ضربًا لا يقصد منه الإيلام وإطفاء الغيظ، بقدر ما يقصد منه إعلان الأسف، وعدم الرضا بالسلوك. فهو ضرب إصلاح، وعلاج، لا ضرب إيلام وإزعاج.
ورحم الله الأول حيث قال:
رأيت رجالًا يضربون نساءهم … فشلّت يميني يوم أضرب زينبًا
- ثم لا تجد في الإسلام بيت الطاعة، تلك الصورة الكتيبة، التي يستعين فيها الرجل بالشرطة لإذلال المرأة، من أجل إكراهها على الطاعة، أو إسقاط المفروض لها من النفقات بأنواعها (١).
• وهكذا يتَّضحُ بجلاء عدل الإسلام في تشريع (الضرب) للتأديب، وضبطه، وتحديد وقته، فلله الحمد والمنة.
стр. 877
المبحث الثالث: تعدد الزوجات
تتجه سهام النقد -أحيانًا- في الوسط الإسلامي وغيره إلى تعدد الزوجات في الإسلام، وتستهجنه الاتحادات النسائية وأوساط الأسر، والمرأة في الغالب بحكم طبيعتها تكره الضرائر، فتنعق بما ينادي به أهل الأهواء ممن كرسوا أفكارهم وأقلامهم للطعن في هذا الدين الذي تكفل الله ببقائه وإظهاره على الدين كله، فأدخلهم الشيطان في أسره وسخرهم لخدمته. ولا أعرف لماذا يثير الأعداء هذه القضية مع أن الدراسات الإحصائية أثبتت أن نسبة التعدد في الدول الإسلامية لا تتعدى (٧ - ١٠%) (١) وهي نسبة ضئيلة لا تستحق هذه الضجة.
نقْضَ شبهة تعدد الزوجات:
مما ينقض هذه الشبهة الآتي:
١ - لم ينفرد الإسلام بإباحة التعدد، بل كان التعدد مشروعًا في الأديان السماوية، يدل على ذلك في شرعة اليهود ما جاء في مواضع كثيرة من التوراة عن أبناء الأنبياء وغيرهم ممن عدوا زوجاتهم، فقد ورد في التوراة: «واتخذ لامك» لنفسه امرأتين اسم واحدة: «عاده»، واسم الأخرى: «صلتم»» (٢) وجاء فيها: «وإن يعقوب ﵇ تزوج ابنة خالته: «لا بان»، وأختها: «لبئة»، و «بلهة» جارية «أصيل»، و «زلفة» جارية «لبئة»» (٣).
стр. 878
وأخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «قال سليمان بن داود ﵉ لأطوفن الليلة على مائة امرأة -أو تسع وتسعين- كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله. فلم يقل إن شاء الله، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله. لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون» واللفظ للبخاري.
وقد يرى البعض أن الشريعة المسيحية بعيدة تمامًا عن تعدد الزوجات، لكن الحقيقة أنه لا يوجد نص واحد في النصرانية يمنع التعدد (٣). يقول الدكتور محمد بتاجي: «ومن المقطوع به -بعد ما عرضنا له في الصفحات السابقة- أن الذين شرعوا للطوائف المسيحية منع تعدد الزوجات لم يكونوا من الأنبياء الموحى إليهم، إنما كانوا بشرًا ذوي سلطات، ووظائف كنسية، ولا تزيد تشريعاتهم في نهاية الأمر عن أن تكون اجتهادًا بشريًّا لا يتصف بصفات العصمة عن الخطأ والقداسة والإلزام، ومن ثم يمكن تغييره باجتهاد آخر، إذا رأى من لهم السلطة الكنسية أنه يتضمن قدرًا أكبر من مصلحة الناس» (٤).
إذن فأمر تعدد الزوجات ليس مقصورًا على الشريعة الإسلامية، بل هو في شرائع سابقة له، لا لشيء إلا لأن إباحة تعدد الزوجات هو الأمر الذي يتفق مع الفطرة الصحيحة، ويتناسب مع جبلة الإنسان وطبيعته، ويراعي مصالحه وحاجاته.
стр. 879
٢ - الإسلام أباح التعدد (١)، إلا أنه قيده بشرطين:
أ- تحريم الزيادة على الأربع (٢). بوّب البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: لا يتزوج أكثر من أربع؛ لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وقال عليّ بن الحسين ﵉: يعني مثنى أو ثلاث أو رباع، وقوله جل ذكره: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣).
ب- وجوب العدل.
يقول تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (٤).
وتأمل شرط الله للعدل في قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، فالآية تدل على تحريم التعدد على من يخاف على نفسه ظلم زوجته؛ محاباة للأخرى؛ وتفضيلًا لها عليها، وعلى تحريمه بالأولى إذا كان عازمًا على هذا الظلم بأن كان يريد أن يضارها لكرهه لها (٥).
فعند الخوف من عدم العدل فضلًا عن تيقنه يحرم على العبد التعدد؛ لما فيه من
стр. 880
مفسدة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ وخلاصة القول في تقدير معنى (الخوف) في الآية، أن المسلم يجب عليه عند إرادة الزوجة الثانية -أو من بعدها- أن يقدر الأمر، ويرجع إلى شواهد حاله، ومقدرته النفسية، والمالية، والجسدية، فإن تيقن أنه لن يعدل، وجب عليه الاقتصار على الواحدة، وإن غلب على ظنه عدم العدل وجب أيضًا ألّا يعدد، ولا يباح له التعدد إلا إذا أمن الظلم، ووثق من إمكان العدل ويسره، أو غلب على ظنه.
وعلل سبحانه لمن خاف على نفسه عدم العدل وجوب الاقتصار على واحدة بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: ألا تحوروا ولا تظلموا، وهذا المعنى هو ما ذهب إليه أكابر علماء التفسير ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير وغيرهم، وهو مذهب جماهير المفسرين (١).
