← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

خمسة وعشرون دينارا، وثمن أذنيها ثمانية عشر، وثمن عينيها ستة وسبعون، وثمن رأسها بلا شيء من حواسها مائة دينار! فقال له صاحبه المتعاقل: ها هنا باب هو أدخل في الحكمة من هذا! كان ينبغي لقدم هذ أن تكون لساق تلك، وأصابع تلك أن تكون لقدم هذه، وكان ينبغي لشفتي تيك أن تكون لفم تيك، وأن تكون حاجبا تيك لجبين هذه! فسمي مقوّم الأعضاء. ومن النوكى كلاب بن ربيعة، وهو الذي قتل الجشميّ قاتل أبيه دون أخوته، وهو القائل: ألم ترني ثأرت بشيخ صدق ... وقد أخذ الإداؤة فاحتساها ثأرت بشيخه شيخا كريما ... شفاء النفس أن شيء شفاها ومنهم: نعامة، وهو بيهس «١» ، وهو الذي قال: «مكره أخاك لا بطل» . وإياه يعني الشاعر: ومن حذر الأيام ما حزّ أنفه ... قصير ولاقى الموت بالسيف بيهس نعامة لما صرّع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس وقال الحضرمي: أما أنا فأشهد أن تميما أكثر من محارب. وقال حيّان البزّاز: قبح الله الباطل، الرطب بالسكر والله طيب. قال أبو الحسن: سمعت أبا الصّغدي الحارثي يقول: كان الحجاج أحمق، بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم قال لهم: لا تدخلوها. فلما مات دبوا إليها من قريب. مسعدة بن المبارك قال: قلت للبكراوي: أبأمرأتك حمل؟ قال: شيء ليس بشيء!

стр. 807

قال: لما بنى عبيد الله بن زياد البيضاء، كتب رجل على باب البيضاء: «شيء، ونصف شيء، ولا شيء. الشيء: مهران الترجمان، ونصف شيء: هند بنت أسماء، ولا شيء: عبيد الله بن زياد!» . فقال عبيد الله: أكتبوا إلى جنبه: لولا الذي زعمت أنه لا شيء لما كان ذلك الشيء شيئا، ولا ذلك النصف نصفا. وقال هشام بن عبد الملك يوما في مجلسه: «يعرف حمق الرجل بخصال: بطول لحيته، وشناعة كنيته، وبشهوته، ونقش خاتمه» . فأقبل رجل طويل اللحية، فقال: هذه واحدة، ثم سأله عن كنيته فإذا هي شنعاء، فقال: هاتان ثنتان. ثم قال: وأي شيء أشهى إليك؟ قال: رمانة مصاصة» ! قال: امصك الله ببظر امك! وقيل لأبي القمقام: لم لا تغزو أو تخرج إلى المصيصة؟ قال: أمصني الله إذا ببظر أمي! وقال الشاعر: أأنصر أهل الشام ممن يكيدهم ... وأهلي بنجد ذاك حرص على النصر وقال لأبي الأصبغ بن ربعيّ: أما تسمع بالعدو وما يصنعون في البحر فلم لا تخرج إلى قتال العدو؟ قال: أنا لا أعرفهم ولا يعرفونني، فكيف صاروا لي أعداء؟! قال: كان الوليد بن القعقاع عاملا على بعض الشام، وكان يستسقي في كل خطبة وإن كان في أيام الشّعرى، فقام إليه شيخ من أهل حمص فقال: أصلح الله الأمير، إذا تفسد القطاني! يعني الحبوب، واحدها قطنيّة. وأما نفيس غلامي فإنه كان إذا صار إلى فراشه في كل ليلة في سائر السنة يقول في دعائه: اللهم علينا ولا حوالينا. قال: وكان بالرّقة رجل يحدث الناس عن بني اسرائيل، وكان يكنى أبا عقيل، فقال له الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني اسرائيل؟ قال:

стр. 808

حنتمة! فقال له رجل من ولد أبي موسى: في أي الكتب وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاصي! ومن المجانين الأشراف: ابن ضحيان الأزديّ، وكان يقرأ: قل يا أيها الكافرين. فقيل له في ذلك، فقال: قد عرفت القراءة في ذلك، ولكني لا أجلّ أمر الكفار!. وقال حبيب بن أوس: ما ولدت حوّاء أحمق لحية ... من سائل يرجو الغنى من سائل وقال أيضا: أيوسف جئت بالعجب العجيب ... تركت الناس في شك مريب سمعت بكلّ داهية نآد ... ولم أسمع بسرّاج أديب «١» أما لو أن جهلك عاد حلما ... إذا لنفذت في علم الغيوب وما لك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب وأنشدوا: أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ... ولكنما يشقى به كلّ عاقل مشت فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكب الأعالي بارتفاع الأسافل وهذه أبيات كتبناها في غير هذا المكان من هذا الكتاب، ولكن هذا المكان أولى بها. وقال الشاعر: وللدهر أيام فكن في لباسها ... كلبسته يوما أجدّ وأخلقا وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا

стр. 809

وقال الآخر: وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت الذي لا أشاكله فحامقته حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله وقال أبو العتاهية: من سابق الدهر كباكبوة ... لم يستقلها من خطى الدهر فاخط مع الدهر إذا ما خطا ... وأجر مع الدهر كما يجري ليس لمن ليست له حيلة ... موجودة خير من الصبر وقال بشر بن المعتمر: حيلة ما ليست له حيلة ... حسن عزاء النفس والصبر وقال صالح بن عبد القدوس: وإنّ عناء أن تفهّم جاهلا ... ويحسب جهلا أنه منك أفهم متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وآخر يهدم وقال بشر بن المعتمر: وإذا العبيّ رأيته مستغنيا ... أعيا الطبيب وحيلة المحتال ومن المجانين: مهدي بن الملوح الجعدي، وهو مجنون بني جعدة. وبنو المجنون قبيل من قبائل بني جعدة، وهو غير هذا المجنون. وأما مجنون بني عامر وبني عقيل، فهو: قيس بن معاذ، وهو الذي يقال له: مجنون بني عامر. وهما شاعران. قيل ذلك لهما لتجننهما بعشيقتين كانتا لهما، ولهما أشعار معروفة.

стр. 810

[الجاحظ بين الرواة وخادمه نفيس] وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة «١» ، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفقر والنتف من كل شيء. ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب. ثم رأيتهم منذ سنيات، وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتيانيّ متغزّل. وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن نجيم، وأبي مالك عمرو ابن كركرة «٢» مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله. ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه أعراب. ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الإستخراج. ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل. ورأيت عامتهم- فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني. ورأيت البصر

стр. 811

بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر. ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارا من أفواه جلسائه، ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر. وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا جيدا، لمكان أعراقهم من أولئك الآباء. ولولا أن أكون عيابا ثم للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة! قال ابن المبارك: كان عندنا رجل يكنى أبا خارجة، فقال له: لم كنوك أبا خارجة؟ قال: لأني ولدت يوم دخل سليمان بن علي البصرة. وكان عندنا شيخ حارس من علوج الجبل، وكان يكنى أبا خزيمة، فقلت لأصحابنا: هل لكم في مسألة هذا الحارس عن سبب كنيته، فلعل الله أن يفيد من هذا الشيخ علما وإن كان في ظاهر الرأي غير مأمول ولا مطمع! وهذه الكنية كنية زرارة بن عدس، وكنية خازم بن خزيمة، وكنية حمزة بن أدرك، وكنية فلان وفلان، وكل هؤلاء إما قائد متبوع، وإما سيد مطاع، فمن أين وقع هذا العلج الألكن على هذه الكنية! فدعوته فقلت له: هذه الكنية كناك بها إنسان أو كنيت بها نفسك؟ قال: لا، ولكني كنيت بها نفسي! قلت: فلم اخترتها على غيرها؟ قال: وما يدريني! قلت: ألك ابن يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: أفكان أبوك أو عمك أو مولى لك يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فاترك هذه الكنية واكتن بأحسن منها وخذ مني دينارا! قال: لا والله ولا بجميع الدنيا!! أعطى المحلول ابنه درهما وقال: زنه، فطرح وزن درهمين وهو يحسبه وزن درهم، فلما رفعه وجده زالّا «١» ، فألقى معه حبتين، فقال له أبوه: كم فيه؟ قال: ليس فيه شيء، وهو ينقص حبتين!

