← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10639

الأذكار للنووي ط ابن حزم

النووي

Полный текст (1 010 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الرجلَ يجدُ مع امرأته رجلاً، أيقتلهُ؟ الحديثُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "انْظُرُوا إلى ما يقولُ سَيِّدِكُم". ١٨٢٩- وأما ما وردَ في النهي فما رويناه بالإِسناد الصحيح في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٧٧] ، عن بريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُولُوا لِلمُنافِقِ سيدٌ، فإنَّه إنْ يَكُ سَيِّداً فَقَدْ أسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ". ١٨٣٠- قلتُ: والجمعُ بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي وشبه ذلك إذا كان المسودُ فاضلاً خَيِّرًا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك؛ وإن كان فاسقاً، أو متهماً في دينه، أو نحو ذلك كره أن يُقال لهُ: سيدٌ. وقد رَوَيْنَا عن الإِمام أبي سليمانَ الخطابي في "معالم السنن" في الجمع بينهما نحو ذلك.

стр. 807

٥٢٨- فصل [في أدب مخاطبة المملوك مالكهُ، والمالك مملوكه] : ١٨٣١- يكرهُ أن يقول المملوك بمالكه: ربي، بل يقولُ: سيدي؛ وإن شاء قال: مولاي. ويُكره للمالك أن يقول: عبدي وأمتي؛ ولكن يقول: فتايَ وفتاتي أو غلامي. ١٨٣٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٢٥٥٢] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٢٤٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئ رَبَّكَ، اسقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِيِ وَمَوْلايَ، وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ: عبْدِي، أمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتايَ وَفَتاتِي وغُلامي". وفي رواية لمسلم رقم: [٢٢٤٩/ ١٥] : "وَلا يقُل أحدكُم: رَبِّي، وليقُل: سَيِدي وَمَوْلايَ".

стр. 808

وفي رواية له [رقم: ٢٤٤٩/ ١٤] : "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأمَتِي، فَكُلُّكُمْ عبيدُ اللَّهِ [وَلَكِنْ لِيَقُلْ: فتاي] . وَلا يَقُلِ العبدُ: ربي. ولكن ليقل: سَيِّدِي". وفي رواية له [رقم: ٢٤٤٩/ ١٣] : "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأمَتي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وكُلُّ نِسائِكُمْ إماءُ اللَّهِ. وَلَكِنْ ليقُل: غُلامي وَجارِيَتِي وَفَتايَ وَفَتاتِي". ١٨٣٣- قلتُ: قال العلماءُ: لا يطلقُ الربُّ بالألف واللام إلاّ على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة، فيقال: ربّ المال، وربّ الدار، وغير ذلك. ١٨٣٤- ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح [البخاري، رقم: ٩١؛ مسلم، رقم: ١٧٢٢] في ضالّة الإِبل: "دعها حتى يلقها ربها". ١٨٣٥- والحديث الصحيح [البخاري، رقم: ١٤١٢؛ مسلم بعد، رقم: ١٠١٢] : "حتَّى يُهِمَّ ربَّ المَالِ مَنْ يقبلُ صدقتهُ". ١٨٣٦- وقول عمر ﵁ في الصحيح [البخاري، رقم: ٣٠٥٩] : ربّ الصُّرَيْمة والغُنَيْمة. ونظائرهُ في الحديث كثيرةٌ مشهورةٌ. ١٨٣٧- وأما استعمالُ حملةِ الشرعِ ذلك فأمرٌ مشهورٌ معروفٌ. قال العلماءُ: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي! لأن في لفظه مشاركةٌ لله تعالى في الربوبية. وأما حديث: "حتى يَلْقاها رَبُّها" [البخاري، رقم: ٩١؛ مسلم، رقم: ١٧٢٢] ورب الصريمة [البخاري، رقم: ٣٠٥٩] وما في معناهُما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفةٍ، فهي كالدار والمالِ، ولا شك أنه لا كراهةَ في قولِ ربّ الدارِ، وربّ المالِ. وأما قول يوسف ﵇:

стр. 809

﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، فعنه جوابان: أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال مُوسى ﷺ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [سورة طه: ٩٧] أي: الذي اتخذته إلهاً. والجواب الثاني: أن هذا شرعُ مَنْ قَبْلنَا، وشرعُ من قبلنا لا يكون شرعاً لنا إذا ورد شرعنا بخلافِ، وهذا لا خلاف فيه، وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يردْ شرعُنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعاً لنا أم لا؟

