← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

«وازار» ، والوازار بالفارسية. ويسمون القثاء خيارا، والخيار بالفارسية. ويسمون المجدوم ويذي، بالفارسية. وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله ﵎ لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة. وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام. والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث. ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سموات لم يقل الأرضين. ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين، ولا السمع أسماعا. والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال. وقد زعم بعض القراء أنه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج. والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا وتدع ما هو أظهر وأكثر، ولذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار ولم يسر ما هو أجود منه، وكذلك المثل السائر. وقد يبلغ الفارس والجواد الغاية في الشهرة ولا يرزق ذلك الذكر والتنويه بعض من هو أولى بذلك منه. ألا ترى العامة أن ابن القرية «١» عندها أشهر في الخطابة من سحبان وائل. وعبيد الله بن الحر «٢» أذكر عندهم في الفروسية من زهير بن ذؤيب. وكذلك مذهبهم في عنترة بن شداد، وعتيبة بن الحارث

стр. 37

ابن شهاب. وهم يضربون المثل بعمرو بن معديكرب، ولا يعرفون بسطام بن قيس «١» . وفي القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس. قال قطرب: أنشدني ضرار بن عمرو «٢» قول الشاعر في واصل بن عطاء: ويجعل البر قمحا في تصرفه ... وجانب الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر قال وسألت عثمان البري «٣» : كيف كان واصل يصنع في العدد، وكيف كان يصنع بعشرة وعشرين وأربعين، وكيف كان يصنع بالقمر والبدر ويوم الأربعاء وشهر رمضان، وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب؟ فقال: ما لي فيه قول إلا ما قال صفوان: ملقن ملهم فيما يحاوله ... جم خواطره جواب آفاق وأنشدني ديسم «٤» قال: أنشدني أبو محمد اليزيدي: وخلة اللفظ في الياءات إن ذكرت ... كخلة اللفظ في اللامات والألف وخصلة الراء فيها غير خافية ... فاعرف مواقعها في القول والصحف

стр. 38

يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادا من غيرها، والحاجة إليها أشد. واعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصلت جميع حروفها، وعددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشد. قال أبو عثمان: فمن ذلك ما خبرنا به الأصمعي قال: أنشدني المعتمر ابن سليمان لإسحاق بن سويد العدوي: برئت من الخوارج لست منهم ... من الغزال منهم وابن باب «١» ومن قوم إذا ذكروا عليا ... يردون السلام على السحاب ولكني أحب بكل قلبي ... وأعلم أن ذاك من الصواب رسول الله والصديق حبا ... به أرجو غدا حسن الثواب وفي مثل ذلك قال بشار: ما لي أشايع غزالا له عنق ... كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا ومن ذلك قول معدان الشميطي «٢» : يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤ ... م ويثني بسامة الرحّال «٣» وعدي وتيمها وثقيف ... وأميّ وتغلب وهلال لا حرورا ولا النواصب تنجو ... لا ولا صحب واصل الغزال «٤»

стр. 39

وكان بشار كثير المدح لواصل بن عطاء قبل أن يدين بشار بالرجعة، ويكفر جميع الأمة. وكان قد قال في تفضيله على خالد بن صفوان «١» وشبيب ابن شيبة «٢» ، والفضل بن عيسى، يوم خطبوا عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق: أبا حذيفة قد أوتيت معجبة ... في خطبة بدهت من غير تقدير وإن قولا يروق الخالدين معا ... لمسكت مخرس عن كل تحبير لأنه كان مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم. وقال بشار: تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا ... وحبروا خطبا ناهيك من خطب فقام مرتجلا تغلي بداهته ... كمرجل القين لما حف باللهب وجانب الراء لم يشعر بها أحد ... قبل التصفح والإغراق في الطلب وقال في كلمة له يعني تلك الخطبة: فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهرا فلما انقلب عليهم بشار ومقاتله لهم بادية، هجوه ونفوه، فما زال غائبا حتى مات عمرو بن عبيد. وقال صفوان الأنصاري: متى كان غزال له ابن حوشب ... غلام كعمرو أو كعيسى بن حاضر «٣» أما كان عثمان الطويل ابن خالد ... أو القرم حفص نهية للمخاطر «٤» له خلف شعب الصين في كل ثغرة ... إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر

стр. 40

رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم ... تهكم جبار ولا كيد ماكر إذا قال مروا في الشتاء تطوعوا ... وإن كان صيف لم يخف شهر ناجر بهجرة أوطان وبذل وكلفة ... وشدة أخطار وكد المسافر فأنجح مسعاهم وأثقب زندهم ... وأورى بفلج للمخاصم قاهر «١» وأوتاد أرض الله في كل بلدة ... وموضع فتياها وعلم التشاجر وما كان سحبان يشق غبارهم ... ولا الشدق من حيي هلال بن عامر ولا الناطق النخار والشيخ دغفل ... إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر ولا القالة الأعلون رهط مكحّل ... إذا نطقوا في الصلح بين العشائر «٢» بجمع من الجفين راض وساخط ... وقد زحفت بدّاؤهم للمحاضر - الجفان: بكر وتميم. والروقان: بكر وتغلب. والغاران: الأزد وتميم. ويقال ذلك لكل عمارة من الناس، وهي الجمع، وهم العمائر أيضا: غار. والجف أيضا: قشر الطلعة-. تلقب بالغزال واحد عصره ... فمن لليتامى والقبيل المكائر ومن لحروري وآخر رافض ... وآخر مرجي وآخر جائر وأمر بمعروف وإنكار منكر ... وتحصين دين الله من كل كافر يصيبون فصل القول في كل موطن ... كما طبّقت في العظم مدية جازر تراهم كأن الطير فوق رؤوسهم ... على عمة معروفة في المعاشر وسيماهم معروفة في وجوههم ... وفي المشي حجاجا وفوق الأباعر وفي ركعة تأتي على الليل كله ... وظاهر قول في مثال الضمائر وفي قص هداب واحفاء شارب ... وكور على شيب يضيء لناظر وعنفقة مصلومة ولنعله ... قبالان في ردن رحيب الخواصر «٣» فتلك علامات تحيط بوصفهم ... وليس جهول القوم في علم خابر

стр. 41

وفي واصل يقول صفوان: فما مس دينارا ولا صر درهما ... ولا عرف الثوب الذي هو قاطعه وفيه يقول أسباط بن واصل الشيباني: وأشهد أن الله سماك واصلا ... وأنك محمود النقيبة والشيم ولما قام بشار بعذر إبليس في أن النار خير من الأرض، وذكر واصلا بما ذكره به صفوان: زعمت بأن النار أكرم عنصرا ... وفي الأرض تحيا بالحجارة والزند وتخلق في أرحامها وأرومها ... أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد «١» وفي القعر من لج البحار منافع ... من اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد كذلك سر الأرض في البحر كله ... وفي الغيضة الغناء والجبل الصلد ولا بد من أرض لكل مطير ... وكل سبوح في الغمائر من جد «٢» كذاك وما ينساح في الأرض ماشيا ... على بطنه مشي المجانب للقصد «٣» ويسري على جلد يقيم حزوزه ... تعمج ماء السيل في صبب حرد «٤» وفي قلل الأجبال خلف مقطم ... زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد وفي الحرة الرجلاء تلفى معادن ... لهن مغارات تبجس بالنقد «٥» من الذهب الإبريز والفضة التي ... تروق وتصبي ذا القناعة والزهد وكل فلز من نحاس وآنك ... ومن زئبق حي ونو شاذر يسدي «٦»

