السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى النمّامَ عنهُ، فلا يحكي نميمته.
وقد جاء أن رجلاً ذَكَرَ لعمرَ بن عبد العزيز، ﵁، رجلاً بشيءٍ، فقال عمرُ: إن شئتَ نظرنَا في أمركَ، فإن كنتَ كاذباً فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، وإن كنتَ صادقاً فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] وإن شئتَ عفونا عنك؛ قال: العفو، يا أميرَ المؤمنين، لا أعودُ إليه أبداً.
ورفع إنسانٌ رفعةً إلى الصاحبِ بن عبادٍ يحثهُ فيها على أخذِ مال يتيم، وكان مالاً كثيراً، فكتبَ على ظهرها: النميمية قبيحةٌ، وإن كانت صحيحةً، والميّتُ ﵀، واليتيمُ جبرَه الله، والمالُ ثمرهُ اللهُ، والساعي لعنهُ الله.
стр. 772
بابُ النهي عن نَقْلِ الحَديثِ إلى ولاةِ الأُمور إذا لم تدعُ إليه ضرورةٌ لخوفِ مفسدةٍ ونحوِهَا:
١٧٦٠- رَوَيْنَا في كتابي أبي داود [رقم: ٤٨٦٠] ، والترمذي [رقم: ٣٨٩٦] ؛ عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُبَلِّغْني أحدٌ منْ أصْحابِي عَنْ أحدٍ شَيْئاً، فإني أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأنا سَلِيمُ الصَّدْرِ".
стр. 773
بابُ النَّهي عن الطعن في الأَنْسَابِ الثَّابتةِ في ظاهِر الشَّرْعِ:
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسراء: ٣٦]
١٧٦١- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٦٧] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ لله ﷺ : "اثْنَتانِ فِي النَّاسِ هُما بِهِمْ كفرٌ: الطعنُ في النَّسَبِ، والنياحةُ على الميت". [مر برقم: ٧٦٧] ؛ والله أعلمُ.
стр. 774
بابُ النّهي عن الافْتِخَار:
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٣] .
١٧٦٢- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٨٦٥] ، و"سنن أبي داود" [رقم: ١٢١٤] وغيرهما؛ عن عياض بن حمارٍ الصحابي ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن اللَّهَ تَعالى أوْحَى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَبْغيَ أحدٌ على أحدٍ، وَلا يَفْخَرَ أحدٌ على أحدٍ".
стр. 775
بابُ النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم:
١٧٦٣- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٥٠٦] ، عن واثلةَ بن الأسقع ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ". قال الترمذي: حديثٌ حسن.
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] .
١٧٦٤- وأما الأحاديث الصحيحةُ في هذا الباب فأكثرُ من أن تُحصر، وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريم ذلك؛ والله أعلمُ.
١٧٦٥- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٦٤] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا؛ ولا يبع بعضكم على بيع بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْواناً، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يظلمهُ، وَلا يخذلهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى ههنا -ويشيرِ إلى صدره ثلاثَ مرات- بِحَسْبِ امرئٍ من الشر أن يحقر أخاهُ المسلم، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دمهُ ومالهُ وعرضه".
["الأربعون النووية"، رقم: ٣٥؛ مر برقم: ١٧٢٦] .
قلتُ: ما أعظمَ نفع هذا الحديث، وأكثر فوائده لمن تدبره.
١٧٦٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٩١] عن ابن مسعودٍ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يدخلُ الجنة مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مثقالُ ذرةٍ مِنْ كِبْرٍ"، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبهُ حسناً ونعلهُ حسنةً، قال: "إنَّ اللَّهَ جميلٌ يحبُ الجَمالَ، الكبرُ: بطرُ الحَقِّ، وغمطُ الناسِ".
قلتُ: بَطر الحقّ بفتح الباء والطاء المهملة، وهو: دفعه وإبطاله؛ وغمطٌ بفتح الغين المعجمةِ وإسكان الميم، وآخرهُ طاءٌ مهملةٌ، ويروى غمص بالصاد المهملة؛ ومعناهما واحدٌ، وهُو: الاحتقارُ.
стр. 778
بابُ غِلَظِ تحريمِ شَهادةِ الزُّور:
قال الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسراء: ٣٦] .
١٧٦٧- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٢٦٥٤] ، ومسلم [رقم: ٨٧] ؛ عن أبي بكرةَ نُفيعٍ بنِ الحارثِ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائرِ"؟ ثلاثاً، قُلنا: بلى يا رسول الله! قال: "الإِشْرَاكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالِدَيْنِ" وكان متكئاً، فجلسَ، فقال: "ألا وَقَوْلُ الزورِ وشهادةُ الزُّورِ" فما زال يُكررها حتى قُلنا: ليتهُ سكت.
قلتُ: والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ، وفيما ذكرته كافيةٌ، والإِجماع منعقد عليه.
стр. 779
بابُ النهي عن المَنِّ بالعَطِيَّةِ ونحوِها:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قال المفسرون: أي: لا تُبطلوا ثوابَها.
