← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الشدة، ومنه سمّي الصوت العالي الشديد وئيدًا، وشدة الوطء على الأرض وئيدًا (١)، وفي قتل الطفلة حية من الشدة ما لا يخفى سواءٌ من جهة الأب غائب القلب، أو الشدة على المظلومة، وما يتبعه من صوت عال شديد مستنجد بالمحرم القاتل، أو الشدة في طريقة إزهاق الروح، وقتل النفس بغير الحق. طريقة الوأد: ويصف لنا الزمخشري طريقة الوأد فيقول: «كان الرجل إذا ولدت له بنت، فأراد أن يستحييها، ألبسها حبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية، قال لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض، وقيل: كانت الحامل إذا أقربت، حفرت حفرة، فتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنا حبسته» (٢). أسباب الوأد: ١ - كراهيتهم لجنس الإناث (٣)، وقد ذكر الرب هذا السبب في كتابه فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٤). ولذا جاء بعد هذه الآيات: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ (٥).

стр. 37

٢ - خوفًا عليهن من السبي والعار، فقتلهن حمية وغيرة، ويقال إن أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي، حين أغار عليه النعمان بن المنذر بعد أن منعته تميم الإتاوة فحاربهم، وسبي نساءهم، وأسر بنته فاتخذها لنفسه، ثم حصل بينهم صلح، فخير ابنته فاختارت زوجها، فآلى على نفسه ألا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب في ذلك (١)، وروي أن قيسًا وأد بضع عشرة بنتًا (٢). ٣ - وكان من العرب فريق ثان، يقتلون أولادهم مطلقًا؛ إمّا نَفَاسةً منه على ما ينقصه من ماله، وإمّا من عدم ما ينفقه عليه، وقد ذكرهم الله في القرآن فقال: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٤)، والآيتان وإن كانتا على العموم في النهي عن قتل الأولاد ذكرانًا وإناثًا، إلا أن الإناث يدخلن دخولًا أوّليًّا لما عُرِف من عادات العرب في الجاهلية من وأدهم البنات. ولذا قال الرازي في تفسيره عند تفسير سورة الأنعام: «والمراد منه النهي عن الوأد؛ إذ كانوا يدفنون البنات أحياء: بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر وهو السبب الغالب» (٥). وممن جعل آية الإسراء في وأد البنات قتادة، والبغوي، والزمخشري، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير (٦) وغيرهم، وليس معنى هذا أنهم لم يقتلوا الابن

стр. 38

من الفقر؛ لكن غالب القتل وقع على الأنثى. وتأمل -رحمك الله- تقديم ضمير الأولاد على المخاطبين في سورة الإسراء على عكس ما وقع في سورة الأنعام للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزق؛ أو لأن الباعث على القتل هناك الإملاق الناجز ولذلك قيل: «من إملاق» وهاهنا الإملاق المتوقع، ولذلك قيل «خشية إملاق» (١). فهم يزهقون الأنفس البريئة سواءٌ عايشوا الفقر أو خافوا معايشته، وجاء في الحديث الذي أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك» قلت: ثم أي؟: قال: «أن تزني بحليلة جارك». واللفظ للبخاري. فلم يحرم الإسلام قتل الولد مخافة الفقر فحسب، بل عده من أعظم الذنوب عند الله. أعلام استنقذوا البنات مِنْ الوأد: ولم تخل المجتمعات من أصحاب القلوب الرحيمة، والمواقف العظيمة الذين دفعوا أموالهم لشراء الأرواح، واستنقاذ البنات، فماتوا وما زال ذكرهم حيًا، يفوح مسكًا جليًّا، وممن خلد التاريخ اسمه: زيد بن عمرو بن نفيل، قال

стр. 39

البخاري في صحيحه (١): وقال الليث: كتب إليّ هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة، ويقول للرجل: إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها. ووصله النسائي في السنن الكبرى (٢)، والمحاملي في أماليه (٣)، والحاكم في المستدرك (٤) ثلاثتهم من طريق أبي أسامة، والطبراني في المعجم الكبير (٥)، من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، والحافظ في تغليق التعليق (٦) من طريق الليث كلهم عن هشام بن عروة به بنحوه. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا. كما اشتهر -أيضًا- صعصعة بن ناجية بإحياء الموءودات، وامتدحه بذلك حفيده الفرزدق فقال:

стр. 40

ومنّا الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأدِ (١). وحق للفرزدق أن يفخر به، فنعم الرجل هو (٢) -وقد كانت له صحبة- ونعم المكرمة مكرمته. أخرج ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣)، والعقيلي في الضعفاء (٤)، والطبراني في الكبير (٥) ثلاثتهم من طريق طفيل بن عمرو، عن صعصعة بن ناجية: قال: قدمت على النبي ﷺ فعرض عليّ الإسلام، فأسلمت، وعلمني آيات من القرآن، فقلت: يا رسول الله إني عملت أعمالًا في الجاهلية فهل لي فيها من أجر؟ قال: «وما عملت؟» فقلت: ضلت ناقتان لي عشراوان، فخرجت أبتغيهما على جمل لي، فرفع لي بنيان في فضاء من الأرض، فقصدت قصدها، فوجدت في أحدهما شيخًا كبيرًا، فقلت: هل احتسستم ناقتين عشراوين، قال: وما ناراهما؟ (٦) قلت: ميسم بن دارم. قال: قد أصبنا ناقتيك، ونتجناهما، وقد نعش الله مما أهل بيت من قومك من العرب من مضر، فبينما هو يخاطبني إذ نادت امرأة من البيت الآخر قد ولدت. قال: وما