стр. 42

وفيها زرانيخ ومكر ومرتك ... ومن مرقشيشا غير كاب ولا مكدي «١» وفيها ضروب القار والشب والمها ... وأصناف كبريت مطاولة الوقد «٢» ترى العرق منها في المقاطع لائحا ... كما قدّت الحسناء حاشية البرد ومن إثمد جون وكلس وفضة ... ومن توتياء في معادنه هندي وفي كل أغوار البلاد معادن ... وفي ظاهر البيداء من مستو نجد وكل يواقيت الأنام وحليها ... من الأرض والأحجار فاخرة المجد وفيها مقام الخل والركن والصفا ... ومستلم الحجاج من جنة الخلد وفي صخرة الخضر التي عند حوتها ... وفي الحجر الممهي لموسى على عمد «٣» وفي الصخرة الصماء تصدع آية ... لام فصيل ذي رغاء وذي وخد «٤» مفاخر للطين الذي كان أصلنا ... ونحن بنوه غير شك ولا جحد فذلك تدبير ونفع وحكمة ... وأوضح برهان على الواحد الفرد أتجعل عمرا والنطاسي واصلا ... كأتباع ديصان وهم قمش المد وتفخر بالميلاء والعلج عاصم ... وتضحك من جيد الرئيس أبي الجعد وتحكي لذى الأقوام شنعة رأيه ... لتصرف أهواء النفوس إلى الرد وسميته الغزال في الشعر مطنبا ... ومولاك عند الظلم قصته مردي - يقول: إن مولاك ملاح، لأن الملاحين إذا تظلموا رفعوا المرادي-. فيا ابن حليف الطين واللؤم والعمى ... وأبعد خلق الله من طرق الرشد أتهجو أبا بكر وتخلع بعده ... عليا وتعزو كل ذاك إلى برد كأنك غضبان على الدين كله ... وطالب ذحل لا يبيت على حقد «٥» رجعت إلى الأمصار من بعد واصل ... وكنت شريدا في التهائم والنجد «٦»

стр. 43

أتجعل ليلى الناعظية نحلة ... وكل عريق في التناسخ والرد عليك بدعد والصدوف وفرتني ... وحاضنتي كسف وزاملتي هند «١» تواثب أقمارا وأنت مشوه ... وأقرب خلق الله من شبه القرد ولذلك قال فيه حماد عجرد «٢» بعد ذلك: ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد ويقال إنه لم يجزع بشار من شيء قط جزعه من هذا البيت. وذكر الشاعر وذكر أخويه لأمه فقال: لقد ولدت أم الأكيمه أعرجا ... وآخر مقطوع القفا ناقص العضد «٣» وكانوا ثلاثة مختلفي الآباء والأم واحدة، وكلهم ولد زمنا «٤» . ولذلك قال بعض من يهجوه: إذا دعاه الخال أقعى ونكص ... وهجنة الأقراف فيه بالحصص» وقال الشاعر: لا تشهدنّ بخارجي مطرف ... حتى ترى من نجله أفراسا «٦»

стр. 44

وقال صفوان الأنصاري في بشار وأخويه، وكان يخاطب أمهم: ولدت خلدا وذيخا في تشتمه ... وبعده خززا يشتد في الصعد ثلاثة من ثلاث فرقوا فرقا ... فاعرف بذلك عرق الخال في الولد الخلد: ضرب من الجرذان يولد أعمى. والذيخ: ذكر الضباع، وهو أعرج. والخزز: ذكر الأرانب، وهو قصير اليدين لا يلحقه الكلب في الصعد. وقال بعد ذلك سليمان الأعمى، أخو مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، في اعتذار بشار لإبليس وهو يخبر عن كرم خصال الأرض: لا بد للأرض إن طابت وإن خبثت ... من أن تحيل إليها كل مغروس وتربة الأرض إن جيدت وإن قحطت ... فحملها أبدا في أثر منفوس وبطنها بفلّز الأرض ذو خبر ... بكل ذي جوهر في الأرض مرموس - الفلّز: جوهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس والآنك وغير ذلك-. وكل آنية عمت مرافقها ... وكل منتقد فيها وملبوس وكل ماعونها كالملح مرفقة ... وكلها مضحك من قول إبليس وقال بعض خلعاء بغداد: عجبت من إبليس في كبره ... وقبح ما أظهر من نيّته تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته وذكره بهذا المعنى سليمان الأعمى، اخو مسلم الأنصاري، فقال: يأبى السجود له من فرط نخوته ... وقد تحول في مسلاخ قواد وقال صفوان في شأن واصل وبشار، وفي شأن النار والطين في كلمة له:

стр. 45

وفي جوفها للعبد أستر منزل ... وفي ظهرها يقضي فرائضه العبد تمج لفاظ الملح مجا وتصطفي ... سبائك لا تصدا وإن قدم العهد وليس بمحص كنه ما في بطونها ... حساب ولا خط وإن بلغ الجهد فسائل بعبد الله في يوم حفله ... وذاك مقام لا يشاهده وغد أقام شبيب وابن صفوان قبله ... بقول خطيب لا يجانبه القصد وقام ابن عيسى ثم قفاه واصل ... فأبدع قولا ما له في الورى ند فما نقصته الراء إذ كان قادرا ... على تركها واللفظ مطرد سرد ففضل عبد الله خطبة واصل ... وضوعف في قسم الصلات له الشكد «١» فأقنع كلّ القوم شكر حبائهم ... وقلل ذاك الضعف في عينه الزهد قد كتبنا احتجاج من زعم أن واصل بن عطاء كان غزالا، واحتجاج من دفع ذلك عنه، ويزعم هؤلاء أن قول الناس واصل الغزال، كما يقولون خالد الحذّاء، وكما يقولون هشام الدستوائي «٢» . وإنما قيل ذلك لأن الإباضية «٣» كانت تبعث إليه من صدقاتها ثيابا دستوائية، فكان يكسوها الأعراب الذين يكونون بالجناب، فأجابوه إلى قول الاباضية، وكانوا قبل ذلك لا يزوجون الهجناء، فأجابوه إلى التسوية وزوجوا هجينا، فقال الهجين في ذلك: إنا وجدنا الدستوائيينا ... الصائمين المتعبدينا أفضل منكم حسبا ودينا ... أخزى الإله المتكبرينا أفيكم من ينكح الهجينا «٤» وقال: إنما قيل ذلك لواصل لأنه كان يكثر الجلوس في سوق الغزالين، إلى أبي عبد الله مولى قطن الهلالي، وكذلك كانت حال خالد الحذّاء الفقيه

