← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1062

التيسير على النساء في الحج في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (89 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فقد تم حجه (١)» الحديث وفي رواية الترمذي: فأمر منادياً فنادى: «الحج عرفة» وعند الترمذي - أيضاً - «وأردف رجلاً فنادى» فإن قال قائل: من وقف نهاراً، ودفع قبل الغروب هل يلزمه شيء؟ هذه المسألة مبنية على حكم الدفع قبل غروب الشمس لمن وقف بعرفة نهاراً، وقد اختلف العلماء فيها على قولين: - القول الأول: يجب الوقوف بعرفة حتى غروب الشمس، وهذا قول الحنفية (٢)، وهو قول عند الشافعية (٣)، والمذهب عند الحنابلة (٤)، واستدلوا بما يأتي: ١. أن النبي ﷺ لم يزل واقفاً بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص ثم دفع، وقد قال ﷺ «خذوا عني مناسككم» رواه مسلم (٥) من حديث جابر، فيستفاد الوجوب من فعله

стр. 37

- ﷺ ؛ لأنه وقع بياناً لأمر مجمل، ومقتضى الأمر الوجوب عند الإطلاق. ويناقش هذا الدليل بأن الوجوب إنما يستقيم الحكم به إذا خلا من المعارض، وأما هنا فحديث عروة بن مضرس يرد هذا الاستدلال، وفيه «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه» فهذا الحديث يصرف دلالة الفعل من الإيجاب إلى الاستحباب، لاسيما وأنه ﷺ لم يأمر أحداً بلزوم الوقوف حتى الغروب، ولم ينه عن الإفاضة قبل الغروب مع الحاجة إلى البيان لكثرة الأمة وتفاوت أفهامهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ٢. ما أخرجه ابن خزيمة (١) من حديث ابن عباس قال: «كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الجبال دفعوا». وقال ابن خزيمة: «أنا أبرأ من عهدة زمعة بن صالح» قال الحافظ عنه في التقريب (٢): «ضعيف «وللحديث شواهد أخر ذكرها

стр. 38

الزيلعي في نصب الراية (١)، فالحديث حسن بمجموع شواهده، ووجه الدلالة منه أن الإفاضة بعد غروب الشمس مخالفة لفعل المشركين وهي واجبة للأمر بها. إلا أنه نوقش بأنه لو صح لكانت المخالفة للمشركين مشروعة ولكنها لا تقيد بالغروب؛ لأن التقييد بالغروب زيادة لم ترد في النص. وقيل: بأن المخالفة هنا محمولة على الاستحباب الحديث عروة، فإنه خرج مخرج العموم، والإطلاق، والتشريع للأمة كلها. وعلى هذا القول فإنه يجب على من أفاض من عرفة قبل الغروب أن يعود إليها في الليل، وإلا فعليه دم، وحجه صحيح، إلا عند الإمام مالك فإنه قال: لا حج له. قال ابن عبد البر (٢) لا نعلم أحد من العلماء قال بقول مالك، ووجه قوله ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل «أخرجه الدار قطني (٣). قال الحافظ:

стр. 39

«فيه ابن أبي ليلى سيء الحفظ» (١). وعلى فرض صحة الحديث، فليس فيه نفي صحة الوقوف بعرفة في النهار لمن لم يقف في الليل، بل غاية ما فيه أن وقت الوقوف يمتد إلى آخر الليل كما أفاده حديث عروة بن مضرس. ودليل من ألزمه دماً على خلاف بينهم في التفريق بين الجاهل والعامد، ومن رجع إلى عرفة ومن لم يرجع، قول ابن عباس ?: «من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهدر دماً» (٢) وصححه النووي (٣). القول الثاني: يستحب الوقوف بعرفة حتى غروب الشمس، فإن من وقف بها نهارا ثم دفع قبل الغروب فلا شيء عليه، وهو الأصح عند الشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥)، واختاره النووي، والشنقيطي (٦)،

стр. 40

واستدلوا بما يأتي: أولاً: حديث عروة بن مضرس المتقدم، ووجه الدلالة «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه» دال على إجزاء الوقوف لمن وقف نهاراً ثم دفع قبل الغروب، حيث حكم النبي ﷺ بتمام حجه، وقضاء تفثه. وأجاب الجمهور بأن المراد بالوقوف نهارا في الحديث، هو الوقوف حتى غروب الشمس؛ لفعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، حيث لم يدفعوا إلا بعد غروب الشمس، فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح لحديث عروة، وتوجب عليه الدم لأثر ابن عباس. يقول الشنقيطي: «قوله ﷺ : «فقد تم حجه «مرتباً له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلاً أو نهاراً، يدل على أن الواقف نهاراً يتم حجه بذلك، والتعبير بلفظ التمام ظاهر عدم لزوم الجبر بالدم، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث، وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة هذا الحديث على ذلك كما ترى، والعلم عند الله (١).

