← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الهيثم قال أخبرنا الكلبيّ قال: كانت قريش تعدّ أصل الجزالة في الرأي العباس بن عبد المطلب، وأبا سفيان، ونبيها، وأمية بن خلف. قال: وقال ابن عباس: لم يكن في العرب أمرد ولا أشيب أشدّ عقلا من السائب بن الأقرع. قال: وحدثني الشعبيّ أن السائب شهد فتح مهرجان قذف، ودخل منزل الهرمزان وفي داره ألف بيت، فطاف فيه، فإذا ظبي من حص في بيت منها ماد يده، فقال: اقسم بالله إن هذا الظبي يشير إلى شيء انظروا فنظروا فاستخرجوا سفط كنز الهرمزان فإذا فيه ياقوت وزبرجد، فكتب فيه السائب إلى عمر، وأخذ منه فصّا أخضر، وكتب إلى عمر: إن رأى أمير المؤمنين أن يهبه لي فليفعل. فلما عرض عمر السفط على الهرمزان قال: فأين الفص الصغير؟ قال: سألنيه صاحبنا فوهبته له. قال: إن صاحبك بالجوهر لعالم. قال: أخبرنا مجالد عن الشعبي: قال السائب لجميل بن بصبهريّ أخبرني عن مكان من القرّية لا يخرب حتى استقطع ذلك المكان: قال: ما بين الماء إلى دار الأمارة. قال: فاختط لثقيف في ذلك الموضع. قال الهيثم: بت عندهم ليلة، فإذا ليلهم مثل النهار. أبو الحسن قال: قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، لمعاوية: أما والله لو كنا على السواء بمكة لعلمت! قال معاوية: إذا كنت أكون معاوية بن أبي سفيان منزلي الأبطح «١» ينشق عني سيله، وكنت أنت عبد الرحمن بن خالد منزلك أجياد «٢» ، أعلاه مدرة، واسفله عذرة. قال سهيل بن عمرو: «أشبه امرؤ بعض بزّه» . فصار مثلا.

стр. 492

وقال محرز بن علقمة: لقد وارى المقابر من شريك ... كثير تحلّم وقليل عاب «١» صموتا في المجالس غير عيّ ... جديرا حين ينطق بالصواب وقال ابن الرقّاع: أمم تداخلت الحتوف عليهم ... أبوابهم فكشفن كلّ غطاء فإذا الذي في حصنه متحرز ... منهم كآخر مصحر بفضاء والمرء يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء والقوم أشباه وبين حلومهم ... بون كذاك تفاضل الأشياء وقال بعضهم: بيضاء ناصعة البياض كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد موسومة بالحسن ذات حواسد ... إن الحسان مظنة للحسد وترى مآقيها تقلّب مقلة ... حوراء ترغب عن سواد الأثمد خود إذا كثر الحديث تعوذت ... بحمى الحياء وإن تكلم تقصد وقال آخر: لسانك خير وحده من قبيلة ... وما عدّ بعد في الفتى انت فاعله سوى طبع الأخلاق والفحش والخنا ... ابت ذاكم أخلاقه وشمائله وقال آخر: على امرىء هدّ عرش الحيّ مصرعه ... كأنه من ذوي الأحلام من عاد وقال النابغة: أحلام عاد وأجساد مطهرة ... من المعقّة والآفات والأثم

стр. 493

وقالت الخنساء: خطّاب معضلة فرّاج مظلمة ... إن جاء مفظعة هيا لها بابا وعدّد الأصمعي خصال معدّ فقال: كانوا أديما ما عزا شاته ... أخلص فيه القرظ الآهب «١» أو مرقيّ عرق دم مفرج ... أو سائل في لزبة زاعب «٢» أو ذمة يوفي بها عاقد ... أو عقدة يحكمها آرب «٣» أو خابط من غير لا نعمة ... أو رحم متّ بها جانب «٤» أو خطة بزلاء مفصولة ... يرضى بها الشاهد والغائب «٥» وقال ابن نوفل يهجو: وأنت كساقط بين الحشايا ... يصير إلى الخبيث من المصير ومثل نعامة تدعى بعيرا ... تعاظمها إذا ما قيل طيري وإن قيل احملي قالت فإني ... من الطير المربّة بالوكور «٦» وكنت لدى المغيرة عير سوء ... يبول من المخافة للزئير لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السنّ ذي بصر ضرير تقول لما اصابك: أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير وقال عبد يغوث: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير ولا ليا

стр. 494

ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل، وما لومي أخي من شماليا «١» فيا راكبا أما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضر موت اليمانيا جزى الله قومي بالكلاب ملامة ... صريحهم والآخرين المواليا أقول وقد شلوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا «٢» وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا «٣» قال ابو عثمان: وليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد وعبد يغوث، وذلك أنا إذا قسنا جودة أشعارهما في وقت أحاطة الموت بهما لم تكن دون سائر أشعارهما في حال الأمن والرفاهية. أبو عبيدة قال: حدثني أبو عبد الله الفزاري، عن مالك بن دينار قال: ما رأيت أحدا أبين من الحجاج، إن كان ليرقى المنبر فيذكر إحسانه إلى أهل العراق، وصفحه عنهم وإساءتهم إليه، حتى أقول في نفسي: إني لأحسبه صادقا، وإني لأظنهم ظالمين له. قال: وكانت العرب تخطب على رواحلها. وكذلك روى النبي ﷺ عن قس بن ساعدة. قال: وأخبرني عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن انس قال: الوقوف على ظهر الدواب بعرفة سنّة، والقيام على الأقدام رخصة. وجاء في الأثر: لا تجعلوا ظهور دوابكم مجالس. ووقف الهيثم بن مطهر الفأفاء، على ظهر دابته على باب الخيزران، ينتظر بعض من يخرج من عندها، فلما طال وقوفه بعث إليه عمر الكلواذي فقال

стр. 495

له: انزل عن ظهر دابتك. فلم يرد عليه شيئا، فكر الرسول إليه، فقال: إني رجل أعرج، وإن خرج صاحبي من عند الخيزران في موكبه خفت ألا ادركه. فبعث إليه: إن لم تنزل انزلناك. فبعث إليه قال: هو حبس في سبيل الله إن أنزلتني عنه إن أقضمته «١» شهرا، فانظر أيما خير له أراحة ساعة أم جوع شهر؟ قالوا له: هذا الهيثم بن مطهّر. قال: هذا شيطان. وقال أبو علقمة النحوي: يا آسي «٢» ، إني رجعت إلى النزل وأنا سنق لقس «٣» فأتيت بشنشنة من لوية ولكيك، وقطع أقرن «٤» قد غدرن هناك من سمن، ورقاق شرشصان وسقيط عطعط «٥» ، ثم تناولت عليها كأسا. قال له الطبيب خذ خرفقا وسفلقا وجرفقا. قال: ويلك أي شيء هذا؟ قال: وأي شيء ما قلت؟ قال الزّبرقان: أحبّ صبياننا إليّ العريض الورك السبط الغرّة، الطويل الغرلة، الأبله العقول. وابغض صبياننا إلي: الأقيعس الذكر، الذي ينظر من جحر، وإذا سأله القوم عن أبيه هرّ في وجوههم. قال الهيثم: قال الأشعث: إذا كان الغلام سائل الغرة، طويل الغرلة ملتاث «٦» الأزرة كأن به لوثة «٧» فما يشك في سؤدده. قال ابو المخشّ: «كان المخش أشدق؟ رطمانيا، سائلا لعابه كأنما ينظر من قلتين، كأن ترقوته بوان أو خالفة، وكأن كاهله كركرة جمل. فقأ الله عيني إن كنت رأيت قبله ولا بعده مثله» .