стр. 46

وكما قالوا: أبو مسعود البدري، لأنه كان نازلا على ذلك الماء. وكما قالوا: أبو مالك السدي، لأنه كان يبيع الخمر في سدة المسجد. وهذا الباب مستقصى في كتاب «الأسماء والكنى» ، وقد ذكرنا جملة منه في كتاب «أبناء السراري والمهيرات» . [حروف اللثغة] ذكر الحروف التي تدخلها اللثغة وما يحضرني منها: قال أبو عثمان: وهي أربعة أحرف: القاف، والسين، واللام، والراء. فأما التي هي على الشين المعجمة فذلك شيء لا يصوره الخط! لأنه ليس من الحروف المعروفة، وإنما هو مخرج من المخارج، والمخارج لا تحصى ولا يوقف عليها. وكذلك القول في حروف كثيرة من حروف لغات العجم، وليس ذلك في شيء أكثر منه في لغة الخوز. وفي سواحل البحر من اسياف فارس ناس كثير، كلامهم يشبه الصفير. فمن يستطيع أن يصور كثيرا من حروف الزمزمة والحروف التي تظهر من فم المجوسي إذا ترك الإفصاح من معانيه، وأخذ في باب الكناية وهو على الطعام؟! فاللثغة التي تعرض للسين تكون ثاء، كقولهم لأبي يكسوم: أبي يكثوم، وكما يقولون بثرة، إذا أرادوا بسرة. وبثم الله إذا أرادوا بسم الله. والثانية اللثغة التي تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء، فإذا أراد أن يقول: قلت له، قال: طلت له، وإذا أراد أن يقول قال لي، قال: طال لي. وأما اللثغة التي تقع في اللام فإن من أهلها من يجعل اللام ياء فيقول بدل قوله: اعتلك: اعتييك، وبدل جمل: جمى. وآخرون يجعلون اللام كافا، كالذي عرض لعمر أخي هلال، فإنه كان إذا أراد أن يقول: ما العلة في هذا، قال: مكعكة في هذا. وأما اللثغة التي تقع في الراء فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام، لأن الذي يعرض لها أربعة أحرف: فمنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال:

стр. 47

عمي، فيجعل الراء ياء. ومنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عمغ، فيجعل الراء غينا. ومنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عمذ، فيجعل الراء ذالا. وإذا أنشد قول الشاعر «١» : واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد قال: واستبدت مذة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد فمن هؤلاء علي بن الجنيد بن فريدي. ومنهم من يجعل الراء ظاء معجمة، فإذا أراد أن يقول: واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد يقول: واستبدت مظة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد ومنهم من يجعل الراء غينا معجمة، فإذا أراد أن ينشد هذا البيت قال: واستبدت مغة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد كما الذي لثغته بالياء، إذا أراد أن يقول: «واستبدت مرة واحدة» يقول «واستبدت مية واحدة» . وأما اللثغة الخامسة التي كانت تعرض لواصل بن عطاء، ولسليمان بن يزيد العدوي الشاعر، فليس إلى تصويرها سبيل. وكذلك اللثغة التي تعرض في السين كنحو ما كان يعرض لمحمد بن الحجاج، كاتب داود بن محمد، كاتب أم جعفر، فإن تلك أيضا ليست لها صورة في الخط ترى بالعين، وإنما يصورها اللسان وتتأدى إلى السمع. وربما اجتمعت في الواحد لثغتان في

стр. 48

حرفين، كنحو لثغة شوشي، صاحب عبد الله بن خالد الأموي، فإنه كان يجعل اللام ياء والراء ياء. قال مرة: مو ياي ويي ايي. يريد مولاي ولي الري. واللثغة التي في الراء إذا كانت بالياء فهي أحقرهن وأوضعهن لذي المروءة، ثم التي على الظاء، ثم التي على الذال فأما التي على الغين فهي أيسرهن، ويقال إن صاحبها لو جهد نفسه جهده وأحد لسانه، وتكلف مخرج الراء على حقها والإفصاح بها، لم يك بعيدا من أن تجيبه الطبيعة، ويؤثر فيها ذلك التعهد أثرا حسنا. وقد كانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، وكان إذا شاء أن يقول عمرو، ولعمري، وما أشبه ذلك على الصحة قاله، ولكنه كان يستثقل التكلف والتهيؤ لذلك، فقلت له: إذا لم يكن المانع إلا هذا العذر فلست أشك أنك لو احتملت هذا التكلف والتتبع شهرا واحدا أن لسانك كان يستقيم. فأما من تعتريه اللثغة في الضاد وربما اعتراه أيضا في الصاد والراء حتى إذا أراد أن يقول مضر قال مضى، فهذا وأشباهه لاحقون بشوشي. وقد زعم ناس من العوام أن موسى ﵇ كان ألثغ، ولم يقفوا من الحروف التي كانت تعرض له على شيء بعينه. فمنهم من جعل ذلك خلقة، ومنهم من زعم أنه إنما اعتراه حين قالت آسية بنت مزاحم امرأة فرعون لفرعون: «لا تقتل طفلا لا يعرف التمر من الجمر» . فلما دعا له فرعون بهما جميعا تناول جمرة فأهوى بها إلى فيه، فاعتراه من ذلك ما اعتراه. وأما اللثغة في الراء فتكون بالياء والظاء والذال والغين، وهي أقلها قبحا وأوجدها في ذوي الشرف وكبار الناس وبلغائهم وعلمائهم. وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه وقوم لسانه أخرج الراء على الصحة فتأتى له ذلك. وكان يدع ذلك استثقالا أنا سمعت ذلك منه.

стр. 49

قال: وكان الواقدي «١» يروي عن بعض رجاله، أن لسان موسى كانت عليه شأمة فيها شعرات. وليس يدل القرآن على شيء من هذا، لأنه ليس في قوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي دليل على شيء دون شيء. [الفأفأة والتمتمة] وقال الأصمعي: إذا تتعتع اللسان في التاء فهو تمتام، وإذا تتعتع في الفاء فهو فأفاء. وأنشد لرؤبة بن العجاج: يا حمد ذات المنطق التمتام ... كأن وسواسك في اللمام حديث شيطان بني هنام وبعضهم ينشد: يا حمد ذات المنطق النمنام وليس ذلك بشيء، وإنما هو كما قال أبو الزحف «٢» : لست بفأفاء ولا تمتام ... ولا كثير الهجر في الكلام وأنشد أيضا للخولاني في كلمة له: إن السياط تركن لأستك منطقا ... كمقالة التمتام ليس بمعرب فجعل الخولاني التمتام غير معرب عن معناه، ولا مفصح بحاجته. [اللفف] وقال أبو عبيدة: إذا أدخل الرجل بعض كلامه في بعض فهو ألف، وقيل بلسانه لفف. وأنشدني لأبي الزحف الراجز:

стр. 50

كأن فيه لففا إذا نطق ... من طول تحبيس وهم وأرق كأنه لما جلس وحده ولم يكن له من يكلمه، وطال عليه ذلك، أصابه لفف في لسانه. وكان يزيد بن جابر، قاضي الأزارقة «١» بعد المقعطل، يقال له الصموت، لأنه لما طال صمته ثقل عليه الكلام، فكان لسانه يلتوي، ولا يكاد يبين. وأخبرني محمد بن الجهم أن مثل ذلك اعتراه أيام محاربة الزط «٢» ، من طول التفكر ولزوم الصمت. قال: وأنشدني الأصمعي: حديث بني قرط إذا ما لقيتهم ... كنزو الدبا في العرفج المتقارب «٣» قال ذلك حين كان في كلامهم عجلة. وقال سلمة بن عياش «٤» : كأن بني رألان إذ جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهن سويق فقال ذلك لدقة أصواتهم وعجلة كلامهم. [اللجلجة] وقال اللهبي في اللجلاج: ليس خطيب القوم باللجلاج ... ولا الذي يزحل كالهلباج «٥» ورب بيداء وليل داج ... هتكته بالنص والإدلاج