стр. 41

ثانياً: أنه لم يثبت دليل على إيجاب الوقوف حتى غروب الشمس، وما ذكر من أدلة الجمهور لا يسلم الاستدلال به، إما العموم دلالته، أو لعدم ثبوته. ثالثاً: أن الأصل براءة الذمة، ولا ناقل لهذا الأصل فتبقي عليه. رابعاً: إمكان الجمع بين الأحاديث بحمل ما يظهر كونه أمراً على الاستحباب؛ لأن الأمر دال على الإيجاب والاستحباب، والأمر إنما يدل على الوجوب عند الإطلاق، وعدم المعارض، وليس الحال كذلك هنا. خامساً: ما في القول بالإيجاب من مشقة، لاسيما مع الزحام الشديد وكثرة الحوادث، والمشقة تجلب التيسير، أضف إلى أن المسألة اجتهادية، وليس في النصوص ما يحتمل القول بالوجوب، فتبقى على الاستحباب لما فيه من إزالة للضرر، ورفع الحرج. فإن قيل: هذه المشقة كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ، ومع ذلك لم يدفع قبل الغروب مما يدل على الوجوب. فالجواب: أن المشقة في عهده ﷺ أيسر من المشقة الكائنة مع الحج في العصور المتأخرة، لاسيما مع وجود حديث عروة بن مضرس، وعبد الرحمن الديلي.

стр. 42

سادساً: إذا جاز الوقوف ليلاً ولا دم عليه باتفاق العلماء؛ فلأن يجوز الوقوف نهاراً دون الليل من باب أولى، ومن فرّق بين الليل والنهار فقد فرق بين متماثلين، سوى بينهما حديث عروة المذكور آنفاً. والراجح بالنظر في الأدلة وجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس؛ لأنه ثابت من فعل النبي ﷺ ، وأمره لأمته بأخذ النسك عنه، وأمره بمخالفة المشركين، ومخالفة المشركين مقصد من مقاصد الشرع، وحديث عروة مخصوص بمن هو مثل حاله، فقد جاء في الروايات قوله «أكلات مطيتي، وأتعبت نفسي، ما تركت من جبل إلا وقفت عليه «فجاءت الفتوى مراعية لحال السائل بقوله «وأتي عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه» وإلا لزم القائل بجواز الدفع قبل الغروب، اعتماداً على حديث عروة، أن يجيز للمضطر وغيره أن يقف في أي ساعة من نهار أو ليل، ومع هذا فلو أن رجلاً دفع قبل الغروب لجهل أو نسيان أو اضطرار فلادم عليه على الراجح؛ لأن حالته كحالة عروة، ولم يلزمه رسول الله ﷺ بدم، ومعلوم أن القياس إلحاق فرع بأصل في الحكم لاتحادهما في العلة.

стр. 43

المسألة الثانية: طواف الإفاضة: الركن الثاني هو طواف الإفاضة، ويسمى طواف الحج والزيارة، ولا يكون إلا بعد الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة بلا خلاف بين أهل العلم (١)، وهو ظاهر القرآن الكريم لقوله ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فجعل الطواف آخرها (٢). ومن مظاهر التيسير في طواف الإفاضة ١. أن وقت الطواف يبدأ بعد نصف الليل (ليلة المزدلفة) للمأذون لهم بالدفع منها من الضعفة، والنساء، ومن في حكمهم، وهل يبدأ بعد الفجر، أو بعد نصف الليل؟ قولان للعلماء، والأمر فيها واسع؛ لعدم توفر النص في هذه المسألة. ٢. اتفقت «المذاهب الأربعة (٣)» على أن طواف الإفاضة يجزئ

стр. 44

في أي وقت منذ فجر يوم النحر إلى آخر أيام ذي الحجة، ولو فعله بعد الشهر أجزأه. ٣. وله تأخير طواف الإفاضة مع الوداع (١)، ويجعله طوافاً واحداً ليخفف المشقة عليه والزحام على إخوانه. قال النووي: «قال الشافعي في الأم، والشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، وسائر الأصحاب متى كان عليه طواف الإفاضة، فتوى غيره عن نفسه، أو عن غيره تطوعاً، أو وداعاً وقع عن طواف الإفاضة كما لو أحرم بتطوع الحج أو العمرة وعليه فرضهما، فإنه ينعقد الفرض» (٢) وتلحظ من نص النووي أن الحاج لو نسى الإفاضة، وطاف اللوداع من غير نية الإفاضة، أو بجهل بوجوب الطواف، أجزأه طوافه عنهما معاً. وهو وجه حسن، ومن التيسير والرخصة. ٤. هل تشترط الطهارة للطواف؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: اشترطوا الطهارة من الحدث والخبث، وهذا قول

