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة وإن جانب منها أعذوذب واحلولى، أمرّ عليه منها جانب وأوبى «١» ، وإن آتت أمرأ من

стр. 397

غضارتها ورفاهتها نعما، أرهقته من نوائبها نقما، ولم يمس أمرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف، غرّارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه، ويبكي عينه، كم واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي اختيال فيها قد خدعته. وكم من ذي أبهّة فيها قد صيرته حقيرا. وذي نخوة قد ردته ذليلا، وكم من ذي تاج قد كبّته لليدين والفم. سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذابها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع «١» حيّها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام. مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجامعها محروب «٢» . مع أن وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطّلع والوقوف بين يدي الحكم العدل، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا، وأوضح آثارا، وأعدّ عديدا أكثف جنودا، واعند عنودا. تعبدوا الدنيا أي تعبد، وآثروها أيّ إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصّغار فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب، بل قد أرهقتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالمصائب. وقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وآثرها، واخلد إليها، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند. هل زودتهم إلا الشقاء، وأحلتهم إلا الضّنك، أو نوّرت لهم إلا الظلمة، أو أعقبتهم إلا الندامة. فهذه تؤثرون أم عليها تحرصون، أم إليها تطمئنون. يقول الله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . فبئست الدار لمن أقام فيها. فاعملوا وأنتم تعلمون إنكم تاركوها لا بد، فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو، وقد قال الله: تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ

стр. 398

آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وذكر الذين قالوا من أشدّ منا قوة. ثم قال: حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فيها فلا يدعون ضيفانا، وجعل لهم من الضريح أجنان، ومن التراب أكفان، ومن الرفات جيران، فهم حيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، إن أخصبوا لم يفرحوا، وإن أقحطوا لم يقطنوا، جميع وهم آحاد، وجيرة وهم أبعاد، متناءون لا يزارون ولا يزورون، حلماء قد ذهبت أضغانهم وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فغعهم، ولا يرجى دفعهم، وكما قال جل وعز: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ . استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسّعة ضيقا، وبالاهل غربة، وبالنور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها: حفاة عراة فرادى: غير أنهم ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى الخلود الأبد. يقول الله: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ . فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله. عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه. خطبة محمد بن سليمان يوم الجمعة وكان لا يغيرها الحمد لله. أحمده واستعينه واستغفره، وأومن به وأتوكل عليه، وأبرأ من الحول والقوة إليه. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. من يعتصم بالله ورسوله فقد اعتصم بالعروة الوثقى، وسعد في الآخرة والأولى. ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله ﷺ ، ويتّبع رضوانه، ويتجنب سخطه، فإنما نحن به وله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثّكم على طاعة الله، وأرضى لكم ما عند الله، فإن تقوى الله أفضل ما تحاثّ الناس عليه،

стр. 399

وتداعوا إليه، وتواصوا به. فاتقوا الله ما استطعتم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. خطبة عبيد الله بن زياد صعد المنبر بعد موت يزيد بن معاوية، وحيث بلغه أن سلمة بن ذؤيب الرياحي قد جمع الجموع يريد خلعه، فقال: يا أهل البصرة انسبوني، فوالله ما مهاجر أبي إلا إليكم، ولا مولدي إلا فيكم، وما أنا إلا رجل منكم. والله لقد ولاكم أبي وما مقاتلتكم إلا أربعون ألفا، فبلغ بها ثمانين ألفا، وما ذريتكم إلا ثمانون ألفا، وقد بلغ بها عشرين ومائة ألف. وأنتم أوسع الناس بلادا، وأكثره جوادا، وأبعده مقادا، وأغنى الناس عن الناس. أنظروا رجلا تولونه أمركم، يكف سفهاءكم، ويجبي لكم فيئكم، ويقسمه فيما بينكم، فإنما أنا رجل منكم. فما أبوا غيره قال: إني أخاف أن يكون الذي يدعوكم إلى تأميري حداثة عهدكم بأمري. خطبة معاوية الهيثم بن عدي، عن أبي بكر بن عيّاش، عن أشياخه قال: لما حضرت معاوية الوفاة ويزيد غائب، دعا معاوية مسلم بن عقبة المري، والضحاك بن قيس الفهري، فقال: أبلغا عني يزيد وقولا له: انظر إلى أهل الحجاز فهم أصلك وعترتك، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد منهم عنك فتعهّده. وانظر إلى أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله عنهم، فإن عزل عامل في كل يوم أهون عليك من سلّ مائة ألف سيف ثم لا تدري علا م أنت عليه منهم. ثم انظر إلى أهل الشام فاجعلهم الشّعار دون الدثار «١» ، فإن رابك من

стр. 400

عدوك ريب فارمه بهم، فإن اظفرك الله بهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، ولا يقيموا في غير ديارهم فيتأدبوا بغير أدبهم. لست أخاف عليك غير عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي، فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذه «١» الورع. وأما الحسين فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه. وأما ابن الزبير فإنه خبّ ضبّ «٢» . وفي غير هذه الرواية: «فإن ظفرت بابن الزبير فقطعه إربا إربا» . فمات معاوية فقام الضحاك بن قيس خطيبا، فقال: «إن أمير المؤمنين معاوية كان أنف العرب وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها، ومخلون بينه وبين ربه، فمن أراد حضوره بعد الظهر فليحضره» . فصلّى عليه الضحاك بن قيس، ثم قدم يزيد ولده، فلم يقدم أحد على تعزيته حتى دخل عليه عبد الله بن همّام السلولي فأنشأ يقول: اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك حاباكا لا رزء أصبح في الأقوام قد علموا ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا أصبحت راعي أهل الدين كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا فانفتح الخطباء للكلام بعد ذلك. خطبة قتيبة بن مسلم الباهلي قام بخرسان خطيبا حين خلع فقال: أتدرون من تبايعون؟ إنما تبايعون يزيد بن ثروان- يعني هبنّقة القيسي كأني بأمير من جاء وحكم، وقد أتاكم يحكم في أموالكم وفروجكم وأبشاركم.

