Полный текст (863 стр.). Показаны 841–863 · переход к 846.
стр. 841
[خطب ووصايا متخيرة]
قال: قام شداد بن أوس «١» وقد أمره معاوية بتنقص علي، فقال:
الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقه، على ذلك مضى أولهم، وعليه يمضي آخرهم. أيها الناس، إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه وإن السامع العاصي لله لا حجة له، وإن الله إذا أراد بالعباد صلاحا عمل عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقهاؤهم، وملك المال سمحاؤهم، وإذا أراد بهم شرا عمل عليهم سفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وملك المال بخلاؤهم.
وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤهم. ونصح لك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشّك من أرضاك بالباطل.
قال: اجلس رحمك الله، قد أمرنا لك بمال! قال: إن كان من مالك الذي تعهّدت جمعه مخافة تبعته، فأصبته حلالا وأنفقته إفضالا، فنعم، وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجنته دونهم «٢» ، فأصبته اقترافا «٣» ، وأنفقته إسرافا، فإن الله يقول في كتابه: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ.
وأذن معاوية للأحنف بن قيس، وقد وافى معه محمد بن الأشعث، ثم أذن له فقدمه عليه فوجد من ذلك محمد بن الأشعث، ثم أذن له فدخل فجلس بين معاوية والأحنف، فقال له معاوية: إنّا والله ما أذنّا له قبلك إلا ليجلس إلينا دونك، وما رأيت أحدا يرفع نفسه فوق قدرها إلا من ذلّة يجدها، وقد فعلت
стр. 842
فعل من أحسّ من نفسه ذلا وضعة، وإنا كما نملك أموركم نملك تأديبكم، فأريدوا منا ما نريده منكم، فإنه أبقى لكم، وإلا قصرناكم كرها، فكان أشدّ عليكم وأعنف بكم.
وقال معاوية لرجل من أهل سبأ: ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: بل قومك أجهل! قالوا حين دعاهم رسول الله ﷺ إلى الحق وأراهم البينات: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
. إلا قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له!! قال: ولما سقطت ثنيتا معاوية لفّ وجهه بعمامة، ثم خرج إلى الناس فقال:
لئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون قبلي، وإني لأرجو أن أكون منهم. ولئن عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي، وما آمن أن أكون منهم. ولئن سقط عضوان مني لما بقي أكثر. ولو أتى على نفسي لما كان لي عليه خيار، ﵎.
فرحم الله عبدا دعا بالعافية، فو الله لئن كان عتب علي بعض خاصتكم لقد كنت حدبا على عامتكم.
ولما بلغت معاوية وفاة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، دخل عليه ابن عباس فقال له معاوية: آجرك الله أبا عباس في أبي محمد الحسن بن علي! ولم يظهر حزنا، فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون! وغلبه البكاء فردّه ثم قال: لا يسد والله مكانه جفرتك «١» ، ولا يزيد موته في أجلك، والله لقد أصبنا بمن هو أعظم منه فقدا فما ضيعنا الله بعده! فقال له معاوية:
كم كانت سنه؟ قال: مولده أشهر من أن تتعرف سنه! قال: أحسبه ترك أولادا صغارا؟ قال: كلنا كان صغيرا فكبر، ولئن اختار الله لأبي محمد ما عنده، وقبضه إلى رحمته، لقد أبقى الله أبا عبد الله، وفي مثله الخلف الصالح.
стр. 843
الأصمعي عن أبان بن تغلب قال:
مررت بامرأة بأعلى الأرض، وبين يديها ابن لها يريد سفرا وهي توصيه فقالت:
إجلس امنحك وصيّتي وبالله توفيقك، وقليل إجدائها عليك أنفع من كثير عقلك: إياك والنمائم، فإنها تزرع الضغائن، ولا تجعل نفسك غرضا للرماة، فإن الهدف إذا رمي لم يلبث أن ينثلم، ومثّل لنفسك مثالا فما استحسنته من غيرك فاعمل به، وما كرهته منه فدعه واجتنبه، ومن كانت مودته بشّره كان كالريح في تصرفها.
ثم نظرت فقالت: كأنك يا عراقي أعجبت بكلام أهل البدو؟ ثم قالت لابنها: إذا هززت فهزّ كريما، فإن الكريم يهتز لهزتك. وإياك واللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها، وإياك والغدر فإنه أقبح ما تعومل به، وعليك بالوفاء ففيه النماء. وكن بمالك جوادا، وبدينك شحيحا. ومن أعطي السخاء والحلم فقد استجاد الحلة: ريطتها وسربالها! انهض على اسم الله.
وقال أعرابي لرجل مطله في حاجة: إن مثل الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها إذا عسر قضاؤها، وإن الطلب وإن قل أعظم قدرا من الحاجة وإن عظمت، والمطل من غير عسر آفة الجود.