стр. 45

أكثر أهل العلم كمالك والشافعي، وأصحابهما، وهو مشهور مذهب أحمد (١) وعليه فإن على الحائض والنفساء أن تبقيا حتى تطهرا، واستدلوا بما يأتي. ١. ما أخرجه البخاري، ومسلم (٢) من حديث عائشة: إن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم أنه توضأ، ثم طاف بالبيت. فإن قيل: وضوؤه ﷺ المذكور في حديث عائشة فعل مطلق، وهو لا يدل على الوجوب فضلاً عن كونه شرطاً في الطواف. فالجواب: أن وضوءه لطوافه المذكور قد دل دليلان على أنه لازم لابد منه: أحدهما: أنه ﷺ قال: «خذوا عني مناسككم»، وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه؛ امتثالاً لأمره ﷺ . الثاني: أنه قد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ إذا كان

стр. 46

لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتيم، والنص هو قوله «وليطوفوا بالبيت العتيق» وأجيب بأنه فعل، والفعل لا يدل على الوجوب. ٢. ما أخرجه البخاري، ومسلم (١) من حديث عائشة قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت … » الحديث، وفيه: «فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري» وفي لفظ مسلم «حتى تغتسلي». قالوا: فالحديث صرح فيه النبي ﷺ بنهي عائشة ﵂ عن الطواف إلى غاية، هي الطهارة؛ لقوله «حتى تطهري «و» حتى تغتسلي». وأجيب بأن غايته منع المحدث حدثاً أكبر، وستأتي الإجابة على هذا. ٣. ما أخرجه الترمذي (٢)، والحاكم (٣) من حديث ابن عباس مرفوعاً: «الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن

стр. 47

تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير». قال الترمذي: «روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره، عن طاوس، عن ابن عباس موقوفاً، ولا نعرف مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن السائب» وقال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة» وصحح الألباني في الإرواء المرفوع (١). وأجيب عن هذا الاستدلال بأن الصواب وقفه على ابن عباس، وعلى فرض صحته فإن الاستثناء عند الأصوليين معيار العموم، فالطواف بالبيت يخالف الصلاة في أشياء كثيرة سوى الكلام، منها: أنه لا يشترط له القيام، ولا التكبير، ويجوز فيه الأكل والشرب وغيرهما. ٤. استدلوا بقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وأجيب أنه لا يلزم من تطهير المسجد من الخبث أن يكون الطائف بالبيت طاهرًا من الحدث، ولو الزم هذا لقلنا يجب على الإنسان أن يتطهر لدخول المسجد الحرام. القول الثاني: وهو قول أبي حنيفة قال: لا تشترط الطهارة للطواف،

стр. 48

فلو طاف جنباً أو محدثاً صح طوافه (١)، وأما أصحابه فهم مختلفون في وجوب الطهارة للطواف مع اتفاقهم على أنها ليست شرطاً فيه (٢)، وعليه فيصح طواف غير الطاهر كالحائض والنفساء والجنب ويلزم لذلك دم، وذهب الإمام أحمد (٣) في رواية عنه إلى أن الطهارة ليست بشرط، واختارها شيخ الإسلام (٤). واستدلوا بما يأتي: ١. قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ووجه الدلالة أن الله أمر بالطواف مطلقا، ولم يقيده بشرط الطهارة، وهذا نص قطعي. ٢. أن الأصل براءة الذمة. ٣. أن رسول الله ﷺ لم يوجب على الطائفين طهارة، ولا اجتناب

стр. 49

نجاسة، وفي إلزامهم بالطهارة إلزام بما لم يلزمهم الله به. ٤. ما أخرجه سعيد بن منصور من طريق عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمت بها عائشة بقية طوافها (١). يقول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: «وعليه فالقول الراجح الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها بلا شك أفضل وأكمل؛ اتباعا للنبي ﷺ ، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، لكن أحيانا يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام، مثل: لو أحدث أثناء طوافه في زحام شديد، فالقول بأنه يلزمه أن يذهب ويتوضأ، ثم يأتي في هذا الزحام الشديد لا سيما إذا لم يبق عليه إلا بعض شوط ففيه مشقة شديدة وما كان فيه مشقة شديدة، ولم يظهر فيه النص ظهوراً بيناً فإنه لا ينبغي أن تلزم الناس به، بل نتبع ما هو أسهل وأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح مناف لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 50

