بابُ صِفَةِ الإِقامة
فصل في حكم الأذان والإقامة
...
بابُ صِفَةِ الإِقامة:
٢٠١- المذهب الصحيح المختار الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة أن الإِقامة إحدى عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهدُ أن محمدا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
٤٨- فصل [في حكم الأذان والإقامة] :
٢٠٢- واعلم أنَّ الأذانَ والإِقامةَ سنّتان عندنا على المذهب الصحيح المختار، سواءٌ في ذلك أذان الجمعة وغيرها. وقال بعض أصحابنا: هما فرض كفاية. وقال بعضهم: هما فرضُ كفاية في الجمعة دون غيرها. فإن قلنا: فرض كفاية، فلو تركه١ أهل البلد أو محلةٍ قُوتلوا على تركه. وإن قلنا: سنّة، لم يُقاتلوا على المذهب الصحيح المختار، كما لا يُقاتَلون على سنّة الظهر وشبهها. وقال بعض أصحابنا: يُقاتَلون، لأنه شعارٌ ظاهرٌ.
стр. 107
فصل [في آداب الأذان والإقامة] :
٢٠٣- ويُستحبُّ ترتيل الأذان، ورفع الصوت به، ويستحب إدارج الإقامة، ويكون صوتها أخفض من الأذان؛ ويستحبّ أن يكون المؤذنُ حسن الصوت، ثقةً، مأموناً، خبيراً بالوقت، متبرعاً؛ ويستحبّ أن يؤذّن، ويقيم قائماً على طهارة، وموضع عالٍ، مستقبل القبلة، فلو أذّن أو أقام مستدبر القبلة، أو قاعداً، أو مضطجعًا؛ ومحدثًا، أو جُنباً؛ صحّ أذانه وكان مكروهاً، والكراهة في الجُنب أشدّ من المحدث، وكراهة الإِقامة أشد.
стр. 108
فصل [أنه لا يُشرع الأذان إلا للصلوات المكتوبات] :
٢٠٤- لا يُشرع الأذان إلا للصلوات الخمس: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء؛ وسواءٌ فيها الحاضرة والفائتة، وسواء الحاضر والمسافر، وسواءٌ من صلَّى وحدهُ أو في جماعةٍ، وإذا أذّن واحدٌ كفى عن الباقين. وإذا قضى فوائت في وقت واحد أذّن للأولى وحدها، وأقام لكلّ صلاةٍ. وإذا جمع بين الصلاتين أذّن للأولى وحدها، وأقام لكل واحدةٍ. وأما غير الصلوات الخمس، فلا يؤذّن لشيء منها بلا خلاف.
٢٠٥- ثم منها ما يستحبّ أن يقال عند إرادة صلاتها في جماعة: الصلاة جامعة؛ مثل العيد، والكسوف، والاستسقاء؛ ومنها ما لا يستحب ذلك فيه، كسنن الصلوات، والنوافل المطلقة؛ ومنها ما اختلف فيه، كصلاة التراويح، والجنازة، والأصحّ أنه يأتي به في التراويح دون الجنازة.
стр. 109
فصل [في وقت الإقامة والأذان] :
٢٠٦- ولا تصحّ الإِقامة إلا في الوقت، وعند إرادة الدخول في الصلاة، ولا يصحّ الأذان إلا بعد دخولِ وقت الصلاة، إلا الصبح، فإنه
يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت، واختُلف في الوقت الذي يجوز فيه، والأصحّ أنه يجوز بعد نصف الليل، وقيل: عند السَّحَر؛ وقيل: في جميع الليل، وليس بشيء، وقيل: بعد ثلثي الليل، والمختار الأول.
стр. 110
٥٢- فصل [في حكم أذان المرأة وإقامتها] :
٢٠٧- وتقيم المرأة والخنثى المشكل، ولا يؤذّنان؛ لأنهما منهيّان عن رفع الصوت.
стр. 111
بابُ ما يقولُ مَنْ سمعَ المؤذّنَ والمقيمَ:
٢٠٨- يُستحبّ أن يقول من سمع المؤذّن والمقيم مثل قوله، إلا في قوله: "حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح" فإنه يقول في دُبُرِ كُلّ لفظة منهما: "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ".
٢٠٩- ويقول في قوله: "الصلاة خير من النوم": صدقتَ وبررتَ؛ وقيل: يقول: صدق رسول الله ﷺ الصلاةُ خيرٌ من النوم.
٢١٠- ويقول في كلمتي١ الإِقامة: أقامها الله وأدامها؛ ويقول عقيب قوله: "أشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله": وأنا أشهد أن محمداً رسول الله؛ ثم يقول: رضيتُ بالله ربّاً، وبمحمدٍ ﷺ رسولا، وبالإِسلام ديناً.