стр. 41

ولدت إن كان غلامًا فقد شركنا في قومنا، وإن كانت جارية فادفناها. فقالت: جارية. فقلت: وما هذه الموءودة؟ فقال: ابنة لي. فقلت: إني اشتريها منك. قال: يا أخا بني تميم، أتقول أتبيع ابنتك، وقد أخبرتك أني رجل من العرب من مضر. فقلت: إني لا أشتري منك رقبتها، إنما أشتري روحها ألا تقتلها. قال: بم تشتريها؟ قال: بناقتَّي هاتين وولديهما. قال: وتزيدني بعيرك هذا؟ فقلت: نعم، على أن ترسل معي رسولًا؟ فإذا بلغت أهلي رددت إليك البعير، ففعل، فلما بلغت أهلي، رددت إليه البعير. فلما كان في بعض الليل فكرت في نفسي، فقلت: إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، وظهر الإسلام، وقد أحييت ثلاث مائة وستين من الموءودة، أشتري كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذا باب من البر، ولك أجره إذ مَنَّ الله عليك بالإسلام» قال عباد (أحد رواة الحديث): مصداق قول صعصعة -ؤضي الله عنه- قول الفرزدق: وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يؤادِ (١). واللفظ للطبراني. قال البخاري بعد إيراده الحديث (٢): «فيه نظر» وقال في ترجمة طفيل (٣): «لم يصح حديثه». قال الهيثمي في المجمع: «رواه الطبراني في الكبير والبزار، وفيه الطفيل بن عمرو التميمي، قال البخاري: «لا يصح حديثه» (كذا في

стр. 42

المجمع). وقال العقيلي (١): «لا يتابع عليه) (٢). ولم أقف عليه في المطبوع من مسند البزار. وإسناد الحديث ضعيف؛ لضعف طفيل بن عمرو. قال الحافظ في الإصابة: «ويقال: إنه (أي: صعصعة) أول من فعل ذلك أي: أحيا الموءودة) قلت: وقد ثبت أن زيد بن عمرو بن نفيل كان يفعل ذلك، فيحتمل أوّليّة صعصعة على خصوص تميم ونحوهم، وأوّليّة زيد على خصوص قريش» (٣). ولم يكتمل إحياء الموءودات إلا بعد بزوغ شمس البعثة المحمدية؛ الذي ضمن للمرأة حقها في الحياة، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. المطلب الثالث: زواج المرأة • لا تتعجب كثيرًا وأنت ترى المرأة عندهم مهانة منذ نعومة أظافرها وحتى تكبر؛ لأن هذا يتفق مع أصل الجاهلي الفاسد الذي علق بقاء المرأة به: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ (٤). أخرج البخاري (٥) من طريق عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم،

стр. 43

يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نيابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، ونكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم». وتأمل -رحمك الله- الصور الثلاث الأخيرة للنكاح ترى مدى التدني في الأخلاق والتصورات والقيم، والحياة البهيمية التي عوملت بها المرأة، ويكفي أن تتصور الرجل يرسل امرأته إلى آخر لتأتيه بولد نجيب، كما ترسل الناقة إلى الفحل ليضربها، وما ذاك إلا إساءة بالغة لإنسانيتها، فأبطل الإسلام هذه الأنكحة الفاسدة، وأقرّ الصالح منها. • بل كان الواحد منهم يرسل أمته لتزني، ويجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى عن ذلك (١)، وأنزل الله سبحانه:

стр. 44

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وسبب نزول الآية ما أخرجه مسلم (٢) من حديث جابر أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، فكان يكرههما على الزني، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل: ﴿تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ولم يقتصر في القرآن عن الإكراه على الزنى فحسب، بل يعم جميع صوره سواءٌ كانت الفتاة مكرهة أم لا، وأمّا قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فليس شرطًا؛ وإنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يصدق عليه الإكراه، فأما إذا كانت راغبة في الزنى فإنها بغي تمنع (٣). وقال ابن كثير: «﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له» (٤). وفيه من زيادة تقبيح حالهم، وتشنيعهم على ما كانوا عليه من القبائح ما لا يخفى، فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه حرمه من إمائه فضلًا عن أمرهن به، أو إكراههن عليه ولا سيما مع إرادتهن من التعفف. ومن هنا يظهر ظلم النساء حرائر كُنَّ أم إماء. • بل نال ظلمهم يتامى النساء، فإن الرجل تكون عنده اليتيمة إن أعجبه حسنها نكحها بعد أن يبخسها حقها، وإن لم تعجبه عضلها ليأخذ مالها.

стр. 45

أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣) فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في مالها، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا من أعلى سننهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن … ، واللفظ للبخاري. وأخرج البخاري (٤)، ومسلم (٥) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عليكم فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٦) قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العَذْق (٧)، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلًا فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت هذه الآية. واللفظ للبخاري. فاليتيمة عندهم مظلومة سواءٌ رغب في نكاحها أو عنه.