стр. 810

فصل كراهة قول: مولاي ... ٥٢٩- فصل [كراهة قول: مولا] : ١٨٣٨- قال الإمام أبو جعفرٍ النحاسُ في كتابهِ صناعة الكتاب: أما المولى فلا نعلمُ اختلافاً بين العلماءِ أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يقول لأحدٍ من المخلوقين: مولاي. قلتُ: وقد تقدم في الفصل السابق [برقم: ١٨٣٢] جوازُ إطلاق مولاي. ولا مخالفةَ بينهُ وبينَ هذا، فإن النحاس تكلمُ في المولى بالألفِ واللامِ، وكذا قال النحاسُ: يُقالُ: سيد لغير الفاسقِ، ولا يقالُ: السيد بالألف واللام لغير الله تعالى، والأظهر أنه لا بأس بقوله: المولى والسيد بالألف واللام بشرطه السابق؛ والله أعلم.

стр. 811

٥٣٠- فصل في النهي عن سبّ الريح: ١٨٣٩- وقد تقدم الحديثان [برقم: ٩٤١، ٩٤٣] في النهي عن سبّها، وبيانهما في باب ما يقولُ: إذا هَاجَتِ الرِّيح [رقم: ٢٣٢] .

стр. 812

٥٣١- فصل: يُكره سبّ الحمى: ١٨٤٠- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٧٥] ، عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ دخلَ على أُمّ السائب، أو أُمّ المسيب، فقال: "ما لَكِ يا أُمّ السَّائِبِ -أو يا أُمّ المسيِّب- تُزَفْزِفِين"؟ قالت: الحمّى، لا باركَ الله فيها؛ فقال: "لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّها تُذْهِبُ خَطايا بني آدَمَ كَمَا يذهبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ". قلتُ: "ترفزفين" أي: تتحركين حركة سريعة، ومعناهُ: ترتعدُ، وهُو بضم التاء وبالزاي المكرّرة، وروي أيضاً بالراء المكرّرة، والزاي أشهر؛ وممّن حكاهما ابن الأثير [٢/ ٢٤٣، ٣٠٥] ؛ وحكى صاحبُ "المطالع" الزَّايَ، وحُكي الرَّاء مع القاف؛ والمشهور أنه بالفاء سواءٌ كان بالزاي أو بالراء.

стр. 813

٥٣٢- فصل في النهي عن سبّ الديك: ١٨٤١- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥١٠١] ، بإسنادٍ صحيح، عن زيد بن خالدٍ الجهني ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الدّيكَ، فإنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلاةِ".

стр. 814

فصل في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهلية، وذمّ استعمال ألفاظهم ... ٥٣٣- فصل في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهلية، ودم استعمال ألفاظهم: ١٨٤٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ١٢٩٧] ؛ ومسلم [رقم: ١٠٣] ؛ عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ مِنّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ". وفي رواية: "أوْ شَقَّ ... أوْ دعا ... " بأو

стр. 815

٥٣٤- فصل [كراهة تسمية الْمُحَرَّم صَفَرًا] : ١٨٤٣- ويُكره أن يُسمَّى المحرَّمُ صفراً؛ لأن ذلك من عادةِ الجاهلية.

стр. 816

٥٣٥- فصل [تحريم الدعاء بالمغفرة لغير المسلم] : ١٨٤٤- يحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافراً، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وقد جاء الحديث بمعناهُ، والمسلمون مجموعون عليه.

стр. 817

٥٣٦- فصل [تحريم سب المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقّ] : ١٨٤٥- يَحْرُمُ سَبّ المسلم من غير سبب شرعي يجوِّز ذلك. ١٨٤٦- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٧٠٧٦] ، ومسلم [رقم: ٦٤؛ عن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "سِبابُ المسلم فسوقٌ". ١٨٤٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٨٧] ، و"كتابي" أبي داود [رقم: ٤٨٩٤] ، والترمذي [رقم: ١٩٨١] ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهُ، أن رسول الله ﷺ قال: "المُسْتَبَّانِ ما قالا، فعلى البادئ مِنْهُما ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومِ". قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح.