٢١١- فإذا فَرغَ من المتابعة في جميع الأذان صلَّى وسلَّم على النبي ﷺ ثم قال: اللَّهُمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. [البخاري، رقم: ٦١٤] .
٢١٢- ثم يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا.
٢١٣- وروينا عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال
стр. 112
رسول الله ﷺ : "إذَا سَمِعْتُمُ النِّداءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذّنُ". رواه البخاري [رقم: ٦١١] ، ومسلم [رقم: ٣٨٣] في "صحيحيهما".
٢١٤- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عَليَّ، فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ الله، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ". رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: ٣٨٤، وسيرد برقم: ٦٣٤] .
٢١٥- وعن عُمَرَ بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا قالَ المُؤَذّنُ: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، فَقالَ أحَدُكُمْ: اللهُ أكبر الله أكبرُ، ثم قال: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، قال: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، ثُمَّ قالَ: أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، قالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الفَلاح، قالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللهُ أكبرُ، قالَ: اللَّهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، ثمَّ قالَ: لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ، قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ الله؛ مِنْ قَلْبه دَخَلَ الجنَّة". رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: ٣٨٥] .
٢١٦- وعن سعد ابن أبي وقاص ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "مَن قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذّنَ: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللَّهِ رَبّاً، وبمحمدٍ ﷺ رسولا، وبالإسلام دِيناً؛ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ".
وفي رواية: "مَنْ قَالَ حِينَ يسمعُ المُؤَذّنَ:" وأنا أشهدُ" رواه مُسلمٌ في "صحيحه" [رقم: ٣٨٦] .
стр. 113
٢١٧- وروينا في "سنن أبي دواد" [رقم: ٥٢٦] ، عن عائشة ﵂، بإسناد صحيح، أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذّن يتشهد، قال: "وأنا، وأنا".
٢١٨- وعن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قال حين يسمع النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبِّ هَذهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابْعَثْهُ مَقاماً محموداً الذي وعدتهُ؛ حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ". رواه البخاري في "صحيحه" [رقم: ٦١٤] .
٢١٩- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٩٠] ، عن معاوية ﵁، كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذّن يقولُ: حيّ على الفلاح، قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مُفْلِحِين".
٢٢٠- وروينا في "سنن أبي دواد" [رقم: ٥٢٨] ، عن رجل، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي أمامة الباهلي، أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنَّ بلالاً أخذ في الإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبيّ ﷺ : "أقامَها اللَّهُ وأدَامَها"، وقال في سائر ألفاظ الإِقامة، كنحو حديث عمر في الأذان. [مر برقم: ٢١٥] .
٢٢١- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ١٠٣] ، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان إذا سمع المؤذّن يُقيم، يقول: اللهمّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمَّد، وآته سؤلَه يومَ القيامة.
٥٤- فصل [في حكم إجابة المؤذن في حالات خاصة] :
٢٢٢- إذا سمع المؤذنَ أو المقيم، وهو يصلي لم يجبه في الصلاة، فإذا سلَّم منها، أجابه كما يجيبه مَن لا يُصلي، فلو أجابه في الصلاة كُرِه ولم تبطلْ صلاتُه، وهكذا إذا سمعهُ وهو على الخلاء لا يُجيبه في الحال، فإذا خرج أجابه، فأما إذا كان يقرأ القرآن أو يسبّح أو يقرأ حديثاً أو عِلْمَاً آخر أو غير ذلك، فإنه يقطع جميع هذا، ويجيب المؤذِّنَ، ثم يعود إلى ما كان فيه؛ لأن الإِجابة تفوت، وما هو فيه لا يفوت غالباً، وحيثُ لم يتابعهُ حتى فرغ المؤذنُ يستحب له أن يتدارك المتابعة ما لم يطل الفصل. والله أعلمُ.
стр. 114
بابُ الدُّعاء بعد الأذان:
٢٢٣- روينا عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بَينَ الأذَانِ والإِقامَةِ" رواه أبو داود [رقم: ٥٢١] ، والترمذي [رقم: ٢١٢] ، والنسائي [رقم: ٦٧ في "عمل اليوم والليلة"، وفي "الكبرى" كما قال ابن حجر ٣٦٤/١] ، وابن السني [رقم: ١٠٠] ، وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيح١، وزاد الترمذي في روايته في كتاب الدعوات من "جامعه" [رقم: ٣٥٩٤] : قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: "سَلُوا اللهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ".
٢٢٤- وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! إن المؤذّنين يفضُلُوننا، فقال رسول الله ﷺ : "قُل كما يَقُولونَ، فإذَا انْتَهَيْتَ، فَسَلْ تعطهُ". رواه أبو داود [رقم: ٥٢٤] ولم يضعفه.
