← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقال ابن بشار البرقي: كان عندنا واحد يتكلم في البلاغة، فسمعته يقول: لو كنت ليس أنا، وأنا ابن من أنا منه، لكنت أنا أنا وأنا ابن من أنا منه فكيف وأنا أنا وابن من أنا منه. وقالوا: ثلاث يسرع إليهن الخلف: الحريق، والتزويج، والحج. وقال المهلب: «ليس أنمى من بقية السيف» . فوجد الناس تصديق قوله فيما نال ولده من السيف وصار فيهم من النماء. وقال علي بن أبي طالب ﵀: «بقية السيف أنمى عددا، وأكرم ولدا» . ووجد الناس ذلك بالعيان، للذي صار إليه ولده من نهك السيف، وكثرة الذرء، وكرم النجل. قال الله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ وقال بعض لحكماء: «قتل البعض أحياء للجميع» . وقال همّام الرقاشي: أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام قدّمت قبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحق أن يلجوا الأبواب قدامي لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهم ... قبرا وأبعدهم من منزل الذام فقد جعلت إذا ما حاجة عرضت ... بباب قصرك أدلوها بأقوام وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: «والله لأعدنكم عدا، ولأحصدنكم حصدا» . قالت: أنت تحصد، والله يزرع، فانظر أين قدرة المخلوق من قدرة الخالق. ولم يظهر من عدد القتلى مثل الذي ظهر في آل أبي طالب، وآل الزبير، وآل المهلب. وقال الشاعر في آل الزبير: آل الزبير بنو حرّة ... مروا بالسيوف صدورا حناقا

стр. 527

يموتون او القتل من دأبهم ... ويغشون يوم السباق السباقا إذا فرّج القتل عن عيصهم ... أبى ذلك العيص إلا اتفاقا قال: احترقت دار ثمامة، فقالوا له: ما أسرع خلف الحريق؟ قال: فأنا استحرق الله. قال ثمامة: سمعت قاصّا بعبادان يقول في دعائه: اللهم ارزقنا الشهادة وجميع المسلمين. قال: وتساقط الذبّان على وجهه فقال: الله أكبر، كثّر الله بكم القبور. قال: وسمع أعرابي رجلا يقرأ سورة براءة فقال: ينبغي أن يكون هذا آخر القرآن. قيل له: ولم؟ قال: رأيت عهودا تنبذ. وقال عبد العزيز الغزّال القاصّ، في قصصه: ليت الله لم يكن خلقني وأنا الساعة أعور. فحكيت ذلك لأبي عتّاب الجرّار. فقال أبو عتاب: بئس ما قال، وددت والله الذي لا إله إلا هو إن الله لم يكن خلقني وإني الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين. قال: ولما استعدي الزبرقان على الحطيئة فأمر عمر بقطع لسانه، قال الزبرقان: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تقطعه، فإن كنت لا بد فاعلا فلا تقطعه في بيت الزبرقان. فقيل له: إنه لم يذهب هنالك، إنما أراد أن يقطع لسانه عنك برغبة أو رهبة. وتقول العرب: «قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضا عالمها» .. وتقول: «ذبحني العطش» ، و «المسك الذبيح» ، و «ركب بنو فلان الفلاة فقطع لعطش أعناقهم» . وتقول: فلان لسان القوم ونابهم الذي يفتوّن عنه. وهؤلاء أنف القوم خراطيمهم. وبيسان لسان الأرض يوم القيامة. وفلان اصطمة الوادي وعين البلد.

стр. 528

وقال الأصمعي: قال رجل لأبي عمرو بن العلاء: أكرمك الله! قال: محدثة. قال: وكان ابن عون يقول: كيف أنت أصلحك الله. وكان الأصمعي يقول: قولهم جعلت فداك، وجعلني الله فداك، محدث وقد روى علماء البصريين أن الحسن لما سمع صراخا في جنازة أم عبد الأعلى ابن عبد الله بن عامر فالتفت، قال له عبد الأعلى: جعلت فداك، لا والله ما أمرت، ولا شعرت. وقال الأصمعي: صلّى أعرابي فأطال الصلاة، وإلى جانبه ناس، فقالوا: ما أحسن صلاته! فقال: وأنا مع هذا صائم. قال الشاعر: صلّى فأعجبني وصام فرابني ... عدّ القلوص عن المصلي الصائم وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. قال عوانة: قال زياد بن أبيه: من سعادة الرجل أن يطول عمره، ويرى في عدوه ما يسره. وقال الباهلي: قيل لأعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق. قال أبو الحسن: كانت بنو أميّة لا تقبل الراوية إلا أن يكون راوية للمراثي. قيل: ولم ذاك؟ قيل: لأنها تدل على مكارم الأخلاق. وقال عمر بن الخطاب ﵀: من خير صناعات العرب الأبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته، يستنزل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم.

стр. 529

وقال شعبة: كان سماك بن حرب «١» إذا كانت له إلى الوالي حاجة قال فيه أبياتا ثم يسأله حاجته. قال أبو الحسن: كان شظاظ لصا، فأغار على قوم من العرب فأطرد نعمهم فساقها ليلته حتى أصبح، فقال رجل من اصحابه: لقد أصبحنا على فصد من طريقنا. فقال: «إن المحسن معان» . وقال أبو الحسن: أربى غلام من بني علي، على عبد الملك، وعبد الملك يومئذ غلام، فقال له كهل من كهولهم لما رآه ممسكا عن جواب المربي عليه: لو شكوته إلى عمه انتقم لك منه. قال: أمسك يا كهل، فإني لا أعد انتقام غيري انتقاما. قال أبو الحسن: خاض جلساء عبد الملك يوما في قتل عثمان، فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين، في أي سنيك كنت يومئذ؟ قال: كنت دون المحتلم، قال: فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه. وكان عمر بن الخطاب، ﵀، إذا اشترى رقيقا قال: اللهم ارزقني أنصحهم جيبا «٢» ، وأطولهم عمرا. وكان إذا استعمل رجلا قال: إن العمل كبر، فانظر كيف تخرج منه. قال: ومضى ابو عبد الله الكرخي إلى الرّبض، فجلس على بابه ونفش لحيته وادعى الفقه، فوقف عليه رجل فقال له: إني أدخلت اصبعي في أنفي فخرج عليها دم. قال: احتجم. قال: جلست طبيبا أو فقيها؟! قالوا: بينا الشعبي جالس في مجلسه وأصحابه يناظرونه في الفقه، إذا شيخ بقربه قد أقبل عليه بعد أن طال جلوسه، فقال له: إني أجد في قفاي

стр. 530

حكة افترى لي أن أحتجم؟ قال الشعبي: الحمد لله الذي حولنا من الفقه إلى الحجامة. قال: وذكر ناس رجلا بكثرة الصوم وطول الصلاة وشدة الأجتهاد، فقال أعرابي كان شاهدا لكلامهم: بئس الرجل هذا، يظن أن الله لا يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب. وقال ابن عون: أدركت ثلاثة يتشددون في السماع، وثلاثة يتساهلون في المعاني. فأما الذين يتساهلون فالحسن، والشعبي، والنخعي، وأما الذين يتشددون فمحمد بن سيرين «١» ، والقاسم بن محمد «٢» ، ورجاء بن حيوة. قال رجل من أصحاب ابن لهيعة: ما رأيت أحقن أدبا من عبد الله بن المبارك، والمعافى بن عمران «٣» . وقال ابو الحسن: حدثني عبد الأعلى قال: رأيت الطرمّاح مؤدبا بالري فلم أر أحدا آخذ لعقول الرجال، ولا أجذب لأسماعهم إلى حديثه منه، ولقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده وكأنهم قد جالسوا العلماء. قال: كان رجل يبلغه كلام الحسن البصري، فبينا الرجل يطوف بالبيت إذ سمع رجلا يقول: «عجبا لقوم أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم، فليت شعري ما الذي ينتظرون» . قال: فقلت في نفسي: هذا الحسن. قال: وأربعة من قريش كانوا رواة الناس للأشعار، وعلماءهم بالأنساب والأخبار: مخرمة بن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وأبو الجهم بن حذيفة