стр. 818

٥٣٧- فصل [كراهة استعمال الألفاظ المذمومة في مخاطبة الناس] : ١٨٤٨- ومن الألفاظ المذمومةِ المستعملة في العادة قوله لمن يخاصمهُ: يا حمارُ، يا تيس، يا كلبُ، ونحو ذلك، فهذا قبيح لوجهين: أحدهما أنه كذبٌ، والآخر أنه إيذاءٌ. وهذا بخلاف قوله: يا ظالم ونحوه؛ فإن ذلك يُسامح به لضرورة المخاصمة، مع أنه يصدق غالباً، فقلّ إنسانٌ إلا وهو ظالمٌ لنفسه ولغيرها.

стр. 819

فصل في سب كراهة القول: ما معي خَلْقٌ إلاّ الله ... ٥٣٨- فصل [في سبب كراهة القول: ما معي خَلْقٌ إلاّ الله] : ١٨٤٩- قال النحاسُ: كرهَ بعضُ العلماء أن يُقال: ما كان معي خَلْقٌ إلاّ اللَّه. قلت: سببُ الكراهة بشاعةُ اللفظ من حيثُ أن الأصل في الاستثناء أن يكونَ متصلاً، وهو هُنا محالٌ، وإنما المرادُ هنا الاستثناءُ المنقطع، تقديرُه: ولكن كان الله معي، مأخوذٌ من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَيَنْبغي أن يُقال بدلَ هذا: ما كان معي أحدٌ إلاَّ الله . قال: وكره أن يُقال: اجلس على اسم الله، وليقلْ: اجلس باسم الله.

стр. 820

٥٣٩- فصل [كراهة الحلف بالعبادة] : ١٨٥٠- حكى النحّاسُ عن بعض السلف، أنه يُكره أن يقولَ الصائمُ: وحقِّ هذا الخاتم الذي على فمي، واحتجّ له بأنه إنما يُختم على أفواه الكفار، وفي هذا الاحتجاج نظرٌ، وإنما حجتهُ أنه حلفٌ بغير الله ، وسيأتي النهيُ عن ذلك إن شاء الله تعالى قريباً، فهذا مكروهٌ لما ذكرنا، ولما فيه من إظهار صومهِ لغيرِ حاجةٍ؛ واللهُ أعلم.

стр. 821

٥٤٠- فصل [كراهة ألفاظ الجاهلية] : ١٨٥١- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٢٧] ، عن عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة، أو غيره؛ عن عمران بن الحصين ﵄، قال: كنّا نقول في الجاهلية: أنعم الله بك عيناً، وأنعم صباحاً؛ فلما كان الإِسلام نُهينا عن ذلك. قال عبد الرزاق: قال معمرٌ: يُكرهُ أن يقول الرجل: أنعم الله بك عيناً، ولا بأسَ أن يقول: أنعم الله عينَك. قلتُ: هكذا رواه أبو داود عن قتادة، أو غيره؛ ومثلُ هذا الحديث قال أهل العلم: لا يحكمُ له بالصحةِ؛ لأن قتادة ثقةٌ، وغيرهُ مجهولٌ، وهو محتملٌ أن يكونَ عن المجهولِ، فلا يثبتُ به حكمٌ شرعي، ولكنِ الاحتياط للإنسانِ اجتنابُ هذا اللفظ لاحتمال صحتهِ؛ ولأن بعض العلماءِ يحتجّ بالمجهولِ؛ واللهُ أعلمُ.

стр. 822

٥٤١- فصل في النهي عن أن يتناجى الرجلان إذا كان معهما ثالث وحده: ١٨٥٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٢٩٠] ، ومسلمٍ [رقم: ٢١] ؛ عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَة فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخرِ حتَّى تَخْتَلِطُوا بالناسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يحزنهُ". ١٨٥٣- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٦٢٨٨؛ مسلم، رقم: ٢١٨٣] ، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا كانُوا ثَلاَثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثنانِ دونَ الثَّالِثِ". وَرَوَيْنَاهُ في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٥٢] وزاد: قال أبو صالحٍ الراوي، عن ابن عُمر: فقلتُ لابن عمر: فأربعةٌ؟ قال: لا يضرُّك.

стр. 823

٥٤٢- فصل في نهي المرأة أن تخبرَ زوجَها، أو غيرَه بحسنِ بدنِ امرأةٍ أخرى إذا لم تدعُ إليه حاجة شرعية من رغبة في زواجها ونحو ذلك: ١٨٥٤- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٢٤٠] ، ومسلم [ليس فيه] ؛ عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُباشِرِ المرأةُ المَرأةَ فَتَصِفُها لزَوْجِها كأنَّهُ ينظر إليها".