٢٢٥- وروينا في "سنن أبي داود" أيضاً [رقم: ٢٥٤٠] ، في كتاب الجهاد، بإسناد صحيح، عن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثنتان لا تُرَدَّانِ، -أوْ قَلَّما تُرَدَّانِ ٢: الدُعاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ،
وَعِنْدَ البأْسِ حِينَ يُلْحِمُ٣ بعضهم بعضًا". [سيرد برقم: ١٠٨٢] .
قلت: في بعض النسخ المعتمدة: "يلحمُ" بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهرٌ. والله أعلم.
стр. 115
باب ما يقولُ بعدَ ركعتي سنّة الصبح:
٢٢٦- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ١٠١] ، عن أبي المُلَيْح، واسمه عامر بن أُسامة، عن أبيه ﵁، أنه صلّى ركعتيّ الفجر، وأن رسول الله ﷺ صلَّى قريباً منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعهُ يقولُ وهو جالس: "اللَّهُمَّ رَبّ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكائِيلَ ومحمدٍ النَّبي ﷺ أعُوذُ بِكَ مِنَ الن ار ١ "، ثلاثَ مرّاتٍ.
٢٢٧- وروينا فيه [رقم: ٨٢] ، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "من قال صبيحة يوم الجمعة قبل صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوب إليه؛ ثلاث مرات، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". [سيرد برقم: ٤٦٨ و٨٩٠] . والله أعلم.
стр. 116
بابُ ما يقولُ إذا انتهى إلى الصَّفّ:
٢٢٨- روَينا عن سعد بن أبي وقاص ﵁، أن رجلاً جاءَ إلى الصلاةِ ورسولُ الله ﷺ يُصَلِّي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهمّ آتني أفضل ما تُؤتي عبادك الصالحين؛ فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال: "مَنِ المُتَكَلِّمُ آنِفاً"؟ قَالَ: أنا يا رَسُولَ الله! قال: "إذَنْ يُعْقَر جَوَادُكَ، وَتَسْتَشْهِد في سَبِيلِ الله تَعَالى". رواه النسائي [في "عمل اليوم والليلة"، رقم: ٩٣] ، وابن السني [رقم: ١٠٤] ، ورواه البخاري في "تاريخ" [٢٢٢/١] في ترجمة محمد بن مسلم بن عائذ.
стр. 117
باب ما يقولُ عند إرادته القيامَ إلى الصَّلاة:
٢٢٩- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ١٠٥] ، عن أُمّ رافعٍ ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! دُلَّني على عملٍ يأجرُني الله عليه، قال: "يا أم رافع! إذَا قُمْتِ إلى الصَّلاةِ فَسَبِّحِي اللَّهَ تَعَالى عَشْراً، وَهَلِّلِيهِ عَشْراً، واحْمَدِيهِ عَشْراً، وكَبِّرِيهِ عَشْراً، وَاسْتَغْفِرِيهِ عَشْراً؛ فإنَّكِ إذَا سَبَّحْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا هَلَّلْتِ قالَ: هَذَا لِي، وَإذَا حَمِدْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا كَبَّرْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا اسْتَغْفَرْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ" ١.
بابُ الدعاءِ عندَ الإِقامة:
٢٣٠- روى الإِمام الشافعي ﵀، بإسناده في "الأُمّ" [٢٢٣/١ - ٢٢٤] حديثاً مرسلاً، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدعاء عند
стр. 124
التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزلو الغيث" ١ [وسيأتي برقم: ٩٥٧ و١٠٨٨] .
٢٣١- وقال الشافعي ﵀ ["الأم" ٢٢٤/١] : وقد حفظت عن غير واحد طلب الإِجابة عند نزول الغيث، وإقامة الصلاة.
стр. 125
[كتاب أذكارِ الصّلاة ١] :
بابُ ما يقولُه إذا دخلَ في الصَّلاة:
٢٣٢- اعلم أن هذا الباب واسعٌ جداً، وجاءت فيه أحاديث صحيحة كثيرة من أنواع عديدة، وفيه فروع كثيرة في كتب الفقه، ننبّه هنا منها على أصولها ومقاصدِها دون دقائقها ونوادرها، وأحذفُ أدلّة معظمها إيثاراً للاختصار، إذ ليس هذا الكتاب موضوعاً لبيان الأدلة، إنما هو لبيان ما يُعمل به؛ والله الموفق.
стр. 126
باب تكبيرة الإحرام
مدخل
...
بابُ تكبيرةِ الإِحْرام:
٢٣٣- اعلم أن الصَّلاة لا تصحّ إلا بتكبيرة الإِحرام، فريضة كانت أو نافلة. والتكبيرةُ عند الشافعي والأكثرين جزءٌ من الصلاة، وركن من أركانها. وعند أبي حنيفة هي شرطٌ ليست من نفس الصلاة.
