← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1062

التيسير على النساء في الحج في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (89 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد: فإن من نعم الله على عباده أن بعث لهم نبيه بالحنيفية السمحة، وجعل التيسير من خصائص هذه الرسالة الخاتمة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] لقد رسمت هذه الآية ملامح هذه الرسالة الخالدة من خلال وصف رسولها ﷺ ، ونصت على أنه بعث لوضع الإصر والغل. إنه تصوير لحالة الضيق والمشقة التي أماطتها هذه الشريعة بالسماحة واليسر.

стр. 2

والإصر: يقول عنه النضير بن شميل: العهد الثقيل. وكل ثقيل إصر؛ لأنه يأصر صاحبه، أي: يحبسه عن الحركة» (١) (. والأغلال جمع غُل -بالضم- وهي جامعة الحديد تكون في العنق واليدين. قال مرتضى في «التاج» عن الأغلال: «وقد تكرر ذكرها في القرآن والسنة، ويراد بها التكاليف الشاقة، والأعمال المتبعة (٢) وليس التيسير ورفع الحرج قاعدة فقهية فحسب عبر عنها الفقهاء بقولهم «المشقة تجلب التيسير» وقول الإمام الشافعي: الأمر إذا ضاق اتسع (٣)، بل التيسير، ورفع الحرج مقصد من مقاصد أعلى الشريعة، والكتاب والسنة يدلان على ذلك بصريح النص في مواضع عدة، يقول تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 3

وجاء في المسند (١) من حديث أبي أمامة مرفوعاً: «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة». وأخرج البخاري (٢) من حديث عائشة ﵂ قالت: «ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه» وإنما قالت: «ما لم يكن إثماً» لأن ترك الإثم لا مشقة فيه. وما مشروعية الرخص المقطوع بها من قصر الصلاة للمسافر مع الجمع، وتناول المحرمات في حال الاضطرار إلا دليل قطعي على مطلق رفع الحرج والمشقة. وإذا كانت النصوص الشرعية المتقدمة جاءت لتقرير قاعدة التيسير ورفع الحرج في أمور الدين عامة، فإن قصد التيسير يظهر في الحج بخصوصه، فها هو رسول الله ﷺ يعلنها في حجة الوداع، فيما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن

стр. 4

العاص أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: «اذبح، ولا حرج». وجاء آخر، فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: «ارم، ولا حرج». فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». ولأن الحج عبادة قرنت بالاستطاعة نصاً، والحج في كثير من أحكامه مبني على التخيير، والتخيير أساس التيسير، وهذا حكم عام لجميع الحجيج، فكيف الأمر بالنساء اللائي عدّ رسول الله ﷺ الحج في حقهن جهاداً، فقال فيما أخرجه الإمام أحمد» (١)، وابن ماجة» (٢) من حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» واللفظ لأحمد، وصححه الألباني في الإرواء» (٣). وفي البخاري في باب حج النساء (٤) من حديث عائشة قالت:

стр. 5

قلت: يا رسول الله ألا نغزو، ونجاهد معكم؟ فقال: «لكن أحسن الجهاد، وأجمله، الحج: حج مبرور» فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله. بل إن الحج جهاد كل ضعيف، كما أخرجه ابن ماجة (١) من حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : «الحج جهاد كل ضعيف» وحسنه الألباني، وعند النسائي (٢) بسند لا بأس به من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة الحج والعمرة». ولا شك أن اختيار لفظ «الجهاد» من رسول الله ﷺ له دلالته، ومعانيه، «فالجهاد» حالة يتصور فيها بذل الجهد، ولحوق المشقة، وهي كلمة تعد مقدمة لنتائج من صور التيسير والتخفيف لمن كانت هذه حالة كما ستقف عليه إن شاء الله. وفي البحث سيتضح لك منحى التعامل مع المشقات في الحج، لاسيما مع وجود الخلاف القائم وعدم وجود النص القاطع.

стр. 6

يقول ابن القيم في تغير الأزمنة، والأمكنة، والأحوال: «هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله» (١). وتغير الزمان المشار إليه هو تغير أحوال الناس، فالحجيج الذين كانوا يعدون بالآلاف أصبحوا يعدون بالملايين، والأنفس القليلة التي كانت تموت في موسم الحج أصبحت تعد بالمئات. ومحل الشاهد منه أن الإبقاء على أحكام الجزئيات التي تخالف مقاصد الشريعة، وتؤدي إلى مشقة وإعنات مخالف لروح الشريعة وغلط.

