← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وسأتناوله في سبعة فصول. الفصل الأول أهلية التكليف وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: دلالة القرآن والسنة على أهلية المرأة للتكليف. المبحث الثاني: المساواة بين المرأة والرجل في الحدود. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حد السرقة. المطلب الثاني: حد القذف. المطلب الثالث: حق اللعان. المطلب الرابع: حد الزين. المبحث الثالث: المساواة بين المرأة والرجل في جزاء الآخرة.

стр. 72

المبحث الأول دلالة القرآن والسنة على أهلية المرأة للتكليف وذلك واضح من خلال الآتي: ١ - خطاب القرآن للنساء: خطاب القرآن يدل على المساواة بين الذكر والأنثى في التكليف ويتكرر النداء في القرآن مخاطبًا جميع الناس بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقوله «يا بني آدم» على اختلاف أجناسهم، وألسنتهم، وألوانهم دون فرق بين ذكر وأنثى، وأبيض وأسود، كما يتكرر النداء بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومخاطبًا الذين آمنوا بمحمد نساء ورجالًا، لا فرق بين ذكر وأنثى. وتأمل قول الله تعالى في بداية سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (١) وقد اشتملت على أنواع كثيرة من التكاليف من العطف على الأولاد، والنساء، والأيتام والرأفة بهم، وإيصال حقوقهم إليهم، وحفظ أموالهم عليهم، والأمر بالطهارة، والصلاة وغيرها بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الذي يشمل الرجال والنساء، وما تفيده «أل» من الاستغراق لعموم الجنس. • بل إن أول تكليف إلهي لآدم وحواء كان على حد سواء، يقول تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) وحين أنكر ما كان من مخالفة أمره، وجه الإنكار إليهما معًا فقال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ (٣).

стр. 73

• وقد ينص القرآن على ذكر النساء بعد الرجال للتنبيه على المساواة في التكليف، ومن ذلك: ١ - ما أخرج الحميدي في المسند (١)، والترمذي في السنن (٢)، وأبو يعلى في المسند (٣)، والطبراني في الكبير (٤)، والحاكم في المستدرك (٥) من حديث أم سلمة قالت: يا رسول الله، لا أسمعُ الله ذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. واللفظ للترمذي. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وصححه الألباني (٦). قلت: وهو كما قالوا. ٢ - وما أخرجه الإمام أحمد في المسند (٧)، والنسائي في الكبرى (٨)، والطبري في التفسير (٩)، والطبراني في الكبير (١٠)، من طريق عبد الرحمن بن شيبة، قال: سمعت أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، ما لنا لا ذكر في القرآن كما يذكر الرِّجال؟ قالت: فلم يَرُعني منه يومًا إلا ونداؤه على المنبر: (يا أيها الناس)،

стр. 74

قالت: وأنا أُسَرِّح رأسي، فلففت شعري، ثم دنوت من الباب، فجعلت سمعي عند الجَريد، فسمعته يقول: إن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية (١). وإسناده صحيح. وفي الباب شاهد من حديث أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؛ فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ أخرجه الترمذي في السنن (٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣). وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الألباني: صحيح لغيره (٤). • وهكذا يتوالى الخطاب في القرآن، ويُنَص على المرأة؛ لإعطائها مكانها إلى جانب الرجل فيما هما فيه سواء من العلاقة بالله، وأن أمر الله ورسوله ﷺ مانع من الاختيار، موجب للامتثال، لكلا الجنسين، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٥). أخرج الطبراني في الكبير (٦)، والدارقطني في السنن (٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨)،

стр. 75

والبيهقي في الكبرى (١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢) من طرق عن حفص بن سليمان، عن الكميت بن زيد الأسدي، قال: حدثني مذكور مولى زينب بنت جحش، عن زينب بنت جحش قالت: خطبني عدة من قريش، فأرسلتُ أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ أستشيره، فقال لها رسول الله ﷺ : أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها؟ قالت: ومن هو يا رسول الله؟ قال: زيد بن حارثة. قال: فغضبت حمنة غضبًا شديدًا، وقالت: يا رسول الله أَتُزَوِّجُ بنت عمتك مولاك؟ قالت: جاءتني فأعلمتني، فغضبت أشد من غضبها، وقلت أشد من قولها، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ الحديث. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه حفص بن سليمان الأسدي، متروك الحديث مع إمامته في القراءة. قاله الحافظ (٣). وله شاهد مرسل رجاله ثقات، أخرجه الطبراني في الكبير (٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٥) قال: نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش، وكانت بنت عمة رسول الله ﷺ ، فخطبها رسول الله ﷺ فرضيت، وظنت أنه يخطبها على نفسه، فلما علمت أنه يخطبها على زيد بن حارثة أبت، وأنكرت فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾.