٢٣٤- واعلم أن لفظ التكبير أن يقول: الله أكبر، أو يقول: الله الأكبر؛ فهذان جائزان عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، ومنع مالك الثاني، فالاحتياط أن يأتي الإِنسان بالأوّل ليخرج من الخلاف؛ ولا يجوز التكبير بغير هذين اللفظين. فلو قال: الله العظيم، أو الله المتعالي؛ أو اللهُ أعظمُ،
стр. 127
أو أعزّ، أو أجلّ؛ وما أشبه هذا، لم تصحّ صلاته عند الشافعي والأكثرين، وقال أبو حنيفة: تصحّ، ولو قال: أكبرُ الله، لم تصحّ على الصحيح عندنا، وقال بعض أصحابنا: تصح، كما لو قال في آخر الصلاة: عليكم السلام، فإنه يصحّ على الصحيح.
٢٣٥- واعلم أنه لا يصحّ التكبير، ولا غيره من الأذكار حتى يتلفظ بلسانه بحيثُ يُسمعُ نفسَه إذا لم يكن له عارضٌ، وقد قدّمنا بيان هذا في الفصول التي في أوّل الكتاب [الفصل رقم: ٥] فإن كان بلسانه خرسٌ أو عيبُ حركهُ بقدرِ ما يقدرُ عليه، وتصحُّ صلاتهُ.
٢٣٦- واعلم أنه لا يصحُّ التكبير بالعجمية لمن قدر عليه بالعربية، وأما من لا يقدر فيصحّ، ويجب عليه تعلّم العربية، فإن قصَّرَ في التعلم لم تصحّ صلاته، وتجب إعادة ما صلاَّه في المدة التي قصَّرَ فيها عن التعلم.
٢٣٧- واعلم أن المذهب الصحيح المختار أن تكبيرة الإِحرام لا تمدّ، ولا تمطّط، بل يقولها مدرجة مسرعة، وقيل: تمدّ، والصواب الأوّل. وأما باقي التكبيرات، فالمذهب الصحيح المختار استحباب مدّها إلى أن يصل إلى الركن الذي بعدها. وقيل: لا تمدّ، فلو مدّ ما لا يمدّ أو ترك مدّ ما يمدّ لم تبطل صلاتُه، لكن فاتته الفضيلة.
٢٣٨- واعلم أن محلّ المدّ بعد اللام من "الله"، ولا يمدّ في غيره.
стр. 128
فصل حكم الجهر بالتكبير ومده
...
٦٢- فضل [حكم الجهر بالتكبير ومدِّه] :
٢٣٩- والسنّة أنَّ يجهر الإِمام بتكبيرة الإِحرام وغيرها ليسمعَه المأمومُ، ويسرّ المأموم بها بحيثُ يُسمعُ نفسَه، فإن جهر المأموم أو أسرّ الإِمام لم تفسد صلاته.
٢٤٠- وليحرص على تصحيح التكبير، فلا يمدّ في غير موضعه، فإن مدّ الهمزة من الله، أو أشبع فتحة الباء من "أكبر" بحيث صارت على لفظ: "أكبار" لم تصحّ صلاته.
стр. 129
فصل عدد تكبيرات الصلاة وحكمها
...
٦٣- فضل [عدد تكبيرات الصلاة وحكمها] :
٢٤١- اعلم أن الصلاة التي هي ركعتان شُرِع فيها إحدى عشرة تكبيرة، والتي هي ثلاث ركعات سبع عشرة تكبيرة، والتي هي أربع ركعات اثنتان وعشرون تكبيرة؛ فإن في كل ركعة خمس تكبيرات: تكبيرة١ للركوع، وأربعاً للسجدتين والرفع منهما، وتكبيرة الإِحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأوّل.
٢٤٢- ثم اعلم أن جميع هذه التكبيرات سنّة، لو تركها عمداً أو سهوا لا تبطل صلاته، ولا تحرم عليه، ولا يسجد للسهو إلا تكبيرة الإِحرام، فإنها لا تنعقد الصلاة إلا بها بلا خلاف؛ والله أعلم.
