Полный текст (863 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فقالت الأولى: إبل أبي ترعى الإسليح. فقالت ابنة الخس: رغوة وصريح وسنام إطريح «١» . وقالت الأخرى: مرعى إبل أبي الخلّة. قالت ابنة الخس:
سريعة الدّرة والجرّة.
وقال الأحوص بن جعفر بعدما كان كبر وعمى، وينوه يسوقون به: أيّ شيء ترتعي الإبل؟ فقالوا: غرف ال؟ مام والضّعة، قال: سوقوا. ثم إنها عادت فارتعت بمكان آخر، فقال: أي شيء ترتعي الإبل؟ قالوا: العضاة والقضة «٢» . قال: عود عويد شيع بعيد. وقال: سوقوا. حتى إذا بلغوا بلدا آخر قال: أي شيء ترتعي الإبل؟ قالوا: نصيّا وصلّيانا. قال: مكفتة لرغاها، مطولة لذرها، أرعوا واشبعوا. ثم سألهم فقال: أي شيء ترتعي الإبل؟
فقالوا: الرّمث. قال: خلقت منه وخلق منها.
قال أبو صاعد الكلايي: وزعم الناس إن أول ما خلقت الإبل من، الرمث. وعلامة ذلك إنك لا ترى دابة تريده إلا الإبل.
قال: وقيل لرؤبة: ما وراءك؟ قال: الثرى يابس، والمرعى عابس.
قال: وقالت امرأة من الأعراب: أصبحنا ما ترقد لنا فرس، ولا ينام لنا حرس.
قالوا: كان أبو المجيب كثيرا ما يقول: لا أرى إمرأة تصبّر عينيها، ولا شريفا يهنأ بعيرا، ولا إمرأة تلبس نطاق يمنة.
وخطب بلال بن أبي بردة بالبصرة، فعرف انهم قد استحسنوا كلامه، فقال: أيها الناس لا يمنعنكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا احسن ما تسمعون منا» .
وقال عمر بن عبد العزيز: ما قوم اشبه بالسلف من الأعراب، لولا جفاء فيهم.
стр. 422
وقال غيلان ابو مروان: إذا أردت أن تتعلم الدعاء، فاسمع دعاء الأعراب.
وقال رجل من بني سليم، وسأله الحجاج عن المطر فقال: أصابتنا سحائب ثلاث: بحوران بقطر وقطر كبار، فكان الصّغار للكبار لحمة. ثم أصابتنا الثانية بسواء فلبّدت الدّماث «١» ودحضت العزاز «٢» وصدعت الكمأة عن أماكنها. ثم أصابتنا الثالثة بالقريتين فملأت الإخاذ «٣» ، وأفعمت كل واد، وأقبلنا في ماء يجر الضبع ويستخرجها من وجارها «٤» .
وقال رجل من بني أسد لمحمد بن مروان وسأله عن المطر فقال: ظهر الإعصار، وكثر الغبار، وأكل ما أشرف من الجنبة «٥» وأيقنّا أنه عام سنة.
[من نوادر الأخبار والأشعار]
قال أبو الحسن عتّاب: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، إن الإسكندر كان لا يدخل مدينة إلا هدمها، وقتل أهلها، حتى مر بمدينة كان مؤدبه فيها، فخرج إليه، فألطفه الإسكندر وأعظمه، فقال له: «أيها الملك، إن أحق من زيّن لك أمرك وواتاك على كل ما هويت لأنا، وإن أهل هذه المدينة قد طمعوا فيك لمكاني منك، وأحب ألا تشفعني فيهم، وأن تخالفني في كل ما سألتك لهم» . فأعطاه الإسكندر من ذلك ما لا يقدر على الرجوع عنه. فلما توثق منه قال: «فإن حاجتي أن تدخلها وتخربها وتقتل أهلها» . فقال الإسكندر: ليس إلى ذلك سبيل، ولا بد من مخالفتك.
стр. 423
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج» .
وقال يزيد بن المهلب، وقد طال عليه حبس الحجاج: والهفاه على فرج في جبهة اسد، وطليّة بمائة ألف.
وقال الأصمعي: دخل درست بن رباط الفقيمي، على بلال بن أبي بردة وهو في الحبس، فعلم بلال أنه شامت به فقال بلال: ما يسرني بنصيبي من المكروه حمر النعم. فقال درست: فقد أكثر الله لك منه.
قال الهيثم بن عدي: كان عدي. سجّان يوسف بن عمر يرفع إلى يوسف بن عمر أسماء الموتى، فقال له عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري: أقبض هذه العشرة الآلاف الدرهم، وارفع اسمي في الموتى. قال:
فرفع اسمه في الموتى فقال له يوسف بن عمر: ويحك جئني به. فرجع إليه فأعلمه فقال له: ويحك، اتق الله فيّ، فإني أخاف القتل. قال: وأنا أيضا أخاف ما تخاف. ثم قال: قتلك أهون عليّ من قتلي، ولا بد من قتلك. فوضع على وجهه مخدة فذهبت نفسه مع المال.
وأما عبد الله بن المقفع «١» فإن صاحب الاستخراج لما ألح عليه في العذاب، قال لصاحب الإستخراج: أعندك مال وأنا أربحك ربحا ترضاه؟ وقد عرفت وفائي وسخائي وكتماني للسر، فعيني مقدار هذا النجم. فأجابه إلى ذلك، فلما صار له مال ترفق به مخافة أن يموت تحت العذاب فيتوى ماله.
وقال رجل لعمرو الغزال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ. فقال: لو أخبرتني أي آية كنت فيها لأخبرتك كم بقي من الليل.
стр. 424
وسمع مؤرّج البصري رجلا يقول: أمير المؤمنين يردّ على المظلوم.
فرجع إلى مصحفه فرد على براءة: «بسم الله الرحمن الرحيم» .
وكان عبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه يعطش، وقيل له:
إن شربت الماء مت. فأقبل ذات يوم بعض العوّد، فقال: كيف حال أمير المؤمنين؟ فقال: أنا صالح والحمد لله. ثم أنشأ يقول:
ومستخبر عنا يريد بنا الردى ... ومستخبرات والدموع سواجم
ويلكم اسقوني ماء وإن كان فيه تلف نفسي. فشرب ثم مات.
وكان حبيب بن مسلمة الفهريّ رجلا غزّاء للترك، فخرج ذات مرة إلى بعض غزواته، فقالت له إمرأته: أين موعدك؟ قال: سرادق الطاغية أو الجنة إن شاء الله. قالت: إني لأرجو أن اسبقك إلى أيّ الموضعين كنت به. فجاء فوجدها في سرادق الطاغية تقاتل الترك.
ولما مدح الكميت بن زيد الأسدي مخلّد بن يزيد بن المهلب، فقال له ابن بيض: إنك يا أبا المستهلّ لكجالب التمر إلى هجر! قال: نعم، ولكن تمرنا أجود من تمركم.
وكان السيد الحميري «١» مولعا بالشراب، فمدح أميرا من أمراء الأهواز، ثم صار اليه بمديحه له، فلم يصل إليه. وأغبّ الشراب، فلما كان ذات يوم شرب ثم وصل إليه، فجلس من بعد، فقرّبه وشمّ منه ريح الشراب فقال: ما كنت أظن أبا هاشم يفعل هذا، ولكن يحتمل لمادح رسول الله ﷺ أكثر من هذا- يمازحه- ثم قال: يا جارية هلمي الدواة. ثم كتب إلى بعض وكلائه:
ادفع إلى أبي هاشم مائتي دورق ميبختجا «٢» . فقال السيد: لقد كنت أظن الأمير أبلغ ما هو. قال: وأي شيء رأيت من العي؟ قال: جمعك بين حرفين
стр. 425
وأنت تجتزي بأحدهما، أمح هذه الخبيثة «نحتجا» ودع «ميا» على حالها.
