Полный текст (863 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقال سحيم بن حفص: قالت بنت الحطيئة للحطيئة: «تركت قوما كراما ونزلت في بني كليب بعر الكبش» . فعاتبهم بتفرق بيوتهم.
فقيل لهم: فأنشدونا بعض ما لا تتباين ألفاظه، ولا تتنافر أجزاؤه.
فقالوا: قال الثقفي:
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الدليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم «١»
رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم ألا يزال يهيم
ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم
وأنشدوا:
ولست بدميجة في الفرا ... ش وجّابة يحتمي أن يجيبا
ولا ذي قلازم عند الحياض ... إذا ما الشريب أراب الشريبا
وقال أبو نوفل بن سالم لرؤبة بن العجاج: يا أبا الجحاف، مت إذا شئت. قال: وكيف ذلك؟ قال: رأيت عقبة بن رؤبة ينشد رجزا أعجبني.
قال: إنه يقول، لو كان لقوله قران! وقال الشاعر:
مهاذبة مناجبة قران ... منادبة كأنهم الأسود
وأنشد ابن الأعرابي:
وبات يدرس شعرا لا قران له ... قد كان نقّحه حولا فما زادا
وقال الآخر، بشار:
فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهرا
стр. 72
فهذا في اقتران الألفاظ. فأما في اقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين، بتقديم ولا بتأخير. والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال، بتقديم ولا بتأخير. وهذا باب كبير. وقد يكتفي بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التي إليها يجري.
[اللكنة]
وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، ويكون لفظه متخيرا فاخرا، ومعناه شريفا كريما، ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي. وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة، فإنك تعلم مع إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه، إنه خراساني. وكذلك إن كان من كتاب الأهواز.
ومع هذا إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم، لا يغادر من ذلك شيئا. وكذلك تكون حكايته للخراساني والأهوازي والزنجي والسندي والأجناس وغير ذلك. نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. وتجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه، لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدا يجمع ذلك كله، فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد.
ولقد كان أبو دبوبة الزنجي، مولى آل زياد، يقف بباب الكرخ، بحضرة المكارين «١» ، فينهق، فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير، ولا متعب بهير إلا نهق. وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة، فلا تنبعث لذلك، ولا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبوبة يحركه. وقد كان جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد. وكذلك كان في نباح الكلاب. ولذلك زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له العالم الصغير سليل
стр. 73
العالم الكبير، لأنه يصور بيديه كل صورة، ويحكي بفمه كل حكاية، ولأنه يأكل النبات كما تأكل البهائم، ويأكل الحيوان كما تأكل السباع وإن فيه من أخلاق جميع أجناس الحيوان أشكالا.
وإنما تهيأ وأمكن الحاكية لجميع مخارج الأمم، لما أعطى الله الإنسان من الاستطاعة والتمكين، وحين فضله على جمع الحيوان بالمنطق والعقل والاستطاعة. بطول استعمال التكلف ذلت جوارحه لذلك. ومتى ترك شمائله على حالها، ولسانه على سجيته، كان مقصورا بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه. وهذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الألفاظ، وصور الحركات والسكون. فأما حروف الكلام فإن حكمها إذا تمكنت في الألسنة خلاف هذا الحكم. ألا ترى أن السندي إذا جلب كبيرا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايا ولو أقام في عليا تميم، وفي سفلى قيس، وبين عجز هوازن، خمسين عاما. وكذلك النبطي القح، خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينا، فإذا أراد أن يقول زورق قال سورق، ويجعل العين همزة، فإذا أراد أن يقول مشمعل، قال مشمئل.
والنخاس يمتحن لسان الجارية إذا ظن أنها رومية وأهلها يزعمون أنها مولدة بأن تقول ناعمة، وتقول شمس، ثلاث مرات متواليات.
والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور: منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشئوا، وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج «١» ، المسترخي الحنك، المرتفع اللثة، وخلاف ما يعتري أصحاب اللكن من العجم، ومن ينشأ من العرب مع العجم، فمن اللكن ممن كان خطيبا، أو شاعرا، أو كاتبا داهيا زياد بن سلمى أبو أمامة، وهو زياد الأعجم. قال أبو عبيدة: كان ينشد قوله:
فتى زاده السلطان في الود رفعة ... إذا غير السلطان كل خليل
стр. 74
قال: فكان يجعل السين شيئا والطاء تاء، فيقول: «فتى زاده الشلتان» .
ومنهم سحيم عبد بني الحسحاس، قال له عمر بن الخطاب ﵀ وأنشد قصيدته التي يقول أولها:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال له عمر: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فقال له: ما سعرت. يريد ما شعرت، جعل الشين المعجمة سينا غير معجمة.
ومنهم عبيد الله بن زياد والي العراق، قال لهانىء بن قبيصة: أهرري سائر اليوم! يريد أحروري.
ومنهم صهيب بن سنان النمري، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يقول: إنك لهائن، يريد إنك لخائن. وصهيب بن سنان يرتضخ لكنة رومية، وعبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية، وقد اجتمعا على جعل الحاء هاء.
وازدانقاذار لكنته لكنة نبطية، وكان مثلهما في جعل الحاء هاء. وبعضهم يروي أنه أملى على كاتب له فقال: اكتب: «الهاصل ألف كر «١» » فكتبها الكاتب بالهاء كاللفظ بها فأعاد عليه الكلام، فأعاد الكاتب. فلما فطن لاجتماعهما على الجهل قال: أنت لا تهسن أن تكتب، وأنا لا أهسن أن أملي، فاكتب: «الجاصل ألف كر» : فكتبها بالجيم معجمة.
ومنهم أبو مسلم صاحب الدعوة، وكان حسن الألفاظ جيد المعاني، وكان إذا أراد أن يقول: قلت لك، قال: كلت لك. فشارك في تحويل القاف كافا عبيد الله بن زياد. كذلك خبرنا أبو عبيدة.
قال: وإنما أتي عبيد الله بن زياد في ذلك أنه نشأ في الأساورة عند شيرويه الاسواري، زوج أمه مرجانة.
стр. 75
وقد كان في آل زياد غير واحد يسمى شيرويه. قال: وفي دار شيرويه عاد علي بن أبي طالب زيادا من علة كانت به.
فهذا ما حضرنا من لكنة البلغاء والخطباء والشعراء والرؤساء. فأما لكنة العامة ومن لم يكن له حظ في المنطق فمثل فيل مولى زياد فإنه قال مرة لزياد «اهدوا لنا همار وهش» . يريد حمار وحش. فقال زياد: ما تقول ويلك! قال: «أهدوا إلينا أيرا» . يريد عيرا. فقال زياد: الأول أهون! وفهم ما أراد.