стр. 824

٥٤٣- فصل [كراهة القول للمتزوّج: بالرِّفاءِ والبنينَ] : ١٨٥٥- يُكره أن يُقال للمتزوّج: بالرفاءِ والبنينَ، [راجع رقم: ١٤٥٥] وإنما يُقال له: باركَ الله لك، وباركَ عليك؛ كما ذكرناه في كتاب النكاح [برقم: ١٤٥٤] . [ودليل كراهته رواهُ النسائي، رقم: ٢١٧٣، ٣٣٧١؛ وابن ماجه، رقم: ١٩٠٦؛ والإمامُ أحمدُ في مسندهِ رقم: ١٧٤٠، ١٥٣١٣؛ عن الحسن، قال: تزوج عقيل ابن أبي طالب امرأةً من بني جثم، فقيل لهُ: بالرَّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا ذلك، أن رسول الله ﷺ نهانا عن ذلك، وأمرنا أن نقول: "بارك الله لك وبارك عليك"] .

стр. 825

٥٤٤- فصل [كراهة موعظة الغضبان حال غضبه] : ١٨٥٦- رَوَى النحاسُ، عن أبي بكر محمدِ بن يحيى -وكان أحد الفقهاء العلماء الأدباء- أنه قال: يكرهُ أن يُقال لأحدٍ عند الغضبِ: أذْكُرَ اللَّهَ تَعالى! خوفاً من أن يحملهُ الغضبُ على الكفر، وكذا لا يقالُ لهُ: صلِّ على النبيّ ﷺ ! خوفاً من هذا.

стр. 826

٥٤٥- فصل [كراهة أن يقول الإنسانُ: الله يعلمُ ما كان كذا، أو كان] : ١٨٥٧- من أقبح الألفاظ المذمومة، ما يعتادهُ كثيرون من الناس إذا أرادَ أن يَحلِفَ على شيءٍ، فيتورعُ عن قوله: والله؛ كراهيةَ الحنث، أو إجلالاً لله تعالى، وتصوّناً عن الحلف، ثم يقولُُ: الله يعلم ما كان كذا، أو لقد كان كذا ونحوهُ، وهذه العبارةُ فيها خطرٌ، فإن كان صاحبُها متيقناً أن الأمر كما قال، فلا بأس بها، وإن كان تشكَّكَ في ذلك فهو من أقبح القبائح؛ لأنه تعرّضَ للكذب على الله تعالى، فإنه أخبرَ أن الله تعالى يعلمُ شيئاً لا يتقن كيف هو. وفيه دقيقة أخرى أقبحُ من هذا. وهو أنه تعرّض لوصف الله تعالى بأنه يعلمُ الأمرَ على خلاف ما هُو، وذلك لو تحقَّقَ كان كفرًا، فينبغي للإنسان اجتنابُ هذه العبارة.

стр. 827

٥٤٦- فصل [كراهة تعليق الدعاء على المشيئة] : ١٨٥٨- ويكرهُ أن يقولَ في الدعاءِ: اللَّهم اغفر لي إن شئت، أو إن أردتَ، بل يجزمُ بالمسألة. ١٨٥٩- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٣٣٩] ، ومسلم [رقم: ٢٦٧٩/ ٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَقُولَنَّ أحدكمُ: اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ؛ لِيَعْزِمِ المَسألةَ، فإنَّهُ لا مكرهَ لَهُ". وفي روايةٍ لمسلم [رقم: ٢٦٧٩/ ٨] : "ولَكنْ ليَعْزِمْ وليُعظمِ الرَّغْبَةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمهُ شيءٌ أعطاهُ". ١٨٦٠- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري رقم: ٦٣٣٨؛ مسلم رقم: ٢٦٧٨] ؛ عن أنسٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا دَعا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المسألةَ، وَلا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ فأعْطِني، فإنَّه لا مُسْتَكْرِهَ له".

стр. 828

٥٤٧- فصل [حكم الحلفُ بغير أسماء الله وصفاته] : ١٨٦١- ويُكره الحلفُ بغيرِ أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتهِ، سواءٌ في ذلك: النبيُ ﷺ ، والكعبةُ، والملائكة، والأمانةُ، والحياةُ، والروحُ، وغير ذلك. ومن أشدِّها كراهة: الحلف بالأمانة١. ١٨٦٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٦٤٦] ، ومسلم [رقم: ١٦٤٦] ؛ عن ابن عُمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ اللَّهَ يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بأبائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بالله أوْ لِيَصمُت". وفي رواية في الصحيح: "فمن كان حالفا لا يَحْلِفْ إِلاّ باللَّهِ أو ليسكت". وفي رواية في الصحيح: "فَمَنْ كانَ حالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلاّ باللَّهِ أوْ لِيَسْكُتْ". ١٨٦٣- وَرَوَيْنَا في النهي عن الحلف بالأمانة تشديداً كثيراً، فمن ذلك ما روينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٢٥٣] ، بإسناد صحيح؛ عن بُريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بالأمانَةِ فليس منا".