стр. 7

وأي مشقة أعظم من ذهاب الأنفس في الزحام، والإثخان بالجروح والآلام، وإلحاق الضرر بعباد الله، ألا يستحق الأمر اجتهاداً، لاسيما في حق العجزة والضعفاء؟ (١) وقد سعدت بتناول موضوع «التيسير على النساء في الحج في ضوء السنة النبوية»: وقسمت البحث إلى مقدمة، ومبحثين، وخاتمة. المقدمة: وضمنتها: أهمية البحث، و خطة البحث. المبحث الأول: مظاهر التيسير في ما قبل الحج وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الاستطاعة التي توجب الحج على الآفاقي. المطلب الثاني: أذن الزوج لزوجته في فريضة الحج. المطلب الثالث: فرض الحج. المطلب الرابع: إحرام الحائض بالحج. المطلب الخامس: الاشتراط للحاج. المبحث الثاني: مظاهر التيسير في أثناء الحج. وفيه مطلبان:

стр. 8

المطلب الأول: التيسير في أركان الحج: وفيه مسألتان: المسألة الأولى: التيسير في الوقوف بعرفة. المسألة الثانية: التيسير في طواف الإفاضة. المطلب الثاني: التيسير في واجبات الحج: وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعجل الدفع من مزدلفة. المسألة الثانية: التيسير في الرمي. المسألة الثالثة: سقوط طواف الوداع عن الحائض والنفساء. الخاتمة. وقد حرصت على بيان أقوال الفقهاء المتعلقة بالمسألة، مع إيراد أدلتهم، وتعليلاتهم، معتمدة على المنهج العلمي المتبع في البحوث من عزو الآيات والأقوال، وتخريج الحديث. سائلة الله التوفيق والسداد.

стр. 9

المبحث الأول مظاهر التيسير في ما قبل الحج المطلب الأول الاستطاعة التي توجب الحج على الآفاقي لاشك أن لوجوب الحج شروطاً عند أهل العلم منها ما هو شرط للوجوب والصحة، ومنها ما هو شرط للوجوب والإجزاء، ومنها ما هو شرط للوجوب فقط، وقد بسطها الأئمة في كتبهم. وسأطرح في هذه المسألة شرطاً من شروط الوجوب ألا وهو الاستطاعة، إذ فيه أول مظهر من مظاهر تيسير الله على عباده في الحج، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الاستطاعة شرط لوجوب الحج (١)، لقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولكن أهل العلم اختلفوا في بيان حقيقة هذه الاستطاعة وشروطها علماً بأن الاستطاعة نوعان:

стр. 10

استطاعة بالنفس، واستطاعة بالغير. والذي يهمنا في هذه المسألة النوع الأول، ألا وهو الاستطاعة بالنفس في حق الآفاقي الذي بينه وبين مكة مسافة يعد فيها مسافراً، وقد ذكر العلماء شروطاً لتبيين حقيقة الاستطاعة بعضها مشترك بين الرجل والمرأة، والبعض الآخر يختص بالمرأة، وسأفصل القول فيما يختص بالمرأة. ومن الشروط التي يشترك فيها الرجل والمرأة في بيان حقيقة الاستطاعة: ١. صحة البدن بأن لا يكون مريضا لا يستطيع الثبات على الراحلة (١). ٢. أمن الطريق، بأن يغلب على الظن السلامة (٢). ٣. وجود الزاد المحتاج إليه. ٤. وجود الراحلة إما بالتملك أو بالكراء (٣)».

стр. 11

وأما الشرط الذي تختص به المرأة: فوجود المحرم: والمحرم للمرأة هو الزوج أو من تحرم عليه بالتأبيد، وقد اختلف أهل العلم في اشتراطه على أقوال، من أشهرها: القول الأول، لا يجب الحج على المرأة التي لا محرم لها، قال به الحسن، والنخعي، والحنفية، والحنابلة في المذهب، وإسحاق، وابن المنذر، والبغوي (١) واستدلوا بما يلي: ما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها محرم» واللفظ لمسلم. وحمل العلماء هذا الحديث على عمومه؛ لأن (امرأة) في الحديث نكرة في سياق النفي فتحمل على العموم، وعليه بوب النووي في شرحه على صحيح مسلم (باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره).