стр. 46

• وأما تعدد الزوجات، فقد كان محل فخر عندهم، ولم يكن محدودًا بحد، ولا مقيدًا بعدد. أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١)، وأحمد في المسند (٢)، وابن ماجه في السنن (٣)، والترمذي في السنن (٤)، والدراقطني في السنن (٥)، وابن حبان في صحيحه (٦)، والحاكم في المستدرك (٧)، والبيهقي في السنن (٨) كلهم من طرق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: أسلم غيلان بن سلمة، وتحته عشر نسوة. فقال له النبي ﷺ : «خذ منهن أربعًا … » واللفظ لابن ماجه. والحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح (٩). وله شاهد من حديث قيس بن الحارث قال: «أسلمت وعندي ثمان نسوة

стр. 47

فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «اختر منهن أربعًا» أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١)، وأبو داود في سننه (٢)، وابن ماجه في السنن (٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤)، والبيهقي في السنن (٥). واللفظ لابن ماجه. وفي رواية أبي داود والبيهقي: «عن الحارث بن قيس» وقال: «الصواب قيس بن الحارث» وحسنه الألباني (٦). • بل ربما جمع الرجل عندهم بين الأختين، متناسيًا مشاعر الغيرة عند الأنثى، وما يجر من هجر وقطيعة رحم، أخرج الإمام أحمد في المسند (٧)، وأبو داود في سننه (٨)، وابن ماجه في سننه (٩)، والترمذي في جامعه (١٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢)، وابن حبان في

стр. 48

صحيحه (١)، والدارقطني في السنن (٢)، والطبراني في الكبير (٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٥) من حديث الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أسلمت وتحتي أختان. قال: «اختر أيتهما شئت» واللفظ للترمذي. وقال: حديث حسن، وصححه ابن حبان، والدارقطني كما في تهذيب التهذيب (٦)، والبيهقي في المعرفة (٧)، وحسنه الألباني (٨). ومن هنا يرى القارئ الكريم ما عانته المرأة في ظل جاهلية العرب من أنكحة باطلة، وظلم للحرائر والإماء، وأكل مال اليتيمة، وتعدد الزوجات لم يضبط بعدد، ولم يقيد بشرع، حتى جاء الإسلام، وبزغت شمس العدالة فرفع الظلم عن النساء. المطلب الرابع: طلاق المرأة، ونظام عدتها طلاق أهل الجاهلية: وما زلنا نتأمل قول الله تعالى في حال أهل الجاهلية مع الأنثى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ فلا تعجب حين ترى ظلمًا للمرأة في زواجها، وفراقها، فكما نالها ظلمه حين العقد، لحقها ظلمه عند الفسخ.

стр. 49

أخرج أبو داود في سننه (١)، والنسائي في المجتبي (٢)، والبيهقي في الكبري (٣)، من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٤) وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٥). يقول القرطبي في قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: «ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة، وكان هذا في أول الإسلام برهةً، يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ما شاء، فقال رجل لامرأته على عهد النبي ﷺ : «لا أُؤيك ولا أدعك تحلين. قالت: وكيف؟ قال: أطلقك، فإذا دنا مُضي عدتك راجعتك، فشكت المرأة ذلك إلى عائشة. فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانًا لعدد الطلاق … ». والحديث الذي أشار إليه القرطبي أخرجه الشافعي في المسند (٦)، والترمذي في السنن (٧)، والحاكم في المستدرك (٨). قال الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام بن

стр. 50

عروة، عن أبيه نحو هذا الحديث بمعناه، ولم يذكر فيه عن عائشة وهذا أصح من حديث يعلى بن شبيب. قلت: المرسل أصح من الموصول؛ لأن الموصول من رواية يعلى بن شبيب وهو لين الحديث كما قال الحافظ (١)، وأمّا المرسل فمن رواية عبد الله بن إدريس وهو ثقة أخرج له الجماعة (٢). ومن قراءة ما ورد في الطلاق في الجاهلية، يظهر ما لحق المرأة من ضرر، وما كانت تلقاه من ظلم وتعنت حتى أصبحت ألعوبة في يد الرجل، يطلقها مني شاء كيفما شاء، حتى رفع الإسلام ظلم الرجل لها، وتسلطه عليها. نظام العدة: كما عانت المرأة الظلم من انفصال زوجها عنها في حياته، فكذلك طالها ظلم مجتمعه بعد وفاته. أخرج البخاري (٣)، ومسلم (٤) من طريق حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة أخبرته بحديث طويل، فيه: «سمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا. مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول لا»، ثم قال

стр. 51

رسول الله ﷺ : «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبَعرة على رأس الحول» قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفْشًا، ولبست شر ثيابها، ولم تمسَّ طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة -حمار أو شاة أو طائر- فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمي. ثم تراجع بعدُ ما شاءت من طيب أو غيره. سئل مالك: ما تفتض به؟ قال: تمسَحُ به جلدها. واللفظ للبخاري. قال النووي في شرح صحيح مسلم: «معناه لا تستكثرن العدة، ومنع الاكتحال فيها فإنها مدة قليلة، وقد خففت عنكن، وصارت أربعة أشهر وعشرا بعد أن كانت سنة، وفي هذا تصريح بنسخ الاعتداد سنة، المذكور في سورة البقرة في الآية الثانية (١)، وأما رميها بالبعرة على رأس الحول فقد فسره في الحديث. قال بعض العلماء: معناه: أنها رمت العدة، وخرجت منها كانفصالها من هذه البعرة، ورميها بها. وقال بعضهم: هو إشارة إلى أن الذي فعلته، وصبرت عليه من الاعتداد سنة، ولبسها شر ثيابها، ولزومها بيتًا صغيرًا هين بالنسبة إلى حق الزوج، وما يستحقه من المراعاة كما يهون الرمي بالبعرة، قوله (دخلت حِفشا) هو بكسر الحاء المهملة، وإسكان الفاء، وبالشين المعجمة -أي: بيتًا صغيرًا حقيرًا قريب السُمك، قوله: (ثم تؤتى بدابة -حمار أو شاة أو طير- فتفتض به) هكذا هو في جميع النسخ، فتفتض، بالفاء والضاد، قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن معن الافتضاض فذكروا أن