١٧٦٨- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٠٦] ، عن أبي ذرّ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ثَلاثَةٌ لا يُكلمهمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا ينظرُ إِلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، قال: فقرأها رسولُ الله ﷺ ثلاثَ مراتٍ، قال أبو ذرّ: خابُوا وخَسِروا، مَن هُم يا رسولَ الله؟ قال: "المسبلُ، والمنانُ، والمنفقُ سلعتهُ بالحلفِ الكاذبِ".
стр. 780
بابُ النهي عن اللعن
مدخل
...
بابُ النَّهي عن اللَّعْن:
١٧٦٩- رَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٠٤٤] ، ومسلم [رقم: ١١٠] ؛ عن ثابت بن الضحَّاك ﵁، وكان من أصحاب الشجرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعْنُ المؤمنِ كَقَتْلِهِ".
١٧٧٠- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٧] ، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْبَغِي لصديقٍ أنْ يكونَ لَعَّاناً".
١٧٧١- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٨] أيضاً، عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ".
١٧٧٢- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٠٦] والترمذي [رقم: ١٩٧٦] ؛ عن سمرةَ بنِ جندبٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَلا بغضبهِ، وَلا بالنَّارِ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١٧٧٣- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٧٧] ، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطعانِ وَلا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. [سيرد برقم: ١٩١٢] .
١٧٧٤- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٠٥] ، عن أبي الدرداءِ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ العَبْد إذَا لعنَ شَيْئاً صَعِدَتِ اللعنةُ إلى السَّماءِ، فَتُغْلَقُ أبوابُ السَّماءِ دُونَهَا، ثمَّ تَهْبِطُ إلى الأرْضِ، فَتُغْلَقُ أبْوَابُها دُونَها، ثُمَّ تأخُذُ يَمِيناً وَشِمالاً، فإذَا لَمْ تَجِدْ مَساغاً رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإن كان أهْلاً لِذَلِكَ وَإِلاَّ رَجَعَتْ إلى قائِلِها".
١٧٧٥- وَرَوَيْنَا في "كتابي" أبي داود [رقم: ٤٩٠٨] ، والترمذي [رقم: ١٩٧٨] ؛ عن ابن عباسٍ ﵄، أن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ لَعَنَ شيئًا ليس له بأهلٍ رجعتٍ اللَّعْنَة عَلَيْهِ".
١٧٧٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٥] ، عن عمران ابن
стр. 781
الحصين ﵄، قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وامرأةٌ من الأنصارِ على ناقةٍ، فَضَجِرَتْ، فلعنتها، فسمعَها رسولُ الله ﷺ : فقال: "خُذُوا ما عَلَيْها وَدَعُوها، فإنَّها مَلْعُونَةٌ".
قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرضُ لها أحدٌ.
قلتُ: اختلفَ العلماءُ في إسلام حصينِ والدِ عمرانَ وصحبتهِ، والصحيحُ إسلامهُ وصحبتهُ، فلهذا قلتُ: ﵄.
١٧٧٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٦] أيضاً، عن أبي برزة ﵁، قال: بينما جاريةٌ على ناقةٍ عليها بعضُ متاعِ القومِ، إذ بصرتْ بالنبيّ ﷺ ، وتضايقَ بهمُ الجبلُ، فقالت: حَلْ، اللَّهمّ العنها؛ فقال النبي ﷺ : "لا تُصَاحِبُنا ناقةٌ عَلَيْها لعنةٌ".
وفي رواية: "لا تُصاحبنا راحلةٌ عَلَيْها لعنةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى".
قلت: حَلْ بفتح الحاء المهملةِ وإسكانِ اللامِ، وهي كلمةٌ تزجرُ بها الإِبل.
стр. 782
٥٠٩- فصلٌ في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين:
١٧٧٨- ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورةِ، أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ الواصلة والمستوصلة ... " الحديث [أخرجه مسلم, رقم: ٢١٢٢؛ وهو في البخاري، رقم: ٥٩٣٣، ٥٩٣٧؛ ومسلم، رقم: ٢١٢٤ بلفظ: "لعن رسول الله...."] .
١٧٧٩- وأنهُ قال: "لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرّبا ... " الحديث [مسلم، رقم: ١٥٩٧] .
стр. 783
١٧٨٠- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ ... " [البخاري، رقم: ٢٦٨٦] .
١٧٨١- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرْضِ ... " [مسلم، رقم: ١٩٧٨/ ٤٣؛ أي: حدُودها] .
١٧٨٢- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يسرقُ البيضة ... " [البخاري رقم: ٦٧٨٣؛ مسلم، رقم: ١٦٨٧] .
١٧٨٣- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَن والديه" [مسلم، رقم: ١٩٧٨] ، "وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ ... " [مسلم، رقم: ١٩٧٨/ ٤٤] .
١٧٨٤- وأنه قال: "مَنْ أحْدَثَ فِينا حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكة والناس أجمعين" [البخاري، رقم: ١٨٧٠؛ مسلم، رقم: ١٣٦٦] .