стр. 531

ابن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف، وحويطب بن عبد العزّى، وعقيل بن أبي طالب. وكان عقيل أكثرهم ذكرا لمثالب الناس، فعادوه لذلك، وقالوا فيه وحمّقوه. وسمعت ذلك العامة منهم، فلا تزال تسمع الرجل يقول: قد سمعت الرجل يحمقه. حتى ألف بعض الأعداء فيه الأحاديث. فمنها قولهم: ثلاثة حمقى كانوا أخوة ثلاثة عقلاء، والأم واحدة: علي وعقيل وأمهما فاطمة بنت اسد بن هاشم، وعتبة ومعاوية ابنا أبي سفيان وأمهما هند بنت عتبة بن ربيعة، وعبد الملك ومعاوية ابنا مروان وأمهما عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص. فكيف وجعدة بن هبيرة يقول: أبي من بني مخزوم إن كنت سائلا ... ومن هاشم أمي، لخير قبيل فمن ذا الذي يبأى علي بخاله ... وخالي عليّ ذو الندى وعقيل وقال قدامة بن موسى بن قدامة بن مظعون: وخالي بغاة الخير تعلم أنه ... جدير بقول الحقّ لا يتوعر وجدي عليّ ذو التقى وابن أمه ... عقيل وخالي ذو الجناحين جعفر فنحن ولاة الخير في كل موطن ... إذا ما ونى عنه رجال وقصروا وقال حسان بن ثابت: إن خالي خطيب جابية الجو ... لان عند النعمان حين يقوم وهو الصقر عند باب ابن سلمى ... يوم نعمان في الكبول مقيم وسطت نسبتي الذوائب منهم ... كل دار فيها أب لي عظيم وأبي في سميحة «١» القائل الفا ... صل يوم التفت عليه الخصوم يفصل القول بالبيان وذو الرأ ... ي من القوم ظالع مكعوم «٢» تلك أفعاله وفعل الزبعرى «٣» ... خامل في صديقه مذموم

стр. 532

رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم ولي البأس منكم إذ أبيتم ... أسرة من بني قصيّ صميم وقريش تجول منا لواذا ... أن يقيموا وخف منها الحلوم لم تطق حمله العواتق منهم ... إنما يحمل اللواء النجوم وكان عقيل رجلا قد كف بصره، وله بعد لسانه وأدبه ونسبه وجوابه، فلما فضل نظراءه من العلماء بهذه الخصال، صار لسانه بها أطول. وغاضب عليا وأقام بالشام، وكان ذلك أيضا مما أطلق لسان الباغي والحاسد فيه. وزعموا أنه قال له معاوية: هذا أبو يزيد، لولا أنه علم أني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه. فقال له عقيل: «أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي» . وقال له مرة بصفين: أنت معنا يا أبا يزيد الليلة. قال: ويوم بدر قد كنت معكم. وقال معاوية يوما: يا أهل الشام، هل سمعتم قول الله ﵎ في كتابه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ ؟ قالوا نعم. قال: فإن أبا لهب عمه. فقال عقيل: فهل سمعتم قول الله جل وعز: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قالوا: نعم. قال: فإنها عمته. قال معاوية: حسبنا ما لقينا من أخيك. وذكروا أن امرأة عقيل، وهي فاطمة ابنة عتبة بن ربيعة قالت: يا بني لا يحبكم قليي ابدا! أين أبي، أين عمي، أين أخي، كأن أعناقهم أباريق الفضة، ترد آنفهم قبل شفاههم. قال لها عقيل: إذا دخلت جهنم فخذي على شمالك. وقيل لعمر ﵀: فلان لا يعرف الشر. قال: ذلك أجدر أن يقع فيه. قال: وسمع أعرابي رجلا يقرأ: وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ: تَجْرِي

стр. 533

بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ، قال بفتح الكاف، فقال الأعرابي: لا يكون. فقرأها عليه بضم الكاف وكسر الفاء، فقال الأعرابي: يكون. قال الشاعر: بدا البرق من نحو الحجاز فشاقني ... وكلّ حجازيّ له البرق شائق سرى مثل نبض العرق والليل دونه ... وأعلام أبلى كلها والأسالق «١» وقال آخر: أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائبا حينا يهبّ ويهجع سرى كاحتساء الطير والليل ضارب ... بأرواقة والصبح قد كاد يسطع حدثني ابراهيم بن السّندي عن أبيه قال: دخل شاب من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة ابيه فقال: مرض أبي ﵁ يوم كذا، ومات ﵁ يوم كذا، وترك ﵁ من المال كذا، ومن الولد كذا: فانتهره الربيع «٢» وقال: بين يدي أمير المؤمنين توالي بالدعاء لأبيك؟ فقال الشاب: لا ألومك، لأنك لم تعرف حلاوة الآباء. قال: فما علمنا أن المنصور ضحك في مجلسه ضحكا قط، فافترّ عن نواجذه إلا يومئذ. وحدثني إبراهيم بن السندي عن أبيه قال: دخل شاب من بني هاشم على المنصور، فاستجلسه ذات يوم ودعا بغدائه، فقال للفتى: ادنه. قال الفتى: قد تغديت يا أمير المؤمنين. فكف عنه الربيع حتى ظننا أنه لم يفطن لخطابه، فلما نهض إلى الخروج أمهله، فلما كان من وراء الستر دفع في قفاه، فلما رأى ذلك الحجاب منه دفعوا في قفاه حتى أخرجوه من الدار، فدخل رجال من عمومة الفتى فشكوا الربيع إلى المنصور، فقال المنصور: إن

стр. 534

الربيع لا يقدم على مثل هذا إلا وفي يديه حجة، فإن شئتم أغضيتم على ما فيها، وإن شئتم سألته وأنتم تسمعون. قالوا: فسله. فدعا الربيع وقصوا قصته، فقال الربيع: هذا الفتى كان يسلم من بعيد وينصرف، فاستدناه أمير المؤمنين حتى سلم عليه من قريب ثم أمره بالجلوس، ثم تبذل بين يديه وأكل، ثم دعاه إلى طعامه ليأكل معه من مائدته، فبلغ من جهله بفضيلة المرتبة التي صيره فيها أن قال حين دعاه إلى غدائه: قد تغديت! فإذا ليس عنده لمن تغدى مع أمير المؤمنين إلا سد خلّة الجوع، ومثل هذا لا يقومه القول دون الفعل. وحدثنا ابراهيم بن السندي عن ابيه قال: والله إني لواقف على رأس الرشيد، والفضل بن الربيع واقف في الجانب الآخر والحسن اللؤلؤي «١» يحدثه ويسائله عن أمور، وكان آخر ما سأله عن بيع أمهات الأولاد، فلولا إني ذكرت أن سلطان ما وراء الستر للحاجب، وسلطان الدار لصاحب الحرس، وأن سلطاني إنما هو على من خرج من حدود الدار، لقد كنت أخذت بضبعه «٢» وأقمته، فلما صرنا وراء الستر قلت له والفضل يسمع: أما والله لو كان هذا منك في مسايرة أو موقف لعلمت أن للخلافة رجالا يصونونها عن مجلسك. وحدثني ابراهيم بن السندي قال: بينا الحسن اللؤلؤي في بعض الليالي بالرقة يحدث المأمون والمأمون يومئذ أمير، إذا نعس المأمون، فقال له اللؤلؤي: نمت أيها الأمير؟ ففتح المأمون عينيه وقال: سوقي والله خذ يا غلام بيده. قال: وكنا يوما عند زياد بن محمد منصور بن زياد، وقد هيأ لنا الفضل ابن محمد طعاما، ومعنا في المجلس خادم كان لأبيهم، فجاء رسول الفضل إلى زياد فقال: يقول لك أخوك: قد أدرك طعامنا فتحولوا. ومعنا في المجلس ابراهيم النظام، وأحمد بن يوسف، وقطرب النحوي، في رجال من