стр. 401

ثم قال: الاعراب وما الأعراب، فلعنة الله على الأعراب. جمعتكم، كما يجتمع قزع الخريف «١» ، من منابت الشّيخ والقيصوم، ومنابت القلقل «٢» ، وجزيرة أيركاوان تركبون البقر، وتأكلون القضب «٣» ، فحملتكم على الخيل، وألبستكم السلاح، حتى منع الله بكم البلاد، وأفاء بكم الفيء. قالوا: مرنا بأمرك. قال: غرّوا غيري. وخطب مرة أخرى فقال: يا أهل العراق، ألست أعلم الناس بكم: أما هذا الحيّ من أهل العالية فنعم الصدقة. وأما هذا الحي من بكر بن وائل فعلجة بظراء لا تمنع رجليها. وأما هذا الحي من عبد القيس فما ضرب العير بذنبه. وأما هذا الحي من الأزد، فعلوج خلق الله وأنباطه. وأيم الله لو ملكت أمر الناس لنقشت أيديهم. وأما هذا الحي من تميم فإنهم كانوا يسمون الغدر في الجاهلية: «كيسان» . قال النمر بن تولب يهجو تميما: إذا ما دعوا كيسان كان كهولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد وخطب مرة أخرى فقال: يا أهل خراسان، قد جربتم الولاة قبلي: أتاكم امية فكان كاسمه أمية الرأي وأمية الدين، فكتب إلى خليفته: إن خراج خراسان وسجستان لو كان في مطبخه لم يكفه. ثم أتاكم بعده أبو سعيد- يعني المهلب بن أبي صفرة- فدوخ بكم ثلاثا، لا تدرون أفي طاعة أنتم أم في معصية. ثم لم يجب فيئا ولم ينك «٤» عدوا. ثم أتاكم بنوه بعده مثل أطباء الكلبة، منهم ابن

стр. 402

الدحمة حصان يضرب في عانة «١» ، ولقد كان أبوه يخافه على أمهات أولاده، ثم قد أصبحتم قد فتح الله عليكم البلاد، وأمن لكم السبل، حتى إن الظعينة لتخرج من مرو إلى سمرقند في غير جواز. خطبة الأحنف بن قيس قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه: يا معشر الأزد وربيعة، انتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر، وأشقاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو. والله لأزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام. فإن استشرى شنآنكم «٢» وأبى حسك صدوركم «٣» ، ففي أموالنا وسعة أحلامنا لنا ولكم سعة. خطبة جامع المحاربي ومن محارب جامع، وكان شيخا صالحا، خطيبا لسنا، وهو الذي قال للحجاج حين بنى مدينة واسط: «بنيتها في غير بلدك، وأورثتها غير ولدك. وكذلك من قطعه العجب عن الإستشارة، والاستبداد عن الإستخارة» . وشكا الحجاج سوء طاعة أهل العراق وتنقّم مذهبهم، وتسخط طريقتهم، فقال جامع: أما إنهم لو أحبوك لأطاعوك، على أنهم ما شنفوك «٤» لنسبك، ولا لبلدك، ولا لذات نفسك، فدع ما يبعدهم منك، إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك.

стр. 403

فقال الحجاج: إني والله ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف. فقال: أيها الأمير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار. فقال الحجاج: الخيار يومئذ لله. فقال: أجل، ولكن لا تدري لمن يجعله الله. فغضب الحجاج فقال: يا هناه، إنك من محارب. فقال جامع: وللحرب سمّينا وكنا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا والبيت للخضري. فقال الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك فاضرب به وجهك. قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك اغضبنا الله. فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله. قال: أجل. وسكن وشغل الحجاج ببعض الأمر، وانسل جامع فمرّ بين صفوف خيل الشام، حتى جاوزهم إلى خيل أهل العراق. وكان الحجاج لا يخلطهم، فأبصر كبكبة فيها جماعة كثيرة من بكر العراق، وقيس لعراق، وتميم العراق، وأزد العراق فلما رأوه إشرأبوا إليه، وبلغهم خروجه فقالوا له: ما عندك؟ دافع الله لنا عن نفسك. فقال: ويحكم غموه بالخلع كما يغمكم بالعداوة ودعوا التعادي ما عاداكم، فإذا ظفرتم به تراجعتم وتعافيتم. أيها التميمي، هو أعدى لك من الأزدي، وأيها القيسي، هو أعدى لك من التغلبي. وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه منكم. وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام فاستجار بزفر بن الحارث. وخطب الحجاج فقال: اللهم أرني الهدى هدى فأتبعه، وأرني الغيّ غيا فأجنبه، ولا تكلني إلى نفسي، فأضل ضلالا بعيدا. والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء.

стр. 404

وخطبة له أيضا الهيثم قال: أنبأني ابن عيّاش عن أبيه قال: خرج الحجاج يوما من القصر بالكوفة، فسمع تكبيرا في السوق، فراعه ذلك، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيه ثم قال: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، وبني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الأماء، والفقع بالقرقر «١» . إني سمعت تكبيرا لا يراد به الله، وإنما يراد به الشيطان. وإنما مثلي ومثلكم ما قال عمرو بن براقة الهمداني: وكنت ذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يال همدان ظالم متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم أما والله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الدابر. خطبة الحجاج بعد دير الجماجم خطب في أهل العراق بعد دير الجماجم فقال: يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والمسامع، والأطراف والأعضاء، والشّغاف، ثم أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثم ارتفع فعشّشّ، ثم باض وفرّخ، فحشاكم نفاقا وشقافا، واشعركم خلافا، واتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤامرا تستشيرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو تعظكم وقعة، أو يحجزكم إسلام، أو ينفعكم بيان. ألستم أصحابي بالأهواز، حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا

стр. 405

أرميكم بطرفي: وأنتم تسللون لواذا، وتنهزمون سراعا. ثم يوم الزاوية، كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم، وبراءة الله منكم، ونكوص وليكم عنكم، إذ ولّيتم كالأبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى اعطانها، لا يسأل المرء عن أخيه ولا يلوي الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، ووقصتكم الرماح. ثم يوم دير الجماجم، وما يوم دير الجماجم؟! به كانت المعارك والملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيلة، ويذهل الخليل عن خليله. يا أهل العراق، الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والنزوة بعد النزوات! إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم وإن امنتم أرجفتم وإن خفتم نافقتم. لا تذكرون حسنة، ولا تشكرون نعمة. هل استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استفزّكم عاص، أو استنصركم ظالم، واستعضدكم خالع إلا تبعتموه وآيتموه، ونصرتموه ورجبتموه. يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره. يا أهل العراق، ألم تنهكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟! ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح «١» عن فراخه، ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشام، أنتم الجنّة والرداء، العّدة والحذاء. وقال رجل لحذيفة: أخشى أن أكون منافقا. فقال: لو كنت منافقا لم تخش ذلك. وقال آخر: اعلم أن المصيبة واحدة إن صبرت، وإن لم تصبر فهما مصيبتان. ومصيبتك بأجرك، اعظم من مصيبتك بميتك.

стр. 406

وقال صالح بن عبد القدّوس: إن يكن ما به أصبت جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجلّ وقال آخر: تعز عن الشيء إذا منعته، لقلة ما يصحبك إذا أعطيته، وما خفّف الحساب وقلله، خير مما كثره وثقله. قال: وحدثنا أبو بكر الهذلي- واسمه سلمي- قال: إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل وطاب: إذا كان حلالا، وكثرت الأيدي عليه، وسمي الله تعالى في أوله، وحمد في آخره. خطبة كلثوم بن عمرو أما بعد فإنه لا يخبر عن فضل المرء أصدق من تركه تزكية نفسه، ولا يعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم برغبته، وائتمانه إياهم على حرمته. خطبة يزيد بن الوليد قالوا: ولما قتل يزيد بن الوليد ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، قام خطيبا، بعد أن حمد الله واثنى عليه، ثم قال: والله يأيها الناس، ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا، على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لها، ولقد خسرت إن لم يرحمني ربي، ويغفر لي ذنبي، ولكني خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى الله وسنّة نبيه، لما هدمت معالم الهدى، وأطفىء نور التقى، وظهر الجبار العنيد، وكثرت حوله الحزق والجنود، المستحلّ لكل حرمة، والراكب لكل بدعة. مع أنه والله ما كان يؤمن بيوم الحساب، ولا يصدق بالثواب والعقاب. وإنه لابن عمي في النسب، وكفيي في الحسب. فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من

стр. 407

أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد، بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي. أيها الناس، إن لكم علي ألا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري «١» نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيته زوجا ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ فقر ذلك البلد وخصاصة أهله، بما يغنيهم، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممن هو أحوج إليه منه. ولا أجمّركم «٢» في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهاليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا احمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم واقطع نسلهم. ولكم عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدّر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم. فإن أنا وفيت فعليكم السمع والطاعة، وحسن الموازرة والمكانفة «٣» ، وإن أنا لم أوف لكم فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحدا يقوم مقامي ممن يعرف بالصلاح، يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم، فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يايعه. ودخل في طاعته. أيها الناس: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. فلما بويع مروان بن محمد نبشه وصلبه. وكانوا يقرؤن في الكتب: «يا مبذر الكنوز، ويا سجادا بالأسحار، كانت ولايتك لهم رحمة، وعليهم حجة، أخذوك فصلبوك» . خطبة يوسف بن عمر قام خطيبا يوسف بن عمر فقال:

стр. 408

اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمّل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حق منعه، أصابه حراما، وأورثه، عدوا، فاحتمل أصره «١» ، وباء بوزره، وورد على به آسفا لاهفا، قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. كلام هلال بن وكيع، وزيد بن جبلة والأحنف بن قيس عند عمر بشار بن عبد الحميد، عن أبي ريحانة قال: وفد هلال بن وكيع، والأحنف بن قيس، وزيد بن جبلة على عمر ﵀، فقال هلال بن وكيع: يا أمير المؤمنين، أنّا لباب من خلفنا من قومنا، وغرة من وراءنا من أهل مصرنا، وإنك إن تصرفنا بالزيادة في أعطياتنا، والفرائض لعيالاتنا، يزد ذلك الشريف منا تأميلا، وتكن لذوي الأحساب أبا وصولا. فإنّا أن نكن مع ما نمتّ به من فضائلك، وندلي به من أسبابك، كالجدّ «٢» الذي لا يحلّ ولا يرحل، نرجع بآنف مصلومة وجدود عائرة. فمحنا «٣» وأهالينا بسجل من سجالك المترعة. وقام زيد بن جبلة فقال: يا أمير المؤمنين، سود الشريف وأكرم الحسيب، وأزرع عندنا من أياديك ما نسد به الخصاصة، ونطرد به الفاقة فإنّا بقف «٤» من الأرض، يابس الأكناف مقشعّر الذروة، لا شجر فيه ولا زرع. وإنّا من العرب اليوم إذ أتيناك بمرأى ومسمع. وقام الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إن مفاتح الخير بيد الله، والحرص قائد الحرمان. فاتق الله فيما لا يغنى عنك يوم القيامة قيلا ولا قالا، واجعل