ففعل، وحمل الكتاب فأخذها عبيطا «١» .
عبد الله بن فائد قال: قالت إمرأة الحضين بن المنذر للحضين: كيف سدت قومك وأنت بخيل وأنت دميم؟ قال: لأني سديد الرأي، شديد الإقدام.
قال: وقال مسلمة بن عبد الملك لهشام بن عبد الملك: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل وأنت جبان؟ قال: لأني حليم وأني عفيف.
وقال زبّان:
إن بني بدر يراع جوف ... كل خطيب منهم مؤوف «٢»
اهوج لا ينفعه التثقيف
وقال لبيد بن ربيعة:
وأبيض يجتاب الخروق على الوجى ... خطيبا إذا التف المجامع فاصلا «٣»
وقال في تفصيل العلم والخطابة، وفي مدح الإنصاف، وذم الشّغب:
وقد بلوتك وابتليت خليقتي ... ولقد كفاك معلمي تعليمي
وقال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
وقال زيد بن جندب:
ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم ... عن الجدال وأغناهم عن الخطب
стр. 426
وقال لقيط بن زرارة:
إني إذا عاقبت ذو عقاب ... وإن تشاغبني فذو شغاب
وقال أبن أحمر:
وكم حلّها من تيحان سميدع ... مصافي الندى ساق بيهماء مطعم
طوي البطن متلاف إذا هبّت الصبا ... على الأمر غواص وفي الحي شيظم
وقال آخر:
وأغرّ منخرق القميص سميدع «١» يدعو ليغزو ظالما فيجاب
قد مد أرسان الجياد من الوجى ... فكأنما أرسانها أطناب
وقال آخر:
كريم يغض الطرف عند حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان
وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان
وقال آخر:
يقيطّع طرفه عني سويد ... ولم أذكر بسيئة سويدا
توقّ حداد شوك الأرض تسلم ... وغير الأسد فاتخذنّ صيدا
وقال آخر:
لا تحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكنّ ذا ... أشدّ من ذاك لذل السؤال
وللحسين بن مطير:
رأت رجلا أودى بوافر لحمه ... طلاب المعالي واكتساب المكارم
стр. 427
خفيف الحشا ضربا «١» كأن ثيابه ... على قاطع من جوهر الهند صارم
فقلت لها لا تعجبنّ فإنني ... أرى سمن الفتيان إحدى المشاتم
وكان عمر بن الخطاب، ﵀، إذا رأى عبد الله بن عباس يقول في الأمر يعرض من جلة أصحاب رسول الله ﷺ ، يقول: «غص غوّاص» .
وقال ابن أحمر:
هل لامني قوم لموقف سائل ... أو في مخاصمة اللجوج الأصيد
وقال لبيد بن ربيعة في التطبيق على قوله:
يا هرم بن الأكرمين منصبا ... إنك أوتيت حكما معجبا
فطبق المفصل واغنم طيبا
وقال آخر:
فلما إن بدا القعقاع لجّت ... على شرك تناقله نقالا
تعاورن الحديث وطبقته ... كما طبقت بالنعل المثالا
وقال ابن أحمر:
لو كنت ذا علم علمت وكيف لي ... بالعلم بعد تدبّر الأمر
وقال:
ليست بشوشاة الحديث ولا ... فتق مغالبة على الأمر
وقال:
تضع الحديث على مواضعه ... وكلامها من بعده نزر
стр. 428
وقال:
وخصم مضلّ في الضّجاج تركته ... وقد كان ذا شغب فولى مواتيا
وذكر علي بن أبي طالب، ﵀، إكتل بن شمّاخ العكلي، فقال «الصّبيح الفصيح» . وهو أول من اتخذ بيت مال لنفسه في داره.
عبد الله بن المبارك، عن معمر عن الحسن عن النبي ﷺ قال: «سيكون بعدي أمراء يعطون الحكمة على منابرهم وقلوبهم أنتن من الجيف» .
جعفر بن سليمان الضبعي «١» ، عن مالك بن دينار، قال: غدوت إلى الجمعة، فجلست قريبا من المنبر، فصعد الحجاج المنبر، ثم قال: امرأ زوّر عمله، امرأ حاسب نفسه، امرأ فكر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ميزانه، امرأ كان عند قلبه زاجرا، وعند همه ذاكرا، امرأ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه وإن قاده إلى معصية الله كفه.
وبعث عديّ بن أرطأة إلى المهالبة أبا المليح الهذلي، وعبد الله بن عبد الله بن الأهتم، والحسن البصري، فتكلم الحسن فقال عبد الله: والله ما تمنيت كلاما قط أحفظه إلا كلام الحسن يومئذ.
قال: وتنقص ابن لعبد الله بن عروة بن الزبير عليا ﵀، فقال له أبوه: والله ما بنى الناس شيئا قط إلا هدمه الدين، ولا بنى الدين شيئا فاستطاعت الدنيا هدمه، ألم تر إلى علي كيف يظهر بنو مروان من عيبه وذمه؟
والله لكأنما يأخذون بناصيته رفعا إلى السماء. وما ترى ما يندبون به موتاهم من التأبين والمديح؟ والله لكأنما يكشفون عن الجيف.
أبو الحسن قال: قال عبد الله بن الحسن، لابنه محمد، حين أراد
стр. 429
الاستخفاء: «أي بني، إني مؤد إليك حق الله في حسن تأديبك، فأدّ إليّ حق الله في حسن الإستماع. أي بنيّ، كفّ الأذى، وأرفض البذا، واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى القول، فإن للقول ساعات يضر فيها خطاؤه، ولا ينفع صوابه. احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشا، فإنه يوشك أن يورطاك بمشورتهما، فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل.
وكان يقال: من لانت كلمته وجبت محبته، ومن طال صمته اجتلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الوحشة ما لا يضره.
стр. 430
[باب أن يقول كل إنسان على قدر خلقه وطبعه] .
قال قتيبة بن مسلم، لحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء، ودار قوراء «١» وفرس مرتبط بالفناء.
وقيل لضرار بن الحصين: ما السرور؟ قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير.
وقيل لعبد الملك بن صالح: ما السرور؟ قال:
كل الكرامة نلتها ... إلا التحية بالسلام
وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء، وحطّ الأعداء، وطول البقاء. مع القدرة والنماء.
وقيل للفضل بن سهل: ما السرور؟ قال: توقيع جائز، وأمر نافذ.
стр. 431
أبو الحسن المدائني قال: قيل لإنسان بحري: أي شيء تتمنّى؟ قال: شربة من ماء الفنطاس «١» ، والنوم في ظل الشراع، وريحا دنبداد «٢» .
وقيل لطفيلي: كم اثنان في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة.
وقال الفلّاس القاصّ: كان أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر ثلاثمائة وستين درهما.
وقلت لملاح لي، وذلك بعد العصر في رمضان: انظر كم بين عين الشمس وبين موضع غروبها من الأرض؟ قال: أكثر من مرديين ونصف.
وقال آخر: وقع علينا اللصوص، فأول رجل داخل دخل علينا السفينة في طول هذا المرديّ «٣» ، وكان فخذه أغلظ من هذا السكّان، وأسودّ صاحب السفينة حتى صار أشد سوادا من هذا القير.