فإن قلت: فما الراجح فين: طواف الحائض التي تخشى فوات الرفقة؟ يقول ابن القيم ﵀: «المثال السادس أن النبي ﷺ منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر، وقال: اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت (١) فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز ولا بين زمن إمكان الاحتباس لها حتى تطهر، وتطوف، وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك، وتمسك بظاهر النص، ورأى منافاة الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام إذ نهي الحائض عن الجميع سواء، ومنافاة الحيض العبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة، ونازعهم في ذلك فريقان: أحدهما: صحح الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعاً من صحته بل جعلوا الطهارة واجبة تجبر بالدم، ويصح الطواف بدونها، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهي أنصهما عنه، وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباط الشرط بالمشروط، بل

стр. 51

جعلوها واجبة من واجباته وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعله مع الإخلال بها، ويجبرها الدم. والفريق الثاني: جعلوا وجوب الطهارة للطواف، واشتراطها بمنزلة وجوب السترة، واشتراطها بل بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة، وتسقط مع العجز، قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظم من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها، فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى. قالوا: وقد كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تحتبس أمراء الحج للحيض حتى يطهرن ويطفن، ولهذا قال النبي ﷺ في شأن صفية وقد حاضت «أحبستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال «فلتنفر إذاً» (١) وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها. أما في هذه الأزمان التي يتعذر إقامة الراكب لأجل الحيض فلا تخلو من ثمانية أقسام:

стр. 52

أحدها: أن يقال لها أقيمي بمكة، وإن رحل الركب حتى تطهري، وتطوفي، وفي هذا تعريضها للمقام وحدها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما فيه. الثاني: أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه. الثالث: أن يقال: إذا علمت أو خشيت مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمه عن وقته. الرابع: أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج، وأنها إذا حجت أصابها الحيض هناك، سقط عنها فرضه، حتى تصير آيسة وينقطع حيضها بالكلية. الخامس: أن يقال: بل تحج، فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا المقام رجعت، وهي على إحرامها تمتنع من النكاح، ووطء الزوج حتى تعود إلى البيت فتطوف وهي طاهرة، ولو كان بينها وبينه مسافة سنين، ثم إذا أصابها الحيض في سنة العود رجعت كما هي، ولا تزال كذلك حتى يصادفها عام تطهر فيه. السادس: أن يقال: بل تتحلل إذا عجزت عن المقام حتى تطهر، كما يتحلل المحصر مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج

стр. 53

لزمها، ثم إذا أصابها ذلك أيضاً تحللت وهكذا أبداً حتى يمكنها الطواف طاهرة. السابع: أن يقال: يجب أن تستنيب من يحج عنها. الثامن: أن يقال بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج، ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات كما يسقط عنها طواف الوداع بالنص. وكلام الأئمة والفقهاء هو مطلق كما يتكلمون في نظائره، ولم يتعرضوا لمثل هذه الصور التي عمت بها البلوى، ولم يكن ذلك في زمن الأئمة، بل قد ذكروا أن المكري يلزمه المقام الأول، والاحتباس عليها، لتطهر، ثم تطوف، فإنه كان ممكناً بل واقعاً في زمنهم، فأفتوا بأنها لا تطوف حتى تطهر، لتمكنها من ذلك وهذا لا نزاع فيه، فأما في هذه الأزمان فغيرممكن، وإيجاب سفرين كاملين في الحج من غير تفريط من الحاج، ولا سبب صدر منه يتضمن إيجاب حجتين إلى البيت، والله تعالى إنما أوجب حجة واحدة بخلاف من أفسد الحج فإنه قد فرط بفعل المحظور، وبخلاف من ترك طواف الزيارة أو الوقوف بعرفة، فإنه لم يفعل ما يتم حجه، وأما هذه فلم تفرط ولم تترك ما أمرت به،

стр. 54

فإنها لم تؤمر بما لا تقدر عليه، وقد فعلت ما تقدر عليه فهي بمنزلة الجنب إذا عجز عن الطهارة الأصلية والبدلية، وصلى حسب حاله فإنه لا إعادة عليه في أصح الأقوال .. » ثم رد على تقدير الحالات السبع المذكورة ثم قال « .. فإذا بطلت هذه التقديرات تعين التقدير الثامن، وهو أن يقال تطوف بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة بل يوافقها كما تقدم إذا غايته سقوط الواجب، أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز، ولا حرام مع ضرورة» .. وقال في لزوم الدم عليها من عدمه «قال شيخنا: فإذا طافت حائضاً مع عدم العذر توجه القول بوجوب الدم عليها، وأما مع العجز فالأشبه أنه لا يجب الدم؛ لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز، ولزوم الدم يكون مع ترك المأمور أو فعل المحظور، وهذه لم تترك مأمورا في هذه الحال، ولا فعلت محظورا، فإنها إذا رمت الجمرة وقصرت حل لها ما كان محظوراً عليها بالإحرام غير النكاح، فلم يبق بعد التحلل الأول محظور يجب بفعله دم، وليست الطهارة مأموراً بها مع العجز فيجب بتركها دم.

