← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).

стр. 2

أما بعد: فإن من أعظم ما اشتغل به البشر من القضايا الاجتماعية في القديم الماضي، وفي الحديث الحاضر، وما سيشغلهم في المستقبل القادم -على ما أعتقد- قضية المرأة، وقد تخبط البشر في معالجتها؛ لأنهم كانوا بمعزل عن شرع الله القويم، فجاءت أحكامهم مشوبة بالظلم، مغلفة بهوى النفس، وكانت المرأة الضحية في تلك الاجتهادات البشرية … وتوالت العصور، وعُرِضت «قضية المرأة» ولا تزال تعرض على مأدبة شعارها «الحرية»، وذروة سنامها «المساواة» وكأن الداعين لهذه الشعارات أُناسٌ مردوا على حب الفاحشة، والسطو على الأعراض، وهتك الحرمات، وتضخيم الأرصدة … وقد نجحوا في حملتهم الماكرة حتى آل الأمر في دول الغرب إلى تفكك الأسر، وتقوضت دعائم الفضيلة، وراج سوق الرذيلة، وكثر اللقطاء، وأمراض لم تعرف فيمن سبق، وأنذر الناصحون منهم بني جلدتهم من غب فعلتهم؛ ولكن هيهات بعد أن غرق القوم في مستنقع الرذيلة. وأمّا في بلاد المسلمين -حماها الله- فإن الأمر لم يصل إلى ما وصل إليه في بلاد الغرب، إلا أن بداية الشرر تطايرت إلى بعض أجزائه، بل وأحرقت الأجزاء الأخرى، وكانت هذه المجالات تثار في وقت مضى، واحدة تلو الأخرى بعد زمن، ويقضي عليها العلماء في مهدها، ويصيحون بأهلها من أقطار الأرض، ويرمون في آثارهم بالشهب، وفي أيامنا هذه كفأ الجُنَاة المِكْتل مملوءًا بهذه الرذائل بكل قوة وجرأة واندفاع، ومن خبيث مكرهم تحين الإلقاء بما في أحوال العسر والمكره، وزحمة الأحداث. وهذه الدعوات الوافدة المستوفدة قد جمعت أنواع التناقضات ذاتًا، وموضوعًا، وشكلًا.

стр. 3

فإذا نظرت إلى كاتبيها وجدتهم يحملون أسماءً إسلاميةً، وإذا نظرت إلى المضمون والإعداد، وجدته معول هدم في الإسلام، لا يحمله إلا مستغرب مُسَيَّر، أشرب قلبه الهوى والتفرنج، وإذا نظرت إلى الصياغة وجدت الألفاظ المولّدة، والتراكيب الركيكة، واللحن الفاحش، وتصيّد عبارات صحفية تقمش من هنا وهناك على جادة «القص واللزق» طريقة العجزة الذين قعدت بهم قدراتهم عن أن يكونوا كُتابًا، وقد آذوا من له في لسان العرب والذوق البياني أدنى نصيب. وهكذا من جَهِل لسان العرب، والقرآن والسنة أتي بمثل هذه العجائب!. وساعدهم ويساعدهم في سعيهم غير المشكور غفلة المسلمين، وضعف العلم الشرعي، وخطر الحملات التغريبية عند الرجال والنساء على حد سواء. وانقسم الناس حيال قضية المرأة إلى قسمين: غال في مطالباته، متجاوز في أطروحاته، لا يعي خطورة ما يكتبه، ولا ما يدعو إليه، (وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد) (١) يخطو آثار كل مستغرب، ويخترق سد الذرائع إلى الرذائل، ويتقحم الفضائل، وانبسط لسانه بالسوء، وجرى قلمه بالسُّوء، باسم المساواة والحرية. والثاني: جاف في شأن المرأة، يرى أنها نالت الحق، وتربعت عرش الفضل، وأن لا ظلم عليها، ولا خوف عليها، ويكذب مقاله حاله، وواقع نساء عصره. والعاقل من يرى أن في مجتمع النسوة حقوقًا مسلوبة، سُلبت منها على يد رجل جاهل بالشرع، يقيم حروف الكتاب لا حدوده، يحكّم العادة والتقليد على الكتاب والسنة، أو على يد مستغرب أرادها سلعة تباع وتشترى، وتستأجر وتكترى، يتباكى على حقوقها، وفي دخيلة نفسه س عي لإشباع شهواته، وإطفاء نزواته، مقتطعًا من

стр. 4

النصوص الشرعية ما يوافق هواه، لاويًا عنق النص تطويعًا لمبتغاه. والحق المبين، والطريق القويم سلوك طريق الكتاب والسنة، وإعطاء المرأة ما أعطاها الله من حق، وتكليفها بما عليها من واجب، في ضوء الكتاب وصحيح السنة على فهم السلف الصالح، فإن الله سبحانه قد حث على الاتباع، وذم التكلف والاختراع، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وفي ضوء ما تقدم أحببت أن أضرب بسهمي في هذا الموضوع بالإضافة إلى ما يأتي: ١ - بيان تحرير الإسلام الحقيقي للمرأة، ورفعه لمكانتها، وتعزيزه لشأنها. ٢ - الحاجة الماسة للتأصيل الشرعي لحقوق المرأة، وتخليصها من مطالبات التغريبيين، وتمديدات التقليديين. ٣ - الإسهام في تثقيف المرأة المسلمة بما لها من حقوق في ضوء الكتاب وصحيح السنة، وتقديم الآليات للحصول عليها. ٤ - تفنيد الشبهات المثارة حول الإسلام من قبل أعدائه أو أتباعهم حسدًا من عند أنفسهم. ٥ - تحقيق القول في قضايا المرأة المعاصرة، وبيان الراجح منها بناء على الدليل والتعليل. ٦ - كشف عوار وسوءات الحضارة الغربية، والمؤتمرات الدولية، وما ألحقته بالمرأة من أذى وحيرة. واخترت دراسة «حقوق المرأة فِي ضَوْءِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ» لأن الله قد هيَّأ للوحيين الشريفين حفاظًا، ولشرعه حراسًا، من أوعية العلم والأمانة في النقل،

стр. 5

فأُخِذ أول هذا الدين عن رسول الله ﷺ مشافهة وكتابةً لم يشبه لبس ولا شبهة، ثم نقله العدول عن العدول من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، أخذ كف بكف، وتمسك خلف بسلف كالحروف يتلو بعضها بعضًا، ويتسق آخرها على أولها وصفًا ونظمًا (١)، فأحببت أن أعرض القضية في ضوء هذا الحفظ المكين، وأسهم في خدمة السنة النبوية، والأسوة المحمدية على صاحبها ما يستحق من الصلاة والسلام؛ إذ إنها المنبع الثاني مع كتاب الله الذي تتفجر منه ينابيع حياة العالم الإسلامي، وسعادة المجتمع البشري.