ووجوب العدل بين الزوجات يؤخذ أيضًا من سياق الآية يقول تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ يقول الشنقيطي في أضواء البيان (٢): «وقال بعض العلماء معنى الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أي إن خشيتم ذلك، فتحرجتم من ظلم
стр. 881
اليتامى، فاخشوا أيضًا وتحرجوا من ظلم النساء بعدم العدل بينهن، وعدم القيام بحقوقهن، فقللوا عدد المنكوحات، ولا تزيدوا على أربع، وإن خفتم عدم إمكان ذلك مع التعدد، فاقتصروا على الواحدة؛ لأن المرأة شبيهة باليتيم؛ لضعف كل واحد منهما، وعدم قدرته على المدافعة عن حقه، فكما خشيتم من ظلمه، فاخشوا من ظلمها».
وقد أخرج أحمد في المسند (١)، أبو داود في السنن (٢)، وابن ماجه في السنن (٣)، والترمذي في السنن (٤)، والنسائي في المجتبى (٥)، وابن حبان في الصحيح (٦)، والحاكم في المستدرك (٧) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط».
قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي، وصححه ابن دقيق العيد كما نقله الحافظ في التلخيص (٨)، وأقره، وصححه الألباني في الإرواء (٩).
- والعدل الذي يطالب الإسلام الرجل به هو العدل في المبيت والإيواء
стр. 882
والنفقة، لا العدل في الحب والجماع، والله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).
- وبوّب البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: حب الرجل بعض نسائه أفضل من بعض (٢)، واستشهد بحديث ابن عباس ﵄، عن عمر ﵁ دخل على حفصة، فقال: يا بنيَّة لا يغرنَّك هذه التي أعجبها حسنها، وحب رسول الله ﷺ إيّاها -يريد عائشة- فقصصت على رسول الله ﷺ فتبسم.
قال العيني: «ولا حرج على الرجل إذا آثر بعض نسائه في المحبة، إذا سوى بينهن في القسم، والمحبة ما لا تحلب بالاكتساب، والقلب لا يملكها، ولا يستطاع فيها العدل، ورفع الله فيها عن عباده الحرج، قال الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣)(٤).
قال ابن قدامة: «لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنه لا يجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو مذهب مالك والشافعي، وذلك لأن الجماع طريقه: الشهوة
стр. 883
والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك؛ فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الأخرى، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قال عبيدة السلماني: في الحب والجماع. وإن أمكنت التسوية بينهما في الجماع كان أحسن وأولى؛ فإنه أبلغ في العدل … ولا تحب التسوية بينهن في الاستمتاع بما دون الفرج من القُبل واللمس ونحوها؛ لأنه إذا لم تحب التسوية في الجماع، ففي دواعيه أولى» (١).
٣ - إن فوائد التعدد و مصالحه ظاهرة لا مجال للمكابرة فيها، تعود بالنفع أولًا على النساء، ثم على الرجال والمجتمع، ولعل من أبرزها:
- وجود العقم عند المرأة، أو إصابتها بمرض عضال يمنع من الاستمتاع بها، فلا يكون أصلح ولا أوفق في مثل هذه الحال إلا أن يتزوج بأخرى، وتبقى الزوجة الأولى محظية عند زوجها، ترعى الولد، وتنعم بالعدل المشروط لها.
وما تقدم خير له من الانحراف، أو صب جام غضبه على أهل بيته؛ لعدم قدرتهم على تحقيق مراده وطلبه.
- كراهية الرجل لزوجته، أو شدة رغبته الجنسية وعدم إشباع الواحدة من النساء له، أو قد لا يصبر على أعذار المرأة الشهرية، أفيعذر في الانحراف الجالب للأمراض، ولأولاد الزين، ولا يؤذن له بفتح بيت آخر؛ لكفالة امرأة أخرى؟
- زيادة النساء على الرجال في بعض المجتمعات، أو زيادة عدد العوانس، والأرامل والمطلقات، ما الحل الأمثل لهن؟ أن تقتلها براثن الوحدة، أو تنحرف مع
стр. 884
خدن حرم الشرع الخلوة به فضلًا عن معاشرته؟ يأتي الحل الأمثل لأمثال هؤلاء النسوة، تعدد الزوجات (١).
فالتعدد تحرير للمرأة، وتقييد للرجل.
٤ - ومن العجب أن من يثير الضجة حول تعدد الزوجات من الغربيين أو أذنابهم، يجهلون أو إن شئت فقل يتجاهلون عن أن ٧٥? من الأمريكان يخونون زوجاتهم (٢).
فالغرب يعتمد في نظامه على التعدد، ولكن الفرق بين تعدد الغرب الكافر والشرق المسلم، أن تعددهم غير مشروع، ويتم بطريقة لا إنسانية، تظلم فيه المرأة، ويقتات عليها، وترمي بعد الانتهاء منها، لا حق لها إلا الظلم الواقع عليها، ثم إن تعددهم ليس له حد ولا عد، فللرجل أن يطلق شهوته، ويشبع غريزته مع من شاء من النساء، وقد تصل أعدادهن إلى المئات كما حصل لنمر السياسة الفرنسية رجل الألف امرأة؟ ثم يتركها ملطخة بالخزي والعار، حاملة بين أحشائها بعضه، وفي الشرق المسلم يتم التعدد بعقد شرعي، وحقوق على الرجل للمرأة اجتماعية، ونفسية، واقتصادية، فلله الحمد والمنة.
٥ - وإليك -وفقك الله- نقولات لأقوال بعض المنصفين الغربيين في تعدد الزوجات:
- ذكرت جريدة «لندن تورث» بقلم إحدى السيدات الإنجليزيات «لقد كثرت الشاردات من بناتنا، وعم البلاء، وقل الباحثون عن أسباب ذلك …
стр. 885
وإني كامرأة أنظر إليهن، وقلبي ينفطر حسرة، وشفقة عليهن، وإن الدواء الشافي أن يباح للرجل الزواج بأكثر من واحدة، فبذلك تصبح بناتنا ربات بيوت، وإن إرغام الرجال على الاكتفاء بواحدة جعل بناتنا شوارد، ودفعهن إلى التماس أعمال الرجال، وسوف يتفاقم الشر إن لم يبح تعدد الزوجات» (١).