стр. 55

ثم ختم المسألة بقوله: «وبالجملة فالكلام في هذه الحادثة في فصلين، أحدهما: في اقتضاء قواعد الشريعة لها لا لمنافاتها، وقد تبين ذلك بما فيه كفاية. والثاني: في أن كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط والوجوب إنما هو في حال القدرة والسعة لا في حال الضرورة والعجز، فالإفتاء بها لا ينافي نص الشارع، ولا قول الأئمة، وغاية المفتي بها أنه يقيد مطلق كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها، ومطلق كلام الأئمة بقواعدهم، وأصولهم، فالمفتي بها موافق لأصول الشرع، وقواعده، ولقواعد الأئمة» (١). من هنا تعلم أن الراجح أن المرأة إذا اضطرت إلى طواف الإفاضة في حال حيضتها كان ذلك جائزا لها، ولا شيء عليها ولكن تتوقى ما يخشى منه تجنيس المسجد بأن تستنفر. وأما إن كانت قادرة على الطواف بعد الطهر، فالأئمة متفقون على أنها لا تطوف حتى تطهر.

стр. 56

المطلب الثاني التيسير في واجبات الحج وفيه مسائل: المسألة الأولى: لعلك لحظت أيها الكريم أثناء البحث حرص الإسلام دائماً على التخفيف عن المرأة في كثير من الأحكام مراعياً في ذلك طبيعة خلقتها، وما جبلت عليه من ضعف، وأنوثة يهيأنها إلى أداء وظيفتها في الحياة التي ترتبط بمنزلها ومقرها، كما نلحظ حرص الإسلام على الحفاظ على المرأة، وإبعادها عن مزاحمة الرجال، ومن هذا المنطلق لا تتعجب حين لا تقف على خلاف في أن للمرأة أن تتعجل فتدفع من مزدلفة بعد مغيب القمر، ولا يشترط أن تكون مريضة بل لها ذلك وإن لم يكن بها علة حتى تتمكن من السير إلى منى، ورمي الجمرة دون مزاحمة الرجال (١). ولأهل العلم أدلة من السنة النبوية، منها:

стр. 57

١. ما أخرجه البخاري، ومسلم (١) من حديث ابن عباس ? قال: «أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة مزدلفة في ضعفة أهله» واللفظ للبخاري. ٢. ما أخرجه البخاري، ومسلم (٢) من طريق عبدالله مولى أسماء، عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة. ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة. ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها. فقلت لها: يا هنتاه (٣) ما أرنا إلا قد غلسنا. قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظعن (٤). واللفظ للبخاري.

стр. 58

٣. ما أخرجه البخاري، ومسلم (١) من طريق القاسم، عن عائشة أنها قالت: استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله، وقبل حطمة الناس (٢)، وكانت امرأة ثبطة، يقول القاسم: والثبطة الثقيلة: قال: فأذن لها، فخرجت قبل دفعه، وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه؛ ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة، فأكون أدفع بإذنه، أحب إلي من مفروح به، واللفظ لمسلم. ٤. ما أخرجه مسلم (٣) «من طريق سالم بن شوال أنه دخل على أم حبيبة فأخبرته أن النبي ﷺ بعث بها من جمع بليل. المسألة الثانية: التسيير في الرمي: الرمي عبادة عظيمة يظهر فيها التسليم لأمر الله، وإقامة ذكره، وسأورد لك بعض المسائل الدائرة مع قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، وقاعدة «الأمر إذا ضاق اتسع» فيما يتعلق بالرمي.

стр. 59

١. التيسير في وقت رمي جمرة العقبة: اختلف أهل العلم في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة من الضعفة وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك، على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول الشافعي، وأحمد، وجماعة من أهل العلم (١) العلم (٢) «قالوا: إن أول الوقت الذي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر للقادر والعاجز. واستدلوا بما رواه أبو داود (٣) عن عائشة ? أنها قالت: أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله لي عندها. وأنكره الإمام أحمد (٤) وضعفه الألباني في الإرواء. ولأنه وقت للدفع من مزدلفة، فكذلك هو وقت للرمي.