стр. 52

المعتدة كانت لا تغتسل، ولا تمس ماء، ولا تقلم ظفرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض أي: تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش ما تفتض به … » (١). فهل رأيت عدة تظلم المرأة كهذه العدة، تعيش فيها المرأة في حِفْش، وتلبس شر الثياب، ولا تمس ماء، ولا تقلم ظفرًا، فجمعت بين قبح المسكن والملبس بل والمخرج، فإذا خرجت رميت بالبعرة بعد حول من العذاب، وافتضت بطير، فلا حول ولا قوة إلا بالله. المطلب الخامس: حقوق المرأة المالية لم يعد مستغربًا أن ترى المرأة مسلوبة الحقوق المالية، كيف لا وهي التي أُهدرت آدميتها، وأُلغيت إنسانيتها من قبل جاهليين لا يحكمون شرعًا ولا عقلًا. أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث طويل لعمر بن الخطاب، فيه إيلاء رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا قول عمر: «والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم». وجاءت روايات أخرى للحديث تبين مكانة النساء، قال الحافظ: «قوله:

стр. 53

وكنا معشر قريش نغلب النساء» (١) أي نحكم عليهن، ولا يحكمن علينا بخلاف الأنصار، فكانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رومان «كنا ونحن مكة لا يكلم أحد امرأته إلا إذا كانت له حاجة، قضى منها حاجته» وفي رواية عبيد بن حنين «ما نعد للنساء أمرًا» وفي رواية الطيالسي «كنا لا نعتد بالنساء، ولا ندخلهن في أمورنا» (٢). ومن الأثر يظهر أن المرأة لم يقسم لها حق معنوي ولا مادي، أمّا المعنوي فيؤيده روايات الحديث التي أوردها الحافظ، ومن سلبت حقوقه المعنوية فحقوقه المالية من باب أولى، ويشهد لهذا -أيضًا- قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (٣). وأخرج البخاري (٤) عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. يقول الرازي: « … واعلمْ أن أهل الجاهلية كانوا يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الإيذاء، ويظلمونهن بضروب من الظلم، فالله تعالى نهاهم عنها في هذه الآيات.

стр. 54

فالنوع الأول: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: كان الرجل في الجاهلية إذا مات، وكانت له زوجة، جاء ابنه من غيرها، أو بعض أقاربه، فألقى ثوبه على المرأة، وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله، فصار أحق بها من سائر الناس، ومن نفسها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من إنسان آخر، وأخذ صداقها، ولم يعطها شيئًا. فأنزل الله تعالى هذه الآية، وبيّن أن ذلك حرام، وأن الرجل لا يرث امرأة الميت منه، فعلى هذا القول المراد بقوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ عين النساء، وأنهن لا يورثن من الميت (١). والقول الثاني: أن الوراثة تعود إلى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج حتى تموت، فيرثها مالها، فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا﴾ أموالهن وهن كارهات. المسألة الثانية: … ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ العضل المنع، ومنه الداء العضال، واختلف في المخاطب في قوله ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ على أقوال: الأول: أن الرجل منهم قد كان يَكْره زوجته، ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها، ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها. وهذا القول

стр. 55

اختيار أكثر المفسرين (١). الثاني: أنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من التزوج بمن شاءت وأرادت كما كان يفعله أهل الجاهلية وقوله: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ معناه: أهم كانوا يحبسون امرأة الميت، وغرضهم أن تبذل المرأة ما أخذت من ميراث الميت. الثالث: أنه خطاب للأولياء، ونهي لهم عن عضل المرأة. الرابع: أنه خطاب للأزواج، فإنهم في الجاهلية كانوا يطلقون المرأة، وكانوا يعضلوهن عن التزوج، ويضيقون الأمر عليهن؛ لغرض أن يأخذوا منهن شيئًا. الخامس: أنه عام في الكل (٢). وهكذا استمر الاستيلاء على ذات المرأة ومالها حتى أشرقت نور العدالة، وجاء الإسلام لإبطال عمل الجاهليين، أخرج النسائي في الكبرى (٣)، والطبري في التفسير (٤) من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ وحسن إسناده الحافظ (٥). وليس المعنى من هذا كله أنه لم يكن في العرب من يعطي المرأة حقها، بل

стр. 56

ويفخر بها، لكن هذا على قلة، والقليل لا حكم له، والعبرة بالغالب الكثير، وإلا فإن قبائل من العرب كانت نسب إلى امرأة، كباهلة نسبة إلى أمهم باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة (١). وخِنْدَف (٢) نسبة إلى أمهم خِنْدَف لقب ليلى بنت حلدان من قضاعة زوجة إلياس بن مضر. ومن الآباء من كُنوا بأسماء بناهم، كأبي أمامة النابغة الذبياني (٣)، وأبي الخنساء قيس بن مسعود الشيباني (٤)، وأبي سلمى ربيعة بن رباح (٥)، وقد ظل منهم في الإسلام كثير حيث نجد في باب الكن من طبقات الصحابة -رضوان الله عليهم- عشرات منهم كُنوا ببناتهم، وآخرين نُسبوا إلى أمهاتهم. كما أن أم المؤمنين خديجة ﵂ كان لها تجارة تتجرها، وتستأجر الرجال عليها (٦). لكن ما ذُكِر لا يلغي قاعدة كثرة النساء المغلوبات على أمرهن، المسلوبة حقوقهن التي أرجعها الإسلام إليهن، وأتي بالعدل والميزان.