стр. 6

موضوعات البحث: يشتمل البحث على مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة. المقدمة: وضمنتها: ١ - أهمية البحث. ٢ - أسباب اختياره. ٣ - موضوعات البحث. ٤ - منهج البحث. التمهيد: ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مكانة المرأة في بعض الحضارات القديمة والأديان الأخرى. المبحث الثاني: المرأة العربية في العصر الجاهلي. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: مكانة المرأة عندهم. المطلب الثاني: وأد البنات. المطلب الثالث: زواج المرأة عندهم. المطلب الرابع: طلاق المرأة، ونظام عدها عندهم. المطلب الخامس: حقوق المرأة المالية. المبحث الثالث: تأصيل معنى «حقوق المرأة». وفيه مطالبان: المطلب الأول: تقسيمات الحق. المطلب الثاني: التنوع في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال.

стр. 7

الباب الأول حقوق المرأة الشرعية وفيه سبعة فصول: الفصل الأول: أهلية التكليف. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: دلالة القرآن والسنة على أهلية المرأة للتكليف. المبحث الثاني: المساواة بين المرأة والرجل في الحدود. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حد السرقة. المطلب الثاني: حد القذف. المطلب الثالث: حق اللعان. المطلب الرابع: حد الزنى. المبحث الثالث: المساواة بين المرأة والرجل في جزاء الآخرة. الفصل الثاني: حق المرأة في العبادات. وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الطهارة. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: التخفيف عن المرأة في نقض الشعر عند الغسل. المطلب الثاني: وضوء وغسل الرجل مع امرأته. المطلب الثالث: أحكام تتعلق بالحائض. وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: مباشرة الحائض. المسألة الثانية: طهارة ذات الحائض. المسألة الثالثة: التخفيف عن الحائض. المطلب الرابع: أحكام تتعلق بالمستحاضة. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حق المرأة في العبادة. المسألة الثانية: مباشرة المستحاضة.

стр. 8

المبحث الثاني: الصلاة. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: خروجها للصلاة في المسجد. المطلب الثاني: إمامة النساء، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: جماعة النساء. المسألة الثانية: إمامة المرأة الرجال. المطلب الثالث: شهود المرأة لصلاة العيدين. المطلب الرابع: شهود المرأة لصلاة الكسوف. المبحث الثالث: الزكاة والصدقة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: دفع المرأة زكاة أو صدقة أموالها بدون إذن زوجها. المطلب الثاني: أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة. المبحث الرابع: حق المرأة في المبادرة إلى قضاء رمضان. المبحث الخامس: الاعتكاف. المبحث السادس: الحج. وفيه مطلبان: المطلب الأول: حج الفريضة. المطلب الثاني: تعجل الدفع من مزدلفة. الفصل الثالث: حق المرأة في الهجرة. الفصل الرابع: حق المرأة في التعليم. وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: الأحاديث النبوية في تعليم المرأة. المبحث الثاني: بعض المسائل العلمية من النساء لرسول الله ﷺ .

стр. 9

المبحث الثالث: عناية السلف الصالح بتعليم النساء. المبحث الرابع: صور مشرقة للمرأة في طلب العلم المبحث الخامس: حكم تعليم المرأة. الفصل الخامس: حق المرأة في الفتوى. الفصل السادس: حق المرأة في الدعوة. الفصل السابع: تفنيد الشبهات المثارة حول النصوص الشرعية. وفيه مبحثان: المبحث الأول: شبهات حول النصوص القرآنية. المبحث الثاني: شبهات حول الأحاديث النبوية. وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: شبهة شؤم المرأة. المطلب الثاني: شبهة نقصان عقل المرأة ودينها. المطلب الثالث: شبهة حول شهادة المرأة. المطلب الرابع: شبهة المرأة والشيطان في الحديث النبوي. المطلب الخامس: شبهة خلق المرأة من ضلع أعوج. المطلب السادس: شبهة اقتران المرأة بالحمار والكلب الأسود في الحديث النبوي. المطلب السابع: شبهة الغسل من بول الجارية، والرش من بول الغلام. الباب الثاني حقوق المرأة السياسية وفيه سبعة فصول: الفصل الأول: البيعة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: أنواع البيعة للنساء في ضوء السنة النبوية. وفيه أربعة مطالب:

стр. 10

المطلب الأول: البيعة على الإسلام. المطلب الثاني: بيعة الامتحان. المطلب الثالث: بيعة النساء. وفيه خمس مسائل: المسألة الأولى: وقت البيعة. المسألة الثانية: أدلة البيعة. المسألة الثالثة: حكم البيعة. المسألة الرابعة: أركان البيعة. المسألة الخامسة: كيفية البيعة. المطلب الرابع: بيعة النصرة والمنعة. المبحث الثاني: البيعة لولي الأمر. الفصل الثاني: حق المرأة في الاحتساب على أصحاب السلطة. الفصل الثالث: حق المرأة في الأمان والإجارة. الفصل الرابع: المرأة والجهاد. وفيه مطلبان: المطلب الأول: جهاد الكفاية. وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الأدلة على جواز خروج المرأة لجهاد الكفاية. المسألة الثانية: شروط خروج المرأة الجهاد الكفاية. المسألة الثالثة: أعمال المرأة في الجهاد. المطلب الثاني: الجهاد العيني.

стр. 11

الفصل الخامس: المرأة والقضاء. الفصل السادس: المرأة والولايات العامة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: أقسام الولايات العامة. المبحث الثاني: حكم تولي المرأة الولايات العامة. الفصل السابع: مجلس الشورى. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف أهل الشورى. المبحث الثاني: وظائف مجلس الشورى. المبحث الثالث: حكم عضوية المرأة في مجلس الشورى. الباب الثالث حقوق المرأة المالية وفيه ستة فصول: الفصل الأول: حق المرأة في الصداق. وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: أدلة مشروعية الصداق. المبحث الثاني: مقدار الصداق. المبحث الثالث: استحقاق الزوجة كامل الصداق. المبحث الرابع: استحقاق الزوجة نصف الصداق. المبحث الخامس: متعة المطلقات. وفيه مطلبان: المطلب الأول: مقدار المتعة. المطلب الثاني: مذاهب العلماء في حكمها. المبحث السادس: حكم تحديد ولي الأمر للصداق، وإلزام الناس به.