стр. 60

القول الثاني: قول مالك وأبي حنيفة (١) قالا: أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس. وحجتهم أن النبي ﷺ رماها وقت الضحى وقال: «خذوا عني مناسككم». واحتجوا بما رواه الأربعة (٢) من حديث ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفاء أهله بغلس، ويأمرهم لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس» واللفظ لأبي داود، قال الترمذي: حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. وصححه النووي، وابن القيم، والألباني (٣). القول الثالث: ما ذهب إليه بعض أهل العلم، واختاره ابن القيم (٤) قالوا: إن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر، ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، واستدلوا على ذلك بحديثين:

стр. 61

الأول: حديث أسماء المتفق عليه (١) وفيه «فارتحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، وفيه قالت: «يا بني إن رسول الله أذن للظعن» ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور. الثاني: ما أخرجه البخاري، ومسلم (٢) من حديث سالم قال: وكان عبدالله ابن عمر يُقِّدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى الصلاة الفجر، ومنهن من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أَرْحض في أولئك رسول الله ﷺ . وهذا يدل على الترخيص للضعفة في رمي جمرة العقبة بعد الفجر، ولم يرخص لغيرهم. والراجح بالنظر في الأدلة جواز الرمي للضعفة ومن قدم معهم من الأقوياء لحديث عائشة، ولأن الضعفة يحتاجون إلى من يرافقهم لباقي مناسك الحج، فما لم نأخذ بالرخص لاسيما مع كثرة الداعي

стр. 62

أوقعنا كثيراً من المسلمين في الحرج. ويكون لوقت رمي جمرة العقبة وقتان: وقت فضيلة، وإجزاء، وقت الفضيلة بعد طلوع الشمس لحديث ابن عباس، ووقت الإجزاء بعد طلوع الفجر لحديث أسماء (١). ٢. التيسير في وقت الرمي • للحاج أن يرمي ليلاً: وهذا قول ابن عمر، وإليه ذهب الأحناف، وقول مالك، وأحد القولين عند الشافعية، وبه أفتى المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي برئاسة الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀ حينما اشتد الزحام على الجمرات (٢). واستدلوا: ١. بما رواه البخاري (٣) عن ابن عباس قال: سئل النبي ﷺ : رميت بعدما أمسيت؟ فقال: «لا حرج» قال: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: «لا حرج» واسم المساء يصدق على جزء من الليل.

стр. 63

٢. ما روى مالك في الموطأ عن نافع أن ابنه أخ لصفية بنت أبي عبيد، نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا، ولم ير عليهما شيئاً. وهذا دليل من فعل ابن عمر ? على أن الرمي ليلاً جائز • وللحاج أن يرمي قبل الزوال في سائر الأيام، وهو منقول عن ابن عباس، وقول طاووس، وعطاء في إحدى الروايتين عنه، ومحمد الباقر، ورواية غير مشهورة عند الحنفية: يجوز الرمي قبل الزوال في اليوم الثالث مطلقاً، وفي الثاني للمتعجل. وإليه ذهب ابن عقيل، وابن الجوزي من الحنابلة، والرافعي من الشافعية، ومن المعاصرين: الشيخ عبدالله آل محمود، والشيخ مصطفى الزرقاء، وقواه الشيخ السعدي ﵏ أجمعين (١) واستدلوا:

стр. 64

١. بما رواه الدار قطني (١) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا بالليل، وأي ساعة من النهار شاءوا. وإسناده ضعيف. قال ابن قدامة في «الكافي»: «وكل ذي عذر من مرض أو خوف على نفسه، أو ماله كالرعاة في هذا؛ لأنهم في معناهم» (٢). ٢. وبما أخرج البخاري، ومسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «اذبح ولا حرج» فجاء آخر فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: «ارم ولا حرج» فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدّم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». ووجه الدلالة أن النبي ﷺ لم يشترط الترتيب بين واجبات الحج، وفي هذا إشارة إلى عدم مراعاة الزمن. ٣. ومن أدلتهم عدم وجود دليل صريح في النهي عن الرمي قبل

стр. 65

الزوال لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من الإجماع. ٤. وأما رمي رسول الله بعد الزوال، فهو بمثابة وقوفه بعرفة بعد الزوال إلى الغروب، ومن المعلوم أن الوقوف لا ينتهي بذلك الحد، بل الليل كله وقت وقوف أيضاً. ٥. لو كان الرمي قبل الزوال منهيا عنه لبينه رسول الله ﷺ بيان شافياً صريحاً، حينما أجاب السائل الذي سأله عن رميه بعدما أمسي، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ٦. ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والرمي من الذكر، لما أخرج أبو داود (١) من حديث عائشة مرفوعاً: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» وضعفه الألباني (٢). فجعل اليوم كله محلاً للذكر، ومنه الرمي. وهذا يشبه أن يكون كالنص في المسألة عند التأمل، وبه استدل الشيخ عبدالرحمن بن سعدي.