стр. 409

بينك وبين رعيتك من العدل والأنصاف، سببا يكفيك وفادة الوفود، واستماحة الممتاح، فإن كل امرىء إنما يجمع في وعائه، إلا الأقل ممن عسى أن تقتحمه الأعين، وتخونهم الألسن، فلا يوفد إليك يا أمير المؤمنين. خطبة زياد وخطب زياد فقال. استوصوا بثلاثة خيرا: الشريف، والعالم، والشيخ. فوالله لا يأتيني شريف بوضيع استخفّ به إلا انتقمت له منه، ولا يأتيني شيخ بشاب استخف به إلا أوجعته ضربا، ولا يأتيني عالم بجاهل استخفّ به إلا نكلت به. علي بن سليم قال: قال حاتم طي لعدي ابنه: أي بني، إن رأيت إن الشر يتركك إن تركته فاتركه. قال: وقال عدي بن حاتم لابن له: قم بالباب فامنع من لا تعرف، وأذن لمن تعرف. فقال: لا والله، لا يكونن أول شيء وليته من أمر الدنيا منع قوم من طعام. وقال مديني لعبد الملك بن مروان، ودخل عليه بنوه: أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك، وأرى بنيك فيك ما أراك في أبيك. وقال بعض الأعراب وهو يرقص بعض أولاد الخلافة ويقول: إنّا لنرجوك لتيك تيكا ... لها نرجيك ونجتبيكا هي التي نأمل أن تأتيكا ... وأن يرى ذاك أبوك فيكا كما رأى جدك في أبيكا وقال ابن شبرمة: ذهب العلم إلا غبرات «١» في أوعية سوء.

стр. 410

الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، عن أبيه. قال: خرج الحجاج إلى القاوسان فإذا هو بإعرابي في زرع فقال له: ممن أنت؟ فقال: من أهل عمان. قال: فمن أي القبائل؟ قال: من الأزد. قال: كيف علمك بالزرع؟ قال: إني لأعلم من ذلك علما. قال: فأي الزرع خير؟ قال: ما غلظ قصبه، واعتمّ نبته، وعظمت حبته، وطالت سنبلته. قال: فأي العنب خير؟ قال: ما غلظ عموده، واخضر عوده، وعظم عنقوده. قال: فما خير التمر؟ قال: ما غلظ لحاؤه، ودق نواه، ورق سحاه. من اللغز في الجواب قالوا: كان الحطيئة يرعى غنما له، وفي يده عصا. فمر به رجل فقال: يا راعي الغنم ما عندك؟ قال: عجراء «١» من سلم يعني عصاه. قال: إني ضيف. فقال الحطيئة: للضّيفان أعددتها. قال ابن سليم: قال قيس بن سعد: اللهم أرزقني حمدا ومجدا، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال. وقال خالد بن الوليد لأهل الحيرة: أخرجوا الي رجلا من عقلائكم أسأله عن بعض الأمور. فأخرجوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيّان بن بقيلة الغساني، وهو الذي بنى القصر، وهو يومئذ ابن خمسين وثلاثمائة سنة فقال له خالد: من أين أقصى أثرك؟ قال من صلب أبي. قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي. قال: فعلام أنت؟ قال على الأرض. قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: ما سنّك؟ قال: عظم. قال: أتعقل، لا عقلت؟ قال: أي والله وأقيّد. قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال: كم أتى عليك من الدهر؟ فقال: لو أتى علي شيء لقتلني. قال: ما تزيدني مسألتك إلا غمّى «٢» ؟ قال: ما أجبتك إلا عن مسألتك. قال: اعرب انتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبط استعربنا. قال: فحرب انتم أم سلم؟ قال: سلم. قال: فما بال هذه الحصون؟ قال: بنيناها للسفيه حتى يجيء

стр. 411

الحليم فينهاه. قال: كم أتت عليك سنة؟ قال: خمسون وثلاثمائة. قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها على رأسها ولا تتزود إلا رغيفا وغحدا، فلا تزال في قرى مخصبة متواترة حتى ترد الشام. ثم قد اصبحت خرابا يبابا، وذلك دأب الله في العباد والبلاد. قال: وأتى أزهر بن عبد الحارث رجل من بني يربوع، فقال: ألا أدخل؟ قال: وراءك أوسع لك. قال: قد أحرقت الشمس رجلي. قال: بل عليهما تبردا. فقال: يا آل يربوع! قال: ذليلا دعوت. يا بني دريص، أطعمتكم عاما أو جلّة، فأكلتم جلتكم، وأغرتم على جلة الضيفان. وقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أمتفرقا كان فأجمعه. قال: أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بل أقرؤه وأنا انظر إليه. قال: أفتحفظه؟ قال: أخشيت فراره فأحفظه. قال: ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه. قال: إنك مقتول فكيف تلقى الله؟. قال: ألقى الله بعملي وتلقاه أنت بدمي. وقال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني، أزحم العلماء بركبتيك، ولا تجادلهم فيمقتوك، وخذ من الدنيا بلاغك، وأبق فضول كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كلّ الرفض فتكون عيالا، وعلى أعناق الرجال كلّا، وصم صوما يكسر شهوتك، ولا تصم صوما يضر بصلاتك، فإن الصلاة أفضل من الصوم، وكن كالاب لليتيم، وكالزوج للأرملة، ولا تحاب القريب، ولا تجالس السفيه، ولا تخالط ذا الوجهين البتة. وسمع الأحنف رجلا يطري يزيد عند معاوية، فلما خرج من عنده اسحنفر «١» في ذمهما، فقال له الأحنف: مه، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها.