стр. 130
بابُ ما يقوله ١ بعد تكبيرة الإِحرام:
٢٤٣- اعلم أنه قد جاءت فيه أحاديث كثيرة، يقتضي مجموعها أن يقول: "اللَّهُ أكبرُ كَبِيراً، والحمدُ لِلَّه كَثِيراً، وسبحان الله بُكْرَةً وَأصِيلاً؛ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً، وما أنا من المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ، لا شَرِيكَ لهُ، وَبِذَلِكَ أمرتُ وأنَا مِنَ المُسْلِمينَ؛ اللَّهُمَّ أنْتَ المَلكُ، لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وأنا عَبْدُكَ، ظلمتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جَمِيعاً؛ فإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، وَاهْدِني لأحْسَنِ الأخْلاقِ لا يَهْدِي لأحْسَنها إلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها لا يصرف عني سَيِّئَها إِلاَّ أَنْتَ، لبيك
стр. 131
وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أنا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبارَكْتَ وَتعالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ".
٢٤٤- ويقول: "اللَّهُمَّ باعِد بَيْني وبَيْنَ خَطايايَ كما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ؛ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطايايَ كما يُنَقّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ؛ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطايايَ بالثَّلْجِ والماء والبرد". [البخاري، رقم: ٧٤٤؛ مسلم، رقم: ٥٩٨] .
فكل هذا المذكور ثابت في الصحيح عن رسول الله ﷺ [راجع مسلم، رقم: ٦٠١ و٧٧١] .
٢٤٥- وجاء في الباب أحاديث أُخرُ، منها: حديث عائشة ﵂: كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعالى جَدُّكَ، وَلاَ إلهَ غَيْرُكَ" رواه الترمذي [رقم: ٢٤٣] وأبو داود [رقم: ٧٧٦] وابن ماجه [رقم: ٨٠٦] بأسانيد ضعيفة١، وضعفهُ أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم٢؛ ورواهُ أبو داود [رقم: ٧٧٥] والترمذي [رقم:
стр. 132
٢٤٢] والنسائي [رقم: ٨٩٩ و ٩٠٠] وابن ماجه [رقم: ٨٠٤] والبيهقي [٣٤/٢] من رواية أبي سعيد الخدري ﵁، وضعفوه١.
٢٤٦- قال البيهقي [٣٤/٢] : وروي الاستفتاح بـ"سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ ... " عن ابن مسعود مرفوعاً، وعن أنسٍ مرفوعاً؛ وكلها ضعيفة٢.
стр. 133
٢٤٧- قال [٣٦/٢] : وأصحُّ ما روي فيه عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم رواه بإسناده عنه، أنه كَبَّر، ثم قال: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" [راجع مسلم، رقم: ٣٩٩] ؛ والله أعلم.
٢٤٨- وروينا في "سنن البيهقي" [٣٣/٢] ، عن الحارث، عن علي ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة قالَ: "لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَمِلْتُ سُوءاً، فاغْفِرْ لي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَجَّهْتُ وَجْهيَ ... " إلى آخِرِه. وهو حديث ضعيف، فإن الحارث١ الأعور متفق على ضعفه، وكان الشعبيّ يقول: الحارث كذّاب٢؛ والله أعلم.
٢٤٩- وأما قوله ﷺ : "الشر لَيْسَ إلَيْكَ"، فاعلم أن مذهبَ أهل الحق من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين أن جميع الكائنات، خيرها وشرَّها، نفعَها وضَرّها، كلها
стр. 134
من الله ، وبإرادته وتقديره؛ وإذا ثبت هذا فلا بدّ من تأويل هذا الحديث، فذكر العلماءُ فيه أجوبة، أحدها: وهو أشهرها، قالهُ النصرُ بن شُمَيْلِ والأئمة بعدهُ، معناه: والشرّ لا يتقرّب به إليك؛ والثاني: لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلمُ الطيب؛ والثالثُ: لا يضافُ إليك أدباً، فلا يقالُ: يا خالق الشر! وإن كان خالقه، كما لا يقالُ: يا خالق الخنازير! وإن كان خالقها؛ والرابع، ليس شرّاً بالنسبة إلى حكمتك، فإنك لا تخلقُ شيئاً عبثاً؛ والله أعلمُ.
٦٥- فصل [عن دعاء التوجه] :
٢٥٠- هذا ما ورد من الأذكار في دعاء التوجه، فيستحبّ الجمع بينها كلها لمن صلى منفرداً، وللإِمام إذا أذنَ لهُ المأمومون. فأما إذا لم يأذنوا له، فلا يطوِّل عليهم، بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُنَ اقتصارُه على: "وجّهت وجهي ... " إلى قوله: ".. من المسلمين" وكذلك المنفرد الذي يُؤثر التخفيف.