стр. 812

وكان عندنا قاص يقال له أبو موسى كوش، فأخذ يوما في ذكر قصر الدنيا وطول أيام الآخرة، وتصغير شأن الدنيا وتعظيم شأن الآخرة، فقال: هذا الذي عاش خمسين سنة لم يعش شيئا، وعليه فضل سنتين! قالوا: وكيف ذاك؟ قال: خمس وعشرون سنة ليل، هو فيها لا يعقل قليلا ولا كثيرا، وخمس سنين قائلة «١» ، وعشرون سنة إما أن يكون صبيا وإما أن يكون معه سكر الشباب فهو لا يعقل. ولا بد من صتحة بالغداة «٢» ، ونعسة بين المغرب والعشاء، وكالغشى الذي يصيب الإنسان مرارا في دهره، وغير ذلك من الآفات. فإذا حصلنا ذلك فقد صح أن الذي عاش خمسين سنة لم يعش شيئا، وعليه فضل سنتين! وقال بعض الهلّاك «٣» : دخل فلان على كسرى فقال: أصلحك الله، ما تأمر في كذا كذا؟ وقال رجل من وجوه أهل البصرة: حدثت حادثة أيام الفرس فنادى كسرى: الصلاة جامعة! وقلت لغلامي نفيس: بعثتك إلى السوق في حوائج فاشتريت ما لم آمرك به، وتركت كل ما أمرتك به! قال: يا مولاي، أنا ناقة وليس في ركبتي دماغ! وقال نفيس لغلام لي: الناس ويلك أنت حياء كلهم أقل! يريد: أنت أقل الناس كلهم حياء. وقلت لنفيس: ابن بريهة هذا الصبي، في أي شيء أسلموه؟ قال: في أصحاب سند نعال. يريد أصحاب النعال السندية.

стр. 813

[بلاغة النبي] وروى الأصمعي وابن الأعرابي، عن رجالهما، أن رسول الله ﷺ قال: «إنا معشر الأنبياء بكاء» ، فقال ناس: البكء: القّلة. وأصل ذلك من اللبن. فقد جعل صفة الأنبياء قلة الكلام، ولم يجعله من إيثار الصمت ومن التحصيل وقلة الفضول. قلنا: ليس في ظاهر هذا الكلام دليل على أن القلة من عجز في الخلقة، وقد يحتمل ظاهر الكلام الوجهين جميعا، وقد يكون القليل من اللفظ يأتي على الكثير من المعاني. والقلة تكون من وجهين: أحدهما من جهة التحصيل، والإشفاق من التكلف، وعلى تصديق قوله: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ، وعلى البعد من الصنعة، ومن شدة المحاسبة وحصر النفس، حتى يصير بالتمرين والتوطين إلى عادة تناسب الطبيعة. وتكون من جهة العجز ونقصان الآلة، وقلة الخواطر، وسوء الإهتداء إلى جياد المعاني، والجهل بمحاسن الألفاظ. ألا ترى أن الله قد استجاب لموسى ﵇ حين قال: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً. إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى. فلو كانت تلك القلة من عجز كان النبي ﷺ أحق بمسألة إطلاق تلك العقدة من موسى، لأن العرب أشد فخرا ببيانها، وطول ألسنتها، وتصريف كلامها، وشدة إقتدارها. وعلى حسب ذلك كانت زرايتها على كل من قصّر عن ذلك التمام، ونقص من ذلك الكمال. وقد شاهدوا النبي ﷺ وخطبه الطوال في المواسم الكبار، ولم يطل التماسا للطول، ولا رغبة في القدرة على الكثير، ولكن المعاني إذا كثرت، والوجوه إذا افتنت، كثر عدد اللفظ، وإن حذفت فضوله بغاية الحذف.

стр. 814

ولم يكن الله ليعطي موسى لتمام إبلاغه شيئا لا يعطيه محمدا، والذين بعث فيهم أكثر ما يعتمدون عليه البيان واللسن. وإنما قلنا هذا لنحسم جميع وجوه الشغب، لا لأن أحدا من أعدائه شاهد هناك طرفا من العجز! ولو كان ذلك مرئيا ومسموعا لاحتجوا به في الملا، ولتناجوا به في الخلا، ولتكلم به خطيبهم، ولقال فيه شاعرهم، فقد عرف الناس كثرة خطبائهم، وتسرع شعرائهم. هذا على أننا لا ندري أقال ذلك رسول الله ﷺ أم لم يقله، لأن مثل هذه الأخبار يحتاج فيها إلى الخبر المكشوف، والحديث المعروف. ولكنا بفضل الثقة، وظهور الحجة، نجيب بمثل هذا وشبهه. وقد علمنا أن من يقرض الشعر، ويتكلف الإسجاع، ويؤلف المزدوج، ويتقدم في تحبير المنثور، وقد تعمق في المعاني، وتكلف إقامة الوزن، والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوا رهوا، مع قلة لفظه وعدد هجائه- أحمد أمرا، وأحسن موقعا من القلوب، وأنفع للمستمعين، من كثير خرج بالكد والعلاج. ولأن التقدم فيه، وجمع النفس له، وحصر الفكر عليه، لا يكون إلا ممن يحب السمعة ويهوى النفج «١» والإستطالة. وليس بين حال المتنافسين، وبين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق، وحجاز ضعيف. والأنبياء بمندوحة من هذه الصفة، وفي ضد هذه الشيمة. وقال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» . وتكلم رجل عند الحسن بمواعظ جمة ومعان تدعو إلى الرقة فلم ير الحسن رق، فقال الحسن: أما أن يكون بناشر أو يكون بك! يذهب إلى أن المستمع يرق على قد رقة القائل.