стр. 76

قال الهيثمي في المجمع (١): «رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح». وعلى كل فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. • وبعد أن نهي الله الرجال في سورة الحجرات من سخرية بعضهم من بعض، عطف بنهي النساء، وأكد أن مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر للناس من الصور والأشكال، ولا الأوضاع والأطوار التي عليها دور أمر السخرية غالبًا، بل إنما هو بالأمور الكامنة في القلوب، فلا يجترئ أحد على استحقار أحد، فلعله أجمع منه لما نيط به الخيرية عند الله تعالى، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله، والاستهانة من عظمه الله تعالى (٢)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (٣). • بل ولتأكيد مسؤولية المرأة أمام الله مسؤولية مستقلة عن الرجل كانت بيعة النساء خاصة من دون بيعة الرجال، أخرج البخاري (٤)، ومسلم (٥) من حديث عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ

стр. 77

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). واللفظ للبخاري. وتأمل بيعته للرجال التي تعرف بـ «بيعة النساء» ترى أنا عين البيعة التي بايعها للنساء، أخرج البخاري (٢) من حديث عبادة بن الصامت قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس: «تبايعوني على ألّا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» فبايعناه على ذلك. • وهكذا تتوالى آيات القرآن في حث الرجال والنساء على التزام الأوامر، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٣). ٢ - توافرُ شروط التكليف في المرأة: أجمع الفقهاء على أن شروط التكليف الأساسية هي: الإسلام- البلوغ- العقل. بلا تفرقة بين ذكر وأنثى (٤). ويؤكد هذا الإجماع ما تقدم من آي الكتاب وصحيح السنة.

стр. 78

المبحث الثاني المساواة بين المرأة والرجل في الحدود الإسلام دين العدل، فكما تساوت المرأة مع الرجل في التكليف، فإنهما سواء في العقوبة، وتطبيق الحدود في الدنيا، يتبين ذلك من خلال أربعة مطالب: المطلب الأول: حد السرقة. المطلب الثاني: حد القذف. المطلب الثالث: حد اللعان. المطلب الرابع: حد الزنى. المطلب الأول: حد السرقة لقد ماثل الله تعالى في حد السرقة بين الرجل والمرأة، وذكر ذلك في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وأخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث عائشة أن قريشًا أهمهم شأن المرأة

стр. 79

المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة. فقال رسول الله ﷺ : «أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب. ثم قال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» واللفظ للبخاري. زاد مسلم: قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . فانظر إلى قمة العدل حين لا يفرق بين شريف ولا وضيع، ولا ذكر أو أنثى، فإن المرأة كانت من بني مخزوم أشرف بيوت قريش، ومع ذلك لم يشفع لها نسبها إذ أخطأت بفعلها، وتأتي كلمة المساواة في إقامة العقوبات بقوله ﷺ «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ولِمَّ خص ابنته بضرب المثل؟ لأنها أعز أهله عنده؛ ولم يبق من بناته حينئذ غيرها؛ فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كل مكلف، وترك المحاباة في ذلك، وقال شراح الحديث أيضًا: لأن اسم السارقة قد وافق اسمها ﵍، فناسب أن يضرب المثل بها (١). ولما تابت المرأة من خطيئتها، وحسنت توبتها، صار رسول الله ﷺ يقضي حاجتها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والحدود كفارة لأصحابها.

стр. 80

المطلب الثاني: حد القذف كل المؤمن على المؤمن حرام دمه وماله وعرضه، فإذا اعتدي على الدم كان القصاص، وإن اعتدي على المال كان قطع اليد، وإن اعتدي على العرض كان القذف أو حد الزنى. وكل ما مضى الذكر والأنثى فيه سواء، ولا يترك الإسلام الألسنة تلقي التهم النكراء على كل برئ وبريئة، ثم يمضي آمنًا، فتصبح الجماعة وتمسي وإذا أعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة، وإذا كل فرد فيها متهم، أو مهدد بالاتهام. وصيانة للأعراض من التهجم، وحماية لأصحابها من الأذى النفسي، شرع الله حد القذف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). وتأمل تعبيره عن الرامين بـ «الذين» وفي جانب المرمي بصيغة المؤنث «المحصنات» من باب التغليب، فلا فرق بين الذكر والأنثى؛ لأن أكثر ما توجه هذه التهمة الشنيعة للمرأة. يقول القرطبي: «ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هن أهم، ورميهن أشنع، وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك، وهذا نحو نصه على تحريم لحم الخنزير، ودخل شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى والإجماع، وحكى الزهري أن المعني: الأنفُسَ المحصنات. فهي بلفظها تعم الرجال والنساء» (٢). وفي حادثة الإفك لمّا خاضت حمنة بنت جحش ﵂ مع من