١٧٨٥- وأنه قال: " اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّة، عصتِ الله ورسوله" [البخاري، رقم: ٤٠٩٠؛ مسلم، رقم: ٦٧٥] ، وهذه ثلاثُ قبائل من العرب. [تقدم برقم: ١٥٧٧] .
١٧٨٦- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فجمَلُوها، فباعوها"، [البخاري، رقم: ٤٣٥؛ مسلم، رقم: ١٥٨٢] .
١٧٨٧- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مساجد"، [البخاري، رقم: ٤٣٥؛ مسلم، رقم: ٥٣٠] .
١٧٨٨- وأنه قال [ابن عباس ﵄] : "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال". [البخاري، رقم: ٥٨٨٥] .
стр. 784
وجميع هذه الألفاظ في "صحيحي" البخاري ومسلم، بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، وإنما أشرتُ إليها ولم أذكر طرقها للاختصار.
١٧٨٩- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٩١٦] ، عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ رأى حِماراً قد وُسِمَ في وجهه، فقال: "لَعَنَ اللَّهُ الَّذي وَسَمَهُ".
١٧٩٠- وفي "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٥٥١٥؛ مسلم، رقم: ١٩٥٨] ، أن ابن عمر ﵄، مرَّ بفتيان من قريشٍ قد نَصبوا طيراً وهم يرمونه، فقال ابن عمر: لعن اللهُ من فعلَ هذا، إن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الروحُ غَرَضاً".
стр. 785
٥١٠- فصل [في تحريم لعن المسلم] :
١٧٩١- اعلم أن لعن المسلم المصونِ حرامٌ بإجماع المسلمين، ويجوزُ لعنُ أصحابِ الأوصافِ المذمومةِ، كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الفاسقين، لعن الله المصوّرين، ونحو ذلك، كما تقدم في الفصل السابق. [رقم: ٥٠٩] .
وأما لعن الإِنسان بعينه ممنِ اتصفَ بشيءٍ من المعاصي، كيهودي، أو نصراني، أو ظالمٍ، أو زانٍ، أو مصورٍ، أو فاسقٍ، أو سارقٍ، أو آكلِ ربا. فظواهرُ الأحاديث أنه ليس بحرام، وأشارَ الغزالي إلى تحريمه إلا في حقّ مَن عَلِمْنَا أنهُ مات على الكفر، كأبي لهبٍ، وأبي جهلٍ، وفرعونَ، وهامانَ، وأشباههم.
قال: لأن اللعن هو الإبعادُ عن رحمةِ الله تعالى، وما ندري ما يختم به لهذا الفاسقِ، أو الكافر.
قال: وأما الذين لعنهُم رسولُ الله ﷺ بأعيانهم، فيجوزُ أنه ﷺ عَلِمَ موتهُم على الكفرِ.
قال: ويقربُ من اللعنِ الدعاءُ على الإنسانِ بالشرّ، حتى الدعاءُ على الظالمِ، كقولِ الإِنسان: لا أصحَّ الله جسمهُ، ولا سلمهُ اللهُ؛ وما جرى مجراهُ؛ وكلُّ ذلك مذمومٌ، وكذلك لعنُ جميع الحيوانات، والجماد، فكلُّه مذمومٌ.
стр. 786
٥١١- فصل [فيمن لعن ما لا يستحقُ اللعن] :
١٧٩٢- حكى أبو جعفرٍ النحاسُ عن بعضِ العلماءِ، أنهُ قال: إذا لعن الإِنسانُ ما لا يستحقّ اللعن، فليبادرْ بقوله: إلاّ أن يكون لا يستحقّ.
стр. 787
٥١٢- فصل [في ألفاظ تنبيه المؤدب وما يشبهها] :
١٧٩٣- ويجوزُ للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وكلّ مؤدِّب أن يقول لمن يخاطبهُ في ذلك الأمر: ويلك! أو يا ضعيفَ الحال، أو يا قليلَ النظرِ لنفسهِ، أو يا ظالمَ نفسه، وما أشبه ذلك، بحيثُ لا يتجاوزُ إلى الكذبِ، ولا يكونُ فيه لفظُ قذفٍ صريحاً كان أو كنايةً أو تعريضاً، ولو كان صادقاً في ذلك، وإنما يجوزُ ما قدمناهُ ويكونُ الغرضُ منهُ التأديب والزجر، وليكونَ الكلامُ أوقعَ في النفس.
١٧٩٤- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ١٦٨٩، ومسلم رقم: ١٣٢٢] ؛ عن أنسٍ ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوقُ بدنةً، فقال: "ارْكَبْها"، فقال: إنها بدنةٌ، قال: "ارْكَبْها"، قال: إنها بدنةٌ، قال في الثالثة: "ارْكَبْها وَيْلَكَ".
стр. 788
١٧٩٥- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٦١٦٣؛ مسلم، رقم: ١٠٦٤/ ١٤٨، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بينا نحنُ عند رسول الله ﷺ وهو يَقسم قَسْماً، أتاهُ ذو الخويصرة -رجلٌ من بني تميم- فقال: يا رسول الله! اعدل؛ فقال رسول الله ﷺ : "وَيْلَكَ! وَمَنْ يعدلُ إِذَا لَمْ أعْدِلْ "؟.