خطب الفضل الرقاشيّ إلى قوم من بني تميم، فخطب لنفسه، فلما فرغ قام أعرابي منهم فقال: توسلت بحرمة، وأدليت بحق، واستندت إلى خير، ودعوت إلى سنّة، ففرضك مقبول، وما سألت مبذول، وحاجتك مقضيّة إن شاء الله تعالى.
قال الفضل: لو كان الأعرابي حمد الله في أوّل كلامه وصلى على النبي ﷺ لفضحني يومئذ.
стр. 844
المدائني قال: قال المنذر بن المنذر، لما حارب غسّان الشام، لأبنه النعمان يوصيه:
إياك واطّراح الإخوان، وإطّراف المعرفة «١» وإياك وملاحاة الملوك، وممازحة السفيه. وعليك بطول الخلوة، والإكثار من السمر. والبس من القشر «٢» ما يزينك في نفسك ومروءتك. واعلم أن جماع الخير كله الحياء فعليك به، فتواضع في نفسك وانخدع في مالك. واعلم أن السكوت عن الأمر الذي يغنيك خير من الكلام، فإذا اضطررت إليه فتحرّ الصدق والإيجاز، تسلم إن شاء الله تعالى.
كلام من عزى بعض الملوك قال: إن الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بد مما هو كائن. وقد جاء ما لا يردّ، ولا سبيل إلى ردّ ما قد فات، وقد أقام معك ما سيذهب أو ستتركه، فما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سينتقل عنك أو تنقل عنه؟ وقد مضت أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد ذهاب الأصل، فافضل الأشياء عند المصائب الصبر، وإنما أهل الدنيا سفر لا يحلون الركاب إلا في غيرها.
فما أحسن الشكر عند النعم، والتسليم عند الغير. فاعتبر بمن رأيت من أهل الجزع، فإن رأيت الجزع رد أحدا منهم إلى ثقة من درك فما أولاك به. واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، فأفق فإن المرجع قريب. واعلم انه إنما ابتلاك المنعم، وأخذ منك المعطي، وما ترك أكثر. فإن نسيت الصبر فلا تنس الشكر، وكلّا فلا تدع. واحذر من الغفلة استلاب النعم، وطول الندامة، فما أصغر المصيبة اليوم مع عظم الغنيمة غدا. فاستقبل المصيبة بالحسبة «٣» تستخلف بها نعمى. فإنما نحن في الدنيا غرض ينتصل «٤» فينا بالمنايا، ونهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، ومع كل أكلة غصص، لا تنال نعمة إلا بفراق
стр. 845
أخرى، ولا يستقبل معمّر يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله، ولا تحدث له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبله من رزقه، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر.
ونحن أعوان الحتوف على أنفسه، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء؟ وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شيء شرفا إلا أسرعا الكرّة في هدم ما رفعا، وتفريق ما جمعا. فاطلب الخير من أهله، واعلم أن خيرا من الخير معطيه، وشرا من الشر فاعله.
[أقوال وأشعار في الطلب والدعاء]
وقال أبو نواس:
أتتّبع الظرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدّث من أحبّ فيضحكا
وقال آخر:
قدرت فلم أترك صلاح عشيرتي ... وما العفو إلا بعد قدرة قادر
وقال آخر:
أخو الجدّ إن جدّ الرجال وشمّروا ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله
قبيصة بن عمر المهلبيّ، أن رجلا أتى ابن أبي عيينة، فسأله أن يكتب إلى داود بن يزيد كتابا، ففعل وكتب في أسفله:
إن امرأ قذفت إليك به ... في البحر بعص مراكب البحر
تجري الرياح به فتحمله ... وتكفّ أحيانا فلا تجري
ويرى المنيّة كلما عصفت ... ريح به للهول والذعر
للمستحقّ بأن تزوده ... كتب الأمان له من الفقر
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما وجد أحد في نفسه كبرا إلا من مهانة يجدها في نفسه.
ودخل رجل من بني مخزوم، وكان زبيريا، على عبد الملك بن مروان،
стр. 846
فقال له عبد الملك: أليس قد ردك الله على عقبيك؟ قال: أو من رد إليك فقد رد على عقبيه؟ فاستحيا وعلم أنه قد أساء.
وقال المخبل:
إذا أنت لاقيت الرجال فلاقهم ... وعرضك من غثّ الأمور سليم
وقال النضر بن خالد:
كبره يبلغ الكواكب إلا ... أنه في مروءة البقّال
وقال خداش بن زهير:
الناس تحتك أقدام وأنت لهم ... رأس فكيف يسوّى الرأس والقدم
إنّا لنعلم إنا ما بقيت لنا ... فينا السماح وفينا الجود والكرم
وحسبنا من ثناء المادحين إذا ... أثنوا عليك بأن يثنوا بما علموا
وقال ابن عباس ﵄: كانت قريش تألف منزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان يجالسه.