- ومن استطلاع للرأي جرى في الصحافة الأمريكية، ونشرت بعضه «صوت الإسلام» عن رأي الفتيات في التعدد. قالت إحداهن: «تعدد الزوجات في رابعة النهار في رعاية الله، خير من الخليلات في سواد الليل وفي رعاية الشيطان» (٢).
- وقالت مجلة «لواء الإسلام» المصرية إن كبير أساقفة الإنجليز أعلن أنه لا يوجد علاج لمنع التحلل الخلقي، والاخبار العائلي اللذين انتشرا بعد الحرب العالمية الثانية إلا بإباحة تعدد الزوجات، فهو على حد تعبيره الذي يمنع المرأة الإنجليزية من الانهيار النفسي، وارتكابها للجريمة والعار، ويرد إليها الكرامة والعزة، حيث لا تكون فراشًا لرجل إلا بكلمة الله» (٣).
٦ - ذهب جمهور العلماء (٤) إلى جواز اشتراط المرأة على الرجل في عقد النكاح ألا يتزوج عليها (٥).
стр. 886
يقول د. حسن أبو غدة: « … ومع أني أؤيد القائلين بجواز هذا الشرط، وأوافقهم فيما ذهبوا إليه، فإني أرى أن المرأة تملك حقين في هذا الصدد:
الحق الأول: منع زوجها من الزواج عليها، وذلك بقوة القضاء وسلطته، وهذا حق أساسي لها، يمكن أن تلجأ إليه قبل غيره، وتصر عليه، وقد اكتسبته وملكته بموجب الشرط في العقد الذي وافق عليه الزوج وارتضاه.
والحق الثاني: فسخها عقد النكاح إن اختارت الفسخ وتخلّت عن حقها الأول» (١).
- فهل رأيت دينًا حفظ حق النساء كدين الإسلام!
стр. 887
المبحث الرابع: الطلاق
ويعترض بعضهم على جعل الطلاق في يد الذكور دون الإناث، في زمن الحرية والمساواة، ويريدون سلب هذا الحق من الرجل بحجة المصلحة العامة، وانقضاء عصر (الحريم) الأميّات اللاتي راعي القرآن وقت نزوله، وتشريع أحكامه، مناسبة تعاليمه لهن (١)، وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا، بل ما شرعه الله لعباده خير وعدل ومصلحة ظاهرة لكل قرن يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢).
نقْضُ الشبهة حول الطلاق:
ولنقْض هذه الشبهة أقول:
١ - ينبغي أن تتأمل أيّها القارئ الكريم مفهوم الطلاق في الديانات المحرفة ودين الإسلام؛ ليتبين الفرق في التشريع ومراعاة المصالح، وكأني أنظر إلى أعداء الدين لرمي الإسلام بما يشينه؛ على منهجية: رمتني بدائها وانسلت: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾.
إن المدون في شرعة اليهود، وما جرى عليه العمل عندهم، أن الطلاق يباح بغير عذر، كرغبة الرجل أن يتزوج أجمل من امرأته، ولكنه لا يحسن في مثل هذه الحالة، والأعذار عندهم قسمان:
стр. 888
الأول: عيوب الخلقة، ومنها: العمش، والحول، والبخر، والعرج.
الثاني: عيوب الأخلاق، وذكروا منها الثرثرة، والوقاحة، والوساخة، والزنى أقوى الأعذار عندهم، ويكفي فيه الإشاعة، وأما المرأة فليس لها أن تطلب الطلاق مهما تكن عيوب الزوج، ولو ثبت عليه الزنى ثبوتًا (١).
- وأما الطلاق في المذاهب المسيحية، الراجعة إلى ثلاثة مذاهب رئيسية: الكاثوليكي، والأرثوذكسي، والبروتسنتي، فالمذهب الكاثوليكي يحرم الطلاق تحريمًا باتًا، ولا يبيح فصم الزواج لأي سبب مهما عظم شأنه، وحق الخيانة الزوجية نفسها لا تعد في نظره مبررًا للطلاق، وكل ما يبيحه في حالة الخيانة الزوجية التفرقة الجسمية، مع اعتبار الزوجية بينهما من الناحية الشرعية، فلا يجوز لواحد منهما في أثناء هذه الفرقة أن يعقد على شخص آخر؛ لأن ذلك يُعَدُّ تعددُا، والكنيسة تمنعه.
وتعتمد الكاثوليكية في مذهبها هذا على ما جاء في إنجيل مرقص على لسان المسيح، إذ يقول: «ويكون الاثنان جسدًا واحدًا، إذن ليسا بعدُ اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان» (٢).
والمذهبان المسيحيان الآخران الأرثودوكسي، والبروتسنتي يبيحان الطلاق في بعض حالات محددة، من أهمها الخيانة الزوجية، ولكنهما يحرمان على الرجل والمرأة كليهما أن يتزوجا بعد ذلك، وتعتمد المذاهب المسيحية التي تبيح الطلاق في حالة الخيانة الزوجية على ما ورد في إنجيل متى على لسان المسيح: «من طلق امرأته
стр. 889
لعلة الزني يجعلها تترى» (١).