стр. 535

أدباء الناس وعلمائهم، فما منا أحد فطن لخطأ الرسول. فأقبل عليه مبشّر الخادم، فقال: يا ابن اللخناء، تقف على رأس سيدك فتستفتح الكلام كما تستفتحه لرجل من عرض الناس. ألا تقول: يا سيدي يقول لك أخوك: ترى أن تصير إلينا بأخوانك فقد تهيأ أمرنا؟ وابتعت خادما كان قد خدم اهل الثروة واليسار وأشباه الملوك، فمر به خادم من معارفه ممن قد خدم الملوك فقال له: إن الأديب وإن لم يكن ملكا فقد يجب على الخادم أن يخدمه خدمة الملوك، فانظر أن تخدمه خدمة تامة. قلت له: وما الخدمة التامة؟ قال: الخدمة التامة أن تقوم في دارك لبعض الأمر وبينك وبين النعل ممشى خمس خطى فلا يدعك أن تمشي إليها، ولكن يأخذها ويدنيها منك. ومن كان يضع النعل اليسرى قدام الرجل اليمنى فلا ينبغي لمثل هذا أن يدخل على دار ملك ولا أديب. ومن الخدمة التامة أن يكون إذا رأى متكأ يحتاج إلى مخدة ألا ينتظر أمرك. ويتعاهد ليقة الدواة قبل أن تأمره أن يصب فيه ماء أو سوادا، وينفض عنها الغبار قبل أن يأتيك بها. وإن رأى بين يديك قرطاسا على طيّه قطع رأسه ووضعه بين يديك على كسره. وأشباه ذلك. قال: ولما كلم عروة بن مسعود الثقفي، رسول الله ﷺ ، كان في ذلك ربما مس لحية النبي ﷺ ، فقال له المغيرة بن شعبة: نح يدك عن لحية رسول الله ﵇ قبل ألا ترجع إليك يدك. فقال عروة: يا غدر هل غسلت رأسك من غدرتك إلا بالأمس؟ أقال: ونادى رجال من وفد بني تميم النبي ﷺ باسمه من وراء الحجرات، فأنزل الله ﵎ في ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ . وقال الله جل ذكره: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «١» .

стр. 536

وقال ابن هرمة أو غيره: لله درّ سميدع فجعت به ... يوم البقيع حوادث الأيام هش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدّب الخدام فإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام قال أبو الحسن: بينا هشام يسير ومعه أعرابي إذ انتهى إلى ميل عليه كتاب، فقال للأعرابي: انظر أي ميل هذا؟ فنظر ثم رجع إليه، فقال: عليه محجن وحلقة، وثلاثة كأطباء الكلبة، ورأس كأنه رأس قطاة. فعرفه هشام بصورة الهجاء ولم يعرفه الاعرابي، وكان عليه «خمسة» . استشهدوا أعرابيا على رجل وامرأة، فقال: رأيته قد تقمّصها، يحفزها بمؤخره، ويجذبها بمقدّمه، وخفي عليّ المسلك. وقال آخر: رأيته قد تبطّنها، ورأيت خلخالا شائلا، وسمعت نفسا عاليا، ولا علم لي بشيء بعد. وقال أعرابيّ: رأيت هذا قد تناول حجرا فالتفّ بهذا، وحجز الناس بينهما، وإذا هذا يستدمي. وقال بعضهم: الشيب نذير الآخرة. وقال قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية. وقال آخر: الشيب توأم الموت.

стр. 537

وقال الحكيم: شيب الشعر موت الشعر، وموت الشعر علة موت البشر. وقال المعتمر بن سليمان: الشيب أوّل مراحل الموت. وقال السهمي: الشيب تمهيد الحمام. وقال العتابي: الشيب تاريخ الكتاب. وقال النمري: الشيب عنوان الكبر. وقال عدي بن زيد العبادي: وإبيضاض السواد من نذر المو ... ت وهل مثله لحي نذير وقال الآخر: أصبح الشيب في المفارق شاعا ... واكتسى الرأس من بياض قناعا ثم ولى الشباب إلا قليلا ... ثم يأبى القليل إلا نزاعا قال: وقال رجل لأشعب «١» : ما شكرت معروفي عندك. قال: لأن معروفك جاء من عند غير محتسب فوقع إلى غير شاكر. وخفف أشعب الصلاة مرة فقال له بعض أهل المسجد: خففت صلاتك جدا قال: لأنه لم يخالطها رياء. عظة . الحمد لله كما هو أهله، والسلام على أنبيائه المقربين الطيبين. أخي لا تغترنّ بطول السلامة مع تضييع الشّكر، ولا تعملنّ نعمة الله في معصيته، فإن أقلّ ما يجب لمهديها ألا تجعلها ذريعة في مخالفته. واعلم أن النعم نوافر، ولقلما اقشعت «٢» نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالتوبة،

стр. 538

واستدم الراهن منها بكرم الجوار، واستفتح باب المزيد بحسن التوكل، ولا تحسب أن سبوغ ستر نعم الله عليك غير متقلّص عما قريب إذا لم ترج لله وقارا. وإني لأخشى أن يأتيك أمر الله بغتة، أو الإملاء «١» فهو أوبأ مغبة، واثبت في الحجة، ولأن لا تعمل ولا تعلم خير من أن تعلم ولا تعمل. إن الجاهل لم يؤت من سوء نية ولا استخفاف بربوبية، ليس كمن قهرته الحجة واعرب له الحق مفصحا عن نفسه، فآثر الغفلة، والخسيس من الشهوة، على الله ، فأسمحت نفسه عن الجنة، واسلمها لآبد العقوبة. فاستشر عقلك وراجع نفسك، وادرس نعم الله عندك، وتذكر احسانه إليك، فإنه مجلبة للحياء، ومردعة للشهوة، ومشحذة على الطاعة، فقد أظل البلاء أو كأن قد، فكفكف عنك غرب شؤبوبه «٢» ، وجوائح سطوته، بسرعة النزوع، وطول التضرّع، ثلاث هي اسرع في العقل من النار في يبيس العرفج: إهمال الفكرة، وطول التمني، والإستغراب في الضحك. إن الله لم يخلق النار عبثا، ولا الجنة هملا، ولا الإنسان سدى. فاعترف رقّ العبودية، وعجز البشرية، فكل زائد ناقص، وكلّ قرين مفارق قرينه، وكل غني محتاج، وإن عصفت به الخيلاء وأبطره العجب، وصال على الأقران، فإنه مذال مدّبر، ومقهور ميسّر. إن جاع سخط المحنة، وإن شبع بطر النعمة. ترضيه اللمحة فيستشري مرحا، وتغضبه الكلمة فيستطير شققا، حتى تنفسخ لذلك منّته، وتنتقض مريرته، وتضطرب فريصته «٣» ، وتنتشر عليه حجّته. وللعجب من لبيب توبقه الحياطة، ويسلم مع الإضاعة، ويؤتى من الثقة ولا يشعر بالعاقبة. إن أهمل عمي، وإن علّم نسي. كيف لم يتخذ الحق معقلا ينجيه، والتوكل ذائدا يحميه. أعمي عن الدلالة، وعن وضوح الحجة، أم آثر العاجل الخسيس، على الآجل النفيس؟ وكيف توجد هذه الصفة مع صحة العقدة «٤» ، واعتدال الفطرة؟ وكيف يشير رائد العقل، بإيثار القليل الفاني على الكثير الباقي. وما