стр. 81

خاض، حدها رسول الله ﷺ كما حد الرجال، أخرج أحمد في المسند (١)، وأبو داود في سننه (٢)، وابن ماجه في السنن (٣)، والترمذي في سننه (٤)، والنسائي في الكبرى (٥)، والطبراني في الكبير (٦)، والمحاملي في أماليه (٧)، والبيهقي في الكبرى (٨)، والدلائل (٩) من طرق عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت: لما تلا رسول الله ﷺ الآية التي نزل بها عذري على الناس، نزل رسول الله ﷺ فأمر برجلين (هما: حسان ومسطح) وامرأة ممن كان باء بالفاحشة في عائشة فجُلدوا الحد، قال (أي: عبد الله بن أبي بكر) وكان رماها عبد الله بن أبي، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش رموها بصفوان بن معطل السلمي. واللفظ للبيهقي، وتحرف اسم «عمرة» في مطبوع الترمذي إلى «عروة» والتصحيح من التحفة. قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق. قلت: إسناده حسن، فيه محمد بن إسحاق بن يسار المطلي، صدوق (١٠)،

стр. 82

وانتفى تدليسه لأنه صرح بالتحديث عند البيهقي، وحسن الحديث الألباني في صحيح سنن أبي داود (١). بل تكلم أهل العلم على طريقة حد المرأة، قال في المغني: «وتضرب المرأة جالسة، وتمسك يداها لئلا تنكشف، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ومالك» (٢). المطلب الثالث: حد اللعان وحينما يكون المتهِم الزوج، والمتهَمة الزوجة، يعيش البيت المسلم حالة قلق واضطراب، فتأتي هذه الآية الكريمة وفيها فرج للأزواج، وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله . فالله سبحانه بما شرع من اللعان خلص الرجل من أزمة جسيمة، وهم عظيم، فأقام شهادته مقام شهوده، ولم يهمل التشريع المرأة فقد يكون الزوج، سيئ الظن أو يغار في غير ريبة، والمرأة بريئة مما أُلصِق بها من تهمة شنيعة، فخلصها الله بشهادات تقابل شهاداته، وتسقط الحد عنها. ولا تجد في أي قانون ولا عرف ولا تقليد ما يحمي المرأة هذه الحماية، ولا تزال المرأة تُظْلم، ويجعل للرجل الحق في قتلها في الحال إذا وجدها في هذا الوضع الفاضح، بينما لا يسمح لها بأن تحتج بمجرد الاحتجاج إذا ما رأته يأتي الفاحشة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ

стр. 83

اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (١). واختلف في سبب نزولها، هل نزلت في هلال بن أمية أو عويمر العجلاني. • أما حديث هلال بن أمية فأخرجه البخاري (٢) من طريق عكرمة، عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : «البينة أو حد في ظهرك» فقال يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: «البينة وإلا حد في ظهرك» فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي ﷺ ، فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ثم قامت، فشهدت، فلما كانت عند الخامسة، وقفوها، وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت، ونكصت حتى ظننا أنها ترجع. ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ : «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين (٣)، خدلج الساقين (٤)، فهو لشريك بن سحماء» فجاءت به كذلك. فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من

стр. 84

كتاب الله لكان لي ولها شأن». وأخرجه مسلم (١) من طريق محمد بن سيرين عن أنس بن مالك بنحوه. • وحديث عويمر العجلاني: أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من طريق سهل بن سعد أخبره أن عويمرًا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري، فقال له: يا عاصم أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ . فسأل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك، فكره رسول الله المسائل وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله، جاءه عويمر، فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى جاء رسول الله ﷺ وسط الناس. فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : «قد أُنْزِل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بما» قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغا من تلاعنهما. قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . واللفظ للبخاري. واختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر -أيضًا- فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد،

стр. 85

وقد جنح النووي إلى هذا (١). ويؤيد قول من قال: إن أول من لاعن هلال، ما أخرج ابن أبي عاصم في الأوائل (٢) بسند صحيح من طريق ابن سيرين، عن أنس بن مالك قال: إن أول لعان كان في الإسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بامرأته. وجنح القرطبي إلى تحويز نزول الآية مرتين (٣). وجمع الحافظ بين حديث هلال بن أمية وعويمر العجلاني فقال: « … وظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول، ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها «إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به» فوجد الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه ﷺ بأنها نزلت فيه يعني أنها نزلت في كل من وقع له ذلك؛ لأن ذلك لا يختص بهلال … » (٤). وإن قلت: لِمَّ خص الله الرجل باللعن، والمرأة بالغضب في الشهادة الخامسة؟ فالجواب: أ- قال الحافظ: «خصت المرأة بلفظ الغضب؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم؛ لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر

стр. 86

المحرمية وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما … » (١). ب- قال ابن كثير: «إنما خصها بالغضب؛ لأن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله، ورميها بالزيت إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه» (٢). ج- قال أبو السعود: «وتخصيص الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها … ؛ ولأن النساء كثيرًا ما يستعملن اللعن، فربما يجترئن على التفوه به؛ لسقوط وقعه عن قلوبهن بخلاف غضبه تعالى» (٣). المطلب الرابع: حد الزنى وكما مضى ذكره فإن الإسلام دين العدل، فمن زنى من ذكر وأنثى حُدَّ بشرع الله، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وتأمل -رحمك الله- حدَّ الزاني والزانية البكر جلد مائة، وفي المؤمنين عن الرأفة، وأمر بشهود الطائفة للتشهير، وأوجب كون تلك الطائفة من المؤمنين؛ لأن الفاسق من صلحاء قومه أخجل (٥)، وأما الزاني المحصن فحده الرجم.

стр. 87

وفي حد الزنى مسائل: ١ - في الآية قدم الله الزانية على الزاني؛ لأنها الأصل في الفعل؛ ولكونها الداعية إليه، ولولا تمكينها منه لم يقع (١). ٢ - حد الزاني والزانية البكر، اتفقوا على جلد كل منهما مائة، ونقل النووي (٢) الإجماع على ذلك، واختلفوا هل يغرَّب سنة مع جلده مائة أو لا؟ وذهب جمهور أهل العلم إلى أن البكر يغرَّب سنة مع الجلد على خلاف بينهم في مسافة التغريب، قال ابن قدامة: «ويجب مع الجلد تغريبه عامًا في قول جمهور العلماء» (٣) وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: لا يجب التغريب؛ لأن عليًّا ﵁ قال: حسبهما من الفتنة أن ينفيا (٤). قال ابن قدامة: « … وما رووه عن عليّ لا يثبت لضعف رواته، وإرساله» (٥). والحجة مع الجمهور؛ لحديث أخرجه البخاري (٦)، ومسلم (٧) من طريق

стр. 88

عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني قالا: جاء أعرابي، فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمه، فقال صدق يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزني بامرأته، فقالوا لي: على ابنك الرجم، ففديت ابي منه بمائة من الغنم، ووليدة. ثم سألت أهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة، وتغريب عام. فقال النبي ﷺ : «لأقضين بينكما بكتاب الله، أمّا الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأمّا أنت يا أنيس -لرجل- فاغْدُ على امرأة هذا فارجمها، فغدا عليها أنيس فرجمها» … واللفظ للبخاري (١). • ولما أخرج مسلم (٢) من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». • قال ابن قدامة: « … ولأن التغريب فعله الخلفاء الراشدون، ولا نعرف لهم في الصحابة مخالفًا فكان إجماعًا». • واختلف أهل العلم في تغريب المرأة: فذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) إلى أن المرأة تغرَّب سنة؛ لعموم أدلة التغريب، وظاهرها يشمل الأنثى. ثم اختلفوا فذهب الشافعية إلى تغريبها مسافة القصر، ويلزم المحرم بالخروج معها، وعليها أجرته، فإن لم يكن لها مال فمن بيت

стр. 89

مال المسلمين؛ فإن لم يكن لها محرم غُرِّبت وتغريها كسفرها للهجرة والحج. وذهب الإمام أحمد (١) أنها تغرَّب مسافة القصر كالرجل إذا خرج معها محرمها، وإن لم يخرج معها محرمها تغرب إلى دون مسافة القصر، ولا يُلْزم؛ لأنه لا ذنب له. وذهب مالك (٢)، والأوزاعي (٣) إلى عدم تغريب المرأة؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة؛ ولأنها لا تخلو من التغريب، إمّا بمحرم أو غيره، والأحاديث مانعة من سفرها بغير محرم؛ وفي تغريها بغير محرم إغراء لها؛ وتضييع، وإن غرِّبت محرم أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به. قال الشنقيطي: «الذي يظهر لي أنا إن وجدت لها محرمًا متبرعًا بالسفر معها إلى محل التغريب، مع كون محل التغريب محل مأمن لا تخشى فيه فتنة، مع تبرع المحرم المذكور بالرجوع معها إلى محلها بعد انتهاء السنة، فإما تغرَّب؛ لأن العمل بعموم أحاديث التغريب لا معارض له في الحالة المذكورة، وأمّا إن لم تجد محرمًا متبرعًا بالسفر معها، فلا يجبر؛ لأنه لا ذنب له، ولا تكلف هي السفر بدون محرم لنهيه ﷺ عن ذلك» (٤). ٣ - وإن زنت امرأة عاقلة حرة محصنة فعليها الرجم؛ لا خلاف بين العلماء في