стр. 815

والدليل الواضح، والشاهد القاطع، قول النبي ﷺ : «نصرت بالصبا، وأعطيت جوامع الكلم» ، وهو القليل الجامع للكثير. وقال الله تعالى وقوله الحق: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ثم قال: وَما يَنْبَغِي لَهُ ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ فعم ولم يخص، وأطلق ولم يقيد. فمن الخصال التي ذمهم بها تكلف الصنعة، والخروج إلى المباهاة، والتشاغل عن كثير من الطاعة، ومناسبة أصحاب التشديق. ومن كان كذلك كان أشد افتقارا إلى السامع من السامع إليه، لشغفه أن يذكر في البلغاء، وصبابته باللحاق بالشعراء. ومن كان كذلك غلبت عليه المنافسة والمغالبة، وولد ذلك في قلبه شدة الحمية، وحب المجاذبة. ومن سخف هذا السّخف، وغلب الشيطان عليه هذه الغلبة، كانت حاله داعية إلى قول الزور، والفخر بالكذب، وصرف الرغبة إلى الناس، والإفراط في مديح من أعطاه، وذم من منعه. فنزّه الله رسوله، ولم يعلمه الكتاب والحساب، ولم يرغبه في صنعة الكلام، والتعبد لطلب الألفاظ، والتكلف لإستخراج المعاني فجمع له باله كله في الدعاء إلى الله، والصبر عليه، والمجاهدة فيه، والإنبتات إليه والميل إلى كل ما قرب منه، فأعطاه الإخلاص الذي لا يشوبه رياء، واليقين الذي لا يطوره شك، والعزم المتمكن، والقوة الفاصلة. فإذا رأت مكانه الشعراء، وفهمته الخطباء، ومن قد تعبّد للمعاني، وتعود نظمها وتنضيدها، وتأليفها وتنسيقها، واستخراجها من مدافنها، وإثارتها من مكامنها علموا أنهم لا يبلغون بجميع ما معهم مما قد استفرغهم واستغرق مجهودهم، وبكثير ما قد خولوه، قليلا مما يكون معه على البداهة والفجاءة، من غير تقدم في طلبه، واختلاف إلى أهله. وكانوا مع تلك المقامات والسياسات، ومع تلك الكلف والرياضات، لا ينفكون في بعض تلك المقامات من بعض الإستكراه والزلل، ومن بعض التعقيد والخطل، ومن التفنن «١» والإنتشار، ومن التشديق والإكثار.

стр. 816

ورأوه مع ذلك يقول: «إيّاي والتشادق» . و «أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون» . ثم رأوه في جميع دهره في غاية التسديد والصواب التام، والعصمة الفاضلة، والتأييد الكريم. علموا أن ذلك من ثمرة الحكمة ونتاج التوفيق، وإن تلك الحكمة من ثمرة التقوى. ونتاج الإخلاص. وللسلف الطيّب حكم وخطب كثيرة، صحيحة ومدخولة، لا يخفى شأنها على نقّاد الألفاظ وجهابذة المعاني، متميزة عند الرواة الخلّص وما بلغنا عن أحد من جميع الناس أن أحدا ولد لرسول الله ﷺ خطبة واحدة. فهذا وما قبله حجة في تأويل ذلك إن كان حقا. وفي كتاب الله المنزل. أن الله ﵎ جعل منيحة داود الحكمة وفصل الخطاب، كما أعطاه إلانة الحديد. وفي الحديث المأثور، والخبر المشهور، إن رسول الله ﷺ قال: «شعيب خطيب الأنبياء» . وعلم الله سليمان منطق الطير، وكلام النمل، ولغات الجن. فلم يكن ليعطيه ذلك ثم يبتليه في نفسه وبيانه عن جميع شأنه، بالقلة والمعجزة، ثم لا تكون تلك القلة إلا على الإيثار منه للقلة في موضعها، وعلى البعد من استعمال التكلف، ومناسبة أهل الصنعة، والمشغوفين بالسمعة. وهذا لا يجوز على الله . فإن كان الذي رويتم من قوله: «إنا معشر الأنبياء بكاء» على ما تأولتم، وذلك أن لفظ الحديث عام في جميع الأنبياء، فالذي ذكرنا من حال داود وسليمان ﵉، وحال شعيب والنبي ﷺ ، دليل على بطلان تأويلكم، ورد عموم لفظ الحديث: وهذه جملة كافية لمن كان يريد الإنصاف.

стр. 817

وكان شيح من البصريين يقول: إن الله إنما جعل نبيه أميّا لا يكتب ولا يحسب ولا ينسب، ولا يقرض الشعر، ولا يتكلّف الخطابة، ولا يتعمّد البلاغة، لينفرد الله بتعليمه الفقه وأحكام الشريعة، ويقصره على معرفة مصالح الدين دون ما تتباهى به العرب: من قيافة الأثر والبشر «١» ، ومن العلم بالأنواء وبالخيل، وبالأنساب وبالأخبار، وتكلف قول الأشعار، ليكون إذا جاء بالقرآن الحكيم، وتكلم بالكلام العجيب، كان ذلك أدل على أنه من الله. وزعم أن الله تعالى لم يمنعه معرفة آدابهم وأخبارهم وأشعارهم ليكون أنقص حظا من الحاسب الكاتب، ومن الخطيب الناسب، ولكن ليجعله نبيا، وليتولى من تعليمه ما هو أزكى وأنمى. فإنما نقصه ليزيده، ومنعه ليعطيه، وحجبه عن القليل ليجلّي له الكثير. وقد أخطأ هذا الشيخ ولم يرد إلا الخير، وقال بمبلغ علمه ومنتهى رأيه ونوزعم أن أداة الحساب والكتابة، وأداة قرض الشعر ورواية جميع النسيب، قد كانت فيه تامة وافرة، ومجتمعة كاملة، ولكنه ﷺ صرف تلك القوى وتلك الإستطاعة إلى ما هو أزكى بالنبوة، وإذا احتاج إلى الخطابة كان أخطب الخطباء، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف، ولو كان في ظاهره، ثم أعطاه الله برهانات الرسالة، وعلامات النبوة- ما كان ذلك بمانع من وجوب تصديقه، ولزوم طاعته، والإنقياد لأمره على سخطهم ورضاهم، ومكروههم ومحبوبهم. ولكنه أراد ألا يكون للشاغب متعلق عما دعا إليه حتى لا يكون دون المعرفة بحقه حجاب وإن رقّ، وليكون ذلك أخفّ في المؤونة، وأسهل في المحنة. فلذلك صرف نفسه عن الأمور التي كانوا يتكلفونها ويتنافسون فيها، فلما طال هجرانه لقرض الشعر وروايته، صار لسانه لا ينطلق به، والعادة توأم الطبيعة. فأما في غير ذلك فإنه إذا شاء كان أنطق من كل منطيق،

стр. 818

وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف. وكانت آلته أوفر وأداته أكمل، إلا أنها كانت مصروفة إلى ما هو أرد. وبين أن نضيف إليه العجز، وبين أن نضيف إليه العادة الحسنة وامتناع الشيء عليه من طول الهجران له، فرق. ومن العجب أن صاحب هذه المقالة لم يره ﵇ في حال معجزة قط، بل لم يره إلا وهو إن أطال الكلام قصّر عنه كل مطيل، وإن قصر القول أتى على غاية كل خطيب، وما عدم منه إلا الخط وإقامة الشعر. فكيف ذهب ذلك المذهب والظاهر من أمره ﵇ خلاف ما توهم!؟ [قدر الشعر] وسنذكر بعض ما جاء في فضل الشعر والخوف منه، ومن اللسان البليغ، والمداراة له، وما أشبه ذلك. قال أبو عبيدة: إجتمع ثلاثة من بني سعد يراجزون بني جعدة، فقيل لشيخ من بني سعد: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أفثج «١» . وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أنكف. فقيل للآخر الثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أنكش «٢» . فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا وخلوهم. قال: وبنو ضرار، أحد بني ثعلبة بن سعد، لما مات أبوهم وترك الثلاثة الشعراء صبيانا، وهم: شمّاخ، ومزرّد، وجزء، أرادت أمهم- وهي أم أوس- أن تزوج رجلا يسمى أوسا، وكان أوس هذا شاعرا، فلما رآه بنو ضرار بفناء أمهم للخطبة، تناول شمّاخ حبل الدلو ثم متح، وهو يقول: أمّ أويس نكحت أويسا