стр. 51

وقال محمد بن سلام الجمحي: كان عمر بن الخطاب، ﵀، إذا رأى رجلا يتلجج في كلامه، قال: «خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد» . [الحبسة والحكلة] ويقال في لسانه حبسة، إذا كان الكلام يثقل عليه ولم يبلغ حد الفأفاء والتمتام. ويقال في لسانه عقلة، إذا تعقل عليه الكلام. ويقال في لسانه لكنة، إذا أدخل بعض حروف العجم في حروف العرب، وجذبت لسانه العادة الأولى إلى المخرج الأول. فإذا قالوا في لسانه حكلة فإنما يذهبون إلى نقصان آلة المنطق، وعجز أداة اللفظ، حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال. وقال رؤبة بن العجاج: لو أنني أوتيت علم الحكل ... علم سليمان كلام النمل وقال محمد بن ذؤيب «١» ، في مديح عبد الملك بن صالح: ويفهم قول الحكل لو أن ذرة ... تساود أخرى لم يفته سوادها وقال التيمي في هجائه لبني تغلب: ولكن حكلا لا تبين ودينها ... عبادة أعلاج عليها البرانس [النحنحة والسعلة] قال: وأنشدني سحيم بن حفص، في الخطيب الذي تعرض له النحنحة والسعلة، وذلك إذا انتفخ سحره، وكبا زنده، ونبا حده، فقال: نعوذ بالله من الإهمال ... ومن كلال الغرب في المقال ومن خطيب دائم السعال

стр. 52

وأنشدني ابن الأعرابي: إن زيادا ليس بالبكيّ ... ولا بهياب كثير العيّ وأنشدني بعض أصحابنا: ناديت هيذان والأبواب مغلقة ... ومثل هيذان سنّى فتحة الباب «١» كالهندواني لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب «٢» وقال آخر: إذا الله سنى عقد شيء تيسرا وقال بشر بن المعتمر «٣» ، في مثل ذلك: ومن الكبائر مقول متتعتع ... جم التنحنح متعب مبهور وذلك أنه شهد ريسان، أبا بحير بن ريسان، يخطب. وقد شهدت أنا هذه الخطبة ولم أر جبانا قط أجرأ منه، ولا جريئا قط أجبن منه. [الخطباء الشعراء] وقال الأشل الأزرقي- من بعض أخوال عمران بن حطان الصفري القعدي- في زيد بن جندب الإيادي خطيب الأزارقة، وقد اجتمعا في بعض المحافل، فقال بعد ذلك الأشل البكري: نحنح زيد وسعل ... لما رأى وقع الأسل ويل أمه إذا ارتجل ... ثم أطال واحتفل

стр. 53

وقد ذكر الشاعر زيد بن جندب الإيادي، الخطيب الأزرقي، في مرثيته لأبي داود بن حريز الإيادي، حيث ذكره بالخطابة وضرب المثل بخطباء إياد، فقال: كقس إياد أو لقيط بن معبد ... وعذرة والمنطيق زيد بن جندب وزيد بن جندب هو الذي قال في الاختلاف الذي وقع بين الأزارقة: قل للمحلين قد قرت عيونكم ... بفرقة القوم والبغضاء والهرب كنا أناسا على دين ففرقنا ... طول الجدال وخلط الجد باللعب ما كان أغنى رجالا ضل سعيهم ... عن الجدال وأغناهم عن الخطب إني لأهونكم في الأرض مضطربا ... ما لي سوى فرسي والرمح من نشب وأما عذرة المذكور في البيت الأول فهو عذرة بن حجيرة الخطيب الإيادي. ويدل على قدره فيهم، وعلى قدره في اللسن وفي الخطب، قول شاعرهم: وأي فتى صبر على الأين والظما ... إذ اعتصروا للوح ماء فظاظها «١» إذا ضرجوها ساعة بدمائها ... وحل عن الكوماء عقد شظاظها «٢» فإنك ضحاك إلى كل صاحب ... وأنطق من قس غداة عكاظها إذا شغب المولى مشاغب معشر ... فعذرة فيها آخذ بكظاظها «٣» فلم يضرب هذا الشاعر الإيادي المثل لهذا الخطيب الإيادي، إلا برجل من خطباء إياد، وهو قس بن ساعدة. ولم يضرب صاحب مرثية أبي داود بن حريز الإيادي المثل إلا بخطباء إياد فقط، ولم يفتقر إلى غيرهم، حيث قال في عذرة بن حجيرة:

стр. 54

كقس إياد أو لقيط بن معبد ... وعذرة والمنطيق زيد بن جندب وأول هذه المرثية قوله: نعى ابن حريز جاهل بمصابه ... فعمّ نزارا بالبكا والتحوب «١» نعاه لنا كالليث يحمي عرينا ... وكالبدر يعشي ضوؤه كل كوكب وأصبر من عود وأهدى إذا سرى ... من النجم في داج من الليل غيهب «٢» وأذرب من حد السنان لسانه ... وأمضى من السيف الحسام المشطب «٣» زعيم نزار كلها وخطيبها ... إذا قام طأطأ رأسه كل مشغب سليل قروم سادة ثم قالة ... يبذون يوم الجمع أهل المحصب كقس إياد أو لقيط بن معبد ... وعذرة والمنطيق زيد بن جندب في كلمة له طويلة. وإياهم عنى الشاعر بقوله: يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء قال: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب، كاتب زهير ومولى بجيلة من سبي دابق، وكان شاعرا راوية، وطلابة للعلم علامة، قال: سمعت أبا داود ابن حريز يقول وقد جرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه، وصعوبة ذلك المقام وأهواله، فقال: «تلخيص المعاني رفق. والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق من غير أهل البادية بغض، والنظر في عيون الناس عي، ومس اللحية هلك، والخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب» . قال: وسمعته يقول: «رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير الألفاظ. والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه» . وأنشدني بيتا له في صفة خطباء إياد:

стр. 55

يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء فذكر المبسوط في موضعه، والمحذوف في موضعه، والموجز، والكناية والوحي باللحظ ودلالة الإشارة. وأنشدني له الثقة في كلمة له معروفة: الجود أخشن مسا يا بني مطر ... من أن تبزّكموه كف مستلب ما أعلم الناس إن الجود مدفعة ... للذم لكنه يأتي على النشب قال: ثم لم يحفل بها، فادعاها مسلم بن الوليد الأنصاري، أو ادعيت له. وكان أحد من يجيد قريض الشعر وتحبير الخطب. وفي الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغا مفوها بينا، وربما كان خطيبا فقط وبيّن اللسان فقط. فمن الخطباء الشعراء، الأبيناء الحكماء: قس بن ساعدة الإيادي. والخطباء كثر، والشعراء أكثر منهم، ومن يجمع الشعر والخطابة قليل. ومنهم: عمرو بن الأهتم المنقري، وهو المكحل، قالوا: كأن شعره في مجالس الملوك حلل منشورة. قيل لعمر بن الخطاب ﵀: «قيل للأوسية أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر» ، فأنشد عند ذلك عمر بن الخطاب، بيت عدي بن زيد العبادي: كدمى العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الروض زهره مستنير قال: فقال قسامة بن زهير: «كلام عمرو بن الأهتم آنق، وشعره أحسن» . هذا، وقسامة أحد أبيناء العرب. ومن الخطباء الشعراء: البعيث المجاشعي، واسمه خداش بن بشر بن بيبة. ومن الخطباء الشعراء: الكميت بن زيد الأسدي، وكنيته أبو المستهل. ومن الخطباء الشعراء: الطرماح بن حكيم الطائي، وكنيته أبو نفر. قال