стр. 12

٢. ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث ابن عباس ? قال: قال النبي ﷺ : «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال اخرج معها، واللفظ للبخاري، وبوب عليه البخاري: (باب حج النساء) قال الحافظ: أي هل يشترط فيه قدر زائد على حج الرجال أولا؟ (٣)» قال النووي: «فيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة؛ لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها، رجح الحج معها» (٤) لاسيما وقد رواه سعيد بن منصور عن حماد بن زيد بلفظ: فقال رجل: «يا رسول الله ﷺ إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا»، فلو لم يكن شرطاً ما رخص له في ترك النذر (٥). ٣. ما أخرجه الدار قطني (٦) من حديث ابن عباس قال: قال

стр. 13

رسول الله ﷺ : «لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم»، صحح إسناده الحافظ ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١)، قال ابن قدامة: «هذا صريح في الحكم، وفيه نهي، والنهي يقتضي التحريم» (٢) ٤. واستدلوا بأن المرأة أنشأت سفراً في دار الإسلام، فلم يجز بغير محرم كحج التطوع، وأن المرأة بدون المحرم يخاف عليها الفتنة. (٣) القول الثاني: أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب، فيجب عليها أن تخرج للحج إذا وجدت رفقة مأمونين رجالاً أو نساء، قال به مالك (٤)، والأوزاعي (٥)»، والشافعي في مذهبه (٦)، وأحمد في رواية (٧). واستدلوا بما يأتي:

стр. 14

١. ما أخرجه البخاري (١)، من حديث عدي بن حاتم، قال بينما أنا عند النبي ﷺ إذا أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة، قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: «فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله .. ». ووجد الاستدلال أنه خبري سياق المدح، ورفع منار الإسلام فيحمل على الجواز (٢). وأجيب عنه: بأنه ليس في كل شيء أخبر النبي ﷺ بأنه سيقع حرمة أوجوازاً، لأنه نص على وجود ذلك لا جوازه. وما دام أن مجرد الإخبار عن الغيبيات لا يؤخذ منه جواز، كيف يؤخذ منه الوجوب؟ على قول من قال بوجوبها عند وجود الرفقة (٣). ٢. ما أخرجه البخاري في صحيحه (٤) من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده: أذن عمر لأزواج النبي ﷺ في آخر حجه

стр. 15

حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف. قال الحافظ: «ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذ أمن الطريق، أول أحاديث الباب، لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، ونساء النبي ﷺ على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك» (١). وأجيب بأن زوجات النبي ﷺ أمهات المؤمنين، فيحمل هذا على الخصوص. وتعقب بأنهن مختصات بالتحريم، لا المحرمية، وأجيب عنه أيضاً: بأن هذه الرواية المطلقة، جاءت مقيدة عند ابن الجوزي في المنتظم (٢) بأنه أخرج معهن أولياءهن، وإرسال عثمان وعبدالرحمن المزيد العناية بهن. ٣. أن وجود من تأمنه يقوم مقام المحرم (٣)، ويجاب عنه بأنه لا أحد أعظم أمانة من الصحابة، ومع هذا فالرسول ﷺ نهى نساءهم

стр. 16

أن يسافرن إلا مع محارمهن. وبالنظر لما تقدم من الأدلة والتعليمات يظهر والعلم عند الله أنه لا يجب الحج على المرأة، إلا مع وجود زوج أو محرم لما يلي: ١. أن الأحاديث التي استدل بها الجمهور صحيحة صريحة، ولم يوجد ما يعارضها، قال ابن المنذر: «تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل منهم شرطاً لا حجة له عليه» (١). ٢. أن حديث عدي بن حاتم ? الذي استدل به أهل القول الثاني يدل على أنها تسافر وحدها، ولكنهم شرطوا رفقة من الرجال والنساء، فلم يأخذوا بدليلهم، ولا بأدلة القول الأول. المطلب الثاني أذن الزوج للمرأة في حج الفريضة إن كان الحج نفلاً لم يختلف العلماء على أن المرأة لا تحرم إلا بإذن الزوج، فإن أحرمت بغير إذنه، جاز له تحليلها إذا أراد ذلك، وقد حكي الإجماع على ذلك (٢).