стр. 539

اظن الذي أقعدك عن تناول الحظ، مع قرب مجناه، حتى صار لا يثنيك زجر الوعيد، ولا يكدح في عزماتك فوت الجنة، وحتى ثقلت على سمعك الموعظة، ونبت عن قلبك العبرة إلا طول مجاورة التقصير، واعتياد الراحة، والأنس بالهوينى، وايثار الأخف، وألف قرين السوء. فاذكر الموت وأدم الفكرة فيه، فإن من لم يعتبر بما يرى لم يعتبر بما لا يرى. وإنّ كل ما يوجد بالعيان من مواقع العبرة لا يكشف لك عن قبيح ما أنت عليه، وهجنة ما أصبحت فيه، من إيثار باطلك على حق الله، واختيار الوهن على القوة، والتفريط على الحزم، والأسفاف إلى الدون، واصطناع العار، والتعرض للمقت، وبسط لسان العائب- فمستنبطات الغيب أحرى بالعجز عن تحريكك، ونقلك عن سوء العادة التي آثرتها على ربك. فاستحي للبّك، واستبق ما أفضل الخذلان من قوتك، قبل أن يستولي عليك الطبع، ويشتدّ بك العجز. أو ما علمت أن المعصية تثمر المذلة، وتفلّ غرب اللسان، مع السلاطة. بل ما علمت أن المستشعر بذل الخطيئة، المخرج نفسه من كنف العصمة، المتحلي بدنس الفاحشة، نظف «١» الثناء، زمر المروءة «٢» ، قصيّ المجلس، لا يشاور وهو ذو بزلاء «٣» ولا يصدر وهو جميل الرّواء، يسالم من كان يسطو عليه، ويضرع لمن كان يرغب إليه. يجذل بحاله المبغض الشانيء، ويثلب بقربه القريب الداني، غامض الشخص ضئيل الصوت، نزر الكلام متلجلج الحجة، يتوقع الإسكات عند كل كلمة، وهو يرى فضل مزيته وصريح لبه، وحسن فضيلته، ولكن قطعه سوء ما جنى على نفسه. ولو لم تطلع عليه عيون الخليقة لهجست العقول بأذهانه. وكيف يمتنع من سقوط القدر وظن المتفرس، من عري عن حلية التقوى، وسلب طابع الهدى. ولو لم يتغشّه ثوب سريرته، وقبيح ما احتجن «٤» إليه من مخالفته ربّه، لا ضرعته الحجة «٥» ولفسخه وهن الخطيئة، ولقطعه العلم

стр. 540

بقبيح ما قارف «١» ، عن اقتدار ذوي الطهارة في الكلام، وادلال اهل البراءة في الندى. هذه حال الحاطىء في عاجل الدنيا، فإذا كان يوم الجزاء الأكبر فهو عان لا يفك، وأسير لا يفادى، وعارية لا تؤدي. فاحذر عادة العجز وألف الفكاهة، وحبّ الكفاية، وقلة الإكتراث للخطيئة، والتأسف على الفائت منها، وضعف الندم في أعقابها. أخي، أنعي إليك القاسي، فإنه ميّت وإن كان متحركا، وأعمى وإن كان رائيا. واحذر القسوة فإنها رأس الخطايا، وإمارة الطبع «٢» . وهي الشوهاء العاقر، والداهية العقام. وأراك ترتكض في حبائلها، وتستقبس من شررها. ولا بأس أن يعظ المقصر ما لم يكن هازلا. ولن يهلك أمرؤ عرف قدره. ورب حامل علم إلى من هو أعلم منه. علمنا الله وإياكم ما فيه نجاتنا، وأعاننا وإياكم على تأدية ما كلفنا. والسلام. أحاديث طريفة قال: وقلت لحباب: إنك لتكذب في الحديث. قال: وما عليك إذا كان الذي أريد فيه أحسن منه. فو الله ما ينفعك صدقه ولا يضرك كذبه. وما يدور الأمر إلا على لفظ جيد ومعنى حسن. ولكنك والله لو أردت ذلك لتلجلج لسانك، ولذهب كلامك. وقال أبو الحسن: سمع أعرابي مؤذنا يقول: «أشهد أن محمدا رسول الله» . قال: يفعل ماذا؟ قال: وكان يقال: أول العلم الصمت، والثاني الإستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره. أبو الحسن قال: قرأ رجل في زمن عمر بن الخطاب ﵀: فإن

стр. 541

زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم: فقال أعرابي لا يكون. قال: ودخل على المهدي صالح بن عبد الجليل، فسأله أن يأذن له في الكلام، فقال: تكلم. فقال: إنا لما سهل علينا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله ﷺ ، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي، عند إنقطاع عذر الكتمان في التقية، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه. فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص، ليتم مؤدبنا على موعود الأداء عنهم، وقابلنا على موعود القبول، أو يردنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية، ويحلينا تحلية الكاذبين، فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم عذّبه على الجهل، وأشد منه عذابا من أقبل عليه العلم وأدبر عنه. ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل فقد رغب عن هدية الله وقصر بها. فاقبل ما أهدى الله إليك على ألسنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبولا فيه سمعة ورياء، فإنه لا يعدمك منا إعلام بما تجهل، أو مواطأة على ما تعلم، أو تذكير لك من غفلة. فقد وطن الله جل وعز، نبيه ﵇ على نزولها تغزية عما فات، وتحصينا من التمادي، ودلالة على المخرج، فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فأطلع الله على قلبك بما ينوّر به القلوب، من إيثار الحق ومنابذة الأهواء، فإنك إن لم تفعل ذلك ير أثرك وأثر الله عليك فيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: ودخل رجل على معاوية، وقد سقطت أسنانه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأعضاء يرث بعضها بعضا. فالحمد لله الذي جعلك وارثها ولم يجعلها وارثتك. وحدثنا اسماعيل بن عليّة قال: حدثنا زياد بن أبي حسان، أنه شهد عمر ابن عبد العزيز ﵀ حين دفن ابنه عبد الملك، فلما سوي عليه قبره

стр. 542

بالأرض، وجعلوا على قبره خشبتين من زيتون، أحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم جعل قبره بينه وبين القبلة، واستوى قائما وأحاط به الناس، قال: رحمك الله يا بني، فلقد كنت برا بأبيك، وما زلت مذ وهبك الله لي بك مسرورا. ولا والله ما كنت قط أشدّ بك سرورا، ولا أرجى لحظي من الله فيك، مني مذ وضعتك في هذا الموضع الذي صيرك الله إليه. فغفر الله ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، وتجاوز عن سيئتك ورحم الله كلّ شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب. رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره. فالحمد لله رب العالمين. ثم انصرف. وحدثني محمد بن عبيد الله بن عمرو قال أخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال: قال لي عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة: جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن، كثير العيال، منتشر الأموال، فكنت لا أكون في قبيلة إلا شهر أمري، فلما رأيت ذلك عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي، قال المبارك: فأرسل إلي: أن وافني عند باب الأمير سليمان بن عبد الملك. قال: فأتيته فإذا عليه طيلسان أبيض مطبق، وسراويل وشي مسدولة. قال: سبحان الله، ما تصنع الحداثة بأهلها، إن هذا ليس لباس هذا اليوم. قال: لا والله، ولكن ليس عندي ثوب إلا أشهر مما ترى. قال: فأعطيته طيلساني وأخذت طيلسانه، ولويت سراويله إلى ركبتيه. قال: فدخل ثم خرج إلي مسرورا. قال: قلت: حدثنا ما جرى بينك وبين الأمير. قال: دخلت عليه ولم يرني قبل ذلك، فقلت: أصلح الله الأمير، لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فأما قبلتني غانما، وأما رددتني سالما. قال: ومن أنت أعرفك. قال: فانتسبت له، فقال: اقعد فتكلم غانما سالما. ثم أقبل علي فقال: حاجتك يا ابن أخي قال: قلت: إن الحرم اللاتي أنت أقرب الناس إليهن معنا، وأولى الناس بهن بعدنا، قد خفن بخوفنا، ومن خاف خيف عليه. قال: فو الله ما أجابني إلا بدموعه على خديه. قال: يا ابن أخى يحقن الله دمك، وتحفظ حرمك، ويوفر عليك مالك، ولو