стр. 819

وجاء مزرد فتناول الحبل فقال: أعجبها حدارة وكيسا «١» وجاء جزء فتناول الحبل فقال: أصدق منها لجبة «٢» وتيسا فلما سمع أوس رجز الصبيان بها هرب وتركها. قال أبو عبيدة: كان الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممّن الرجل؟ قال: نميريّ كما ترى، فما هو إلا أن قال جرير: فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا حتى صار الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني عامر قال: فعند ذلك قال الشاعر يهجو قوما آخرين: وسوف يزيدكم ضعة هجائي ... كما وضع الهجاء بني نمير فلما هجاهم أبو الرّدينيّ العكلي فتوعدوه بالقتل قال أبو الرديني: توعّدني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها فشدّ عليه رجل منهم فقتله. وما علمت في العرب قبيلة لقيت من جميع ما هجيت به ما لقيت نمير من بيت جرير. ويزعمون إن أمرأة مرّت بمجلس من مجالس بني نمير، فتأملها ناس منهم فقالت: يا بني نمير، لا قول الله سمعتم ولا قول الشاعر أطعتم! قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ، وقال الشاعر: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا

стр. 820

وأخلق بهذا الحديث أن يكون مولّدا، ولقد أحسن من ولّده. وفي نمير شرف كثير. وهل أهلك عنزة، وجرما، وعكلا، وسلول، وباهلة، وغنيا، إلا الهجاء؟! وهذه قبائل فيها فضل كثير وبعض النقص، فمحق ذلك الفضل كله هجاء الشعراء. وهل فضح الحبطات، مع شرف حسكة بن عتّاب، وعبّاد بن الحصين وولده، إلا قول الشاعر: رأيت الحمر من شرّ المطايا ... كما الحبطات شرّ بني تميم وهل أهلك ظليم البراجم إلا قول الشاعر: إن أبانا فقحة لدارم ... كما الظليم فقحة البراجم وهل أهلك بني العجلان إلا قول الشاعر: إذا الله عادى أهل لؤم ودقّة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل وأما قول الأخطل: وقد سرني من قيس عيلان أنني ... رأيت بني العجلان سادوا بني بدر فإن هذا البيت لم ينفع بني العجلان، ولم يضرّ بني بدر. قال أبو عبيدة: كان الرجل من بني أنف الناقة إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني قريع، فما هو إلا أن قال الحطيئة: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا وصار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة.

стр. 821

وناس سلموا من الهجاء بالخمول والقلة، كما سلمت غسان وغيلان من قبائل عمرو بن تميم، وابتليت الحبطات لأنها أنبه منها شيئا. والنباهة التي لا يضرّ معها الهجاء مثل نباهة بني بدر وبني فزارة، ومثل نباهة بني عدس بن زيد وبني عبد الله بن دارم، ومثل نباهة الديان بن عبد المدان وبني الحارث بن كعب: فليس يسلم من مضرة الهجاء إلا خامل جدا أو نبيه جدا. وقد هجيت فزارة بأكل أير الحمار، وبكثرة شعر القفا، لقول الحارث بن ظالم: فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشّعر الرّقابا ثم افتخر مفتخرهم بذلك ومدحهم به الشاعر، قال مزرد بن ضرار: منيع بين ثعلبة بن سعد ... وبين فزارة الشّعر الرقاب فما من كان بينهما بنكس ... لعمرك في الخطوب ولا بكاب «١» وأما قصة أير الحمار فإنما اللوم على المطعم لرفيقه ما لا يعرفه. فهل كان على حذف الفزاري في حق الأنفة أكثر من قتل من أطعمه الجوفان من حيث لا يدري «٢» ؟ فقد هجوا بذلك وشرفهم وافر. وقد هجيت الحارث بن كعب، وكتب الهيثم بن عدي فيهم كتابا فما ضعضع ذلك منهم، حتى كان قد كتبه لهم. ولولا الربيع بن خثيم، وسفيان الثوري ما علم الناس أن في الرباب حيا يقال لهم بنو ثور. وفي عكل شعر وفصاحة، وخيل معروفة الأنساب، وفرسان في الجاهلية

стр. 822

والإسلام. وزعم يونس أن عكلا أحسن العرب وجوها في غب حرب. وقال بعض فتاك بني تميم: خليلي الفتى العكلي لم أر مثله ... تحلّب كفاه ندى شائع القدر كأن سهيلا، حين أوقد ناره ... بعلياء، لا يخفى على أحد يسري ولم أكتب هذا الشعر ليكون شاهدا على مقدار حظهم في الشرف، ولكن لنضمه إلى قول جران العود: أراقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا من آخر الليل يطرف وربما أتيت القبيلة إذا برّزت عليها أخوتها، كنحو فقيم بن جرير بن دارم، وزيد بن عبد الله بن دارم، وكنحو الجرماز ومازن. ولذلك يقال: إن أصلح الأمور لمن تكلف علم الطب ألا يحسن منه شيئا، أو يكون من حذاق المتطببين، فإنه إن أحسن منه شيئا ولم يبلغ فيه المبالغ هلك وأهلك أهله. وكذلك العلم بصناعة الكلام. وليس كذلك سائر الصناعات، فليس يضر من أحسن باب الفاعل والمفعول به، وباب الإضافة، وباب المعرفة والنكرة، أن يكون جاهلا بسائر أبواب النحو. وكذلك من نظر في علم الفرائض، فليس يضر من أحكم باب الصّلب أن يجهل باب الجد، وكذلك الحساب. وهذا كثير. وذكروا أن حزن بن الحارث، أحد بني العنبر ولد محجنا، فولد محجن شعيث بن سهم، فأغير على إبله، فأتى أوس بن حجر يستنجده، فقال له أوس: أو خير من ذلك، أحضض لك قيس بن عاصم! وكان يقال إن حزن بن الحارث هو حزن بن منقر، فقال أوس: سائل بها مولاك قيس بن عاصم ... فمولاك مولى السّوء إن لم يغّير لعمرك ما أدري أمن حزن محجن ... شعيث بن سهم أم لحزن بن منقر فما أنت بالمولى المضيّع حقه ... وما أنت بالجار الضعيف المستر فسعى قيس في إبله حتى ردها على آخرها.

стр. 823

وقال الآخر: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم ومما يدلّ على قدر الشعر عندهم بكاء سيد بني مازن، مخارق بن شهاب حين أتاه محرز بن المكعبر العنبري الشاعر فقال: إن بني يربوع قد أغاروا على إبلي فاسع لي فيها؟ فقال: وكيف وأنت جار وردان بن مخرمة؟ فلما ولىّ عنه محرز محزونا بكى مخارق حتى بل لحيته، فقالت له ابنته: ما يبكيك؟ فقال: وكيف لا أبكي وقد استغاثني شاعر من شعراء العرب فلم أغثه؟ والله لئن هجاني ليفضحني قوله، ولئن كف عني ليقتلني شكره! ثم نهض فصاح في بني مازن فردت عليه إبله. وذكر وردان الذي كان أخفره «١» فقال: أقول وقد بزّت بتعشار بزة ... لوردان جدّ الآن فيها أو العب «٢» فعضّ الذي أبقى المواسي من أمه ... خفير رآها لم يشمّر ويغضب «٣» إذا نزلت وسط الرباب وحولها ... إذا حصّنت ألفا سنان محرّب «٤» حميت خزاعيا وافناء مازن ... ووردان يحمي عن عدي بن جندب «٥» ستعرفها ولدان ضبّة كلها ... بأعيانها مردودة لم تغيّب قال: وفد رجل من بني مازن على النعمان بن المنذر، فقال له النعمان: مخارق بن شهاب فيكم؟ قال: سيد كريم، وحسبك من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه! ذهب إلى قوله: ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وجار ابن قيس جائع يتحوّب «٦»