وفيما سبق ترى أن اليهود والنصارى انقسموا في الطلاق إلى غال وجاف، وجاءت شريعة الإسلام بالوسطية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
٢ - خصت الشريعة الإسلامية الرجل يجعل حق الطلاق أصلًا في يده بعد ما رسمت منهجه، وضبطت طريقته، وذلك لسببين:
أ- كون الرجل في طبيعته، وفطرته أقرب من المرأة على وجه العموم إلى تحكيم النظر العقلي، وكونها فيما يقابل هذا أقرب منه إلى تحكيم العاطفة وانفعالاتهما، وأسرع في الاستجابة لها منه، مما يجعلها إن أعطيت حق الطلاق أصلًا أسرع إلى النطق به عند احتدام النزاع، ولو في مشادة وقتية يمكن أن ينتهي أثرها -دون فرقة- إذا أطاع من بيده الطلاق صوت العقل الهادئ، ولم يستجب بدافع الانفعال الوقي إلى ما تؤدي إليه المشاعر المحتدمة، وشواهد الحياة تدلنا في كل يوم على أن ثقافة المرأة وحظها الكبير من العلم لا يغيران هذه الفطرة الأصلية التي يضاف إليها ما يعتري المرأة في حالات الحيض، والحمل والولادة، والرضاع، وانقطاع الطمث من عدم توازن هرموني، يصيبها بشيء من الانحراف المزاجي يجعلها أقرب ما تكون إلى الاستجابة لدوافع الشعور الوقتي. وقد حدث في تونس أن أعطيت المرأة حق الطلاق بنفس وسائل الرجل وطرقه، فزادت نسبة الطلاق في تلك السنة أضعافًا مضاعفة، فتم تعديل القانون، وتبين أن أكثر النساء اللاتي أوقعن الطلاق، كان تطليقهن لأزواجهن بسبب ردة فعل عاطفية.
ب- والسبب الثاني: أن الرجل الذي تكلف بكل مطالب الزواج والحياة من
стр. 890
مهر ونفقات، هو الذي تصيبه خسارة الطلاق في ماله، ومما لا شك فيه أن هذا يمثل عاملًا قويًّا يدفع الرجل عند مواطن النزاع واحتدام المشاعر إلى مزيد من التروي، وعدم التسرع في أمر الطلاق (١).
٣ - أن الإسلام لم يبح الطلاق مطلقًا، بل اختلفت آراء الفقهاء في حكم الطلاق، ولعل الراجح من هذه الأقوال من رأى حظر الطلاق إلا لحاجة، وللحنابلة تفصيل حسن في حكم الطلاق، يقول ابن قدامة في المغني (٢): «فصل: والطلاق على خمسة أضرب: واجب: وهو طلاق المولي (٣) بعد التربص إذا أبى الفيئة، وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأيا ذلك، ومكروه وهو الطلاق من غير حاجة إليه، وقال القاضي: فيه روايتان:
إحداهما أنه محرم؛ لأنه ضرر بنفسه وزوجته، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه، فكان حرامًا كإتلاف المال؛ لقول النبي ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» (٤).
والثانية: أنه مباح؛ لقول النبي ﷺ «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وفي لفظ «ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق» رواه أبو داود (٥).
وإنما يكون مبغوضًا من غير حاجة إليه، وقد سماه ﷺ حلالًا؛ ولأنه مزيل
стр. 891
للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، فيكون مكروهًا.
والثالث: مباح وهو عند الحاجة إليه؛ لسوء خلق المرأة، وسوء عشرتها، والتضرر بها من غير حصول الغرض بها.
والرابع: المندوب إليه وهو عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، مثل الصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها عليها، أو تكون له امرأة غير عفيفة. قال أحمد: لا ينبغي له إمساكها، وذلك لأن فيه نقصًا لدينه، ولا يأمن إفسادها لفراشه، وإلحاقها به ولذا ليس هو منه، ولا بأس بعضلها في هذه الحال، والتضييق عليها؛ لتفتدي منه قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب، ومن المندوب إليه الطلاق في حال الشقاق، وفي الحال التي تخرج المرأة إلى المخالفة لتزيل عنها الضرر.
وأما المحظور فالطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه، أجمع العلماء من جميع الأمصار وكل الأمصار على تحريمه، ويسمى طلاق البدعة؛ لأن المطلق خالف السنة وترك أمر الله تعالى ورسوله؛ قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢).
стр. 892
فالطلاق لا يباح على إطلاقه في الإسلام ولا يمنع، بل له حالات يظهر منها رعاية الإسلام الأحوال الناس.
٣ - الطلاق في الإسلام آخر مراحل العلاج، فقد مضى (١) منهج الإسلام في علاج نشوز الزوجة بالوعظ، ثم الهجر، ثم الضرب، ومعالجة نشوز الزوج ببعث حَكَمٍ من أهله، وحكمًا من أهلها وحين لا تجدي سبل العلاج، فإن القطع هو الدواء، لكنه آخر الدواء وأكرهه، وقد حث الإسلام على عدم التسرع في إيقاع الطلاق، والصبر على النساء يقول تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢)، ويقول: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣).
٤ - الطلاق في الإسلام له أحكام وآداب يجب الأخذ بها، ويحرم مخالفتها، وفيه من حفظ حق المرأة ما لا يخفى:
١ - ألا يصار إليه إلا بعد مسيس الحاجة، وبعد أن تُسْتنفد الوسائل الأخرى لحل مشكلات الزوجين؛ لأن الوئام بينهما من مقاصد الشرع المطهر، وبقاء عقد النكاح مقدم على انفراطها.
٢ - الطلاق لا يقع إلا وفق الصورة الشرعية، وهو طلاق المرأة في طهر لم
стр. 893
يصبها فيه، أو وهي حامل.
٣ - إتاحة الفرصة للرجعة قبل انقضاء العدة، وتحديد العدد الذي يملك الرجل الرجعة فيه. مرتين، وإلزام الرجل بنفقة المعتدة (١) وتحريم إخراجها من بيتها، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢).
٤ - تحريم أخذ المطلق من مطلقته ما كان أعطاه إيّاها من المهر أو النفقة. يقول تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٣).
بل إن الإسلام أوجب على الزوج متعة المطلقة (٤).
٥ - من طلق زوجته طلاقًا بائنًا أي: طلقها ثلاث طلقات، فليس في استطاعته أن يتزوجها مرة أخرى حتى تنكح زوجًا غيره، وتذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها يقول تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا
стр. 894
يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١).