стр. 412

وقال سعيد بن أبي العروبة: لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان، على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر، أحب إلي من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين، وذا قولين مختلفين. وقال أيوب السخيتاني: النمام ذو الوجهين أحسن الاستماع، وخالف في الإبلاغ. حفص بن صالح الأزدي عن عامر الشعبي، قال: كتب عمر إلى معاوية: «أما بعد فإني كتبت إليك بكتاب في القضاء لم آلك ونفسي فيه خيرا. الزم خمس خصال يسلم لك دينك، وتأخذ فيه بأفضل حظك: إذا تقدم إليك خصمان فعليك بالبينة العادلة، أو اليمين القاطعة. وأذن الضعيف حتى يشتّد قلبه وينبسط لسانه. وتعهد الغريب، فإنك إن لم تتعهده ترك حقه، ورجع إلى أهله، وإنما ضيع حقه من لم يرفق به. وآس بينهم في لحظك وطرفك، وعليك بالصلح بين الناس ما لم يستبن لك فصل القضاء» . أبو يوسف، عن المرزمي، عمن حدثه عن شريح، إن عمر بن الخطاب ﵀ كتب إليه: «لا تشار ولا تمار ولا تضار، ولا تبع ولا تبتع في مجلس القضاء ولا تقض بين آثنين وأنت غضبان» . وقال عمر بن عبد العزيز: إذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل: علم ما كان قبله، ونزاهة عن الطمع، وحلم عن الخصم، واقتداء بالأئمة، ومشاورة أهل الرأي. محمد بن حرب الهلالي قال: لما ولي يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان، قال له: «إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا. فلا تتكلن على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك. وإياك مني قبل أن أقول إياي منك، فإن الظن إذا أخلف مني فيك أخلف منك في. وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه. وقد اتعبك أبوك، فلا تريحن نفسك. وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك أحاديث غدك، تسعد إن شاء الله.

стр. 413

مما قالوا في التشديق وفي ذكر الأشداق . وقال المازني: من كان يعلم أن بشرا ملصق ... فالله يجزيه وربك أعلم «١» ينبيك ناظره وقلة لحمه ... وتشادق فيه ولون اسحم إن الصريح المحض فيه دلالة ... والعرق منكشف لمن يتوسم أما لسانك واحتباؤك قاعدا ... فزرارة العدسي عندك أعجم «٢» إني لأرجو أن يكون مقالهم ... زورا وشانئك الحسود المرغم وفي مثل ذلك يقول مورق العبد: قد علم الغربيّ والمشرّق ... إنك في القوم صميم ملصق عوداك نبع وهشيم بروق «٣» ... وأنت جدب وربيع مغدق وأنت ليل ونهار مشرق ... لولا عجوز قحمة ودردق «٤» وصاحب جم الحديث مونق ... كيف الفوات والطلوب مورق شيخ مغيظ وسنان يبرق ... وحنجر رحب وصوت مصلق وشدق ضرغام وناب يحرق ... وشاعر باقي الوسوم مفلق

стр. 414

باب في صفة الرائد الغيث، وفي نعته للأرض [بالكلام الغريب] قال أبو المجيب: وصف رائد أرضا جدبة فقال: «اغبّرت جادتها. ودرّع مرتعها، وقضم شجرها، ورقت كرشها، وخور عظمها، والتقى سرحاها، وتميّز أهلها، ودخل قلوبهم الوهل، وأموالهم الهزل» . الجادة والحرجة والمجبة معناه كله: وسط الطريق ومعظمه ومنهجه. والتقى سرحاها، يقول إذا أكل كل سارح ما يليه التقيا عند الماء، وإذا لم يكن للجمال مرعى إلا الشجر وحده رقت أكراشه. وقوله تميز أهلها، تفرقوا في طلب الكلأ. ومرتع مدرع، إذا كان بعيدا من الماء ومرتع قاصر، إذا كان قريبا من الماء. ويقولون ماء مطلب وماء مطنب إذا ألجأهم إلى طلبه من بعده. ووصف أعرابي أرضا أحمدها فقال: «خلع شيحها، وأبقل رمثها، وخضب عرفجها، واتسق نبتها، واخضرّت قريانها «١» ، وأخوصت

стр. 415

بطنانها «١» ، واستحلست آكامها «٢» ، واعتم نبت جراثيمها «٣» ، وأجرت بقلتها ودرّقتها وخبازتها «٤» ، واحورّت خواصر إبلها، وشكرت حلوبتها وسمنت قتوبتها، وعمد ثراها، وعقدت تناهيها، وأماهت ثمادها «٥» ووثق الناس بصائرتها» . قال: يقال: خلع الشيح، إذا أورق. والخالع من العضاة: الذي لا يسقط ورقه أبدا كالسدر، فإنه لا يتجرد، وكل شجر له شوك فهو عضاة، والواحد عضة، إلا القتاد، ولا يعبل إلا الأرطي. وأخوصت بطنانها، إذا نبت فيه قضبان دقاق. وخضب عرفجها، يقول: اسود. وأخوص الشجر، وهو الذي لا شوك له. ومن العضاة قشره وقصده. فإذا يبست فهي عود. واتسق نبتها، أي تتام. وأجرت بقلتها، أي نبت فيها مثل الجراء. والعلفة: ثمرة الطلح، والحبلة للسلم. واحورّت خواصر إبلها، يقول: استرخت عن كثرة الرعي. وشكرت حلوبتها، يقول غزرت، يقال: شكرت الإبل والغنم، إذا تملأت من الربيع، وهي إبل شكارى، ويقال ضرة شكرى، إذا امتلأت من اللبن، والضرة: أصل الضرع. وقوله: عمد ثراها، وذلك إذا قبضت منه على شيء فتعقد واجتمع من ندوته. يقال عمد الثرى يعمد عمدا، وهو ثرى عمد. فالعمد: إن يجاوز الثرى المنكب، وهو أن يقيس السماء بالمرفق فيقول: بلغت وضح الكف، ثم الرسغ، ثم العظمة، ثم المرفق، ثم ينصف العضد ثم يبلغ المنكب. فإذا بلغ المنكب قيل عمد الثرى. فيقال إن ذلك حيا سنين. والتناهي، واحدتها تنهية، وهي مستقر السيل حيث ينتهي الماء. وعقدها: أن يمر السيل مقبلا حتى إذا انتهى منتهاه دار بالإباطح حتى يلتقي طرفا السيل. والصائرة: الكلأ والماء. ! قالوا: قاتل الحجاج ابن الأشعث في المربد، فخطب ابن الأشعث فقال:

стр. 416

«أيها الناس، إنه لم يبق من عدوكم إلا كما يبقى من ذنب الورغة، تضرب به يمينا وشمالا، فما تلبث أن تموت» . فمر به رجل من بني قشير فقال: قبح الله هذا ورأيه، يأمر أصحابه بقلة الإحتراس من عدوهم، ويعدهم الأضاليل، ويمنيهم الأباطيل. وناس كثير يرون أن الأشعث هو المحسن دون القشيري. وقال بشار: وحمد كعصب البرد حمّلت صاحبي ... إلى ملك للصالحات قرين وقال أيضا: وبكر كنوّار الرياض حديثها ... يروق بوجه واضح وقوام أبو الحسن قال: كان معاوية يأذن للأحنف أوّل من يأذن، فأذن له يوما، ثم أذن لمحمد بن الأشعث حتى جلس بين معاوية والأحنف، فقال له معاوية: لقد أحسست من نفسك ذلا. إني لم آذن له قبلك إلا ليكون إلي في المجلس دونك، وإنّا كما نملك أموركم كذلك نملك تأديبكم، فأريدوا ما يراد بكم، فإنه أبقى لنعمتكم، وأحسن لأدبكم» . وقال النبي ﷺ لأصيل الخزاعي: «يا أصيل، كيف تركت مكة؟» . قال «تركتها وقد أحجن ثمامها، وأمشر سلمها، وأغدق أذخرها «١» » . فقال ﵇: «دع القلوب تقرّ» . وسأل أبو زياد الكلابي الصقيل العقيلي، حين قدم من البادية، عن طريقه، قال: انصرفت من الحج فأصعدت إلى الرّبذة «٢» في مقاط الحرة، و

стр. 417

صلالا من الربيع «١» ، من خضيمة «٢» حمض، وصليّان وقرمل، حتى لو شئت لأنخت إبلي في أذراء القفعاء، فلم ازل في مرعى لا أحسّ منه شيئا حتى بلغت أهلي. وقال سلام الكلابي: رأيت ببطن فلج منظرا من الكلأ لا أنساه، وجدت الصفراء والخزامى تضربان نحور الإبل، تحتهما قفعاء وحريث قد اطاع، وامسك بأفواه المال- أي لا تقدر أن ترفع رؤوسها- وتركت الحوران ناقعة في الأجارع «٣» » . وذم أرضا فقال: «وجدنا أرضا مثل جلد الأجرب، تصأى حياتها، ولا يسكت ذئبها، ولا يقيّد راكبها» . وقال النّضر: قلت لأبي الخضير: ما أعجب ما رأيت من الخصب قال: كنت أشرب رثيئة تجرها الشفتان جرا، وقارصا قمارصا إذا تجشّأت جدع أنفي، ورأيت الكمأة تدوسها الإبل بمناسمها، والوضر يشمه الكلب فيعطس. وقال الأصمعي: قال المنتجع بن نبهان: قال رجل من أهل البادية: كنت أرى الكلب يمر بالخصفة عليها الخلاصة فيشمها ويمضي عنها. محمد بن كناسة، قال أخبرني بعض فصحاء أعراب طيء قال: بعث قوم رائدا فقالوا: ما وراءك؟ قال: «عشب وتعاشيب، وكمأة متفرقة شبب وتقلعها بأخفافها النيب «٤» فقالوا له لم تضع شيئا هذا كذب. فأرسلوا آخر فقالوا: ما وراءك قال: عشب ثأد مأد «٥» ، موليّ عهد «٦» ، متدارك جعد «٧» ، أفخاذ نساء بني سعد، تشبع منه الناب وهي تعد» .

стр. 418

قال لأن النبت إذا كان قليلا وقفت عليه الإبل، وإذا كان كثيرا أمكنها الأكل وهي تعدو. قال وبعث رجل أولاده يرتادون في خصب، فقال أحدهم: «رأيت بقلا وماء غيلا، يسيل سيلا، وخوصة تميل ميلا، يحسبها الرائد ليلا» . وقال الثاني: «رأيت ديمة على ديمة، في عهاد «١» غير قديمة، وكلأ تشبع منه الناب قبل الفطيمة» . وقال ابو مجيب: قيل لأوفى بن عبيد: ايت وادي كذا وكذا فارتده لنا. فقال: «وجدت به خشبا هرمى، وعشبا شرما» . قال: والهرمى: الذي ليس له دخان إذا أوقد، من يبسه وقدمه. والشرم. العشب الضخم. يقال: هذا عشب شرم. وقام هرم بن زيد الكلبي: إذا أحيا الناس قيل: «قد أكلأت الأرض، وأحر نفشت العنز لأختها، ولحس الكلب الوضر» . قال: وأحر نفاش العنز: أن ينتفش شعرها، وتنصب روقيها في أحد شقيها لتنطح صاحبتها، وإنما ذلك من الأشر، حين ازدهيت وأعجبتها نفسها. ولحس الكلب الوضر، لما يفضلون منه، لأنهم في الجدب لا يدعون للكلب شيئا يلحسه. وقال أبو مجيب: إذا أجدب الرائد، قال: «وجدت أرضا أرمى، وأرضا عشمى» . فأما العشمى: فالتي يرى فيها الشجر الاعشم، وإنما يعشم من الهبوة. ويقال للشيخ: إنما هو عشمة، لاستشنان جلده، وجفوف رأسه، وثلوب جسمه. فأما الأرمى فالتي قد أرمت، فليس فيها أصل شجر. قال أبو عبيدة: قال بعض الأعراب: «تركت جرادا كأنها نعامة باركة» ، يريد التفاف نبتها. وهي من بلاد بني تميم.