стр. 829

٥٤٨- فصل [كراهة الحلف في البيع ونحوه] : ١٨٦٤- يُكره إكثارُ الحلف في البيع ونحوهِ، وإن كان صادقاً. ١٨٦٥- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٦٠٧] ، عن أبي قتادة ﵁، أنهُ سمع رسُول الله ﷺ يقولُ: "إيَّاكُمْ وكثرةَ الحلفِ في البَيْعِ، فإنَّهُ يُنفق ثُمَّ يَمْحَقُ".

стр. 830

٥٤٩- فصل [كراهةِ تسمية قوس الله بقوس قُزَح] : ١٨٦٦- يُكره أن يُقال: قوسُ قزح، لهذه التي في السماء، رَوَيْنَا في "حلية الأولياء" [٢/ ٣٠٩] لأبي نعيم، عن ابن عباسٍ ﵄، أن النبي ﷺ ، قال: "لا تَقُولُوا: قَوْسَ قُزَحَ، فإنَّ قُزَحَ شيطانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: قَوْسَ اللَّهِ ، فهُوَ أمانٌ لأهْلِ الأرْضِ". قلتُ: "قُزَح" بضم القاف وفتح الزاي، قال الجوهري [١/ ٣٩٦] وغيره: هي غير مصروفةٍ؛ وتقولهُ العوامُ: قُدَح، بالدالِ، وهو تصحيفٌ.

стр. 831

٥٥٠- فصل [كراهة التحدث بالمعصية] : ١٨٦٧- يكرهُ للإِنسان إذا ابتُلي بمعصيةٍ أو نحوها أن يخبرَ غيرَه بذلك، بل ينبغي أن يتوب إلى الله تعالى، فيقلعَ عنها في الحال، ويندمَ على ما فعل ويعزم ألا يعود إلى مثلها أبداً؛ فهذه الثلاثةُ هي أركان التوبة، لا تصحّ إلا باجتماعها، فإن أخبرَ بمعصيته شيخَه أو شبهَه ممّن يرجو بإخباره أن يعلمهُ مخرجاً من معصيته، أو ليعلمهُ ما يسلمُ به من الوقوع في مثلها، أو يعرفهُ السببَ الذي أوقعه فيها، أو يدعوَ له، أو نحوَ ذلك؛ فلا بأسَ به، بل هو حسنٌ، وإنما يكرهُ إذا انتفتْ هذه المصلحةُ. ١٨٦٨- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٠٦٩] ، ومسلم [رقم: ٢٩٩٠] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "كُلُّ أُمّتِي معافىً إلا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ المجاهرةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُل باللَّيْلِ عَمَلاً، ثًمَّ يصبحُ وقد ستره اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: يا فلانُ! عملتُ البارِحَةَ كَذَا وكَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ".

стр. 832

٥٥١- فصل [تحريم الإفساد بين الأهل] : ١٨٦٩- يَحْرُم على المكلّف أن يحدِّث عبدَ الإِنسان أو زوجته أو ابنهُ أو غلامَه ونحوَهم بما يُفسدهم به عليه إذا لم يكنْ ما يُحدِّثهم به أمراً بمعروفٍ أو نهياً عن منكر. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: ١٨] . ١٨٧٠- وَرَوَيْنَا في كتابي أبو داود [رقم: ٢١٧٥] والنسائي [في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: ١٤٨١٧] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من خبَّبَ زوجةَ امرئٍ أوْ مملوكهُ فَلَيْسَ مِنَّا". قلتُ: "خبَّب" بخاءٍ معجمةٍ، ثم باءٍ موحدةٍ مكررةٍ، ومعناهُ: أفسدهُ وخدعهُ.