٦ - يحرم عضل المرأة (٢) من قبل وليها للرجوع إلى زوجها بعقد جديد إن كان الطلاق رجعيًا، أو من الزواج من غيره إن كان بائنًا يقول تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
فهل رأيت شرعًا حفظ حقوق المرأة كشرعتنا، إن في طلاق الرجل للمرأة تفويت مهره ونفقته، وإلزامه بنفقه العدة، ووجوب المتعة للمرأة عليه.
٥ - إن لحل رابطة الزوجية ثلاث طرق: فسخ الحاكم للعقد، والخلع، والطلاق، والأول مشترك بينهما، والثاني خاص بالمرأة، والثالث خاص بالرجل.
والإسلام عندما جعل الطلاق في يد الرجل، فقد جعل للمرأة حقًا في فراق الرجل من طريقين:
стр. 895
١ - فسخ عقد النكاح: وللمرأة أن تفسخ عقد نكاحها لعيب خِلْقي في الرجل كالعنة والحب والخصاء والجنون والجذام وغيره، أو أن يمتنع الرجل ع ن أداء النفقة الزوجية، فللمرأة فسخ عقد النكاح دون أن تدفع عوضًا ماليًّا على الفسخ؛ لوجود العيب في الزوج (١).
٢ - الخلع: وهو افتداء المرأة من زوجها الكارهة له بمال تدفعه إليه ليتخلى عنها؛ وللخلع شروط ثلاثة هي:
أ- أن يكون البغض من الزوجة، فإن كان الزوج هو الكاره لها، فليس له أن يأخذ منها فدية، وإنما عليه أن يصبر عليها، أو يطلقها إن خاف أن يظلمها.
ب- ألا تطلب الزوجة الخلع حتى تبلغ درجة من الضرر تخاف معها ألّا تقيم حدود الله تعالى في نفسها أو في حقوق زوجها.
ج- ألا يتعمد الزوج أذية الزوجة حتى تخالع منه، فإن فعل فلا يحل له أن يأخذ منها شيئًا أبدًا، وهو عاص (٢)، ودليله قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) ومن السنة ما أخرجَه البخاري في صحيحه في كتاب
стр. 896
الطلاق، باب: الخلع، وكيف الطلاق فيه، وقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : «قبل الحديقة، وطلقها تطليقة».
٦ - من المفارقات العجيبة: في الوقت الذي تحتج فيه المرأة الناعقة بأقوال الغربيين على الطلاق، تحتج المرأة الإنجليزية على أبدية الزواج، وتتضرر المرأة الأمريكية من مساواتها بالرجل فيه، وقد بلغت نسبة الطلاق في أمريكا أكثر من ٥٠%، و ٦. ٩% في بلجيكا (١).
إن جَعْلَ الطلاق حقًا للمرأة والرجل على السواء، يتم إيقاعه عند القضاء، مغالطة للواقع، وزج بالمرأة في براثن العذاب؛ لما تقدم ذكره وبما سيضرب من مثال؛ لنفترض أن زوجًا ما أراد أن يطلق زوجته، وعزم على ذلك عزمًا وثيقًا لا رجعة فيه، فقيل له: اذهب إلى القاضي لتعرض عليه ما تريد، فذهب إليه، واجتهد بداهة في تجريح الزوجة؛ ليقتنع القاضي، ويحكم له بالطلاق الذي يريده، وسيسأل القاضي الزوجة، وستجتهد هي الأخرى في تجريح الزوج ردًا على ما فعل، ودفاعًا عن نفسها، وهنا سيكون القاضي بين احتمالين لا ثالث لهما:
стр. 897
الأول: أن يقتنع بوجهة نظر الزوج فيطلق، وهنا لا نكون قد فعلنا شيئًا سوى الإساءة إلى العلاقة الزوجية التي كانت بينهما إساءة يبعد معها أن تعود علائق المودة والرحمة، بخلاف ما لو كان قرار الطلاق مفردًا لا تشهير فيه ولا فضيحة؛ إن سلب الأزواج سلطة الطلاق وإعطاءها للمحاكم محادة لله ورسوله، وعصيان لشريعته، كما أن أصحاب العقول السليمة يمجونها إذ لا يمكن أن تكون نتائجها سوى ما حدث في أوروبا من تشهير، وفضح للخلافات الأسرية المخجلة، والوقائع الزوجية السيئة في المحاكم علانية.
الاحتمال الثاني: ألّا يقتنع القاضي بالطلاق، فيحكم برفضه، ويأمرهما باستمرار العيش مًعا (دون إرادة الزوج على الأقل) وهنا نسأل: ما هي القوة التي يملكها القاضي أو غيره لجبر الرجل على العيش الكريم مع زوجه، ومعاشرتها بالمعروف؟ هل سيسكن معهما رجل شرطة؟ أم أن المراد هو حملها على الانفصال الجسدي المشروع في القوانين الغربية (١)؟، والذي يتخذ كل منهما فيه لنفسه رفيقًا آخر، وخدنًا؟!.
إن نظام الإسلام في الطلاق، ورسم منهجيته نظام عادل لا يباريه أي نظام، كيف وهو نظام رب العالمين: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
وفي كل ما تقدم لا بد أن نفرق بين جمال النظام وعدالته، وسوء استخدامه، ولا يحاكم الدين من خلال تصرفات أفراده؛ لأن هذا خلاف النهج العلمي السليم.
ولأن كل نظام في الدنيا قابل لأن يساء استعماله، وكل صاحب سلطة عرضة لأن يتجاوزها إذا كان سيء الأخلاق، ضعيف الإيمان، ومع ذلك فلا يخطر على
стр. 898
البال أن تلغي الأنظمة الصالحة، أو ينادي بإلغائها؛ لأن بعض الناس يسيء استعمالها، ويتجاوز حدود صلاحيته.
