فيه من تحريك داعية شهوة الرجال» (١).
قال الألباني: «فإذا كان ذلك حرامًا على مريدة المسجد، فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع» (٢).
ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات، وإنما خص العشاء الآخرة بالذكر في حديث أبي هريرة؛ لأن الفتنة وقتها أشد، للظلمة وخلو الطريق، بخلاف غيرها من الأوقات (٣).
٦ - ألا يشبه لباس الرجل، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الحدود، باب: نفي أهل المعاصي والمخنثين (٤) من حديث ابن عباس قال: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء. وقال: «اخرجوهم من بيوتكم» وأخرج فلانًا، وأخرج عمر فلانًا.
وأخرج في كتاب اللباس، باب: المتشبهين بالنساء، والمتشبهات بالرجال (٥) من حديث ابن عباس: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. قال الحافظ في الفتح: «قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس» (٦).
وقال ابن أبي جمرة في بهجة النفوس (٧): «والحكمة في لعن من تشبه؛ إخراجه
стр. 842
الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: «المغيرات خلق الله» (١).
٧ - ألَّا يشبه لباس الكافرات، فالرسول ﷺ حذّر من التشبه بالكفار، أخرج مسلم في صحيحه (٢) من حديث عبد الله بن عمرو أخبره قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين. فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها».
٨ - ألَّا يكون لباس شهرة، أخرج أحمد في المسند (٣)، وأبو داود في السنن (٤)، وابن ماجه في السنن (٥) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة».
وحسن إسناده الألباني في جلباب المرأة المسلمة (٦).
فعلى من تخرج لعملها أن تتقي ربها، وتلزم الستر، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٧).
الضابط الثامن:
ألا تخلو بالرجل الأجنبي ولا تزاحمه، وأي عمل يقوم على
стр. 843
الاختلاط والخلوة، فإن الإسلام يحرمه ويمنعه، أخرج أبو داود في سننه (١) من طريق حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق. فقال رسول الله ﷺ للنساء: «استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق (٢)، عليكن بحافات الطريق» فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها؛ ليتعلق بالجدار من لصوقها به.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣).
وقد نبه الإمام ابن القيم على خطورة الاختلاط بين الرجال والنساء، وبين أن من آثاره انتشار الأمراض الجنسية فمما قاله حول هذا الأمر: «ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة. واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزيني، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة، ولما اختلط البغايا بعسكر موسيى، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفًا والقصة مشهورة في كتب التفاسير) (٤)، فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزي؛ بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمور ما في ذلك من
стр. 844
فساد الدنيا والرعية قبل الدين؛ لكانوا أشد شيء منعًا لذلك» (١).
وتأمل نتائج الاختلاط ووقائعه:
أ- الحمل غير الشرعي:
- نسبة الحبالى من تلميذات المدارس الثانوية في أمريكا بلغت في إحدى المدن ٤٨% (٢).
- دلت الإحصاءات على أن (١٢٠) ألف طفل أنجبتهم فتيات بصورة غير شرعية، لا تزيد أعمارهن على العشرين، وأن كثيرًا منهن طالبات في الكليات والجامعات (٣).
- أكدت نقابة القومية للمدرسين البريطانيين في -دراسة أجرتها- أن التعليم المختلط أدى إلى انتشار ظاهرة التلميذات الحوامل سفاحًا، وعمرهن أقل من ١٦ عامًا، كما تبين أن استخدام الفتيات الحبوب منع الحمل في المدارس يتزايد، كمحاولة للحد من هذه الظاهرة دون علاجها واستئصالها من جذورها (٤).
ومن أبلغ ما كتب بهذا الصدد مقال لكاتب أمريكي نشره قبل أيام، في صدر إحدى المجلات الفكرية الكبرى، ويحذر فيه الغرب من عواقب ذلك التدهور الذي سيحول الدول الغربية إلى دوائر إغاثة، وإعاشة لضحايا الجنس، ويستهل مقاله بقوله: «إن إحصائيات عام ١٩٧٩ م تدق ناقوس الخطر … فعدد اللواتي يلدن سنويًّا من دون زواج شرعي وفي سن المراهقة لا يقل عن ستمائة ألف فتاة بينهن، لا أقل
стр. 845
من عشرة آلاف فتاة دون سن الرابعة عشرة من العمر … وإذا أضيف إلى ذلك عدد اللواتي يلدن بدون زواج بعد سن المراهقة فإن العدد الإجمالي يتجاوز المليون … ومعنى هذا أن الولايات المتحدة الأمريكية تستقبل مليون طفل سنويًّا من الزنى والسفاح» (١).
ب- الاغتصاب:
إن أكثر حوادث الاغتصاب تحدث في المدارس المختلطة حيث يترصد الذكور للإناث في دورات المياه، وهناك ملتقى النجاسات الحسية والمعنوية ولأجل ذلك أصدرت إحدى المدارس في نيويورك بلاغًا عممته على جميع المدرسات والطالبات، حذر من فيه من الذهاب إلى دورات المياه منفردات، وذلك بعد أن تعددت حوادث الاعتداء عليهن من قبل الطلاب الذكور في المدرسة، وعلى إثر ذلك قامت صيحات تنادي بفصل الإناث عن الذكور (٢).
- نشرت مجلة الطب النفسي الأمريكية عن الاعتداء الجنسي خلال العمل أن ٤٢% من النساء العاملات يتعرضن له، وأن أقل من ٧? فقط من الحوادث يرفع إلى الجهات المسؤولة، وأن ٩٠? من المعتدى عليهن يتأثرن نفسيًّا، و ١٢? منهن يذهبن لطلب المعونة الطبية النفسية (٣).
- أكدت دراسة أجريت في النمسا (عام ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م) أن ٣٠. ٥% من النساء أبلغن عن تعرضهن لتحرشات خطيرة غير أخلاقية.