قال الأصمعي: وقف أعرابي يسأل فقال:
ألا فتى أروع ذا جمال ... من عرب الناس أو الموالي
يعينني اليوم على عيالي ... قد كثّروا همّي وقلّ مالي
وساقهم جدب وسوء حال ... وقد مللت كثرة السؤال
وقال أعرابي:
يا ابن الكرام والدا وولدا ... لا تحرمنّ سائلا تعمّدا
أفقره دهر عليه قد عدا ... من بعد ما كان قديما سيّدا
وقال أعرابي: اللهم أسألك قلبا توّابا أوّابا، لا كافرا ولا مرتابا.
стр. 847
وهب رجل لأعرابي شيئا فقال: جعل الله للخير عليك دليلا، وجعل عندك رفدا جزيلا، وأبقاك بقاء طويلا، وأبلاك بلاء جميلا.
وقف أعرابي على قوم فمنعوه فقال: اللهم أشغلنا بذكرك، واعذنا من سخطك، وجنّبنا إلى عفوك «١» ، فقد ضن خلقك على خلقك برزقك، فلا تشغلنا بما عندهم عن طلب ما عندك، وآتنا من الدنيا القنعان «٢» ، وإن كان كثيرها يسخطك، فلا خير فيما يسخطك.
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يدعو وهو يقول: اللهم أغفر لي إذ الصحف منشورة، والتوبة مقبولة، قبل أن لا أقدر على استغفارك، حين ينقطع الأمل، ويحضر الأجل، ويفنى العمل.
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يدعو وهو يقول: اللهم أرزقني مالا أكبت به الأعداء، وبنين أصول بهم على الأقوياء.
وكان منادي سعد بن عبادة «٣» يقول على أطمه: من أراد خبزا ولحما فليأت أطم سعد. وخلفه ابنه قيس بن سعد، فكان يفعل كفعله، فإذا أكل الناس رفع يده إلى السماء وقال: اللهم إني لا أصلح على القليل، ولا يصلح القليل لي. اللهم هب لي حمدا ومجدا، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.
وقال أعرابي: اللهم إن لك علي حقوقا فتصدّق بها علي، وللناس علي حقوقا فأدها عني، وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك، فاجعل قراي في هذه الليلة الجنة.
стр. 848
وقف أعرابي على قوم يسألهم فأنشأ يقول:
هل من فتى عنده خفّان يحملني ... عليهما إنني شيخ على سفر
أشكو إلى الله أهوالا أمارسها ... من الصّداح ب؟؟؟ ي سيّء البصر
إذا سرى القوم لم أبصر طريقهم ... إن لم يكن عندهم ضوء من القمر
الأخفش قال: خرج أعرابي يطلب الصدقة ومعه ابنتان له، فقالت ابنته لما رأت إمساك الناس عنه:
يأيها الراكب ذو التّعريس ... هل فيكم من طارد للبوس
عن ذي هداج بيّن التقويس «١» ... بفضل سربال له دريس «٢»
أو فاضل من زاده خسيس ... أثابه الرحمن بالنفيس
ووقف سائل على الحسن فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلّة.
وقال الطائي:
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر
فتى مات بين الطعن والضرب ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر
وقال:
بكر إذا ابتسمت أراك وميضها ... نور الأقاح برملة ميعاس
وإذا مشت تركت بصدرك ضعف ما ... بحليّها من كثرة الوسواس «٣»
قالت وقد حمّ الفراق فكأسه ... قد خولط الساقي بها والحاسي «٤»
لا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناسي
هدأت على تأميل أحمد همتي ... وأطاف تقليدي به وقياسي
стр. 849
نور العرارة نوره ونسيمه ... نشر الخزامى في اخضرار الآس
أقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
وقال:
احفظ رسائل شعر فيك ما ذهبت ... خواطر البرق إلا دون ما ذهبا
يغدون مغتربات في البلاد فما ... يزلن يونسن في الآفاق مغتربا
ولا تضعها فما في الأرض أحسن من ... نظم القوافي إذا ما صادفت أدبا
[نقد الشعر والشعراء]
أسر رؤبة في بعض حروب تميم فمنع الكلام، فجعل يصرخ: يا صباحاه، ويا بني تميم أطلقوا من لساني.
وربما قال الشاعر في هجائه قولا يعيب به المهجوّ فيمتنع من فعله المهجو وإن كان لا يلحق فاعله ذم. وكذلك إذا مدحه بشيء أولع بفعله وإن كان لا يصير إليه بفعله مدح.