إن الإسلام أقام دعامته الأولى في أنظمته على يقظة الضمير المسلم، واستقامته، ومراقبته لربه، وسلك في سبيل تحقيق ذلك أقوم السبل، وإذا رجعنا إلى قاعدة الترجيح بين المصالح والمفاسد، لرأيت أن مصالح إعطاء الرجل حق إيقاع الطلاق تترجح على مفاسد نزعه منه، أو إشراك غيره معه (١).
• وفي ختام هذا المطلب أهمس في أذن الزوجين قائلة: إن الزواج قد شرعه الله لحِكَمٍ سامية، ترجع إلى تكوين الأسر. وتكوينها إنما يكون بالمحافظة على سلامة الحياة الزوجية التي يجد الإنسان في ظلها الوارف السكينة القلبية، والتي يتبادل الزوجان في بهوها الفسيح روح المودة والمحبة، والتي يزدهر في جوها التقي نبت البنين والبنات، فينمو ويثمر؛ ليكون أثرًا صالحًا للوالدين، ولأمتهما … إن هذه الحياة أسمى من أن تَسْقُط عَمَدُها، ويخر سقفها، ويقطع سببها؛ لنزاع تافه، ونزعة طائشة فلا المرأة تسمع رغبة زوجها، ولا هو يصبر عليها، وذلك في حين حضور الشيطان للإفساد بينهما، فينجح في مهمته، ويندفع الرجل لإيقاع سلاحه «الطلاق» ليقطع ما أمر الله به أن يوصل، ثم لا يلبثان أن يمتلكهما الأسى والندم، فيذهب بالقلب والشعور ما يريانه على وجوه أطفالهما من الحزن والحيرة، ومظاهر اليتم والتشرد وهما على قيد الحياة، فالله الله في رعاية الميثاق الغليظ، والسكن والمودة.
стр. 899
الخاتمة والتوصيات
стр. 900
الخاتمة والتوصيات
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله على ما أتم وأنعم، وأعطى وأكرم، الحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
وبعد أن منَّ الله عليّ بوافر فضله، وعظيم كرمه بإنهاء هذا البحث وهو «حقوق المرأة في الكتاب والسنة النبوية» تبين أن ما وصلت إليه البشرية في مسيرتها الطويلة من مكاسب للمرأة قد تضمنته نصوص الكتاب الكريم وصحيح السنة، والقواعد والمقاصد العامة في دين الإسلام.
بل إنه مما يظهر جليًّا أنه لا شيء في نصوص الشرع يعوق مسيرة المرأة نحو مزيد من الأخذ بأسباب الكرامة الإنسانية، والتطور الحياتي النافع، بل إن مجموع ما تضمنه الإسلام هو وحده الصالح لقيادة مسيرتها في هذا الطريق نحو آفاق أرقى.
لقد حق لك أيتها المسلمة أن تتباهي وتفاخري نساء العالمين بما أسداه الإسلام إليك من تكريم، واحذري أن تبدلي نعمة الله كفرًا، وتستبدلي الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ إنك المرأة التي تهز المهد بيمينها، والعالم بيسراها، فربما ضُمَّتْ معاطفُ ثوبك على رجل الدنيا وواجدها، وما ينبئك لعل هناك أمة متعثرة تنتظر النَّصفة مِنْ وَضَح رأيه، وفيض بيانه.
إن قضية المرأة تحتاج إلى تحرير وتدليل وتعليل؛ ولن تجد تحريرًا مدعمًا بالتدليل والتعليل كما جاء في شرعة الإسلام، حيث حفظ لها كرامتها وسلامتها
стр. 901
مراعيًّا استعدادها الفطري، وتكوينها الخلقي.
ولم يناد بمساواتها؛ لأن كل مساواة ليست بعدل؛ إذا قضت بمساواة الناس في الحقوق على تفاوت واجباتهم، وكفاياتهم، وأعمالهم، وإنما هي كل الظلم للراجح والمرجوح.
وليس من العدل أو المصلحة أن يتساوى الرجال والنساء في جميع الاعتبارات، مع التفاوت بينهم في الحقوق والواجبات.
وهكذا يجد كل صاحب بصيرة وعاقل منصف متجرد من اتباع الهوى المعمي للبصيرة أن هناك فروقًا بين النوعين الذكر والأنثى، بعضها جذري يتعلق بأصل الخلقة، وبعضها مشتق من ركائز الفطرة، وبعضها مكتسب من طريق النشأة، وما مثل من يدعو إلى المساواة بين النوعين مساواة تامة إلا: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١) صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوهون به، عمي عن رؤية مسلكه.
لا بد أن تعي كل مسلمة أن دعاوى تحرير المرأة قامت في مجتمعات غربية لا تقيم لها وزنًا، ولا ترفع لها قدرًا، وكعادة كل دعوة خلت من التأصيل، وأسست بنيانها على شفا جرف هار، ننتظر -إن شاء الله- أن ينهار، وقام بإشعال فتيلها، وإذكاء نارها أناس همهم إشباع شهواتهم، وتضخيم أرصدتهم، وكانت النتيجة على تلك الموعودة بالتحرير، والمغررة بالمساواة أن باتت جسدًا بلا روح، وكيانًا متحررًا من مشاعر الفطرة، وانطلقت بلا تعقل ولا تفكر إلى مسالك أوردها المهالك، وصارت سلعة تباع وتشترى، وورقة رابحة لعبدة الدولار والدينار، وتُوجِرَ
стр. 902
بأنوثتها باسم التقدم، وكشفت عورتها أمام المصورين باسم التمدن، وسلب اسم أبيها وأضيفت إلى اسم زوجها باسم الحرية.