- كما بينت دراسة أجريت في ألمانيا (عام 1410 هـ - 1990 م) أن 6? من
стр. 846
النساء استقلن من العمل مرة واحدة على الأقل نتيجة ذلك.
- كما أظهرت دراسة حديثة أن ٢١? من الفرنسيات، و ٥٨% من النساء الهولنديات، و ٧٤? من البريطانيات تعرضن لتحرشات غير أخلاقية في أماكن العمل، وأن ٢٧? من النساء الإسبانيات واجهن معاكسات لفظية جارحة، واحتكاكات غير مرغوبة (١).
- بل إن الأمر المثير للعجب أن هذه المضايقات والاعتداءات الجنسية، لم تسلم منها حتى موظفات هيئة الأمم المتحدة -التي تتبنى مؤتمرات المرأة- فقد قدم استفتاء إلى السكرتيرات في الأمم المتحدة حول الابتزاز الجنسي لهن أثناء العمل، وقد تم استجواب (٨٧٥) منهن، وأفادت (٥٠%) منهن بأنهن قد وقعن تحت تأثير هذه المضايقات، والاعتداءات الجنسية شخصيًّا، وذلك قبل مصادرة الاستفتاء من قبل المسؤولين في الأمم المتحدة (٢).
جـ- الشذوذ الجنسي:
ورغم وفرة النساء، وسهولة العثور عليهن … وشيوع الزبني لدرجة مخيفة في المجتمعات الغربية، فإننا نجد كثيرًا من الظواهر التي لا يمكن تفسيرها بسهولة ومنها انتشار الشذوذ الجنسي … وما ذاك إلا لأن كثرة المساس تميت الإحساس، فلم يعد الرجل يحن للمرأة، ولم تَعُدْ تَحِنُّ إليه؛ لأنهما سَئِمَ بعضهما من بعض، فانقلبت الفطر عندهما، وأصبح كل واحد منهما يتفنن في إشباع غرائزه بطريقة حيوانية، ومن العجب أن الشذوذ الجنسي في الحضارة الغربية أصبح أمرًا طبعيًّا لا غبار عليه إذا ما كان بين بالغين بدون إكراه … وتكونت آلاف الجمعيات التي تراعي شؤون الشاذين
стр. 847
جنسيًّا … وقد بلغ عدد هؤلاء الشاذين في الولايات المتحدة الأمريكية سبعة عشر مليونًا … وهناك معابد وكنائس في الولايات المتحدة تزوج الرجال على الرجال، والنساء على النساء في احتفالات خاصة.
وقد خصصت بعض الجامعات في الولايات المتحدة منحًا دراسية للشاذين ومن تلك الجامعات جامعة سير جورج وليامز التي تخصص كثيرًا من منحها الدراسية للمصابين بالشذوذ الجنسي … ولا يمكن الحصول على تلك المنحة إلا إذا كان المتقدم مصابا بالشذوذ الجنسي … وفي لوس أنجلوس فقط يجتمع ثلاثمائة ألف شاذ جنسيًّا (١).
د- نكاح المحرمات:
وفي السويد التي تعتبر قمة الحضارة … حيث أعلى مستوى المعيشة، فإن الدولة تدرس هناك قانونًا يبيح العلاقة الجنسية بين الأخ وأخته … ونشرت صحيفة الهير الدتريبيون في عددها الصادر في ٢٩/ ٦/ ١٩٧٩ م ملخصًا لأبحاث قام بها مجموعة من الأخصائيين من القضاة، والأطباء الأمريكيين حول ظاهرة غريبة ابتدأت في الانتشار في المجتمع الأمريكي، وفي المجتمعات الغربية بصورة عامة … وهي ظاهرة نكاح المحرمات، ويقول الباحثون: إن هذا الأمر لم يعد نادر الحدوث، وإنما هو منتشر لدرجة يصعب تصديقها، فهناك عائلة من كل عشر عائلات أمريكية يمارس فيها الشذوذ، والأغرب من هذا أن الغالبية العظمى (٨٥%) من الذين يمارسون هذه العلاقات الشاذة مع بناتهم وأولادهم، أو بين الأخ وأخته، أو الأبن وأمه هم من العائلات المحترمة في المجتمع … والناجحة في
стр. 848
أعمالها، والتي لا تعاني من أي مرض نفسي، وليسوا من المجرمين ولا من العتاة، وإنما هم في الغالب من رجال الأعمال أو الفنيين الناجحين في أعمالهم وحياتهم … (١)؟!.
فإلى ما قاد الاختلاط، بغاء، أولاد زنى، اغتصاب، شذوذ، نكاح محرمات، وويلات وويلات … فهل من مدكر؟!!
• وفي ختام هذا المطلب أشيد بتجربة المملكة العربية السعودية الرائدة القائمة على منع الاختلاط، وفصل الجنسين، تطبيقًا لشرع الله، ولزومًا لهدي رسول الله ﷺ ، وأنادي جميع دول الإسلام أن تتحرر من التبعية الغربية، وتعود للتمسك بالكتاب والسنة، ففيهما النجاة، وقد لحق المرأة من الاختلاط تبعات أرهقت كاهلها أضف إلى إثارة الفتن، وتأجيج الشهوة.
وإليك سياق كلمة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ مؤسس المملكة العربية السعودية: « … وأقبح من ذلك في الأخلاق ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء بدعوى تهذيبهن وترقيتهن، وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لها حتى نبذن وظائفهن الأساسية، من تدبير المنزل، وتربية الأطفال، وتوجيه الناشئة التي هي فلذة أكبادهن، وأمل المستقبل إلى ما فيه حب الدين والوطن ومكارم الأخلاق، ونسوا واجباتهن الخلقية، من حب العائلة التي عليها قوام الأمم، وإبدال ذلك بالتهريج والخلاعة، ودخولهن في بورات الفساد والرذائل، واِدعاء أن ذلك من عمل التقدم والتمدن، فلا والله ليس هذا التمدن في شرعنا وعرفنا وعاداتنا، ولا يرضى أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أو إسلام أو
стр. 849
مروءة أن يرى زوجته أو أحدًا من عائلته أو من المنتسبين للخير في هذا الموقف المخزي.