١٧٩٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٨٧٠] ، عن عديّ بن حاتمٍ ﵁، أن رجلاً خطبَ عندَ رسول الله ﷺ ، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومَنْ يعصهِمَا فقد غوى؛ فقال رسول الله ﷺ : "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُل: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولُهُ".
١٧٩٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢١٩٥] أيضاً، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن عبداً لحاطب ﵁، جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطباً، فقال: يا رسولَ الله! ليدخلنّ حاطبٌ النَّارَ؛ فقال رسول الله ﷺ : "كذبتَ، لا يَدْخُلُها، فإنَّهُ شَهِدَ بَدْراً وَالحُدَيْبِيَةَ".
١٧٩٨- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٠٢] ، ومسلم [رقم: ٢٠٥٧] ؛ قولَ أبي بكرٍ الصديق ﵁ لابنه عبد الرحمن حين لم يجده عَشَّى أضيافه: يا عنثرُ، وقد تقدم بيان هذا الحديث [رقم: ١٤٩١] في كتاب الأسماء.
١٧٩٩- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٣٥٢؛ مسلم، رقم: ٧٦٦] ؛ أن جابراً صلَّى في ثوبٍ واحدٍ، وثيابهُ موضوعةٌ عندهُ، فقيل له: فعلتَ هذا؟ فقال: فعلتُ ذلك ليراني الجهالُ مثلكُم؛ وفي روايةٍ: ليراني أحمقُ مثلك.
стр. 789
بابُ النَّهي عن انتهارِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ واليتيم والسَّائلِ ونحوهم، وإلانةُ القوْل لهم والتواضعُ معهم:
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩، ١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] .
١٨٠٠- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٠٤] ، عن عائذِ بن عمرو -بالذال المعجمة- الصحابي ﵁، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيبٍ وبلالٍ في نفرٍ، فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ الله من عنقِ عدوّ الله مأخذها؛ فقال أبو بكرٍ ﵁: أتقولون هذا لشيخِ قريشٍ وسيدِهم؟ فأتى النبيَّ ﷺ ، فأخبرهُ، فقال: "يا أبا بكرٍ! لَعَلَّكَ أغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ"، فأتاهم، فقال: يا إخوتاهُ! أغضبتُكم؟ فقالوا: لا.
قلتُ: قولهُ: "مأخذَها" بفتح الخاء، أي: لو تستوفِ حقها من عنقه لسوء فعاله.
стр. 790
بابٌ في ألفاظٍ يكره استعمالها
مدخل
...
بابٌ في ألفاظٍ يُكرهُ استعمالُها:
١٨٠١- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦١٧٩] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٢٥٠، ٢٢٥١] ؛ عن سهل بن حنيفٍ، وعن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ ، قال: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي".
١٨٠٢- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٧٩] ، بإسناد صحيح؛ عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ ؛ قال: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: جاشَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي".
قال العلماء: معنى "لَقِسَتْ" و"جَاشَتْ": غثت؛ قالوا: وإنما كُرِه "خبثت" لِلَفظ الخبث والخبيث.
قال الإِمام أبو سليمان الخطابي [٥/ ٢٥٨] : لقست وخبثت معناهما واحدٌ، وإنما كُرِه خبثت للفظ الخبث وبشاعة الاسم منهُ، وعلمهمُ الأدب في استعمال الحسن منه وهجران القبيح، وجاشت بالجيم والشين المعجمة، ولقست بفتح اللام وكسر القاف.
стр. 791
٥١٥- فصل [كراهة تسمية العنب كرماً] :
١٨٠٣- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦١٨٣] ، ومسلم [رقم: ٢٢٤٦] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُونَ: الكرمُ، إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المؤْمِنِ".
وفي رواية لمسلم [رقم: ٢٢٤٧] : "لا تُسَمُّوا العنبَ الكَرْمَ، فإنَّ الكَرْمَ المسلمُ".
وفي رواية له: "فإنَّ ١ الكَرْمَ قلبُ المُؤْمِنِ".
١٨٠٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٢٤٨] ، عن وائلَ بن حِجر ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تَقُولُوا: الكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: العِنَبَ والحَبَلَة".
قلت: "الحَبَلة" بفتح الحاء والباء، ويُقال أيضاً: بإسكان الباء؛ قاله الجوهري ٤/ ١٦٦٥ وغيرُه، والمراد من هذا الحديث النهي عن تسمية العنبِ كرماً، وكانت الجاهليةُ تسمّيه: كرماً، وبعضُ الناس اليوم تُسمّيه كذلك، ونهى النبيّ ﷺ عن هذه التسمية.
قال الإِمام الخطابي ٥/ ٢٥٦ وغيره من العلماء: أشفق النبيُّ ﷺ أن يدعوهم حسنُ اسمها إلى شربِ الخمرِ المتخذةِ من ثمرِها، فسلبَها هذا الاسم؛ والله أعلمُ.