стр. 90

ذلك (١)، شأنها في الحكم شأن الرجل، قال ابن قدامة: « … وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج، فإنهم قالوا الجلد للبكر والثيب» (٢) وأدلة الجمهور ما يأتي: ١ - ما تقدم (٣) في حديث زيد بن خالد وأبي هريرة عن رسول الله ﷺ «اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». ٢ - ما أخرجه مسلم (٤) من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه. فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه، فقال: أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وافي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به، فرحم، قال: فجاءت الغامدية (٥)، فقالت: يا رسول

стр. 91

الله إني قد زنيت، فطهرني. وإنه ردها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله لِمَّ تردي؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فو الله إني لحبلى. قال: «أما لا فاذهبي حتى تلدي» فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته. قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه» فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع نبي الله ﷺ سبه إيّاها. فقال: «مهلًا يا خالد فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تاها صاحب مكس لغُفِر له» ثم أمر بها، فصلى عليها، ودفنت. وفي الحديث رجم ماعز والغامدية. ٣ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال: إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم» قالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. قالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرُجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة.

стр. 92

٤ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : إن الله قد بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. واللفظ المسلم، وهو عند البخاري بأتم من هذا السياق. والآية التي ذكرها عمر بن الخطاب ﵁، بينتها رواية ابن ماجه (٣)، حيث أخرج بسند صحيح من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمر وفي آخره «وقد قرأتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة». ٥ - حديث عبادة المتقدم (٤) وفيه: «الثيب بالثيب جلد مائة و الرجم» (٥). ومن هنا يظهر كيف ساوى الإسلام بين النساء والرجال في الحدود مما يدل على المساواة بينهما في التكليف.

стр. 93

المبحث الثالث المساواة بين المرأة والرجل في جزاء الآخرة لاشك أن كل مكلف يترقب ثوابه إن كان صالحًا، والعقاب الأليم ينتظره إن كان زائغًا، وتأتي آيات الكتاب لتقرير الثواب والعقاب للذكر والأنثى على حد سواء، يقول تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) وقوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥) وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ (٦).

стр. 94

بل أُمِر رسول الله ﷺ أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات يقول تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (١). • وتأتي الأحاديث المنبثقة من مشكاة النبوة لتؤكد أحقية المرأة الصالحة بالانضمام لزمر أهل الجنة، وتحذر المرأة الفاسقة المنحرفة من دخول النار، أعاذني الله وإيّاكم منها. تأمل -رحمك الله- ما أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث أبي هريرة قال: أتي جبريل النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها بيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب» واللفظ لمسلم. وتأمل -رحمك الله- في الحديث تقف على بشائر لأم المؤمنين خديجة إحدى نساء الدنيا ﵂: البشارة الأولى: «فاقرأ ﵍ من ربها ومني» سلام الله وجبريل على خديجة يبين ما تبوأته المرأة المسلمة المضحية في شريعة الإسلام. البشارة الثانية: «بيت في الجنة» وتكلم شرّاح الحديث في مناسبة التعبير بـ «بيت» دون القصر، فقال السهيلي: لذكر البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث، ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض

стр. 95

في أول يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها، وجزاء الفعل يذكر غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه؛ فلهذا جاء في الحديث بلفظ «البيت» دون القصر (١). وأبدى الحافظ لطيفة مفيدة فقال: «وفي ذكر البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها؛ لما ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٢) قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة، وعليًّا، والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» الحديث أخرجه الترمذي (٣) وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة؛ لأن الحسنين من فاطمة، وفاطمة بنتها، وعليّ نشأ في بيت خديجة وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها» (٤). البشارة الثالثة: «من قصب» -بفتح القاف والمهملة- لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف، والقصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف (٥). والمناسبة في قوله «من قصب» ولم يقل «من لؤلؤ» لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتهما إلى الإيمان دون غيرها. قاله السهيلي (٦).