стр. 12

الفصل الثاني: حق المرأة في النفقة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف النفقة. المبحث الثاني: أقسام النفقة. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: نفقة القرابة. المطلب الثاني: نفقة الملك. المطلب الثالث: النفقة الزوجية. وفيه عشر مسائل: المسألة الأولى: أدلة وجوب النفقة الزوجية. المسألة الثانية: سبب وجوب النفقة الزوجية. المسألة الثالثة: مقدار النفقة الزوجية. المسألة الرابعة: توابع النفقة الزوجية، وفيها: نفقة خادم الزوجة، علاج الزوجة، جَهاز الزوجة. المسألة الخامسة: امتناع الزوج عن الإنفاق. المسألة السادسة: نفقة زوجة الغائب. المسألة السابعة: نفقة الزوجة المريضة. المسألة الثامنة: نفقة الزوجة الموظفة. المسألة التاسعة: نفقة الناشز. المسألة العاشرة: نفقة المعتدات من طلاق. الفصل الثالث: حق المرأة في الإرث. وفيه مبحثان: المبحث الأول: ميراث المرأة في الكتاب والسنة. المبحث الثاني: شبهة حول ميراث المرأة والرد عليها.

стр. 13

الفصل الرابع: حق المرأة في التعاقدات المالية. الفصل الخامس: المرأة والغنيمة. الفصل السادس: المرأة والدية. الباب الرابع حقوق المرأة الاجتماعية وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: حق المرأة أما. الفصل الثاني: حق المرأة بنتا. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الأمر بالإحسان للبنات. المبحث الثاني: تسوية البنت مع الذكر في العطية. المبحث الثالث: حرية البنت في اختيار الزوج. المبحث الرابع: تحريم العَضْل. الفصل الثالث: حق المرأة زوجةً. وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: لزوم الإحسان والعشرة بالمعروف. المبحث الثاني: حقوق المرأة الجنسية. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حق المرأة في الجماع. المطلب الثاني: أوقات الوطء وهيئاته. المطلب الثالث: حكم العزل. المطلب الرابع: حفظ الأسرار الخاصة بين الزوجين. المبحث الثالث: حفظها من الأنكحة الفاسدة. وفيه أربعة مطالب:

стр. 14

المطلب الأول: نكاح المتعة. المطلب الثاني: نكاح الشغار. المطلب الثالث: نكاح المحلِّل. المطلب الرابع: النكاح العرفي. المبحث الرابع: حق المرأة في الحضانة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: أجرة الحضانة. المطلب الثاني: مدة الحضانة. المبحث الخامس: حقوق المرأة المعنوية. الفصل الرابع: حق المرأة في العمل. وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: المبحث الأول: عمل المرأة الحقيقي في الإسلام. المبحث الثاني: حق المرأة في العمل خارج المنزل. المبحث الثالث: ضوابط عمل المرأة في الإسلام. الفصل الخامس: شبهات حول قضايا المرأة الاجتماعية. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: القوامة. المبحث الثاني: ضرب المرأة. المبحث الثالث: التعدد. المبحث الرابع: الطلاق. الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج، والتوصيات.

стр. 15

الفهارس: ١ - فهرس الآيات. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية. ٣ - فهرس المصادر والمراجع. ٤ - فهرس الموضوعات. منهج البحث وقد اتبعت في البحث المنهج الآتي: ١ - جمعت المسائل المتعلقة بحقوق المرأة في الكتاب والسنة النبوية. ٢ - إن كان الحق متفقًا عليه صدرت عنوان الفصل بـ «حق المرأة في … » وإن كان مختلفًا فيه صدرته بـ «المرأة و … ». ٣ - جمعت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على إثبات ما رأيته حقًا، وكلام المفسرين والمحدثين حول الآي والحديث، ووقائع التاريخ، التي تشهد لكونه حقًا. ٤ - ذكرت مذاهب العلماء في الحق المختلف فيه، مع بيان أدلتهم وتعليلاتهم، ومناقشتها، وتوثيقها من مصادرها. ٥ - حرصت على جمع قضايا العصر المتعلقة بحقوق المرأة، وأقوال العلماء المعاصرين فيها، وأدلتهم، وتعليلاتهم، ومناقشتها. ٦ - التزمت الترجيح بين الآراء المختلفة مبينة سبب الترجيح. ٧ - أوردت الأحكام الشرعية التي رجحت التخفيف في جانب النساء، مع إيراد الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم على ما أذكر. ٨ - تتبعت الشبهات المثارة حول الإسلام فيما يتعلق بقضايا المرأة، وأفردها بفصل في نهاية كل باب، ما لم ترتبط بحق للمرأة فإني أوردها خلفه، مع تفنيد الشبه عن طريق بيان مورد النص، ومفهومه، وكلام العلماء حوله. ٩ - أوردت نقولات عن علماء ومفكرين غربيين، وإحصاءات لحال المرأة في الغرب تدليلًا على نقض الحقوق المزعومة الناعق بهما أذناب المستشرقين. ١٠ - أدخلت كل فصل تحت أنسب الأبواب إليه، وراعيت في الأحكام الشرعية تبويبات المحدثين في مؤلفاتهم.

стр. 16

١١ - عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها من كتاب الله تعالى مبنية رقم الآية، واسم السورة. ١٢ - تجنبت ذكر الحديث الضعيف ما استطعت - ولم أورده إلا إن كان دليلًا المذهب عالم، والتزمت بيان ضعفه. ١٣ - التزمت تخريج الأحاديث النبوية، فإن كانت في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بالعزو لهما لتلقي الأمة لهما بالقبول، وإن تكرر الحديث في صحيح البخاري اخترت أقرب الألفاظ الدالة على المسألة، وأحلت على اسم الكتاب، والباب، ورقم الجزء، والصفحة، والحديث، وغالبًا ما أوردها في الحاشية إلا إن ترجحت مصلحة لذكرها في الأصل. وإن كان الحديث في غير الصحيحين اجتهدت في عزوه المصادر السنة المختلفة مبينة رقم الجزء، والصفحة، والحديث، ثم درست إسناده، ونقلت أقوال الأئمة المتقدمين في الحكم عليه إن وجد، وإن كان في إسناده ضعف وله متابعات وشواهد يرتقي بها أشرت إليها، والتزمت الحكم على إسناد كل حديث أورده. ١٢ - حررّت القول في بعض رجال الأسانيد لاسيما المختلف فيهم. ١٣ - بينت غريب الحديث واللغة محيلة على كتبهما. ١٤ - ختمت هذا البحث بخاتمة بينت فيها أهم نتائج البحث وتوصياته. د. نوال العيد

стр. 17

التمهيد وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مكانة المرأة في بعض الحضارات القديمة، والأديان الأخرى. المبحث الثاني: المرأة العربية في العصر الجاهلي. المبحث الثالث: تأصيل معنى «حقوق المرأة».