стр. 17

أمّا إذا كان الحج فرضاً، ففي حكم منع الزوج زوجته من الإحرام قولان: القول الأول، ليس للزوج منع امرأته من المضي إلى الحج الواجب عليها إذا كملت شروط الوجوب. هذا ما ذهب إليه الحنفية» (١)، والحنابلة» (٢)، والشافعية في قول مرجوح (٣)، وابن حزم» (٤)، وللمالكية قولان مبناهما على القول بفورية الحج، فقال بعضهم: الحج واجب على الفور، اختاره القاضي عبد الوهاب (٥)، وبناء على ذلك فليس للزوج منعها. وقال بعضهم: الحج واجب على التراخي اختاره القرطبي»، وعلى هذا القول ففي حكم منعها خلاف على قولين: أحدهما ليس له منعها. واستدلوا بما يأتي:

стр. 18

١. ما أخرجه البخاري، ومسلم (١) من حديث ابن عمر ? أن رسول الله ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». قالوا فإذا لم تمنع من المسجد للصلاة، فلا تمنع من قصدها الحرم للحج. وأجيب عن الحديث بأنه محمول على أنه نهي تنزيه أو على غير المتزوجات؛ لأن غير المتزوجات لم يتعلق بهن حق على الفور، وذلك كالبنت والأخت ونحوهما، وأن المراد لا تمنعوهن مساجد الله للصلوات (٢) (٣). ٢. أن الحج واجب وليس له منعها من الواجبات كما ليس له منعها من الصلاة والصيام. وأجاب الشافعية بأن مدة الحج طويلة بخلاف الصوم والصلاة. القول الثاني. للزوج أن يمنع زوجته من الخروج للحج الواجب،

стр. 19

هذا ما ذهب إليه الشافعية في أصح القولين (١)، والقول الثاني لبعض المالكية (٢)» الذين ذهبوا إلى أن الحج واجب على التراخي. واستدلوا بما يأتي: ١. ما أخرجه الطبراني في الصغير (٣)، والأوسط (٤)، والدراقطني في السنن (٥)، وابن عدي في الكامل (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) من طرق عن حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم بن الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ في امرأة لها زوج، ولها مال، ولا يأذن لها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها. واللفظ للدراقطني. قال الطبراني: لم يروه عن إبراهيم إلا حسان. وكذا قال ابن عدي.

стр. 20

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١): «رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله ثقات». ورمز السيوطي إلى حسنه في الجامع الصغير (٢)، ونقله الحافظ في الفتح (٣)» وسكت عنه، وضعف الحديث الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٤). ٢. وذكر أصحاب هذا القول أن حق الزوج على الفور، والحج على التراخي، فقدوم ما كان على الفور، كما تقدم العدة على الحج بلا خلاف (٥). وأجاب الجمهور بأن حق الزوج مستمر على الدوام فلو ملك منعها في هذا العام لملكه في كل عام، فيفضي إلى إسقاط أحد أركان الإسلام بخلاف العدة فإنها لا تستمر» (٦).

стр. 21

والذي يترجح القول الأول، وهو أن للزوجة أن تحج الفرض بدون إذن الزوج إذا توفرت الشروط؛ لأن القول بمنع الزوج زوجته من أداء فرض الحج يفضي إلى ترك الحج في كثير من الأحوال، وهنا تلحظ أن بعض الأزواج يتعسف في استخدام قوامته، ويفهمها فهماً مقلوباً؛ لتعطيل المرأة المسلمة عن أداء فرائضها بحجة وجوب السمع والطاعة له، ولو علم الدليل، وأراد الله به خيراً وفقهه في الدين ما أقدم على ما أقدم عليه، ولأحجم عن كثير مما هو بين يديه. فلا حول ولا قوة إلا بالله. المطلب الثالث فرض الحج ومن مظاهر التيسير في الحج أن الله فرضه على عباده المستطيعين مرة في العمر، وأجمعت الأمة على ذلك، يقول ابن قدامة في المغني: «وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمرة مرة واحدة (١)». ومن أدلة ذلك: ١. ما أخرجه مسلم في باب: فرض الحج مرة في العمر (٢) من

стр. 22

حديث أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». ٢. ما أخرجه أحمد (١)، وأبو داود (٢)، وابن ماجه (٣) من حديث ابن عباس، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس كُتِب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أ في كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع» واللفظ لأحمد وصححه الألباني (٤). وتأمل - وفقك الله - ألفاظ الحديث، ففي الحديث الأول «لو قلت