стр. 824

قال: ومن قدر الشعر وموقعه في النفع والضّر، إن ليلى بنت النضر بن الحارث بن كلدة لما عرضت للنبي ﷺ وهو يطوف بالبيت واستوقفته وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه، وانشدته شعرها بعد مقتل أبيها، وقال رسول الله ﷺ : «لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته!» . والشعر: يا راكبا إنّ الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفّق أبلغ بها ميتا بأن قصيدة ... ما- إن تزال بها الركائب تخفق «١» فليسمعنّ النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت لا ينطق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق «٢» قسرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق «٣» أمحمدها أنت ضنء نجيبة ... في قومها والفحل فحل معرق «٤» ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيط المحنق «٥» فالنضر أقرب من تركت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق قال: ويبلغ من خوفهم من الهجاء ومن شدة السب عليهم، وتخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب، ويسبّ به الأحياء والأموات، إنهم إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق، وربما شدوا لسانه بنسعة، كما صنعوا بعبد يغوث ابن وقاص الحارثي حين أسرته بنو تيم يوم الكلاب. وهو الذي يقول: أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا «٦» وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا «٧» كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة عن رجاليا

стр. 825

فيا راكبا أما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضر موت اليمانيا وكان سألهم أن يطلقوا لسانه لينوح على نفسه، ففعلوا، فكان ينوح بهذه الأبيات، فلما أنشد قومه هذا الشعر قال قيس: لبيك وإن كنت أخرتني. *** وقيل لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: كيف تقول الشعر مع الفقه والنسك؟ فقال: «لا بد للمصدور من أن ينفث» . وقال معاوية لصحار العبدي: ما هذا الكلام الذي يظهر منكم؟ قال: شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. وقال ابن حرب: من أحسن شيئا أظهره. وفي المثل: من أحب شيئا أكثر من ذكره. وقال: خاصم أبو الحويرث السحيمي حمزة بن بيض إلى المهاجر بن عبد الله في طويّ له «١» فقال أبو الحويرث: غمّضت في حاجة كانت تؤرقني ... لولا الذي قلت فيها قل تغميضي قال: وما قلت لك فيها؟ قال: حلفت بالله لي أن سوف تنصفني ... فساغ في الحلق ريق بعد تجريض «٢» قال: وأنا أحلف بالله لأنصفنك. قال: فاسأل ألى عن ألى أن ما خصومتهم ... أم كيف أنت وأصحاب المعاريض

стр. 826

قال: أوجعهم ضربا. قال: فاسأل لجيما إذا وافاك جمعهم ... هل كان بالبئر حوض قبل تحويضي قال: فتقدمت الشهود فشهدت لأبي الحويرث. قال: فالتفت إلي ابن بيض فقال: أنت ابن بيض لعمري لست أنكره ... حقا يقينا ولكن من أبو بيض إن كنت أنبضت لي قوسا لترميني ... فقد رميتك رميا غير تنبيض «١» أو كنت خضخضت لي وطبا لتسقيني ... فقد سقيتك وطبا غير ممخوض «٢» إن المهاجر عدل في حكومته ... والعدل يعدل عندي كل عرّيض «٣» *** قال: وتزوج شيخ من الأعراب جارية من رهطه، وطمع أن تلد له غلاما فولدت له جارية، فهجرها وهجر منزلها، وصار يأوي إلى غير بيتها، فمر بخبائها بعد حول وإذا هي ترقّص بنيتها منه وهي تقول: ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظلّ في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نلد البنينا ... تالله ما ذلك في أيدينا وإنما نأخذ ما أعطينا فلما سمع الأبيات مرّ الشيخ نحوهما حضرا حتى ولج عليهما الخباء وقبّل بنيتها وقال: ظلمتكما وربّ الكعبة! ***

стр. 827

[مقطعات وأشعار بديعة] وقال مسلم بن الوليد: فإني واسماعيل عند فراقنا ... لكالجفن يوم الروع فارقه النصل أمنتجعا مروا بأثقال همه ... دع الثقل واحمل حاجة مالها ثقل ثناء كعرف الطيب يهدى لأهله ... وليس له إلا بني خالد أهل فإن أغش قوما بعدهم أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل وقال ابن أبي عيينة: هل كنت إلا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار وقال الآخر: لئن حبس العباس عنا رغيفه ... لما فاتنا من نعمة الله أكثر وقال أبو كعب: كان رجل يجري على رجل رغيفا في كل يوم، فكان يقول إذا أتاه الرغيف: لعنك الله ولعن من بعثك، ولعنني إن تركتك حتى أصيب خيرا منك. وقال بشار: إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن ... برأي نصيح أو نصاحة حازم «١» ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... مكان الخوافي نافع للقوادم وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإن الحزم ليس بنائم وأدن على القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم «٢» فإنك لا تستطرد الهم بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم

стр. 828

وقال آخر: تعرفني هنيدة من بنوها ... واعرفها إذا اشتدّ الغبار متى ما تلق منا ذا ثناء ... يؤزّ كأن رجليه شجار «١» فلا تعجل عليه فإن فيه ... منافع حين يبتلّ العذار «٢» أنا ابن المضرحيّ أبي شليل ... وهل يخفى على الناس النهار ورثنا صنعه ولكل فحل ... على أولاده منه نجار «٣» وقال أعشى همدان في خالد بن عتّاب بن ورقاء: تمنيني إمارتها تميم ... وما أمري وأمر بني تميم وكان أبو سليمان خليلي ... ولكنّ الشراك من الأديم «٤» أتينا أصبهان فهزّلتنا ... وكنا قبل ذلك في نعيم أتذكرنا ومرة إذ غزونا ... وأنت على بغيلك ذي الوسوم ويركب رأسه في كل وحل ... ويعثر في الطريق المستقيم وليس عليك إلا طيلسان ... نضيبيّ وإلا سحق نيم «٥» وقال آخر: فلست مسلما ما دمت حيا ... على زيد بتسليم الأمير أمير يأكل الفالوذ سرا ... ويطعم ضيفه خبز الشعير أتذكر إذ قباؤك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمّك الجلوس على السرير

стр. 829

وقال آخر: دع عنك مروان لا تطلب إمارته ... ففيك راع لها ما عشت سرسور «١» ما بال بردك لم يمسس حواشيه ... من ثرمداء ولا صنعاء تحبير «٢» وقال ابن قنان المحاربيّ: أقول لما جئت مجلسهم ... قبح الإله عمائم الخزّ لولا قتيبة ما اعتجرت بها ... أبدا ولا أقعيت في غرز «٣» عجبا لهذا الخزّ يلبسه ... من كان مشتاقا إلى الخبز من كان يشتو في عباءته ... متقبضا كتقبّض العنز وقال ثابت قطنة، في رجل كان المهلّب ولاه بعض خراسان: ما زال رأيك يا مهلّب فاضلا ... حتى بنيت سرادقا لوكيع وجعلته ربا على أربابه ... ورفعت عبدا كان غير رفيع لورا أبوه سرادقا أحدثته ... لبكى وفاضت عينه بدموع وقال ابن شيخان، مولى المغيرة، في بني مطيع العدوّيين: حرام كنّتي مني بسوء ... واذكر صاحبي أبدا بذام لقد أحرمت ودّ بني مطيع ... حرام الدهن للرجل الحرام وخزّهم الذي لم يشتروه ... ومجلسهم بمعتلج الظلام «٤» وإن جنف الزمان مددت حبلا ... متينا من حبال بني هشام «٥» وريق عودهم أبدا رطيب ... إذا ما اغبرّ عيدان اللئام