هذه طريقة شائكة تدفع بالأمة إلى هوة الدمار، ولا يقبل السير عليها إلا رجل خارج من دينه، خارج من عقله، خارج من عربيته.
فالعائلة هي الركن الركين في بناء الأمم، وهي الحصن الحصين الذي يجب على كل ذي شمم أن يدافع عنها.
إننا لا نريد من كلامنا هذا التعسف والتجبر في أمر النساء، فالدين الإسلامي قد شرع لهن حقوقا يتمتعن بها لا توجد حتى الآن في قوانين أرقى الأمم المتمدنة.
وإذا اتبعنا تعاليمه كما يجب فلا نجد في تقاليدنا الإسلامية، وشرعنا السامي ما يؤخذ علينا، ولا يمنع من تقدمنا في مضمار الحياة، والرقي، إذا وجهنا المرأة إلى وظائفها الأساسية، وهذا ما يعترف به كثير من الأوروبيين من أرباب الحصافة والرأي، ولقد اجتمعنا بكثير من هؤلاء الأجانب، واجتمع بهم كثير ممن نثق بهم من المسلمين، وسمعناهم يشكون مر الشكوى من تفكك الأخلاق، وتصدع ركن العائلة في بلادهم من جراء المفاسد. وهم يقدّرون لنا تمسكنا بديننا، وتقاليدنا، وما جاء به نبينا من التعاليم العالية التي تقود البشرية إلى طريق الهدى، وساحل السلامة، ويودون من صميم أفئدتهم لو يمكنهم إصلاح حالتهم هذه التي يتشاءمون منها، وتنذر ملكهم بالخراب والدمار والحروب الجائرة … إني لأعجب أكبر العجب ممن يدّعي النور والعلم وحب الرقي لبلاده من هذه الشبيبة التي ترى بأعينها، وتلمس بأيديها ما نوهنا به من الخطر الخلقي الحائق بغيرها من الأمم، ثم لا ترعوي عن ذلك، وتتبارى في طغياها، وتستمر في عمل كل أمر يخالف تقاليدنا
стр. 850
وعاداتنا الإسلامية العربية، ولا ترجع إلى تعاليم الدين الحنيف الذي جاءنا به نبينا محمد ﷺ .. » (١).
فرحمه الله كما كان عظيم السياسة، ظاهر الحنكة، عميق النظرة، قاد بلاده للتطور والنجاح والانفتاح على كل مفيد وجديد وفق ضوابط الشرع، وحذا أبناؤه حذوه في سياسته -فوفقهم الله، وأعانهم-.
стр. 851
الفصل الخامس شبهات حول قضايا المرأة الاجتماعية
ويتناول هذا الفصل أربعة مباحث:
المبحث الأول: القوامة.
المبحث الثاني: ضرب المرأة.
المبحث الثالث: تعدد الزوجات.
المبحث الرابع: الطلاق.
стр. 852
توطئة:
وما فَتِئ أعداء الدين الحاقدون يثيرون الشبهات حول النصوص الشرعية فيما يتعلق بقضايا المرأة الاجتماعية، مقتطعين من دلالات الكتاب والسنة المتكاملة التي يفسر بعضها بعضًا ما يغررون به أنصاف المتعلمين أو المتعالمين، ويدسون السم في العسل باسم «تحرير المرأة» زعموا، رافعين شعارات العدل والحرية، وويل أم من أطاعهم، ووظفوه لنيّاتهم الفاسدة التي أخبر عنها ربنا فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (١).
وتأمل -حفظك الله- في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ فإن فيه معنى الدوام والاستمرار، وبيان استحكام العداوة، والإصرار على الفتنة في الدين، ثم انظر إلى غايتهم ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ الحق، إلى دينهم الباطل، وإضافة الدين للمؤمنين؛ لتذكير ما بينهما من العلاقة الموجبة لامتناع الافتراق، ثم طمأن الله قلوب عباده المؤمنين فقال: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ إشارة إلى تصلبهم في الدين، وثبات قدمهم فيه، فكأنه قال: وأنّى لهم ذلك (٢).
يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٣).
стр. 853
المبحث الأول: القوامة
يصور أعداء الدين «القوامة» في شريعة الإسلام على أنها تسلط الرجل على المرأة، وأنها تتعارض مع مبدأ حرية المرأة ومساواتها بالرجل (١)، وأن هذا المبدأ ليس إلا بعض مخلفات عهد استعباد النساء، ويرون أن تفرد الرجل بالسلطة لم يعد مقبولًا في زمان استعادت فيه المرأة مكانتها الاجتماعية، ودرست نفس المفاهيم التي يدرسها الرجل، ونالت أعلى الشهادات، واكتسبت خبرة واسعة في الحياة.
وللطعن في مفهوم القوامة في الإسلام يستشهد. ممارسات بعض أفراده، والمنتسبين إليه، وليت شعري أي ظلم ظلموا أنفسهم به حين فسروا الدين من خلال مزاولات أفراده، مع انتساب هؤلاء إلى العلم ومناداتهم به!
إن تفسير «القوامة» العلمي لا بد أن يُفهم في ضوء الكتاب والسنة على حسب ما تقتضيه مناهج البحث العلمي لا البحث المبني على أهواء النفوس المسعورة المولعة بمهاجمة الإسلام والنيل منه، ولو أن هؤلاء وظفوا أبحاثهم وطاقاتهم لتفسير القوامة الصحيح الذي حمى الله به حق المرأة، وحِفظ به كرامتها، لكان لهم أفيد.