стр. 543

أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت. قال: فقلت: أكون متواريا أو ظاهرا؟ قال: كن متواريا كظاهر. فكنت والله أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه وعمه. قال: فلما فرغ من الحديث رددت إليه طيلسانه، فقال: مهلا، إن ثيابنا إذا فارقتنا لم ترجع إلينا. ومن أحاديث النوكى . حديث أبي سعيد الرفاعي: سئل عن الدنيا والدائسة، فقال: أما الدنيا فهذه الذي أنتم فيها، وأما الدائسة فهي دار أخرى بائنة من هذه الدار، لم يسمع أهلها بهذه الدار ولا بشيء من أمرها، وكذلك نحن لم نسمع بشيء من أمرها، إلا أنه قد صحّ عندنا إن بيوتهم من قثاء، وسقوفهم من قثاء وأنعامهم من قثاء، وخيلهم من قثاء، وهم أنفسهم من قثاء، وقثاءهم أيضا من قثاء. قالوا له: يا أبا سعيد، زعمت أن أهل تلك الدار لم يسمعوا بهذه الدار ولا بشيء من أمرها، وكذلك نحن لهم، وأراك تخبرنا عنهم بأخبار كثيرة. قال: فمن ثمّ أعجب زيادة. قالوا: ذمّ رجل عند الأحنف الكمأة بالسمن، فقال الأحنف: «ربّ ملوم لا ذنب له» . عبد الله بن مسلم، عن شبّة بن عقال، إن رجلا قال في مجلس عبيد الله بن زياد: ما أطيب الأشياء؟ فقال رجل: ما شيء أطيب من تمرة نرسيان كأنها من آذان النوكى عليتها بزبدة «١» . وقال أوس بن جابر لأبن عامر: ظلت عتاب النوك تخفق فوقه ... رخو طفاطفه قديم الملعب «٢» قد ظلّ يوعدني وعين وزيره ... خضراء خاسفة كعين العقرب

стр. 544

يعني بوزيره عبد الله بن عمير الليثي، وكان أخاه لأمه، أمهما دجاجة بنت أسماء السلمية. وقال ابن مناذر، في خالد بن عبد الله بن طليق الخزاعي، وكان المهدي استقضاه وعزل عبيد الله بن الحسن العنبري: أتى دهرنا والدهر ليس بمعتب ... بآبدة والدهر جمّ الأوابد بعزل عبيد الله عنا فيا له ... خلافا وباستعمال ذي النوك خالد بحيران عن قصد الطريق تردّه ... خيانة سلام ولحية فايد أذلك من ريب الزمان وصرفه ... وأحداثه أم نحن في حلم راقد وقال أيضا: قل لأمير المؤمنين الذي ... من هاشم في سرّها واللباب إن كنت للسخطة عاقبتنا ... بخالد فهو أشدّ العذاب أصمّ أعمى عن سبيل الهدى ... قد ضرب الجهل عليه حجاب يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطىء فينا مرة بالصواب وقال: خالد يحكم في النا ... س بحكم الجاثليق يا أبا الهيثم ما كن ... ت لهذا بخليق أيّ قاض أنت للظل ... م وتعطيل الحقوق لا ولا أنت لما حم ... لت منه بمطيق وقال: يقطع كفّ القاذف المفتري ... ويجلد اللصّ ثمانينا سقيا ورعيا لك من حاكم ... يحيي لنا السنة والدنيا وقال زهرة الأهوازيّ: يا قوم من دلّ على عالم ... يعلم ما حد حر سارق

стр. 545

وقال آخر؛ وإني لمضاء على الهول واحدا ... ولو ظل ينهاني أخيفش شاحج تشبه للنوكى أمور كثيرة ... وفيها لأكياس الرجال مخارج وقال آخر: ولا يعرفون الشرّ حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبرا وقال آخر: إذا ظعنوا عن دار ضيم تعاذلوا ... عليها وردوا وفدهم يستقيلها وقال النابغة: ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب والعرب تقول: «أخزى الله الرأي الدبريّ «١» » . وقالوا: وجه الحجاج إلى مطهّر بن عمار بن ياسر، عبد الرحمن بن سليم الكلبي، فلما كانوا بحلوان أتبعه الحجاج مددا، وعجل عليه بالكتاب مع تخّيت الغلط- وإنما قيل له ذلك لكثرة غلطه- فمر تخيت بالمدد وهم يعرضون بخانقين فلما قدم على عبد الرحمن قال له: أين تركت مددنا؟ قال: تركتهم يخنقون بعارضين. قال: أو يعرضون بخانقين؟ قال: نعم، اللهم لا تخانق في باركين! ولما ذهب يجلس ضرط، وكان عبد الرحمن أراد أن يقول له: ألا تغذى؟ فقال له: ألا تضرط. قال: قد فعلت أصلحك الله. قال: ما هذا أردت. قال: صدقت ولكن الأمير غلط كما غلطنا فقال: أنا غلطت من فمي، وغلط هو من إسته. وهو كما قال أبو وائل: أسمعكم تقولون: الدانق والقيراط، فأيما أكثر؟

стр. 546

قالوا: وكان عامر بن عبد الله بن الزبير في المسجد، وكان قد أخذ عطاءه فقام إلى منزله ونسيه، فلما صار في منزله وذكره بعث رسولا ليأتيه به، فقيل له: وأين تجد ذلك المال؟ فقال: سبحان الله، أو يأخذ أحد ما ليس له. أبو الحسن قال: قال سعيد بن عبد الرحمن الزّبيريّ، قال: سرقت نعل عامر بن عبد الله الزبيري فلم يتخذ نعلا حتى مات، وقال: أكره أن اتخذ نعلا فلعلّ رجلا يسرقها فيأثم. وقالوا: إن الخلفاء والأئمة أفضل من الرعية، وعامة الحكام أفضل من المحكوم عليهم ولهم، لأنهم افقه في الدين وأقوم بالحقوق، وأردّ على المسلمين وعلمهم بهذا أفضل من عبادة العباد، لأن نفع ذلك لا يعدو قمم رؤوسهم، ونفع هؤلاء يخص ويعم. والعبادة لا تدلّه ولا تورث البله إلا لمن آثر الوحدة، وترك معامله الناس، ومجالسة أهل المعرفة. فمن هنالك صاروا بلها، حتى صار لا يجيء من اعبدهم حاكم ولا إمام. وما أحسن ما قال أيوب السختياني، حيث يقول: «في أصحابي من أرجو دعوته ولا أقبل شهادته» . فإذا لم يجز في الشهادة كان من أن يكون حاكما أبعد. مقطعات من الشعر . وقال الشاعر: وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا ومن غير هذا الباب قوله: إذا ما الشيخ عوتب زاد شرا ... ويعتب بعد صبوته الوليد «١»

стр. 547

وقال علي بن أبي طالب ﵁: «من أفضل العبادة الصمت وانتظار الفرج» . وقال الشاعر: إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه من الفرج وقال الفرزدق: اني وسعدا كالحوار وأمه ... إذا وطئته لم يضره اعتمادها وقال أعرابي: تبصّرني بالعيش عرسي كأنما ... تبصّرني الأمر الذي أنا جاهله يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى ... وكلّ كأن لم يلق حين يزايله وقال آخر: شهدت وبيت الله إنك بارد الثنايا ... لذيذ لثمها حين تلثم وقال آخر: الله يعلم يا مغيرة أنني ... قد دستها دوس الحصان الهيكل وأخذتها أخذ المقصّب شاته ... عجلان يشويها لقوم نزّل وقال آخر: شهدت وبيت الله إنك بارد الثنايا ... وأن الكشح منك لطيف وأنك مشبوح الذراعين خلجم «١» ... وأنك إذ تخلو بهن عنيف وقال آخر: فهلا من وزان أو حصين ... حميتم فرج حاصنة كعاب وأقسم أنه قد حلّ منها ... محلّ السيف من قعر القراب

стр. 548

وقال آخر: أترجو أن تسود ولن تعنّى ... وكيف يسود ذو الدعة البخيل وقال الهذلي: وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلعها طويل وقال جرير بن الخطفي: تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضي الأخلّاء بالبخل وقال اسحاق بن حسان بن قوهيّ: ودون الندى في كلّ قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل وودّ الفتى في كلّ نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أن نائله جزل وقال آخر: عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسوّد من يسود وقال: وتعجت إن حاولت منك تنصّفا ... وأعجب منه ما تحاول من ظلمي أبا حسن يكفيك ما فيك شاتما ... لعرضك من شتم الرجال ومن شتمي وقال آخر: كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمّعت من شتى لأمر أراك حديدة في رأس قدح ... ومتن جلالة من ريش نسر وقال الآخر: إذا مات مثلي مات شيء ... يموت بموته بشر كثير وأشعر منه عبدة بن الطبيب، حيث يقول في قيس بن عاصم: فما كان قيس هلكة هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما

стр. 549

وقال امرؤ القيس في شبيه بهذا المعنى: فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا وقال الآخر: وزهّدني في صالح العيش أنني ... رأيت يدي في صالح العيش قلّت وقال معن بن أوس: ولقد بدا لي أن قلبك ذاهل ... عني وقلبي لو بدا لك أذهل كل يجامل وهو يخفي بغضه ... إن الكريم على القلى يتجمل وقال ركّاض: نرامي فنرمي نحن منهن في الشوى «١» ... ويرمين لا يعدلن عن كبد سهما إذا ما لبسن الحلي والوشى أشرقت ... وجوه ولبّات يسلبننا الحلما ولثن السّبوب خمرة قرشية ... زبيرية يعلمن في لوثها علما «٢» وقال آخر: أعلّل نفسي بما لا يكون ... كما يفعل المائق «٣» الأحمق وقال آخر: تولت بهجة الدنيا ... فكلّ جديدها خلق وخان الناس كلهم ... فما أدري بمن أثق رأيت معالم الخيرا ... ت سدّت دونها الطرق فلا حسب ولا أدب ... ولا دين ولا خلق

стр. 550

وقال ابو الأسود الدؤلي: لنا جيرة سدّوا المجازة بيننا ... فإن ذكروك السدّ فالسدّ أكيس ومن خير ما ألصقت بالدار حائط ... تزلّ به صقع الخطاطيف املس وقال آخر: عقمت أم أتتنا بكم ... ليس منكم رجل غير دني وإذا ما الناس عدوا شرفا ... كنتم من ذاك في بال رخي وقال آخر: قد بلوناك بحمد ا ... لله إن أغنى البلاء فإذا كلّ مواعي ... دك والجحد سواء وقال آخر: ولقد هززتك بالمديح ... فكنت ذا نفس لكيعة أنت الرقيع بن الرقيع ... بن الرقيع بن الرقيعة وقال: لكلّ أناس سلم يرتقى به ... وليس إلينا في السلاليم مطلع وغايتنا القصوى حجاز لمن به ... وكل حجاز إن هبطناه بلقع وينفر منا كلّ وحش وينتمي ... إلى وحشنا وحش البلاد فيرتع وقال آخر: لو جرت خيل نكوصا ... لجرت خيل ذفافه «١» هي لا خيل رجاء ... لا ولا خيل مخافة

стр. 551

وقال الخريمي: اخلع ثيابك من أبي دلف ... واهرب من الفجفاجة «١» الصّلف لا يعجبنك من أبي دلف ... وجه يضيء كدرّة الصدف إني وجدت أخي أبا دلف ... عند الفعال مولّد الشرف وأنشد ابن الأعرابي: أهلكتني بفلان ثقتي ... وظنون بفلان حسنه ليس يستوجب شكرا رجل ... نلت خيرا منه من بعد سنه كنت كالهادي من الطير رأى ... طمعا أدخله في مسجنه زادني قرب صديقي فاقة ... أورثت من بعد فقر مسكنه وأنشدنا: إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره فإن لم تقدر على أن تهينه ... وقارب إذا ما لم تكن بك قدرة وقارب إذا ما لم تكن بك قدرة ... وصمّم إذا أيقنت إنك عاقره وقال بعض ظرفاء الأعراب: وإذا خشيت من الفؤاد لجاجة ... فاضرب عليه بجرعة من رائب وهذا من شكل قوله: ذكرتك ذكرة فاصطدت ظبيا ... وكنت إذا ذكرتك لا أخيب وقال بعض المحدثين: ما أشبه الأمرة بالوصل ... وأشبه الهجران بالعزل وقالت الخنساء: لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجار مثل الرديني لم تدنس عمامته ... كأنه تحت طيّ البرد أسوار

стр. 552

وقال آخر: ناديت هيذان والأبواب مغلقة ... ومثل هيذان سنّى فتحة الباب كالهندواني لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجّاب وقال آخر: أرى كلّ ريح سوف تسكن مرة ... وكلّ سماء ذات درّ ستقلع ولست بقوّال إذا قام حالب ... لك الويل لا تجهد لعلك ترضع ولكن إذا جادت بما دون حلبها ... جهدنا ولم نمذق بما نتوّسع وقال آخر: تمنى رجال أن أموت وغايتي ... إلى أجل لو تعلمون قريب وما رغبتي في أرذل العمر بعدما ... لبست شبابي كله وقشيبي «١» وأصبحت في قوم كأن لست منهم ... وباد مروني منهم وضروبي وأنشد: رأيت الناس لما قلّ مالي ... وأكثرت الغرامة ودّعوني فلما إن غنيت وغاب وفري ... إذا هم لا أبالك راجعوني وقال الآخر: وكنا نستطب إذا مرضنا ... فصار سقامنا بيد الطبيب فكيف نجيز غصّتنا بشيء ... ونحن نغصّ بالماء الشريب وقال عدي بن زيد: لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري وقال التّوت اليماني، ويروى «التوب» بالباء، والتوت هو الصواب. وهو المعروف بتويت، فكبره هنا: على أي باب أطلب الأذن بعدما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه

стр. 553

وقال الآخر: لا تضجرنّ ولا تدخلك معجزة ... فالنجح يهلك بين العجز والضجر وقال محمد بن يسير: إن الأمور إذا اشتدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومد من القرع للأبواب أن يلجا لا يمنعنك يأس من مطالبة ... فضيق السّبل يوما ربما انتهجا وقال بعض ظرفاء الأعراب: وإن طعاما ضمّ كفي وكفها ... لعمرك عندي في الحياة مبارك فمن أجلها استوعب الزاد كله ... ومن أجلها تهوى يدي فتدارك وقال: كأني لما مسّني السّوط مقرم ... من العجم صعب أن يقاد نفور فكم قد رأينا من لئيم موطأ «١» ... صبور على مس السياط وقور وذي كرم في القوم نهد مشيّع «٢» ... جزوع على مس السياط ضجور وقال أحيحة بن الجلاح: استغن عن كلّ ذي قربى وذي رحم ... إن الغني من استغنى عن الناس والبس عدوك في رفق وفي دعة ... لباس ذي إربة للدهر لبّاس «٣» ولا تغرنك أضغان مزملة ... قد يضرب الدبر الدامي بأحلاس «٤»

стр. 554

وقال أحيحة أيضا: استغن لو متّ ولا يغررك ذو نشب «١» ... من ابن عم ولا عم ولا خال إني أكبّ على الزوراء أعمرها ... إن الكريم على الإخوان ذو المال يلوون ما عندهم من حق أفضلهم ... ومن عشيرتهم والمال بالوالي وقال آخر: سأبغيك مالا بالمدينة إنني ... أرى عازب الأموال قلت فواضله «٢» وقال آخر: ولا خير في وصل إذا لم يكن له ... على طول مر الحادثات بقاء وقال العباس بن الأحنف: لم يصف حبّ لمعشوقين لم يذقا ... وصلا يمر على من ذاقه العسل وقال بعض (سفهاء) الأعراب: لا خير في الحبّ أبا السنور ... أو يلتقي أشعرها واشعري وأطبق الخصية فوق المبعر وقال آخر: وحظّك زورة في كل عام ... موافقة على ظهر الطريق سلاما خاليا من كل شيء ... يعود به الصديق على الصديق وقال عطارد بن قران: ولا يلبث الحبل الضعيف إذا التوى ... وجاذبه الأعداء أن يتجذّما «٣» وما يستوي السيفان سيف مؤنث ... وسيف إذا ما عصّ بالعظم صمّما «٤»