стр. 96

وقال الحافظ: «وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها» (١). البشارة الرابعة: «لا صخب فيه، ولا نصب» الصخب -بفتح المهملة، والمعجمة، بعدها موحدة- الصياح والمنازعة برفع الصوت (٢). والنصب -بفتح النون والمهملة-، بعدها موحدة: التعب والإعياء (٣). قال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين أعني المنازعة والتعب، أنه ﷺ لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا، فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها (٤). فهل بعد هذه البشارة لهذه المرأة العظيمة من بشارة. • بل إن لنساء أهل الجنة سيدة من نساء الدنيا وهي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، أخرج البخاري (٥)، ومسلم (٦) من حديث عائشة الطويل أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة في مرض موته: «يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة - أو نساء المؤمنين» واللفظ للبخاري.

стр. 97

وعلل الحافظ ﵀ كوْن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة بقوله: « … إنما ﵂ رزئت بالنبي ﷺ دون غيرها من بناته، فإنهن متن في حياته، فكن في صحيفته، ومات هو في حياتها، فكان في صحيفتها، وكنت أقول ذلك استنباطًا إلى أن وجدته منصوصًا، قال أبو جعفر الطبري في تفسير آل عمران من التفسير الكبير (١) من طريق فاطمة بنت الحسين بن علي أن جدتها فاطمة قالت: دخل رسول الله ﷺ يومًا، وأنا عند عائشة، فناجاني فبكيت، ثم ناجاني فضحكت … وأنه قال: «أحسب أني ميت في عامي هذا، وأنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رزئت، فلا تكوني دون امرأة منهن صبرًا» فبكيت، فقال: «أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم فضحكت» (٢) قلت: إسناد الطبري ضعيف، للانقطاع بين فاطمة بنت الحسين، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ (٣). • وأخرج أحمد في المسند (٤)، وعبد بن حميد في مسنده (٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦)، والنسائي في الكبرى (٧)، وأبو يعلي في المسند (٨)، والطبراني في الكبير (٩)، وابن حبان في صحيحه (١٠)، والحاكم في المستدرك (١١) من طريق

стр. 98

عكرمة، عن ابن عباس قال: خطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، قال: «تدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: رسول الله ﷺ : «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مُزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران» قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه هذه السياقة. ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا. • بل إن رسول الله ﷺ بشّر امرأة سوداء في عصره بالجنة، أخرج البخاري (١) ومسلم (٢) من طريق عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف فادع الله لي. قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك». قالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف فادع الله لي ألّا أتكشف، فدعا لها. ثم أخرج من طريق ابن جريج عن عطاء: أنه رأى أم زُفَر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة. واللفظ للبخاري. وفي الحديث فضل من يُصرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وحرص الصحابيات على الستر والأجر. جمعنا الله بأم زفر في الجنة (٣). • كما وردت أحاديث عن رسول الله ﷺ في ذكر أعمال نساء أهل الجنة، وما امتزن به من رفيع الأخلاق، وكريم الشمائل، فالمرأة المسلمة الراضية بقضاء الله، الصابرة على قدره، إن احتسبت اثنين من ولدها فلذتي كبدها، كانا لها حجابًا من

стр. 99

النار، أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أبي سعيد الخدري: قالت النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك، فواعدهن يومًا لقيهن فيه، فوعظهن، وأمرهن، فكان فيما قال لهن» ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار» وأخرج مسلم (٣) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لنسوة من الأنصار: «لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبه إلا دخلت الجنة» فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: أو «اثنين». وفي الجمع بين روايات «حجابا من النار» ورواية «دخلت الجنة» أبدى الحافظ معنى لطيفًا فقال: «ويجمع بينها بأن يقال الدخول لا يستلزم الحجب، ففي ذكر الحجب فائدة زائدة؛ لأنها تستلزم الدخول من أول وهلة» (٤). • والمرأة المسلمة مميزة في تعاملها مع زوجها؛ المكمل لها، والقائم بحقوقها، والراعي لمصلحتها، لذا كافأها الله بحسن تبعلها بالجنة. أخرج النسائي في الكبرى (٥)، والطبراني في الكبير (٦)، وتمام في فوائده (٧)، والبيهقي في الشعب (٨)، وابن قدامة في المتحابين في الله (٩) من طرق عن خلف بن