стр. 854
مناقشة الشبهة حول القوامة:
١ - بيان معنى القوامة:
ل ابد من بيان معنى «القوامة» وتحرير لفظه، وما عرفته العرب في لغتهم عن القوامة؛ ليفهم من خلاله الحكمة في اختيار هذا اللفظ، وجعله للرجل دون المرأة.
- قال ابن منظور: «قال ابن بريِّ: قد يجيء (القيام) بمعنى المحافظة والإصلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١) … و (القوام) العَدْل، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢) … قال الجوهري: وقيِّم القوم الذي (يقومهم) ويسوس أمرهم. قال أبو الفتح ابن جي: قيِّم المرأة: زوجها؛ لأنه يقوم بأمرها، وما تحتاج إليه. وقام الرجل على المرأة: صانها. وفي التنزيل العزيز: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إنما هو من قولهم: قمت بأمرك. فكأنه -والله أعلم- قال: الرجال متكفلون بأمور النساء، معنيون بشؤونهن» (٣).
ومما تقدم من المعاني مجتمعة نخلص إلى أن (القِوامة) تأتي بمعنى المحافظة، والسياسة، والنظام، ويشتق منها (القيِّم) بمعنى الذي يسوس الأمور، ويختبر الطرق؛ ليعرف أصلحها وأنسبها.
و (القَوَام) يأتي بمعنى العدل، مما يعني أن المرشح للقوامة يجب أن يكون عادلًا مع المرأة -أمًّا، أو أختًا، أو زوجة، أو بنتًا? والعدل يتطلب منه الإنصاف من
стр. 855
نفسه أولًا، فلا يتبع الهوى فيضله عن السبيل الأقوم، فيظلم، أو يبخس.
فالرجل (قِوام) أهل بيته من النساء، والذرية، والموالي، يقيم شأنهم، ويكفيهم الحاجة، ويكون (قيِّما) على سلوكهم، يرشدهم، ويدلهم إلى الأصلح.
واستخدام القرآن صيغة المبالغة في لفظ القِوامة فقال (قوّامون) لترسيخ حق الرعاية، والقيام بالشؤون.
٢ - الحكمة من جعل القِوامة للرجال دون النساء:
إن مما لا ينازع فيه عاقل أن الأسرة تجمُّع يَجْمع بين جنسين، ومن مقتضى أمور الحياة أن كل تجمع لا بد له من قائد، ورئيس من بين أفراده؛ ليتولى مهام إصدار القرارات، والإشراف على تنفيذها، ومهما تكن درجة الشورى والديمقراطية في التجمع فلا غنى له في النهاية عن القائد والرئيس الذي يوازن بين المنشورات والآراء المعروضة عليه؛ ليصدر من بينها قراره التنفيذي، فليست الشورى والديمقراطية في أعلى صور تحققهما بمغنية عن منصب الزعيم القائد، وحيث كان الأمر كذلك فإنه فيما يتصل بالأسرة كتجمع فلا بد أنا محتاجة القيادة، إما أن تكون من الرجال أو من النساء، والله تعالى يخبرنا أن ج نس الرجل هو المهيأ بما أودعه الله فيه من صفات لهذه القيادة، وبما أوجبه من النفقات المالية تجاه الأسرة (١).
والحكمة من جعل القوامة للرجال دون النساء، تظهر في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (٢).
стр. 856
فالقوامة للرجال لسببين:
١ - ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي للرجال فضيلة في زيادة العقل والتدبير، ولذا جعل لهم حق القيام على النساء، كما أن للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء؛ لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة؛ فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام بذلك (١)، والمولى جل وعلا زوّد المرأة بالرقة والعطف وسرعة الانفعال والاستجابة العاجلة لمطالب الطفولة؛ لأن الضرورات الإنسانية العميقة كلها حتى في الفرد الواحد لم تترك لأرجحة الوعي، والتفكير، وبطئه، بل جعلت الاستجابة لها غير إرادية؛ ليسهل تلبيتها فورًا، وفيما يشبه أن يكون قسرا، ولكنه قسر داخلي غير مفروض من الخارج، ولذيذ ومستحب في معظم الأحيان كذلك؛ لتكون الاستجابة سريعة من جهة، ومريحة من جهة أخرى -صنع الله الذي أتقن كل شيء- وزود الرجل بالخشونة والصلابة وبطء الانفعال والاستجابة، واستخدام الوعي والتفكير قبل الحركة والاستجابة؛ لأن وظائفه كلها من الصيد إلى الجهاد تحتاج إلى قدر من التروي قبل الإقدام، وإعمال الفكر قبل الخطو. وهذه الخصائص تجعله أقدر على القوامة وأفضل في مجالها (٢).
ثم إن علماء الإدارة: يقولون: الرئيس رجل، ويظهر هذا جليًّا في رئاسة الدول، والوزارات، والهيئات العلمية، والشركات، بل وعلى مستوى الأسر في الغرب، فعلام يدل ذلك؟! على أن صناعة الإشراف والرياسة متوافرة في الرجل
стр. 857
بطبعه أكثر من توافرها في المرأة (١).
بل إن المرأة نفسها تتوق إلى قيام هذه القِوامة على أصلها الفطري في الأسرة، وتشعر بالحرمان والنقص وقلة السعادة عندما تعيش مع رجل لا يزاول مهام القوامة، وتنقصه صفاتها اللازمة؛ فيكل إليها هذه القوامة، وهي حقيقة ملحوظة تسلِّم بها حتى المنحرفات الخابطات في الظلام؟!.
٢ - ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ويأتي السبب الآخر في جعل القوامة للرجل وهو الإنفاق، وفي القانون العالمي «من ينفق يشرف» وهذا ما نصت عليه الآية، وفهم العلماء من قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أن الزوج من عجز عن نفقة الزوجة لم يكن قوامًا عليها، وإذا لم يكن قوامًا عليها كان لها فسخ العقد الزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح، وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهذا مذهب مالك والشافعي (٢).