стр. 833

٥٥٢- فصل [يقول: أنفقت في الطاعة، ولا يقولُ: غَرِمت] : ١٨٧١- ينبغي أن يُقال في المال المخرج في طاعةِ الله تعالى: أنفقتُ وشبهُه، فيقالُ: أنفقتُ في حجتي ألفاً، وأنفقتُ في غزوتي ألفين، وكذا أنفقتُ في ضيافة ضيفاني، وفي خِتان أولادي، وفي نكاحي، وشبه ذلك؛ ولا يقولُ ما يقولهُ كثيرون من العوامّ: غرمتُ في ضيافتي، وخسرتُ في حجتي، وضيعتُ في سفري. وحاصلهُ: أن أنفقتُ وشبههُ يكونُ في الطاعاتِ، وخسرتُ وغرمتُ وضيعتُ نحوها يكونُ في المعاصي والمكروهاتِ، ولا تُستعمل في الطاعات.

стр. 834

٥٥٣- فصل [نهي المأموم عن إعادة تلاوة إمامه] : ١٨٧٢- مما يُنهى عنه ما يقوله كثيراً من الناس في الصلاة إذا قال الإِمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٣] فيقولُ المأموم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . فهذا مما ينبغي تركه والتحذير منهُ، فقد قال صاحب "البيان" من أصحابنا ["البيان ٢/ ١٨٨] : إنَّ هذا يبطلُ الصلاة إلا أن يقصد به التلاوة؛ وهذا الذي قالهُ، وإن كان فيه نظرٌ، والظاهرُ أنه لا يوافقُ عليه، فينبغي أن يتجنب، فإنه وإن لم يُبطلِ الصلاةَ، فهو مكروهٌ في هذا الموضعِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 835

٥٥٤- فصل [النهي عن قول: الْمُكُوسُ ١ حَقٌّ] : ١٨٧٣- مما يتأكد النهيُ عنهُ والتحذيرُ منه، ما يقولهُ العوامُ وأشباهُهم في هذه المكوس التي نؤخذُ ممن يبيع أو يشتري ونحوهما، فإنهم يقولون: هذا حقّ السلطان، أو عليك حقّ السلطانِ، ونحو ذلك من العبارات المشتملة على تسميته حقاً، لازماً، ونحو ذلك؛ وهذا من أشدّ المنكرات، وأشنع المستحدثات، حتى قد قال بعضُ العلماء: من سمَّى هذا حقاً فهو كافرٌ خارجٌ عن ملّة الإِسلام؛ والصحيحُ أنه لا يكفرُ إلا إذا اعتقدهُ حقاً مع علمهِ بأنه ظلمٌ؛ فالصوابُ أن يُقالَ فيه: المكسُ، أو ضريبةُ السلطانِ أو نحوُ ذلك من العباراتِ؛ وبالله التوفيق.

стр. 836

فصل كراهة السؤال بوجه الله ... ٥٥٥- فضل [كراهة السؤال بوجه الله] : ١٨٧٤- يُكرهُ أن يسألُ بوجه الله تعالى غير الجنة. ١٨٧٥- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ١٦٧١] ، عن جابرٍ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يسألُ بوجهِ اللهِ إلاَّ الجنة".

стр. 837

٥٥٦- فصل [حكم من سألَ بالله وتشفع به] : ١٨٧٦- يُكْرَهُ منعُ من سألَ بالله تعالى وتشفَّع به. رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ١٦٧٢] ، والنسائي [رقم: ٢٥٦٧] بأسانيد "الصحيحين"؛ عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ اسْتَعاذَ باللَّهِ فأعِيذُوهُ، وَمَنْ سألَ باللَّهِ تَعالى فأعطوهُ، وَمَنْ دَعاكُمْ فأجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونهُ؛ فادْعُوا له ١ حتى تروا أنَّكُمْ قَدْ كافأْتُمُوهُ". [وسيرد برقم: ٢٠٣٦] .

стр. 838

٥٥٧- فصل [كراهة قول: أطال الله بقاءك] : ١٨٧٧- الأشهرُ أنهُ يكرهُ أن يقالَ: أطالَ الله بقاءَك. قال أبو جعفرٍ النحاسُ في كتابه "صناعةُ الكُتَّابِ" [صفحة: ٢٤٢، ٢٤٣] : كَرِهَ بعضُ العلماء قولهم: أطالَ الله بقاءك، ورخَّصَ فيه بعضُهم. ١٨٧٨- قال إسماعيل بن إسحاق: أوَّلُ مَن كتب: أطالَ الله بقاءَك، الزنادقة. ["صناعة الكتاب" صفحة: ٢٤٥] . ١٨٧٩- وروي عن حماد بن سلمة ﵁، أن مُكاتبة المسلمين كانت من فلانٍ إلى فلانٍ، أما بعدُ؛ سلامٌ عليكَ، فإني أحمدُ إليكَ الذي لا إِله إِلاَّ هو، وأسألُه أن يصلِّي على محمدٍ وعلى آل محمدٍ؛ ثم أحدثتِ الزنادقةُ هذه المكاتبات التي أوّلُها: أطالَ الله بقاءك. ["صناعة الكتاب" صفحة: ٢٤٥] .