стр. 100

خليفة، عن أبي هاشم الرماني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟: الودود، الولود، العؤود (١) على زوجها، التي إذا آذت أو أوذيت جاءت حتى تأخذ بيد زوجها، ثم تقول: والله لا أذوق غمضًا حتى ترضى» واللفظ للنسائي. وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، غير أن خلف بن خليفة وهو من شيوخ أحمد كان اختلط في الآخر (٢)، ولا ندري أحدث به قبل الاختلاط فيكون صحيحًا، أو بعده فيكون ضعيفًا، لكن للحديث شواهد يتقوى بها، والإسناد صالح في الشواهد، والله أعلم. وقال ابن حزم بعد إيراد هذه الطريق في المحلى: «وهذا خبر لا بأس به» (٣) وقال الدمياطي في المتجر الرابح: «رواه الطبراني، وإسناده جيد إن شاء الله، وله شواهد، فهو حديث صالح في الشواهد» (٤) وصححه الألباني (٥). وقد تابع خلف بن خليفة عمرو بن خالد، كما أخرج الطبراني في الكبير (٦)، وابن عدي في الكامل (٧)، والمقدسي في المختارة (٨) من طريق عمرو بن خالد

стр. 101

عن أبي هاشم به بمثله. لكنها متابعة تالفة. قال الهيثمي في المجمع (١): «رواه الطبراني، وفيه عمرو بن خالد الواسطي وهو كذاب» وله شاهد من حديث كعب بن عجرة، أخرجه الطبراني في الأوسط (٢) والكبير (٣)، وعزاه الحافظ في المطالب العالية (٤) لأبي يعلى ولم أجده في المطبوع منه، فلعله في الكبير بنحو حديث ابن عباس. قال الهيثمي في المجمع: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه السري بن إسماعيل وهو متروك» (٥). وشاهد من حديث أنس، أخرجه الطبراني في الأوسط (٦)، والصغير (٧) بنحوه مطولًا، وقال في الأوسط: «لم يروه عن أبي حازم إلا إبراهيم هذا، ولا يروى عن أنس إلا من هذا الوجه». وقال المنذري في الترغيب والترهيب: «رواه الطبراني، ورواته محتج بهم في الصحيح إلا إبراهيم بن زياد القرشي فإني لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، وقد روي في هذا المتن من حديث ابن عباس» (٨). وقال الهيثمي في المجمع: «رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه

стр. 102

إبراهيم بن زياد القرشي. قال البخاري: لا يصح حديثه (١). فإن أراد تضعيفه فلا كلام، وإن أراد حديثًا مخصوصًا فلم يذكره، وأما بقية رجاله فهم رجال الصحيح» (٢) وإبراهيم بن زياد هو القرشي أورده العقيلي في الضعفاء (٣)، وروي عن البخاري أنه قال: لم يصح إسناده، ثم ذكر ما يشعر بسوء حفظه فقال: شيخ يحدث عن الزهري، وعن هشام بن عروة، فيجعل حديث الزهري عن هشام بن عروة، وحديث هشام بن عروة، عن الزهري، ويأتي أيضًا مع هذا عنهما بما لا يحفظ • والمرأة المسلمة تدعى من أي أبواب الجنة شاءت إذا راعت أوامر ربها، وحافظت على شرائعه، أخرج ابن حبان في صحيحه (٤)، والطبراني في الأوسط (٥)، من طريق داهر بن نوح الأهوازي، ثنا محمد بن الزبرقان، ثنا هدبة بن المنهال، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت» قال أبو حاتم: تفرد بهذا الحديث عبد الملك بن عمير من حديث أبي سلمة، وما رواه عن عبد الملك إلا هدبة بن المنهال وهو شيخ أهوازي. وفي إسناده داهر بن نوح قال الدارقطني في العلل: «ليس بقوي في الحديث» (٦).

стр. 103

وذكره ابن حبان في الثقات وقال: «ربما أخطأ» (١)، وأخرج مع ذلك حديثه في صحيحه، وهدبة بن المنهال روى عنه محمد الزبرقان والربيع بن ص بيح، وذكره البخاري (٢)، وابن أبي حاتم (٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأورده ابن حبان في الثقات (٤) فهو مجهول حال، وباقي رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٥) من هذه الطريق. وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦)، والطبراني في الأوسط (٧) بنحو حديث أبي هريرة. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة. قال المنذري: «رواه أحمد والطبراني، ورواته رواة الصحيح خلا ابن لهيعة، وحديثه حسن في المتابعات» (٨). وقال الهيثمي في المجمع: «رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح» (٩).