стр. 496

قال: وكان زياد حوّل المنبر وبيوت المال والدواوين إلى الأزد، وصلى بهم، وخطب في مسجد الحدّان، فقال عمرو بن العرندس: فأصبح في الحدّان يخطب آمنا ... وللأزد عزّ لا يزال تلاد وقال الأعرج: وكنا نستطبّ إذا مرضنا ... فصار سقامنا بيد الطبيب فكيف نجيز غصتنا بشيء ... ونحن نغصّ بالماء الشريب وقال أيضا: والقائلين فلا يعاب خطيبهم ... يوم المقامة بالكلام الفاصل وقال ابن مفرّغ: ومتى تقم يوم اجتماع عشيرة ... خطباؤنا بين العشيرة تفصل وقال أيضا: فيا رب خصم قد كفيت دفاعه ... وقوّمت منه درأه فتنكبا وقال آخر: وحامل ضبّ ضغن لم يضرني ... بعيد قلبه حلو اللسان ولو أني أشاء نقمت منه ... بشغب من لسان تيّحان «١» وقال: عهدت بها هندا وهند غريرة ... عن الفحش بلهاء العشاء نؤوم رداح الضحى ميالة بخترية ... لها منطق يصبي الحليم رخيم

стр. 497

وقال: وخصم يركب العوصاء طاط ... عن المثلى قصاراه القراع وملموم جوانبها رداح ... تزجي بالرماح لها شعاع وقال محلم بن فراس، يرثي منصورا وهماما ابني المسجاح: كم فيهم لو تملينا حياتهم ... من فارس يوم روع الحيّ مقدام ومن فتى يملأ الشيزى مكللة ... شحم السّديف ندي الحمد مطعام ومن خطيب غداة الحفل مرتجل ... ثبت المقام أريب غير مفحام وقال خالد للقعقاع: انافرك على أينا أطعن بالرماح، وأطعم للسحاح وانزل بالبراح. قال: لا، بل عن أينا افضل أبا وجدا وعما وقديما وحديثا. قال خالد: اعطيت يوما من سأل، واطعمت حولا من أكل، وطعنت فارسا طعنة شككت فخذيه بجنب الفرس. قال القعقاع وأخرج نعلين فقال: ربع عليهما ابي أربعين مرباعا «١» لم تثكل فيهن تميمية ولدا. كان ماك بن الأخطل التغلبي- وبه كان يكنى- أتى العراق وسمع شعر جرير والفرزدق، فلما قدم على أبيه سأله عن شعرهما، فقال: وجدت جريرا يغرف من بحر، ووجدت الفرزدق ينحت من صخر. فقال الأخطل: الذي يغرف من بحر أشعرهما. وقال بعضهم: وما خير من لا ينفع الأهل عيشه ... وإن مات لم تجزع عليه أقاربه كهام على الأقصى كليل لسانه ... وفي بشر الأدنى حداد مخالبه وقال العماني: إذا مشى لكلّ قرن مقرن ... ثم مشى القرن له كالأرعن

стр. 498

بصارم يفري صفيح الجوشن ... مقرطن زاف إلى مقرطن يفضي إلى إمّ الفراخ الكمّن ... حيث تقول الهامة اسقني اسقني كم لأبي محمد من موطن وقال العماني: ومقول نعم لزاز الخصم ... ألدّ يشتقّ لأهل العلم بباطل يدحض حق الخصم ... حتى يصيروا كسحاب البكم وقال أبو عبيد في حديث علي بن أبي طالب ﵁ حين رأى فلانا يخطب فقال: «هذا الخطيب الشحشح» . قال: هو الماهر الماضي. وقال الطّرمّاح: كأن المطايا ليلة الخمس علّقت ... بوثّابة تنضو الرواسم شحشح «١» وقال ذو الرمة: لدن غدوة حتى إذا امتدت الضحى ... وحث القطين الشحشحان المكلف يعني الحادي. قال: وكان أسد بن كرز يقال له «خطيب الشيطان» فلما استعمل خالد ابنه على العراق قيل له «خطيب الله» فجرت إلى اليوم. وقال أبو المثلّم الهذلي: أصخر بن عبد الله إن كنت شاعرا ... فإنك لا تهدي القريض لمفحم وقال بلعاء بن قيس: ابيت لنفسي الخسف لما رضوا به ... ووليتهم سمعي وما كنت مفحما

стр. 499

وقال عبد الله بن مصعب: وقف معاوية على امرأة من كنانة، فقال لها: هل من قرى؟ قالت: نعم. قال: وما قراك؟ قالت: عندي خبز خمير، ولبن فطير «١» ، وماء نمير. وقال أحيحة: والصمت خير للفتى ... ما لم يكن عيّ يشينه والقول ذو خطل إذا ... ما لم يكن لبّ يعينه وقال أبو ثمامة الضّبّي: ومنا حصين كان في كل خطبة ... يقول ألا من ناطق متكلّم وقال عبيد بن أمية الضبي، واستب هو والحارث بن بيبة المجاشعي عند النعمان، فقال: ترى بيوت وترى رماح ... ونعم مزنّم سحاح «٢» ومنطق ليس له نجاح ... ياقصبا طار به الرياح واذرعا ليست لها ألواح وقال قيس بن الخطيم: وبعض القول ليس له حصاة ... كمخض الماء ليس له إتاء «٣» وهذا شبيه بقوله: كسالى إذا لاقيتهم غير منطق ... يلهى به المتبول وهو عناء

стр. 500

وقال أبو ثمامة: أخاصمهم مرة قائما ... واجثو إذا ما جثوا للركب إذا منطق قاله صاحبي ... تعقبت آخر ذا معتقب وقال الشماخ: ومرتبة لا تستطاع، بها الردى ... تركت بها الشكّ الذي هو عاجز ويروى: تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز

стр. 501

باب من الكلام المحذوف ثم نرجع بعد ذلك إلى الكلام الأول: هشيم، عن يونس، عن الحسن يرفعه، إن المهاجرين قالوا: يا رسول الله إن الأنصار قد فضلونا بأنهم آووا ونصروا، وفعلوا وفعلوا. قال النبي ﵇: أتعرفون ذلك لهم؟ قالوا: نعم. قال: «فإن ذاك» . ليس في الحديث غير هذا. يريد: أن ذاك شكر ومكافأة. قال: وكلم رجل من قيس عمر بن عبد العزيز في حاجة، وجعل يمت بقرابة، فقال عمر: «فإن ذاك» . ثم ذكر حاجته فقال: «لعل ذاك» . لم يزده على أن قال: فإن ذاك، ولعل ذاك. أي أن ذلك كما قلت، ولعل حاجتك تقضي. وقال عبد الله بن قيس: بكرت عليّ عواذلي ... يلحينني وألومهنّه ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه

стр. 502

وقال الأسدي لعبد الله بن الزبير: لا حملت ناقة حملتني إليك! قال ابن الزبير: «إنّ وراكبها» . عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن ابي هاشم القاسم بن كثير، عن قيس الخارقي أنه سمع عليا يقول: «سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر، وثلّث عمر، وخطبتنا فتنة فيما شاء الله» . ليس في الحديث أكثر من هذا. ولما كتب أبو عبيدة إلى عمر جواب كتاب عمر في أمر الطاعون، فقرأ عمر الكتاب واسترجع، فقال له المسلمون: مات أبو عبيدة؟ قال: «لا وكأن قد» . وقال النابغة: أزف الترحل غير إن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد وأنشد ابن الأعرابي: إذا قيل أعمى قلت إنّ، وربما ... أكون، وإني من فتى لبصير إذا أبصر القلب المروءة والتقى ... فإن عمى العينين ليس يضير وإن العمى أجر وذخر وعصمة ... وإني إلى هذي الثلاث فقير ابن ابي الزناد قال: كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز، فكان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في المظالم فيراجعه، فكتب إليه: «إنه يخيل إلي إني لو كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إلي: أضان أم ماعز؟ وإن كتبت إليك بأحدهما كتبت إلي: أذكر أم أنثى؟ وإن كتبت إليك بأحدهما كتبت إلي: أصغير أم كبير؟ فإذا أتاك كتابي في مظلمة فلا تراجعني. والسلام» . وقال عمر بن الخطاب ﵀: «إني لأستعين بالرجل الذي فيه» ليس في الحديث غير هذا. ثم ابتدأ الكلام فقال: «ثم أكون على قفّانه إذا كان أقوى من المؤمن الضعيف وارد «١» » . وهو قول الأسدي:

стр. 503

سويد فيه، فابغونا سواه ... ابيناه وإن بهّاه تاج ولم يقل: فيه كذا وفيه كذا. وقال الراجز: بتنا بحسان ومعزاه تئط «١» ... في سمن جم وتمر وأقط «٢» حتى إذا كاد الظلام ينكشط ... جاء بمذق هل رأيت الذئب قط «٣» وقيل للمنتجع بن نبهان، أو لأبي مهدية: ما النضناض؟ فأخرج طرف لسانه وحركه. وقيل له: ما الدلنطى؟ فزحر وتقاعس وفرّج ما بين منكبيه. ومن الكلام كلام يذهب السامع منه إلى معاني أهله، وإلى قصد صاحبه، كقول الله ﵎: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى . وقال: لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى. وقال: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ . وسئل المفسر عن قوله: لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا . فقال: ليس فيها بكرة ولا عشي. وقال لنبيه ﷺ : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ . قالوا لم يشك ولم يسل. وقال عمر بن الخطاب ﵀ في جواب كلام قد تقدم وقول قد سلف منه: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما واضرب عليهما» . وهذا مثل قائل لو قال: أتضربنا على الكلام في الصلاة، وعلى التطبيق إذا ركعنا، فيقول: نعم أشدّ الضرب. إذا كان قد تقدم منه إعلامه إياهم بحال الناسخ والمنسوخ. وقد سأل رجل بلالا مولى أبي بكر ﵀ وقد أقبل جهة الحلبة، فقال له: من سبق؟ قال: سبق المقربون. قال: إنما أسألك عن الخيل. قال: وأنا أجيبك عن الخير. فترك بلال جواب لفظه إلى خبر هو أنفع له.

стр. 504

حدثني عبد الملك بن شيبان، قال: حدثني يعقوب بن الفضل الهاشمي، قال: كتب أبو جعفر إلى سلم يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم، وعقر نخلهم قال: فكتب إليه سلم: بأي ذلك نبدأ؟ بالدور أم بالنخل؟ قال: فكتب إليه أبو جعفر: «أما بعد فإني لو كتبت إليك بإفساد تمرهم لكتبت إلي تستأذنني بأية نبدأ بالبرني أم بالشهريز «١» ؟» . وعزله وولى محمد بن سليمان وقال ابن مسعود: «إن طول الصلاة وقصر الخطبة مئنّة من فقه الرجل» . مئنة كقولك: مخلقة ومجدرة ومحراة. قال الأصمعي: مئنة: علامة. وقال عبد الله: «عليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدري متى يختلّ إليه» . ولما أقدم عمر بن الخطاب عمرو بن العاص عليه من مصر قال له عمر: «لقد سرت سير عاشق» . قال له عمرو: «إني والله ما تأبطتني الإماء، ولا حملتني البغايا في غبّرات المآلي «٢» » . قال عمر: «والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه، وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل والبيضة منسوبة إلى طرقها» . وقام عمر فدخل وقام عمرو فقال: لقد أفحش أمير المؤمنين علينا. وجاء في الأثر: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ» . قال أعرابي: اللهم لا تنزلني ماء فأكون أمرأ سوء. وقال بلعاء بن قيس: وكم كان في آل الملوّح من فتى ... غنادى مفدّى حين تبلى سرائره وكم كان في آل الملوح من فتى ... يجيب خطيبا لا تخاف عوائره وقال الآخر: ومخاصم قاومت في كبد ... مثل الدهان فصار لي العذر

стр. 505

وقال آخر: وجه قبيح ولسان أبكم ... ومشفر لا يتوارى أضجم ولما رأى الفرزدق درست بن رياط الفقيمي على المنبر- وكان أسود دميما قصيرا- قال: بكى المنبر الشرقي إذ قام فوقه ... أمير فقيمي قصير الدوارج «١» وقال: بكى المنبر الشرقي والناس إذ رأوا ... عليه فقيميّا قصير القوائم وإنما كان يعادي بني فقيم لأنهم قتلوا أباه غالبا. قال أبو عبيدة: قال رجل ليونس بن حبيب: إذا أخذتم في مذاكرة الحديث وقع عليّ النعاس. قال: فاعلم إنك حمار في مسلاخ إنسان «٢» . قال: ودخل عبد الله بن حازم على عبيد الله بن زياد وهو يخطر في مشيته، فقال للمنذر بن الجارود: حرّكه. فقال: يا ابن حازم، إنك لتجر ثوبك كما تجر البغيّ ذيلها. قال: أما والله إني مع ذلك لأنفذ بالسوية، وأضرب هامة البطل المشيح «٣» ، ولو كنت وراء هذا الحائط لوضعت أكثرك شعرا. وقد كان قبض عطاءه فصبّه بين أيديهم ثم قال: لعنك الله من دراهم، ما تقومين بمؤونة خيلنا! وقال علي بن أبي طالب ﵁: خذ الحكمة أنّى أتتك، فإن الحكمة تكون في صدر المنافق فتتلجلج في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها.

стр. 506

وقال عمرو بن العاص لأهل الشام يوم صفين: «اقيموا صفوفكم مثل قص الشارب، واعيرونا جماجمكم ساعة من النهار، فقد بلغ الحق مقطعه، وإنما هو ظالم أو مظلوم» . وقال علي بن أبي طالب ﵁ يومئذ: «عضوا على النواجذ من الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام» . وقال رجل: طد رجلك إذا اعتصيت «١» بالسيف والعصا، وأنت مخيّر في رفعها ساعة المسالمة والموادعة. ولما أقاموا ابن قميئة بين العقابين قال له ابوه: طد رجليك بالأرض، واصر إصرار الفرس، واذكر أحاديث غد، وإياك وذكر الله في هذا الموضع، فإنه من الفشل. قال: وقيل للحجاج: من أخطب الناس؟ قال: صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة. يعني الحسن. وقال الأحنف: قال عمر: تفقهوا قبل أن تسوّدوا. وقال عمر: إحذر من فلتات الشباب كل ما أورثك النبز «٢» وأعلقك اللقب، فإنه إن يعظم بعدها شأنك يشتد على ذلك ندمك. ولما بنى عقبة بن غزوان وأصحابه بالبصرة بناء اللبن، كتب إليهم عمر: «قد كنت أكره لكم ذلك فإذا فعلتم ما فعلتم فعرضوا الحيطان، وارفعوا السمك، وقاربوا بين الخشب» . ولما بلغه أنهم قد اتخذوا الضياع وعمروا الأرض كتب إليهم: «لا تنهكوا وجه الأرض، فإن شحمتها فيه» . وقال عمر: «بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك» : وقال: «فرقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين» .