«فقوامة الرجال مستحقة بتفضيل الله لهم، ثم بما فرض عليهم من واجب الإنفاق، وهو واجب مرجعه إلى واجب الأفضل، وليس مرجعه إلى مجرد إنفاق المال، وإلا لانتفى الفضل إذا ملكت المرأة مالًا يغنيها عن نفقة الرجل، أو يمكنها من الإنفاق عليه» (٣).
- ولهذا حرّم الإسلام على غير المسلم أن يتزوج المسلمة؛ كيلا تتحقق فيها
стр. 858
قوامته عليها، وهي أفضل منه عقيدة؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) وأي سبيل أعظم من القوامة، وحق الطاعة؟!.
- وجاء اللفظ القرآني «الرجال قوامون على النساء» ولم يقل: الذكور قوامون على الإناث؛ لأنه ليس كل ذكر قائمًا على الأنثى؛ فقد يكون الذكر طفلًا ناقص الأهلية لا يملك حق القوامة على نفسه فضلًا عن غيره، ولا يستطيع القيام على شؤونه، فكيف يكون قواما على المرأة، بل تكون المرأة والحالة هذه هي الوصية على الذكر (٢). فتأمل.
٣ - القوامة تكليف ومسؤولية:
إن القوامة في الإسلام تكليف لا تشريف، ومغرم لا مغنم، ومسؤولية وقيادة، وليست تعسفًا واستبدادًا؛ ولذلك أمر الله الرجال بالعشرة بالمعروف مع زوجاتهم فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣).
- بل إن آية القوامِة ذاتها دليل على أن القوامة ليست تعسفًا واستبدادًا، وتأمل قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ
стр. 859
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (١) ففصل الله تعالى مراحل طاعة المرأة للرجل بعد أن قرر قِوامته عليها، وما هذا إلا دليل قاطع على أن الإسلام يعطي أهمية كبيرة جدًّا لتنظيم ممارسة هذا الحق من قبل الرجل، فيرسم له علاج نشوز الزوجة، ولا يكله إلى حق قوامته المتقرر
- والقوامة عبء على الرجل تلزمه بالسعي في الأرض، وشق الأنفاق، وتحمل المشاق في سبيل كفالة الأسرة، وتوفير الأمن والأمان لها، فهي عبء عليه، وتقييد له تلزمه أن يوفر الأمن، وكفاية الرزق لجوهرته، وهاتان النعمتان امتنَّ الله بهما على قريش فقال: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢) ومن البدهي أن الإنسان العاقل، المتصف برجحان عقله، إذا كان في حوزته من المقتنيات ما هو غالي الثمن، وكان مما يُغري الآخرين بسرقته والاستيلاء عليه عُنوة، جعله في حرز مكين، وموضع أمين، بعيدًا عن متناول الأيدي الآثمة التي لا تفرق بين حلال وحرام، ومن لم يفعل ذلك عُدَّ سفيهًا، قاصرًا، ليس له حق الولاية على غيره، فكيف بولي أمر المرأة، وهي أرقى وأثمن من جميع مقتنيات الأرض، أن يتهاون في شأن المحافظة عليها بشتى الوسائل، والطرق بل ويجهد في ذلك.
- ولقد فطنت المحامية الفرنسية «كريستين» إلى هذه الحقيقة حين زارت الشرق المسلم، فكتبت تقول: «سبعة أسابيع قضيتها في زيارة كل من بيروت، ودمشق، وعمان، وبغداد، وها أنا ذا أعود إلى باريس … فماذا وجدت؟ وجدت رجلا يذهب إلى عمله في الصباح … يتعب … يشقى … يعمل … حتى إذا كان المساء عاد إلى زوجته ومعه الخبز، ومع الخبز حب، وعطف، ورعاية لها ولصغارها. الأنثى في تلك البلاد
стр. 860
لا عمل لها إلا تربية جيل، والعناية بالرجل الذي تحب، أو على الأقل بالرجل الذي كان قدرها. في الشرق تنام المرأة وتحلم وتحقق ما تريد، فالرجل قد وفر لها خبزًا وحبًا وراحة ورفاهية، وفي بلادنا حيث ناضلت المرأة من أجل المساواة، فماذا حققت؟ انظر إلى المرأة في غرب أوروبا، فلا ترى أمامك إلا سلعة، فالرجل يقول لها: انهضي لكسب خبزك، فأنت قد طلبت المساواة، وطالما أني أعمل فلا بد أن تشاركيني في العمل لنكسب خبزنا معًا. ومع الكد والتعب والعمل لكسب الخبز، تنسى المرأة أنوثتها، وينسى الرجل شريكته في الحياة بلا معين ولا هدف» (١).
فوا عجبي لمن يبحث عن شقاء نفسه، بل وينادي به؟!.
• أختم هذا المبحث ب رسالة أرسلها إلى أخي المسلمة:
أولها: إن علاقة الرجل بالمرأة علاقة تكاملية لا تنافسية فليس بينهما عداء، بل المودة والرحمة والسكن هو المطلب من الارتباط: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢).
ثانيها: إن دعوة المرأة الغربية لإلغاء قِوامة الرجل عليها، لها ما يبررها، يترجم ذلك واقعها البئيس فهي تعمل وتكدح وتنفق على نفسها دون أي مسؤولية على الرجل (٣)، وفيه من الظلم لها ما فيه؟!.
وقد عرضت بريطانية مطلقة اسمها (مانيس جاكسون) ابنها الوحيد للبيع
стр. 861
بمبلغ ألف جنيه، والمبلغ يشمل ملابس الطفل وألعابه، وقد قالت: إما باعت ابنها؛ لأنها لا تستطيع الإنفاق عليه، وليس لديها دخل لإعاشته (١).