وانتقلت هذه الدعوة -زعموا- حرية المرأة إلى البلاد الإسلامية وبخاصة العربية على أيدي المستشرقين العرب الذين تأثروا بالغرب، وعاشوا فيه، ورجع الدعاة إلى أبواب جهنم إلى مجتمعاتهم بلسان عربي ينطق فكرًا غربيًّا، ينادي بإخراج المرأة، وتغيير نمط الحياة السائد في المجتمع الذكوري، وأن تخرج حين تريد، وتعود كيفما تريد، وتخالط الرجال على كل صعيد، وجاءت دعوة «الحرية» مغلفة مضبة من ورائها دوافع خطيرة أهمها الدعوة إلى تحطيم الأسر، وتدمير الأخلاق، والقيم الإنسانية، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا في محاولة من أتباعها للقضاء على الإسلام، والذين تبنوا الدعوة إلى هذه الحرية -زعموا- يعانون من مشكلة في التركيبة الفكرية، وغبش في الرؤية الثقافية في أقل الحالات، ومشكلة هذه الثقافة أنها بحكم الشد الذي يتنازعها بين الأصالة والمعاصرة أصاب فكر أصحابها شرخ حاد، وشاء الله أن يمتحن قلوب أمة الإسلام عامة بمثل أولئك الذين ثاروا على التراث -كذا زعموا- وإنما هو الإسلام وتعاليمه باسم التقدمية -أعني الغربية- ووجهوا خطابهم إلى المرأة للتحرر، ولاقت هذه الدعوة أرضًا في بلاد الإسلام حين ضعفت صلة المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبدأت المؤثرات البيئية، والتقاليد الاجتماعية والأعراف الجاهلية تزاحم الأصول الشرعية، وتشوه معالم الدين، وصودرت كثير من الحريات باسم الهوى لا بأمر الله، ونالت المرأة النصيب الأوفر منها، وضيق عليها الخناق حتي سلبت حقوقها الشرعية فصار دعاة المرأة بين موقفي الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير، والمهاجم والمدافع.
في حين أن الإسلام جعل للمرأة قضية ثابتة، لها حقوقها وعليها واجباتها،
стр. 903
ولا تتقاضى حقًا، ولا تتلقى واجبًا من مخالب الفتنة الجامحة، ولا من براثن المصنع الشحيح؛ وإنما هي صاحبة هذه الحقوق والواجبات لأنها من خلق الله، على قسطاس المساواة العادلة بين الحقوق والواجبات على سنة التقسيم والتعاون لا على سنة الشقاق والتناضل بالمطالب والحقوق.
نعم لا جدال في الوظيفة المثلى التي تستقل بها المرأة، وهي حماية البيت في ظل السكينة الزوجية من جهاد الحياة، وحضانة الجيل المقبل لإعداده بالتربية الصالحة لذلك الجهاد، وليست هذه الحصة بأصغر الحصتين: ليس تدبير السكينة في الحياة بأهون من تدبير الجهاد، وليس العمل الصالح لسياسة الغد بأهون من العمل الصالح لسياسة اليوم.
ولربما ضَلَّ بعضُ القوم الطريقَ فركب كل من الجنسين رأسه في اللجاجة والشحناء: حقي وحقك، وكفايتي وكفايتك، وسلاحي وسلاحك، وانتصاري وهزيمتك، على النحو الذي سبقنا إليه الغرب القديم والحديث غير محسود على سبقه.
ولكن الأمر الذي نحن منه على أتم يقين أن من سلك هذا الطريق فقد ضل، وسيرد طائعًا أو كارهًا إلى سوائه، بعد أن ذاق وبال خطئه، وأوغل مجتمعه في ضلالته (١).
وبما أني امرأة أعيش في أوساط النساء، وأتنفس مشكلاتهن، وأعي حاجاتهن، وليس راء كمن سمع، أُدرك قضيتين رئيسيتين:
أولهما: جهل المرأة بحقوقها الشرعية التي منحها الإسلام إيّاها، أو معرفتها
стр. 904
وضعف المطالبة بها، أضف إلى الجهل. ما يراد منها ولاسيما في مثل هذه الأوقات من دعاة التغريب ومؤتمرات المرأة (١).
ثانيهما: تسلط بعض الرجال على النساء، وعدم التزام الدليل، والاقتداء بسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وتغليب العادات والتقاليد الاجتماعية على المفاهيم الشرعية، ويوظفون النصوص الشرعية كما يهوون، ويقتطعون منها ما يرون ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٢).
ومثل مجتمعاتنا الإسلامية كمثل أي مجتمع خلقه الله لا يخلو من مشاكل تريد حلولًا عاجلة أو آجلة؛ إن النظرة المثالية إلى مجتمعاتنا، وادّعاء أنها مجتمعات لا مشاكل فيها دعوى كاذبة يكشف عوارها وسوءتها الواقع، وتصويرها بأنها مجتمعُ غاب يأكل قويه ضعيفه، زور وبهتان -أيضًا- يفضحه واقع كثير من أبنائه ونسائه، والله أمرنا بالعدل فقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (٣).
إن لدينا مشكلات تحتاج إلى علاج، وعلاجها بالرجوع إلى الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، وتذكر قول رسول الله ﷺ في آخر حياته في حجة الوداع: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله» (٤) وموعظته البليغة التي ذرفت منها عيون الصحابة، ووجلت قلوبهم، وسألوه قائلين: كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات
стр. 905
الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١).
والأخذ بكل مفيد لا يتنافى مع ثوابتنا الشرعية، أو يمس هويتنا الإسلامية.
وأَخْلُصُ في خاتمة البحث إلى هذه التوصيات:
١ - نشر موقف الإسلام من المرأة عالميًّا، وذلك من خلال مبادرات إسلامية العقد مؤتمرات عالمية عن قضايا المرأة، والأسرة، وحقوق الإنسان من منظور شرعي، تتبناها جهات إسلامية معتبرة.
٢ - قيام القيادات النسائية المسلمة التابعة للجهات الحكومية أو الخيرية، بتحمل المسؤولية، والتنسيق فيما بينها؛ لإصدار وثيقة للأسرة المسلمة، تؤصل فيها الرؤية الشرعية حول المرأة وحقوقها في الإسلام.