стр. 56

القاسم بن معن: قال محمد بن سهل راوية الكميت: أنشدت الكميت قول الطرماح: إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت ... عرى المجد واسترخى عنان القصائد قال: فقال الكميت: أي والله، وعنان الخطابة والرواية. قال أبو عثمان الجاحظ: ولم ير الناس أعجب حالا من الكميت والطرماح. وكان الكميت عدنانيا عصبيا، وكان الطرماح قحطانيا عصبيا. وكان الكميت شيعيا من الغالية، وكان الطرماح خارجيا من الصفرية. وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة، وكان الطرماح يتعصب لأهل الشام. وبينهما مع ذلك من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط، ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض، ولا شيء مما تدعو هذه الخصال إليه. ولم ير الناس مثلهما إلا ما ذكروا من حال عبد الله بن يزيد الإباضي، وهشام بن الحكم الرافضي «١» ، فإنهما صارا إلى المشاركة بعد الخلطة والمصاحبة. وقد كانت الحال بين خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، الحال التي تدعو إلى المفارقة بعد المنافسة والمحاسدة، للذي اجتمع فيهما من اتفاق الصناعة والقرابة والمجاورة، فكان يقال: لولا أنهما أحكم تميم لتباينا تباين الأسد والنمر. وكذلك كانت حال هشام بن الحكم الرافضي، وعبد الله بن يزيد الإباضي، إلا أنهما أفضلا على سائر المتضادين، بما صارا إليه من الشركة في جميع تجارتهما. وذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال: «ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية» ، فلم يعارضه شبيب. وتدل كلمة خالد هذه على أنه يحسن أن يسب سب الأشراف. ومن الشعراء الخطباء: عمران بن حطان، وكنيته أبو شهاب، أحد بني عمرو بن شيبان أخوة سدوس.

стр. 57

فمن بني عمرو بن شيبان مع قلتهم من الخطباء والعلماء والشعراء عمران ابن حطان رئيس القعد من الصفرية، وصاحب فتياهم، ومفزعهم عند اختلافهم. ومنهم: دغفل بن حنظلة النسابة، الخطيب العلامة. ومنهم القعقاع بن شور. وسنذكر شأنهم إذا انتهينا إلى موضع ذكرهم إن شاء الله. ومن الخطباء الشعراء: نصر بن سيار، أحد بني ليث بن بكر، صاحب خراسان، وهو يعد في أصحاب الولايات والحروب، في التدبير، وفي العقل وشدة الرأي. ومن الخطباء الشعراء العلماء: زيد بن جندب الإيادي، وقد ذكرنا شأنه. ومن الخطباء الشعراء: عجلان بن سحبان الباهلي، وسحبان هذا هو سحبان وائل، وهو خطيب العرب. ومن الخطباء الشعراء العلماء، وممن قد تنافر إليه الأشراف: أعشى همدان. ومن الشعراء الخطباء: عمران بن عصام العنزي، هو الذي أشار على عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه، والبيعة للوليد بن عبد الملك، في خطبته المشهورة وقصيدته المذكورة. وهو الذي لما بلغ عبد الملك بن مروان قتل الحجاج له قال: ولم قتله، ويله؟ ألا رعى له قوله فيه: وبعثت من ولد الأغر معتب ... صقرا يلوذ حمامه بالعرفج فإذا طبخت بناره أنضجتها ... وإذا طبخت بغيرها لم تنضج وهو الهزبر إذا أراد فريسة ... لم ينجها منه صياح مهجهج «١» ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم: بشار الأعمى، وهو

стр. 58

بشار بن برد، وكنيته أبو معاذ، وكان من أحد موالي بني عقيل. فإن كان مولى أم الظباء على ما يقول بنو سدوس، وعلى ما ذكره حماد عجرد، فهو من موالي بني سدوس. ويقال إنه من أهل خراسان نازلا في بني عقيل. وله مديح كثير في فرسان أهل خراسان ورجالاتهم. وهو الذي يقول: من خراسان وبيتي في الذرى ... ولدى المسعاة فرعي قد بسق وقال: وإني لمن قوم خراسان دارهم ... كرام وفرعي فيهم ناضر بسق وكان شاعرا راجزا، وسجاعا خطيبا، وصاحب منثور ومزدوج. وله رسائل معروفة. وأنشد عقبة بن رؤبة، عقبة بن سلم، رجزا يمتدحه به، وبشار حاضر، فأظهر بشار استحسان الأرجوزة، فقال له عقبة بن رؤبة هذا طراز يا أبا معاذ لا تحسنه. فقال بشار: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك ومن جدك. ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها: يا طلل الحيّ بذات الصمد ... بالله خبّر كيف كنت بعدي وفيها يقول: اسلم وحييت أبا الملد ... لله أيامك في معدّ وفيها يقول: الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرد وفيها يقول: وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي وما درى ما رغبتي من زهدي

стр. 59

أي لم أره زهدا فيه ولا رغبة. ذهب إلى قول الأغر الشاعر: لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك، لولا أن من طاح طائح يودون لو خاطوا عليك جلودهم ... وهل يدفع الموت النفوس الشحائح والمطبوعون على الشعر من المولدين بشار العقيلي، والسيد الحميري، وأبو العتاهية، وابن أبي عيينة. وقد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل وسلما الخاسر، وخلف بن خليفة «١» . وأبان بن عبد الحميد اللاحقي أولى بالطبع من هؤلاء، وبشار أطبعهم كلهم. ومن الخطباء الشعراء ومن يؤلف الكلام الجيد، ويصنع المناقلات الحسان ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة، مع بيان عجيب ورواية كثيرة، وحسن دل وإشارة: عيسى بن يزيد بن دأب، أحد بني ليث بن بكر، وكنيته أبو الوليد. ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن: كلثوم بن عمرو العتابي، وكنيته أبو عمرو، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلف مثل ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النمري، ومسلم بن الوليد الأنصاري وأشباههما. وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع. ولم يكن في المولدين أصوب بديعا من بشار، وابن هرمة. والعتابي من ولد عمرو بن كلثوم، ولذلك قال: إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي ... واجتاح ما بنت الأيام من خطري أيام عمرو بن كلثوم يسوّده ... حيا ربيعة والأفناء من مضر أرومة عطلتني من مكارمها ... كالقوس عطلها الرامي من الوتر

стр. 60

ودل في هذه القصيدة على أنه كان قصيرا بقوله: نهى ظراف الغواني عن مواصلتي ... ما يفجأ العين من شيبي ومن قصري ومن الخطباء الشعراء الذين قد جمعوا الشعر والخطب، والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المخلدة، والسير الحسان المدونة، والأخبار المولدة: سهل بن هارون بن راهيوني «١» الكاتب، صاحب كتاب ثعلة وعفرة، في معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان وكتاب المسائل، وكتاب المخزومي والهذلية، وغير ذلك من الكتب. ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة، ويكنى أبا الحسن وسنذكر كلام قس بن ساعدة وشأن لقيط بن معبد، وهند بنت الخس، وجمعة بنت حابس، وخطباء إياد، إذا صرنا إلى ذكر خطباء القبائل إن شاء. الله. ولإياد وتميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسنه وأظهر من تصويبه. وهذا إسناد تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال. وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث. ولذلك كان خطيب العرب قاطبة. وكذلك ليس لأحد في ذلك مثل الذي لبني تميم، لأن النبي ﵇ لما سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر «٢» قال: «مانع لحوزته، مطاع في أدنيه» . فقال الزبرقان: «أما إنه قد علم أكثر مما قال، ولكنه حسدني شرفي» . فقال عمرو: «أما لئن قال ما قال فو الله ما علمته إلا ضيق الصدر،