٢٥١- واعلم أن هذه الأذكار مستحبّة في الفريضة والنافلة، فلو تكره في الركعة الأولى عامداً أو ساهياً لم يفعله فيما بعدَها لفوات محله، ولو فعله كان مكروهاً، ولا تبطل صلاتهُ، ولو تركهُ عقيب التكبيرةِ حتى شرع في القراءة أو التعوّذ فقد فات محلهُ، فلا يأتي به، فلو أتى بهِ لم تبطُل صلاتهُ، ولو كان مسبوقاً أدرك الإِمام في إحدى الركعات أتى به، إلا أن يخاف من اشتغاله به فوات الفاتحة، فيشتغل بالفاتحة، فإنها آكدُ؛ لأنها واجبةٌ وهذا سنّة. ولو أدرك المسبوقُ الإِمامَ في غير القيام، وإما في الركوع، وإما في السجود، وإما في التشهد؛ أحرم معهُ، وأتى بالذكر الذي يأتي به الإِمام، ولا يأتي بدعاءِ الاستفتاحِ في الحالِ، ولا فيما بعدُ.
٢٥٢- واختلف أصحابنا في استحباب دعاءِ الاستفتاح في صلاة الجنازة، والأصحُّ أنه لا يستحبّ؛ لأنها مبنية على التخفيف.
٢٥٣- واعلم أن دعاء الاستفتاح سنةٌ ليس بواجب، ولو تركهُ لم يسجدْ للسهو، والسنّة فيه الإسرارُ، فلو جهر به كان مكروهاً، ولا تبطلُ صلاته. والله أعلم.
стр. 135
بابُ التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح
مدخل
...
بابُ التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح:
٢٥٤- اعلم أن التعوّذ بعد دُعاء الاستفتاح سنةٌ بالاتفاق، وهو مقدمةٌ للقراءة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . معناهُ عند جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ١٦٧] .
٢٥٥- واعلم أن اللفظ المختار في التعوّذ: أعوذُ بالله مِنَ الشيطان الرجيم؛ وجاء: أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ ولا بأس به، ولكن المشهور المختار هو الأوّل. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ١٦٨] .
٢٥٦- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٧٦٤ و٧٧٥] ، والترمذي [رقم: ٢٤٢] ، والنسائي [في "الكبرى"، انظر "تحفة الأشراف"، رقم: ٤٢٥٢] ، وابن ماجه [رقم: ٨٠٧] ، والبيهقي [٣٥/٢ - ٣٦] ، وغيرها؛ أن النبي ﷺ قال قبل القراءة في الصلاة: "أعُوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، من نفحه وَنَفْثِهِ وهَمْزِهِ".
٢٥٧- وفي رواية: "أعُوذُ بالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرََّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ". وجاء تفسيره١ في الحديث، أن همزهُ: الموتهُ٢، وهي: الجنون؛ ونفخه: الكبر؛ ونفثه: الشعرُ؛ والله أعلم.
стр. 136
٦٧- فصل [في حكم التَّعوُّذ] :
٢٥٨- اعلم أن التعوّذ مستحبّ ليس بواجب، لو تركه لم يأثم، ولا تبطلُ صلاته سواء تركه عمداً أو سهواً، ولا يسجد للسهو، وهو مستحبّ في جميع الصلوات: الفرائض والنوافل كلها، ويستحبّ في صلاة الجنازة على الأصحّ؛ ويستحبّ للقارئ خارج الصلاة بإجماع أيضاً؛ والله أعلم [راجع "التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ١٦٦ - ١٦٩] .
стр. 137
٦٨- فصل [في محل التعوذ وصفته] :
٢٥٩- واعلم أن التعوّذ مستحبّ في الركعة الأولى بالاتفاق، فإن لم يتعوّذ في الأولى أتى به في الثانية، فإن لم يفعل ففيما بعدها؛ فلو تعوّذ في الأولى، هل يستحبّ في الثانية؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما أنه يستحبّ. لكنه في الأولى آكد ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ١٦٩؛ وراجع رقم: ٣٤٨] .
٢٦٠- وإذا تعوّذ في الصلاة التي يُسِرُّ فيها بالقراءة أسرّ بالتعوّذ، فإن تعوّذ في التي يجهرُ فيها بالقراءة، فهل يجهر؟ فيه خلافٌ لأصحابنا، منهم مَن قال: يُسرّ١، وقال الجمهور: للشافعي في المسألة قولان: أحدهما يستوي الجهر والإِسرار، وهو نصُّه في "الأم" [١٠٧/١] . والثاني يُسنّ الجهر، وهو نصُّه في "الإِملاء". ومنهم مَن قال: فيه قولان: أحدهما يجهر؛ صححه الشيخ أبو حامد الإسفراييني إمامُ أصحابنا العراقيين وصاحبهُ المحاملي وغيرهما، وهو الذي كان يفعلهُ أبو هريرة ﵁. [والثاني: يسر] ٢، وكان ابن عمر ﵄ يُسِرّ، وهو الأصحّ عند جمهور أصحابنا، وهو المختار؛ والله أعلمُ.
стр. 138
بابُ القراءةِ بعدَ التعوذ
مدخل
...