стр. 23

نعم، لوجبت» ثم علل فرض الحج مرة في العمر «ولما استطعتم، وفي الرواية الأخرى «لم تعملوا بها، ولن تستطيعوا أن تعملوا بها» ثم أوضح الحكم «الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع». وصدق الله حين قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثمت نوافل تخص الفرد بذاته كالصلاة والصيام، وهذه تعود إلى المتطوع دون غيره، وأخرى تنفع الناس، ويتعدى برها وخيرها لهم كنوافل الصدقة والإحسان، فمهما أكثر منها المرء كان فضلاً له، ونفعاً لغيره ولا إسراف في خير، والقسم الثالث من النوافل لا يتعلق بالمرء ذاته فحسب، بل له تعلق بالآخرين بسبب المزاحمة في المكان أو في غيره. والحج من القسم الثالث، فإن المشاعر محدودة والزمان ضيق: (ويعلم كل ذي لب أنه لو حج من المسلمين نسبة قليلة ممن لم يأدوا الحج أصلاً، ولتكن (١?) لكان عدد الواقفين بعرفة (١٢) مليون حاج، ولما وسعهم المكان، ولفات الكثير منهم الحج، وأساء بعضهم إلى بعض

стр. 24

بالضرورة. ولذا فالحجاج الآن (٠.١ %) من نسبة السكان (أي: واحد بالألف). ومعنى ذلك أن شعبا كإندونيسيا (٢٠٠ مليون) يحتاجون إلى ألف سنة ليتمكنوا من أداء الحج وهذا افتراض نظري بحتي. زد على ذلك المعاناة السنوية بالازدحام الهائل الذي يفقد الفريضة روحانياتها وقدسيتها، ويحيلها إلى صخب، وضجيج، وعراك، وجدل، يتكرر المشهد دورياً، ويموت المئات تحت أقدام إخوانهم، وهم جميعاً متلبسون بأداء فريضة من فرائض الله! وياللحزن العميق؛ يفترض أن الدافع إيماني لهذه الرحلة المباركة، فكيف يغفل المسلم القريب في هذه الديار عن الآثار الصعبة التي يحدثها تكرار الحج كل عام، أو عاماً بعد عام على إخوانه المسلمين القادمين من بعيد، المؤدين للفريضة - وليس للنافلة - من شيوخ ونساء وضعفاء ومرضى، وهو لا يبالي بهم، ولا يكترث لمعاناتهم، المهم أن يداوم على ما اعتاده من الحج!، والكثير من الناس يرددون: ماذا يضر وجودي، وأنا فرد واحد؟ وماذا ينفع غيابي؟ وهذا منطق غريب يوحي باستفحال الرؤية الأنانية، وغياب الإحساس بالمسؤولية؛ ولو أن كل من قرأ هذه السطور أخذ على نفسه أن يتصدق، بقيمة

стр. 25

حجة النافلة على إخوانه المسلمين، ويتصدق أيضاً بالمكان الذي سوف يحتله لو حج في منى، أو عرفة، أو مزدلفة، لأمكننا أن نساهم فعليا في تخفيف الزحام، وتيسير الحج، وتجنيب المسلمين مغبة الارتباك والقتل عند المشاعر. والصدقة بقيمة الحج أفضل في مثل هذه الأوقات التي تتعاظم حاجة الناس فيها إلى المال، كما في الكوارث التي تضرب بلاد الإسلام من الزلازل أو المجاعات، أو الحروب التي لم تنقطع منذ عشرات السنين (١). ذكر ابن مفلح في الفروع أن الإمام أحمد سئل: أيحج نفلاً أم يصل قرابته؟ قال: إن كانوا محتاجين يصلهم أحب إلىّ، ونقل ابن هاني في هذه المسألة أن الإمام أحمد قال: يضعها في أكباد جائعة (٢). وفي الزهد للإمام أحمد عن الحسن قال: يقول أحدهم: أحج أحج، وقد حججت! صلْ رحماً، تصدق على مغموم أحسن إلى جار (٣).