стр. 104

قلت: إسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة (١)، لكن ما قبله شاهد له، فالحديث بمجموع طرقه حسن، قال الألباني عنه في صحيح الترغيب والترهيب «حسن لغيره» (٢). • وبما أن المرأة تشترك مع الرجل في الأجر، فإنها أيضًا شريكته في الوزر في الدور الثلاث: الدنيا، والبرزخ، والنار، إن هي تجرأت على نواهي الله، وضيعت أوامره. ومن صور عذابها في البرزخ ما أخرجه البخاري من حديث سمرة بن جندب الطويل وفيه: «فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات. قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم. فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا … » وبعد أن سأل رسول الله ﷺ جبريل عنهم قال: «وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور؛ فإنهم الزناة والزواني». وإنما كان عقاب الزناة والزواني تعريهم؛ لاستحقاقهم أن يفضحوا بما استمتعوا به، والجزاء من جنس العمل؛ والحكمة في إتيان العذاب من تحتهم، كوْن جنايتهم من أعضائهم السفلي (٣). • بل إن أكثر ساكن النار النساء، أخرج البخاري (٤) ومسلم (٥) من حديث

стр. 105

ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقالت: امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب الذي لب منكن» قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: «أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين» واللفظ لمسلم. • بل ذكر رسول الله ﷺ في حديثه ما يجب على المرأة المسلمة الحذر منه لعاقبته الوخيمة، وعقابه الشديد. أخرج مسلم (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». وهذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان، وهما موجودان (٢)، وتأمل -رحمك الله- الجمع بين ما تسبب في دخول الرجل والمرأة النار، أمّا الأول منهما فهم غلمان والي الشرطة، الذين يحملون في أيديهم السياط لضرب الناس في غير حد وإنما ظلمًا وعدوانًا (٣). وأمّا النساء فقد تسبب في دخولهن النار موجبات عدة:

стр. 106

١ - «كاسيات عاريات» واختلف في معناها على أوجه: أ- كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغن، عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا. ب - كاسية بالثياب؛ لكنها شفافة لا تستر عورتها، فتعاقب في الآخرة بالعري، جزاء على ذلك. ج - كاسية من نعم الله، عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب. د- كاسية جسدها، لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها، فتصير عارية فتعاقب في الآخرة. هـ- كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها (١). ٢ - «مائلات مميلات» واختلف في تفسيرها على أوجه: أ- مائلات عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه، مميلات يعلمن غيرهن فعلهن المذموم. ب- مائلات يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن، مميلات قلوب الرجال إليهن.

стр. 107

ج- مائلات يمشطن المشطة المائلة، مميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة (١). ٣ - «رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة» يكبرها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها (٢). قال القرطبي: «البخت» -بضم الموحدة وسكون المعجمة ثم مثناة جمع بخيتة- وهي ضرب من الإبل عظام الأسنمة، والأسنمة بالنون جمع سنام وهو أعلى ما في ظهر الجمل، شبه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن تزينًا وتصنعًا، وقد يفعلن ذلك بما يكثر به شعورهن». (٣)

стр. 108

الفصل الثاني واجبات المرأة الشرعية المشتملة على بعض حقوقها وفي هذا الفصل ستة مباحث: المبحث الأول: الطهارة. المبحث الثاني: الصلاة. المبحث الثالث: الزكاة والصدقة. المبحث الرابع: حق المرأة في المبادرة إلى قضاء رمضان. المبحث الخامس: الاعتكاف. المبحث السادس: الحج.

стр. 109

لما كانت سلعة الله غالية، كان مهرها غاليًا أيضًا؛ فلن يدخل أحد الجنة إلا مفتاح، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان؛ فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح (١)، وقد فرض الله تعالى على عباده فرائض محددة من صلاة وزكاة وصيام وحج، ولم يفرق بين المرأة والرجل فيها، والأصل أن النساء شقائق الرجال، وكل ما ورد في حق الرجال ورد في حق النساء إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وسأورد في هذه المباحث ما خص الله به النساء، أو حقًا أعطاه لهن، ولم يُعرف إمّا للجهل أو لغلبة الهوى. والله المستعان.

стр. 110

المبحث الأول: الطهارة المطلع على الأحكام الواردة في هذا المبحث يرى ترجيح الإسلام لجانب اليسر والسهولة فيما تختص به النساء عن الرجال. وإليك -رحمك الله- هذه المطالب: المطلب الأول: التخفيف عن المرأة في نقض الشعر عند الغسل. المطلب الثاني: وضوء وغسل الرجل مع امرأته. المطلب الثالث: أحكام تتعلق بالحائض. المطلب الرابع: أحكام تتعلق بالمستحاضة. المطلب الأول التخفيف عن المرأة في نقض الشعر عند الغسل اختلف أهل العلم في المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ليس على المرأة نقض شعرها في الاغتسال من الحيض والجنابة، إلا إذا لم يصل الماء إلى بشرة الرأس إلا بالنقض. وقد ثبت هذا عن عائشة، وأم سلمة (١)، وقال به عطاء، والحكم، والزهري (٢)، وذهب إليه مالك (٣)، والشافعي (٤)،
следующие страницы →