بابُ القراءةِ بعدَ التَّعوُّذ:
٢٦١- اعلم أن القراءة واجبةٌ في الصلاةِ بالإِجماع مع النصوص المتظاهرةِ، وأن مذهبنا١ ومذهب الجمهور أن قراءة الفاتحة واجبةٌ لا يجزئ غيرها لمن قدر عليها، للحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: $"لا تجزئ صلاةٌ لا يُقْرأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ". رواه ابن خزيمة [رقم: ٤٩٠] ، وأبو حاتم وابن حبان، بكسر الحاء، [رقم: ١٧٨٩] في "صحيحهما"٢، بالإِسناد الصحيح، وحَكما بصحته ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٣٠٥] .
٢٦٢- وفي "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٧٥٦؛ ومسلم، رقم ٣٩٤] ، عن رسول الله ﷺ : $"لا صَلاَة إِلاَّ بِفَاتِحَة الكِتابِ"٣.
٢٦٣- ويجب قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهي آية كاملة من أوّل الفاتحة. وتجب قراءة جميع الفاتحة بجميع تشديداتها، وهي أربع عشرة تشديدة: ثلاث في البسملة، والباقي بعدها، فإن أخلّ بتشديدة واحدة بطلت قراءته.
٢٦٤- ويجب أن يقرأها مرتبة متواليةٌ، فإن تركَ ترتيبها أو موالاتها لم تصحُّ قراءتهُ، ويعذرُ في السكوتِ بقدرِ التنفسِ.
٢٦٥- ولو سجد المأموم مع الإِمام للتلاوة، أو سمع تأمين الإِمام، فأمَّن لتأمينه، أو سأل الرحمة، أو استعاذ من النار لقراءة الإِمام ما يقتضي ذلك، والمأموم في أثناء الفاتحة؛ لم تنقطع قراءته على أصحّ الوجهين؛ لأنه معذور.
стр. 139
فصل في حكم اللحن في قراءة الفاتحة
...
٧٠- فضل [في حكم اللحن في قراءة الفاتحة] :
٢٦٦- فإن لحن في الفاتحة لحناً يخلّ المعنى بطلت صلاته، وإن لم يخلّ المعنى صحّت قراءته، فالذي يخلّه مثل أن يقول: أنعمتُ بضم التاء أو كسرها، أو يقول: إياكِ نعبدُ بكسر الكاف؛ والذي لا يخلّ مثل أن يقول: ربُّ العالمين، بضم الباء أو فتحها، أو يقولُ: نستعين بفتح النون الثانية أو كسرها، ولو قال: ولا الضّالّين بالظاء بطلت صلاته على أرجح الوجهين، إلا أن يعجزَ عن الضاد بعد التعلم، فيُعذر.
стр. 140
٧١- فصل [في حكم من لم يحسن قراءة الفاتحة] :
٢٦٧- فإن لم يُحسن الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها، فإن لم يُحسن شيئاً من القرآن أتى من الأذكار، كالتسبيح والتهليل ونحوهما بقدرٍ آياتِ الفاتحة، فإن لم يحسن شيئاً من الأذكار، وضاق الوقتُ عن التعلّم، وقف بقدر القراءة، ثم يركع، وتُجزئه صلاتهُ إن لم يكن فرّط في التعلم، فإن كان فرّط في التعلم وجبت الإِعادة؛ وعلى كلّ تقدير، متى تمكَّن من التعلم وجب عليه تعلّم الفاتحة، أما إذا كان يُحسنُ الفاتحة بالعجمية ولا يحسنُها بالعربية، فلا يجوزُ له قراءتُها بالعجمية، بل هو عاجزٌ، فيأتي بالبدل على ما ذكرناهُ.
стр. 141
٧٢- فصل [في حكم قراءة السورة بعد الفاتحة] :
٢٦٨- ثم بعد الفاتحة يقرأ سورة، أو بعض سورة، وذلك سنّة، لو تركه صحَّتْ صلاتُه، ولا يسجد للسهو، وسواءٌ كانت الصلاة فريضة أو نافلة، ولا يستحبّ قراءة السورة في صلاة الجنازة على أصحّ الوجهين، لأنها مبنية على التخفيف، ثم هو بالخيار؛ إن شاء قرأ سورة، وإن شاء قرأ بعض سورة، والسورة القصيرة أفضلُ من قدرها من الطويلةِ. ويستحبّ أن يقرأ السورة على ترتيبِ المصحفِ، فيقرأ في الثانية سورة بعد السورة الأولى، وتكون تليها، فلو خالف هذا جاز؛ والسنّة أن تكون السورة بعد الفاتحة، فلو قرأها قبل الفاتحة لم تحسب له قراءةُ السورة ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٣٠٦] .