وأردت الصعود مرة في بعض القناطر، وشيخ ملاح جالس، وكان يوم مطر وزلق، فزلق حماري فكاد يلقيني لجنبي، لكنه تماسك فأقعى على عجزه، فقال الشيخ الملاح: لا إله إلا الله، ما أحسن ما جلس على كوثله «٤» .
ومررت تبل طين أحمر ومعي أبو الحسن النخاس، فلما نظر إلى الطين:
أيّ أواري «٥» تجيء من هذا الطين.
ومررنا بالخلد بعد خرابه، فقال، أي اصطبلات تجيء من هذا وقيل لبعضهم: ما المروءة؟ قال: طهارة البدن، والفعل الحسن.
стр. 432
وقيل لمحمد بن عمران: ما المروءة؟ قال: أن لا تعمل في السر شيئا تستحي منه في العلانية.
وقيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: العفة والحرفة.
وقال طلحة بن عبيد الله المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة.
وقيل لأبي هريرة: ما المروءة؟ قال: تقوى الله، واصلاح الصنيعة، والغداء والعشاء بالأفنية.
ونظر بكر بن الأشعر، وكان سجّانا، مرة إلى سور دار بجالة بن عبدة، فقال: لا إله إلا الله، أي سجن يجيء من هذا.
وقال إنسان صيرفي: باعني فلان عشرين جريبا، ودانقين ونصفا ذهبا.
قال: ونظر عثمان بن عفان ﵀ إلى عير مقبلة، فقال لأبي ذرّ: ما كنت تحب أن تحمل هذه؟ قال أبو ذر: رجالا مثل عمر.
وقيل للزهري، ما الزهد في الدنيا؟ فقال: أما أنه ليس بشعث اللمة، ولا قشف الهيئة، ولكنه ظلف «١» النفس عن الشهوة.
وقيل له أيضا: ما الزهد في الدنيا؟ قال: ألا يغلب الحرام صبرك ولا الحلال شكرك.
ونظر زاهد إلى فاكهة في السوق، فلما لم يجد شيئا يبتاعها به عزّى نفسه وقال: يا فاكهة، موعدي وإياك الجنة.
قالوا: ومر المسيح ﵇ بحلق بني اسرائيل، فشتموه، فكلما قالوا شرا قال المسيح ﷺ خيرا، فقال له شمعون الصفي: أكلما قالوا شرا قلت لهم خيرا؟ قال المسيح: «كل امرىء يعطي مما عنده» .
وقال بعضهم: قيل لامرىء القيس بن حجر: ما أطيب عيش الدنيا؟
стр. 433
قال: بيضاء رعبوبة «١» ، بالطيب مشبوبة «٢» ، بالشحم مكروبة «٣» .
وسئل عن ذلك الأعشى فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية «٤» .
وقيل مثل ذلك لطرفة فقال: مطعم شهي، وملبس دفيّ، ومركب وطيّ.
قال: وكان محمد بن راشد البجلي، يتغدى، وبين يديه شبوطة «٥» ، وخياط يقطع له ثيابا، ورآه يلحظ الشبوطة، فقال: قد زعمت إن الثواب يحتاج إلى خرقة، فكم مقدارها؟ قال: ذراع في عرض الشبوطة. أودخل آخر على رجل يأكل أترجة بعسل، فأراد أن يقول: السلام عليكم، فقال: عليكم.
دخلت جارية رومية على راشد البتي، لتسأل عن مولاتها، فبصرت بحمار قد أدلى في الدار، فقالت: قالت مولاتي: كيف أير حماركم؟ - فيما زعم أبو الحسن المدائني-.
وأنشد أبن الأعرابي:
وإذا أظهرت أمرا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسرّ
فمسرّ الخير موسوم به ... ومسرّ الشرّ موسوم بشر
стр. 434
وأنشد ابن الأعرابي:
أرى الناس يبنون الحصون وإنما ... غوابر آجال الرجال حصونها «١»
وإن من الأعمال دونا وصالحا ... فصالحها يبقى ويهلك دونها
وأنشد ابن الأعرابي:
حسب الفتى من عيشه ... زاد يبلّغه المحلا
خبز وماء بارد ... والظلّ حين يريد ظلا
وقال بعض الأعراب:
وما العيش إلا شبعة وتشرّق ... وتمر كأخفاف الرباع وماء «٢»
محمد بن حرب الهلالي قال: قلت لأعرابي: إني لك لوادّ. قال: وإن لك من قلبي لرائدا.
قال: وأتيت أعرابيا في أهله مسلّما عليه، فلم أجده، فقالت لي امرأته: عشّر الله خطاك. أي جعلها عشرة أمثالها.
قالوا: وكان سلم بن قتيبة يقول لم يضيع امرؤ صواب القول حتى يضيع صواب العمل.
أبو الحسن قال: قال الحجاج لمعلّم ولده: علم ولدي السباحة قبل الكتابة، فإنهم يصيبون من يكتب عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم.
أبو عقيل بن درست قال: رأيت أبا هاشم الصوفي مقبلا من جهة النهر، فقلت: في أي شيء كنت اليوم؟ قال: في تعلم ما ليس ينسى، وليس الشيء من الحيوان عنه غنى. قال: قلت وما ذاك؟ قال: السباحة.
стр. 435
حدثنا علي بن محمد وغيره قال: كتب عمر بن الخطاب إلى ساكني الأمصار: «أما بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسة، وروّوهم ما سار من المثل، وحسن من الشعر» .
وقال ابن التوأم: علم ابنك الحساب قبل الكتاب، فإن الحساب أكسب من الكتاب، ومؤونة تعلمه أيسر، ووجوه منافعه أكثر.
وكان يقال: لا تعلموا بناتكم الكتاب، ولا ترووهن الشعر، وعلموهن القرآن، ومن القرآن سورة النور.
وقال آخر: بنو فلان يعجبهم أن يكون في نسائهم أباضيّات، ويؤخذن بحفظ سورة النور.
وكان ابن التوأم يقول: من تمام ما يجب على الآباء من حفظ الابناء، أن يعلموهم الكتاب والحساب والسباحة.
خطب رجل امرأة أعرابية فقالت له: سل عني بني فلان وبني فلان وبني فلان، فعدت قبائل، فقال لها: وما علمهم بك؟ قالت: في كلهم قد نكحت. قال: أراك جلنفعة قد خزّمتك الخزائم «١» . قالت: لا، ولكني جوالة بالرحل عنتريس «٢» .
وقال الفرزدق لامرأته النوار: كيف رأيت جريرا؟ قالت: رأيتك ظلمته أولا ثم شغرت عنه برجلك آخرا. قال: أنا إنية؟ قالت: نعم، أما انه قد غلبك في حلوه، وشاركك في مرّه.
قال: وتغدى صعصعة بن صوحان عند معاوية يوما، فتناول من بين يدي معاوية شيئا فقال: يا ابن صوحان، لقد إنتجعت من بعيد! فقال: «من أجدب انتجع» .
стр. 436
وبصر الفرزدق بجرير محرما فقال: والله لأفسدن على ابن المراغة حجّه.
ثم جاءه مستقبلا له، فجهره بمشقص «١» كان معه، ثم قال:
إنك لاق بالمشاعر من منىّ ... فخارا فخبرني بمن أنت فاخر
فقال جرير: لبيك اللهم لبيك. ولم يجبه.
قال: وأدخل مالك بن أسماء سجن الكوفة، فجلس إلى رجل من بني مرة، فاتكأ المريّ عليه يحدثه حتى أكثر وغمه، ثم قال: هل تدري كم قتلنا منكم في الجاهلية؟ قال مالك: أما في الجاهلية فلا، ولكني أعرف من قتلتم منا في الإسلام.