стр. 839

٥٥٨- فصل [جواز قول: فِداكَ أبي وأُمي] : ١٨٨٠- المذهبُ الصحيحُ المختارُ أنهُ لا يكرهُ قولُ الإنسانِ لغيرهِ: فداكَ أبي وأُمي، أو جعلني اللهُ فداك، وقد تظاهرتْ على جواز ذلك الأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما، وسواءٌ كانَ الأبوان مسلمين أو كافرين، وكَرِهَ ذلك بعضُ العلماء إذا كان مُسلمين. قال النحاس: وكرهَ مالكُ بن أنسٍ ﵀: جعلني الله فداك، وأجازهُ بعضهم. ["صناعة الكتاب، صفحة: ٢٤٣] قال القاضي عياضٌ: ذهبَ جمهورُ العلماء إلى جواز ذلك، سواءٌ كان الْمُفَدَّى به مسلماً أو كافراً. قلتُ: وقد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يُحصى، وقد نبَّهتُ على جملٍ منها في "شرح صحيح مسلم" [٥/ ١٨٤] .

стр. 840

٥٥٩- فصل [ذم المِراء والجِدال والخُصومة] : ١٨٨١- ومما يُذمّ من الألفاظ: المراءُ والجدالُ والخصومةُ. قال الإِمام أبو حامد الغزالي [٣/ ١١٧] ﵀: المراءُ طعنُك في كلامِ الغير لإِظهار خللٍ فيه لغير غرضٍ سوى تحقيرٍ قائلهِ وإظهار مزيَّتِك عليه. قال: وأما الجدالُ، فعبارةٌ عن أمرٍ يتعلقُ بإظهار المذاهب وتقريرها. قال: وأما الخصومةُ، فلِجَاجٌ في الكلام ليستوفيَ به مقصودَه من مالٍ أو غيرهِ، وتارة يكونُ ابتداءً، وتارة يكونُ اعتراضاً؛ والمراءُ لا يكونُ إلا اعتراضاً. هذا كلام الغزالي. واعلم أن الجدال قد يكون بِحَقّ، وقد يكون بباطل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] فإن كان الجدالُ للوقوفِ على الحقّ وتقريرِه كان محموداً، وإن كان في مدافعةِ الحقّ، أو كان جدالاً بغير علمٍ كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل

стр. 841

تنزل النصوص الواردة في إباحته وذمّه، والمجادلة والجدالُ بمعنى، وقد أوضحتُ ذلك مبسوطاً في "تهذيب الأسماء واللغات" [٢/ ٤٨] . قال بعضُهم: ما رأيتُ شيئاً أذهبَ للدين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيعَ للذةٍ، ولا أشعل للقلب من الخصومة. فإن قلتَ: لا بُدَّ للإنسانِ من الخصومة لاستبقاء١ حقوقه. فالجوابُ: ما أجابَ بهِ الإمامُ الغزالي أن الذمَّ المتأكدَ إنما هُوَ لمن خاصمَ بالباطلِ، أو بغير علمٍ؛ كوكيل القاضي، فإنهُ يتوكلُ في الخصومةِ قبلَ أن يعرفَ أن الحقّ في أيّ جانبِ هوَ، فيخاصمُ بغير علمٍ. ويدخلُ في الذمّ أيضاً مَن يطلبُ حَقَّه لكنهُ لا يقتصرُ على قدرِ الحاجة، بل يظهرُ اللددَ والكذبَ للإِيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خَلَطَ بالخصومة كلماتٍ تُؤذي، وليس له إليها حاجةٌ في تحصيل حقه، وكذلك مَن يحملهُ على الخصومة محضُ العنادِ لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلومُ الذي ينصرُ حجتهُ بطريق الشرع من غير لددٍ وإسرافٍ، وزيادةِ لجاجٍ على الحاجة من غير قصدِ عنادٍ ولا إيذاء، ففعلهُ هذا ليس حرامًا ولكن الولى تركهُ وما وجدَ إليه سبيلاً؛ لأنَّ ضبطَ اللسان في الخصومة على حدّ الاعتدالِ متعذرٌ، والخصومةُ توغرُ الصدورَ، وتهيجُ الغضبَ، وإذا هاجَ الغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما حتى يفرح كل واحدٍ منهم بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته، ويُطلق اللسانَ في عرضه، فمن خاصمَ فقد تعرّضَ لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلب، حتى أنه يكون في صلاته وخاطره متعلق٢ المحاجة والخصومة، فلا يَبقى حالهُ على الاستقامة؛ والخصومةُ مبدأ الشرّ،