ثالثها: القِوامة في الإسلام ليست قضية أو مسألة عرف، وعادة، أو قانون وضعه الرجل للسيطرة على المرأة، وإنما هي تشريع رباني روعي فيه خصائص الخلق والتكوين لكل منهما، وروعيت فيه مصلحة الأسرة، فوجب على المؤمن والمؤمنة السمع والطاعة: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢).
стр. 862
المبحث الثاني: ضرب المرأة
يثير البعض استغرابًا عجيبًا، وتساؤلات عدة حول «ضرب المرأة» وتثور قضية الضرب في ترتيبات العلاقة الأسرية والإنسانية بشكل حاد، وتأخذ موقعًا خاصًا حيث إنه وردت الإشارة إليها في نص قرآني؛ ولأن تأويلاتها التاريخية انصرفت، وانصرفت أفهام الناس وممارساتهم فيها إلى معاني اللطم والصفع والصفق والجلد وما شابه، وما يستتبع ذلك من مشاعر الألم والمهانة، بغض النظر عن قدر المهانة، ومدى هذا الألم أو الأذى البدني.
وانقسم الناس حيال هذا النص بين غال وجاف، وإليك بيان هذه الشبهة ونقضها:
يقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (١).
بعد أن قرر الله حق القوامة للرجل، شرع في تفصيل أحوال
стр. 863
النساء، وبيان كيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن، وقسمهن إلى:
١ - ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. وتأمل أوصاف المرأة الصالحة ﴿قَانِتَاتٌ﴾ قال الطبري: يعني مطيعات الله ولأزواجهن (١)، ويقول شيخ الإسلام: هي المداومة على طاعة زوجها (٢).
فالمرأة الصالحة هي المطيعة لزوجها، المداومة على ذلك من غير انقطاع، ولا يكون ذلك إلا إذا أطاعته امتثالًا لأمر الله ، واختار سبحانه لفظ «قانتات» ولم يقل «طائعات» لأن مدلول اللفظ الأول نفسي شامل، وظلاله رخية ندية، وهو الذي يليق بالسكن والستر والصيانة بين شطري النفس الواحدة، ويتناسب مع طبيعة المؤمنة الصالحة الملازمة لكل خير بحكم إيمانا وصلاحها (٣).
دل على ذلك ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق فهذا يقتضي أن كل امرأة صالحة فهي ولا بد أن تكون قانتة مطيعة (٤).
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي حافظة لنفسها وبيتها، ومال زوجها، وسره، ولا شك أن المعنى يعم جميع ما ذكر، وهذا وجه من أوجه الإعجاز القرآني اللغوي إذ يعطي اللفظ القليل المعاني الكثيرة، فترتسم بذلك أبعاد الصورة التي يفهمها الإنسان وهو يتلو كتاب ربه ، ومن اللطائف أن عبر بلفظ (الغيب) ولهذا مقاصده ودلالاته، فالمرأة الصالحة تحفظ أمر نفسها وزوجها
стр. 864
في غيابه، وبالأولى في حضوره؛ لأنها لا تفعل ذلك خوف سلطته وعقوبته، إنما تفعله ابتغاء وجه الله وطلب مرضاته (١)، وفي الآية ملمح إيماني آخر جدير بالتأمل والاعتبار وهو قوله سبحانه ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ فالذي يحفظ هو الله، وما التوفيق إلا منه سبحانه، وهذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، وفيه وجه آخر من باب إضافة المصدر إلى المفعول، ويكون المعنى أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب حفظها الله في حدوده وأوامره، ومن ذلك طاعة زوجها (٢).
وهذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان التأديب (٣)، لا الوعظ ولا الهجر ولا الضرب؛ لقيامهن بحقوق أزواجهن ابتداءً، فلله در من كانت تلك صفاتها.
• ثم بيّن الله للرجل القسم الثاني من النساء بقوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
ونشوز المرأة مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، والمرأة الناشز هي التي ارتفعت عن طاعة زوجها، يقول ابن الأثير: «يقال: نشزت المرأة على زوجها، فهي ناشز وناشزة إذا عصت عليه، وخرجت عن طاعته، ونشز عليها زوجها إذا جفاها وأضر بها، والنشوز كراهة كل واحد منهما صاحبه، وسوء عشرته» (٤) فالمرأة
стр. 865
الخارجة عن طاعة زوجها كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء (١).
• وفسر بعض العلماء خوف النشوز بتوقعه، يقول الرازي: «واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في المستقبل، قال الشافعي: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قد يكون قولًا، وقد يكون فعلًا، فالقول مثل إن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت، والفعل مثل إن كانت تقوم إليه إذا دخل عليها، أو كانت تسارع إلى أمره، وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إنما تغيرت عن كل ذلك، فهذه أمارات دالة على نشوزها وعصيانها، فحينئذ ظن نشوزها، ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز» (٢).
وقال آخرون معنى تخافون أي: تعلمون وتتيقنون، وذهبوا في ذلك إلى أن وقوع النشوز هو الذي يوجب الوعظ، واحتجوا في جواز وقوع الخوف بمعنى اليقين بقول أبي محجن:
ولا تدفني بالفلاة فإنني … أخاف إذا ما مِتّ أن لا أذوقها (٣)
ويَرِدُ سؤال للمتأمل: لِمَّ استبدل لفظ العلم، بلفظ الخوف، أو لِمَ لَمْ يقل: واللاتي ينشزن؟
لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة وهي أن الله تعالى لما كان يحب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراض والتام، لم يشأ أن يسند
стр. 866
النشوز إلى النساء إسنادًا يدل على أن من شأنه أن يقع منهن فعلًا، بل عبر عن ذلك بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أّلا يقع؛ لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام الفطرة، وتطيب به المعيشة، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة، وما هو الأولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها، وحسن التلطف في معاملتها، حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يؤول إلى الترفع، وعدم القيام بحقوق الزوجية فعليه أن يسلك سبل التأديب المشروعة (١).