قال المري: ومن قتلنا منكم في الإسلام؟ قال: أنا، قد قتلتني غما! قال: ودخل رجل من محارب قيس على عبد الله بن يزيد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات في موضع قريب منه غدير فيه ضفادع، فقال عبد الله للمحاربي: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة، لشدة أصواتها. فقال المحاربي: أصلح الله الأمير، إنها أضلّت برقعا لها، فهي في بغائه «٢» . أراد الهلالي قول الأخطل:
تنقّ بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر:
لكلّ هلاليّ من اللؤم برقع ... ولابن هلال برقع وقميص
وقال العتبيّ «٣» :
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
стр. 437
وكن إذا أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقعن الكوى بالمحاجر
لئن حجبت عني نواظر أعين ... رمين بأحداق المها والجآذر
فإني من قوم كرام أصولهم ... فقدامهم صيغت رؤوس المنابر
خلائف في الإسلام في الشرك قادة ... بهم وإليهم فخر كلّ مفاخر
وقال لبيد:
والشاعرون الناطقون أراهم ... سلكوا طريق مرقّش ومهلهل
وقال آخر:
أم من لباب إذا ما اشتدّ حاجبه ... أم من لخصم بعيد الغور مغوار
وقال حاجب بن دينار المازني:
ونحن بنو الفخل الذي سال بوله ... بكلّ بلاد لا يبول بها فحل
أبى الناس والأقلام أن يحسبوهم ... إذا حصل الأجناس أو يحسب الرمل
فإن غضبوا سدوا المشارق، منهم ... ملوك وحام كلامهم فصل
وقال أعرابي من بني حنيفة، وهو يمزح:
مر الجراد على زرعي فقلت له ... الزم طريقك لا تولع بافساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلة ... إنّا على سفر لا بدّ من زاد
وقال آخر يهجو بعض الخطباء:
يمان ولا يمون وكان شيخا ... شديد اللقم هلقاما خطيبا «١»
وذهب إلى قول الأحوص:
ذهب الذين أحبّهم فرطا ... وبقيت كالمقمور «٢» في خلف
من كلّ مطوي على حنق ... متضجع يكفى ولا يكفي
стр. 438
وقال الحسن بن هانىء:
إذا نابه أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفي تشير
وقال آخر:
ذريني فلا أعيا بما حلّ ساحتي ... أسود فأكفي أو أطيع المسوّدا
وقال بشار:
وفي العبرات الغرّ صبر على الندى ... أولئك حيّ من خزيمة أغلب
وألام من يمشي ضبيعة، إنّهم ... زعانف لم يخطب إليهم محجّب «١»
وكذلك قول أعشى بني ثعلبة:
ما ضرّ غاني نزار أن تفارقه ... كلب وجرم إذا أبناؤه اتفقوا
قالت قضاعة إنّا من ذوي يمن ... الله يعلم، ما برّوا ولا صدقوا
يزداد لحم المناقي في منازلنا ... طيبا إذا عز في اعدائنا المرق
وما خطبنا إلى قوم بناتهم ... إلا بأرعن في حافاته الحرق «٢»
قوله خطبنا: من الخطبة ها هنا، وهو في الشعر الأول من الخطبة أيضا.
وقال بلعاء بن قيس «٣» :
أبيت لنفسي الخسف لما رضوا به ... ووليتهم شتمي وما كنت مفحما
وقال بلعاء بن قيس لسراقة بن مالك بن جعشم:
ألا أبلغ سراقة يا ابن مال ... فبئس مقالة الرجل الخطيب
أترجو أن تؤوب بظعن ليث ... فهذا حين تبصر من قريب
стр. 439
وقال منصور الضّبّي:
ليت الفتى عجردا منا مكانهم ... وليتهم من وراء الأخضر الجاري
قد قام سيدهم عمران يخطبهم ... ما كان للخير عمران بأمّار
قال: وتقول العرب: «الخلّة تدعو إلى السّلة» . وكانوا إذا أسروا أسيرا قال المادح: «أسره في مزاحفة، ولم يأسره في سلة» . وفي الحديث:
«لا اسلال ولا إغلال «١» » وفي المثل: «الحاجة تفتح باب المعرفة» .
[أقوال وأشعار منتخبة]
قال سويد المراثد الحارثي أو غيره:
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغميم القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّة ... فنقبل عقلا أو نحكم قاضيا «٢»
ولكن حكم السيف فيكم مسلط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا ... بني عمنا لو كان أمرا مدانيا
فإن قلتم إنّا ظلمنا فإنكم ... بدأتم ولكنا أسأنا التقاضيا
وقال ضابىء بن الحارث «٣» :
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب
وقال حارثة بن بدر «٤» :
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله
стр. 440
وقال لبيد بن ربيعة:
وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل
وقال حبيب بن أوس:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وقال غيره:
هو الشمس إلا أن للشمس غيبة ... وهذا الفتى الجرميّ ليس يغيب
يروح ويغدو ما يفترّ ساعة ... وإن قيل ناء فهو منك قريب
وقال آخر:
خلافا لقولي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم: خالف فتذكرا
وقال حارثة بن بدر:
إذا ما متّ سرّ بني تميم ... على الحدثان لو يلقون مثلي
عدوّ عدوهم أبدا عدوي ... كذلك شكلهم أبدا وشكلي
وهو شبيه بقول الأعشى:
علّقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل
وقال عمرو لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادا لهواء.
واختلفوا بحضرة الزهري في معنى قول القائل: فلان زاهد. فقال الزهري: «الزاهد الذي لا يغلب الحرام صبره، ولا الحلال شكره» .
وقال ابن هبيرة وهو يؤدب بعض بنيه: لا تكونن أول مشير، وإياك والرأي الفطير، وتجنب ارتجال احكلام، ولا تشر على مستبد ولا على وغد، ولا على متلون ولا على لجوج، وخف الله في موافقة هوى المستشير، فإن
стр. 441
التماس موافقة هوى لؤم، وسوء الاستماع من خيانة.
وقالوا: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن ساء خلقه قل صديقه.
وقال عمر للأحنف: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر مزاحه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل ورعه، ومن قل ورعه ذهب حياؤه، ومن ذهب حياؤه مات قلبه.
وقال المهلّب لبنيه: يا بني تباذلوا تحابوا، فإن بني الام يختلفون، فكيف بنو العلّات «١» . إن البر ينسأ في الاجل، ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلة، وتعقب النار بعد الذلة. واتقوا زلّة اللسان، فإن الرجل تزلّ رجله فينتعش، ويزل لسانه فيهلك. وعليكم في الحرب بالمكيدة، فإنها ابلغ من النجدة فإن القتال إذا وقع وقع القضاء، فإن ظفر فقد سعد، وإن ظفر به لم يقولوا فرّط.
ولقي الحسين ﵁ الفرزدق فسأله عن الناس فقال: القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر في السماء.
وقال بعضهم: حجب أعرابي عن باب السلطان فقال:
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها
وقال جرير:
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب
وقال آخر:
نهيت جميع الحضر عن ذكر خطّة ... يدبرّها في رأيه ابن هشام
فلما وردت الباب أيقنت إننا ... على الله والسلطان غير كرام
стр. 442
وقال آخر:
وافى الوفود فوافى من بني حمل ... بكر الحمالة قاني السّن عرزوم
وقال الحضين بن المنذر:
وكلّ خفيف الشأن يسعى مشمّرا ... إذا فتح البواب بابك أصبعا
ونحن الجلوس الماكثون توقّرا ... حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
وقال آخر:
ونفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما
اعتذر ابن عون إلى ابراهيم النخعي فقال له: اسكت معذورا، فإن الإعتذار يخالطه الكذب.