فمن ذلك تقدّم كلثم بنت سريع مولى عمرو بن حريث، إلى عبد الملك ابن عمير، وهو على قضاء الكوفة، تخاصم أهلها، فقضى لها عبد الملك على أهلها، فقال هذيل الأشجعي:
أتاه وليد بالشهود يقودهم ... على ما ادّعى من صامت المال والخول «١»
وجاءت إليه كلثم وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليد عند ذاك بحقه ... وكان وليد ذا مراء وذا جدل
وكان لها دلّ وعين كحيلة ... فأدلت بحسن الدلّ منها وبالكحل
ففتّنت القبطيّ حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في السّور الطّول
стр. 850
فلو كان من بالقصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي فينا على عمل
له حين يقضي للنساء تخاوص ... وكان وما فيه التخاوص والحول «١»
إذا ذات دلّ كلمته بحاجة ... فهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرّق عينيه ولاك لسانه ... يرى كلّ شيء ما خلا شخصها جلل
قال: فقال عبد الملك: أخزاه الله، والله لربما جاءتني السعلة أو النحنحة وأنا في المتوضأ فأذكر قوله فأردها لذلك.
وزعم الهيثم بن عدي عن أشياخه، أن الشاعر لما قال في شهر بن حوشب:
لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر
ما مسّ خريطة «٢» حتى مات.
وقال رجل من بني تغلب، وكان ظريفا: ما لقي أحد من تغلب ما ألقى أنا! قلت: وكيف ذاك؟ قال: قال الشاعر «٣» :
لا تطلبنّ خؤولة في تغلب ... فالزّنج أكرم منهم أخوالا
لو أن تغلب جمّعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا
تلقاهم حلماء عن أعدائهم ... وعلى الصديق تراهم جهّالا
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
والله إني لأتوهم أن لو نهشت أستي الأفاعي ما حككتها.
стр. 851
وكان الشاعر أرفع قدرا من الخطيب، وهم إليه أحوج، لردّه مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرا من الشاعر.
والذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوا، وهجاهم قوم فردوا عليهم فأفحموهم، وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم، وسكتوا عن بعض من هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم، وهم إسلاميون: جرير والفرزدق والأخطل. وفي الجاهلية: زهير، وطرفة، والأعشى، والنابغة. هذا قول أبي عبيدة.
وزعم أبو عمرو بن العلاء: أن الشعر فتح بامرىء القيس وختم بذي الرمّة.
ومن الشعراء من يحكم القريض ولا يحسن من الرجز شيئا، ففي الجاهلية منهم: زهير، والنابغة، والأعشى. وأما من يجمعهما فامرؤ القيس وله شيء من الرجز، وطر؟؟؟ ة وله كمثل ذلك، ولبيد وقد أكثر.
ومن الإسلاميين من لا يقدر على الرجز وهو في ذلك يجيد القريض:
كالفرزدق وجرير. ومن يجمعهما فأبو النجم، وحميد الأرقط، والعماني، وبشّار بن برد. وأقل من هؤلاء يحكم القصيد والإرجاز والخطب. وكان الكميت، والبعيث، والطرماح شعراء خطباء، وكان البعيث أخطبهم. وقال يونس: لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب.
وإذا قالوا: غلّب فهو الغالب.
وقال الحسين بن مطير الأسديّ:
فيا قبر معن كنت أوّل حفرة ... من الأرض خطّت للمكارم مضجعا
فلما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
تعزّ أبا العباس عنه ولا يكن ... جزاؤك من معن بأن تتضعضعا
стр. 852
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنّى أناس شأوه من ضلالهم ... فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
وقال مسلم الأنصاريّ يرثي يزيد بن مزيد:
قبر ببرذعة استسرّ ضريحه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار
أبقى الزمان على معدّ بعده ... حزنا كعمر الدهر ليس يعار
نفضت بك الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزّاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار
وقال همّام الرّقاشيّ:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام
قدّمت قبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحق أن يلجوا الأبواب قدّامي
لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهم ... قبرا وأبعدهم من منزل الذّام
حتى جعلت إذا ما حاجة عرضت ... بباب قصرك أدلوها بأقوام
وقال الأبيرد الرياحيّ يرثي أخاه:
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن قلّ مال لم يؤد متنه الفقر
وسامى جسيمات الأمور فنالها ... على العسر حتى يدرك العسرة اليسر
ترى القوم في العزّاء ينتظرونه ... إذا شك رأي القوم أو حزب الأمر «١»
فليتك كنت الحي في الناس باقيا ... وكنت أنا الميت الذي غيّب القبر
لقد كنت استعفي الآله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
واجزع أن ينأى به بين ليلة ... فكيف ببين صار ميعاده الحشر
وقال أبو عبيدة: أنشدني رجل من بني عجل:
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله
لقد رحل الحيّ المقيم وودعوا ... فتى لم يكن يأذى به من ينازله
стр. 853
ولم يك يخشى الجار منه إذا دنا ... أذاه ولا يخشى الحريمة سائلة
فتى كان للمعروف يبسط كفّه ... إذا قبضت كفّ البخيل ونائله
[أحاديث ورسائل ونصائح متفرقة]
قال: دخل معن بن زائدة على أبي جعفر المنصور، فقارب في خطوه فقال المنصور: لقد كبرت سنك! قال: في طاعتك. قال: وإنك لجلد! قال: على عدائك، قال: وأرى فيك بقيّة! قال: هي لك.
قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى عمرو بن سعيد الأشدق، حين خرج عليه:
أما بعد، فإن رحمتي لك تصرفني عن الغضب عليك، لتمكّن الخدع منك، وخذلان التوفيق إياك. نهضت بأسباب وهمتك أطماعك أن تستفيد بها عزا، كنت جديرا لو اعتدلت أن لا تدفع بها ذلّا. ومن رحل عنه حسن النظر واستوطنته الأماني ملك الحين تصريفه، واستترت عنه عواقب أمره. وعن قليل يتبيّن من سلك سبيلك، ونهض بمثل أسبابك، أنه أسير غفلة، وصريع خدع، ومغيض ندم. والرّحم تحمل على الصفح عنك ما لم تحلل بك عواقب جهلك، وتزجر عن الإيقاع بك. وأنت، إن ارتدعت، في كنف وستر.
والسلام.
فكتب إليه عمرو:
أما بعد، فإن استدراج النّعم إياك أفادك البغي، ورائحة التدرة أورثتك الغفلة. زجرت عما واقعت مثله، وندبت إلى ما تركت سبيله. ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطلاب ما انتقل سلطان، ولا ذل عزّ. وعما قليل تتبيّن من أسير الغفلة، وصريع الخدع. والرحم تعطف على الإبقاء عليك، مع دفعك ما غيرك أقوم به منك. والسلام.
стр. 854
قال أبو الحسن: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد بن عبد الملك:
أما بعد فإنك كتبت تذكر أن عاملا أخذ مالك بالحمّة «١» وتزعم أني من الظالمين! وإن أظلم مني وأترك لعهد الله من أمرك صبيا سفيها على جيش من جيوش المسلمين، لم تكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده. وإن أظلم مني وأترك لعهد الله لأنت. فأنت عمر بن الوليد، وأمك صنّاجة «٢» تدخل دور حمص، وتطوف في حوانيتها! رويدك أن لو قد التقت حلقتا البطان «٣» لحملتك وأهل بيتك على المحجّة البيضاء، فطالما ركبتم بنيّات الطريق «٤» .
مع أني قد هممت أن أبعث إليك من يحلق دلادلك! فإني أعلم أنها من أعظم المصائب عليك. والسلام.
قال أبو الحسن: كان عبد الملك بن مروان شديد اليقظة، وكثير التعهد لولاته، فبلغه أن عاملا من عمّاله قبل هدية، فأمر بإشخاصه إليه، فلما دخل عليه قال له: أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال له: يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، وخراجك موفور، ورعيتك على أفضل حال! قال: أجب فيما سألتك عنه، أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال: نعم. قال: لئن كنت قبلت هدية ولم تعوّض إنك للئيم. ولئن أنلت مهديك لا من مالك أو استكفيته ما لم يكن يستكفاه، إنك لجائر خائن. ولئن كان مذهبك أن تعوض المهدي إليك من مالك وقبلت ما اتهمك به عند من استكفاك وبسط لسان عائبك، واطمع فيك أهل عملك، إنك لجاهل. وما فيمن أتى أمرا لم يخل فيه من دناءة أو خيانة أو جهل مصطنع! نحّياه عن عمله.
стр. 855
قال أبو الحسن: عرض أعرابيّ لعتبة بن أبي سفيان وهو على مكة فقال:
أيها الخليفة! قال: لست به ولم تبعد. قال: يا أخاه. قال: اسمعت.
فقال: شيخ من بني عامر يتقرب إليك بالعمومة، ويختص بالخؤولة، ويشكو إليك كثرة العيال ووطأة الزمان، وشدّة فقر وترادف ضرّ، وعندك ما يسعه ويصرف عنه بؤسه! قال: استغفر الله منك، واستعينه عليك، قد أمرت لك بغناك، وليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك.
وقال أعرابيّ يعيب قوما: هم أقلّ الناس ذنوبا إلى أعدائهم، وأكثرهم جرما إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء.
وقال مجّاعة بن مرارة «١» ، لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور.