стр. 66

٧. ما أخرجه البخاري (١) من طريق وبرة قال: سألت ابن عمر: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمي إمامك فارْمه. فأعدت عليه المسألة. قال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا. ولو كان الرمي قبل الزوال واجباً لبينه للسائل ابتداءً. ٨. أن رمي جمرة العقبة قُدم من طلوع الشمس لما قبل الفجر مراعاة للتيسير، ورفقاً بالضعفاء مع أن المتعين على الحجيج المبيت بمنى ليالي التشريق، فكيف بالمتعجل في اليوم الثاني عشر. وفي الأخذ بهذا القول رخصة للنساء والضعفاء خاصة في اليوم الثاني عشر لمن كان متعجلا. • وله أنه يؤخر رمي الجمرات عدا يوم العيد لليوم الأخير؛ لأن أيام التشريق كاليوم الواحد، فالرمي في جميعها أداء، فلو رمى عن اليوم الأول في الثاني، أو عن الثاني في الثالث، أو عن الأول والثاني في الثالث فلا شيء عليه؛ لأنها وقت للرمي كاليوم الواحد، ولكن تفوته السنة بفعله، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد، واختار هذا القول الشنقيطي (٢)

стр. 67

واستدلوا بما أخرجه الأربعة (١) من حديث عاصم بن عدي: «أن رسول الله ﷺ رخص للرعاة في البيتوتة يرمون يوم النحر، واليومين الذين بعده يجمعونهما في أحدهما». واللفظ للنسائي، وعند أبي داود، والنسائي، وابن ماجة «رخص للرعاة أن يرموا يوماً، ويدعو يوماً». قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في الإرواء (٢). فيجوز لمن كان في معنى الرعاة ممن هو مشغول أيام الرمي بعمل لا يفرغ معه للرمي، وكان منزله بعيداً عن الجمرات، ويشق عليه التردد عليها لاسيما من النساء أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم من أيام التشريق، ولا يؤخرها لما بعد ذلك. يقول ابن قدامة: «وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى، ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبي ﷺ رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم، أو تقول نص عليه المعنى وجد في غيرهم فوجب إلحاقه بهم» (٣).

стр. 68

والتأخير لتجنب الزحام، والمشقة، والاقتتال من أعظم المقاصد المعتبرة، وحياة الناس أولى بالرعاية من حياة المواشي كما في حال الرعاة، وحفظ الأرواح من المقاصد الخمسة المجمع على اعتبارها في الشريعة. ٣. التيسير في الإنابة في الرمي من عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو نحوه جاز له أن يستنيب من يرمي عنه، ولا شيء عليه عند الأحناف، والشافعية، والحنابلة (١)، على خلاف بينهم في إعادة الرمي إذا زال عجزه قبل آخر أيام التشريق. أمّا الإمام مالك فإنه سئل: هل يرمي عن الصبي والمريض؟ فقال: نعم، ويتحرى المريض حين يرمي عنه، فيكبر وهو منزله، ويهريق دماً (٢). فأباح الاستنابة مع العجز وألزم العاجز دماً. وفي المغني: «قال ابن المنذر: كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي، كان ابن عمر يفعل ذلك، وبه قال عطاء، والزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق» (٣).

стр. 69

وقال أبو إسحاق الشيرازي: «ومن عجز عن الرمي بنفسه المرض ميؤوس منه أو غير ميؤوس جاز له أن يستنيب من يرمي عنه؛ لأن وقته ضيق وربما فات قبل أن يرمي … » (١) وقال ابن قدامة: «إذا كان الرجل مريضا، أو محبوسة، وله عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه» (٢). ومن هنا يتضح لك أن ضابط الاستبانة العذر الذي يُعْجِز صاحبه عن الرمي كالمرض، والصفر، والحبس، والضعف وغيرها. ولا يجوز التوكيل في الرمي لغير عذر، ومن وكل أثم، ولزمه دم. واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣)، وابن ماجة في السنن (٤) من حديث جابر قال: «حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم». وإسناده ضعيف؛ لضعف أشعث بن يسار، وعنعنة أبي الزبير.

стр. 70

وضَعّف الرواية الألباني في حجة النبي ﷺ (١). واستدل أصحاب هذه الرواية بقياس غير الصبيان عليهم بجامع العجز في الجميع. ٢. الاستنابة في الرمي غاية ما يقدر عليه العاجز، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٣. قياس الاستنابة في الرمي على الاستنابة في أصل الحج، قالوا: والرمي أولى بالجواز. ٤. من دليل الجمهور على سقوط الدم عن العاجز عن الرمي المنيب غيره، ما أسقطه رسول الله ﷺ عن العاجز من الواجبات كطواف الوداع للحائض، والمبيت للرعاة، ولم يوجب الدم، ومعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. المسألة الثالثة: سقوط طواف الوداع عن الحائض والنفساء: طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم، وهذا قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب الأحناف، ورواية عن الشافعية، والحنابلة (٢).