стр. 792
٥١٦- فصل [في النهي عن تعييب الناس والافتخار والبغي] :
١٨٠٥- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٦٢٣] ، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: "إِذَا قالَ الرجلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أهْلَكُهُمْ".
قُلتُ: روي أهلكُهم برفع الكافِ وفتحها، والمشهور الرفع، ويُؤيِّده أنه جاء في رواية رويناها في حلية الأولياء [٧/ ١٤١] في ترجمة سفيان الثوري: "فَهُوَ مِنْ أهْلَكِهمْ".
قال الإِمام الحافظ أبو عبد الله الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الرواية الأولى، قال بعض الرواة: لا أدري هو بالنصب أم بالرفع؟ قال الحميدي: والأشهر الرفع، أي: أشدُّهم هلاكاً، قال: وذلك إذا قال ذلك على سبيل الإزراء عليهم، والاحتقار لهم، وتفضيل نفسه عليهم؛ لأنه لا يدري سرّ الله تعالى في خلقه، هكذا كان بعضُ علمائنا، يقولُ: هذا كلام الحميدي.
стр. 793
وقال الخطابي [٥/ ٢٦٠] : معناهُ: لا يزال الرجلُ يُعيبُ الناسَ ويذكرُ مساويهم، ويقول: فسدَ النَّاسُ وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكُهم، أي: أسوأ حالاً فيما يلحقهُ من الإِثم في عيبهم والوقيعةِ فيهم، وربما أداهُ ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه له فضلاً عليهم، وأنه خيرٌ منهم فيهلكُ. هذا كلام الخطابي، فيما رويناهُ عنهُ في كتابه "معالم السنن".
وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٨٣] ﵁، قال: حدّثنا القعنبي، عن مالك [٢/ ٩٤٨] ، عن سهلِ ابن أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرة ﵁، فذكر هذا الحديث، ثم قال: قال مالكُ: إذا قال ذلك تحزناً لما يرى في الناس -قال: يعني من أمرِ دينهم- فلا أرى به بأساً، وإذا قال ذلك عجباً بنفسهِ وتصاغراً للناس، فهو المكروه الذي يُنْهَى عنه.
قلتُ: فهذا تفسير بإسناد في نهايةٍ من الصحةِ، وهو أحسنُ ما قيل في معناهُ وأوجزُ، ولا سيما إذا كان عن الإِمام مالكٍ ﵁.
стр. 794
٥١٧- فصل [في النهي عن التشريك بين الله وخلقه في المشيئة] :
١٨٠٦- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٨٠] بالإِسناد الصحيح، عن حذيفةَ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تَقُولُوا: ما شاءَ اللَّهُ وَشاءَ فلانٌ، وَلَكِنْ قولُوا: ما شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ ما شَاءَ فلانٌ".
قال الخطابي [٥/ ٢٥٩] وغيرهُ: هذا إرشادٌ إلى الأدب، وذلك أن الواو للجمع والتشريك، وثم للعطف مع الترتيب والتراخي؛ فأرشدَهم ﷺ إلى تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة مَن سواهُ.
١٨٠٧- وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كان يكرهُ أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك؛ ويجوزُ أن يقولَ: أعوذُ بالله ثم بك.
١٨٠٨- قالوا: ويقولُ: لولا الله ثم فلانٌ لفعلت كذا، ولا تقل: لولا الله وفلانٌ.
стр. 795
٥١٨- فصلٌ [في أن المنعم هو الله وحده] :
١٨٠٩- ويُكره أن يقول: "مُطرنا بنوءِ كذا" فإن قالهُ معتقداً أن الكوكب هو الفاعلُ فهو كفرٌ، وإن قالهُ معتقداً أن الله تعالى هو الفاعل، وأن النوْءَ المذكور علامةٌ لنزول المطر لم يكفر، ولكنه ارتكب مكروهاً لتلفظه بهذا اللفظ الذي كانت الجاهلية تستعملُه، مع أنه مشتركٌ بين إرادة الكفر وغيره، وقد قدَّمنا الحديث الصحيح [برقم: ٩٥٨] المتعلق بهذا الفصل في باب ما يقولُ عند نزول المطر [رقم: ٢٣٧] .
стр. 796
٥١٩- فصل [في حكم مَن قال: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديّ أو نصراني] :
١٨١٠- يحرمُ أن يقولَ: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديّ أو نصراني، أو بريءٌ من الإسلام ونحو ذلك، فإن قالهُ وأرادَ حقيقةَ تعليقِ خُرُوجهِ عن الإِسلام بذلك صارَ كافراً في الحالِ، وجرتْ عليه أحكامُ المرتدينَ، وإن لم يُردْ ذلك لم يكفُر، لكنِ ارتكبَ محرّماً، فيجبُ عليه التوبةُ، وهي أن يُقلع في الحالِ عن معصيته، ويندمَ على ما فعل، ويعزم على ألا يعودَ إليه أبداً، ويستغفر الله تعالى، ويَقولُ: لا إِله إلاَّ اللهُ، مُحمدٌ رسولُ الله.