ابو عمرو الزعفراني قال: كان عمرو بن عبيد عند حفص بن سالم فلم يسأله احد من حشمه في ذلك اليوم شيئا إلا قال: لا. فقال له عمرو: أقلّ من قول لا، فإنه ليس في الجنة، وإن رسول الله ﷺ كان إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال «يصنع الله» .
وقال عمر بن الخطاب ﵀: اكثروا لهن من قول «لا» ، فإن قول «نعم» يضرّيهن على المسألة. وإنما خص عمر بذلك النساء.
وقال بعضهم: ذمّ رجل الدنيا عتد علي بن ابي طالب ﵁ فقال علي:
«الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه. ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة. فمن ذا الذي يذمها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها، وشبهت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيبا وترهيبا. فيأيها الذام للدنيا، المعلل نفسه، متى خدعتك الدنيا أم متى
стр. 443
استذمت إليك «١» ؟ أبمصارع آبائك في البلى، أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟! كم مرضت بيديك، وكم عللت بكفيك، تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، غداة لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعه بكاؤك، ولا تنجيه شفقتك، ولا تشفع فيه طلبتك» .
وقال عمر، ﵀: «ما بال أحدكم ثاني وساده عند امرأة مغزية مغيبة؟! إن المرأة لحم على وضم «٢» إلا ما ذب عنه» .
وقال بعضهم: مات ابن لبعض العظماء فغزّاه بعضهم فقال: عش أيها الملك العظيم سعيدا، ولا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها.
وقال: لما توفي معاوية وجلس ابنه يزيد، دخل عليه عطاء بن ابي صيفي الثقفي، فقال: «يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزيت خليفة الله، واعطيت خلافة الله، وقد قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، وقد اعطيت بعده الرياسة ووليت السياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، واشكره على أفضل العطية» .
ولما توفي عبد الملك وجلس ابنه الوليد، دخل عليه الناس وهم لا يدرون: أيهنئونه أم يعزونه؟ فأقبل غيلان بن سلمة الثقفي فسلم عليه، ثم قال:
يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزيت خير الآباء، وسميت بخير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعظم الله لك على الرزية الصبر وأعطاك في ذلك نوافل الأجر، وأعانك على حسن الولاية والشكر. ثم قضى لعبد الملك بخير القضية، وأنزله بأفضل المنازل المرضية، وأعانك من بعده على الرعية» . فقال له الوليد:
من أنت؟ فانتسب له قال: في كم أنت؟ في مائة دينار. فألحقه بأهل الشرف.
ولما توفي المنصور دخل ابن عتبة مع الخطباء على المهدي فسلم ثم قال: آجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك لأمير المؤمنين فيما
стр. 444
خلفه له أمير المؤمنين بعده، فلا مصيبة أعظم من فقد أمير المؤمنين، ولا عقبى أفضل من وراثة مقام أمير المؤمنين. فأقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية، واحتسب عنده أعظم الرزيّة.
وكتب ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز، يعزيه عن ابنه عبد الملك، فكتب إليه عمر: «كتبت إليّ تعزيني عن ابني عبد الملك، وهو أمر لم أزل انتظره، فلما وقع لم أنكره.
وقال الشاعر:
تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين بالماء مترع
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع
وقال متمم:
قعيدك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
وقال آخر:
قليل التشكي للمصيبات ذاكر ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وقالوا: «أشد من الموت ما يتمنى له الموت» .
وقال الفرزدق وهو يصف طعنة:
يودّ لك الأدنون لو متّ قبلها ... يرون بها شرا عليك من القتل
وقال: وقيل للأحنف: ما بلغ من حزمك؟ قال: لا ألي ما كفيت، ولا أضيّع ما وليت.
وقال آخر: لا تقيموا ببلاد ليس فيها نهر جار، وسوق قائمة، وقاض عدل.
وقالوا: لا تبنى المدن إلا على الماء والمرعى والمحتطب.
стр. 445
وقال مالك بن دينار: لربما رأيت الحجاج يتكلم على منبره، ويذكر حسن صنيعه إلى أهل العراق، وسوء صنيعهم إليه، حتى أنه ليخيّل إلى السامع أنه صادق مظلوم.
أبو عبد الله الثقفي عن عمه قال: سمعت الحسن يقول: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج. قلت: وإن كلام الحجاج ليقذك؟ قال: نعم سمعته على هذه اللأعواد يقول: إن أمرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له، لخليق أن تطول عليها حسرته.
وقال بعضهم: ما وجدت احدا ابلغ في خير وشر من صاحب عبد الله ابن سلمة قال: دخل الزّبرقان بن بدر على زياد وقد كفّ بصره، فسلّم تسليما جافيا، فأدناه زياد فأجلسه معه، وقال: يا أبا عياش: القوم يضحكون من جفائك! قال: وإن ضحكوا فوالله إن منهم رجل إلا بوده أني أبوه دون أبيه لغيّة أو لرشدة.
وقال: ونظر هشام بن عبد الملك إلى قبر عثمان بن حيان المري فقال:
جثوة «١» من جثى النار.
قالوا: وكان يقال: صاحب السوء قطعة من النار، والسفر قطعة من العذاب.
وقال بعضهم: عذابان لا يكترث لهما الداخل فيهما: السفر الطويل والبناء الكثير.
وقال رجل من أهل المدينة: من ثقل على صديقه خف على عدوه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه بما لا يعلمون.
стр. 446
وقال سهل بن هارون: ثلاثة يعودون إلى أجنّ المجانين، وإن كانوا أعقل العقلاء: الغضبان، والغيران، والسكران. قال له ابو عبدان الشاعر المخلع: ما تقول في المنعظ؟ فضحك حتى استلقى، ثم قال: وما شر الثلاثة
وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
وقال ابو الدرداء: «أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب» .
وقال: قال أياس: البخل قيد، والغضب جنون، والسكر مفتاح الشر.
وقال بعض البخلاء: ما نصب الناس لشيء نصبهم لنا، هبهم يلزموننا الذمّ فيما بيننا وبينهم، ما لهم يلزموننا التقصير فيما بيننا وبين انفسنا.
قال: وقال ابراهيم بن عبد الله بن حسن لأبيه: ما شعر كثيّر عندي كما يصف الناس. فقال له ابوه: إنك لم تضع كثيّرا بهذا، إنما تضع بهذا نفسك.
قال: وأنشد رجل عمر بن الخطاب، ﵀، قول طرفة:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فقال عمر: «لولا أن أسير في سبيل الله، واضع جبهتي لله، وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب التمر، لم أبال أن أكون قد متّ» .
وقال عامر بن عبد قيس: «ما آسى من العراق إلا على ثلاث: على ظمأ الهواجر، وتجاوب المؤذنين، وإخوان لي منهم، الأسود بن كلثوم» .
وقال آخر: «ما آسي من البصرة إلا على ثلاث: رطب السكر، وليل الحزيز، وحديث أبي بكرة.