стр. 507

وقال: «املكوا العجين فإنه أحد الريعين» . وقال: «إذا اشتريت بعيرا فاجعله ضخما، فإنه إن أخطأك خبر لم تخطئك سوق» . وقال عمر: «العمائم تيجان العرب» . وقال: «نعم المستند الأحتباء» . وقال رسول الله ﷺ : «الناس كالإبل، ترى المائة لا تجد فيها راحلة» . وأنشدوا: وكأنّ من زهر الخزامى والندى ... والأقحوان عليه ريطة برنس «١» فإذا ترنّم حوله ذبانه ... أصغى تسمّع خائف متوجس خرجت عليه من الضراء دواجن ... تحتثّ نحو ملاذوان أشوس يسعى ويمثل والصفير كلامه ... تحيي يداه لهنّ وحي الأخرس وقال الراعي: أبا خالد لا تنبذنّ نصاحة ... كوحي الصفا خطّت لكم في فؤاديا وقال الشاعر: رب طرف مصرح ... عن ضمير بما هجس وقال آخر: بلحن القول والطرف الفصيح وقال المثقب العبدي، في استماع الثور وتوجسه وجمع باله اذا أحس بشيء من أسباب القانص، وذكر ناقة:

стр. 508

كأنها أسفع ذو جدّة ... يضمه القفر وليل سد كأنما ينظر من برقع ... من تحت روق سلب مذود يصيخ للنبأة أسماعه ... أصاخة الناشد للمنشد ويوجس السمع لنكرائه ... من خشية القانص والمؤسد وقال بعض العبيد شعرا يقع في ذكر الخطباء، وفي ذكر أشداقهم وتشادقهم: أغرّك مني أن مولاي مزيدا ... سريع إلى داعي الطعام سروط غلام أتاه الذل من نحو شدقه ... له نسب في الواغلين بسيط له نحو دور الكاس أما دعوته ... لسان كذلق الزاعبي سليط وقال الأول: إن سليطأ كاسمه سليط وقال بعض العبيد في بعض العبيد: وقد كان مفتوق اللهاة وشاعرا ... وأشدق يفري حين لا أحد يفري وقال مورق العبد يتوعد مولاه: لولا عجوز قحمة ودردق ... وصاحب جمّ الحديث مونق كيف الفوات والطلوب مورق ... شيخ مغيظ وسنان يبرق وحنجر رحب وصوت مصلق ... وشدق ضرغام وناب يحرق وسأل رجل عمر بن عبد العزيز عن الجمل وصفين فقال: «تلك دماء كف الله يدي عنها، فلا أحب أن أغمس لساني فيها» . ويقع في باب التطبيق: لأنتم ببيع اللحم أعلم منكم ... بضرب السيوف المرهفات القواطع وقال عمرو بن هداب: «إنما كنا نعرف سؤدد سلم بن قتيبة أنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين» .

стр. 509

قال الأصمعي: دخل حبيب بن شوذب الأسدي على جعفر بن سليمان بالمدينة، فقال: «أصلح الله الأمير، حبيب بن شوذب واد الصدر، جميل الذكر. يكره الزيارة المملة، والقعدة المنسية «١» » . وفي الحديث: «زر غبا تزدد حبا» . وقال بعضهم: عن الثوري، عن محمد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله قال: «إن الدين مجمع لكل هم، هم بالليل وذل بالنهار، وراية الله في أرضه، فإذا أراد الله أن يذل عبدا جعله طوقا في عنقه» . عمر بن ذر قال: الحمد لله الذي جعلنا من أمّة تغفر لهم السيئات، ولا تقبل من غيرهم الحسنات. ابن أبي الزناد قال: كنا لا نكتب إلا سنّة، وكان الزهري يكتب كل شيء، فلما أحتيج إليه عرفت أنه أوعى الناس. قال: وقال فيروز حصين: إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة كان أول ما يغير منه عقله. وقيل لمحمد بن كعب القرظي: ما علامة الخذلان؟ قال: أن يستقبح الرجل ما كان عنده حسنا، ويستحسن ما كان عنده قبيحا. وقال محمد بن حفص: كن إلى الإستماع أسرع منك إلى القول، ومن خطأ القول أشد حذرا من خطأ السكوت. وقال الحسن: إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الإستماع كما تتعلم حسن القول، ولا تقطع على أحد حديثه. سفيان بن عيينة، قال: كان يقال: العالم مثل السراج، من مر به اقتبس منه.

стр. 510

وقال الشاعر أبو دهمان الغّلابي: لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي ... وأخلفني منها الذي كنت آمل فما كلّ ما يخشى الفتى بمصيبه ... ولا كلّ ما يرجو الفتى هو نائل فما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل وقال الآخر: وإن كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها وقال كعب الأحبار: قرأت في بعض ما أنزل الله على أنبيائه ﵈: «الهدية تفقأ عين الحكيم، وتسفّه عقل الحليم» . قال: زحم رجل سالم بن عبد الله فزحم سالم الذي يليه، فقال له: يا شيخ، ما حسبتك إلا شيخ سوء! قال سالم: ما أحسبك أبعدت. قال: وسأل رجل محمد بن عمير بن عطارد وعتّاب بن ورقاء في عشر ديّات، فقال محمد: عليّ ديّة. فقال عتاب: الباقي عليّ. فقال محمد: نعم العون على المروءة اليسار. وقال الأحنف: فلو مدّ سروي بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا فإن المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا وقال يزيد بن حجيّة، حين بلغه إن زياد بن خصفة تبعه ولم يلحق به: أبلغ زيادا أنني قد كفيته ... أموري وخليت الذي هو غالبه وباب شديد داؤه قد فتحته ... عليك وقد أعيت عليك مذاهبه هبلت فما ترجو غنائي ومشهدي ... إذا كان يوم لا توارى كواكبه وقال آخر: ومنطق خرّق بالعواسل.

стр. 511

قال: تجردت الحضرمية لزوجها ثم قالت: هل ترى في خلق الرحمن من تفاوت؟ قال: أرى فطورا. وقال آخر: راودت امرأة شيخا واستهدفت له: وأبطأ عليه الأنتشار فلامته، فقال لها: إنك تفتحين بيتا وأنا أنشر ميتا. علي بن محمد، عن عمر بن مجاشع، أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد، فإن للناس نفرة عن سلطانهم، فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء مجهولة، وضغائن محمولة، وأهواء متيعة، ودنيا مؤثرة. فأقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران أحدهما لله والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الآخرة على نصيبك من الدنيا، فإن الدنيا تنفد، والآخرة تبقى. وكن من خشية الله على وجل، وأخف الفساق واجعلهم يدا يدا، ورجلا رجلا. وإذا كانت بين القبائل نائرة «١» وتداعوا: يال فلان يال فلان، فإنما تلك نجوى الشيطان، فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتكون دعواهم إلى الله وإلى الإمام. وقد بلغ أمير المؤمنين أن ضبّة تدعو: يال ضبة! وإني والله، أعلم أن ضبة ما ساق الله بها خيرا قط، ولا منع بها من سوء قط، فإذا جاءك كتابي هذا فأنهكهم عقوبة حتى يفرقوا إن لم يفقهوا. وألصق بغيلان بن خرشة من بينهم، وعد مرضى المسلمين، وأشهد جنائزهم، وافتح بابك، وباشر أمرهم بنفسك، فإنما أنت رجل منهم، غير أن الله جعلك أثقلهم حملا. وقد بلغ أمير المؤمنين أنه قد فشا لك ولأهل بيتك في لباسك ومطعمك ومركبك، ليس للمسلمين مثلها. فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة التي مرت بواد خصيب، فلم يكن لها همة إلا السمن، وإنما حتفها في السمن. واعلم أن للعامل مردا إلى الله، فإذا زاغ العامل زاغت رعيته، وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته والسلام» . عوانة، قال: قدم علينا أعرابي من كلب، وكان يحدثنا الحديث فلا يكاد يقطعه، فقال له رجل: أما لحديثك هذا آخر؟ قال: إذا عجز وصلناه.