وقالت أم ولد لجرير بن الخطفي، لبعض ولدها: «وقع الجردان في عجان أمكم» «١» ، فأبدلت الذال من الجرذان دالا وضمت الجيم، وجعلت العجين عجانا. وقال بعض الشعراء في أم ولد له، يذكر لكنتها:
أول ما أسمع منها في السحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
والسوءة السوآء في ذكر القمر
لأنها كانت إذا أرادت أن تقول القمر، قالت: الكمر.
وقال ابن عباد: ركبت عجوز سندية جملا، فلما مضى تحتها متخلعا اعتراها كهيئة حركة الجماع، فقالت: هذا الذمل يذكرنا بالسر. تريد أنه يذكرها بالوطء، فقلبت السين شينا والجيم ذالا. وهذا كثير.
وباب آخر من اللكنة. قيل لنبطي: لم ابتعت هذه الأتان؟ قال:
«أركبها وتلد لي» فجاء بالمعنى بعينه ولم يبدل الحروف بغيرها، ولا زاد فيها ولا نقص، ولكنه فتح المكسور حين قال وتلد لي، ولم يقل تلد لي.
قال: والصقلبي يجعل الذال المعجمة دالا في الحروف.
стр. 76
باب البيان
[حد البيان]
قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره. وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وأخبارهم عنها، واستعمالهم إياها. وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل، وتجعل الخفي منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشي مجلوفا، والغفل موسوما، والموسوم معلوما.
وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين
стр. 77
وأنور، كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله يمدحه، ويدعو إليه ويحث عليه. بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم.
والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يغضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والأفهام، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع.
ثم اعلم- حفظك الله- أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة.
[أدوات البيان الخمس]
وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة. والنصبة هي الحال الدالة، التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، ثم عن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامها، وعن طبقاتها في السار والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا، وساقطا مطرحا.
قال أبو عثمان: وكان في الحق أن يكون هذا الباب في أول هذا الكتاب، ولكنا أخرّناه لبعض التدبير.
وقالوا: البيان بصر والعي عمى، كما أن العلم بصر والجهل عمى.
والبيان من نتاج العلم، والعي من نتاج الجهل.
стр. 78
وقال سهل بن هارون: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم.
وقال صاحب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق المبين.
وقالوا: حياة المروءة الصدق، وحياة الروح العفاف، وحياة الحلم العلم، وحياة العلم البيان.
وقال يونس بن حبيب: ليس لعيي مروءة، ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو حك بيافوخه أعنان السماء.
وقالوا: شعر الرجل قطعة من كلامه، وظنه قطعة من علمه، واختياره قطعة من عقله.
وقال ابن التوأم: الروح عماد البدن، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.
قد قلنا في الدلالة باللفظ. فأما الإشارة فباليد، وبالرأس، وبالعين والحاجب والمنكب، إذا تباعد الشخصان، وبالثوب وبالسيف. وقد يتهدد رافع السيف والسوط، فيكون ذلك زاجرا، ومانعا رادعا، ويكون وعيدا وتحذيرا.
والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه. وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط. وبعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة، وحلية موصوفة، على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها. وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح، مرفق كبير ومعونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس. ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة. ولولا أن تفسير هذه الكلمة يدخل في باب صناعة الكلام لفسرتها لكم. وقد قال الشاعر في دلالات الإشارة:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم
стр. 79
وقال الآخر:
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وفي الناس من الناس ... مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للمر ... ء أن تنطق أفواه
وقال الآخر في هذا المعنى:
ومعشر صيد ذوي تجلّه ... ترى عليهم للندى أدلّه
وقال الآخر:
ترى عينها عيني فتعرف وحيها ... وتعرف عيني ما به الوحي يرجع
وقال آخر:
وعين الفتى تبدي الذي في ضميره ... وتعرف بالنجوى الحديث المعمسا
وقال الآخر:
العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من المحبة أو بغض إذا كانا
والعين تنطق والأفواه صامته ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت. فهذا أيضا باب تتقدم فيه الإشارة الصوت.
والصوت هو آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف. وحسن الإشارة باليد والرأس، من تمام حسن البيان باللسان، مع الذي يكون مع الإشارة من الدل والشكل «١» والتقتل والتثني «٢» ، واستدعاء الشهوة، وغير ذلك من الأمور.
стр. 80
قد قلنا في الدلالة بالإشارة. فأما الخط، فمما ذكر الله في كتابه من فضيلة الخط والإنعام بمنافع الكتاب، قوله لنبيه ﵇: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
. وأقسم به في كتابه المنزل، على نبيه المرسل، حيث قال: ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
، ولذلك قالوا: القلم أحد اللسانين. كما قالوا: قلة العيال أحد اليسارين.
وقالوا: القلم أبقى أثرا، واللسان أكثر هذرا.
وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام.
وقالوا: اللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو للغابر الحائن، مثله للقائم الراهن.
والكتاب يقرأ بكل مكان، ويدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوزه إلى غيره.
وأما القول في العقد، وهو الحساب دون اللفظ والخط، فالدليل على فضيلته، وعظم قدر الانتفاع به قول الله : فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
. وقال جل وتقدس: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
. وقال جل وعز: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ
. وقال:
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ.
والحساب يشتمل على معان كثيرة ومنافع جليلة، ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن الله معنى الحساب في الآخرة. وفي عدم اللفظ وفساد الخط والجهل بالعقد فساد جل النعم، وفقدان جمهور المنافع، واختلال كل ما جعله الله لنا قواما، ومصلحة ونظاما.
стр. 81
وأما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد. وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض، وفي كل صامت وناطق، وجامد ونام، ومقيم وظاعن، وزائد وناقص. فالدلالة التي في الموات الجامد، كالدلالة التي في الحيوان الناطق. فالصامت ناطق من جهة الدلالة، والعجماء معربة من جهة البرهان. ولذلك قال الأول:
«سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟
فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» .
وقال بعض الخطباء: «أشهد أن السموات والأرض آيات وآلات وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة ويشهد لك بالربوبية موسومة بآثار قدرتك، ومعالم تدبيرك، التي تجليت بها لخلقك، فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما أنسها من وحشة الفكر، ورجم الظنون. فهي على اعترافها لك، وافتقارها إليك شاهدة بأنك لا تحيط بك الصفات ولا تحدك الأوهام، وإن حظ الفكر فيك، الاعتراف لك» .
وقال خطيب من الخطباء، حين قام على سرير الاسكندر وهو ميت:
«الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس» .
ومتى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه وإن كان صامتا، وأشار إليه وإن كان ساكتا. وهذا القول شائع في جميع اللغات، ومتفق عليه مع إفراط الاختلافات.