стр. 842

وكذا الجدالُ والمراءُ. فينبغي ألا يفتحَ عليه بابَ الخصومةِ إلا لضرورةٍ لا بُدَّ منها، وعند ذلك يُحفظُ لسانهُ وقلبهُ عن آفات الخصومة. ١٨٨٢- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٩٤] ، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "كَفَى بك إثمًا ألا تَزَالَ مُخَاصِماً". ١٨٨٣-وجاء عن عليّ ﵁، قال: إن للخصوماتِ قُحَمًا. ["كنز العمال"، رقم: ١٥٣٣٣] . قلتُ: القُحَمُ بضم القاف وفتح الحاء المهملة، هي: المهالكُ.

стр. 843

٥٦٠- فصل [كراهة التقعر والتشدق والسجع في الكلام] : ١٨٨٤- يُكره التقعيرُ في الكلام بالتشدّق، وتكلفُ السجع والفَصاحة، والتصنّع بالمقدمات التي يَعتادُها المتفاصحون، وزخارف القول؛ فكلُ ذلك من التكلُّف المذمُوم، وكذلك تكلفُ السجع، وكذلك التحريّ في دقائق الإِعراب، ووحشي اللغة في حالة مخاطبة العوامّ؛ بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظاً يفهمهُ صاحبهُ فهماً جليّاً، ولا يستثقلُه. ١٨٨٥- روينا في كتابي أبي داود [رقم: ٥٠٠٥] ، والترمذي [رقم: ٢٨٥٣] ؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ يُبغضُ البَلِيغَ مِنَ الرّجالِ الَّذي يَتَخَلَّل بلسانهِ كما تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ١٨٨٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٦٧٠] ، عن ابن مسعودٍ ﵁، أن النبي ﷺ قال: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ" قالها ثلاثًا. ["المتنطعون": المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد "رياض الصالحين"، رقم: ١٤٤] .

стр. 844

قال العلماءُ: يعني بالمتنطعين: المبالغين في الأمور. ١٨٨٧- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٠١٨] ، عن جابرٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إِلَيَّ وأقْرَبِكُمْ مِنّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ أحاسِنُكُمْ أخْلاقاً، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيامَةِ؛ الثَّرْثارُونَ وَالمُتَشَدّقُونَ والمتفيهقون" قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيهقون؟ قال: "المُتَكَبِّرُون". قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ. قال: و"الثرثار" هو: الكثيرُ الكلام، والمتشدّقُ: مَن يتطاولُ على الناس في الكلام، ويبذو عليهم. ١٨٨٨- واعلم أنه لا يدخلُ في الذمّ تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراطٌ وإغرابٌ؛ لأن المقصودَ منها تهييج القلوبِ إلى طاعةِ الله ، ولحسن اللفظ في هذا أثرٌ ظاهرٌ.

стр. 845

٥٦١- فصل [كراهة الحديث بعد العشاء إلا بخير] : ١٨٨٩- ويُكره لمن صلى العشاء الآخرة أن يتحدَّثَ بالحديث المباح في غير هذا الوقت، وأعني بالمُباح الذي استوى فعلهُ وتركه. فأما الحديثُ المحرمُ في غير هذا الوقت، أو المكروه، فهو في هذا الوقت أشدّ تحريماً وكراهة. وأما الحديثُ في الخيرِ كمذاكرةِ العلمِ وحكايات الصالحين ومكارم الأخلاق، والحديثُ مع الضيف ومع طالب حاجةٍ ونحوِ ذلك، فلا كراهةَ فيه، بل هو مستحبُ؛ وقد تظاهرت الأحاديثُ الصحيحةُ به، وكذلك الحديثُ للغدرِ والأمور العارضة لا بأس به. وقد اشتهرت الأحاديثُ بكل ما
следующие страницы →