стр. 18

المبحث الأول مكانة المرأة في بعض الحضارات القديمة والأديان الأخرى على مر التاريخ، وتعاقب الأمم والحضارات كانت المرأة ممسوخة الهوية، فاقدة الأهلية، منزوعة الحرية، لا قيمة لها تذكر أو شأنًا يعتبر. بل كانت تقاسي في عامة أحوالها باستثناء عصور الرسالات الإلهية- ألوانًا من الظلم والذل، والقهر والشقاء، صاغتها أهواء ضالة، أو عقائد فاسدة. • فهي في مجتمع الصين متاع يباع ويشترى، بل كانت مسلوبة الحقوق الحسية والمعنوية، وكانوا يعتبرون ولادتها شؤمًا وسوءًا، وكانت طوال حياتها خاضعة لطاعات ثلاث: الأب، والزوج، والأخ البكر في حال غياب الأب، أو الابن في حال غياب الزوج، يقول «ول ديورانت»: فهي تابعة للرجل تقضي عمرها في طاعته، كما كانت محرومة من كافة حقوقها الاجتماعية والمالية. فهي عندهم قاصرة لا تملك من أمرها شيئًا. بل إن الرجل هو الوصي عليها في كل ذلك- كما لا تستحق تعليمًا ولا تثقيفًا … (١)» وكانت المرأة إذا تزوجت انتقلت إلى بيت زوجها وسميت باسمه، وكانت المرأة المتزوجة تسمى (فو) ومعناها (خضوع) دلالة على خضوعها التام لزوجها، وإذا مات الزوج كان على أرملته ألّا تتزوج بعده، وكان يطلب

стр. 19

إليها في بداية الأمر أن تحرق نفسها تكريمًا له. وإليك ملخص ما كانت تقاسيه (لقد سميت المرأة في كتب الصين القديمة «بالمياه المؤلمة» التي تفسد المجتمع أو تكنسه من السعادة والمال، فهي شر يستبقيه الرجل بمحض إرادته، ويتخلص منه بالطريقة التي يرتضيها ولو بيعًا -كبيع الرقيق والمتاع، حتى كان بالصين زهاء ثلاثة ملايين جارية سنة ١٩٣٧ م وقد يعضلون المرأة عن الزواج إذا مات زوجها فتبقى حيوان يخدم في البيت دون حق إنساني- تمامًا كالحمير والبغال) (١). • وأما أختها في الهند فليست بأحسن حالًا منها، بل إن الكتب المقدسة عندهم جعلت المرأة دون الرجل منذ الخلق الأول. ففي أساطير مَنو قوله: «عندما خلق النساء فرض عليهن حب الفراش، والمقاعد والزينة، والشهوات الدنسة، والغضب، والتجرد من الشرف وسوء السلوك، فالنساء دنسات كالباطل نفسه وهذه قاعدة ثابتة» (٢). ومن هنا يتبين أن المرأة في معتقدهم هي رمز غواية، وعنوان شر، ومصدر بنجاسة، وهذه نظرة ظالمة ليس لها ما يبررها، ألبسها الهنود ثوبًا دينيًّا حتى صارت عقيدة يتربى عليها الناس. ومما يدعو للعجب أن الهنود الذين عدُّوا المرأة مصدرًا للرذائل يجب إبعاده، حولوا معابدهم إلى مراكز للدعارة، مما يوجب التناقض في المفاهيم الهندية ففي كل معبد في «تامل» مجموعة من النساء المقدسات اللاتي يستخدمهن المعبد أول الأمر في الرقص والغناء أمام الأوثان ثم من الجائز أن يستخدمن بعد ذلك في

стр. 20

إمتاع الكهنة البراهمة (١). أمّا نظرة بوذا للمرأة فإنها لا تختلف كثيرًا عن نظرة منو للمرأة، فقد اعتبر «بودا» المرأة خطرًا على دعوته (لذلك تجد بوذا يتردد كثيرًا في قبولها لتكون من أتباعه، وقد سأله مرة أحد خاصته، وهو ابن عمه آئندا: كيف تعامل النساء أيها السيد؟ فأجاب: لا تنظر إليهن. ولكن إذا اضطررنا إلى النظر إليهن؟ لا تُخاطبْهن. ولكن إذا خاطبنا؟ إذًا كُنْ على حذر تام منهن) (٢). كما أوجبت شرائع الهند على الزوجة أن تتفانى في حب زوجها وطاعته، والصبر على المكاره معه، وأوجبت عليها أن تخدم زوجها كما لو كان إلهًا. (ولم يكن للمرأة حق في الاستقلال عن أبيها أو زوجها أو ولدها، فإذا مات هؤلاء جميعًا وجب أن تنتمي إلى رجل من أقارب زوجها، وهي قاصرة طيلة حياتها، ولم يكن لها الحق في الحياة بعد وفاة زوجها بل يجب أن تموت يوم موت زوجها، وأن تحرق معه وهي حية على موقد واحد. واستمرت هذه العادة حتى القرن السابع عشر حيث أبطلت على كره من رجال الدين الهنود) (٣). • ولما كان الفرس أمة حربية كانوا يفضلون الذكور على الإناث؛ لأن الذكور عماد الجيش في الحرب، وأما البنات فإنهن ينشأن لغيرهم، ويستفيد منهن غير آبائهن. وخضعت المرأة الفارسية القديمة للتيارات الدينية الثلاثة، فمن الزرادشتية

стр. 21

إلى المانوية، إلى المزدكية، وقد تركت كل ديانة من هذه الديانات بصماتها الواضحة على كيان الأسرة والمجتمع، ويكفي أن نعرف ما عند المزدكية، فقد ظهر مزدك سنة ٤٨٧ م ودعا إلى المنهج ذاته الذي سلكه زرادشت من القول بالثنائية في العالم، وأنه نشأ من أصلين: النور والظلمة، ولكنه خلع على النور والظلمة مفهومًا آخر غير مفهوم (ماني وزرادشت) فكان يرى في النور والظلام أنما أخوة، ومن ثم يرى أن الناس جميعًا سواسية، وما داموا كذلك فليعيشوا في حالة مساواة، وأهم ما تحب المساواة فيه هو: المال والنساء. وفي ذلك يقول الشهرستاني: «وكان مزدك ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما كان أكثر ذلك بسبب النساء والأموال، فقد أحل النساء، وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والهواء» (١) ويقول الطبري: «لقد ذهب مزدك وأصحابه إلى أن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتأسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أهم يأخذون للفقراء، من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين. وأن من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة، فليس هو بأولى من غيره، فارتضي السفلة ذلك واغتنموه، وكاتفوا (مزدك) وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم، حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله، وحملوا (قباذ) على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئًا … » (٢) واستمر الوضع كذلك حتى قضى عليه كسرى أنو شروان.