стр. 26

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «والحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست واجبة، وأما إن كان له أقارب محاويج فالصدقة عليهم أفضل، وكذلك إن كان هناك قوم مضطرين إلى نفقته (١)». وفي مثل هذه الأحوال التي يعاني الحجيج فيها من الازدحام، وكثير من الإشكالات في النسك، نحتاج لطرح فريضة الحج في العمر مرة واحدة، والمفاضلة بين حج التطوع والصدقة، لاسيما و أن الثابت أنه ﷺ لم يحج إلا حجة الوداع، وقال ﷺ لزوجاته في حجة الوداع «هذه ثم ظهور الحصر (٢). وقوله ﷺ لعمر «يا عمر: إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر، فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله فهلل وكبر (٣). وهذا المطلب على وجه الخصوص فيه توسعة على كل ضعيف من شيخ وامرأة ومريض .. إذ لو أن جمع الأقوياء اكتفوا بفريضة

стр. 27

الحج، ولم يوسعوا على أنفسهم بتتابع حج النفل، وتصدقوا بقيمة حجهم على كل مسلم لم يؤدِ فرضه؛ لتصدقوا بمكانهم قبل مالهم، ولما لحق كثير من الضعفاء الضرر عند أدائهم المناسك، والرائي بعين البصر قبل البصيرة يرى آلاف الأقوياء حين يؤذون الضعفاء وقد غاب عنهم قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢] وقوله ﷺ المتقدم لعمر: «يا عمر إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف؛ إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله، فهلل، وكبر». المطلب الرابع إحرام الحائض بالحج أو العمرة أجمع أهل العلم على جواز ومشروعية الإحرام من الحائض (١)، ويستحب لها إذا أرادت الإحرام أن تغتسل كما تغتسل غير الحائض (٢)، بل هو حق الحائض أكد لورود الخبر فيها. ومن أدلة العلماء على هذا المطلب:

стр. 28

١. حديث جابر في صحيح مسلم، وفيه قال: « .. حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستنفري (١) بثوب، وأحرمي (٢)»، والحائض في حكم النفساء، بل الحيض نوع منه. ٢. ما أخرجه أبو داود (٣)، والترمذي (٤) من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «الحائض والنفساء إذا أتنا على الوَقْت يغتسلان، ويحرمان، ويقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت». وصححه الألباني في الصحيحة» (٥). ٣. أمر النبي ﷺ عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض، أخرج البخاري (٦)، ومسلم (٧) من حديث عائشة قالت: خرجا موافين

стр. 29

لهلال ذي الحجة وفيه: «فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي ﷺ فقال: دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بحج ففعلت». ٤. ولأنه غسل يراد به النسك فاستوت فيه الحائض والطاهر. لكن أهل العلم قالوا: إن الحائض إذا رجت الطهر قبل الخروج من الميقات، استحب لها تأخير الغسل حتى تطهر؛ ليكون أكمل لها (١). وفي هذا المطلب سترى أن رسول الله ﷺ قرر قاعدة للحائض والنفساء، يستصحبانها في جميع المناسك وهي قوله: ويقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت» وقوله الذي سيأتي بعد لعائشة «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» فالحائض تستوي مع غيرها في جميع المناسك من وقوف بعرفة، ودفع لمزدلفة، ورمي، أو ذكر، بل استدل بعضهم بهذا الحديث على جواز قراءة الحائض للقرآن، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام (٢)، وما هذا إلا أعظم دليل على سماحة الإسلام ويسره، ومراعاته لأحوال العباد، والرفق بهم.

стр. 30

المطلب الخامس الاشتراط للحاج الاشتراط هو أن يقول المحرم: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. وقد ورد فيه حديث أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث عائشة قالت: «دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت «والله لا أجدني إلا وجعة» فقال لها: حجي، واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» وكانت تحت المقداد. وفي رواية النسائي «فإن لك على ربك ما استشيت» (٣). وفائدة من قال بالاشتراط أنه إن حصر حلّ من ساعته، ولا شيء عليه (٤). واختلف أهل العلم، هل الاشتراط مستحب لكل مريد للحج والعمرة على ثلاثة أقوال:

стр. 31

القول الأول: استحباب الاشتراط مطلقاً، وهذا هو مشهور مذهب الحنابلة، والصحيح من مذهب الشافعية (١)؛ لحديث ضباعة المتقدم، ووجه الدلالة منه: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فالنبي ﷺ إذا وجه الحكم لشخص فهو عام لهذا الشخص وللأمة؛ لأنه لا يمكن للنبي ﷺ أن يخاطب كل شخص بانفراده، فإذا خاطب واحداً من الأمة بحكم من الأحكام اشتركت معه بقية الأمة في ذلك الحكم، ولأن الحاج والمعتمر لا يأمنان على نفسهما العذر. الثاني: أنه لا يستحب الاشتراط وبه قال مالك، وأبو حنيفة» (٢). وأجابوا عن حديث ضباعة بأنه قضية عين، بدليل أن النبي ﷺ لم يرشد جميع الصحابة إلى ذلك، ومنهم على الأقل أسماء بنت عميس التي ولدت محمد بن أبي بكر ذي الحليفة، إذ الغالب أن فترة النفاس تطول وربما تأتي إلى مكة قبل أن تطهر، ولم يرشدها النبي ﷺ إلى ذلك. الثالث. يستحب الاشتراط في حق من كانت حاله مثل حال ضباعة بنت الزبير، فإذا أحرم الإنسان وهو مريض، أو كان خائفاً من

стр. 32

عدو، أو خشي فوات الحج، أو ضياع النفقة، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (١)؛ لأنه ﷺ لم يكن يأمر بذلك كل من حج، ولم ينقل عنه ﷺ أنه اشترط، وإنما أمر به من اشتكى الوجع، فيقاس عليه غيره ممن خاف من قيام مانع يمنعه من إتمام النسك، وهذا الرأي هو الراجح، لجمعه بين الأدلة، وإعمال دليلين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر.

стр. 33

المبحث الثاني مظاهر التيسير في أثناء الحج لعلك أيها الفاضل لحظت بوضوح تيسير الله على عباده في فرض الحج، وستقف بإذن الله في هذا المبحث على أن التيسير لم يقتصر على فرض الحج فحسب، بل بدا واضحاً في مناسك الحج وما يتعلق به، وسيتناول هذا المبحث مطلبان: المطلب الأول: مظاهر التيسير في أركان الحج، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: التيسير في الوقوف بعرفة. المسألة الثانية: التيسير في طواف الإفاضة. المطلب الثاني: مظاهر التيسير في واجبات الحج، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعجيل الدفع من مزدلفة. المسألة الثانية: التيسير في الرمي. المسألة الثالثة: سقوط طواف الوداع عن الحائض.

стр. 34

المطلب الأول مظاهر التيسير في أركان الحج اتفق العلماء على أن للحج ركنين هما: الوقوف بعرفة، والطواف، واختلفوا في غيرهما: المسألة الأولى، التيسير في الوقوف بعرفة: هو ركن بالإجماع، كما نقله ابن المنذر، والكسائي، وابن العربي، وابن قدامة، والنووي، وابن تيمية، وغيرهم (١)؛ لقوله ﷺ : «الحج عرفة» (٢). ومن مظاهر التيسير الوقوف بعرفة: أن الوقوف بعرفة يجزئ أية ساعة ليلاً أو نهاراً، من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر يوم النحر (٣). يقول شيخ الإسلام: «ومن لم يواف عرفة إلا ليلاً أجزأه الوقوف ولو لحظة في بعض جوانبها .. ولا دم عليه؛ لأن النبي ﷺ ذكر أنه

стр. 35

يدرك الحج، وأنه قد تم حجه، وقضى تفثه، ولم يذكر أن عليه دماً، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز لاسيما في حكم عظيم أردف خلفه من ينادي به في الناس في حجة الوداع» (١) ودليل هذا ما أخرجه أحمد (٢) والأربعة (٣) من حديث عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت النبي ﷺ وهو بجمع، فقلت: يا رسول الله جئتك من جبل طيئ، أتعبت نفسي، وأنصبت راحلتي، والله ما تركت من جبل إلى وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال: «من شهد معنا هذه الصلاة (يعني: صلاة الفجر)، بجمع، ووقف معنا حتى نفيض منه، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه»، واللفظ لأحمد، وإسناده صحيح. وحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: شهدت رسول الله ﷺ ، وهو واقف بعرفة، وأتاه أناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع

стр. 36

فقد تم حجه (١)» الحديث وفي رواية الترمذي: فأمر منادياً فنادى: «الحج عرفة» وعند الترمذي - أيضاً - «وأردف رجلاً فنادى» فإن قال قائل: من وقف نهاراً، ودفع قبل الغروب هل يلزمه شيء؟ هذه المسألة مبنية على حكم الدفع قبل غروب الشمس لمن وقف بعرفة نهاراً، وقد اختلف العلماء فيها على قولين: - القول الأول: يجب الوقوف بعرفة حتى غروب الشمس، وهذا قول الحنفية (٢)، وهو قول عند الشافعية (٣)، والمذهب عند الحنابلة (٤)، واستدلوا بما يأتي: ١. أن النبي ﷺ لم يزل واقفاً بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص ثم دفع، وقد قال ﷺ «خذوا عني مناسككم» رواه مسلم (٥) من حديث جابر، فيستفاد الوجوب من فعله