стр. 555

وقال طريح بن اسماعيل «١» ، في الوليد بن يزيد بن عبد الملك: سعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت بي ... فقصرت مغلوبا وإني لشاكر لأنك تعطيني الجزيل بداهة ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر فأرجع مغبوطا وترجع بالتي ... لها أول في المكرمات وآخر وقد قلت شعرا فيك لكن تقوله ... مكارم مما تبتني ومفاخر قواصر عنها لم تحط بصفاتها ... يراد بها ضرب من الشعر آخر وقال آخر، مسلم بن الوليد: لعلّ له عذر وأنت تلوم ... وكم لائم قد لام وهو مليم وأنشد أيضا: فكم من مليم لم يصب بملامة ... ومتّبع بالذنب ليس له ذنب وكم من محب صدّ من غير علّة ... وإن لم يكن في وصل خلته عتب كما قال الأحنف: «رب ملوم لا ذنب له» . وقال ابن المقفع: فلا تلم المرء في شأنه ... فربّ ملوم ولم يذنب وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري: وإن امرأ يمسي ويصبح سالما ... من الناس ألا ما جنى لسعيد

стр. 556

الجزء الثالث كتاب العصا [مقدمة] هذا أبقاك الله الجزء الثالث، من القول في البيان والتبيين، وما شابه ذلك من غرر الأحاديث، وشاكله من عيون الخطب، ومن الفقر المستحسنة، والنتف المستخرجة، والمقطّعات المتخيّرة، وبعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة، والجوابات المنتخبة. [سنن الخطابة العربية] ونبدأ على اسم الله بذكر مذهب الشعوبية ومن يتحلى باسم التسوية وبمطاعنهم على خطباء العرب بأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام «١» . ومساجلة الخصوم بالموزون والمقفى، والمنثور الذي لم يقف، وبالإرجاز عند المتح «٢» ، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة «٣» ، وفي نفس المجادلة والمحاورة. وكذلك الأسجاع عند المنافرة والمفاخرة، واستعمال المنثور في خطب الحمالة، وفي

стр. 557

مقامات الصّلح وسل السخيمة «١» ، والقول عند المعاقدة والمعاهدة، وترك اللفظ يجري على سجيته وعلى سلامته، حتى يخرج على غير صنعة ولا اجتلاب تأليف، ولا التماس قافية، ولا تكلف لوزن. مع الذي عابوا من الاشارة بالعصي، والإتكاء على أطراف القسيّ، وخدّ وجه الأرض بها، واعتمادها عليها إذا اسحنفرت «٢» في كلامها، وافتنّت يوم الحفل في مذاهبها، ولزومهم العمائم في أيام الجموع، وأخذ المخاصر في كل حال، وجلوسها في خطب النّكاح، وقيامها في خطب الصلح وكل ما دخل في باب الحمالة، وأكدّ شأن المحالفة، وحقق حرمة المجاورة، وخطبهم على رواحلهم في المواسم العظام، والمجامع الكبار. والتماسح بالأكفّ، والتحالف على النار، والتعاقد على الملح، وأخذ العهد الموكد واليمين الغموس مثل قولهم: ما سرى نجم وهبّت ريح، وبلّ بحر صوفة «٣» ، وخالفت جرّة درة «٤» . ولذلك قال الحارث ابن حلزة اليشكري: واذكروا حلف ذي المجاز وما ق ... دّم فيه: العهود والكفلاء حذر الخون والتعدي وهل ... تنقض ما في المهارق الأهواء الخون: الخيانة. ويروى: «الجور» . وقال أوس بن حجر: إذا استقبلته الشمس صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهول حالف وقال الكميت: كهولة ما أوقد المحلفون ... لدى الحالفين وما هوّلوا

стр. 558

وقال الأول: حلفت بالملح والرماد وبالن ... نار وبالله نسلم الحلقه حتى يظلّ الجواد منعفرا ... ويخضب النبل غرة الدرقه وقال الأول: حلفت لهم بالملح والجمع شهد ... وبالنار واللات التي أعظم وقال الحطيئة في أضجاع القسيّ: أم من لخصم مضجعين قسيّهم ... صعر خدودهم عظام المفخر وقال لبيد في خدّوجه الأرض بالعصي والقسي: نشين صحاح البيد كلّ عشية ... بعوج السراء عند باب محجب ومثله: إذا اقتسم الناس فضل الفخار ... أطلنا على الأرض ميل العصا ومثله: حكمت لنا في الأرض يوم محرق ... أيامنا في الناس حكما فيصلا وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي: ما إن أهاب إذا السرادق غمه ... قرع القسي وأرعش الرّعديد وقال كثّير في الإسلام: إذا قرعوا المنابر ثم خطّوا ... بأطراف المخاصر كالغضاب وقال أبو عبيدة: سأل معاوية شيخا من بقايا العرب: أيّ العرب رأيته أضخم شأنا؟ قال: حصن بن حذيفة، رأيته متوكئا على قوسه يقسم في الحليفين أسد وغطفان.

стр. 559

وقال لبيد بن ربيعة في الإشارة: غلب تشذّر بالدخول كأنها ... جنّ البدي رواسيا أقدامها «١» وقال معن بن أوس المزني: ألا من مبلغ عني رسولا ... عبيد الله إذ عجل الرسالا تعاقل دوننا أبناء ثور ... ونحن الأكثرون حصى ومالا إذا اجتمع القبائل جئت ردفا ... وراء الماسحين لك السبالا فلا تعطى عصا الخطباء يوما ... وقد تكفى المقادة والمقالا فذكر عصا الخطباء كما ترى. وقال آخر في حمل القناة: إلى امريء لا تخطاه الرفاق، ولا ... جدب الخوان إذا ما استنشىء المرق صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذا ... هزّ القناة ولا مستعجل زعق وقال جرير بن الخطفي في حمل القناة: من للقناة إذا ما عيّ قائلها ... أو للأعنة يا عمرو بن عمّار قالوا: وهذا مثل قول أبي المجيب الربعي، حيث يقول: «لا تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يمدحك» . يقول: إذا قام يخطب فقد قام المقام الذي لا بدّ من أن يخرج منه مذموما أو محمودا. وقال عبد الله بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال: خداش بن لبيد بن بيبة بن خالد، يعني البعيث الشاعر. وإنما قيل له البعيث لقوله: تبعّث مني ما تبعث بعد ما ... أمرت حبالي كل مرتها شزرا

стр. 560

قال أبو اليقظان: كانوا يقولون: أخطب بني تميم البعيث إذا أخذ القناة فهزها ثم اعتمد بها على الارض، ثم رفعها. وقال يونس: لعمري لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب. وإذا قالوا غلب فهو الغالب. وإذا قالوا مغلّب فهو المغلوب. وفي حديث النبي ﵌ أنه جاء إلى البقيع، ومعه مخصرة، فجلس ونكت بها الأرض، ثم رفع رأسه فقال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار» . وهو من حديث أبي عبد الرحمن السّلمي. ومما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة حديث عبد الله بن أنيس ذي المخصرة، وهو صاحب ليلة الجهنيّ، وكان النبي ﵇ أعطاه مخصرة وقال: «تلقاني بها في الجنة» . وهو مهاجريّ عقبيّ أنصاري، وهو ذو المخصرة في الجنة. [مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة والعلوم والحرب] قالت الشعوبية ومن يتعصب للعجمية: القضيب للإيقاع، والقناة للبقّار، والعصا للقتال، والقوس للرمي. وليس بين الكلام وبين العصا سبب، ولا بينه وبين القوس نسب، وهما إلى أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر، ويعترضا على الذهن أشبه، وليس في حملهما ما يشحذ الذهن، ولا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ. وقد زعم أصحاب الغناء أن المغني إذا ضرب على غنائه، قصّر عن المغني الذي لا يضرب على غنائه. وحمل العصا بأخلاق الفدادين «١» أشبه، وهو بجفاء العرب وعنجهية أهل البدو، ومزاولة إقامة الإبل على الطرق «٢» أشكل، وبه أشبه.