стр. 22

وكانت النساء تحت سلطة الرجل المطلقة الذي كان يحق له أن يحكم عليها بالموت، أو ينعم عليها بالحياة طبقًا لما يراه وتطيب له نفسه، فكانت كالسلعة بين يديه. كما كانت المرأة عندهم بخسة في الأدوار الطبيعية «كالحيض والنفاس» يُبْعدن في وقته عن المنازل، ويقمن في خيام صغيرة تضرب لهن في ضواحي المدينة أو البلدة، ولا يجوز مخالطتهن قطعًا، بل كانوا يعتقدون أنهم يتنحسون إذا مسوهم أو مسوا الخيام أو الأشياء المحيطة بهن (١). • أمّا الرومان فقد ابتدأوا حياهم بالمحافظة على نظام الأسرة وعلى معايير الشرف تمشيًا مع مستوى الأخلاق الذي كان مسيطرًا في بادئ أمرهم، وكانت الأم موضع تقدير واحترام، ولم تكن البغايا ومن يعاشرهن موضع تقدير، على الرغم من انتشارهن نسبيًّا في كبريات المدن، ولما توغل الرومان في الحضارة رقت أخلاقهم تدريجيًّا، وأصبح الاختلاط وغشيان المنتديات والحفلات منطلقًا لإبراز محاسن الأنثى، والتنافس في إرضائها أو إغوائها حتى كثر الفحش بين كبار العائلات، بعد أن كان تفاخر الأسر بحرص فتياها على العفاف. ولم يعد لعقد الزواج عندهم معني سِوى أنه عقد مدني، يتوقف استمراره على رضا المتعاقدين، لذلك كان انفصام عرى الزوجية يتم لأتفه الأسباب. ونتيجة لهذا التفلت من القيود التي كانت تحافظ عليها الأسرة الرومانية، تغيرت نظرهم إلى العلاقة غير الشرعية، فكثر الزين وانتشر الخنا. وقد كان القانون الروماني يعتبر الأنثى سببًا من أسباب انعدام الأهلية

стр. 23

كحداثة السن والجنون، ولم تكن لها أي أهلية أو شخصية قانونية. وكانت سلطة رب الأسرة على أبنائه وبناته تمتد حتى وفاته مهما بلغ سن الأبناء والبنات، كما كانت له سلطة -أيضًا- على زوجته وزوجات أبنائه وأبناء أبنائه، وكانت هذه السلطة تشمل البيع والنفي والتعذيب والقتل، وكان رب الأسرة هو مالك كل أموالها، فليس لفرد فيها حق التملك. وعرف الرومان نوعًا من أنواع الزواج اسمه «الزواج بالسيادة» وبه تدخل المرأة في سيادة زوجها، وتصير في حكم ابنته، وتنقطع صلتها بأسرتها الأولى، ولقد بلغ من سيادة زوجها عليها، أن كانت تحال إليه إذا ما اتهمت بجريمة، ليحاكمها ويعاقبها بنفسه وكان له أن يحكم عليها بالإعدام في بعض التهم كالخيانة مثلًا، وكان إذا توفي عنها زوجها دخلت تحت وصاية أبنائه الذكور، أو إخوان زوجها أو أعمامه (١). وبذلك يتضح أن المرأة في الحضارة الرومانية مسلوبة الأهلية الإنسانية والقانونية. • وعلى الرغم من أن اليونان من أرقى الأمم القديمة حضارة إلا أن المرأة عندهم كانت أنموذجًا يمثل مصدر مصائب الإنسان وآلامه حتى أسموها رجسًا من عمل الشيطان، مسلوبة العقل ليس لها حق التعليم. يقول أرسطو: «إن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي يعتد به، ولذلك يجب أن تقتصر تربيتها على شؤون التدبير المنزلي والأمومة والحضانة وما إلى ذلك … ثم يقول: ثلاث ليس لهم التصرف في أنفسهم: العبد ليس له إرادة، والطفل له

стр. 24

إرادة ناقصة، والمرأة لها إرادة وهي عاجزة» (١). وإذا انتقلنا إلى أفلاطون رائد المدرسة العقلية لم نجده أحسن فكرًا منه (فقد كان يضع النساء في مرتبة الأطفال والخدم ويرى أن الرجال هم أرقى منزلة من النساء، بينما يلاحظ «أيروبيد» أن النساء غير قادرات، ولا من أهل للعمل الصالح، بل هن آلات للشر وبث السوء في المجتمع) (٢). ولذا فقد اقتصرت النساء في «أثينا» على الأعمال المنزلية وخدمة البيت، وإن كن في «إسبارطة» قد أعطين شيئا من الحقوق المدنية، فما ذلك عن سماحة منهم واعترافٍ بأهلية المرأة، وإنما كان ذلك لحاجة المجتمع الحربي للقوة فكانوا يدربون الفتاة الإسبارطية على الرياضة البدنية والمصارعة وقذف القرص والحربة وما إلى ذلك. وقد جرد القانون اليوناني المرأة من حقوقها المدنية ووضعها تحت السيطرة المطلقة للرجل في مختلف مراحل حياتها بل يعتبرها من ممتلكات ولي أمرها قبل زواجها، ومن ممتلكات الزوج بعد الزواج، فكانت كسقط المتاع تباع وتشترى، ولم يعطوها حقًا في الميراث (٣). وبعد استعراض سريع للحضارات القديمة أترك للقارئ فرصة التأمل ومعايشة أنواع الظلم والإهانة التي قاستها حواء في مجتمعات منزوعة الرحمة، مستعبِدة الضعفاء. ثم أنتقل إلى حال المرأة في ظل الأديان السابقة المحرفة التي قضت المرأة حياتها فيها في متاهات الذل والاحتقار، وأهدرت آدميتها بسبب تحريف الديانات السماوية عن موضعها، فاليهود عدُّوها سبب الخطيئة الأولى، والنصارى

стр. 25

عدُّوها البعد عن المرأة أساس دخول ملكوت السماوات. • كانت النظم اليهودية مصطبغة بسمات صحراوية، وما برحت عاداتهم البدوية غلّابة على أجيالهم المتعاقبة، وفي التوراة إشارة إلى أصلهن الصحراوي، فقد جاء في سفر التثنية: «أن قسم الرب هو شعبة يعقوب حبل ونصبه، وجده في أرض قفر وفي خلاء مستوحش خرب وإلى أن قال - أركبه على مرتفعات الأرض، فأكل ثمار الصحراء وأرضعه عسلًا من حجر وزيتًا من صوان الصخر) (١) ويؤكد هذا ما جاء على لسان يوسف ﵇ حين ذكر نعم الله عليه وعلى أبويه حين جاء بهم من البدو … قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ (٢) ولهذا قامت شريعة إسرائيل على ما يقتضيه نظام الأمة الحربية من خضوع المرأة للرجل، والرغبة في كثرة النسل، الذي هو ضرورة من ضرورات الحرب التي لا تغني فيها النساء شيئًا. ويعدُّ اليهودُ المرأةَ لعنة، وأنها أغوت آدم، وأوقعته في شراك المعصية، لقد جاء عندهم في التوراة أن الرب سال آدم: (هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها. قال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت) (٣). ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، فالموقف من المرأة عند اليهود هو موقف يتهمها منذ البداية، فقد ورد في العهد القديم عن المرأة ما يلي: «درت أنا وقلبي لأعلم ولأبحث وأطلب حكمة وعقلًا، ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة

стр. 26

أنها جنون، فوجدت أمر من الموت: المرأة التي هي شباك، وقلبها إشراك، ويداها قيود» (١). كما أن شرعة اليهود تحرد المرأة من معظم حقوقها المدنية في مختلف مراحل حياتها، وتجعلها تحت وصاية أبيها وأهلها قبل الزواج، وتحت زواجها بعد الزواج، وتنزلها في كلا الحالتين منزلة الرقيق، بل إنها تبيح للوالد المعسر أن يبيع ابنته بيع الرقيق. يؤكد ذلك ما جاء في سفر الخروج ما نصه: «وإذا باع رجل ابنته أمة لا تخرج كما يخرج العبيد» (٢) أي لا تعتق بل تظل أمة مدى الحياة. والمتأمل لحال المرأة في المجتمع اليهودي يجدها لا تختلف عن المجتمعات البدائية فهي مملوكة لأبيها قبل الزواج، ثم تشترى منه عند نكاحها؛ لأن المهر كان يدفع لأبيها أو لأخيها على أنه من شراء، وبذلك تصبح مملوكة لزوجها، وهو سيدها المطلق، إذ إن العقد في شريعتهم «عقد سيادة» لا عقد زواج» (٣). والمرأة في الشريعة اليهودية تورث كجزء من تركة الميت، فإذا مات زوجها ورثها وارثه مع بقية المتروكات وله أن يبيعها أو يعضلها، ومن ذلك ما جاء في العهد القديم في سفر التثنية: «إذا سكن أخوة معًا ومات واحد منهم، وليس له ابن فلا تصر امرأة الميت إلى خارج الرجل أجنبي. أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة، ويقوم لها بواجب أخ الزوج» (٤) فبمجرد موت الزوج تصبح أرملته

стр. 27

المسماة عند اليهود (يا باماه) زوجة تلقائيا لشقيق زوجها أو أخيه لأبيه، ولاسيما إذا لم تنجب لزوجها الأول ابنًا، سواءٌ أرضيت بذلك أم كرهت، ولا تحل لأحد غيره ما دام حيا إلا إذا تبرأ منها. وبدهي أن المرأة التي تورث كالمتاع لا حق لها في الميراث، فالقاعدة أن الرجل إذا مات وليس له أبناء ورثه إخوته أو بنو عشيرته، أمّا النساء فلا نصيب لهن مما ترك الرجل بل كن يورثن، ثم بعد فترة ورثت التوراة البنت، إذا لم يكن للأب أبناء ذكور على أن تتزوج رجلًا من عشيرته كما جاء ذلك في سفر العدد: «وكل بنت ورثت نصيبًا من أسباط بني إسرائيل كل واحد نصيب أبنائه» (١). (ثم إن المرأة عندهم غير طاهرة من اليوم الذي تبدأ فيه بالشعور بأن عادها الشهرية قد اقتربت، وحتى إذا لم يكن هناك أثر ظاهر، وعلى الزوج عدم ملامستها ولا حتى بأصبعه الصغير ولا يسمح له بمناولتها أي شيء، ولا حتى شيئًا طويلًا، ولا أن يأخذ منها شيئًا من يده إليها أو العكس غير مسموح به أيضًا، ولا يسمح له بالأكل معها على نفس المائدة. إلا إذا فرق شيء بين طبقه وطبقها، ولا يسمح له بشرب ما تفضل منها في الكوب ولا يسمح لهما بالمبيت في السرير نفسه، ولا بالركوب معه في عربة واحدة أو قارب واحد، وإذا عملا في مكان واحد فيشترط ألّا يتلامسا، وإذا مرض زوجها ولم يكن هناك من يقوم عليه غيرها، فإنه مسموح لها بذلك ما دامت لا تلامسه ملامسة مباشرة، أما إذا مرضت المرأة فإن زوجها غير مسموح له بأن يقوم عليها حتى وإن لم يلمسها) (٢). ومن هنا يظهر أن المرأة في اليهودية المحرّفة شَرٌّ لا بد منه، وآفة مرغوب

стр. 28

فيها، محبوبة فتاكة. • ولم تكن المرأة في النصرانية المحرّفة بأحسن حالًا من المرأة اليهودية. فقد عُّدوها أصل الخطيئة ورأس الشر؛ لأنها سبب كل الفساد وسبب خروج آدم من الجنة، وفي ذلك يقول صاحب كتاب المرأة في مختلف العصور: «كان لقصة آدم وحواء أشد الأثر في الإساءة إلى المرأة في بعض عصور المسيحية. فرجال مثل «ترتليان» قد ذهبوا إلى أن المرأة عون الشيطان في الأرض، أليست هي التي أطاعت الشيطان وعصت كلام الله؟ وهذه النظرة التي أسرف في شرحها «ترتليان» وبسط نتائجها، أثرت في تاريخ المرأة المسيحية، وكانت من أهم ما حال بينها وبين التقدم في كثير من العصور» (١). فكانت المرأة نتيجة لذلك مطالبة بنوع من سلوك معين حتى وهي داخل الكنيسة فقد أصدر بولس أوامر صارمة لأتباعه وكما يقول صاحب كتاب قصة الحضارة: «لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمن، ولكن إذا كن يردن أن يتعلمن شيئًا فليسألن رجالهن في البيت؛ لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في الكنيسة» (٢). ولقد تسربت إلى المسيحية فكرة الخوف من المرأة فقال «كريستوه»: «المرأة شر لا بد منه، وإغواء طبيعي، وكارثة لازمة، وخطر منزلي، وفتنة مهلكة، وشر عليه طلاء» (٣).