وقال عنترة بن شداد العبسي جعل نعيب الغراب خبرا للزاجر:
حرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع
الحرق: الأسود. شبه لحييه بالجلمين، لأن الغراب يخبر بالفرقة والغربة ويقطع كما يقطع الجلمان. وأنشدني أبو الرديني العكلي، في تنسم الذئب الريح واستنشائه واسترواحه:
يستخبر الريح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصفا الموقع
стр. 82
المقراع: الفأس التي يكسر بها الصخر. والموقع. المحدد. يقال وقعت الحديدة إذا حددتها. وقال آخر، وهو الراعي:
إن السماء وإن الريح شاهدة ... والأرض تشهد والأيام والبلد
لقد جزيت بني بدر ببغيهم ... يوم الهباءة يوما ما له قود
وقال نصيب في هذا المعنى، يمدح سليمان بن عبد الملك:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب «١»
قفوا خبرونا عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب «٢»
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وهذا كثير جدا.
[أحسن الكلام]
وقال علي ﵀: «قيمة كل امرئ ما يحسن» . فلو لم نقف من هذا الكتاب إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية، ومجزئة مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية. وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكان الله قد ألبسه من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى قائله. فإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه، ومنزها عن الاختلال مصونا عن التكلف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة. ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.
стр. 83
وقد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .
وقال الحسن ﵀، وسمع رجلا يعظ، فلم تقع موعظته بموضع من قلبه، ولم يرق عندها، فقال له: «يا هذا، إن بقلبك لشر أو بقلبي» .
وقال علي بن الحسين بن علي ﵀: لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة، وجملة الحال في صواب التبيين، لأعربوا عن كل ما تخلج في صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم. وعلى أن درك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدة، والفكرة القصيرة المدة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب ومعدول بالهوى عن باب التثبت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
وقد جمع محمد بن علي بن الحسين صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال: «صلاح شأن جميع التعايش والتعاشر، ملء مكيال ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل» . فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، ولا حظا في الصلاح لأن الإنسان لا يتغافل إلا عن شيء قد فطن له وعرفه.
وذكر هذه الثلاثة الأخبار إبراهيم بن داحة، عن محمد بن عمير. وذكرها صالح بن علي الأفقم، عن محمد بن عمير. وهؤلاء جميعا من مشايخ الشيع، وكان ابن عمير أغلاهم.
وأخبرني إبراهيم بن السندي، عن علي بن صالح الحاجب، عن العباس ابن محمد قال: قيل لعبد الله بن عباس: أنّى لك هذا العلم؟ قال: «قلب عقول، ولسان سؤول» . وقد رووا هذا الكلام عن دغفل بن حنظلة العلامة.
وعبد الله أولى به منه. والدليل على ذلك قول الحسن: إن أول من عرف بالبصرة ابن عباس، صعد المنبر فقرأ سورة البقرة، ففسرها حرفا حرفا، وكان مثجا يسيل غربا.
المثج: السائل الكثير، وهو من الثجاج. والغرب، ها هنا: الدوام.
стр. 84
هشام بن حسان وغيره، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن قوما زعموا أنك تذم ابن عباس. قالوا: فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: إن ابن عباس كان من الإسلام بمكان، إن ابن عباس كان من القرآن بمكان، وكان والله له لسان سؤول، وقلب عقول، وكان والله مثجا يسيل غربا.
قالوا: وقال علي بن عبد الله بن عباس: من لم يجد مس الجهل في عقله، وذل المعصية في قلبه، ولم يستبن موضع الخلة في لسانه، عند كلال حده عن حد خصمه، فليس ممن ينزع عن ريبة، ولا يرغب عن حال معجزة، ولا يكترث لفصل ما بين حجة وشبهة.
قالوا: وذكر محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، بلاغة بعض أهله فقال: إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله.
وهذا كلام شريف نافع، فاحفظوا لفظه وتدبروا معناه، ثم اعلموا أن المعنى الحقير الفاسد، والدني الساقط، يعشش في القلب ثم يبيض ثم يفرخ، فإذا ضرب بجرانه ومكن لعروقه، استفحل الفساد وبزل، وتمكن الجهل وقرح «١» ، فعند ذلك يقوى داؤه، ويمتنع دواؤه، لأن اللفظ الهجين الردي، والمستكره الغبي، أعلق باللسان، وآلف للسمع، وأشد التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف، والمعنى الرفيع الكريم. ولو جالست الجهال والنوكى، والسخفاء والحمقى، شهرا فقط، لم تنق من أوضار كلامهم، وخبال معانيهم، بمجالسة أهل البيان والعقل دهرا، لأن الفساد أسرع إلى الناس، وأشد التحاما بالطبائع. والإنسان بالتعلم والتكلف، وبطول الاختلاف إلى العلماء، ومدارسة كتب الحكماء، يجود لفظه ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير.
стр. 85
ومما يؤكد قول محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، قول بعض الحكماء حين قيل له: متى يكون الأدب شرا من عدمه؟ قال: إذا كثر الأدب، ونقصت القريحة.
وقد قال بعض الأولين: «من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه» . وهذا كله قريب بعضه من بعض.
وذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب ﵀ فقال: «كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع» .
وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: «كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل» .
وكان عبد الرحمن بن إسحاق القاضي يروي عن جده إبراهيم بن سلمة، قال: سمعت أبا مسلم يقول: سمعت الإمام إبراهيم بن محمد يقول: يكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.
قال أبو عثمان: أما أنا فأستحسن هذا القول جدا.
стр. 86
باب البلاغة
[حد البلاغة]
الحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلّى الله على محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة.
خبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان، وحدثني محمد بن أبان- ولا أدري كاتب من كان- قالا:
قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل.
وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.
وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة.
وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.
стр. 87
وقال بعض أهل الهند: جماع البلاغة البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة.
ثم قال: ومن البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، أن تدع الافصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما كان الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك، وأحق بالظفر.
قال: وقال مرة: جماع البلاغة التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، وقلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض، وبما شرد عليك من اللفظ أو تعذر.
ثم قال: وزين ذلك كله، وبهاؤه وحلاوته وسناؤه، أن تكون الشمائل موزونة، والألفاظ معدلة، واللهجة نقية. فإن جامع ذلك السن والسمت والجمال وطول الصمت، فقد تم كل التمام، وكمل كل الكمال.
[مفهوم البلاغة عند سهل بن هارون]
وخالف عليه سهل بن هارون في ذلك، وكان سهل في نفسه عتيق الوجه، حسن الشارة، بعيدا من الفدامة، معتدل القامة، مقبول الصورة، يقضى له بالحكمة قبل الخبرة، وبرقة الذهن قبل المخاطبة، وبدقة المذهب قبل الامتحان وبالنبل قبل التكشف. فلم يمنعه ذلك أن يقول ما هو الحق عنده وإن أدخل ذلك على حالة النقص.