стр. 61

زمر المروءة لئيم الخال، حديث الغنى» ، فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الإنكار في عيني رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الآخرة» . فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله عند ذلك: «إن من البيان لسحرا» . فهاتان الخصلتان خصت بهما إياد وتميم، دون جميع القبائل. ودخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان، فأشار له إلى الوساد فقال له: اجلس. فجلس على الأرض، فقال له معاوية: وما منعك يا أحنف من الجلوس على الوساد؟ فقال يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم المنقري ولده أن قال: «لا تغش السلطان حتى يملك، ولا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس له على فراش ولا وساد، واجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين، فإنه عسى أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس منك فتقام له، فيكون قيامك زيادة له، ونقصانا عليك» . حسبي بهذا المجلس يا أمير المؤمنين، لعله إن يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني، فقال معاوية: «لقد أوتيت تميم الحكمة، مع رقة حواشي الكلم» . وأنشأ يقول: يا أيها السائل عما مضى ... وعلم هذا الزمن العائب إن كنت تبغي العلم أو أهله ... أو شاهدا يخبر عن غائب فاعتبر الأرض بسكانها ... واعتبر الصاحب بالصاحب وذهب الشاعر في مرثية أبي دؤاد في قوله: وأصبر من عود وأهدى إذا سرى ... من النجم في داج من الليل غيهب إلى شبيه بقول جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب، حين وقف على قبر عامر بن الطفيل فقال: «كان والله لا يضل حتى يضل النجم، ولا

стр. 62

يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السيل، وكان والله خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا» . وكان زيد بن جندب أشغى أفلح «١» ولولا ذلك لكان أخطب العرب قاطبة. وقال عبيدة بن هلال اليشكري في هجائه له: أشغى عقبناة وناب ذو عصل «٢» ... وفلح باد وسن قد نصل وقال عبيدة أيضا فيه: ولفوك أشنع حين تنطق فاغرا ... من في قريح قد أصاب بريرا «٣» وقد قال الكميت: تشبه في الهام آثارها ... مشافر قرحى أكلن البريرا وقال النمر بن تولب في شنعة أشداق الجمل: كم ضربة لك تحكي فاقراسية ... من المصاعب في أشداقه شنع» القراسية: بعير أضجم «٥» . والضجم اعوجاج في الفم، والفقم مثله. والروق: ركوب السن الشفة. وفي الخطباء من كان أشغى، ومن كان أشدق، ومن كان أروق، ومن كان أضجم، ومن كان أفقم. وفي كل ذلك قد روينا الشاهد والمثل.

стр. 63

وروى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة، مع المصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا وقد رأيتها فيه: كان صعل الرأس أحجن الأنف، أغضف الأذن «١» ، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتىء الوجنة، باخق العين «٢» ، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه. ولو استطاع الهيثم أن يمنعه البيان أيضا لمنعه. ولولا أنه لم يجد بدا من أن يجعل له شيئا على حال لما أقر بأنه إذا تكلم جلى عن نفسه. وقوله في كلمته هذه كقول هند بنت عتبة، حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان، فقال لها بعض المعزين: إنا لنرجو أن يكون معاوية خلف من يزيد، فقالت هند: «ومثل معاوية لا يكون خلفا من أحد، فو الله إن لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها، لخرج من أي أعراضها شاء» . ولكنا نقول: المثل الأحنف يقال: «إلا أنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه» ؟ ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول فيما يعتري اللسان من ضروب الآفات. قال ابن الأعرابي: طلق أبو رمادة امرأته حين وجدها لثغاء، وخاف أن تجيئه بولد ألثغ، فقال: لثغاء تأتي بحيفس ألثغ ... تميس في الموشيّ والمصبّغ الحيفس: الولد القصير الصغير. وأنشدني ابن الأعرابي كلمة جامعة لكثير من هذه المعاني، وهي قول الشاعر: اسكت ولا تنطق فأنت حبحاب «٣» ... كلّك ذو عيب وأنت عياب

стр. 64

إن صدق القوم فأنت كذاب ... أو نطق القوم فأنت هياب أو سكت القوم فأنت قبقاب «١» ... أو أقدموا يوما فأنت وجاب «٢» وأنشدني في هذا المعنى أيضا: ولست بدميجة في الفرا ... ش وجابة يحتمي أن يجيبا ولا ذي قلازم عند الحياض ... إذا ما الشريب أراب الشريبا الدميجة: الثقيل عن الحركة. والقلازم: كثرة الصياح. وأنشدني: رب غريب ناصح الجيب ... وابن أب متهم الغيب ورب عياب له منظر ... مشتمل الثوب على العيب وأنشدني أيضا: وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب. [أثر الأسنان في البيان] وقال سهل بن هارون: «لو عرف الزنجي فرط حاجته إلى ثناياه في إقامة الحروف، وتكميل آلة البيان، لما نزع ثناياه» . وقال عمر بن الخطاب ﵀ في سهيل بن عمرو الخطيب: «يا رسول الله، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا. وإنما قال ذلك لأن سهيلا كان أعلم من شفته السفلى. وقال خلاد بن يزيد الأرقط: خطب الجمحي خطبة نكاح أصاب فيها معاني الكلام، وكان في كلامه صفير يخرج في موضع ثناياه المنزوعة، فأجابه زيد بن علي بن الحسين بكلام في جودة كلامه، إلا أنه فضله بحسن المخرج

стр. 65

والسلامة من الصفير، فذكر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، سلامة لفظ زيد لسلامة أسنانه، فقال في كلمة له: قلت قوادحها وتمّ عديدها ... فله بذاك مزية لا تنكر ويروى: «صحت مخارجها وتم حروفها» . المزية: الفضيلة. وزعم يحيى بن نجيم بن معاوية بن زمعة، أحد رواة أهل البصرة. قال: قال يونس بن حبيب، في تأويل قول الأحنف بن قيس: أنا ابن الزافرية أرضعتني ... بثدي لا أجد ولا وخيم أتمتني فلم تنقص عظامي ... ولا صوتي إذا جد الخصوم قال: إنما عنى بقوله عظامي أسنانه التي في فمه، وهي التي إذا تمت تمت الحروف، وإذا نقصت نقصت الحروف. وقال يونس: وكيف يقول مثله: «أتمتني فلم تنقص عظامي» وهو يريد بالعظام عظام اليدين والرجلين وهو أحنف من رجليه جميعا. مع قول الحتات له: «والله إنك لضئيل، وإن أمك لورهاء» . وكان أعرف بمواقع العيوب وأبصر بدقيقها وجليلها. وكيف يقول ذلك وهو نصب عيون الأعداء والشعراء والأكفاء، وهو أنف مضر الذي تعطس عنه، وأبين العرب والعجم قاطبة. قالوا: ولم يتكلم معاوية على منبر جماعة منذ سقطت ثناياه في الطست. قال أبو الحسن وغيره: لما شق على معاوية سقوط مقادم فيه قال له يزيد ابن معن السلمي: «والله ما بلغ أحد سنك إلا أبغض بعضه بعضا، ففوك أهون علينا من سمعك وبصرك» . فطابت نفسه. قال: وسألت مباركا الزنجي الفاشكار «١» ، ولا أعلم زنجيا بلغ في