стр. 57

المبحث الثالث: تأصيل معنى «حقوق المرأة» ويحسن قبل البدء في بيان «حقوق المرأة في الكتاب والسنة» التنبيه على معنى الحق، وتقسيماته، والتنوع في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال. تعريف الحق: الحق لغة: ضد الباطل، ومنه الحديث «من رآني فقد رأى الحق» (١) ووردت كلمة الحق في اللغة لعدة معان، منها: الثبوت، والوجوب، والصدق، واليقين، والأمر المقضي، والعدل والصحيح، والمستقيم والواجب، والعمل الذي يحدث حتمًا (٢). وعرّف الجرجاني الحق بأنه: الثابت الذي لا يسوغ إنكاره (٣). وفي الاصطلاح: عرفه الفقهاء والأصوليون بتعريفات لا تخرج عن معانيها اللغوية، التي تنبئ عن كون الشيء موجودًا أو ثابتًا. وله عندهم معنيان: الأول: ما كان من الحكم مطابقًا للواقع، فنقول: هذا الدين حق، وهذا كلام

стр. 58

حق، وعكسه الباطل. الثاني: ما كان بمعنى الواجب الثابت، فنقول: هذا حق الله، وهذا حق العباد (١). ويشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: تقسيمات الحق. المطلب الثاني: التنوع في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال. المطلب الأول: تقسيمات الحق ويقسم الأصوليون الحق إلى تقسيمات متعددة، مدارها على قسمين: الأول: تقسيم الحق باعتبار صاحبه. الثاني: تقسيم الحق باعتبار محله. الأول: تقسيم الحق باعتبار صاحبه. وينقسم الحق باعتبار صاحبه إلى أربعة أقسام (٢): الأول: حق الله الخالص وذلك كحقه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا يقول تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣) وكل ما كان من باب تحريم الحرام، وتحليل الحلال فهو من حق الله تعالى المحض، لا يجوز لأحد أن يتدخل فيه، يقول تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٤).

стр. 59

الثاني: حق العباد الخالص: وهو ما كان نفعه مختصًا بشيء معين، كحق الإنسان في ملكه الخاص، وحق الزوجة في النفقة (١). والفرق بين حق الله تعالى الخالص، وحق العبد الخالص أنه لا يجوز لأحد أن يتنازل عن حقوق الله تعالى، فليس لأحد أن يحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله، وأما حق العبد، فله أن يتنازل عنه إذا شاء. الثالث: ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله فيه غالب: كحد القذف بعد رفع الأمر إلى الحاكم، إذ يجتمع فيه حينئذ حقان: حق العبد؛ لأنه المعتدى عليه بمساس عرضه، وحق الله لكون القاذف عصى الله، وأشاع الفاحشة، وكحق الزوجة في وجود المهر في النكاح فهو حق للمرأة ثابت بإيجاب الله تعالى. ويظهر أثر تغليب حق الله على العبد في عدم جواز العفو من قبل المقذوف أو الصلح على إسقاطه، وعدم إمكانية نفي المهر ابتداء، بحيث لو اتفق طرفا العقد على عقد النكاح بغير مهر، وجب مهر المثل. الرابع: ما اجتمع فيه الحقان، وحق العبد فيه غالب: كحق الزوجة في العدل في القسم، إذ هو حق ثابت لها بإيجاب الشرع، يقول تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) إلا أن حقها غالب هنا فلها أن تطالب بنصيبها في القَسْم، أو تتنازل عنه إن شاءت، كما فعلت أم المؤمنين سودة ﵂، فعن عائشة ﵂ قالت: «أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان رسول الله لا يقسم لعائشة بيومها، ويوم سودة» (٣) وذاك حين كبرت سودة.

стр. 60

هذا وكل حق للزوجة، فلله حق فيه من حيث إنه الآمر بأداء الحقوق. الثاني: تقسيم الحق باعتبار محله: فإنه ينقسم إلى قسمين (١): القسم الأول: حق مالي. والقسم الثاني: حق غير مالي. وينقسم الحق المالي باعتبار ما يتعلق به إلى قسمين: الأول: حق مالي يتعلق بالأموال ويمكن الاستعاضة عنه بمال، كالأعيان المالية إذ لا يمكن بيعها، والاستعاضة عنها. والثاني: حق مالي لا يتعلق بالأموال كحق الزوجة في المهر والنفقة فكلاهما حق مالي لا يتعلق بالمال، وإنما يتعلق الأول بالزواج والدخول، ويتعلق الثاني بحبس الزوجة نفسها لمصلحة الزوج. والقسم الثاني: حق غير مالي: وهو ما كان الحق فيه متعلقا بغير المال، كتعلق الإنسان بالعزة والكرامة، والسير في البر والبحر، الثابت بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٢) وكتعلق حق الزوجة بالمعاشرة الحسنة الثابتة بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣). - ومما تقدم يتبين أن الله سبحانه هو منشئ الحقوق، ومانحها للإنسان، ولولا ذلك ما ثبت للإنسان حق، قال الشاطبي ﵀: «لأن ما هو حق للعبد إنما