стр. 512

قال: قال معاوية ليونس بن سعيد الثقفي: اتق أن أطير بك طيرة بطيئا وقوعها. قال: إليس لي ولك المرجع بعد إلى الله؟ قال: بلى، فاستغفر الله. رقبة بن مصقلة قال: ما سمعت عمر بن ذر يتكلم إلا ذكرت النفخ في الصور، ولا سمعت أحدا يحكيه إلا تمنيت أن يجلد ثمانين. وقال: وتكلم عمر بن ذر فصاح بعض الزفانين «١» صيحة، فلطمه رجل فقال عمر بن ذر: ما رأيت ظلما قط أوفق لي من هذا. قال: وقال طاوس: كنت عند محمد بن يوسف، فأبلغه رجل عن بعض أعدائه كلاما، فقال رجل من القوم: سبحان الله! فقال طاوس: ما ظننت أن قول سبحان الله معصية لله حتى كان اليوم. كأنه عنده إنما سبّح ليظهر استعظام الذي كان من الرجل، ليوقع به. وقال الراجز: لو كان غاداك البطيء المسهم ... إذا بدا منك الذي لا يكتم وجه قبيح ولسان أبكم ... ومشفر لا يتوارى أضجم وقال آخر: يقعّر القول لكيما تحسبه ... من الرجال الفصحاء المعربه وهو، إذا نسبته، من كربه ... من نخلة نابتة في خربه قالت امرأة الحطيئة للحطيئة، حين تحوّل عن بني رياح إلى بني كليب: «بئس ما استبدلت من بني رياح بعر الكبش» ، لأنهم متفرقون، وكذلك بعر الكبش يقع متفرقا.

стр. 513

علي بن محمد، عن مسلمة بن محارب، عن داوود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعثني وعمران بن حصين عثمان بن حنيف إلى عائشة فقال: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك، أهذا عهد عهده إليك رسول الله ﷺ أم رأي رأيته؟ قالت: «بلى رأي رأيته حين قتل عثمان، إنّا نقمنا عليه ضربة السوط، وموقع السحابة المحماة، وأمرة سعيد الوليد، فعدوتم عليه فاستحللتم منه الحرم الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما يماص «١» الاناء فاستنقى، فركبتم هذه منه ظالمين، فغضبنا لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيفكم؟» . قلت: وما أنت وسيفنا وسوط عثمان، وأنت حبيس رسول الله ﷺ ، أمرك أن تقرّي في بيتك فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض. قالت: وهل أحد يقاتلني أو يقول غير هذا؟ قلنا: نعم. قالت: ومن يفعل ذلك أزنيم «٢» بني عامر؟ ثم قالت: هل أنت مبلغ عني يا عمران؟ قال: لا، لست مبلغ عنك خيرا ولا شرا. فقلت: لكني مبلغ عنك فهاتي ما شئت. فقالت: اللهم اقتل مذمّما قصاصا بعثمان- تعني محمد بن أبي بكر- وأرم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى، وأدرك عمارا بخفرته في عثمان. حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن الحسن، أن زيادا بعث الحكم بن عمرو على خراسان، فأصاب مغنما، فكتب إليه زياد: «إن أمير المؤمنين معاوية كتب إلي يأمرني أن أصطفي له كلّ صفراء وبيضاء، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما كان من ذهب وفضة فلا تقسمه واقسم ما سوى ذلك» . فكتب إليه الحكم: «إني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين ووالله لو أن السموات والأرض كانتا رتقا على عبد فاتقى الله لجعل الله له منها مخرجا. والسلام» . ثم أمر المنادي فنادى في الناس: أن أغدوا على غنائمكم. فغدوا فقسمها بينهم. قال: وقال خالد بن صفوان: «ما رأينا أرضا مثل الأبلّة أقرب مسافة، ولا أطيب نطفة، ولا أوطأ مطية، ولا أربح لتاجر، ولا أخفى لعابد» .

стр. 514

قال الكسائي: لقيت أعرابيا فجعلت أسأله عن الحرف بعد الحرف، والشيء بعد الشيء أقرنه بغيره، فقال: تالله ما رأيت رجلا أقدر على كلمة إلى جنب كلمة أشبه شيء بها وأبعد شيء منها منك. ووصف أعرابي رجلا فقال: ذاك والله ممن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمرأ ظلمه. وقال آخر لخصمه: لئن هملجت إلى الباطل إنك لقطوف «١» إلى الحق. قال: ورأى رقبة بن مصقلة العبدي جارية عند العطار، فقال له: ما تصنع هذه عندك؟ قال: أكيل لها حناء. قال: أظنك والله تكيل لها كيلا لا يأجرك الله عليه. محمد بن سعيد! عن إبراهيم بن حويطب، قال: قال عمرو بن العاص لعبد الله بن عباس: إن هذا الأمر الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء، وقد بلغ الأمر بنا وبكم ما ترى، وما أبقت لنا هذه الحرب حياء ولا صبرا، ولسنا نقول ليت الحرب عادت، ولكنا نقول ليتها لم تكن كانت. فانظر فيما بقي بغير ما مضى، فإنك رأس هذا الأمر بعد عليّ، وإنما هو أمير مطاع، ومأمور مطيع، ومشاور مأمون، وأنت هو. وقال عيسى بن طلحة، لعروة بن الزبير حين ابتلي في رجله فقطعها: يا أبا عبد الله، ذهب أهونك علينا، وبقي أكثرك لنا. وقالت عائشة: لا سمر إلا لثلاثة: لمسافر، أو مصلّ، أو عروس. قال أبو الحسن: خطب الحجاج يوم جمعة فأطال الخطبة، فقال رجل: «إن الوقت لا ينتظرك، وإن الرب لا يعذرك» ، فحبسه، فأتاه أهل الرجل وكلموه فيه وقالوا: إنه مجنون. قال: إن أقرّ بالجنون خليت سبيله. فقيل له: أقر بالجنون. قال: لا والله، لا أزعم أنه ابتلاني وقد عافاني.

стр. 515

قالت أم هشام السلولية: ما ذكر الناس مذكورا خيرا من الإبل: أحناه على أحد بخير، إن حملت أثقلت، وإن مشت أبعدت، وإن نحرت أشبعت، وإن حلبت أروت. حدثني سليمان بن أحمد الخرشني، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن حبيب، قال: طلب زياد رجلا كان في الامان الذي سأله الحسن بن علي لأصحابه، فكتب فيه الحسن إلى زياد: «من الحسن بن علي إلى زياد. أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا، وقد ذكر لي فلان إنك عرضت له، فأحب أن لا تعرض له إلا بخير» . فلما أتاه الكتاب ولم ينسبه الحسن إلى أبي سفيان غضب فكتب: «من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن. أما بعد فقد اتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك، وأيم الله لاطلبنّهم ولو بين جلدك ولحمك، وإن أحبّ الناس إلي لحما أن آكله للحم أنت منه» . فلما وصل الكتاب إلى الحسن وجه به إلى معاوية، فلما قرأه معاوية غضب وكتب: «من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان. أما بعد فإن لك رأيين: رأيا من أبي سفيان ورأيا من سمية. فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما رأيك من سمية فكما يكون رأي مثلها. وقد كتب إلى الحسن بن علي إنك عرضت لصاحبه، فلا تعرضن له، فإني لم أجعل لك إليه سبيلا، وإن الحسن ابن علي ممن لا يرمى له الرجوان والعجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه. أفإلى أمه وكلته، وهو ابن فاطمة بنت محمد رسول الله ﷺ ؟ فالآن حين اخترت له. والسلام» . وقدم مصعب بن الزبير العراق فصعد المنبر ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم. طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وأشار بيده نحو الشام. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ

стр. 516

اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . وأشار نحو الحجاز. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ . وأشار بيده نحو العراق. قال: كتب محمد بن كعب: «القرظي» ، فقيل له: والأنصاري؟ فقال: أكره أن أمنّ على الله بما لم أفعل. المدائني قال: قام عمرو بن العاص بالموسم، فأطرى معاوية، وبني أمية، وتناول بني هاشم، ثم ذكر مشاهده بصفين، فقال له ابن عباس: يا عمرو، إنك بعت دينك من معاوية فأعطيته ما في يدك، ومناك ما في يد غيره، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك، وكان الذي أخذت منه دون ما أعطيته، وكلّ راض بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك تتبعك فيها بالعزل والتنقص، حتى لو أن نفسك فيها القيتها إليه، وذكرت مشاهدك بصفين فما ثقلت علينا يومئذ وطأتك، ولا نكتنا فيها حربك. وإن كنت فيها لطويل اللسان، قصير السنان. آخر الحرب إذا اقبلت، وأولها إذا أدبرت. لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، ويد لا تقبضها عن شر. ووجهان: وجه مؤنس، ووجه موحش. ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره لحري أن يطول حزنه على ما باع واشترى. لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد. فأصغر عيب فيك أكبر عيب في غيرك. فقال عمرو: أما والله ما في قريش أحد أثقل وطأة عليّ منك، ولا لأحد من قريش عندي مثل قدرك. قال: ورأى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان رجلا يشتم رجلا، وآخر يستمع له فقال للمستمع: نزّه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن الكلام