стр. 797
٥٢٠- فصل [النهي عن قول المسلم: يا كافر] :
١٨١١- يحرم عليه تحريماً مغلّظاً أن يقولَ لمسلم: يا كافر!.
١٨١٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦١٠٣] ، ومسلمٍ [رقم: ٦٠] ،
عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا قالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ: يا كافِرٌ! فَقَدْ باءَ بِها أحَدُهُما، فإن كانَ كما قال، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ".
١٨١٣- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٦٠٤٥؛ مسلم، رقم: ٦١] ؛ عن أبي ذرّ ﵁، أنهُ سمع رسول الله ﷺ يقولُ: "مَنْ دَعا رَجُلاً بالكُفْرِ" -أوْ قَالَ: "عَدُوُّ اللَّه" - "وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلاَّ حَارَ عَلَيهِ". هذا لفظ رواية مسلم، ولفظ البخاري بمعناه. ومعنى "حَارَ": رَجَعَ.
стр. 798
٥٢١- فصل [النهي عن الدعاء بسلب الإيمان على أحدٍ] :
١٨١٤- لو دعا مسلمٌ على مسلم، فقال: اللَّهمّ اسلبه الإِيمانَ! عصى بذلك، وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه وجهان لأصحابنا، حكاهما القاضي حسين من أئمة أصحابنا في الفتاوى، أصحُّهما: لا يكفر، وقد يُحتجّ لهذا بقول الله تعالى إخباراً عن موسى ﷺ : ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨] وفي هذا الاستدلال نظرٌ، وإن قلنا: إنَّ شرعَ من قبلنَا شرعٌ لنا.
стр. 799
٥٢٢- فصل [حكم من أكره على كلمةِ الكفر] :
١٨١٥- لو أكْرَهَ الكفارُ مُسلمًا على كلمة الكفر، فقالها، وقلبه مطمئنّ بالإِيمان لم يكفر بنصّ القرآن لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وإجماع المسلمين، وهل الأفضل أن يتكلَّم بها ليصونَ نفسَهُ من القتل؟ فيه خمسةُ أوجهٍ لأصحابنا:
الأول: الصحيحُ أن الأفضلَ أن يصبرَ للقتل، ولا يتكلّم بالكفر، ودلائلهُ من الأحاديث الصحيحة، وفعل الصحابة ﵃ مشهورةٌ.
والثاني: الأفضلُ أن يتكلَّمَ ليصونَ نفسَه من القتل.
والثالث: إن كان في بقائه مصلحةٌ للمسلمين، بأن كان يرجو النكايةَ في العدوّ، أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضلُ أن يتكلَّم بها، وإن لم يكن كذلك، فالصبرُ على القتل أفضلُ.
والرابعُ: إن كان من العلماء ونحوهم ممّن يُقتدى بهم، فالأفضلُ الصبر لئلا يغترّ به العَوَامّ.
والخامسُ: أنه يجبُ عليه التكلّم لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وهذا الوجهُ ضعيفٌ جداً.
стр. 800
٥٢٣- فصل [حكم المكره على الإسلام] :
١٨١٦- لو أَكْرَهَ المسلمُ كافراً على الإِسلام، فنطقَ بالشهادتين، فإن كان الكفار حَرْبيًّا صحّ إسلامهُ؛ لأنه إكراهٌ بحقّ؛ وإن كان ذميّاً لم يصِرْ مسلماً، لأنّا التزمنا الكفّ عنهُ، فإكراههُ بغير حق؛ وفيه قولٌ ضعيفٌ أنه يصيرُ مُسلمًا؛ لأنه أمرهُ بالحق.
стр. 801
٥٢٤- فصل [النطق بالشهادتين على طريق الحكاية لا يُعد إسلامًا] :
١٨١٧- إذا نطقَ الكافرُ بالشهادتين بغير إكراهٍ، فإن كان على سبيل الحكايةِ، بأن قال: سمعتُ زيداً يقولُ: لا إِله إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله، لم يُحكم بإسلامه، وإن نطقَ بهما بعد استدعاء مُسلمٍ؛ بأن قال له مسلمٌ: قُل: لا إلهَ إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله، فقالهما صارَ مسلماً؛ وإن قالهما ابتداءً لا حكايةً، ولا باستدعاءٍ، فالمذهبُ الصحيحُ المشهورُ الذي عليه جمهورُ أصحابنا أنه يصيرُ مسلماً، وقيل: لا يصيرُ لاحتمال الحكاية
стр. 802
٥٢٥- فصل [النهي عن تسمية أحدٍ: خليفة الله] :
١٨١٨- ينبغي ألا يُقال للقائم بأمرِ المسلمين: خليفة الله، بل يُقال: الخليفة، وخليفةُ رسولِ الله، وأميرُ المؤمنين.