стр. 71

وهل يجب طواف الوداع على الحائض والنفساء، وهل يسقط، وإذا سقط هل يجبر بدم أم لا؟ قال ابن المنذر: «قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع» (١). قال ابن قدامة: «والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت، ولا وداع عليها ولا فدية. هذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقد روي عن عمر وابنه أنهما أمر الحائض بالمقام لطواف الوداع، وكان زيد بن ثابت يقول به، ثم رجع عنه» (٢). والأدلة الصحيحة الصريحة على قول الجمهور كثيرة منها. ما أخرجه البخاري، ومسلم (٣) من حديث ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض. ٢، ما أخرجه البخاري، ومسلم (٤) من حديث عائشة قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت عائشة:

стр. 72

فذكرت حيضتها لرسول الله. فقال رسول الله ﷺ : أحابستنا هي؟ قالت: فقلت: إنها قد كانت أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة. فقال رسول الله ﷺ : «فلتنفر» واللفظ لمسلم. ٣. ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة، ومسلم (١) من طريق طاوس قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت، فقال له ابن عباس: إما لا فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ، قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول ما أراك إلا صدقت.

стр. 73

الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي شرع من الدين أيسره، ومن الملة أكملها، والصلاة والسلام على إمام الحنفاء من بعثه ربه ميسراً ومبشراً وبعد: فإن البحث لم يأت إلا على النزر اليسير من مظاهر التيسير فيما يتعلق بفقه النساء، وما هذه الوريقات إلا قطرات من بحر، وحبات من مكتل، وفي صحيح السنة ما تعجز عن إبراز سماحته فيما يتعلق بالحج آلاف الصفحات، ولكن جهد مقل أسأل الله أن يتقبله، ومع مظاهر التيسير التي بدت جلية فيما يتعلق بالنساء ومن في حكمهن في فريضة الحج؛ لرفع المشقة الجسدية، فهناك أمور عظمى يَبْرز من خلالها عناية الإسلام بالمعنويات، وإشباعه الحاجات الروح قبل البدن من خلال تعامل رسول الله ﷺ العظيم كشخصه مع زوجاته التسع اللاتي حججن معه، ولا ريب في حكيم تصرفاته، وفاضل أخلاقه؛ لأنه يفهم طبيعة المرأة، وعاطفتها المتدفقة، وكونها مسكن الوالد، ومحضن الولد، كيف وقد شبه النساء بالقوارير في الرقة، واللطافة، وضعف البنية، فجاءت أحكام الروح والبدن بما

стр. 74

يتناسب مع الخلقة، والتكوين، فتراه يأمر عبدالرحمن أن يخرج مع عائشة، بعد أن أبدت رغبتها في العمرة قائلة له «يا رسول الله كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري» (١) فيحقق لها ما أرادت، ويرسل معها أخاها عبدالرحمن، وتحيض حفصة في آخر لحظات الحج، فما يكون قوله إلا تعبيرا عن مكانة المرأة، ورفيع قدرها «أحبستنا هي» (٢) فسيحتبس هو وصحبه في رفقة كبيرة لأجل المرأة التي حاضت، والمتأمل لهدي رسول الله ﷺ في الحج وغيره يقف على حسن عشرته، وكرم ضريبته، وخيره العظيم لأهله. وفي نهاية البحث أخلص إلى مجموعة من النتائج، والتوصيات ١. نشر الأحاديث النبوية الصحيحة المتعلقة بإكرام النساء والتيسير عليهن ٢. خدمة الموضوعات الفقهية حديثيا. ٣. الحاجة إلى إبراز خلاف الفقهاء فيما يتعلق بمسائل التيسيرين الحج، لا سيما في مثل هذه الأزمان، وعدم إلزام الناس بقول مع

стр. 75

وجود رأي آخر معتبر له حظه من النظر. ٤. نشر الفتاوى المتعلقة بجوانب التيسير، والتي يتضح فيها فقه الفقهاء، وفهم العلماء في مراعاة: الدليل، والواقع المستجد من كل جوانبه، وتزايد أعداد الحجاج، وضيق المكان والزمان، وذهاب الأنفس شبه المطرد. ٥. تشكيل لجان ومجالس علمية متخصصة على مستوى العالم الإسلامي لدراسة الاختلافات بين الفقهاء فيما يتعلق بمسائل الحج خاصة واستخلاص ما قوي دليله، وكان أقرب إلى مقاصد الشريعة وكلياتها. ٦. القيام بالمناشط الدعوية التثقيفية للحجيج من قبل مؤسسات ا المجتمع، ووسائل الإعلام لإبراز أقوال العلماء وترجيح ما قام عليه الدليل فيما يتعلق بقضايا التيسير يقدمها كبار العلماء، وطلبة العلم. ٧. تفعيل دور الأئمة والخطباء، وإعطاؤهم خطباً في مواسم الحج تعد من قبل هيئة مختصة، يشار فيها إلى أهم قضايا التيسير الحج. ٨. إصدار مجلات علمية متخصصة فيما يتعلق بالتيسير في
следующие страницы →