стр. 29

وقد وصمت الكنيسة العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة بالنجاسة، ولذا يجب أن تجتنب، ولو كانت عن طريق نكاح مشروع، ومن هذه النظرة انتشرت الرهبانية لدى كثير من الرجال، وامتنعوا عن الزواج، كما انتشرت نظرت الازدراء لمن يكشف عن زواجه … ؛ لأن علاقة الزواج مبنية على أمر نجس (١). وقد حرمت الكنيسة الطلاق، مهما بلغ التباغض بين الزوجين مداه، وأقصى ما يمكن اتخاذه في مثل هذه الحال، أن يفرق بينهما جسدية مع امتناع كل منهما عن الزواج حتى يفرق بينهما الموت (٢). وفي عام ٥٨١ م عقد مجمع «ماكون» المشهور مؤتمرًا، ليبحث فيه بعض اللاهوتيين عن أصل المرأة وجنسها؟ وهل هي جسد ذو روح يناط بها الخلاص والهلاك أو لا؟ وهل لها أن تعبد الله كما يعبده الرجل؟! (٣). ومن هنا يعلم ما عانته المرأة في ظل حكم البشر، وما طالها من الذل والاحتقار، وأنواع الصَّغار حتى انجلى الليل بظلمته، وتنفس نور الصباح ليغطي الكون لحجته، ونالت المرأة في الشرعة المحمدية، والملة الإسلامية ما حرمها البشر إياه، فأصبحت بحقٍّ شقيقةَ الرجل، فلله الحمد من قبل ومن بعد.

стр. 30

المبحث الثاني المرأة العربية في العصر الجاهلي لقد تكلم القرآن والسنة عن حال المرأة قبل بزوغ شمس الإسلام، تذكيرًا للنساء بمنة التحرير من قيود الذل والإهانة، وما أضفى إليهن من مكارم ومكانة فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه. وإليك هذه الجوانب التي تبين وضع المرأة وواقعها في ذلك العصر من خلال النص. ويشتمل هذا المبحث على خمسة مطالب: المطلب الأول: مكانة المرأة. المطلب الثاني: وأد البنات. المطلب الثالث: زواج المرأة. المطلب الرابع: طلاق المرأة، ونظام عدها. المطلب الخامس: حقوق المرأة المالية. المطلب الأول: مكانة المرأة لقد أبغض العرب البنات، وكان أحدهم إذا بشر بمولوده أنثى علا وجهه السواد كآبة، وامتلأ قلبه حزنًا، ثم فكّر في مصير تلك الأنثى أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب؟ يقول الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١). وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات الكريمة من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم، ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال: إني وإن سيق إلىّ المهرُ

стр. 31

ألفٌ وعبدان وذود عشرُ أحب أصهاري إلىّ القبر (١). ويروى لعبد الله بن طاهر قوله: لكل أبِ بنت يراعي شؤونها … ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر فبعل يراعيها وخدر يكنها … وقبر يواريها وخيرهم القبر فكانوا يؤثرون موت البنت على حياتها وزواجها، مهما عظم الزوج، وكثر المهر. وكانوا يقولون لمن يولد له بنت: أمنكم الله عاركم، وكفاكم مؤنتها، وصهرت القبر (٢). يقول الرازي في تفسيره: «أما قوله ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فالمعنى أنه يصير متغيرًا تغير مغتم، ويقال لمن لقي مكروهًا: قد أسود وجهه غمًّا وحزنًا، وأقول: إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم؛ وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه، انشرح صدره، وانبسط روح قلبه من داخل القلب، ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه؛ لما بينهما من التعلق الشديد، وإذا وصل الفرح إلى ظاهر الوجه، أشرق الوجه، وتلألأ، واستنار، وأمّا إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب، ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه، فلا جرم يَرْبدُّ الوجه، ويصفرَّ، ويسودُّ، ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه، ومن

стр. 32

لوازم الغم كمودة الوجه، وغيرته وسواده … ولهذا المعين قال: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ممتلئ غما وحزنًا» (١). وتأمل في الآية موقف الجاهليين من الإناث: ١ - امتلاء القلب حزنًا وغيظًا، واسوداد الوجه؛ لسوء ما بشر به. ٢ - اختفاؤه من صحبه من سوء ما بشر به، لئلا يروا ما هو فيه من الحزن والكآبة؛ أو لئلا يشمتوا به ويعيروه (٢). ٣ - التفكير في مآل ذاك الإنسان، واتخاذ قرار يصادم إنسانية الأب والطفلة ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ فهو بين أمرين: إمّا أن يُمْسكه على هون، والضمير الظاهر في «يُمْسكه» يعود على «ما» في قوله ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ فهو إمّا أن يبقي المولودة على هوان وذل لها -والهون بمعنى الهوان لغة لقريش (٣) - أو يدفنها حية في التراب فيئدها. ففكره بين أمرين: إمّا حياة ذل، أو موت وأد -فلا حول ولا قوة إلا بالله- ثم ختم الرب -جل وعلا- آياته بسوء حكمهم، إذ نسبوا له ما يكرهون سبحانه، واختاروا لأنفسهم ما يشتهون. - وكذا قال سبحانه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (٤).

стр. 33

واتفق المفسرون على تأويل قوله: ﴿مَا يَكْرَهُونَ﴾ بالبنات (١)، واختلفوا في قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾: ١ - يقول الطبري: «وأمّا الحسني التي جعلوها لأنفسهم فالذكور من الأولاد؛ وذلك أهم كانوا يعدون الإناث من أولادهم، ويستبقون الذكور منهم، ويقولون لنا الذكور، ولله البنات» (٢) فانظر إلى التبرير الفاسد في وأد البنت، ونسبتها للرب، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. ٢ - قال ابن كثير: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسين في الدنيا، وإن كان ثم معاد ففيه -أيضًا- لهم الحسني، وإخبار عن ما قال بعضهم كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (٣) وكقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (٤) … » (٥). وعلى كل فأقوال المفسرين اختلفت اختلاف تنوع لا تضاد، فلا مانع من حمل الآية على كلا المعنيين.

стр. 34

كما قال تعالى ينكر عليهم قسمتهم الضيزي: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١) وكقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (٣). بل كان أهل الجاهلية يستأثرون بالطيب الأعلى، ويشركون نساءهم في الخبيث قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٤). قال ابن عباس: هو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكراهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثي تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء فنهى الله عن ذلك، وكذا قال السدي. وقال الشعبي: البحيرة (٥) لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء، وكذا قال عكرمة، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن سلم (٦).