روينا في "شرح السنّة" للإِمام أبي محمدٍ البغوي ﵁، قال ﵀: لا بأسَ أن يُسمَّى القائمُ بأمرِ المسلمين: أمير المؤمنين، والخليفة، وإن كان مخالفاً لسيرة أئمة العدل، لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين له.
قال: ويُسمَّى خليفة؛ لأنه خلفَ الماضي قبلَه، وقام مقامه.
قال: ولا يُسمى أحدٌ خليفة الله تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ﴾ [سورة ص: ٢٦] .
١٨١٩- وعن ابن أبي مُليكة، أن رجلاً قال لأبي بكرٍ الصديق ﵁: يا خليفة الله! فقال: أنا خليفة محمدٍ رسول الله ﷺ ، وأنا راضٍ بذلك.
١٨٢٠- وقال رجلُ لعمرَ بن عبد العزيز ﵁: يا خليفة الله! فقال: ويلَك! لقد تناولتَ تناولاً بعيداً، إن أُمّي سمّتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلتُ، ثم كبرتُ، فكُنِّيتُ أبا حفص، فلو دعوتني به قبلتُ، ثم وليتموني أمورَكم، فسميتموني أمَير المؤمنين، فلو دعوتني بذاك كفاك.
١٨٢١- وذكر الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه "الأحكام السلطانية" [صفحة: ١٥] أن الإِمامَ سُمِّيَ خليفةً؛ لأنه
خلفَ رسول الله ﷺ في أُمته.
стр. 803
قال: فيجوز أن يُقال: الخليفة على الإِطلاق، ويجوزُ خليفة رسول الله.
قال: واختلفوا في جواز قولنا: خليفة الله، فجوّزه بعضُهم لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٩] ، وامتنع جمهورُ العلماءِ من ذلك، ونسبُوا قائلَه إلى الفجور. هذا كلامُ الماوردي.
١٨٢٢- قُلتُ: وأولُ مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمرُ بن الخطاب ﵁، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وأما ما توهمه بعضُ الجهلة في مسيلمة فخطأٌ صريحٌ، وجهلٌ قبيحٌ، مُخالفٌ لإِجماع العلماءِ، وكُتبهم متظاهرةٌ على نقلِ الاتفاقِ على أن أوّل مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمرُ بن الخطابِ ﵁.
وقد ذكر الإمامُ الحافظُ أبُو عُمرَ ابنُ عبد البرّ في كتابهِ الاستيعاب في أسماءِ الصحابةِ ﵃ [٢/ ٤٦٦] هامش الإصابة بيان تسمية عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أوّلاً، وبيان سبب ذلك، وأنه كان يُقال في أبي بكرٍ ﵁: خليفةُ رسول الله ﷺ .
стр. 804
٥٢٦- فصل [النهي عن تسمية: شاهان شاه] :
١٨٢٣- يحرمُ تحريماً غليظاً أن يقول للسطان وغيره من الخلق: شاهان شاه؛ لأن معناهُ: ملكُ الملوكِ، ولا يوصفُ بذلك غير الله .
١٨٢٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٢٠٥] ، ومسلم [رقم: ٢١٤٣] ؛ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ أخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى رجلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ"، وقد قدّمنا بيان هذا [برقم: ١٤٨٨] في كتاب الأسماء.
وأن سفيانَ بن عيينةَ قال: ملكُ الأملاك مثلُ شاهان شاه ["صحيح مسلم" ١٦٨٨/ ٣، وراجع رقم: ١٤٨٩ السابق] .
стр. 805
٥٢٧- فصل في لفظ السَّيِّد:
١٨٢٥- اعلم أن السيد يُطلق على الذي يفوق قومَه، ويرتفعُ قدرُه عليهم، ويُطلق على الزعيم والفاضل، ويطلقُ على الحليم الذي لا يستفزّه غضبُه، ويُطلق على الكريم وعلى المالكِ وعلى الزوجِ، وقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ بإطلاقِ سيدٍ على أهلِ الفضلِ.
١٨٢٦- فمن ذلك ما رَوَيْنَاهُ في "صحيح البخاري" [رقم: ٣٧٤٦] ، عن أبي بكرة ﵁، أن النبي ﷺ صَعِدَ بالحسن بن عليّ ﵄ المنبرَ، فقال: "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّد، وَلَعَلَّ الله تعالى أنْ يُصلح بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ".
١٨٢٧- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٤١٢١] ، ومسلم [رقم: ١٧٦٨] ؛ عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للأنصار لما أقبل سعدُ بنُ معاذٍ ﵁: "قُومُوا إلى سَيِّدِكم" أو "خَيْرِكُمْ"، كذا في بعض الروايات: "سيّدكم أو خيرِكم" وفي بعضها: "سيّدكم" بغير شك.
١٨٢٨- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٤٩٨] ، عن أبي هريرة ﵁، أن سعدَ بن عبادة ﵁، قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ
стр. 806
الرجلَ يجدُ مع امرأته رجلاً، أيقتلهُ؟ الحديثُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "انْظُرُوا إلى ما يقولُ سَيِّدِكُم".