стр. 61

ثبت كونه حقًا له بإثبات الشرع ذلك له؛ لا بكونه مستحقًا لذلك بحكم الأصل» (١). - وما دامتْ هذه الحقوق من عند الله فإن سبل معرفتها هي: معرفة الأدلة من الكتاب وصحيح السنة وما اشتملت عليه من دلائل وأحكام، في ضوء استنباط ترجيحات العلماء الربانيين الذين أمر الله بالرجوع إليهم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). - وليعلم أن الحقوق والواجبات تسهم في تحصيل المصالح للإنسان، ودرء المفاسد والأضرار عنه؛ لأنها من جملة أحكام الشريعة الإسلامية، وأحكام الشريعة جميعًا بدون استثناء شرعت لمصلحة العباد، ودرء الشرور، والفساد عنهم في العاجل والآجل، وهذا ما دلّ عليه استقراء نصوص الشرع، وصرح به علماء الإسلام، يقول العز بن عبد السلام: «إن الشريعة كلها مصالح، إمّا درء مفاسد، أو جلب مصالح» (٣) ويقول شيخ الإسلام: «إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها» (٤). - ولهذا قرر الشرع حماية هذه الحقوق؛ إذ لا معنى لحقٍّ لا حماية له من الشرع، فألزم الكافة باحترامها، وعدم التعرض لها بمنع صاحبها من التمتع بها، أو بحرمانه منها، أو بانتقاصها، ورتب العقوبات على من يفعل ذلك. - وما دامتْ هذه الحقوق من الله فيجب استعمالها وفقًا لما شرعه الله، فيقف

стр. 62

عند حدود ما شرعه الله له من الواجبات، وما منحه من الحقوق فلا يبتدع أشياء لم يوجبها الله فيجعلها من الواجبات، ولا أن يُحْدِث لنفسه حقوقًا لم يقررها الله تعالى؛ لأن الحقوق والواجبات من جملة ما شرعه الله، فلا يجوز الإحداث والابتداع في أصلها. المطلب الثاني التنوع في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال تثار في مثل هذه الأيام قضية «المساواة بين الجنسين» وتسعى المؤتمرات العالمية في شأن المرأة إلى المساواة بينهما، وفي تقرير المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان (١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م) جاء ما نصه: «تشكل حقوق الإنسان للمرأة وللطفل جزءًا من حقوق الإنسان العالمية، لا ينفصل ولا يقبل التصرف ولا التجزئة، وإن مشاركة المرأة مشاركة كاملة وعلى قدم المساواة في الحياة السياسية، والمدنية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي، والقضاء على جميع أشكال التمييز على أساس الجنس، هما من أهداف المجتمع الدولي ذات الأولوية» (١). - وسؤال يطرح نفسه: تريدون مساواة المرأة بالرجل في أي شيء في الخلق والتكوين، أم في الحقوق والواجبات؟ والعاقل يدرك التناقض؛ لأن خصائص الخلق والتكوين أساس الحقوق

стр. 63

والواجبات، فهذه مشتقة من تلك، مبنية عليها، فأي مساواة لا تراعي التمايز والفروق في الخلق، وما يتبعه من قدرات واحتياجات، تخرج عن العدل الذي يقوم عليه الإسلام إلى الظلم الذي يحاربه الإسلام. والمساواة التي تنادي بإلغاء كل الفوارق بين الرجل والمرأة غير مقبولة علميًّا وعمليًّا، فقد أثبت العلم الصحيح، وواقع الحال أن المرأة تختلف عن الرجل في كل شيء: من الصورة والسمة والأعضاء الخارجية إلى خلايا الجسم البروتينية، وتخالفها كذلك في الوظائف العضوية كالحيض، والحمل، والوضع، والرضاعة (١)، وهناك اختلاف بينهما في النواحي النفسية، فكيف يساوى بينهما في الحقوق والواجبات؟!!. وهذا العالم الدكتور (ألكسيس كاريل) يؤكد الفرق بين الرجل والمرأة في كتابه «الإنسان ذلك المجهول» فيقول: «إن الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة لا تتحدد في الأشكال الخاصة بأعضائها الجنسية والرحم والحمل، وهي لا تحدد -أيضًا- في اختلاف طرق تعليمها، بل إن هذه الفوارق ذات طبيعة أساسية نابعة من اختلاف نوع الأنسجة في جسم كل منهما، كما أن المرأة تختلف عن الرجل كليا في المادة الكيماوية التي تفرز من الرحم داخل جسمها، فكل خلية في جسمها تحمل طابعًا أنثويًّا … » ثم يوجه هذا العالم الغربي الانتقادات إلى مَنْ ينادي بمساواة المرأة والرجل دون الالتفات إلى الاختلافات الخِلْقية: «ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليمًا واحدًا، أو يمنحا سلطات واحدة، ومسؤوليات متشابهة، والحقيقة أن المرأة تختلف

стр. 64

عن الرجل اختلافًا كبيرًا، فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها، والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها، وفوق كل شيء بالنسبة لجهازها العصبي، فالقوانين البيولوجية غير قابلة للتغيير -شأنها شأن قوانين العالم الكوكبي- فليس في الإمكان إحلال الرغبات الإنسانية محلها، ومن ثم فنحن مضطرون إلى قبولها. فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبعًا لطبيعتهن دون أن يحاولن تقليد الذكور، فإن دورهن في تقدم الحضارة أسمي من دور الرجال، فيجب عليهن ألا يتخلين عن وظائفهن المحددة» (١). وأما رئيسة الجمعية النسائية الفرنسية فتقول: «إن المطالبة بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة تصل بهما إلى مرحلة الضياع، حيث لا يحصل أحد من الطرفين على حقوقه» (٢). وأجرت مجلة «ماري مكير» الباريسية استفتاء للفتيات الفرنسيات من جميع الأعمار والمستويات الاجتماعية والثقافية شمل ٢. ٥ مليون فتاة عن رأيهن في الزواج من العرب، وكانت إجابة ٩٠% منهن: نعم، والأسباب -كما أفادت نتيجة الاستفتاء- هي: - مللت المساواة بالرجل. - مللت حالة التوتر الدائم ليل نهار. - مللت الاستيقاظ عند الفجر، والجري وراء المترو. - مللت الاستيقاظ للعمل حتى السادسة مساء في المكتب والمصنع (٣). - يقول الشيخ بكر أبو زيد -حفظه الله-: « … إن هذه المطالب المنحرفة