وقال سهل بن هارون:
تكنّفني همان قد كسفا بالي ... وقد تركا قلبي محلّة بلبال
هما أذريا دمعي ولم تذر عبرتي ... ربيبة خدر ذات سمط وخلخال
стр. 447
ولكنني أبكي بعين سخينة ... على جلل تبكي له عين أمثالي
فراق خليل، أو شجي يستشفني ... لخلة مرء لا يقوم لها مالي
فواكبدي حتى متى القلب موجع ... بفقد حبيب أو تعذّر أفضال
وما العيش إلا أن تطول بنائل ... وإلا لقاء الخل ذي الخلق العالي
وقال آخر:
لولا ثلاث هن عيش الدهر ... الماء والنوم وأمّ عمرو
لما خشيت من مضيق القبر
قال: وقال الأحنف: أربع من كن فيه كان كاملا، ومن تعلق بخصلة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، أو عقل يسدّده، أو حسب يصونه، أو حياء يقناه.
وقال: المؤمن بين أربع: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يجاهده، وشيطان يفتنه. وأربع ليس أقل منهن: اليقين، والعدل، ودرهم حلال، وأخ في الله.
وقال الحسن بن علي: من أتانا لم يعدم خصلة من أربع: آية محكمة.
أو قضية عادلة، أو أخا مستفادا، أو مجالسة العلماء.
وقالوا: من أعطي أربعا لم يمنع أربعا: من أعطي الشكر لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يعدم الصواب.
وقال أبو ذر الغفاري: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه.
وقالوا: تعامل الناس بالدين حتى ذهب الدين، وبالحياء حتى ذهب الحياء، وبالمروءة حتى ذهبت المروءة، وقد صاروا إلى الرغبة والرهبة وأحر بهما أن يذهبا.
وقال بعضهم: دعا رجل علي بن ابي طالب ﵁ إلى طعام، فقال: نأتيك على أن لا تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تدّخر عنا ما عندك.
стр. 448
وقال اخر: كان شيخ يأتي ابن المقفع، فالح عليه يسأله الغداء عنده وفي ذلك يقول: إنك تظن أني أتكلف لك شيئا؟ لا والله لا اقدم إليك إلا ما عندي. فلما أتاه إذ ليس عنده إلا كسرة يابسة وملح جريش. ووقف سائل بالباب فقال له: بورك فيك! فلما لم يذهب قال: والله لئن خرجت إليك لأدقن ساقيك! فقال ابن المقفع للسائل: إنك لو تعرف من صدق وعيده مثل الذي أعرف من وعده لم تراده كلمة، ولم تقف طرفة.
قال: وكان يقال: أول العلم الصمت، والثاني الإستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره.
وقال آخر: كان يقال: لا وحشة أوحش من عجب، ولا ظهير أعون من مشورة، ولا فقر أشد من عدم العقل.
وقال مورّق العجليّ: ضاحك معترف بذنبه، خير من باك مدلّ على ربه.
وقال: خير من العجب بالطاعة، ألا تأتي الطاعة.
وقال شبيب لأبي جعفر: إن الله لم يجعل فوقك أحدا، فلا تجعلنّ فوق شكرك شكرا.
وقال آخر لأبي جعفر في أول ركبة ركبها: إن الله قد رأى ألا يجعل أحدا فوقك، فتر نفسك أهلا ألا يكون أحد أطوع لله منك.
وسفه رجل على ابن له فقال له ابنه: والله لأنا أشبه بك منك بأبيك، ولأنت أشد تحصينا لأمي من أبيك لأمك.
وقال عمرو بن عبيد لأبي جعفر: إن الله قد وهب لك الدنيا بأسرها، فاشر نفسك منه ببعضها.
وقال الأحنف: ثلاثة لا أناة فيهن عندي. قيل: وما هن يا أبا بحر؟
قال: المبادرة بالعمل الصالح، وإخراج ميتك، وأن تنكح الكفء أيّمك.
وكان يقول: لأفعى تحكّك في ناحية بيتي أحب إلي من أيّم رددت عنها كفئا.
стр. 449
وكان يقال: ما بعد الصواب إلا الخطأ، وما بعد منعهن من الأكفاء إلا بذلهن للسّفلة والغوغاء.
وكان يقال: لا تطلبوا الحاجة إلى ثلاثة: إلى كذوب، فإنه يقربها وإن كانت بعيدة، ويباعدها وإن كانت قريبة. ولا إلى احمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. ولا إلى رجل له إلى صاحب الحاجة حاجة، فإنه يجعل حاجتك وقاية لحاجته.
وكان الأحنف بن قيس يقول: لا مروءة لكذوب، ولا سؤدد لبخيل، ولا ورع لسيىء الخلق.
وقال الشعبي: عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك، فإنه ينفعك.
واجتنب الكذب في موضع ترى أنه ينفعك، فإنه يضرك.
وقالوا: لا تصرف حاجتك إلى من معيشته من رؤوس المكاييل، وألسنة الموازين.
وقالوا: تفرد الله بالكمال: ولم يبريء أحدا من النقصان.
قالوا: وقال عامر بن الظّرب العدواني: «يا معشر عدوان، إن الخير أنوف عزوف، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه. وإني لم أكن حليما حتى اتبعت الحلماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم» .
وقال الأحنف: «لأن أدعى من بعيد، أحبّ إلي من أن أقصى من قريب» .
وكان يقال: إياك وصدر المجلس وإن صدّرك صاحبه، فإنه مجلس قلعة «١» .
стр. 450
قال: وقال زياد: ما أتيت مجلسا قط إلا تركت منه ما لو أخذته كان لي. وترك ما لي، أحب إلي من أخذ ما ليس لي.
وقال الأحنف: ما كشفت أحدا عن حالي عنده إلا وجدتها دون ما كنت أظن.
قال: وأثنى رجل على علي بن أبي طالب فأفرط، وكان علي له متهما، فقال: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك.
قال: وكان يقال: خمس خصال تكون في الجاهل: الغضب في غير غضب، والكلام في غير نفع، والعطية في غير موضع، والثقة بكل أحد، وألا يعرف صديقه من عدوه.
وأثنى أعرابي على رجل فقال: إن خيرك لسريح، وإن منعك لمريح، وإن رفدك لربيح.
وقال سعيد بن سلم: كنت واليا بأرمينية، فغبر أبو دهمان الغلابي على بابي أياما، فلما وصل إلي مثل يدي قائما بين السّماطين وقال:
«والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم، إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي. أما والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة. وإنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفني عنك. ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا. والله ما نسأل عملا لا نضبطه، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه. وهذا الأمر الذي صار إليك وفي يديك، قد كان في يديّ غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الجانب، فإن حبّ عباد الله موصول بحب الله، وبغضهم موصول ببغض الله، لأنهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من عاج عن سبيله» .
ودخل عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، على خالد ابن عبد الله القسري بعد حجاب شديد، وكان عتبة سخيا، فقال خالد يعرّض
стр. 451
به: إن ها هنا رجالا يدّانون في أموالهم، فإذا فنيت أدانوا في أعراضهم.
فعلم القرشي أنه يعرض به، فقال القرشي: أصلح الله الأمير، إن رجالا من الرجال تكون أموالهم أكثر من مروءاتهم، فأولئك تبقى لهم أموالهم، ورجالا تكون مروءاتهم أكثر من أموالهم، فإذا نفدت أدانوا على سعة ما عند الله! فخجل خالد وقال: إنك لمنهم ما علمت! قال: وقيل لعبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز: هلا أجبت أمير المؤمنين إذ سألك عن مالك؟ فقال: إنه كان لا يعدو إحدى حالتين: إن استكثره حسدني، وإن استقلّه حقرني.
أبو الحسن قال: وعظ عروة بنيه فقال: «تعلموا العلم فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين» . ثم قال: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم. وإذا رأيتم من رجل خلّة فاحذروه، واعلموا أن عنده لها أخوات» .