стр. 419

وقيل لأعرابي: ما وراءك؟ قال: «خلفت أرضا تظالم معزاها» . يقول: سمنت وأشرت فتظالمت. وتقول العرب: «ليس أظلم من حية» وتقول: «هو أظلم من ورل» و «أظلم من ذئب» ، كما تقول: «اغدر من ذئب» ، وكما يقولون: «أكسب من ذئب» . قال الأسدي: لعمرك لو أني أخاصم حية ... إلى فقعس ما أنصفتني فقعس إذا قلت مات الداء بيني وبينهم ... أتى حاطب منهم لآخر يقبس فما لكم طلسا إلي كأنكم ... ذئاب الغضى والذئب بالليل أطلس وقال الفزاري: ولو أخاصم أفعى نابها لثق ... أو الأساود من صمّ الأهاضيب أو لو أخاصم ذئبا في أكيلته «١» لجاءني جمعهم يسعى مع الديب يقول: بلغ من ظلم قومنا لنا، أنّا لو خاصمنا الذئاب والحيات، وبهما يضربون المثل في الظلم، لقضوا لهما علينا. وقالت العرب: «إذا شبعت الدقيقة لحست الجليلة» هذا في قلة العشب، إنما تلحسه الناقة لقلته وقصره. وحدثنا أبو زياد الكلابي قال: بعث قوم رائدا لهم بعد سنين تتابعت عليهم، فلما رجع إليهم قالوا له: ما وراءك؟ قال: «رأيت بقلا يشبع منه الجمل البروك، وتشكت منه النساء، وهمّ الرجل بأخيه» . أما قوله: «الجمل البروك» فيقول: لو قام قائما لم يتمكن منه لقصره. وأما قوله «وتشكت منه النساء» فإنه مأخوذ من الشكوة، وجمع الشكوة شكاء. والشكوة: مسك السخلة ما دامت ترضع. والشكاء أصغر من الوطاب. يقول: لم يكثر اللبن بعد فيمخض في الوطاب. وقوله: «وهمّ الرجل بأخيه» أي همّ

стр. 420

أن يدعوه إلى منزله كما كانوا يصنعون في أيام الخصب. وقال غيره: الخصب يدعو إلى طلب الطوائل، وغزو الجيران، وإلى أن يأكل القوي من هو أضعف منه. وقالوا في الكلاء: كلأ تشبع منه الإبل معقلة، وكلأ حابس فيه كمرسل. يقول: من كثرته سواء عليك أحبستها أم أرسلتها. ويقولون: «كلأ تيجع منه كبد المصرم «١» » . وأنشد الباهلي: ثم مطرنا مطرة رويّة ... فنبت البقل ولا رعية وأنشد الأصمعي: فجنّبت الجيوش أبا زنيب ... وجاد على مسارحك السحاب يجوز أن يكون دعا عليه، ويجوز أن يكون دعا له. وقال الآخر: أمرعت الأرض، لو أن مالا ... لو أن نوقا لك أو جمالا أو ثلّة من غنم أما لا وقال ابن الأعرابي: سأل الحجاج رجلا قدم من الحجاز عن المطر، فقال: «تتابعت علينا الأسمية «٢» حتى منعت السّفار، وتظالمت المعزى واحتلبت الدّرة بالجرّة» . لقيط، قال: دخل رجل على الحجاج فسأله عن المطر، فقال: ما أصابني من مطر، ولكني سمعت رائدا يقول: «هلم أظعنكم إلى محله تطفأ فيها النيران، وتتنافس فيها المعزى، وتبقى بها الجرّة حتى تنزل الدرّة» . أبو زيد، قال: تخاصمت إمرأتان إلى ابنة الخسّ في مراعي أبويهما،

стр. 421

فقالت الأولى: إبل أبي ترعى الإسليح. فقالت ابنة الخس: رغوة وصريح وسنام إطريح «١» . وقالت الأخرى: مرعى إبل أبي الخلّة. قالت ابنة الخس: سريعة الدّرة والجرّة. وقال الأحوص بن جعفر بعدما كان كبر وعمى، وينوه يسوقون به: أيّ شيء ترتعي الإبل؟ فقالوا: غرف ال؟ مام والضّعة، قال: سوقوا. ثم إنها عادت فارتعت بمكان آخر، فقال: أي شيء ترتعي الإبل؟ قالوا: العضاة والقضة «٢» . قال: عود عويد شيع بعيد. وقال: سوقوا. حتى إذا بلغوا بلدا آخر قال: أي شيء ترتعي الإبل؟ قالوا: نصيّا وصلّيانا. قال: مكفتة لرغاها، مطولة لذرها، أرعوا واشبعوا. ثم سألهم فقال: أي شيء ترتعي الإبل؟ فقالوا: الرّمث. قال: خلقت منه وخلق منها. قال أبو صاعد الكلايي: وزعم الناس إن أول ما خلقت الإبل من، الرمث. وعلامة ذلك إنك لا ترى دابة تريده إلا الإبل. قال: وقيل لرؤبة: ما وراءك؟ قال: الثرى يابس، والمرعى عابس. قال: وقالت امرأة من الأعراب: أصبحنا ما ترقد لنا فرس، ولا ينام لنا حرس. قالوا: كان أبو المجيب كثيرا ما يقول: لا أرى إمرأة تصبّر عينيها، ولا شريفا يهنأ بعيرا، ولا إمرأة تلبس نطاق يمنة. وخطب بلال بن أبي بردة بالبصرة، فعرف انهم قد استحسنوا كلامه، فقال: أيها الناس لا يمنعنكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا احسن ما تسمعون منا» . وقال عمر بن عبد العزيز: ما قوم اشبه بالسلف من الأعراب، لولا جفاء فيهم.

стр. 422

وقال غيلان ابو مروان: إذا أردت أن تتعلم الدعاء، فاسمع دعاء الأعراب. وقال رجل من بني سليم، وسأله الحجاج عن المطر فقال: أصابتنا سحائب ثلاث: بحوران بقطر وقطر كبار، فكان الصّغار للكبار لحمة. ثم أصابتنا الثانية بسواء فلبّدت الدّماث «١» ودحضت العزاز «٢» وصدعت الكمأة عن أماكنها. ثم أصابتنا الثالثة بالقريتين فملأت الإخاذ «٣» ، وأفعمت كل واد، وأقبلنا في ماء يجر الضبع ويستخرجها من وجارها «٤» . وقال رجل من بني أسد لمحمد بن مروان وسأله عن المطر فقال: ظهر الإعصار، وكثر الغبار، وأكل ما أشرف من الجنبة «٥» وأيقنّا أنه عام سنة. [من نوادر الأخبار والأشعار] قال أبو الحسن عتّاب: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، إن الإسكندر كان لا يدخل مدينة إلا هدمها، وقتل أهلها، حتى مر بمدينة كان مؤدبه فيها، فخرج إليه، فألطفه الإسكندر وأعظمه، فقال له: «أيها الملك، إن أحق من زيّن لك أمرك وواتاك على كل ما هويت لأنا، وإن أهل هذه المدينة قد طمعوا فيك لمكاني منك، وأحب ألا تشفعني فيهم، وأن تخالفني في كل ما سألتك لهم» . فأعطاه الإسكندر من ذلك ما لا يقدر على الرجوع عنه. فلما توثق منه قال: «فإن حاجتي أن تدخلها وتخربها وتقتل أهلها» . فقال الإسكندر: ليس إلى ذلك سبيل، ولا بد من مخالفتك.