стр. 830

وقال آخر: لمن جزر ينحّرها سويد ... ألا يا مر للمجد المضاع كأنك قد سعيت بذمتيهم ... وكنت ثمال أيتام جياع «١» وقال: سبحان من سبّح السبع الطباق له ... حتى لهرثمة الذهليّ بوّاب وأنشدنا للأحيمر: بأقبّ منصلت اللّبان كأنه ... سيد تنصّل من جحور سعالى «٢» وقال خلف: لم أر أجمع من بيت امرىء القيس: أفاد وجاد وساد وزاد ... وقاد وذاد وعاد وأفضل ولا أجمع من قوله: له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وأرخاء سرحان وتقريب تتفل «٣» وقال الآخر: رمى الفقر بالفتيان حتى كأنهم ... بأقطار آفاق البلاد نجوم وإن امرأ لم يقفر العام بيته ... ولم يتخدّد لحمه للئيم «٤»

стр. 831

وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ: وليلة من ليالي الدهر صالحة ... باشرت في هولها مرأى ومستمعا ونكبة لو رمى الرامي بها حجرا ... أصمّ من جندل الصمان لأنصدعا «١» مرّت علي فلم أطرح لها سلبي ... ولا استكنت لها وهنا ولا جزعا وما أزال على أرجاء مهلكة ... يسائل المعشر الأعداء ما صنعا ولا رميت على خصم بفاقرة ... إلا رميت بخصم فرّ لي جذعا «٢» ما سدّ مطلع يخشى الهلاك به ... إلا وجدت بظهر الغيب مطّلعا لا يملأ الهول قلبي قبل موقعه ... ولا أضيق به صدرا إذا وقعا وقال آخر: لقد طال إعراضي وصفحي عن التي ... أبلّغ عنكم والقلوب قلوب وطال انتظاري عطفة الرحم منكم ... ليرجع ودّ أو ينيب منيب فلا تأمنوا مني عليكم شبيهها ... فيرضي بغيض أو يساء حبيب وتظهر منا في المقام ومنكم ... إذا ما ارتمينا في النضال عيوب وإن لسان الباحث الداء ساخطا ... بني عمنا، ألوى البيان كذوب وقال الأشهب بن رميلة: إن الألى حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أمّ خالد هم ساعد الدهر الذي يتّقى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد أسود شرىّ لاقت أسود خفيّة ... تساقوا على صرد دماء الأساود قوله: «ساعد الدهر» ، إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع. وقد قال الراعي: هم كاهل الدهر الذي يتّقى به ... ومنكبه إن كان للدهر منكب

стр. 832

وقد جاء في الحديث: «موسى الله أحدّ، وساعد الله أشدّ» . والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كل لسان. والراعي كثير البديع في شعره، وبشّار حسن البديع، والعتّابي يذهب في شعره في البديع مذهب بشار. وقال كعب بن عديّ: شدّ العصاب على البريء بمن جنى ... حتى يكون لغيره تنكيلا والجهل في بعض الأمور إذا اغتدى ... مستخرج للجاهلين عقولا وقال زفر بن الحارث: إن عدت والله الذي فوق عرشه ... منحتك مسنون الغرارين أزرقا «١» فإن دواء الجهل أن تضرب الطلي ... وأن يغمس العرّيض حتى يغرقا «٢» وقال مبذول العذريّ: ومولى كضرس السوء يؤذيك مسه ... ولا بدّ أن آذاك إنك فاقره «٣» دوي الجوف أن ينزع يسؤك مكانه ... وإن يبق تصبح كل يوم تحاذره «٤» يسرّ لك البغضاء وهو مجامل ... وما كل من يجني عليك تساوره «٥» وما كل من مددت ثوبك دونه ... لتستره مما أتى أنت ساتره وقال آخر: أطال الله كيس بني رزين ... وحمقي إن شريت لهم بدين أأكتب أبلهم شاء وفيها ... بريع فصالها بنتا لبون فما خلقوا بكيسهم دهاة ... ولا ملجاء بعد فيعجبوني

стр. 833

وقال آخر: عفاريتا علي وأكل مالي ... وعجزا عن أناس آخرينا فهلا غير عمكم ظلمتم ... إذا ما كنتم متظلمينا فلو كنتم لكيّسة أكاست ... وكيس ألام أكيس للبنينا وقالت رقيّة بنت عبد المطلب في النبي ﷺ : أبنيّ إني رابني حجر ... يغدو بكفك حيثما تغدو وأخاف أن تلقى غويهم ... أو أن يصيبك بعد من يعدو ولما دخل مكة لقيه جواريها يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع ويضاف إلى باب الخطب وإلى القول في تلخيص المعاني والخروج من الأمر المشبه بغيره، قول حسان بن ثابت الأنصاري: إن خالي خطيب جابية الجو ... لان عند النعمان حين يقوم وهو الصقر عند باب ابن سلمى ... يوم نعمان في الكبول مقيم وسطت نسبتي الذوائب منهم ... كل دار فيها أب لي عظيم وأبي في سميحة القائل الفا ... صل يوم التفت عليه الخصوم يصل القول بالبيان وذو الرأ ... ي من القوم ظالع مكعوم تلك أفعاله وفعل الزبعرى ... خامل في صديقه مذموم رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم ولي البأس منكم إذ أبيتم ... أسرة من بني خصيّ صميم وقريش تجول منا لواذا ... أن يقيموا وخف منها الحلوم لم يطق حمله العواتق منهم ... إنما يحمل اللواء النجوم

стр. 834

ولما دفن سليمان بن عبد الملك أيوب ابنه وقف ينظر القبر ثم قال: كنت لنا أنسا ففارقتنا ... فالعيش من بعدك مرّ المذاق وقربت دابته فركب ووقف على قبره، وقال: وقوف على قبر مقيم بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق ثم قال: عليك السلام! ثم عطف رأس دابته، وقال: فإن صبرت فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا «١» المدائني قال: لما مات محمد بن الحجاج جزع عليه فقال: إذا غسلتموه فأعلموني. فلما نظر إليه قال: الآن لما كنت أكرم من مشى ... وافترّ نابك عن شباة القارح وتكاملت فيك المروءة كلها ... واعنت ذلك بالفعال الصالح ثم أتاه موت أخيه محمد بن يوسف فقال: حسبي ثواب الله من كل ميّت ... وحسبي بقاء الله من كل هالك إذا ما لقيت الله عني راضيا ... فإن شفاء النفس فيما هنالك وتمثل معاوية في عبد الله بن بديل: أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا وبدنو إذا ما الموت لم يك دونه ... فدى الشبر يحمي الأنف أن يتأخرا

стр. 835

ورأى معاوية هزاله وهو متعرّ فقال: أرى الليالي أسرعت في نقضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي حنين طولي وتركن عرضي ... أقعدنني من بعد طول النهض وتمثل عبد الملك حين وثب بعمرو بن سعيد الأشدق: سكّنته ليقل مني نفره ... فأصول صولة حازم مستمكن غضبا ومحمية لنفسي أنه ... ليس المسيء سبيله كالمحسن «١» وسمع معاوية رجلا يقول: ومن كريم ماجد سميدع «٢» ... يؤتى فيعطي من ندى ويمنع فقال: هذا منا، وهذا والله عبد الله بن الزبير. المدائني قال: قال معاوية: «إذا لم يكن الهاشمي جوادا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزومي تيّاها لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الأموي حليما لم يشبه قومه» . فبلغ قوله الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما فقال: ما أحسن ما نظر لنفسه! أراد أن تجود بنو هاشم بأموالها فتفتقر إلى ما في يديه، وتزهى بنو مخزوم على الناس فتبغض وتشنأ، وتحلم بنو أمية ويخيب وقال بشار: أحسن صحابتنا فإنك مدرك ... بعض اللبانة باصطناع الصاحب وإذا جفوت قطعت عنك لبانتي ... والدرّ يقطعه جفاء الحالب تأتي اللئيم وما سعى حاجاته ... عدد الحصى ونجيب سعي الدائب وأنشد: إذا ما أمور الناس رثت وضيعت ... وجدت أموري كلها قد رممتها