قال سهل بن هارون: لو أن رجلين خطبا أو تحدثا، أو احتجا أو وصفا وكان أحدهما جميلا جليلا بهيا، ولباسا نبيلا، وذا حسب شريفا، وكان الآخر قليلا قميئا، وباذّ الهيئة دميما «١» ، وخامل الذكر مجهولا، ثم كان كلامهما في مقدار واحد من البلاغة، وفي وزن واحد من الصواب، لتصدع عنهما الجمع وعامتهم تقضي للقليل الدميم على النبيل الجسيم، وللباذ الهيئة على ذي
стр. 88
الهيئة، ولشغلهم التعجب منه عن مساواة صاحبه به، ولصار التعجب منه سببا للعجب به، ولصار الإكثار في شأنه علة للإكثار في مدحه، لأن النفوس كانت له أحقر، ومن بيانه أيأس، ومن حسده أبعد. فإذا هجموا منه على ما لم يكونوا يحتسبونه، وظهر منه خلاف ما قدروه، تضاعف حسن كلامه في صدورهم، وكبر في عيونهم لأن الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع. وإنما ذلك كنوادر كلام الصبيان وملح المجانين، فإن ضحك السامعين من ذلك أشد، وتعجبهم به أكثر. والناس موكلون بتعظيم الغريب، واستطراف البعيد، وليس لهم في الموجود الراهن، وفيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى، مثل الذي زهّد الجيران في عالمهم، والاصحاب في الفائدة من صاحبهم. وعلى هذا السبيل يستطرفون القادم عليهم، ويرحلون إلى النازح عنهم، ويتركون من هو أعم نفعا وأكثر في وجوه العلم تصرفا، وأخف مؤونة وأكثر فائدة ولذلك قدّم بعض الناس الخارجي «١» على العريق، والطارف على التلبد وكان يقول: إذا كان الخليفة بليغا والسيد خطيبا، فإنك تجد جمهور الناس وأكثر الخاصة فيهما على أمرين: إما رجلا يعطي كلامهما من التعظيم والتفضيل، والإكبار والتبجيل، على قدر حالهما في نفسه، وموقعهما من قلبه، وإما رجلا تعرض له التهمة لنفسه فيهما، والخوف من أن يكون تعظيمه لهما يوهمه من صواب قولهما، وبلاغة كلامهما، ما ليس عندهما حتى يفرط في الإشفاق، ويسرف في التهمة. فالأول يزيد في حقه للذي له في نفسه، والآخر ينقصه من حقه لتهمته لنفسه، ولإشفاقه من أن يكون مخدوعا في أمره.
فإذا كان الحب يعمي عن المساوىء فالبغض أيضا يعمي عن المحاسن. وليس يعرف حقائق مقادير المعاني، ومحصول حدود لطائف الأمور، إلا عالم حكيم، ومعتدل الأخلاط عليم، وإلا القويّ المنة، الوثيق العقدة، والذي لا يميل مع ما يستميل الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر.
стр. 89
وكان سهل بن هارون شديد الإطناب في وصف المأمون بالبلاغة والجهارة، وبالحلاوة والفخامة، وجودة اللهجة والطلاوة.
وإذا صرنا إلى ذكر ما يحضرنا من تسمية خطباء بني هاشم، وبلغاء رجال القبائل، قلنا في وصفهما على حسب حالهما، والفرق الذي بينهما ولأننا عسى أن نذكر جملة من خطباء الجاهليين والإسلاميين، والبدويين والحضريين، وبعض ما يحضرنا من صفاتهم وأقدارهم ومقاماتهم، وبالله التوفيق.
ثم رجع القول بنا إلى ذكر الإشارة.
وروى أبو شمر «١» عن معمّر أبي الأشعث «٢» ، خلاف القول الأول في الإشارة والحركة عند الخطبة، وعند منازعة الرجال ومناقلة الأكفاء.
وكان أبو شمر إذا نازع لم يحرّك يديه ولا منكبيه، ولم يقلب عينيه، ولم يحرّك رأسه، حتى كأن كلامه إنما يخرج من صدع صخرة. وكان يقضي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك، وبالعجز عن بلوغ إرادته. وكان يقول:
ليس من حق المنطق أن تستعين عليه بغيره، حتى كلمه إبراهيم بن سيار النظام «٣» عند أيوب بن جعفر، فاضطره بالحجة، وبالزيادة في المسألة، حتى حرّك يديه وحل حبوته، وحبا إليه حتى أخذ بيديه. وفي ذلك اليوم انتقل أيوب من قول أبي شمر إلى قول إبراهيم. وكان الذي غرّ أبا شمر وموّه له هذا الرأي، أن أصحابه كانوا يستمعون منه، ويسلمون له ويميلون إليه، ويقبلون كل ما يورده عليهم، ويثبته عندهم، فلما طال عليه توقيرهم له، وترك مجاذبتهم إياه، وخفت مؤونة الكلام عليه- نسي حال منازعة الأكفاء ومجاذبة
стр. 90
الخصوم. وكان شيخا وقورا، وزمّيتا ركينا «١» ، وكان ذا تصرف في العلم، ومذكورا بالفهم والحلم.
[مفهوم البلاغة عند الهند]
قال معمّر، أبو الأشعث: قلت لبهلة الهندي أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند، مثل منكة وبازيكر وقلبرقل وسندباد وفلان وفلان: ما البلاغة عند الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، ولكن لا أحسن ترجمتها لك، ولم أعالج هذه الصناعة فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها، وتلخيص لطائف معانيها.
قال أبو الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فإذا فيها:
أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة. وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ولا الملوك بكلام السوقة. ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كلّ التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ولا يصفها كل التصفية، ولا يهذبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، أو فيلسوفا عليما، ومن قد تعوّد حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ، وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة، لا على جهة الاعتراض والتصفح، وعلى وجه الاستطراف والتظرف. قال: ومن علم حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا، وتلك الحال له وفقا، ويكون الاسم له لا فاضلا ولا مفضولا، ولا مقصرا، ولا مشتركا، ولا مضمّنا، ويكون مع ذلك ذاكرا لما عقد عليه أول كلامه، ويكون تصفحه لمصادره، في وزن تصفحه لموارده، ويكون لفظه مونقا، ولهول تلك المقامات معاودا. ومدار الأمر على أفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم، وأن تواتيه آلاته، وتتصرف معه أداته، ويكون في التهمة لنفسه معتدلا، وفي
стр. 91
حسن الظن بها مقتصدا، فإنه إن تجاوز مقدار الحقّ في التهمة لنفسه ظلمها، فأودعها ذلة المظلوين، وإن تجاوز الحق في مقدار حسن الظن بها، آمنها فأودعها تهاون الآمنين. ولكل ذلك مقدار من الشغل، ولكل شغل مقدار من الوهن، ولكل وهن مقدار من الجهل.
وقال إبراهيم بن هانىء، وكان ماجنا خليعا، وكثير العبث متمردا. ولولا أن كلامه هذا الذي أراد به الهزل يدخل في باب الجد، لما جعلته صلة الكلام الماضي. وليس في الأرض لفظ يسقط البتة، ولا معنى يبور حتى لا يصلح لمكان من الأماكن.
قال إبراهيم بن هانىء: من تمام آلة القصص أن يكون القاص أعمى، ويكون شيخا بعيد مدى الصوت. ومن تمام آلة الزّمر أن تكون الزامرة سوداء.