стр. 423

وقال علي بن أبي طالب ﵁: «أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج» . وقال يزيد بن المهلب، وقد طال عليه حبس الحجاج: والهفاه على فرج في جبهة اسد، وطليّة بمائة ألف. وقال الأصمعي: دخل درست بن رباط الفقيمي، على بلال بن أبي بردة وهو في الحبس، فعلم بلال أنه شامت به فقال بلال: ما يسرني بنصيبي من المكروه حمر النعم. فقال درست: فقد أكثر الله لك منه. قال الهيثم بن عدي: كان عدي. سجّان يوسف بن عمر يرفع إلى يوسف بن عمر أسماء الموتى، فقال له عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري: أقبض هذه العشرة الآلاف الدرهم، وارفع اسمي في الموتى. قال: فرفع اسمه في الموتى فقال له يوسف بن عمر: ويحك جئني به. فرجع إليه فأعلمه فقال له: ويحك، اتق الله فيّ، فإني أخاف القتل. قال: وأنا أيضا أخاف ما تخاف. ثم قال: قتلك أهون عليّ من قتلي، ولا بد من قتلك. فوضع على وجهه مخدة فذهبت نفسه مع المال. وأما عبد الله بن المقفع «١» فإن صاحب الاستخراج لما ألح عليه في العذاب، قال لصاحب الإستخراج: أعندك مال وأنا أربحك ربحا ترضاه؟ وقد عرفت وفائي وسخائي وكتماني للسر، فعيني مقدار هذا النجم. فأجابه إلى ذلك، فلما صار له مال ترفق به مخافة أن يموت تحت العذاب فيتوى ماله. وقال رجل لعمرو الغزال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ. فقال: لو أخبرتني أي آية كنت فيها لأخبرتك كم بقي من الليل.

стр. 424

وسمع مؤرّج البصري رجلا يقول: أمير المؤمنين يردّ على المظلوم. فرجع إلى مصحفه فرد على براءة: «بسم الله الرحمن الرحيم» . وكان عبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه يعطش، وقيل له: إن شربت الماء مت. فأقبل ذات يوم بعض العوّد، فقال: كيف حال أمير المؤمنين؟ فقال: أنا صالح والحمد لله. ثم أنشأ يقول: ومستخبر عنا يريد بنا الردى ... ومستخبرات والدموع سواجم ويلكم اسقوني ماء وإن كان فيه تلف نفسي. فشرب ثم مات. وكان حبيب بن مسلمة الفهريّ رجلا غزّاء للترك، فخرج ذات مرة إلى بعض غزواته، فقالت له إمرأته: أين موعدك؟ قال: سرادق الطاغية أو الجنة إن شاء الله. قالت: إني لأرجو أن اسبقك إلى أيّ الموضعين كنت به. فجاء فوجدها في سرادق الطاغية تقاتل الترك. ولما مدح الكميت بن زيد الأسدي مخلّد بن يزيد بن المهلب، فقال له ابن بيض: إنك يا أبا المستهلّ لكجالب التمر إلى هجر! قال: نعم، ولكن تمرنا أجود من تمركم. وكان السيد الحميري «١» مولعا بالشراب، فمدح أميرا من أمراء الأهواز، ثم صار اليه بمديحه له، فلم يصل إليه. وأغبّ الشراب، فلما كان ذات يوم شرب ثم وصل إليه، فجلس من بعد، فقرّبه وشمّ منه ريح الشراب فقال: ما كنت أظن أبا هاشم يفعل هذا، ولكن يحتمل لمادح رسول الله ﷺ أكثر من هذا- يمازحه- ثم قال: يا جارية هلمي الدواة. ثم كتب إلى بعض وكلائه: ادفع إلى أبي هاشم مائتي دورق ميبختجا «٢» . فقال السيد: لقد كنت أظن الأمير أبلغ ما هو. قال: وأي شيء رأيت من العي؟ قال: جمعك بين حرفين

стр. 425

وأنت تجتزي بأحدهما، أمح هذه الخبيثة «نحتجا» ودع «ميا» على حالها. ففعل، وحمل الكتاب فأخذها عبيطا «١» . عبد الله بن فائد قال: قالت إمرأة الحضين بن المنذر للحضين: كيف سدت قومك وأنت بخيل وأنت دميم؟ قال: لأني سديد الرأي، شديد الإقدام. قال: وقال مسلمة بن عبد الملك لهشام بن عبد الملك: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل وأنت جبان؟ قال: لأني حليم وأني عفيف. وقال زبّان: إن بني بدر يراع جوف ... كل خطيب منهم مؤوف «٢» اهوج لا ينفعه التثقيف وقال لبيد بن ربيعة: وأبيض يجتاب الخروق على الوجى ... خطيبا إذا التف المجامع فاصلا «٣» وقال في تفصيل العلم والخطابة، وفي مدح الإنصاف، وذم الشّغب: وقد بلوتك وابتليت خليقتي ... ولقد كفاك معلمي تعليمي وقال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب يتأكلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب وقال زيد بن جندب: ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم ... عن الجدال وأغناهم عن الخطب
следующие страницы →