الأصمعي قال: نعت أعرابيّ رجلا فقال: كأنّ الألسن والقلوب ريضت له، فما تنعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلا بحمده.
وقال أعرابي: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل.
أتى أعرابي عمر بن عبد العزيز فقال: رجل من أهل البادية ساقته الحاجة وانتهت به الفاقة، والله يسألك عن مقامي غدا! فبكى عمر.
قال الشاعر:
ومن يبق مالا عدّة وصيانة ... فلا البخل مبقيه ولا الدهر وافره
ومن يك ذا عود صليب يعدّه ... ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره
стр. 856
وقال أبان بن الوليد لأياس بن معاوية: أنا أغنى منك! فقال أياس: بل أنا أغنى منك! قال أبان: وكيف ولي كذا وكذا! وعدد أموالا. قال: لأن كسبك لا يفضل عن مؤونتك، وكسبي يفضل عن مؤونتي.
وكان يقال: حاجب الرجل عامله على عرضه.
وقال أبو الحسن: رأيت امرأة أعرابية غمّضت ميتا وترحّمت عليه ثم قالت: ما أحقّ من ألبس العافية، وأطيلت له النظرة أن لا يعجز عن النظر لنفسه، قبل الحلول بساحته، والحيالة «١» بينه وبين نفسه! وقال ابن الزبير لمعاوية حين أراد أن يبايع لأبنه يزيد: تقدّم إبنك على من هو خير منه؟ قال: كأنك تريد نفسك؟ إن بيته بمكة فوق بيتك! قال ابن الزبير: إن الله رفع بالإسلام بيوتا، فبيتي مما رفع! قال معاوية: صدقت، وبيت حاطب بن أبي بلتعة «٢» ! وقال: عاتب أعرابي أباه فقال: إن عظيم حقك علي لا يذهب صغير حقي عليك، والذي تمتّ إلي أمت بمثله إليك، ولست أزعم أنا سواء، ولكن أقول: لا يحلّ لك الإعتداء.
قال: مدح رجل قوما فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال وقال بعض الحكماء: التواضع مع السخافة والبخل، أحمد عند العلماء
стр. 857
من الكبر مع السخاء والأدب. فأعظم بحسنة عفّت على سيئتين «١» ، وأفظع بعيب أفسد من صاحبه حسنتين.
وقيل لرجل- أراه خالد بن صفوان-: مات صديق لك! فقال: رحمة الله عليه، لقد كان يملأ العين جمالا، والأذن بيانا، ولقد كان يرجى ولا يخشى، ويغشى ولا يغشى، ويعطي ولا يعطى، قليلا لدى الشر حضوره، سليما للصديق ضميره.
وقام أعرابي ليسأل فقال: أين الوجوه الصّباح، والعقول الصّحاح، والألسن الفصاح، والأنساب الصّراح «٢» ، والمكارم الرّباح «٣» ، والصدور الفساح، تعيذني من مقامي هذا؟! ومدح بعضهم رجلا فقال: ما كان أفسح صدره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأنفد أمره، وأعلى شرفه، وأربح صفقة من عرفه، مع سعة الفناء، وعظم الإناء، وكرم الآباء.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لصعصعة بن صوحان: والله ما علمت إنك لكثير المعونة، قليل المؤونة، فجزاك الله خيرا. فقال صعصعة: وأنت فجزاك الله أحسن ذلك، فإنك ما علمت بالله عليم، والله في عينك عظيم.
قال أبو الحسن: أوصى عبد الملك بن صالح ابنا له فقال: أي بنيّ أحلم فإن من حلم ساد، ومن تفهّم إزداد، والق أهل الخير، فإن لقاءهم عمارة للقلوب، ولا تجمح بك مطية اللجاج، ومنك من أعتبك، والصاحب مناسب، والصبر على المكروه يعصم القلب. المزاح يورث الضغائن، وحسن التدبير مع الكفاف خير من الكثير مع الإسراف، والإقتصاد يثمر القليل، والإسراف يثبّر
стр. 858
الكثير «١» ، ونعم الحظ القناعة، وشر ما صحب المرء الحسد، وما كل عورة تصاب «٢» . وربما أبصر العمي رشده، وأخطأ البصير قصده. واليأس خير من الطلب إلى الناس. والعفّة مع الحرفة خير من الغنى مع الفجور. أرفق في الطلب وأجمل في المكسب، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب. ليس كل طالب بمنجح، ولا كل ملحّ بمحتاج، والمغبون من غبن نصيبه من الله. عاتب من رجوت عتباه، وفاكه من أمنت بلواه. لا تكن مضحاكا من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب. ومن نأى عن الحق ضاق مذهبه، ومن اقتصر على حاله كان أنعم لباله. لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنه إنما سعى في مضرته ونفعك. وعوّد نفسك السماح، وتخير لها من كل خلق أحسنه، فإن الخير عادة، والشر لجاجة، والصدود آية المقت، والتعلّل آية البخل. ومن الفقه كتمان السر، ولقاح المعرفة ودراسة العلم، وطول التجارب زيادة في العقل، والقناعة راحة الأبدان. والشرف التقوي. والبلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه.