ومن تمام آلة المغني أن يكون فاره البرذون. برّق الثياب عظيم الكبر، سيء الخلق. ومن تمام آلة الخمار أن يكون ذميا، ويكون اسمه أذين أو شلوما، أو مازيار، أو ازدانقاذار، أو ميشا، ويكون أرقط الثياب، مختوم العنق. ومن تمام آلة الشعر أن يكون الشاعر أعرابيا، ويكون الداعي إلى الله صوفيا. ومن تمام آلة السؤدد أن يكون السيد ثقيل السمع، عظيم الرأس. ولذلك قال ابن سنان الجديدي، لراشد بن سلمة الهذلي: «ما أنت بعظيم الرأس ولا ثقيل السمع فتكون سيدا، ولا بأرسح فتكون فارسا» .
وقال شبيب بن شيبة الخطيب، لبعض فتيان بني منقر: «والله ما مطلت مطل الفرسان، ولا فتقت فتق السادة» .
وقال الشاعر:
فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيد ... وكفا ككف الضبّ أو هي أحقر
فعاب صغر رأسه وصغر كفه، كما عاب الشاعر كف عبد الله بن مطيع «١» العدوي، حين وجدها غليظة جافية، فقال:
стр. 92
دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف
فناولني خشناء لما لمستها ... بكفي ليست من أكف الخلائف
وهذا الباب يقع (في كتاب الجوارح) «١» مع ذكر البرص والعرج والعسر والأدر والصلع والحدب والقرع، وغير ذلك من علل الجوارح. وهو وارد عليكم إن شاء الله بعد هذا الكتاب.
وقال إبراهيم بن هانىء: من تمام آلة الشيعي أن يكون وافر الجمة، صاحب بازيكند «٢» . ومن تمام آلة صاحب الحرس أن يكون زمّيتا قطوبا أبيض اللحية، أقنى أجنى «٣» ، ويتكلم بالفارسية.
وأخبرني إبراهيم بن السندي قال: دخل العماني الراجز على الرشيد، لينشده شعرا، وعليه قلنسوة طويلة، وخف ساذج، فقال: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان دمالقان «٤» .
قال إبراهيم: قال أبو نصر: فبكر عليه من الغد وقد تزيّا بزي الأعراب، فأنشده ثم دنا فقبّل يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين، قد والله أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، وأنشدت المنصور ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، وأنشدت المهدي ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته. وأنشدت الهادي ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته. هذا إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء، والسادة الرؤساء، ولا الله إن رأيت فيهم أبهى منظرا، ولا أحسن وجها، ولا أنعم كفا، ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. وو الله لو ألقي في روعي أني أتحدث عنك ما قلت لك ما قلت.
стр. 93
قال: فأعظم له الجائزة على شعره، وأضعف له على كلامه، وأقبل عليه فبسطه، حتى تمنى والله جميع من حضر أنهم قاموا ذلك المقام.
[مفهوم البلاغة عند العرب]
ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول. قال ابن الأعرابي: قال معاوية بن أبي سفيان لصحّار بن عياش العبديّ «١» . ما هذه البلاغة التي فيكم؟ قال:
شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. فقال له رجل من عرض القوم:
يا أمير المؤمنين، هؤلاء بالبسر والرطب، أبصر منهم بالخطب. فقال له صحار: أجل والله، إنا لنعلم أن الريح لتلقحه، وأن البرد ليعقده، وأن القمر ليصبغه، وإن الحر لينضجه.
وقال له معاوية: ما تعدون البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز. قال له معاوية: وما الإيجاز؟ قال صحار: أن تجيب فلا تبطىء، وتقول فلا تخطىء.
فقال له معاوية: أو كذلك تقول يا صحار؟ قال صحار: أقلني يا أمير المؤمنين، ألا تبطىء ولا تخطىء.
وشأن عبد القيس عجب، وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين:
ففرقة وقعت بعمان وشقّ عمان، وهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشقّ البحرين، وهم من أشعر قبيل في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرّة البادية وفي معدن الفصاحة. وهذا عجب.
ومن خطبائهم المشهورين: صعصعة بن صوحان، وزيد بن صوحان، وسيحان بن صوحان. ومنهم صحار بن عياش. وصحار من شيعة عثمان، وبنو صوحان من شيعة علي.
ومنهم مصقلة بن رقبة، ورقبة بن مصقلة، وكرب بن رقبة.
стр. 94
وإذا صرنا إلى ذكر الخطباء والنسابين، ذكرنا من كلام كل واحد منهم بقدر ما يحضرنا، وبالله التوفيق.
قال لي ابن الأعرابي «١» : قال لي المفضل بن محمد الضبي: قلت لأعرابي منا: ما البلاغة؟ قال لي: الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل. قال ابن الأعرابي: فقلت للمفضل: ما الإيجاز عندك؟ قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
قال ابن الأعرابي، قيل لعبد الله بن عمر: لو دعوت الله لنا بدعوات.
فقال: اللهم ارحمنا وعافنا وارزقنا! فقال له رجل: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن. فقال: نعوذ بالله من الإسهاب.
стр. 95
تراجم البلغاء
[إياس بن معاوية]
ذكر ناس من البلغاء والخطباء والأبيناء والفقهاء والأمراء ممن كان لا يكاد يسكت مع قلة الخطأ والزلل منهم: زيد بن صوحان. ومنهم: أبو واثلة إياس ابن معاوية المزنيّ «١» ، القاضي القائف، وصاحب الزّكن، والمعروف بجودة الفراسة. ولكثرة كلامه قال له عبد الله بن شبرمة «٢» : «أنا وأنت لا نتفق. أنت لا تشتهي أن تسكت وأنا لا أشتهي أن أسمع» .
وأتى حلقة من حلق قريش في مسجد دمشق، فاستولى على المجلس، ورأوه أحمر دميما باذّ الهيئة، قشفا، فاستهانوا به فلما عرفوه اعتذروا إليه وقالوا له: الذنب مقسوم بيننا وبينك، أتيتنا في زيّ مسكين، تكلمنا بكلام الملوك.
стр. 96
ورأيت ناسا يستحسنون جواب إياس بن معاوية حين قيل له: ما فيك عيب غير أنك معجب بقولك. قال: أفأعجبكم قولي؟ قالوا: نعم. قال:
فأنا أحقّ بأن أعجب بما أقول، وبما يكون مني منكم.
والناس، حفظك الله، لم يضعوا ذكر العجب في هذا الموضع.