стр. 836

وقال أعرابي: ندين ويقضي الله عنا وقد نرى ... مكان رجال لا يدينون ضيّعا وقال أعرابي: وليس قضاء الدّين بالدين راحة ... ولكنه ثقل ممض إلى ثقل وأنشد أبو عبيدة لعبيد العنبري، وهو أحد اللصوص: يا ربّ عفوك عن ذي توبة وجل ... كأنه من حذار الناس مجنون قد كان قدّم أعمالا مقاربة ... أيام ليس له عقل ولا دين وقال أعرابي: يا ربّ قد حلف الأقوام واجتهدوا ... إيمانهم أنني من ساكني النار أيحلفون على عمياء ويلهم ... جهلا بعفو عظيم العفو غفّار وقال أعرابي وهو محبوس: أقيدا وسجنا واغترابا وفرقة ... وذكرى حبيب إن ذا لعظيم وإن أمرأ دامت مواثيق عهده ... على كلّ ما لاقيته لكريم وقال أعرابي: يا أمّ عمرو بيني أنت كلما ... ترفّع حاد أو دعا كلّ مسلم نظرت إليها نظرة ما يسرني، ... وإن كنت محتاجا، بها ألف درهم وقال الشاعر: وما كثرة الشكوى بأمر حزامة ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر ومثله: وابثثت بكرا كل ما في جوانحي ... وجرعته من مرّ ما أتجرّع ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفسي تطلّع

стр. 837

وقال الشاعر: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا أنه لدميم وقال بزر جمهر: ما رأينا اشبه بالمظلوم من الحاسد. وقال الأحنف بن قيس: لا راحة لحسود. وقال الشعبي: الحاسد منغّص بما في يد غيره. وقال الله ﵎: «ومن شر حاسد إذا حسد» . وقال بعضهم يمدح أقواما: محسّدون وشرّ الناس منزلة ... من عاش في الناس يوما غير محسود وقال الشاعر: الرزق يأتي قدرا على مهل ... والمرء مطبوع على حبّ العجل وقالوا: «من تمام المعروف تعجيله» . ووصف بعض الأعراب أميرا فقال: إذا أوعد أخّر، وإذا وعد عجّل، وعيده عفو، ووعده إنجاز. وقال ﵎: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا. ودخل عمرو بن عبيد على المنصور وهو يومئذ خليفة- وروى هذا الحديث العتبي عن عتبة بن هارون قال: شهدته وقد خرج من عنده، فسألته عما جرى بينهما فقال: رأيت عنده فتى لم أعرفه فقال لي: يا أبا عثمان، أتعرفه؟ فقلت: لا. فقال: هذا ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين. فقلت له: قد رضيت له أمرا يصير إليه إذا

стр. 838

صار وقد شغلت عنه! فبكى ثم قال: عظني يا أبا عثمان؟ فقلت: إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، فلو أن هذا الأمر الذي صار إليك بقي في يدي من كان قبلك لم يصل إليك. وتذكّر يوما يتمخض بأهله لا ليلة بعده. المدائني قال: سمعت أعرابيا يسأل وهو يقول: «رحم الله امرأ لم تمجّ أذنه كلامي، وقدم لنفسه معاذة من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة والحال سيئة، والعقل زاجر ينهى عن كلامكم، والفقر عاذر يحملني على أخباركم، والدعاء أحد الصدقتين، فرحم الله امرأ أمر بمير، أو دعا بخير» . وقال رجل من طيىء: قتلنا بقتلانا من القوم مثلهم ... كراما ولم نأخذ بهم خشف النخل وقال آخر: قتلنا رجالا من تميم أخايرا ... بقوم كرام من رجال أخاير وسئل بعض العرب: ما العقل؟ قال: الإصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان. وقال جرير يعاتب المهاجر بن عبد الله: يا قيس عيلان إني قد نصبت لكم ... بالمنجنيق ولما أرسل الحجرا فوثب المهاجر فأخذ بحقوه وقال: لك العتبي يا أبا حزرة لا ترسله! وقال سويد بن صامت: ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري «١» مقالته كالشحم ما دام شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر «٢» تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الشر والبغضاء بالنظر الشزر

стр. 839

يسرّك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبتري عقب الظهر «١» فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري وقال حارثة بن بدر، لما تحالفت الأزد وربيعة: لا تحسبنّ فؤادي طائرا فزعا ... إذا تحالف ضبّ البرّ والنون وأنشد ابن الأعرابي لأعرابي: فإن أك قصدا في الرجال فإنني ... إذا حلّ أمر ساحتي لجسيم «٢» تعيّرني الإعدام والوجه معرض ... وسيفي بأموال التجار زعيم وأنشد ابن الأعرابي لعمرو بن شأس: متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وآخر يهدم وقال عبيد بن الأبرص: ساعد بأرض إذا كنت بها ... ولا تقل إنني غريب قد يوصل النازح النائي وقد ... يقطع ذو السهمة القريب «٣» وأنشد الأصمعي لكثيّر: رأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيب وما فقد الشبابا ولكن تحت ذاك الشيب حزم ... إذا ما ظن أمرض أو أصابا «٤» ويمدحون بإصابة الظن ويذمون بخطئه. قال أوس بن حجر: الألمعيّ الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا

стр. 840

وفي بعض الحكمة: «من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه» وقال السموأل بن عاديا: وإنا لقوم ما نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل وما مات منا ميت في فراشه ... ولا طلّ منا حيث كان قتيل وقال حسان بن ثابت: لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن السّبات ليس يدوم لو يدبّ الحولي من ولد الذ ... رّ عليها لأندبتها الكلوم وقال بشار بن برد: من فتاة صبّ الجمال عليها ... في حديث كلذة النشوان ثم فارقت ذاك غير ذميم ... كلّ عيش الدنيا وإن طال فان وقال مزاحم العقيلي: تزين سنا الماويّ كلّ عشية ... على غفلات الزين والمتجمل وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي وقال المسعودي: إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلهم فناهب أخلف وأتلف كلّ شي ... ء زعزعته الريح ذاهب

стр. 841

[خطب ووصايا متخيرة] قال: قام شداد بن أوس «١» وقد أمره معاوية بتنقص علي، فقال: الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقه، على ذلك مضى أولهم، وعليه يمضي آخرهم. أيها الناس، إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه وإن السامع العاصي لله لا حجة له، وإن الله إذا أراد بالعباد صلاحا عمل عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقهاؤهم، وملك المال سمحاؤهم، وإذا أراد بهم شرا عمل عليهم سفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وملك المال بخلاؤهم. وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤهم. ونصح لك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشّك من أرضاك بالباطل. قال: اجلس رحمك الله، قد أمرنا لك بمال! قال: إن كان من مالك الذي تعهّدت جمعه مخافة تبعته، فأصبته حلالا وأنفقته إفضالا، فنعم، وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجنته دونهم «٢» ، فأصبته اقترافا «٣» ، وأنفقته إسرافا، فإن الله يقول في كتابه: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ. وأذن معاوية للأحنف بن قيس، وقد وافى معه محمد بن الأشعث، ثم أذن له فقدمه عليه فوجد من ذلك محمد بن الأشعث، ثم أذن له فدخل فجلس بين معاوية والأحنف، فقال له معاوية: إنّا والله ما أذنّا له قبلك إلا ليجلس إلينا دونك، وما رأيت أحدا يرفع نفسه فوق قدرها إلا من ذلّة يجدها، وقد فعلت