١٨٢٩- وأما ما وردَ في النهي فما رويناه بالإِسناد الصحيح في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٧٧] ، عن بريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُولُوا لِلمُنافِقِ سيدٌ، فإنَّه إنْ يَكُ سَيِّداً فَقَدْ أسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ".
١٨٣٠- قلتُ: والجمعُ بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي وشبه ذلك إذا كان المسودُ فاضلاً خَيِّرًا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك؛ وإن كان فاسقاً، أو متهماً في دينه، أو نحو ذلك كره أن يُقال لهُ: سيدٌ. وقد رَوَيْنَا عن الإِمام أبي سليمانَ الخطابي في "معالم السنن" في الجمع بينهما نحو ذلك.
стр. 807
٥٢٨- فصل [في أدب مخاطبة المملوك مالكهُ، والمالك مملوكه] :
١٨٣١- يكرهُ أن يقول المملوك بمالكه: ربي، بل يقولُ: سيدي؛ وإن شاء قال: مولاي. ويُكره للمالك أن يقول: عبدي وأمتي؛ ولكن يقول: فتايَ وفتاتي أو غلامي.
١٨٣٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٢٥٥٢] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٢٤٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئ رَبَّكَ، اسقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِيِ وَمَوْلايَ، وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ: عبْدِي، أمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتايَ وَفَتاتِي وغُلامي".
وفي رواية لمسلم رقم: [٢٢٤٩/ ١٥] : "وَلا يقُل أحدكُم: رَبِّي، وليقُل: سَيِدي وَمَوْلايَ".
стр. 808
وفي رواية له [رقم: ٢٤٤٩/ ١٤] : "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأمَتِي، فَكُلُّكُمْ عبيدُ اللَّهِ [وَلَكِنْ لِيَقُلْ: فتاي] . وَلا يَقُلِ العبدُ: ربي. ولكن ليقل: سَيِّدِي".
وفي رواية له [رقم: ٢٤٤٩/ ١٣] : "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأمَتي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وكُلُّ نِسائِكُمْ إماءُ اللَّهِ. وَلَكِنْ ليقُل: غُلامي وَجارِيَتِي وَفَتايَ وَفَتاتِي".
١٨٣٣- قلتُ: قال العلماءُ: لا يطلقُ الربُّ بالألف واللام إلاّ على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة، فيقال: ربّ المال، وربّ الدار، وغير ذلك.
١٨٣٤- ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح [البخاري، رقم: ٩١؛ مسلم، رقم: ١٧٢٢] في ضالّة الإِبل: "دعها حتى يلقها ربها".
١٨٣٥- والحديث الصحيح [البخاري، رقم: ١٤١٢؛ مسلم بعد، رقم: ١٠١٢] : "حتَّى يُهِمَّ ربَّ المَالِ مَنْ يقبلُ صدقتهُ".
١٨٣٦- وقول عمر ﵁ في الصحيح [البخاري، رقم: ٣٠٥٩] : ربّ الصُّرَيْمة والغُنَيْمة. ونظائرهُ في الحديث كثيرةٌ مشهورةٌ.
١٨٣٧- وأما استعمالُ حملةِ الشرعِ ذلك فأمرٌ مشهورٌ معروفٌ. قال العلماءُ: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي! لأن في لفظه مشاركةٌ لله تعالى في الربوبية. وأما حديث: "حتى يَلْقاها رَبُّها" [البخاري، رقم: ٩١؛ مسلم، رقم: ١٧٢٢] ورب الصريمة [البخاري، رقم: ٣٠٥٩] وما في معناهُما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفةٍ، فهي كالدار والمالِ، ولا شك أنه لا كراهةَ في قولِ ربّ الدارِ، وربّ المالِ. وأما قول يوسف ﵇:
стр. 809
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، فعنه جوابان:
أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال مُوسى ﷺ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [سورة طه: ٩٧] أي: الذي اتخذته إلهاً.
والجواب الثاني: أن هذا شرعُ مَنْ قَبْلنَا، وشرعُ من قبلنا لا يكون شرعاً لنا إذا ورد شرعنا بخلافِ، وهذا لا خلاف فيه، وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يردْ شرعُنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعاً لنا أم لا؟
стр. 810
فصل كراهة قول: مولاي
...
٥٢٩- فصل [كراهة قول: مولا] :
١٨٣٨- قال الإمام أبو جعفرٍ النحاسُ في كتابهِ صناعة الكتاب: أما المولى فلا نعلمُ اختلافاً بين العلماءِ أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يقول لأحدٍ من المخلوقين: مولاي.
قلتُ: وقد تقدم في الفصل السابق [برقم: ١٨٣٢] جوازُ إطلاق مولاي. ولا مخالفةَ بينهُ وبينَ هذا، فإن النحاس تكلمُ في المولى بالألفِ واللامِ، وكذا قال النحاسُ: يُقالُ: سيد لغير الفاسقِ، ولا يقالُ: السيد بالألف واللام لغير الله تعالى، والأظهر أنه لا بأس بقوله: المولى والسيد بالألف واللام بشرطه السابق؛ والله أعلم.