قال: وقال رجل لرجل: هب لي دريهما. قال أتصغّره، لقد صغّرت عظيما، الدرهم عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشر الدية.
قال الأصمعي: خرجت بالدارميّ قرحة «١» في جوفه، فبزق بزقة خضراء، فقيل له: قد برأت، إذ قد بزقتها خضراء. قال: والله لو لم تبق في الدنيا زمردة خضراء إلا بزقتها لما نجوت.
مرّ الوليد بن عبد الملك بمعلم صبيان فرأى جارية فقال: ويلك ما لهذه الجارية؟ فقال: أعلمها القرآن. قال: فليكن الذي يعلمها أصغر منها.
стр. 452
إسحاق بن أيوب قال: هرب الوليد بن عبد الملك من الطاعون، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
. قال: ذلك القليل نريد.
وهرب رجل من الطاعون إلى النجف، أيام شريح. فكتب إليه شريح:
«أما بعد فإن الفرار لن يبعد أجلا، ولن يكثّر رزقا. وإن المقام لن يقّرب أجلا، ولن يقلل رزقا. وإن من بالنجف من ذي قدرة لقريب» .
قالوا: ودخل على الوليد فتى من بني مخزوم، فقال له: زوجني ابنتك. فقال له: هل قرأت القرآن؟ قال: لا. قال أدنوه مني. فأدنوه فضرب عمامته بقضيب كان في يده، وقرع رأسه به قرعات، ثم قال لرجل: ضمّه إليك فإذا قرأ القرآن زوجناه.
ولما استعمل يزيد بن أبي مسلم بعد الحجاج قال: أنا كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا.
وقال ليزيد بن أبي مسلم: قال أبي للحجاج: إنما أنت جلدة ما بين عيني! قال الوليد: يا يزيد، وأنا أقول: أنت جلدة وجهي كله.
стр. 453
[باب اللحن]
ومع هذا أنه صعد المنبر فقال: علي بن أبي طالب لص ابن لص، صبّ عليه شؤبوب عذاب. فقال أعرابي كان تحت المنبر: ما يقول أميركم هذا؟! وفي قوله لص ابن لص أعجوبتان: أحداهما رميه علي بن أبي طالب أنه لص، والأخرى أنه بلغ من جهله ما لم يجهله أحد، إنه ضم اللام من لص.
بكر بن عبد العزيز الدمشقي، قال: سمعت الوليد بن عبد الملك على المنبر، حين ولي الخلافة، وهو يقول: «إذا حدثتكم فكذبتكم فلا طاعة لي عليكم، وإذا وعدتكم فأخلفتكم فلا طاعة لي عليكم، وإذا أغزيتكم فجمّرتكم فلا طاعة لي عليكم» . فيقول مثل هذا الكلام ثم يقول لابيه: «يا أمير المؤمنين، اقتل ابي فديك» . وقال مرة أخرى: «يا غلام ردّ الفرسان الصادان عن الميدان» .
قال: وقال عبد الملك: أضرّ بالوليد حبنا له، فلم نوجّهه إلى البادية.
стр. 454
قال: ولحن الوليد على المنبر فقال الكروّس: لا والله إن رأيته على هذه الأعواد قط فأمكنني أن أملأ عيني منه، من كثرته في عيني، وجلالته في نفسي. فإذا لحن هذا اللحن الفاحش صار عندي كبعض أعوانه.
وصلّى يوما الغداة فقرأ السورة التي تذكر فيها الحاقة فقال: «يا ليتها كانت القاضية» ، فبلغت عمر بن عبد العزيز فقال: أما إنه إن كان قالها إنه لأحد الأحدين.
قالوا: وكان الوليد ومحمد، ابنا عبد الملك، لحّانين، ولم يكن في ولده افصح من هشام ومسلمة.
قال: وقال صاحب الحديث الأول: أخبرني أبي، عن إسحق بن قبيصة قال: كانت كتب الوليد تأتينا ملحونة، وكذلك كتب محمد، فقلت لمولى محمد: ما بال كتبكم تأتينا ملحونة وأنتم أهل الخلافة؟! فأخبره المولى بقولي، فإذا كتاب قد ورد عليّ: «أما بعد فقد أخبزني فلان بما قلت، وما أحسبك تشك أن قريشا أفصح من الأشعرين. والسلام» .
ومن بني صريم: الصديّ بن الخلق، وفد به الحجاج على الوليد بن عبد الملك، فقال له: ممن أنت؟ قال: من بني صريم. قال له: ما اسمك؟ قال: الصديّ بن الخلق. قال: دعّا «١» في عنقه! خارجيّ خبيث! هذا يدل على أن عامة بن صريم كانوا خوارج، وكان منهم البرك الصريمي، واسمه الحجاج، وهو الذي ضرب معاوية بالسيف، وله حديث.
والخزرج بن الصدي بن الخلق، كان خطيبا. وقال الشاعر في بني صريم:
أصلي حيث تدركني صلاتي ... وبئس الدين دين بني صريم
قياما يطعنون على معدّ ... وكلهم على دين الخطيم
стр. 455
والخطيم باهلي.
قال الأصمعي وابو الحسن: دخل على الوليد بن عبد الملك شيخان، فقال احدهما: نجدك تملك عشرين سنة. وقال الآخر: كذبت بل نجده يملك ستين سنة. قال: فقال الوليد: ما الذي قال هذا لائط بصفري «١» ولا ما قال هذا يغر مثلي.
والله لأجمعن المال جمع من يعيش ابدا، ولأفرقنه تفريق من يموت غدا.
وخطب الوليد فقال: إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول: إن الحجاج جلدة ما بين عيني، ألا وأنه جلدة وجهي كله.
حدثنا عثّام ابو علي «٢» عن الأعمش، عن عمارة بن عمير «٣» ، قال: كان أبو معمر «٤» يحدثنا فيلحن، يتبع ما سمع.
أبو الحسن قال. أوفد زياد عبيد الله بن زياد إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: «إن ابنك كما وصفت، ولكن قوّم من لسانه» . وكانت في عبيد الله لكنة، لأنه كان نشأ بالأساورة مع أمه «مرجانة» ، وكان زياد قد زوجها من شيرويه الأسواري. وكان قال مرة: «افتحوا سيوفكم» ، يريد سلّوا سيوفكم، فقال يزيد بن مفرّغ:
стр. 456
ويوم فتحت سيفك من بعيد ... أضعت وكلّ أمرك للضياع
ولما كلّمه سويد بن منجوف في الهثهاث بن ثور، وقال له: يا ابن البضراء! قال له سويد: كذبت علي نساء بني سدوس. قال: إجلس على إست الأرض. قال سويد: ما كنت أحسب أن للأرض أستا!.
قالوا: وقال بشر بن مروان، وعنده عمر بن عبد العزيز، لغلام له: ادع لي صالحا. فقال الغلام: يا صالحا. فقال له بشر: ألق منها ألف. قال له عمر: وأنت فزد في ألفك ألفا.
وزعم يزيد مولى ابن عون، قال: كان رجل بالبصرة له جارية تسمى ظمياء، فكان إذا دعاها قال: يا ظمياء، بالضاد. فقال ابن المقفع: قل: يا ظمياء. فناداها: يا ضمياء. فلما غير عليه ابن المقفع مرتين أو ثلاثا قال له:
هي جاريتي أو جاريتك؟
قال نصر بن سيار: لا تسم غلامك إلا باسم يخف على لسانك.