стр. 517

به، فإن السامع سريك القائل، وإنما نظر إلى شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادها، كما شقي قائلها. عوانة قال: اختصم إلى زياد رجلان في حق كان لأحدهما على الآخر، فقال المدّعى عليه: أيها الأمير، إنه ليسطو عليّ بخاصة ذكر أنها له منك. فقال زياد: صدق، وسأخبرك بمنفعتها له: أن يكن الحق له عليك أخذتك به، وإن يكن لك عليه حكمت عليه ثم قضيت عنه. قال: ولما توفي أبو بكر الصديق ﵀، قامت عائشة على قبره فقالت: نضّر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلا بادبارك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها. وإن كان لأجل الأرزاء بعد رسول الله ﷺ رزؤك، ولأكبر المصائب فقدك. وإن كتاب الله ليعيد بجميل العزاء عنك حسن العوض منك. فأنتجز من الله موعوده فيك بالصبر عنك، واستخلصه بالاستغفار لك. وقامت فرغانة بنت أوس بن حجر على قبر الأحنف بن قيس وهي على راحلة، فقالت: إنّا لله وإنا إليه راجعون. رحمك الله أبا بحر من مجنّ في جنن، ومدرج في كفن، فو الذي ابتلانا بفقدك، وأبلغنا يوم موتك، لقد عشت حميدا، ومت فقيدا، ولقد كنت عظيم الحلم، فاضل السلم، رفيع العماد، واري الزناد، منيع الحريم، سليم الأديم، وإن كنت في المحافل لشريفا، وعلى الأرامل لعطوفا، ومن الناس لقريبا، وفيهم لغريبا. وإن كنت لمسوّدا، وإلى لخلفاء لموفدا، وإن كانوا لقولك لمستمعين، ولرأيك لمتبعين. ثم انصرفت.

стр. 518

أبو الحسن قال: قال عمرو بن العاص: ما رأيت معاوية قط متكئا على يساره، واضعا احدى رجليه على الأخرى، كاسرا إحدى عينيه، يقول للذي يكلمه: يا هناه «١» ، ألا رحمت الذي يكلمه. وقال عمر بن الخطاب ﵀ كونوا أوعية الكتاب، وينابيع العلم، وسلوا ار رزق يوم بيوم، ولا يضيركم ألا يكثر لكم. وكتب معاوية إلى عائشة: أن أكتبي إليّ بشيء سمعته من أبي القاسم ﷺ . فكتبت إليه: «سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: من عمل بما يسخط الله عاد حاسده من الناس له ذاما» . أوصى بعض العلماء ابنه فقال: أوصيك بتقوى الله، وليسعك بيتك. واملك عليك لسانك، وابك على خطيئتك. بكر بن أبي بكر القرشي قال: قال أعرابي: ما غبنت قط حتى يغبن قومي. قيل: وكيف؟ قال: لا أفعل شيئا حتى أشاورهم. قيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم! قال: نحن ألف رجل، وفينا حازم ونحن نطيعه، فكأنا ألف حازم. قال أبو الحسن: أول من أجرى في البحر السفن المقيّرة المسمّرة، غير المخرّزة المدهونة، وغير ذات الجآجيء «٢» ، وكان أول من عمل المحامل، الحجاج. وقال بعض رياز الأكرياء «٣» : أوّل عبد عمل المحاملا ... أخزاه ربي عاجلا وآجلا

стр. 519

وقال آخر: شيّب أصداغي فهن بيض ... محامل لقدها نقيض قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: لو تنخّل «١» رجل أخا شقيقا لم يأمل أن يبدو منه ما يبدو من الثوب ذي الحرق، فرحم الله رجلا أغضى على الأقذاء واستمتع بالظاهر. قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: من ولّد الخير نتج له فراخا تطير بالسرور ومن ولّد الشر انبت له نباتا مرا مذاقه، قضبانه الغيظ، وثمره الندم. وأنشد النضر بن شميل: يحبّ بقائي المشفقون ومدني ... إلى أجل، لو يعلمون، قريب وما أربي في أرذل العمر بعدما ... لبست شبابي قبله ومشيبي وأنشد أبن الأعرابي: يا أبن الزبير جزاك الله لائمة ... هلا انتهيتم وفي الأقوال تعتيب «٢» تنزو لتدرك من كعب غطارفة ... هلا تستوي بسرة العرجون والطيب «٣» كما ترى فرخ عش لا حراك به ... وفوقه من نسال الريش تزغيب ما فيكم قد علمنا من محافظة ... يوم الحفاظ ولا خيّر لمنكوب وأنتم تحت أوراق البيوت إذا ... هبت شآمية درن طحاريب أنتم مناخ الخنى قبحا لخلتكم ... فكلكم يا بني البلقاء مقشوب في ذمتي أن تضجوا من مصادمتي ... كما تضجّ من الحر الجناديب ما بين أدبس نتاج له ذفر ... ومقصد القلب ذي ستين معصوب خالي سماعة فاعلم، لا خفاء به ... لقد هوى بك ياوتين شنخوب صعب مناكبه تهوى الكماة به ... خوفا وتصطادهم منه كلاليب

стр. 520

وأنشد ابن المعذّل: تواعد للبين الخلبط لينبتوا ... وقالوا لراعي الظهر موعدك السبت ففاجأني بغتا ولم أخش بينهم ... وافظع شيء حين يفجؤك البغت مضى لسليمى منذ ما لم ألاقها ... سنون توالت بيننا خمس أو ست وفي النفس حاجات اليكم كثيرة ... بربانها في الحي لو أخر الوقت تأيمت حتى لامني كل صاحب ... رجاء لسلمى أن تئيم كما إمت لئن بعت حظي منك يوما بغيره ... لبئس إذا يوم التغابن ما بعت تمنى رجال أن أموت وعهدهم ... بأن يتمنوا لو حييت إذا مت وقد علموا عند الحقائق إنني ... أخو ثقة ما إن ونيت ولا أنت وأنى قد سيرت نبلي وإنني ... كأني وقد وقعت أنصالها رشت وقال أحمد بن المعذل: انشدني أعرابي من طيء: ولست بميال إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر وإني لصبّار على ما ينوبني ... وحسبك إن الله أثنى على الصبر خطبة الحجاج [في الكوفة] حدثنا محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد، عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: خرج الحجاج يريد العراق واليا عليها، في إثني عشر راكبا على النجائب، حتى دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار، وقد كان بشر بن مروان بعث المهلب إلى الحرورية، فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بغمامة خز حمراء، فقال: علي بالناس! فحسبوه وأصحابه خوارج، فهموا به، حتى إذا اجتمع الناس في المسجد قام فكشف عن وجهه، ثم قال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى اضع العمامة تعرفوني أما والله إني لأحتمل الشرّ بحمله، واحذوه بفعله، وأجزيه بنعله، وإني

стр. 521

لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى. قد شمّرت عن ساقها فشمرا ثم قال: هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسوّاق حطم ليس براعي ابل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم وقال أيضا: قد لفها الليل بعصلبيّ ... أروع خرّاج من الدويّ مهاجر ليس بأعرابي إني والله يا أهل العراق، والشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق، ما أغمز تغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان «١» ، ولقد فررت عن ذكاء «٢» وفتشت عن تجربة، وجريت من الغاية. إن أمير المؤمنين كب كنانته ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرّها عودا، وأصلبها عمودا، فوجهني إليكم، فإنكم طالما أوضعتم «٣» في الفتن، وأضطجعتم في مراقد الضلال، وسننتم سنن الغيّ. أما والله لألحونكم لحو العصا، ولأعصبنكم عصب السلمة «٤» ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. إني والله لا اعد إلا وفيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت. فإياي وهذه الجماعات وقال وقيل، وما تقولون؟ وفيم انتم وذاك؟