والمعيب عند الناس ليس هو الذي لا يعرف ما يكون منه من الحسن. والمعرفة لا تدخل في باب التسمية بالعجب، والعجب مذموم. وقد جاء في الحديث:
«إن المؤمن من ساءته سيئته وسرّته حسنته» . وقيل لعمر: فلان لا يعرف الشر. قال: «ذاك أجدر أن يقع فيه» . وإنما العجب اسراف الرجل في السرور بما يكون منه والإفراط في استحسانه، حتى يظهر ذلك في لفظه وفي شمائله. وهو الذي وصف به صعصعة بن صوحان، المنذر بن الجارود، عند علي بن أبي طالب ﵀، فقال: «أما إنه مع ذلك لنظار في عطفيه، تفّال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه» .
قال أبو الحسن: قيل لإياس: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام. قال:
فتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: لا، بل صوابا. قال: «فالزيادة من الخير خير» . وليس كما قال، للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن قدر الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل، وهو الإسهاب الذي سمعت الحكماء يعيبونه.
وذكر الأصمعي أن عمر بن هبيرة لما أراده على القضاء قال: إني لا أصلح له. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنني عييّ، ولأني حديد. قال ابن هبيرة: أما الحدة فإن السوط يقوّمك، وأما الدمامة فإني لا أريد أن أحاسن بك أحدا، وأما العيّ فقد عبرت عما تريد.
فإن كان إياس عند نفسه عييا فذاك أجدر بأن يهجر الإكثار.
وبعد فما نعلم أحدا رمى إياسا بالعيّ، وإنما عابوه بالإكثار.
стр. 97
وذكر صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث، قال ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجاج ابن يوسف، وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس كثيرا.
وقال قائل لإياس: لم تعجل بالقضاء؟ فقال إياس: كم لكفك من أصبع؟ قال: خمس. قال: عجلت. قال: لم يعجل من قال بعد ما قتل الشيء علما ويقينا. قال إياس: فهذا هو جوابي لك.
وكان كثيرا ما ينشد قول النابغة الجعدي:
أبى لي البلاء وأني امرؤ ... إذا ما تبينت لم أرتب
قال: ومدح سلمة بن عياش، سوار بن عبد الله «١» ، بمثل ما وصف به إياس نفسه حين قال:
وأوقف عند الأمر ما لم يضج له ... وأمضى إذا ما شك من كان ماضيا
وكتب عمر بن عبد العزيز ﵀، إلى عديّ بن أرطأة: إنّ قبلك رجلين من مزينة، فولّ أحدهما قضاء البصرة. يعني بكر بن عبد الله المزني وإياس بن معاوية. فقال بكر: والله ما أحسن القضاء، فإن كنت صادقا فما يحل لك أن توليني، وإن كنت كاذبا إنها لأحراهما.
وكانوا إذا ذكروا البصرة قالوا: شيخها الحسن، وفتاها بكر.
وقال إياس بن معاوية: لست بخب والخب لا يخدعني. وقال:
الخبّ «٢» لا يخدع ابن سيرين، وهو يخدع أبي ويخدع الحسن.
стр. 98
ودخل الشام وهو غلام، فتقدّم خصما له، وكان الخصم شيخا كبيرا، إلى بعض قضاة عبد الملك بن مروان، فقال له القاضي: أتقدم شيخا كبيرا؟
قال: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي. قال: لا أظنك تقول حقا حتى تقوم. قال: لا إله إلا الله، (أحقا أم باطلا؟) . فقام القاضي فدخل على عبد الملك من ساعته، فخبره بالخبر، فقال عبد الملك:
اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام، لا يفسد عليّ الناس.
فإذا كان إياس وهو غلام يخاف على جماعة أهل الشام، فما ظنك به وقد كبرت سنه، وعضّ على ناجذه.
وجملة القول في إياس أنه كان من مفاخر مضر، ومن مقدمي القضاة، وكان فقيه البدن، دقيق المسلك في الفطن، وكان صادق الحدس نقابا «١» ، وكان عجيب الفراسة ملهما، وكان عفيف الطعم، كريم المداخل والشيم، وجيها عند الخلفاء، مقدما عند الأكفاء. وفي مزينة خير كثير.
ثم رجعنا إلى القول الأول.
ومنهم ربيعة الرأي «٢» ، وكان لا يكاد يسكت. قالوا: وتكلّم يوما فأكثر وأعجب بالذي كان منه، فالتفت إلى أعرابي كان عنده فقال: يا أعرابيّ: ما تعدون العيّ فيكم؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم.
وكان يقول: الساكت بين النائم والأخرس.
[عبد الله بن حفص]
ومنهم عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي «٣» . ومحمد بن حفص هو
стр. 99
ابن عائشة، ثم قيل لعبيد الله ابنه: ابن عائشة. وكان كثير العلم والسماع، متصرفا في الخبر والأثر. وكان من أجواد قريش، وكان لا يكاد يسكت، وهو في ذلك كثير الفوائد. وكان أبوه محمد بن حفص عظيم الشأن، كثير العلم، بعث إليه ينخاب خليفته في بعض الأمر، فأتاه في حلقته في المسجد، فقال له في بعض كلامه: أبو من أصلحك الله؟ فقال له: هلا عرفت هذا قبل مجيئك! وإن كان لا بد منه فاعترض من شئت فسله. فقال له: إني أريد أن تخليني. قال: أفي حاجة لك أم في حاجة لي؟ قال: بل في حاجة لي.
قال: فألقني في المنزل قال: فإن الحاجة لك. قال: ما دون إخواني ستر.
[محمد بن مسعر]
ومنهم محمد بن مسعر العقيليّ، وكان كريما كريم المجالسة، يذهب مذهب النساك، وكان جوادا. مرّ صديق له من بني هاشم بقصر له وبستان نفيس، فبلغه أنه استحسنه، فوهبه له.
ومنهم أحمد بن المعذل بن غيلان، كان يذهب مذهب مالك ﵀، وكان ذا بيان وتبحر في المعاني، وتصرف في الألفاظ.
[الحسن بن سهل]
وممن كان يكثر الكلام جدا الفضل بن سهل، ثم الحسن بن سهل في أيامه.
وحدثني محمد بن الجهم وداود بن أبي داود قالا: جلس الحسن بن سهل في مصلّى الجماعة، لنعيم بن خازم، فأقبل نعيم حافيا حاسرا وهو يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الهواء، ذنبي أعظم من الماء قالا: فقال له الحسن بن سهل: على رسلك، تقدمت منك طاعة، وكان آخر أمرك إلى توبة، وليس للذنب بينهما مكان، وليس ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
стр. 100
ومن هؤلاء علي بن هشام، وكان لا يسكت، ولا أدري كيف كان كلامه.
قال: وحدّثني مهدي بن ميمون، قال: حدثنا غيلان بن جرير، قال:
كان مطرّف بن عبد الله يقول: «لا تطعم طعامك من لا يشتهيه» . يقول: لا تقبل بحديثك على ما لا يقبل عليه بوجهه.
وقال عبد الله بن مسعود: «حدّث الناس ما حدجوك بأبصارهم، وأذنوا لك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، وإذا رأيت منهم فترة فأمسك» .