٢٦٩- وَاعْلَمْ أنَّ ما ذكرناهُ من استحباب السورة هو للإِمام والمنفرد وللمأموم فيما يسرّ به الإِمام، أما ما يجهر به الإِمام فلا يزيد المأموم فيه على الفاتحة إن سمع قراءة الإِمام، فإن لم يسمعها، أو سمع همهمة لا يفهمها، استحبّت له السورة على الأصحّ، بحيث لا يشوِّشُ على غيره ["التبيان في آدب حملة القرآن"، رقم: ٣١٠] .
стр. 142
٢٧٢- والسنّة أن يقرأ في صلاة العيد والاستسقاء في الركعة الأولى بعد الفاتحة: [سورة] ﴿ق﴾ ، [سورة ق] وفي الثانية: [سورة] ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [سورة القمر] ، [بكمالهما] وإن شاء قرأ في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى] ، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [سورة الغاشية] ، فكلاهما سنّة ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٤٥٤] .
٢٧٣- والسنّة أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة [٦٢] سورة الجمعة [بكمالها] ، وفي الثانية: [٦٣ سورة] المنافقون [بكمالها] ، وإن شاء في الأولى: [سورة] ﴿سَبِّحِ﴾ وفي الثانية: [سورة] : ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ ، فكلاهما سنة ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٤٥٣] .
٢٧٤- وليحذر الاقتصار على بعض السورة في هذه المواضع، فإن أراد التخفيف أدرج قراءتهُ من غير هذرمة١ ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٤٥٣] .
٢٧٥- والسنّة أن يقرأ في ركعتي سنّة الفجر في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [سورة البقرة: ١٣٦] ، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا﴾ الآية [سورة آل عمران: ٦٤] ، وإن شاء في الأولى [١٠٩ سورة] : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، وفي الثانية: [١١٢ سورة] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، فكلاهما صحّ في "صحيح مسلم" [رقم: ٧٢٧ و٧٢٦] أن رسول الله ﷺ فعله ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٤٥٥] .
٢٧٦- ويقرأ في ركعتي سنّة المغرب وركعتي الطواف والاستخارة في الأولى: [١٠٩ سورة] : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، وفي الثانية: [١١٤ سورة]
стр. 143
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٤٥٦] .
٢٧٧- وأما الوترُ، فإذا أوتر بثلاث ركعات قرأ في الأولى بعد الفاتحة: [٨٧ سورة] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، وفي الثانية: [١٠٩ سورة] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، وفي الثالثة: [١١٢ سورة] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، مع المعوّذتين؛ وكل هذا الذي ذكرناه جاءت به أحاديث في الصحيح [أبو داود، رقم: ١٤٢٣ و١٤٢٤] وغيره مشهورةٌ، استغنينا بشُهرتها عن ذكرها، ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٤٥٧] والله أعلمُ.
стр. 144
فصل في تدارك ما فاته من القراءة المسنونة في الركعة الأولى في الركعة الثانية
...
٧٤- فضل [في تدارك ما فاته من القراءة المسنونة في الركعة الأولى في الركعة الثانية] :
٢٧٨- لو تركَ سورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة قرأ في الثانية سورة الجمعة مع سورة المنافقين، وكذا صلاةُ العيد والاستسقاء والوتر وسنّة الفجر وغيرها مما ذكرناه مما هو في معناه، إذا ترك في الأولى ما هو مسنون أتى به في الثانية بالأوّل والثاني، لئلا تخلو صلاته من هاتين السورتين، ولو قرأ في صلاة الجمعة في الأولى سورة المنافقين، قرأ في الثانية سورة الجمعة، ولا يعيد [سورة] المنافقين؛ وقد استقصيتُ دلائلَ هذا في "شرح المهذب"١.
стр. 145
فصل في تطويل القراءة في الركعة الأولى
...
٧٥- فضل [في تطويل القراءة في الركعة الأولى] :
٢٧٩- ثبتَ في الصحيح [البخاري، رقم: ٧٥٩؛ مسلم، رقم: ٤٥١] أن رسول الله ﷺ كان يطوِّل في الركعة الأولى من الصبح وغيرها ما لا يطوّل في الثانية، فذهب أكثر أصحابنا إلى تأويل هذا، وقالوا: لا يطوّل الأولى على الثانية، وذهب المحققون منهم إلى استحباب تطويل الأولى لهذا الحديث الصحيح. واتفقوا على أن الثالثة والرابعة تكونان أقصرُ من الأولى والثانية، والأصحُّ أنه لا تستحبّ السورة فيهما [ولا في ثالثة المغرب] ، فإن قُلنا باستحبابها، فالأصحّ أن الثالثة كالرابعة، وقيل بتطويلها عليها.