٣ - القيام بالمناشط الدعوية التثقيفية من قبل مؤسسات المجتمع ووسائل الإعلام التعريف المرأة بحقوقها الشرعية، والآليات المتبعة للوصول إلى هذه الحقوق، يقدمها كبار العلماء وطلبة العلم، والقضاة، والمسؤولون.
٤ - ضرورة إعادة النظر في خطط تعليم المرأة، بحيث تتفق مع طبيعة المرأة من ناحية، وظروف المجتمع، واحتياجات التنمية من ناحية أخرى.
٥ - اعتماد إدخال الأسرة في مناهج التعليم في المرحلة المتوسطة والثانوية للبنين والبنات، ويشتمل هذا المنهج -كصيغة مقترحة- على: مكانة المرأة في الإسلام، والمفهوم الشرعي للعلاقة بين الرجل والمرأة، وحقوق كل منهما وواجباته، والوسائل الفعالة في تربية الأولاد، وعلاج المشكلات، والشبهات الموجهة للمرأة
стр. 906
المسلمة وتفنيدها، كما يشتمل هذا المنهج على عرض تاريخي للجهود الرامية لإفساد المرأة والأسرة، وعولمة الحياة الاجتماعية -عمومًا- ومن ثم تقديم دراسة عن أحوال المرأة الغربية، وتقديم الإحصاءات المتعلقة
بحياتها، ورصد الظواهر في تلك المجتمعات ليتبين لهم أنه الحق.
٦ - تكوين هيئات عليا للنظر في كل ما يتعلق بالأسرة من النواحي النفسية، والثقافية، والاجتماعية، والمالية، وتفعيل دور وزارات الشؤون الاجتماعية؛ للقيام بدور فاعل للاستجابة لمتطلبات الحياة.
٧ - تفعيل دور الأئمة والخطباء، وإعطاؤهم دورات شرعية حول حقوق المرأة والرجل وواجباتهما، والإيعاز إليهم بتكثيف التوعية حول الموضوع مع التنبيه على خطورة الأيادي التغريبية على المجتمعات الإسلامية، أو طغيان العادات والتقاليد على المفاهيم الشرعية.
٨ - ضرورة العمل على إيجاد مؤسسات نسائية متخصصة (شرعيًّا- تربويًّا? اجتماعيًّا- نفسيًّا- اقتصاديًّا) من شأنها أن تحفظ حقوق المرأة، وتتبن الدفاع عن قضاياها، وتسهم في توفير الحصانة الشرعية والفكرية، والبناء التربوي للمرأة المسلمة.
٩ - إنشاء مركز متخصص للدراسات والبحوث يتعلق بشؤون المرأة والأسرة في الإسلام يتناول النواحي الشرعية والاجتماعية والنفسية، يستقطب الثلة المتميزة من الباحثين والباحثات؛ لإثراء المجتمع بالدراسات والبحوث التي تقدم النظرة الشرعية الصحيحة لكل ما يتعلق بالمرأة والأسرة ويدرس أوضاع النساء، ومشكلاتهن، ويقدم الحلول المناسبة لهن، ويركز على الآليات المتبعة للحصول على هذه الحقوق، ويعطي تصورات دقيقة عن المؤتمرات الدولية للمرأة، وما ترمي إليه،
стр. 907
كما يحرص هذا المركز على تقديم الاستشارات المجانية للأسرة المسلمة.
١٠ - إصدار مجلات علمية متخصصة فيما يتعلق بالمرأة في الإسلام، وتكثيف توزيعها، وإقامة المسابقة عليها.
١١ - لا بد للعلماء والدعاة إلى الله والكُتَّاب أن يقوموا بدورهم، ويزيدوا من نشاطهم في مختلف أقطار العالم الإسلامي؛ لتصحيح بعض الأفكار والممارسات والعادات والتقاليد الاجتماعية التي ليست من الإسلام، واستغلها أعداؤه؛ لعرض شبههم وتوصياتهم باسم حقوق المرأة.
ولا بد من إيصال هذه الرسالة -بنفس المستوى من الحرص والقوة- إلى الغرب، حتى لا يتهم الإسلام من خلال ممارسات بعض أفراده، وهو منها براء.
١٢ - مناصحة الغالين والجافين في حقوق المرأة، وبيان الموقف الصحيح منها من خلال مؤتمرات حوارية تعقد بين الطرفين يديرها علماء متخصصون في القضايا الشرعية، بهدف تصحيح الفكر لدى كل منهما.
١٣ - عقد مؤتمرات خاصة بالمرأة تدعى إليها الكوادر النسائية المتخصصة من كافة أنحاء العالم الإسلامي لمناقشة مشكلات المرأة، ووضع الحلول المناسبة لها، على أن يتبن المؤتمر إحدى الجهات الإسلامية المعتبرة.
١٤ - العمل على توحيد الجهود الإسلامية من خلال المؤتمرات واللجان، والمنظمات الحكومية وغير الحكومية من أجل استكمال النقص، وصياغة مواقف إسلامية موحدة إزاء ما تتضمنه المؤتمرات التي تعقدها الأمم المتحدة، والتي تثار فيها قضايا المرأة.
١٠ - إنشاء قناة إعلامية تهتم بقضايا المرأة والأسرة، وتقدم البرامج النافعة والتوجيهات الناجعة، والحوارات الأسرية المثمرة، والبرامج الترفيهية الهادفة
стр. 908
ومعالجة مشكلات المرأة المعاصرة.
وختامًا فإنه لا فلاح للذكر والأنثى إلا برجوع كل منهما لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وقيامه بواجباته، وستأتيه حقوقه تبعًا؛ وليحذرا كل الحذر من مخالفة أوامر الله ورسوله ﷺ ، لأن في مخالفتهما الغواية والضلال، ولْتعلم المرأة أن الإصلاح منها فهي مربية الرجل، وحاضنته؛ فلتزرع فيه تعاليم الدين الموصية بالمرأة على اختلاف درجة قرابتها؛ لتقطف حقوقها كاملة.
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (١).
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.