стр. 842

فعل من أحسّ من نفسه ذلا وضعة، وإنا كما نملك أموركم نملك تأديبكم، فأريدوا منا ما نريده منكم، فإنه أبقى لكم، وإلا قصرناكم كرها، فكان أشدّ عليكم وأعنف بكم. وقال معاوية لرجل من أهل سبأ: ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: بل قومك أجهل! قالوا حين دعاهم رسول الله ﷺ إلى الحق وأراهم البينات: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . إلا قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له!! قال: ولما سقطت ثنيتا معاوية لفّ وجهه بعمامة، ثم خرج إلى الناس فقال: لئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون قبلي، وإني لأرجو أن أكون منهم. ولئن عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي، وما آمن أن أكون منهم. ولئن سقط عضوان مني لما بقي أكثر. ولو أتى على نفسي لما كان لي عليه خيار، ﵎. فرحم الله عبدا دعا بالعافية، فو الله لئن كان عتب علي بعض خاصتكم لقد كنت حدبا على عامتكم. ولما بلغت معاوية وفاة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، دخل عليه ابن عباس فقال له معاوية: آجرك الله أبا عباس في أبي محمد الحسن بن علي! ولم يظهر حزنا، فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون! وغلبه البكاء فردّه ثم قال: لا يسد والله مكانه جفرتك «١» ، ولا يزيد موته في أجلك، والله لقد أصبنا بمن هو أعظم منه فقدا فما ضيعنا الله بعده! فقال له معاوية: كم كانت سنه؟ قال: مولده أشهر من أن تتعرف سنه! قال: أحسبه ترك أولادا صغارا؟ قال: كلنا كان صغيرا فكبر، ولئن اختار الله لأبي محمد ما عنده، وقبضه إلى رحمته، لقد أبقى الله أبا عبد الله، وفي مثله الخلف الصالح.

стр. 843

الأصمعي عن أبان بن تغلب قال: مررت بامرأة بأعلى الأرض، وبين يديها ابن لها يريد سفرا وهي توصيه فقالت: إجلس امنحك وصيّتي وبالله توفيقك، وقليل إجدائها عليك أنفع من كثير عقلك: إياك والنمائم، فإنها تزرع الضغائن، ولا تجعل نفسك غرضا للرماة، فإن الهدف إذا رمي لم يلبث أن ينثلم، ومثّل لنفسك مثالا فما استحسنته من غيرك فاعمل به، وما كرهته منه فدعه واجتنبه، ومن كانت مودته بشّره كان كالريح في تصرفها. ثم نظرت فقالت: كأنك يا عراقي أعجبت بكلام أهل البدو؟ ثم قالت لابنها: إذا هززت فهزّ كريما، فإن الكريم يهتز لهزتك. وإياك واللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها، وإياك والغدر فإنه أقبح ما تعومل به، وعليك بالوفاء ففيه النماء. وكن بمالك جوادا، وبدينك شحيحا. ومن أعطي السخاء والحلم فقد استجاد الحلة: ريطتها وسربالها! انهض على اسم الله. وقال أعرابي لرجل مطله في حاجة: إن مثل الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها إذا عسر قضاؤها، وإن الطلب وإن قل أعظم قدرا من الحاجة وإن عظمت، والمطل من غير عسر آفة الجود. خطب الفضل الرقاشيّ إلى قوم من بني تميم، فخطب لنفسه، فلما فرغ قام أعرابي منهم فقال: توسلت بحرمة، وأدليت بحق، واستندت إلى خير، ودعوت إلى سنّة، ففرضك مقبول، وما سألت مبذول، وحاجتك مقضيّة إن شاء الله تعالى. قال الفضل: لو كان الأعرابي حمد الله في أوّل كلامه وصلى على النبي ﷺ لفضحني يومئذ.

стр. 844

المدائني قال: قال المنذر بن المنذر، لما حارب غسّان الشام، لأبنه النعمان يوصيه: إياك واطّراح الإخوان، وإطّراف المعرفة «١» وإياك وملاحاة الملوك، وممازحة السفيه. وعليك بطول الخلوة، والإكثار من السمر. والبس من القشر «٢» ما يزينك في نفسك ومروءتك. واعلم أن جماع الخير كله الحياء فعليك به، فتواضع في نفسك وانخدع في مالك. واعلم أن السكوت عن الأمر الذي يغنيك خير من الكلام، فإذا اضطررت إليه فتحرّ الصدق والإيجاز، تسلم إن شاء الله تعالى. كلام من عزى بعض الملوك قال: إن الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بد مما هو كائن. وقد جاء ما لا يردّ، ولا سبيل إلى ردّ ما قد فات، وقد أقام معك ما سيذهب أو ستتركه، فما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سينتقل عنك أو تنقل عنه؟ وقد مضت أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد ذهاب الأصل، فافضل الأشياء عند المصائب الصبر، وإنما أهل الدنيا سفر لا يحلون الركاب إلا في غيرها. فما أحسن الشكر عند النعم، والتسليم عند الغير. فاعتبر بمن رأيت من أهل الجزع، فإن رأيت الجزع رد أحدا منهم إلى ثقة من درك فما أولاك به. واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، فأفق فإن المرجع قريب. واعلم انه إنما ابتلاك المنعم، وأخذ منك المعطي، وما ترك أكثر. فإن نسيت الصبر فلا تنس الشكر، وكلّا فلا تدع. واحذر من الغفلة استلاب النعم، وطول الندامة، فما أصغر المصيبة اليوم مع عظم الغنيمة غدا. فاستقبل المصيبة بالحسبة «٣» تستخلف بها نعمى. فإنما نحن في الدنيا غرض ينتصل «٤» فينا بالمنايا، ونهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، ومع كل أكلة غصص، لا تنال نعمة إلا بفراق

стр. 845

أخرى، ولا يستقبل معمّر يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله، ولا تحدث له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبله من رزقه، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر. ونحن أعوان الحتوف على أنفسه، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء؟ وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شيء شرفا إلا أسرعا الكرّة في هدم ما رفعا، وتفريق ما جمعا. فاطلب الخير من أهله، واعلم أن خيرا من الخير معطيه، وشرا من الشر فاعله. [أقوال وأشعار في الطلب والدعاء] وقال أبو نواس: أتتّبع الظرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدّث من أحبّ فيضحكا وقال آخر: قدرت فلم أترك صلاح عشيرتي ... وما العفو إلا بعد قدرة قادر وقال آخر: أخو الجدّ إن جدّ الرجال وشمّروا ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله قبيصة بن عمر المهلبيّ، أن رجلا أتى ابن أبي عيينة، فسأله أن يكتب إلى داود بن يزيد كتابا، ففعل وكتب في أسفله: إن امرأ قذفت إليك به ... في البحر بعص مراكب البحر تجري الرياح به فتحمله ... وتكفّ أحيانا فلا تجري ويرى المنيّة كلما عصفت ... ريح به للهول والذعر للمستحقّ بأن تزوده ... كتب الأمان له من الفقر قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما وجد أحد في نفسه كبرا إلا من مهانة يجدها في نفسه. ودخل رجل من بني مخزوم، وكان زبيريا، على عبد الملك بن مروان،
следующие страницы →