بالعقل تستخرج الحكمة، وبالحلم يستخرج غور العقل، ومن شمّر في الأمور ركب البحور، شر القول ما نقض بعضه بعضا. من سعى بالنميمة حذره البعيد، ومقته القريب. من أطال النظر بإرادة تامة أدرك الغاية، ومن توانى في نفسه ضاع: من أسرف في الأمور انتشرت عليه، ومن اقتصد اجتمعت له، واللجاجة تورث الضياع للأمور. غبّ الأدب أحمد من إبتدائه. مبادرة الفهم تورث النسيان. سوء الإستماع يعقب العيّ. لا تحدّث من لا يقبل بوجهه عليك، ولا تنصت لمن لا ينمي بحديثه إليك. البلادة في الرجل هجنة «٣» ، قلّ مالك إلا استأثر، وقلّ عاجز إلا تأخر. الإحجام عن الأمور يورث العجز، والإقدام عليها يورث إجتلاب الحظ. سوء الطّعمة يفسد العرض «٤» ، ويخلق الوجه، ويمحق الدين. الهيبة قرين الحرمان، والجسارة قرين الظفر، ومنك من أنصفك، وأخوك من عاتبك، وشريكك من وفى لك، وصفيك من اترك.
стр. 859
أعدى الإعتداء العقوق. إتباع الشهوة يورث الندامة، وفوت الفرصة يورث الحسرة. جميع أركان الأدب التأتي للرفق. أكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تجد بما تبذل من دينك ونفسك عوضا. لا تساعد النساء فيمللنك، واستبق من نفسك بقية، فإنهن إن يرينك ذا إقتدار خير من أن يطلعن منك على إنكسار. لا تملك المرأة الشفاعة لغيرها فيميل من شفعت له عليك معها.
أي بنيّ، إني قد اخترت لك الوصية، ومحضتك النصيحة، وأدّيت الحق إلى الله في تأديبك، فلا تغفلن الأخذ بأحسنها، والعمل بما. والله موفقك.
قال الغنوي: احتضر رجل منا فصاحت ابنته، ففتح عينيه وهو يكيد بنفسه «١» ، فقال:
عزاء لا أبا لك إنّ شيئا ... تولّى ليس يرجعه الحنين
وقال بعض الشعراء:
وما إن قتلناهم بأكثر منهم ... ولكن بأوفى بالطعان وأكرما
المدائني قال: كان يقال: إذا انقطع رجاؤك من صديقك فألحقه بعدوك.
وقال عبد الملك بن صالح: لا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك فإنما سعى في مضرته ونفعك.
وقال مصعب بن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف.
стр. 860
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إياك ومؤاخاة الأحمق، فإنه ربما أراد أن ينفعك فضرّك.
وكانوا يقولون: عشر في عشرة هي فيهم أقبح منها في غيرهم: الضيق في الملوك، والغدر في ذوي الأحساب، والحاجة في العلماء، والكذب في القضاة، والغضب في ذوي الألباب، والسفاهة في الكهول، والمرض في الأطباء، والاستهزاء في أهل البؤس، والفخر في أهل الفاقة، والشح في الأغنياء.
ووصف بعض الأعراب فرسا فقال: انتهى ضموره، وذبل فريره «١» ، وظهر حصيره «٢» ، وتفلّقت غروره «٣» ، واسترخت شاكلته «٤» ، يقبل بزبرة الأسد «٥» ، ويدبر بعجز الذئب.
ومات ابن لسليمان بن علي فجزع عليه جزعا شديدا، وامتنع من الطعام والشراب، وجعل الناس يعزونه فلا يحفل بذلك، فدخل عليه يحيى بن منصور فقال: عليكم نزل كتاب الله فأنتم أعلم بفرائضه، ومنكم كان رسول الله ﷺ فأنتم أعرف بسنته، ولست ممن يعلّم من جهل، ولا يقوّم من عوج، ولكني أعزيك ببيت من الشعر. قال: هاته. قال:
وهوّن ما ألقى من الوجد أنني ... أساكنه في داره اليوم أو غدا
قال: أعد. فأعاد، فقال: يا غلام الغداء.
стр. 861
قال: دعا أعرابي في طريق مكة فقال: «هل من عائد بفضل، أو مواس من كفاف؟» فأمسك عنه فقال: «اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع» .