وكان محمد بن الجهم ولى المكي صاحب النظام، موضعا من مواضع كسكر، وكان المكي لا يحسن أن يسمى ذلك المكان ولا يتهجّاه، ولا يكتبه، وكان اسم ذلك الموضع شانمثنا.
وقيل لأبي حنيفة: ما تقول في رجل أخذ صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله، أتقيده به؟ قال: لا ولو ضرب رأسه بأبا قبيس.
وقال يوسف بن خالد السمتي، لعمرو بن عبيد: ما تقول في دجاجة ذبحت من قفائها؟ قال له عمرو: أحسن. قال: من قفاؤها. قال: أحسن قال: من قفاءها. قال عمرو: ما عناك بهذا؟ قل: من قفاها واسترح.
قال: وسمعت يوسف بن خالد يقول: لا، حتى يشجه، بكسر الشين.
يريد حتى يشجه، بضم الشين.
وكان يوسف يقول: هذا أحمر من هذا. يريد: هذا أشد حمرة من هذا.
стр. 457
وقال بشر المريسي: «قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها» ، فقال قاسم التمّار: هذا على قوله:
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
فصار احتجاج قاسم أطيب من لحن بشر.
وقال مسلم بن سلام: حدثني أبان بن عثمان قال: كان زياد النبطي أخو حسان النبطي، شديد اللكنة، وكان نحويا. قال: وكان بخيلا، ودعا غلامه ثلاثا فلما أجابه قال: فمن لدن دأوتك إلى أن قلت لبي ما كنت تصنأ؟ يريد:
من لدن دعوتك إلى أن أجبتني ما كنت تصنع.
قال: وكانت أم نوح وبلال ابن جرير أعجمية، فقالا لها: لا تكلمي إذا كان عندنا رجال. فقالت يوما: يا نوح، جردان دخل في عجان امك؟ وكان الجرذ أكل من عجينها.
قال أبو الحسن: أهدي إلى فيل مولى زياد حمار وحش، فقال لزياد:
أهدوا لنا همار وهش. قال: أي شيء تقول ويلك؟ قال: أهدوا إلينا أيرا- يريد عيرا- قال زياد: الثاني شر من الأول.
وقال يحيى بن نوفل:
إن يك زيد فصيح اللسان ... خطيبا فإن استه تلحن
عليك بسك ورمّانة ... وملح يدقّ ولا يطحن «١»
وحلتيت كرمان والنانخاه ... وشمع يسخّن في مدهن
وهذا الشعر في بعض معانيه يشبه قول ابن مناذر:
إذا أنت تعلقت ... بحبل من أبي صّلت
تعلقت بحبل وا ... هن القوة منبتّ
стр. 458
فخذ من شعر كيسان ... ومن أظفار سبّخت (١)
ألم يبلغك تسآلي ... لدى العلامة ألبرت «١»
وقال المرء ما سرجو ... يه داء المرء من تحت
وقال البردخت:
لقد كان في عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كثيل العود عما تتّبع «٢»
تتبّع لحنا في كلام مرقش ... وخلقك مبني على اللحن أجمع
فعينك أقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك ايطاء فأنت مرقّع
وقال الميساني في هجائه أهل المدينة:
ولحنكم بتقعير ومدّ ... والأم من يدبّ على الغفار
علي بن معاذ قال: كتبت إلى فتى كتابا، فأجابني فإذا عنوان كتابه: «إلى ذاك الذي كتب إلي» .
وقرأت على عنوان كتاب إلى أبي أمية الشمري: «لأبي أمية للموت أنا قبله» .
وكتب ابن المراكبي إلى بعض ملوك بغداد: «جعلت فداك برحمته» .
وقال إبراهيم بن سيابة: أنا لا أقول متّ قبلك، لأني إذا قلت مت قبلك مات هو بعدي، ولكن أقول متّ بدلك.
وكتب عقال بن شبّة بن عقال إلى المسيب بن زهير:
للأمير المسيّب بن زهير ... من عقال بن شبة بن عقال
ولما كتب بشير بن عبيد الله على خاتمه:
بشير بن عبيد الل ... هـ بالرحمن لا يشرك
وقرأ أبوه هذا البيت على خاتمه قال: هذا أقبح من الشرك.
وقال عبد الملك بن مروان: اللحن هجنة على الشريف، والعجب آفة الرأي. وكان يقال: اللحن في المنطق أقبح من آثار الجدري في الوجه.
стр. 459
وقال يحيى بن نوفل، في خالد بن عبد الله القسري:
والحن الناس كلّ الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشديق في الخطب
وزعم المدائني أن خالد بن عبد الله قال: «إن كنتم رجبيون فإنّا رمضانيون» . ولولا أن تلك العجائب قد صحت عن الوليد ما جوزت هذا على خالد.
قال: وكتب الحصين بن أبي الحر إلى عمر كتابا، فلحن في حرف منه، فكتب إليه عمر: أن قنّع «١» كاتبك سوطا.
وبلغني عن كثيّر بن أحمد بن زهير بن كثير بن سيّار أنه كان ينشد بيت أبي دلف:
ألبسيني الدرع قد طا ... ل عن الحرب جمامي «٢»
فسألته عن ذلك فحلف أنه إنما قال:
ألبسيني الدرع قد طا ... ل عن الحرب جمامي
قال الله ﵎: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
. واللحن في هذا الموضع غير اللحن في ذلك.
وكان سليمان بن عبد الملك يقول: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث «٣» يفخم اللحن كما يفخم نافع بن جبير «٤» الإعراب.
وقال الشاعر في نحو ذلك:
لعمري قد قعّبت حين لقيتنا ... وأنت بتقعيب الكلام جدير
стр. 460
وقال خلف الأحمر:
وفرقعهنّ بتقعيبه ... كفرقعة الرعد بين السحاب
وقال الأصمعي: خاصم عيسى بن عمر النحوي الثقفي رجلا إلى بلال ابن ابي بردة، فجعل عيسى يتتبّع الأعراب، وجعل الرجل ينظر إليه، فقال له بلال: لأن يذهب بعض حق هذا أحب إليك من ترك الأعراب، فلا تتشاغل به واقصد لحجتك.
وقدم رجل من النحويين رجلا إلى السلطان في دين له عليه فقال: أصلح الله الأمير، لي عليه درهمان. فقال خصمه: لا والله أيها الأمير إن هي إلا ثلاثة دراهم، ولكن لظهور الأعراب ترك من حقه درهما.
قال: خاصم رجل إلى الشعبي أو إلى شريح رجلا فقال: إن هذا باعني غلاما فصيحا صبيحا. قال: هذا محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة.
قال: مر ماسرجويه الطبيب، بجد معاذ بن سعيد بن حميد الحميري، فقال: يا ماسرجويه، إني أجد في حلقي بحجا. قال: إنه عمل بلغم. فلما جازه قال: أنا أحسن أن أقول بلغم، ولكنه كلمني بالعربية فكلمته بالعربية.
وروى أبو الحسن إن الحجاج كان يقرأ: إنّا من المجرمون منتقمون.
وقد زعم رؤبة بن العجاج أو أبوه العجاج وأبو عمرو بن العلاء، أنهما لم يريا قرويين أفصح من الحسن والحجاج.
وغلط الحسن في حرفين من القرآن مثل قول: ص والقرآن. والحرف الآخر: وما تنزلت به الشياطون.
أبو الحسن قال: كان سابق الأعمى يقرأ: الخالق البارىء المصوّر. فكان ابن جابان إذا لقيه قال: يا سابق، ما فعل الحرف الذي تشرك بالله فيه؟
следующие страницы →