стр. 66

الفشكرة مبلغه، فقلت له: لم تنزع الزنج ثناياها؟ ولم يحدد ناس منهم أسنانهم؟ فقال: أما أصحاب التحديد فللقتال والنهش، ولأنهم يأكلون لحوم الناس، ومتى حارب ملك ملكا فأخذه أسيرا أو قتيلا أكله، وكذلك إذا قاتل بعضهم بعضا أكل الغالب منهم المغلوب. وأما أصحاب القلع فإنهم قالوا: نظرنا إلى مقادم أفواه الغنم فكرهنا أن تشبه مقادم أفواهنا مقادم أفواه الغنم، فكم تظنهم- أكرمك الله- فقدوا من المنافع العظام بفقد تلك الثنايا. وفي هذا كلام يقع في كتاب الحيوان: وقال أبو الهندي في اللثغ: سقيت أبا المطرّح إذ أتاني ... وذو الرعثات منتصب يصيح شرابا تهرب الذبان منه ... ويلثغ حين يشربه الفصيح وقال محمد بن عمرو الرومي، مولى أمير المؤمنين: قد صحت التجربة وقامت العبرة على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شطريها الشطر الآخر. وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جميع أسنانهم، وبعد أن بقي منها الثلث أو الربع. فمن سقطت جميع أسنانه وكان معنى كلامه مفهوما: الوليد بن هشام القحذمي صاحب الأخبار. ومنهم أبو سفيان بن العلاء بن لبيد التغلبي، وكان ذا بيان ولسن. وكان عبيد الله بن أبي غسان ظريفا يصرف لسانه كيف شاء، وكان الإلحاح على القيء قد برد أسنانه، حتى لا يرى أحد منها شيئا إلا أن تطلع في لحم اللثة، أو في أصول منابت الأسنان. وكان سفيان بن الأبرد الكلبي كثيرا ما يجمع بين الحار والقار، فتساقطت أسنانه جمع، وكان في ذلك كله خطيبا بينا.

стр. 67

وقال أهل التجربة: إذا كان في اللحم الذي فيه مغارز الأسنان تشمير وقصر سمك «١» ذهبت الحروف وفسد البيان. وإذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يفرعه ويصكه، ولم يمر في هواء واسع المجال، وكان لسانه يملأ جوبة فمه، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر، والجزء المحتمل. ويؤكد ذلك قول صاحب المنطق «٢» ، فإنه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر والسبع والبهيمة كلما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح وأبين، وأحكى لما يلقن ولما يسمع، كنحو الببغاء والغداف وغراب البين، وما أشبه ذلك، وكالذي يتهيأ من أفواه السنانير إذا تجاوبت، من الحروف المقطعة المشاركة لمخارج حروف الناس. وأما الغنم فليس يمكنها أن تقول إلا «ما» . والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم: ماما، وبابا، لأنهما خارجان من عمل اللسان، وإنما يظهران بالتقاء الشفتين. وليس شيء من الحروف أدخل في باب النقص والعجز من فم الأهتم، من الفاء والسين إذا كانا في وسط الكلمة فأما الضاد فليست تخرج إلا من الشدق الأيمن، إلا أن يكون المتكلم أعسر يسرا، مثل عمر بن الخطاب ﵀، فإنه كان يخرج الضاد من أي شدقيه شاء. فأما الأيمن والأعسر والأضبط، فليس يمكنهم ذلك إلا بالاستكراه الشديد. وكذلك الأنفاس مقسومة على المنخرين، فحالا يكون في الاسترواح ودفع البخار من الجوف من الشق الأيمن، وحالا يكون من الشق الأيسر، ولا يجتمعان على ذلك في وقت إلا أن يستكره ذلك مستكره، أو يتكلفه متكلف، فأما إذا ترك أنفاسه على سجيتها لم تكن إلا كما قالوا. وقالوا: الدليل على أن من سقط جميع أسنانه أن عظم اللسان نافع له، قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية، حين أمره بهجاء الأنصار، فقال له:

стр. 68

«أرادي أنت إلى الكفر بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول الله صلّى الله عليه وآله وآووه، ولكني سأدلك على غلام في الحي، كافر كأن لسانه لسان ثور» . يعني الأخطل. وجاء في الحديث: «إن الله ﵎ يبغض الرجل الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلا بلسانها» . قالوا: ويدل على ذلك قول حسان بن ثابت، حين قال له النبي ﵇: «ما بقي من لسانك؟» . فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته، ثم قال: «والله إن لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه، وما يسرني به مقول من معد» . وأبو السمط مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة، وأبوه وابنه في نسق واحد، يقرعون بأطراف ألسنتهم أطراف أنفهم. وتقول الهند: لولا أن الفيل مقلوب اللسان لكان أنطق من كل طائر يتهيأ في لسانه كثير من الحروف المقطعة المعروفة. وقد ضرب الذين زعموا أن ذهاب جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف من ذهاب الشطر أو الثلثين، في ذلك مثلا، فقالوا: الحمام المقصوص جناحاه جميعا أجدر أن يطير من الذي يكون جناحاه أحدهما وافرا والآخر مقصوصا. قالوا: وعلة ذلك التعديل والاستواء، وإذا لم يكن ذلك كذلك ارتفع أحد شقيه وانخفض الآخر، فلم يجذف ولم يطر. والقطا من الطير قد يتهيأ من أفواهها أن تقول: قطاقطا. وبذلك سميت ويتهيأ من أفواه الكلاب العينات والفاءات والواوات، كنحو قولها: وو وو، وكنحو قولها: عف عف. قال الهيثم بن عدي: قيل لصبي: من أبوك؟ فقال: وو وو، لأن أباه كان يسمى كلبا.

стр. 69

قال: ولكل لغة حروف تدور في أكثر كلامها كنحو استعمال الروم للسين، واستعمال الجرامقة للعين «١» . وقال الأصمعي: ليس للروم ضاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسرياني ذال. [تنافر الألفاظ والحروف] قال: ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض الاستكراه. فمن ذلك قول الشاعر: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر ولما رأى من لا علم له أن أحدا لا يستطيع أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات في نسق واحد فلا يتعتع ولا يتلجلج، وقيل لهم إن ذلك إنما اعتراه إذ كان من أشعار الجن، صدقوا بذلك. ومن ذلك قول ابن يسير في أحمد بن يوسف حين استبطأه: هل معين على البكا والعويل ... أم معز على المصاب الجليل ميّت مات وهو في ورق العيش ... مقيم به وظل ظليل «٢» في عداد الموتى وفي عامري الدن ... يا أبو جعفر أخي وخليلي لم يمت ميتة الوفاة ولكن ... مات عن كل صالح وجميل لا أذيل الآمال بعدك إني ... بعدها بالآمال حق بخيل كم لها وقفة بباب كريم ... رجعت من نداه بالتعطيل «٣» ثم قال: لم يضرها، والحمد لله، شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول

стр. 70

فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض. وأنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خلف الأحمر في هذا المعنى: وبعض قيض القوم أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ «١» وقال أبو العاصي: وأنشدني في ذلك أبو البيداء الرياحي: وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل أما قول خلف: وبعض قريض القوم أولاد علة فإنه يقول: إذا كان الشعر مستكرها، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها ممائلا لبعض، كان بينها من التنافر ما بين أولاد العلات. وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة. قال: وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان. وأما قوله «كبعر الكبش» ، فإنما ذهب إلى أن بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف ولا متجاور. وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر، تراها متفقة ملسا ولينة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكرهة، تشق على اللسان وتكده، والأخرى تراها سهلة لينة، ورطبة مواتية، سلسة النظام، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد.