وقال أبو الحسن: جاء خلف الأحمر إلى حلقة يونس حين مات أبو جعفر فقال:
قد طرّقت ببكرها بنت طبق «١»
فقال له يونس: ماذا؟ فقال:
فذمّروها خبرا ضخم العنق «٢»
فقال يونس: وماذا؟ فقال:
موت الإمام فلقة من الفلق «٣»
قال أبو الحسن: أراد رجل أن يكذب بلالا، فقال له يوما: يا بلال، ما سنّ فرسك؟ قال: عظم. قال: فكيف جريه؟ قال: يحضر ما استطاع.
قال: فأين تنزل؟ قال: موضعا أضع فيه رجلي. فقال له الرجل: لا أتعنتك أبدا.
قال: ودخل رجل على شريح القاضي، يخاصم امرأة له، فقال:
السلام عليكم. قال: وعليكم. قال: إني رجل من أهل الشام. قال: بعيد سحيق. قال: وإني قدمت إلى بلدكم هذا. قال: خير مقدم. قال:
وإني تزوجت امرأة. قال: بالرّفاء والبنين. قال: وإنها ولدت غلاما. قال:
ليهنئك الفارس. قال: وقد كنت شرطت لها صداقها. قال: الشرط أملك.
قال: وقد أردت الخروج بها إلى بلدي. قال: الرجل أحق بأهله. قال: قد فعلت.
стр. 862
قال: وخرج الحجاج ذات يوم فأصحر، وحضر غداؤه فقال: أطلبوا من يتغدى معي. فطلبوا فإذا أعرابي في شملة، فأتي به، فقال: السلام عليكم.
قال: هلم أيها الأعرابي. قال: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته. قال:
ومن هو؟ قال: دعاني الله ربي إلى الصوم فأنا صائم! قال: وصوم في مثل هذا اليوم الحار! قال: صمت ليوم هو أحرّ منه، قال: فأفطر اليوم وصم غدا. قال: ويضمن لي الأمير أنني أعيش إلى غد؟ قال: ليس ذلك إليه! قال: فكيف يسألني عاجلا بآجل ليس إليه؟ قال: إنه طعام طيب. قال. ما طيبه خبازك ولا طباخك! قال: فمن طيبه؟ قال: العافية. قال الحجاج: تالله إن رأيت كاليوم! أخرجوه.
قال أبو عمرو: خرج صعصعة بن صوحان عائدا إلى مكة، فلقيه رجل فقال له: يا عبد الله، كيف تركت الأرض؟ قال: عريضة أريضة «١» . قال: إنما عنيت السماء. قال: فوق البشر، ومدى البصر. قال: سبحان الله، إنما أردت السحاب! قال: تحت الخضراء، وفوق الغبراء. قال: إنما أعني المطر. قال: عفّى الأثر، وملأ القتر «٢» ، وبلّ الوبر، ومطرنا أحيا المطر.
قال: إنسيّ أنت أم جنيّ؟ قال: بل إنسي، من أمة رجل مهدي، ﷺ .
وقال بشار:
وحمد كعصب البرد حمّلت صاحبي ... إلى ملك للصالحين قرين
وقال أيضا:
وبكر كنوّار الرياض حديثها ... تروق بوجه واضح وقوام
وكتب الحجّاج بن يوسف إلى عبد الملك بن مروان:
стр. 863
أما بعد فإنّا نخبر أمير المؤمنين أنه لم يصب أرضنا وابل منذ كتبت أخبره عن سقيا الله إيانا، إلا ما بلّ وجه الأرض من الطشّ والرش والرذاذ «١» حتى دقعت الأرض واقشعّرت واغبرّت «٢» ، وثارت في نواحيها أعاصير تذرو دقاق الأرض من ترابها، وامسك الفلاحون بأيديهم من شدة الأرض واعتزازها وامتناعها، وأرضنا أرض سريع تغيّرها، وشيك تنكّرها، سيء ظن أهلها عند قحوط المطر، حتى أرسل الله بالقبول يوم الجمعة «٣» ، فأثارت زبرجا متقطّعا متمصّرا «٤» ، ثم أعقبته الشّمال يوم السبت فطحطحت عنه جهامه «٥» ، وألفت متقطّعة، وجمعت متمصّرة، حتى انتضد فاستوى، وطما وطحا، وكان جونا مرثعنا «٦» قريبا رواعده، ثم عادت عوائده بوابل منهمل منسجل «٧» يردف بعضه بعضا، كلما أردف شؤبوب أردفته شآبيب «٨» لشدة وقعه في العراص «٩» .
وكتبت إلى أمير المؤمنين وهي ترمي بمثل قطع القطن، قد ملأ اليباب «١٠» ، وسد الشعاب، وسقي منها كل ساق. فالحمد لله الذي أنزل غيثه، ونشر رحمته من بعد ما قنطوا، وهو الوليّ الحميد. والسلام.