стр. 65

تساق باسم «تحرير المرأة» في إطار نظريتين هما: «حرية المرأة» و «المساواة بين المرأة والرجل» وهما نظريتان غربيتان باطلتان شرعًا وعقلًا، لا عهد للمسلمين هما، وهما استجرار لجادة الأخسرين عملًا، الذين بغوا من قبل في أقطار العالم الإسلامي الأخرى، فسعوا تحت إطارهما في فتنة المؤمنات في دينهن، وإشاعة الفاحشة بينهن … » (١). • ولذا فإن الشريعة الإسلامية تضْمن المساواة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالنواحي الإنسانية، وتساوي بينهما في الحقوق والواجبات فيما يتساويان فيه في مناط الحكم، مراعية الفروق الخلقية لكل منهما. أخرج أحمد في المسند (٢)، وأبو داود في السنن (٣)، والترمذي في السنن (٤) وابن الجارود في المنتقى (٥)، وأبو يعلى في المسند (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) من طرق عن حماد بن خالد، عن عبد الله، عن أخيه عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلامًا، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولا يجد البلل، قال: «لا غسل عليه» فقالت: أم سليم: المرأة ترى ذلك، أعليها غسل؟ قال: «نعم، إنما النساء شقائق الرجال» واللفظ لأبي داود.

стр. 66

قال الترمذي: « … وعبد الله بن عمر ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه» قلت: إسناده ضعيف؛ لضعف عبد الله بن عمر العَمري (١)، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين؛ لكن للحديث شاهد من حديث أم سليم أخرجه أحمد في المسند (٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٣): «هو في الصحيح باختصار، وإسحاق لم يسمع من أم سليم» وإسحاق هو ابن عبد الله بن أبي طلحة لم يسمع من جدته، فالإسناد ضعيف لانقطاعه. وأصل الحديث عند مسلم (٤) دون قوله «هنّ شقائق الرجال» وقد رواه بهذه الزيادة موصولًا الدارمي (٥) من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عمه أنس بن مالك قال: دخلت على رسول الله ﷺ أم سليم، وعنده أم سلمة … وهذا الإسناد متصل غير أن في طريقه محمد بن كثير، وهو الصنعاني الدمشقي، قال الحافظ عنه: «صدوق كثير الغلط» (٦). والحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي للحسن، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧). فالشريعة الإسلامية في أحكامها تجري وفقًا لقانون التساوي والاختلاف، فتساوي في الأحكام بين المتماثلين في مناطها، وتخالف في الأحكام بين المختلفين في

стр. 67

مناط هذا الحكم، وهذا النهج القويم هو الذي يحقق المساواة الحقيقية بين المكلفين، وهو مقتضى العدل، وسنة الله في التشريع كما هي سنته في الثواب والعقاب. وقد أشار ابن القيم إلى التساوي والاختلاف فقال: «إن ما ذكرتم من الصور، وأضعافها فهو من أبين الأدلة على عظم هذه الشريعة، وجلالها، ومجيئها على وفق العقول السليمة، والفطر المستقيمة، حيث فرقت بين أحكام هذه الصور لافتراقها في الصفات التي اقتضت افتراقها في الأحكام، ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجه السؤال وصعب الانفصال، وقال القائل: قد ساوت بين المختلفات، وقرنت الشيء إلى غير شبيهه في الحكم، وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنى قام بها أوجب اختصاصها بذلك الحكم، ولا اشتركت صورتان في حكم إلا لاشتراكهما في المعنى المقتضي لذلك الحكم، ولا يضرّ افتراقهما في غيره، كما لا ينفع اشتراك المختلفين في معنى لا يوجب الحكم. فالاعتبار في الجمع والفرق -أي في الأحكام- إنما هو بالمعاني التي لأجلها شرعت تلك الأحكام وجودًا وعدمًا» (١). وبناء على قانون التساوي والاختلاف نلاحظ أن الشريعة الإسلامية ساوت بين الرجل والمرأة في واجبات الإيمان، والعبادات: كالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة لاشتراكهما في مناط التكليف. كما أنها ساوت بين الرجل والمرأة في حق التملك والتمليك؛ لأن مناط هذا الحق الذمة المالية، والأهلية، وكلاهما ثابت للمرأة كما هو ثابت للرجل. - وقد يكون الاختلاف في الحقوق بين المرأة والرجل مرده ما قد يؤديه

стр. 68

التساوي بينهما من مفاسد وأضرار، فتنطبق عليه قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، كمنع سفر المرأة من غير محرم. - وقد يكون الاختلاف في التمتع بحق معين؛ لكون أحدهما أقدر من الآخر على القيام به، كإعطاء المرأة حق الحضانة، والرجل حق الجهاد. - وقد يكون الاختلاف مرّده توزيع الواجبات بما يلائم طبيعة كل منهما، ويحقق العدالة، والمصلحة لهما، ومن أمثلة ذلك وجوب النفقة على الرجل لزوجته، ووجوب رعاية البيت على المرأة، والمتأمل لما سبق، وما س يأتي من تفصيل لأحكام هذا المبحث سيرى أن الإسلام ملّك المرأة حقوقًا أكثر من الرجل من حيث الجملة، وعليها واجبات أقل من الرجل من حيث الحملة، فلله الحمد والمنة.

стр. 69

الباب الأول حقوق المرأة الشرعية وفيه سبعة فصول: الفصل الأول: أهلية التكليف. الفصل الثاني: حق المرأة في العبادات. الفصل الثالث: حق المرأة في الهجرة. الفصل الرابع: حق المرأة في التعليم. الفصل الخامس: حق المرأة في الفتوى. الفصل السادس: حق المرأة في الدعوة. الفصل السابع: تفنيد الشبهات المثارة حول النصوص الشرعية.