стр. 71

وقال سحيم بن حفص: قالت بنت الحطيئة للحطيئة: «تركت قوما كراما ونزلت في بني كليب بعر الكبش» . فعاتبهم بتفرق بيوتهم. فقيل لهم: فأنشدونا بعض ما لا تتباين ألفاظه، ولا تتنافر أجزاؤه. فقالوا: قال الثقفي: من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الدليل الذي ليست له عضد تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم «١» رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم ألا يزال يهيم ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم وأنشدوا: ولست بدميجة في الفرا ... ش وجّابة يحتمي أن يجيبا ولا ذي قلازم عند الحياض ... إذا ما الشريب أراب الشريبا وقال أبو نوفل بن سالم لرؤبة بن العجاج: يا أبا الجحاف، مت إذا شئت. قال: وكيف ذلك؟ قال: رأيت عقبة بن رؤبة ينشد رجزا أعجبني. قال: إنه يقول، لو كان لقوله قران! وقال الشاعر: مهاذبة مناجبة قران ... منادبة كأنهم الأسود وأنشد ابن الأعرابي: وبات يدرس شعرا لا قران له ... قد كان نقّحه حولا فما زادا وقال الآخر، بشار: فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهرا

стр. 72

فهذا في اقتران الألفاظ. فأما في اقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين، بتقديم ولا بتأخير. والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال، بتقديم ولا بتأخير. وهذا باب كبير. وقد يكتفي بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التي إليها يجري. [اللكنة] وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، ويكون لفظه متخيرا فاخرا، ومعناه شريفا كريما، ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي. وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة، فإنك تعلم مع إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه، إنه خراساني. وكذلك إن كان من كتاب الأهواز. ومع هذا إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم، لا يغادر من ذلك شيئا. وكذلك تكون حكايته للخراساني والأهوازي والزنجي والسندي والأجناس وغير ذلك. نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. وتجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه، لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدا يجمع ذلك كله، فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد. ولقد كان أبو دبوبة الزنجي، مولى آل زياد، يقف بباب الكرخ، بحضرة المكارين «١» ، فينهق، فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير، ولا متعب بهير إلا نهق. وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة، فلا تنبعث لذلك، ولا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبوبة يحركه. وقد كان جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد. وكذلك كان في نباح الكلاب. ولذلك زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له العالم الصغير سليل

стр. 73

العالم الكبير، لأنه يصور بيديه كل صورة، ويحكي بفمه كل حكاية، ولأنه يأكل النبات كما تأكل البهائم، ويأكل الحيوان كما تأكل السباع وإن فيه من أخلاق جميع أجناس الحيوان أشكالا. وإنما تهيأ وأمكن الحاكية لجميع مخارج الأمم، لما أعطى الله الإنسان من الاستطاعة والتمكين، وحين فضله على جمع الحيوان بالمنطق والعقل والاستطاعة. بطول استعمال التكلف ذلت جوارحه لذلك. ومتى ترك شمائله على حالها، ولسانه على سجيته، كان مقصورا بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه. وهذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الألفاظ، وصور الحركات والسكون. فأما حروف الكلام فإن حكمها إذا تمكنت في الألسنة خلاف هذا الحكم. ألا ترى أن السندي إذا جلب كبيرا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايا ولو أقام في عليا تميم، وفي سفلى قيس، وبين عجز هوازن، خمسين عاما. وكذلك النبطي القح، خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينا، فإذا أراد أن يقول زورق قال سورق، ويجعل العين همزة، فإذا أراد أن يقول مشمعل، قال مشمئل. والنخاس يمتحن لسان الجارية إذا ظن أنها رومية وأهلها يزعمون أنها مولدة بأن تقول ناعمة، وتقول شمس، ثلاث مرات متواليات. والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور: منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشئوا، وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج «١» ، المسترخي الحنك، المرتفع اللثة، وخلاف ما يعتري أصحاب اللكن من العجم، ومن ينشأ من العرب مع العجم، فمن اللكن ممن كان خطيبا، أو شاعرا، أو كاتبا داهيا زياد بن سلمى أبو أمامة، وهو زياد الأعجم. قال أبو عبيدة: كان ينشد قوله: فتى زاده السلطان في الود رفعة ... إذا غير السلطان كل خليل

стр. 74

قال: فكان يجعل السين شيئا والطاء تاء، فيقول: «فتى زاده الشلتان» . ومنهم سحيم عبد بني الحسحاس، قال له عمر بن الخطاب ﵀ وأنشد قصيدته التي يقول أولها: عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال له عمر: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فقال له: ما سعرت. يريد ما شعرت، جعل الشين المعجمة سينا غير معجمة. ومنهم عبيد الله بن زياد والي العراق، قال لهانىء بن قبيصة: أهرري سائر اليوم! يريد أحروري. ومنهم صهيب بن سنان النمري، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يقول: إنك لهائن، يريد إنك لخائن. وصهيب بن سنان يرتضخ لكنة رومية، وعبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية، وقد اجتمعا على جعل الحاء هاء. وازدانقاذار لكنته لكنة نبطية، وكان مثلهما في جعل الحاء هاء. وبعضهم يروي أنه أملى على كاتب له فقال: اكتب: «الهاصل ألف كر «١» » فكتبها الكاتب بالهاء كاللفظ بها فأعاد عليه الكلام، فأعاد الكاتب. فلما فطن لاجتماعهما على الجهل قال: أنت لا تهسن أن تكتب، وأنا لا أهسن أن أملي، فاكتب: «الجاصل ألف كر» : فكتبها بالجيم معجمة. ومنهم أبو مسلم صاحب الدعوة، وكان حسن الألفاظ جيد المعاني، وكان إذا أراد أن يقول: قلت لك، قال: كلت لك. فشارك في تحويل القاف كافا عبيد الله بن زياد. كذلك خبرنا أبو عبيدة. قال: وإنما أتي عبيد الله بن زياد في ذلك أنه نشأ في الأساورة عند شيرويه الاسواري، زوج أمه مرجانة.

стр. 75

وقد كان في آل زياد غير واحد يسمى شيرويه. قال: وفي دار شيرويه عاد علي بن أبي طالب زيادا من علة كانت به. فهذا ما حضرنا من لكنة البلغاء والخطباء والشعراء والرؤساء. فأما لكنة العامة ومن لم يكن له حظ في المنطق فمثل فيل مولى زياد فإنه قال مرة لزياد «اهدوا لنا همار وهش» . يريد حمار وحش. فقال زياد: ما تقول ويلك! قال: «أهدوا إلينا أيرا» . يريد عيرا. فقال زياد: الأول أهون! وفهم ما أراد. وقالت أم ولد لجرير بن الخطفي، لبعض ولدها: «وقع الجردان في عجان أمكم» «١» ، فأبدلت الذال من الجرذان دالا وضمت الجيم، وجعلت العجين عجانا. وقال بعض الشعراء في أم ولد له، يذكر لكنتها: أول ما أسمع منها في السحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر والسوءة السوآء في ذكر القمر لأنها كانت إذا أرادت أن تقول القمر، قالت: الكمر. وقال ابن عباد: ركبت عجوز سندية جملا، فلما مضى تحتها متخلعا اعتراها كهيئة حركة الجماع، فقالت: هذا الذمل يذكرنا بالسر. تريد أنه يذكرها بالوطء، فقلبت السين شينا والجيم ذالا. وهذا كثير. وباب آخر من اللكنة. قيل لنبطي: لم ابتعت هذه الأتان؟ قال: «أركبها وتلد لي» فجاء بالمعنى بعينه ولم يبدل الحروف بغيرها، ولا زاد فيها ولا نقص، ولكنه فتح المكسور حين قال وتلد لي، ولم يقل تلد لي. قال: والصقلبي يجعل الذال المعجمة دالا في الحروف.
следующие страницы →