[ابن السماك]
قال: وجعل ابن السماك «١» يوما يتكلم، وجارية له حيث تسمع كلامه، فلما انصرف إليها قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه، لولا أنك تكثر ترداده. قال: أردده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لا يفهمه قد ملّه من فهمه.
عباد بن العوام، عن شعبة عن قتادة قال: مكتوب في التوراة: «لا يعاد الحديث مرتين» .
سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: «إعادة الحديث أشد من نقل الصخر» .
وقال بعض الحكماء: «من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك» .
وجملة القول في الترداد، أنه ليس فيه حد ينتهي إليه، ولا يؤتى على وصفه. وإنما ذلك على قدر المستمعين، ومن يحضره من العوام والخواص.
стр. 101
وقد رأينا الله ردد ذكر قصة موسى وهود، وهارون وشعيب، وإبراهيم ولوط، وعاد وثمود. وكذلك ذكر الجنة والنار وأمور كثيرة، لأنه خاطب جميع الأمم من العرب وأصناف العجم، وأكثرهم غبي غافل، أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب.
وأما أحاديث القصص والرقة فإني لم أر أحدا يعيب ذلك.
وما سمعنا بأحد من الخطباء كان يرى إعادة بعض الألفاظ وترداد المعاني عيّا، إلا ما كان من النخار بن أوس العذري، فإنه كان إذا تكلم في الحمالات «١» وفي الصفح والاحتمال، وصلاح ذات البين، وتخويف الفريقين من التفاني والبوار- كان ربما ردد الكلام عن طريق التهويل والتخويف، وربما حمى فنخر.
[جعفر بن يحيى]
وقال ثمامة بن أشرس «٢» : كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهل، والجزالة والحلاوة، وافهاما يغنيه عن الإعادة. ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإعادة.
وقال مرة: ما رأيت أحدا كان لا يتحبّس ولا يتوقّف، ولا يتلجلج ولا يتنحنح، ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصّى عليه طلبه، أشد اقتدارا، ولا أقلّ تكلفا، من جعفر بن يحيى.
وقال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه عن الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة. والذي لا بد له منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقد، غنيا عن التأويل.
стр. 102
وهذا هو تأويل قول الأصمعيّ: «البليغ من طبق المفصل «١» ، وأغناك عن المفسّر» .
وخبرني جعفر بن سعيد، رضيع أيوب بن جعفر وحاجبه، قال: ذكرت لعمرو بن مسعدة «٢» ، توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قد قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها فوجدتها أجود اختصارا وأجمع للمعاني.
قال: ووصف أعرابي أعرابيا بالإيجاز والإصابة فقل: «كان والله يضع الهناء مواضع النقب «٣» » . يظنون أنه نقل قول دريد بن الصمة، في الخنساء بنت عمرو بن الشريد، إلى ذلك الموضع، وكان دريد قال فيها:
ما إن رأيت ولا سمعت به ... في الناس طالي أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب
ويقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجز: «فلان يفل المحز، ويصيب المفصل» . وأخذوا ذلك من صفة الجزار الحاذق، فجعلوه مثلا للمصيب الموجز.
وأنشدني أبو قطن الغنويّ، وهو الذي يقال له شهيد الكرم، وكان أبين من رأيته من أهل البدو والحضر:
فلو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليّ لمخلوق من الناس درهما
ولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما
أولئك قوم بارك الله فيهم ... على كلّ حال ما أعفّ وأكرما
جفاة المحز لا يصيبون مفصلا ... ولا يأكلون اللحم إلا تخذما
стр. 103
يقول: هم ملوك وأشباه الملوك، ولهم كفاة فهم لا يحسنون إصابة المفصل.
وأنشدني أبو عبيدة في مثل ذلك:
وصلع الرؤوس عظام البطون ... جفاة المحزّ غلاظ القصر
ولذلك قال الراجز:
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم
وقال الآخر، وهو ابن الزبعري:
وفتيان صدق حسان الوجو ... هـ لا يجدون لشيء ألم
من ال المغيرة لا يشهدو ... ن عند المجازر لحم الوضم
وقال الراعي في المعنى الأول:
فطبقن عرض القفّ ثم جزعنه ... كما طبقت في العظم مدية جازر «١»
وأنشد الأصمعي:
وكف فتى لم يعرف السلخ قبلها ... تجور يداه في الأديم وتجرح
وأنشد الأصمعي:
لا يمسك العرف إلا ريث يرسله ... ولا يلاطم عند اللحم في السوق
وقد فسر ذلك لبيد بن ربيعة، وبيّنه وضرب به المثل، حيث قال في الحكم بين عامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة:
يا هرم بن الأكرمين منصبا ... أنك قد أوتيت حكما معجبا
فطبّق المفصل واغنم طيبا
стр. 104
يقول: احكم بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة بكلمة فصل، وبأمر قاطع، فتفصل بها بين الحق والباطل، كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين.
وقد قال الشاعر في هرم:
قضى هرم يوم المريرة بينهم ... قضاء امرىء بالأولية عالم
قضى ثم ولى الحكم من كان أهله ... وليس ذنابي الريش مثل القوادم
ويقال في الفحل إذا لم يحسن الضّراب: جمل عياياء، وجمل طباقاء.
وقالت امرأة في الجاهلية تشكو زوجها: «زوجي عياياء طباقاء، وكل داء له دواء» .
حتى جعلوا ذلك مثلا للعيي الفدم، والذي لا يتجه للحجة. وقال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يقد ... ركابا إلى أكوارها حين تعكف «١»
وذكر زهير بن أبي سلمى الخطل فعابه فقال:
وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وقال غيره:
شمس إذا خطل الحديث أوانس ... يرقبن كل مجذّر تنبال
الشمس، مأخوذ من الخيل، وهي الخيل المرحة الضاربة بأذنابها من النشاط. والمجذّر: القصير- والتنبال: القصير الدنيء.
وقال أبو الأسود الدؤلي، وكان من المقدمين في العلم، واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو:
стр. 105
وشاعر سوء يهضب القول ظالما ... كما اقتمّ أعشى مظلم الليل حاطب
يهضب: يكثر. والأهاضيب: المطر الكثير. اقتمّ: افتعل من القمامة.
وأنشد:
أعوذ بالله الأعزّ الأكرم ... من قولي الشيء الذي لم أعلم
تخبّط الأعمى الضرير الأيهم
وقال إبراهيم بن هرمة «١» ، في تطبيق المفصل- وتلحق هذه المعاني بأخواتها قبل:
وعميمة قد سقت فيها عائرا ... غفلا ومنها عائر موسوم
طبّقت مفصلها بغير حديدة ... فرأى العدو غناي حيث أقوم
[ثمامة بن أشرس]
وهذه الصفات التي ذكرها ثمامة بن أشرس، فوصف بها جعفر بن يحيى، كان ثمامة بن أشرس قد انتظمها لنفسه، واستولى عليها دون جميع أهل عصره وما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي، كان بلغ من حسن الأفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف، ما كان بلغه. وكان لفظه في وزن إشارته، ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك.