стр. 522

أما والله لتستقيمنّ على طريق الحق أو لأدعنّ لكل رجل منكم شغلا في جسده. من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه، وانتهبت ماله. ثم دخل منزله. [رسالة الحجاج إلي قطري بن الفجاءة وجوابها] أبو الحسن قال: كتب الحجاج بن يوسف إلى قطري بن الفجاءة: «سلام عليك. أما بعد فإنك مرقت من الدين مروق السهم من الرميّة، وقد علمت حيث تجرثمت «١» ، ذاك إنك عاص لله ولولاة أمره، غير إنك أعرابي جلف أميّ، تستطعم الكسرة وتستشفي بالتّمرة، والأمور عليك حسرة، خرجت لتنال شبعة فلحق بك طعام صلوا بمثل ما صليت به من العيش، فهم يهزّون الرماح، ويستنشئون الرياح، على خوف وجهد من أمورهم. وما أصبحوا يتتظرون أعظم مما جهلوا معرفته، ثم أهلكهم الله بترحتين. والسلام» . فأجابه قطريّ: «من قطري بن الفجاءة إلى الحجاج بن يوسف. سلام على الهداة من الولاة، الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه. فالحمد لله على ما أظهر من دينه، واظلع «٢» به أهل السّفال، وهدى به من الضّلال، ونصر به، عند استخفافك بحقه. كتبت إلي تذكر إني أعرابي جلف أمي، استطعم الكسرة واستشفي بالتمرة. ولعمري يا أبن أم الحجاج إنك لمتيه في جبلتك «٣» ، مطلخم في طريقتك «٤» ، واه في وثيقتك، لا تعرف الله ولا تجزع من خطيئتك، يئست واستيأست من ربك، فالشيطان قرينك، لا تجاذبه وثاقك، ولا تنازعه خناقك. فالحمد لله الذي لو شاء أبرز لي صفحتك، وأوضح لي صلعتك. فوالذي نفس قطري بيده، لعرفت أن مقارعة الأبطال، ليس كتصدير

стр. 523

المقال مع إني أرجو أن يدحض الله حجتك، وأن يمنحني مهجتك» . [أقوال وجوابات منتخبة] خالد بن يزيد الطائي، قال: كتب معاوية إلى عدي بن حاتم: «حاجيتك ما لا ينسى» يعني قتل عثمان. فذهب عدي بالكتاب إلى علي فقال: «إن المرأة لا تنسى قاتل بكرها، ولا أبا عذرها» . فكتب إليه عدي: «إن ذلك مني كليلة شيباء» . وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: «يا غلام، ارفع ذلك النثيل» ، يعني روثا. وقيل له: أين خرج هذا الجبن؟ قال: تحت منكبي. وقيل لقتيبة: أين خرج بك هذا الخراج «١» قال: بين الرانفة والصفن «٢» . قال: وقيل لرقبة: ما بال القراء أشد الناس نهمة وغلمة؟ قال: أما الغلمة فإنهم لا يزنون، وأما النهمة فلأنهم يصومون. وعرض عليه رجل الغداء، فقال: يا هذا، إن أقسمت علي، وإلا فدعني. وقال مورّق العجلي: ما تكلمت بكلمة في الغضب اندم عليها في الرضا. وقد سألت الله حاجة منذ أربعين سنة فما أجابني ولا يئست منها: ألا أتكلم فيما لا يعنيني. قال: مكتوب في حكمة داوود: على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه، مالكا للسانه، مقبلا على شأنه. قال: ولما قدم الفرزدق الشام قال له جرير- وكان هنالك- ما ظننت إنك تقدم بلدا أنا فيه! فقال الفرزدق: إني طالما خالفت رأي العجزة. وقال يونس بن حبيب: إذا قالوا غلب الشاعر فهو الغالب، وإذا قالوا مغلّب المغلوب. وقال امرؤ القيس:

стр. 524

وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب وقال بعضهم: إني امرؤ ينفع قومي مشهدي ... أذبّ عنهم بلساني ويدي وقال قتيبة بن مسلم: إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار، وقصروا الشعور. وقال: ونظر مخنث إلى شيخ قبيح الوجه في الطريق فقال له: ألم ينهكم سليمان بن داود عن الخروج بالنهار؟ وقال: وعزى أعرابي ناسا فقال: يرحم الله فلانا، فلقد كان كثير الإهالة دسم الأشداق. وقال الشاعر: ترى ودك السديف على لحاهم ... كلون الراء لبّده الصقيع وقال أعرابي «رحم الله فلانا، إن كان لضخم الكاهل» . ثم جلس وسكت. وقال آخر: «كان والله نقيّ الأظفار، قليل الأسرار» . وقال صديق لنا: رأيت سكرانا وقد ركب ردعه، ثم أنه استقل فقال: أنا السّديف المسرهد «١» . وسارّ رجل اعرابيا بحديث فقال له: أفهمت؟ قال: بل نسيت! قال وائلة بن خليفة السدوسي، يهجو عبد الملك بن المهلب: لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب بكى المنبر الغربي إذ قمت فوقه ... وكادت مسامير الحديد تذوب رأيتك لما شبت أدركك الذي ... يصيب سراة الأزد حين تشيب سفاهة أحلام وبخل بنائل ... وفيك لمن عاب المزون عيوب

стр. 525

وقد أوحشت منكم رساتيق فارس ... وبالمصر دور جمة ودروب إذا عصبة ضجت من الخرج ناسبت ... مزونية إن النسيب نسيب وقال بشار الأعمى، في عمر بن حفص: ما بال عينك دمعها مسكوب ... حربت فأنت بنومها محروب وكذاك من صحب الحوادث لم تزل ... تأتي عليه سلامة ونكوب يا أرض ويحك اكرميه فإنه ... لم يبق للعتكيّ فيك ضريب أبهى على خشب المنابر قائما ... يوما وأحزم إذ تشبّ حروب إن الرزية لا رزية مثلها ... يوم ابن حفص في الدماء خضيب لا يستجيب ولا يحير لسانه ... ولقد يحير لسانه ويجيب غلب العزاء على ابن حفص والأسى ... إن العزاء بمثله مغلوب إذ قيل أصبح في المقابر ثاويا ... عمر وشقّ لواؤه المنصوب فظللت أندب سيف آل محمد ... عمرا وعز هنالك المندوب فعليك يا عمر السلام فإننا ... باكوك ماهبت صبا وجنوب قال اسماعيل بن غزوان: الأصوات الحسنة والعقول الحسان كثيرة، والبيان الجيد والجمال البارع قليل. وذكر أبو الحارث، صاحب مسجد ابن رغبان، فقال: إن حدثته سبقك إلى ذلك الحديث، وإن سكتّ عنه أخذ في الترهّات. وقال ابن وهب: أنا استثقل الكلام كما يستثقل حريث السكوت. كما قال ابن شبرمة لا ياس بن معاوية: شكلي وشكلك لا يتفقان، أنت لا تشتهي أن تسكت، وأنا لا أشتهي أن أسمع. وقال أبو عقيل بن درست: إذا لم يكن المستمع أحرص على الاستماع من القائل على القول، لم يبلغ القائل في منطقة، وكان النقصان الداخل على قوله بقدر الخلة بالاستماع منه.