• ثم ابتدأ الرب جل وعلا في ذكر علاج نشوز المرأة مرتِّبًا لها في أمورٍ ثلاثة: الوعظ، ثم الهجر، ثم الضرب، فلا يقدم أحدهما على الآخر بل يأتي بها مرتبة، وهذا الذي يدل عليه السياق، والقرينة العقلية، إذ لو عكس استغنى بالأشد عن الأضعف، وإلا فالواو لا تدل على الترتيب، وكذا الفاء في ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع، فالقول بأنها أظهر الأدلة على الترتيب ليس بظاهر، والترتيب مستفاد من دخول الواو على أجزاء مختلفة في الشدة والضعف مترتبة على أمر متدرِّج، فإنما النص هو الدال على الترتيب (٢).
يقول الرازي: «وبالجملة فالتخفيف مراعي في هذا الباب على أبلغ الوجوه، والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب. وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق» (٣).
стр. 867
ومن هنا يعلم أن علاج نشوز الزوجة على مراحل ثلاثة:
١ - ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي: انصحوهن بالترغيب والترهيب، فتذكر بما أوجبه الله عليها من حسن الصحبة، وجميل العشرة للزوج (١).
والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من الله وعقابه، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا شماتة الأعداء، والمنع من بعض ما ترغبه من ثياب حسنة وحلي، والعاقل من الرجال لا يخفى عليه ما يؤثر في قلب امرأته (٢).
٢ - ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ و حين لا يؤتي الوعظ ثمرته، يأذن الله تعالى للرجل أن ينتقل من الوعظ إلى الهجر، قال الحافظ: «واختلف أهل التفسير في المراد بالهجران، فالجمهور على أنه ترك الدخول عليهن، والإقامة عندهن على ظاهر الآية، وهو من الهجران وهو البعد، وظاهره أنه لا يضاجعها، وقيل المعين: يضاجعها ويوليها ظهره، وقيل يمتنع من جماعها، وقيل: يجامعها ولا يكلمها، وقيل «اهجروهن» من الهُجر بضم الهاء، وهو الكلام القبيح أي: اغلظوا لهن في القول، وقيل: مشتق من الحجار وهو الحبل الذي يشد به البعير، يقال: هجر البعير، أي ربطه، فالمعنى أوثقوهن في البيوت، واضربوهن، قاله الطبري (٣) وقواه، واستدل له، ووهاه ابن العربي (٤) فأجاد» (٥).
стр. 868
ومن هنا يتبين أن معنى الهجر: الترك، وينقسم إلى قسمين:
- هجر مضجع كما دلت عليه الآية ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
- أو هجر بيت، وعليه بوّب البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن. ويذكر عن مُعاوية بن حَيدة رفعه: ولا تهجر إلا في البيت (١). والأول أصح. ثم أورد حديث أم سلمة أن النبي ﷺ حلف لا يدخل على بعض نسائه شهرًا … الحديث.
قال الحافظ: قوله: «باب: هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن، كأنه يشير إلى قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ لا مفهوم له، وأنه تجوز الهجرة فيما زاد على ذلك كما وقع للنبي ﷺ من هجره لأزواجه في المشربة» (٢) وقال: « … والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرها، وبالعكس، بل الغالب أن الهجران في غير البيوت آلم للنفوس، وخصوصًا النساء؛ لضعف نفوسهن» (٣).
٣ - ثم انتقل في علاج الزوجة الناشز ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ وهذه الكلمة في كتاب الله ضوابط وأحكام إليك بيانها:
أ- ألا يلجأ الرجل إلى الضرب إلا للضرورة، وبعد استنفاد وسيلة الوعظ والهجر في المضجع، وتركه مع هذا أولى تأسيًا برسول الله ﷺ الذي ما ضرب شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله (٤)، ولأن خيار المسلمين لا
стр. 869
يضربون -كما سيأتي- بل جاءت أحاديث في النهي المطلق عن ضرب النساء منها ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: ما يكره من ضرب النساء، وقول الله : ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي ضربًا غير مبرح (١) من حديث عبد الله بن زمعة عن النبي ﷺ : «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر النهار».
قال الحافظ: «قوله (باب ما يكره من ضرب النساء) فيه إشارة إلى أن ضربهن لا يباح مطلقًا، بل فيه ما يكره كراهة تنزيه أو تحريم على ما سنفصله … » ثم قال في شرح الحديث: «وفي سياقه (أي الحديث المتقدم) استبعاد وقوع الأمرين (أي: الضرب ثم المجامعة) من العاقل: أن يبالغ في ضرب امرأته، ثم يجامعها من بقية يومه أو ليلته، والمجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع ميل النفس، والرغبة في العشرة، والمجلود غالبًا ينفر ممن جلده، فوقعت الإشارة إلى ذم ذلك، وأنه إن كان ولا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير بحيث لا يحصل معه النفور التام، فلا يفرط في الضرب، ولا يُفْرِط في التأديب» (٢).
وأخرج الحميدي في المسند (٣)، وأبو داود في السنن (٤)، وابن ماجه في السنن (٥)، والنسائي في السنن (٦)، وابن حبان في صحيحه (٧)، والحاكم في
стр. 870
المستدرك (١)، والبيهقي في الكبرى (٢) من حديث إياس بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تضربوا إماء الله «فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئِرن (٣) النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» واللفظ لأبي داود.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤).
وتأمل «ولن يضرب خياركم» فما أشبه هذه الرخصة بالحظر.
قال الحافظ: «وفي قوله (لن يضرب خياركم) دلالة على أن ضربهن مباح في الجملة، ومحل ذلك أن يضربها تأديبًا، إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل، ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل؛ لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجية» (٥)، واعلم أن الضرب علاج، والعلاج إنما يحتاج إليه عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.