стр. 37

- ﷺ ؛ لأنه وقع بياناً لأمر مجمل، ومقتضى الأمر الوجوب عند الإطلاق. ويناقش هذا الدليل بأن الوجوب إنما يستقيم الحكم به إذا خلا من المعارض، وأما هنا فحديث عروة بن مضرس يرد هذا الاستدلال، وفيه «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه» فهذا الحديث يصرف دلالة الفعل من الإيجاب إلى الاستحباب، لاسيما وأنه ﷺ لم يأمر أحداً بلزوم الوقوف حتى الغروب، ولم ينه عن الإفاضة قبل الغروب مع الحاجة إلى البيان لكثرة الأمة وتفاوت أفهامهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ٢. ما أخرجه ابن خزيمة (١) من حديث ابن عباس قال: «كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الجبال دفعوا». وقال ابن خزيمة: «أنا أبرأ من عهدة زمعة بن صالح» قال الحافظ عنه في التقريب (٢): «ضعيف «وللحديث شواهد أخر ذكرها

стр. 38

الزيلعي في نصب الراية (١)، فالحديث حسن بمجموع شواهده، ووجه الدلالة منه أن الإفاضة بعد غروب الشمس مخالفة لفعل المشركين وهي واجبة للأمر بها. إلا أنه نوقش بأنه لو صح لكانت المخالفة للمشركين مشروعة ولكنها لا تقيد بالغروب؛ لأن التقييد بالغروب زيادة لم ترد في النص. وقيل: بأن المخالفة هنا محمولة على الاستحباب الحديث عروة، فإنه خرج مخرج العموم، والإطلاق، والتشريع للأمة كلها. وعلى هذا القول فإنه يجب على من أفاض من عرفة قبل الغروب أن يعود إليها في الليل، وإلا فعليه دم، وحجه صحيح، إلا عند الإمام مالك فإنه قال: لا حج له. قال ابن عبد البر (٢) لا نعلم أحد من العلماء قال بقول مالك، ووجه قوله ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل «أخرجه الدار قطني (٣). قال الحافظ:

стр. 39

«فيه ابن أبي ليلى سيء الحفظ» (١). وعلى فرض صحة الحديث، فليس فيه نفي صحة الوقوف بعرفة في النهار لمن لم يقف في الليل، بل غاية ما فيه أن وقت الوقوف يمتد إلى آخر الليل كما أفاده حديث عروة بن مضرس. ودليل من ألزمه دماً على خلاف بينهم في التفريق بين الجاهل والعامد، ومن رجع إلى عرفة ومن لم يرجع، قول ابن عباس ?: «من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهدر دماً» (٢) وصححه النووي (٣). القول الثاني: يستحب الوقوف بعرفة حتى غروب الشمس، فإن من وقف بها نهارا ثم دفع قبل الغروب فلا شيء عليه، وهو الأصح عند الشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥)، واختاره النووي، والشنقيطي (٦)،

стр. 40

واستدلوا بما يأتي: أولاً: حديث عروة بن مضرس المتقدم، ووجه الدلالة «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه» دال على إجزاء الوقوف لمن وقف نهاراً ثم دفع قبل الغروب، حيث حكم النبي ﷺ بتمام حجه، وقضاء تفثه. وأجاب الجمهور بأن المراد بالوقوف نهارا في الحديث، هو الوقوف حتى غروب الشمس؛ لفعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، حيث لم يدفعوا إلا بعد غروب الشمس، فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح لحديث عروة، وتوجب عليه الدم لأثر ابن عباس. يقول الشنقيطي: «قوله ﷺ : «فقد تم حجه «مرتباً له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلاً أو نهاراً، يدل على أن الواقف نهاراً يتم حجه بذلك، والتعبير بلفظ التمام ظاهر عدم لزوم الجبر بالدم، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث، وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة هذا الحديث على ذلك كما ترى، والعلم عند الله (١).
следующие страницы →