стр. 526

وقال ابن بشار البرقي: كان عندنا واحد يتكلم في البلاغة، فسمعته يقول: لو كنت ليس أنا، وأنا ابن من أنا منه، لكنت أنا أنا وأنا ابن من أنا منه فكيف وأنا أنا وابن من أنا منه. وقالوا: ثلاث يسرع إليهن الخلف: الحريق، والتزويج، والحج. وقال المهلب: «ليس أنمى من بقية السيف» . فوجد الناس تصديق قوله فيما نال ولده من السيف وصار فيهم من النماء. وقال علي بن أبي طالب ﵀: «بقية السيف أنمى عددا، وأكرم ولدا» . ووجد الناس ذلك بالعيان، للذي صار إليه ولده من نهك السيف، وكثرة الذرء، وكرم النجل. قال الله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ وقال بعض لحكماء: «قتل البعض أحياء للجميع» . وقال همّام الرقاشي: أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام قدّمت قبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحق أن يلجوا الأبواب قدامي لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهم ... قبرا وأبعدهم من منزل الذام فقد جعلت إذا ما حاجة عرضت ... بباب قصرك أدلوها بأقوام وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: «والله لأعدنكم عدا، ولأحصدنكم حصدا» . قالت: أنت تحصد، والله يزرع، فانظر أين قدرة المخلوق من قدرة الخالق. ولم يظهر من عدد القتلى مثل الذي ظهر في آل أبي طالب، وآل الزبير، وآل المهلب. وقال الشاعر في آل الزبير: آل الزبير بنو حرّة ... مروا بالسيوف صدورا حناقا

стр. 527

يموتون او القتل من دأبهم ... ويغشون يوم السباق السباقا إذا فرّج القتل عن عيصهم ... أبى ذلك العيص إلا اتفاقا قال: احترقت دار ثمامة، فقالوا له: ما أسرع خلف الحريق؟ قال: فأنا استحرق الله. قال ثمامة: سمعت قاصّا بعبادان يقول في دعائه: اللهم ارزقنا الشهادة وجميع المسلمين. قال: وتساقط الذبّان على وجهه فقال: الله أكبر، كثّر الله بكم القبور. قال: وسمع أعرابي رجلا يقرأ سورة براءة فقال: ينبغي أن يكون هذا آخر القرآن. قيل له: ولم؟ قال: رأيت عهودا تنبذ. وقال عبد العزيز الغزّال القاصّ، في قصصه: ليت الله لم يكن خلقني وأنا الساعة أعور. فحكيت ذلك لأبي عتّاب الجرّار. فقال أبو عتاب: بئس ما قال، وددت والله الذي لا إله إلا هو إن الله لم يكن خلقني وإني الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين. قال: ولما استعدي الزبرقان على الحطيئة فأمر عمر بقطع لسانه، قال الزبرقان: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تقطعه، فإن كنت لا بد فاعلا فلا تقطعه في بيت الزبرقان. فقيل له: إنه لم يذهب هنالك، إنما أراد أن يقطع لسانه عنك برغبة أو رهبة. وتقول العرب: «قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضا عالمها» .. وتقول: «ذبحني العطش» ، و «المسك الذبيح» ، و «ركب بنو فلان الفلاة فقطع لعطش أعناقهم» . وتقول: فلان لسان القوم ونابهم الذي يفتوّن عنه. وهؤلاء أنف القوم خراطيمهم. وبيسان لسان الأرض يوم القيامة. وفلان اصطمة الوادي وعين البلد.

стр. 528

وقال الأصمعي: قال رجل لأبي عمرو بن العلاء: أكرمك الله! قال: محدثة. قال: وكان ابن عون يقول: كيف أنت أصلحك الله. وكان الأصمعي يقول: قولهم جعلت فداك، وجعلني الله فداك، محدث وقد روى علماء البصريين أن الحسن لما سمع صراخا في جنازة أم عبد الأعلى ابن عبد الله بن عامر فالتفت، قال له عبد الأعلى: جعلت فداك، لا والله ما أمرت، ولا شعرت. وقال الأصمعي: صلّى أعرابي فأطال الصلاة، وإلى جانبه ناس، فقالوا: ما أحسن صلاته! فقال: وأنا مع هذا صائم. قال الشاعر: صلّى فأعجبني وصام فرابني ... عدّ القلوص عن المصلي الصائم وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. قال عوانة: قال زياد بن أبيه: من سعادة الرجل أن يطول عمره، ويرى في عدوه ما يسره. وقال الباهلي: قيل لأعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق. قال أبو الحسن: كانت بنو أميّة لا تقبل الراوية إلا أن يكون راوية للمراثي. قيل: ولم ذاك؟ قيل: لأنها تدل على مكارم الأخلاق. وقال عمر بن الخطاب ﵀: من خير صناعات العرب الأبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته، يستنزل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم.

стр. 529

وقال شعبة: كان سماك بن حرب «١» إذا كانت له إلى الوالي حاجة قال فيه أبياتا ثم يسأله حاجته. قال أبو الحسن: كان شظاظ لصا، فأغار على قوم من العرب فأطرد نعمهم فساقها ليلته حتى أصبح، فقال رجل من اصحابه: لقد أصبحنا على فصد من طريقنا. فقال: «إن المحسن معان» . وقال أبو الحسن: أربى غلام من بني علي، على عبد الملك، وعبد الملك يومئذ غلام، فقال له كهل من كهولهم لما رآه ممسكا عن جواب المربي عليه: لو شكوته إلى عمه انتقم لك منه. قال: أمسك يا كهل، فإني لا أعد انتقام غيري انتقاما. قال أبو الحسن: خاض جلساء عبد الملك يوما في قتل عثمان، فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين، في أي سنيك كنت يومئذ؟ قال: كنت دون المحتلم، قال: فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه. وكان عمر بن الخطاب، ﵀، إذا اشترى رقيقا قال: اللهم ارزقني أنصحهم جيبا «٢» ، وأطولهم عمرا. وكان إذا استعمل رجلا قال: إن العمل كبر، فانظر كيف تخرج منه. قال: ومضى ابو عبد الله الكرخي إلى الرّبض، فجلس على بابه ونفش لحيته وادعى الفقه، فوقف عليه رجل فقال له: إني أدخلت اصبعي في أنفي فخرج عليها دم. قال: احتجم. قال: جلست طبيبا أو فقيها؟! قالوا: بينا الشعبي جالس في مجلسه وأصحابه يناظرونه في الفقه، إذا شيخ بقربه قد أقبل عليه بعد أن طال جلوسه، فقال له: إني أجد في قفاي

стр. 530

حكة افترى لي أن أحتجم؟ قال الشعبي: الحمد لله الذي حولنا من الفقه إلى الحجامة. قال: وذكر ناس رجلا بكثرة الصوم وطول الصلاة وشدة الأجتهاد، فقال أعرابي كان شاهدا لكلامهم: بئس الرجل هذا، يظن أن الله لا يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب. وقال ابن عون: أدركت ثلاثة يتشددون في السماع، وثلاثة يتساهلون في المعاني. فأما الذين يتساهلون فالحسن، والشعبي، والنخعي، وأما الذين يتشددون فمحمد بن سيرين «١» ، والقاسم بن محمد «٢» ، ورجاء بن حيوة. قال رجل من أصحاب ابن لهيعة: ما رأيت أحقن أدبا من عبد الله بن المبارك، والمعافى بن عمران «٣» . وقال ابو الحسن: حدثني عبد الأعلى قال: رأيت الطرمّاح مؤدبا بالري فلم أر أحدا آخذ لعقول الرجال، ولا أجذب لأسماعهم إلى حديثه منه، ولقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده وكأنهم قد جالسوا العلماء. قال: كان رجل يبلغه كلام الحسن البصري، فبينا الرجل يطوف بالبيت إذ سمع رجلا يقول: «عجبا لقوم أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم، فليت شعري ما الذي ينتظرون» . قال: فقلت في نفسي: هذا الحسن. قال: وأربعة من قريش كانوا رواة الناس للأشعار، وعلماءهم بالأنساب والأخبار: مخرمة بن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وأبو الجهم بن حذيفة
следующие страницы →