стр. 561

قالوا: والخطابة شيء في جميع الأمم، وبكلّ الأجيال «١» إليه أعظم الحاجة، حتى أن الزّنج مع الغثارة «٢» ، ومع فرط الغباوة، ومع كلال الحد وغلظ الحس وفساد المزاج، لتطيل الخطب، وتفوق في ذلك جميع العجم، وإن كانت معانيها أجفى وأغلظ، وألفاظها أخطل وأجهل «٣» . وقد علمنا أن أخطب الناس الفرس وأخطب الفرس أهل فارس، وأعذبهم كلاما وأسهلهم مخرجا وأحسنهم دلّا «٤» وأشدهم فيه تحكما، أهل مرو، وأفصحهم بالفارسية الدريّة، وباللغة الفهلوية، أهل قصبة الأهواز، فأما نغمة الهرابذة «٥» ، ولغة الموابدة «٦» ، فلصاحب تفسير الزمزمة «٧» . قالوا: ومن أحبّ أن يبلغ في صناعة البلاغة، ويعرف الغريب، ويتبحر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند. ومن احتاج إلى العقل والأدب، والعلم بالمراتب والعبر والمثلات «٨» ، والألفاظ الكريمة، والمعاني الشريفة، فلينظر في سير الملوك. فهذه الفرس ورسائلها وخطبها والفاظها، ومعانيها. وهذه يونان ورسائلها وخطبها، وعللها وحكمها، وهذه كتبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماء بها تعرف السقم من الصحة، والخطأ من الصواب، وهذه كتب الهند في حكمها وأسرارها، وسيرها وعللها، فمن قرأ هذه الكتب، وعرف نور تلك العقول، وغرائب تلك الحكم، عرف أين البيان والبلاغة، وأين تكاملت تلك الصناعة. فكيف سقط على جميع الأمم من المعروفين بتدقيق المعاني، وتخيّر الألفاظ، وتمييز الأمور، أن يشيروا بالقنا والعصي، والقضبان والقسي.

стр. 562

كلا، ولكنكم كنتم رعاة بين الإبل والغنم، فحملتم القنا في الحضر بفضل عادتكم لحملها في السفر، وحملتموها في المدر بفضل عادتكم لحملها في الوبر، وحملتموها في السلم بفضل عادتكم لحملها في الحرب. ولطول إعتيادكم لمخاطبة الإبل، جفا كلامكم، وغلظت مخارج أصواتكم، حتى كأنكم إذا كلمتم الجلساء إنما تخاطبون الصمّان. وإنما كان جل قتالكم بالعصي. ولذلك فخر الأعشى على سائر العرب فقال: ولسنا نقاتل بالعصي ولا نرامي بالحجارة إلا علالة أو بدا ... هة قارح نهد الجزاره» وقال آخر: فإن تمنعوا منا السلاح فعندما ... سلاح لنا لا يشترى بالدراهم جنادل أملاء الأكفّ كأنها ... رؤوس رجال حلّقت بالمواسم «٢» وقال جندل الطهوي: حتى إذا دارت رحى لا تجري ... صاحت عصي من قنا وسدر وقال آخر: دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف فناولني خشناء لما لمستها ... بكفي ليست من أكفّ الخلائف من الششنات الكزم «٣» أنكرت مسها ... وليست من البيض الرفاق اللطائف معاودة حمل الهراوي لقومها ... فرورا إذا ما كان يوم التسايف «٤»

стр. 563

وقال آخر: ما للفرزدق من عز يلوذ به ... إلا بني العمّ في أيديهم الخشب قالوا: وإنما كانت رماحكم من مرّان، واسنتكم من قرون البقر، وكنتم تركبون الخيل في الحرب اعراء. فإن كان الفرس ذا سرج فسرجه رحالة من أدم، ولم يكن ذا ركاب، والرّكاب من أجود آلات الطاعن برمحه، والضارب بسيفه. وربما قام فيهما أو اعتمد عليهما. وكان فارسهم يطعن بالقناة الصماء، وقد علمنا أن الجوفاء أخف محملا، وأشد طعنة. ويفخرون بطول القناة ولا يعرفون الطعن بالمطاردة «١» ، وإنما القنا الطوال للرّجالة، والقصار للفرسان، والمطارد لصيد الوحش. ويفخرون بطول الرمح وقصر السيف، فلو كان المفتخر بقصر السيف الراجل دون الفارس، لكان الفارس يفخر بطول السيف، وإن كان الطول في الرمح إنما صار صوابا لأنه ينال به البعيد، ولا يفوته العدو، ولأن ذلك يدل على شدة أسر الفارس وقوة أيده. فكذلك السيف الطويل العريض. وكنتم تتخذون للقناة زجّا وسنانا حين لم يقبض الفارس منكم على أصل قناته، ويعتمد عند طعنته بفخذه، ويستعن بحمية فرسه. وكان أحدكم يقبض على وسط القناة ويخلف منها مثل ما قدم، فإنما طعنكم الرزة «٢» والنهزة «٣» ، والخلس والزج «٤» . وكنتم تتساندون في الحرب، وقد أجمعوا على أن الشركة ردية في ثلاثة أشياء: في الملك، والحرب، والزوجة. وكنتم لا تقاتلون بالليل، ولا تعرفون البيات «٥» ولا الكمين، ولا الميمنة ولا

стр. 564

الميسرة، ولا القلب ولا الجناح، ولا الساقة ولا الطليعة «١» ولا النفّاضة ولا الدّراجة «٢» ، ولا تعرفون من آلة الحرب الرتيلة ولا العرادة «٣» ، ولا المجانيق، ولا الدّبابات «٤» ولا الخنادق، ولا الحسك، ولا تعرفون الأقبية ولا السراويلات، ولا تعليق السيوف، ولا الطبول ولا البنود ولا التجافيف «٥» ، ولا الجواشن «٦» ولا الخوذ، ولا السواعد ولا الأجرس، ولا الوهق «٧» ولا الرمي بالبنجكان، والزرق بالنفط والنيران. وليس لكم في الحرب صاحب علم يرجع إليه المنحاز، ويتذكره المنهزم. وقتالكم أما سلّة وأما مزاحفة. والمزاحفة على مواعد متقدمة، والسّلة مسارقة وفي طريق الإستلاب والخلسة. قالوا: والدليل على أنكم لم تكونوا تقاتلون قول العامري: يا شدّة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم ويدلك على ذلك ايضا قول عبد الحارث بن ضرار: وعمرو إذ أتانا مستميتا ... كسونا رأسه عضبا صقيلا «٨» فلولا الليل ما آبوا بشخص ... يخبّر أهلهم عنهم قليلا

стр. 565

وقال أمية بن الأسكر: ألم تر أن ثعلبة بن سعد ... غضاب، حبذا غضب الموالي تركت مصرفا لما التقينا ... صريعا تحت أطراف العوالي ولولا الليل لم يفلت ضرار ... ولا رأس الحمار أبو جفال الرد على الشعوبية قلنا: ليس فيما ذكرتم من هذه الأشعار دليل على أن العرب لا تقاتل بالليل. وقد يقاتل بالليل والنهار من تحول دون ماله المدن وهول الليل. وربما تحاجز الفريقان وإن كل واحد منهم يرى البيات «١» ، ويرى أن يقاتل إذا بيتوه. وهذا كثير. والدليل على أنهم كانوا يقاتلون بالليل قول سعد بن مالك في قتل كعب بن مزيقيا الملك الغساني: وليلة تبّع وخميس كعب ... أتونا، بعد ما نمنا، دبيبا فلم نهدد لبأسهم ولكن ... ركبنا حدّ كوكبهم ركوبا «٢» بضرب يفلق الهامات منه ... وطعن يفصل الحلق الصليبا وقال بشر بن أبي خازم: فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما يقول: شربوا الرائب من اللبن فسكروا منه، وهو اللبن الذي قد أدرك ليمخض. يقال منه راب يروب روبا ورؤوبا. ورؤبة اللبن: خميرة تلقى فيه من الحامض. ورؤبة الليل: ساعة منه. يقال أهرق عنا من رؤبة الليل. وقال بعضهم: منه قول الشاعر: فألفاهم القوم روبى نياما
следующие страницы →