قال بعض الكتاب: معاني ثمامة الظاهرة في ألفاظه، الواضحة في مخارج كلامه، كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف، حيث يقول:
له كلم فيك معقولة ... إزاء القلوب كركب وقوف
стр. 106
وأول هذه القصيدة قوله:
أبا دلف دلفت حاجتي ... إليك وما خلتها بالدلوف
ويظنون أن الخريمي إنما احتذى في هذا البيت على كلام أيوب بن القريّة حين قال له بعض السلاطين: ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: «ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف: دنيا، وآخرة، ومعروف» .
[شبيب بن شيبة]
وحدثني صالح بن خاقان، قال: قال شبيب بن شيبة: «الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء، وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة القطع، وبمدح صاحبه. وحظ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة، أرفع من حظ سائر البيت» . ثم قال شبيب: «فإن ابتليت بمقام لا بد لك فيه من الإطالة، فقدم أحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدم في أحكام البلوغ في شرف التجويد. وإياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فإن قليلا كافيا خير من كثير غير شاف» .
ويقال إنهم لم يروا خطيبا قط بلديا إلا وهو في أول تكلفه لتلك المقامات كان مستتقلا مستصلفا أيام رياضته كلها، إلى أن يتوقح وتستجيب له المعاني، ويتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة، فإنه قد ابتدأ بحلاوة ورشاقة، وسهولة وعذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره.
قالوا: ولما مات شبيب بن شيبة أتاهم صالح المري «١» ، في بعض من أتاهم للتعزية، فقال: «رحمة الله على أديب الملوك، وجليس الفقراء، وأخي المساكين» .
стр. 107
وقال الراجز «١» :
إذا غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها
من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها
[عودة إلى مفهوم البلاغة عند العتابي وعمرو بن عبيد وابن المقفع]
حدثني صديق لي قال: قلت للعتابيّ: ما البلاغة؟ قال: كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة، ويفوق كل خطيب، فإظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق. قال: فقلت له: قد عرفت الإعادة والحبسة، فما الاستعانة؟ قال: أما تراه إذا تحدث قال عند مقاطع كلامه: يا هناه، ويا هذا، ويا هيه، واسمع مني واستمع إلي، وافهم عني، أو لست تفهم، أو لست تعقل. فهذا كله وما أشبهه عيّ وفساد.
قال عبد الكريم بن روح الغفاري، حدثني عمر الشمري، قال: قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغ بك الجنة، وعدل بك عن النار، وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك. قال السائل: ليس هذا أريد. قال:
من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول. قال: ليس هذا أريد. قال: قال النبي صلّى الله عليه وآله: «أنا معشر الأنبياء بكاء» أي قليلو الكلام. ومنه قيل رجل بكيء. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. قال: قال السائل: ليس هذا أريد. قال: كانوا يخافون من فتنة القول، ومن سقطات الكلام، ما لا يخافون من فتنة السكوت ومن سقطات الصمت. قال السائل: ليس هذا أريد. قال عمرو: فكأنك إنما تريد تخير اللفظ، في حسن الإفهام، قال: نعم. قال: إنك إن أوتيت تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المؤونة على المستمعين وتزيين تلك المعاني
стр. 108
في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة، على الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستوجبت على الله جزيل الثواب. قلت لعبد الكريم من هذا الذي صبر له عمرو هذا الصبر؟
قال: قد سألت عن ذلك أبا حفص فقال: ومن كان يجترىء عليه هذه الجرأة إلا حفص بن سالم.
قال عمر الشمري: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم، فإذا تكلم لم يكد يطيل. وكان يقول: لا خير في المتكلم إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه. وإذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف، ولا خير في شيء يأتيك به التكلف.
وقال بعضهم- وهو من أحسن ما اجتبيناه ودوّناه- لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.
وكان مويس بن عمران «١» يقول: لم أر أنطق من أيوب بن جعفر، ويحيى بن خالد.
وكان ثمامة يقول: لم أر أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد.
وكان سهل بن هارون يقول: لم أر أنطق من المأمون أمير المؤمنين.
وقال ثمامة: سمعت جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: «إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا» .
وسمعت أبا العتاهية يقول: «لو شئت أن يكون حديثي كله شعرا موزونا لكان» .
стр. 109
وقال إسحاق بن حسان بن قوهيّ «١» : لم يفسّر البلاغة تفسير ابن المقفع احد قط. سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة. فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز، هو البلاغة. فأما الخطب بين السماطين، وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته. كأنه يقول: فرّق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت. قال: فقيل له:
فإن مل السامع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيت كلّ مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه وليس منك. ورضا جميع الناس شيء لا تناله. وقد كان يقال: «رضا الناس شيء لا ينال» .
قال: والسنّة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب. ألا ترى أن قيس بن خارجة بن سنان، لما ضرب بصفيحة سيفه مؤخّرة راحلتي الحاملين في شأن حمالة داحس والغبراء «٢» ، وقال: ما لي فيها أيها العشمتان «٣» ؟ قالا له: بل ما عندك؟ قال: عندي قرى كلّ نازل، ورضا كل
стр. 110
ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع؟ قالوا: فخطب يوما إلى الليل فما أعاد فيها كلمة ولا معنى فقيل لأبي يعقوب: هلا اكتفى بالأمر بالتواصل عن النهي عن التقاطع؟ أو ليس الأمر بالصه هو النهي عن القطيعة؟ قال: أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والكشف.
قال: وسئل ابن المقفع عن قول عمر ﵀: «ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح» قال: ما أعرفه إلا أن يكون أراد قرب الوجوه من الوجوه، ونظر الحداق من قرب في أجواف الحداق. ولأنه إذا كان جالسا معهم كانوا كأنهم نظراء وأكفاء، فإذا علا المنبر صاروا سوقة ورعية.
وقد ذهب ذاهبون إلى أن تأويل قول عمر يرجع إلى أن الخطيب لا يجد بدا من تزكية الخاطب، فلعله كره أن يمدحه بما ليس فيه، فيكون قد قال زورا وغرّ القوم من صاحبه. ولعمري إن هذا التأويل ليجوز إذا كان الخطيب موقوفا على الخطابة. فأما عمر بن الخطاب، ﵀، وأشباهه من الأئمة الراشدين، فلم يكونوا ليتكلفوا ذلك إلا فيمن يستحق المدح.
وروى أبو مخنف، عن الحارث الأعور «١» ، قال: «والله لقد رأيت عليا وإنه ليخطب قاعدا كقائم، ومحاربا كمسالم» . يريد بقوله: قاعدا، خطبة النكاح.
وقال الهيثم بن عديّ: لم تكن الخطباء تخطب قعودا إلا في خطبة النكاح.
[توشيح الخطب بآي القرآن والأشعار]
وكانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة، وسلس الموقع.
следующие страницы →