стр. 70

قد تقدم أن النساء شقائق الرجال (١)، وأن كل ما ثبت في حق الرجل ثبت مثله تمامًا للمرأة إلا ما بينت النصوص الشرعية اختصاصه بأحدهما، فهو الذي يستثن من القاعدة المستصحبة أصلًا، ومن هنا فإن كل خطاب للرجل في الكتاب والسنة فهو خطاب للمرأة إلا ما دل الدليل على اختصاصه بأحدهما، وفي هذا الباب -إن شاء الله- سأنبه على حقوق شرعية للمرأة خصها الشرع بها، وغفل الناس عنها، أو سلبت الحق فيها.

стр. 71

وسأتناوله في سبعة فصول. الفصل الأول أهلية التكليف وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: دلالة القرآن والسنة على أهلية المرأة للتكليف. المبحث الثاني: المساواة بين المرأة والرجل في الحدود. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حد السرقة. المطلب الثاني: حد القذف. المطلب الثالث: حق اللعان. المطلب الرابع: حد الزين. المبحث الثالث: المساواة بين المرأة والرجل في جزاء الآخرة.

стр. 72

المبحث الأول دلالة القرآن والسنة على أهلية المرأة للتكليف وذلك واضح من خلال الآتي: ١ - خطاب القرآن للنساء: خطاب القرآن يدل على المساواة بين الذكر والأنثى في التكليف ويتكرر النداء في القرآن مخاطبًا جميع الناس بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقوله «يا بني آدم» على اختلاف أجناسهم، وألسنتهم، وألوانهم دون فرق بين ذكر وأنثى، وأبيض وأسود، كما يتكرر النداء بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومخاطبًا الذين آمنوا بمحمد نساء ورجالًا، لا فرق بين ذكر وأنثى. وتأمل قول الله تعالى في بداية سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (١) وقد اشتملت على أنواع كثيرة من التكاليف من العطف على الأولاد، والنساء، والأيتام والرأفة بهم، وإيصال حقوقهم إليهم، وحفظ أموالهم عليهم، والأمر بالطهارة، والصلاة وغيرها بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الذي يشمل الرجال والنساء، وما تفيده «أل» من الاستغراق لعموم الجنس. • بل إن أول تكليف إلهي لآدم وحواء كان على حد سواء، يقول تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) وحين أنكر ما كان من مخالفة أمره، وجه الإنكار إليهما معًا فقال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ (٣).

стр. 73

• وقد ينص القرآن على ذكر النساء بعد الرجال للتنبيه على المساواة في التكليف، ومن ذلك: ١ - ما أخرج الحميدي في المسند (١)، والترمذي في السنن (٢)، وأبو يعلى في المسند (٣)، والطبراني في الكبير (٤)، والحاكم في المستدرك (٥) من حديث أم سلمة قالت: يا رسول الله، لا أسمعُ الله ذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. واللفظ للترمذي. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وصححه الألباني (٦). قلت: وهو كما قالوا. ٢ - وما أخرجه الإمام أحمد في المسند (٧)، والنسائي في الكبرى (٨)، والطبري في التفسير (٩)، والطبراني في الكبير (١٠)، من طريق عبد الرحمن بن شيبة، قال: سمعت أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، ما لنا لا ذكر في القرآن كما يذكر الرِّجال؟ قالت: فلم يَرُعني منه يومًا إلا ونداؤه على المنبر: (يا أيها الناس)،

стр. 74

قالت: وأنا أُسَرِّح رأسي، فلففت شعري، ثم دنوت من الباب، فجعلت سمعي عند الجَريد، فسمعته يقول: إن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية (١). وإسناده صحيح. وفي الباب شاهد من حديث أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؛ فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ أخرجه الترمذي في السنن (٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣). وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الألباني: صحيح لغيره (٤). • وهكذا يتوالى الخطاب في القرآن، ويُنَص على المرأة؛ لإعطائها مكانها إلى جانب الرجل فيما هما فيه سواء من العلاقة بالله، وأن أمر الله ورسوله ﷺ مانع من الاختيار، موجب للامتثال، لكلا الجنسين، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٥). أخرج الطبراني في الكبير (٦)، والدارقطني في السنن (٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨)،

стр. 75

والبيهقي في الكبرى (١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢) من طرق عن حفص بن سليمان، عن الكميت بن زيد الأسدي، قال: حدثني مذكور مولى زينب بنت جحش، عن زينب بنت جحش قالت: خطبني عدة من قريش، فأرسلتُ أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ أستشيره، فقال لها رسول الله ﷺ : أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها؟ قالت: ومن هو يا رسول الله؟ قال: زيد بن حارثة. قال: فغضبت حمنة غضبًا شديدًا، وقالت: يا رسول الله أَتُزَوِّجُ بنت عمتك مولاك؟ قالت: جاءتني فأعلمتني، فغضبت أشد من غضبها، وقلت أشد من قولها، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ الحديث. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه حفص بن سليمان الأسدي، متروك الحديث مع إمامته في القراءة. قاله الحافظ (٣). وله شاهد مرسل رجاله ثقات، أخرجه الطبراني في الكبير (٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٥) قال: نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش، وكانت بنت عمة رسول الله ﷺ ، فخطبها رسول الله ﷺ فرضيت، وظنت أنه يخطبها على نفسه، فلما علمت أنه يخطبها على زيد بن حارثة أبت، وأنكرت فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾.
следующие страницы →