стр. 35

وعلى هذا فإن ما في بطون الأنعام دائر بين الألبان أو الأجنة. واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله أُنِّثتْ الخالصة، فقال بعض نحويّي البصرة، وبعض الكوفيين: أُنِّثتْ لتحقيق الخلوص؛ لأنه لما حقق لهم الخلوص أشبه الكثرة، فجرى مجرى راوية ونسابة. وقال بعض نحويّي الكوفة: أُنِّثتْ لتأنيث الأنعام؛ لأن ما في بطونها مثلها، فأُنِّثت لتأنيثها. ورجحّ الطبري الأول من الأقوال؛ وأريد بذلك المبالغة في خلوص ما في بطون الأنعام التي كانوا حرموا ما في بطوها على أزواجهم فجعلوها لذكورهم دون إناثهم (١). فانظر إلى قسمتهم الضيزى، بل ونسبتهم هذه الشرعة الجائرة إلى الله، تعالى الله عن قولهم. ولا غرو في هذه القسمة، وذاك التفضيل، لأن قراره الأول حال ولادتها: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾، فما اتخذه من قسمة جرى فيه على قراره الأول. المطلب الثاني: وأد البنات معنى الوأد: لقد حرم الجاهليون المرأة حقها في الحياة إنسانًا، فقتلوها بطريقة بشعة، تدل على الهمجية، وغياب الرحمة والإنسانية، وذلك بوأد البنت وهي أن تدفن حية في التراب حتى تموت (٢)، وفيه تناسب متسق بين وأد البنت والمعنى اللغوي؛ إذ أن أصل الوأد

стр. 36

الشدة، ومنه سمّي الصوت العالي الشديد وئيدًا، وشدة الوطء على الأرض وئيدًا (١)، وفي قتل الطفلة حية من الشدة ما لا يخفى سواءٌ من جهة الأب غائب القلب، أو الشدة على المظلومة، وما يتبعه من صوت عال شديد مستنجد بالمحرم القاتل، أو الشدة في طريقة إزهاق الروح، وقتل النفس بغير الحق. طريقة الوأد: ويصف لنا الزمخشري طريقة الوأد فيقول: «كان الرجل إذا ولدت له بنت، فأراد أن يستحييها، ألبسها حبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية، قال لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض، وقيل: كانت الحامل إذا أقربت، حفرت حفرة، فتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنا حبسته» (٢). أسباب الوأد: ١ - كراهيتهم لجنس الإناث (٣)، وقد ذكر الرب هذا السبب في كتابه فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٤). ولذا جاء بعد هذه الآيات: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ (٥).

стр. 37

٢ - خوفًا عليهن من السبي والعار، فقتلهن حمية وغيرة، ويقال إن أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي، حين أغار عليه النعمان بن المنذر بعد أن منعته تميم الإتاوة فحاربهم، وسبي نساءهم، وأسر بنته فاتخذها لنفسه، ثم حصل بينهم صلح، فخير ابنته فاختارت زوجها، فآلى على نفسه ألا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب في ذلك (١)، وروي أن قيسًا وأد بضع عشرة بنتًا (٢). ٣ - وكان من العرب فريق ثان، يقتلون أولادهم مطلقًا؛ إمّا نَفَاسةً منه على ما ينقصه من ماله، وإمّا من عدم ما ينفقه عليه، وقد ذكرهم الله في القرآن فقال: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٤)، والآيتان وإن كانتا على العموم في النهي عن قتل الأولاد ذكرانًا وإناثًا، إلا أن الإناث يدخلن دخولًا أوّليًّا لما عُرِف من عادات العرب في الجاهلية من وأدهم البنات. ولذا قال الرازي في تفسيره عند تفسير سورة الأنعام: «والمراد منه النهي عن الوأد؛ إذ كانوا يدفنون البنات أحياء: بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر وهو السبب الغالب» (٥). وممن جعل آية الإسراء في وأد البنات قتادة، والبغوي، والزمخشري، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير (٦) وغيرهم، وليس معنى هذا أنهم لم يقتلوا الابن

стр. 38

من الفقر؛ لكن غالب القتل وقع على الأنثى. وتأمل -رحمك الله- تقديم ضمير الأولاد على المخاطبين في سورة الإسراء على عكس ما وقع في سورة الأنعام للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزق؛ أو لأن الباعث على القتل هناك الإملاق الناجز ولذلك قيل: «من إملاق» وهاهنا الإملاق المتوقع، ولذلك قيل «خشية إملاق» (١). فهم يزهقون الأنفس البريئة سواءٌ عايشوا الفقر أو خافوا معايشته، وجاء في الحديث الذي أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك» قلت: ثم أي؟: قال: «أن تزني بحليلة جارك». واللفظ للبخاري. فلم يحرم الإسلام قتل الولد مخافة الفقر فحسب، بل عده من أعظم الذنوب عند الله. أعلام استنقذوا البنات مِنْ الوأد: ولم تخل المجتمعات من أصحاب القلوب الرحيمة، والمواقف العظيمة الذين دفعوا أموالهم لشراء الأرواح، واستنقاذ البنات، فماتوا وما زال ذكرهم حيًا، يفوح مسكًا جليًّا، وممن خلد التاريخ اسمه: زيد بن عمرو بن نفيل، قال

стр. 39

البخاري في صحيحه (١): وقال الليث: كتب إليّ هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة، ويقول للرجل: إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها. ووصله النسائي في السنن الكبرى (٢)، والمحاملي في أماليه (٣)، والحاكم في المستدرك (٤) ثلاثتهم من طريق أبي أسامة، والطبراني في المعجم الكبير (٥)، من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، والحافظ في تغليق التعليق (٦) من طريق الليث كلهم عن هشام بن عروة به بنحوه. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا. كما اشتهر -أيضًا- صعصعة بن ناجية بإحياء الموءودات، وامتدحه بذلك حفيده الفرزدق فقال:

стр. 40

ومنّا الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأدِ (١). وحق للفرزدق أن يفخر به، فنعم الرجل هو (٢) -وقد كانت له صحبة- ونعم المكرمة مكرمته. أخرج ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣)، والعقيلي في الضعفاء (٤)، والطبراني في الكبير (٥) ثلاثتهم من طريق طفيل بن عمرو، عن صعصعة بن ناجية: قال: قدمت على النبي ﷺ فعرض عليّ الإسلام، فأسلمت، وعلمني آيات من القرآن، فقلت: يا رسول الله إني عملت أعمالًا في الجاهلية فهل لي فيها من أجر؟ قال: «وما عملت؟» فقلت: ضلت ناقتان لي عشراوان، فخرجت أبتغيهما على جمل لي، فرفع لي بنيان في فضاء من الأرض، فقصدت قصدها، فوجدت في أحدهما شيخًا كبيرًا، فقلت: هل احتسستم ناقتين عشراوين، قال: وما ناراهما؟ (٦) قلت: ميسم بن دارم. قال: قد أصبنا ناقتيك، ونتجناهما، وقد نعش الله مما أهل بيت من قومك من العرب من مضر، فبينما هو يخاطبني إذ نادت امرأة من البيت الآخر قد ولدت. قال: وما
следующие страницы →