стр. 871
ب- الشريعة الإسلامية قيدت استخدام الضرب بقيود:
١ - ألا يوالي الضرب في محل واحد، وأن يتقي الوجه، لأنه مجمع المحاسن (١). وقد تقدم (٢) من حديث معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» قال أبو داود: ولا تقبح أن تقول: قبحك الله» قال ابن قدامة في المغني (٣): «وعليه أن يجتنب الوجه، والمواضيع المخوفة؛ لأن المقصود التأديب لا الإتلاف».
٢ - ألا يضرب بسوط ولا عصا، وأن يراعي التخفيف في هذا التأنيب على أبلغ الوجوه (٤)؛ ولذا جاء في الحديث النهي عن الجلد فقال: «لا يجلد أحدكم امرأته».
وجاء عن ابن عباس وعطاء أن الضرب يكون بالسواك وما أشبهه (٥).
٣ - ألا يكون الضرب مبرحًا، وقد تقدم من حديث جابر (٦) أن النبي ﷺ قال في خطبة الوداع: « … فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح».
стр. 872
قال النووي: « … وأمّا الضرب المبرح فهو الضرب الشديد الشاق، ومعناه: اضربوهن ضربًا ليس بشديد ولا شاق، والبرح المشقة» (١) وفسّره الفقهاء بأنه الذي لا يكسر عظمًا، ولا يشين شيئًا؛ لأن القصد منه الإصلاح والتأديب، لا التشفي والهلاك (٢).
فإن اعتدى الرجل في ضرب زوجته حتى أفضى إلى التلف، فقد وجب الغرم على مسائل القصاص في كتاب الحدود، يقول النووي: «فإن أفضى إلى تلف وجب الغرم؛ لأنه تبين أنه إتلاف، لا إصلاح، ثم الزوج وإن جاز له الضرب، فالأولى له العفو» (٣).
• ثم ختم الرب جل وعلا الآية بقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، فإذا رجعت المرأة عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقًا على سبيل التعنت والإيذاء (٤)، يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «أي إن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية، فلا تبغوا بتجاوزها إلى غيرها طريقًا، فابدؤوا بما بدأ الله به من الوعظ، فإن لم يفد فليهجر، فإن لم يفد فليضرب» (٥) وتأمل ختم الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ بصفتي العلو والكبر لله سبحانه، وهذا في غاية الحسن. وبيانه من وجوه:
стр. 873
الأول: أن المقصود منه تمديد الأزواج على ظلم النساء، والمعنى أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه عليّ قاهر ينتصف لهن منكم، ويستوفي حقهن منكم، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدًا منهن، وأكبر درجة منهن.
الثاني: أنه تعالى مع علوه وكبريائه، لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا ثابت المرأة عن نشوزها، فأنتم أولى أن تقبلوا توبتها، وتتركوا معاقبتها.
الثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه، لا يكلفكم ما لا تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن ما لا يطقن، ثم أنتم تؤدبونهن على ذلك (١).
يقول القرطبي: «في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب؛ أي إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله عليكم» (٢).
• الإسلام لم يعالج نشوز الزوجة فحسب بل عالج نشوز الزوج أيضًا، يقول تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣).
والمتأمل لما سبق يقف على الآتي:
١ - الزوجة الصالحة القانتة لا سبيل للرجل لتأديبها بالوعظ فضلًا عن الضرب.
стр. 874
٢ - الضرب آخر مراحل علاج نشوز الزوجة، ولا يقدمه الرجل على الوعظ والهجر.
٣ - وإن أباح الإسلام ضرب المرأة للتأديب إلا أن خيار المسلمين لا يفعلونه تأسيًّا برسول الله ﷺ .
٤ - قَيَّدَ الإسلام ضرب المرأة بشروط وضوابط.
٥ - إنْ ضرب الرجل زوجته فأفضى إلى تلف فقد وجب الغرم.
٦ - إن أطاعت المرأة زوجها، وانفكت عن نشوزها حَرُم على الرجل إيذاؤها.
٧ - الضرب بالسواك وما شابهه أقل ضررًا من إيقاع الطلاق بالمرأة، لأن الطلاق هدم لكيان الأسرة وتمزيق لشملها، وإذا قيس بالضرر الأعظم كان ارتكاب الأخف أحسن أثرًا.
٨ - يقول العقاد: «ولا اعتراض لأحد من المتقدمين أو المتأخرين على عقوبة من هذه العقوبات جميعًا، فيما خلا العقوبة البدنية، وهو فيما يبدو لأيسر نظرة اعتراض متعجل في غير فهم، وعلى غير جدوى، وليس هذا الاعتراض بالجائز إلا على وجه واحد … وهو أن العالم لا تخلق فيه امرأة تستحق التأديب البدني، أو يصلحها هذا التأديب، وإنه لسخف يجوز أن يتحذلق به من شاء على نفسه … ولم يخل العالم الإنساني رجالًا ونساء ممن يعاقبون بما يعاقب به المذنبون، فما دام في هذا العالم امرأة من ألف امرأة تصلحها العقوبة البدنية، فالشريعة التي يفوقا أن تذكرها ناقصة، والشريعة التي تؤثر عليها هدم الأسرة مقصرة ضارة، وقد أجازت الشرائع عقوبة الأبدان للجنود، فإذا امتنع العقاب بغيرها لبعض النساء فلا غضاضة على النساء جميعًا في إباحتها، وما قال عاقل أن عقوبة الجناة تفضي إلى الأبرياء، وإلا
стр. 875
لوجب إسقاط جميع العقوبات من جميع القوانين» (١).
٩ - إن تحرير الإسلام للمرأة من الزوج الضارب، يزداد تأكدًا حين نطلع على المجتمعات التي يغيب الإسلام عنها وعن أفرادها، فنرى كم من الرجال يضربون زوجاتهم، وكيف يضربوهن، ويتعالون عليهن. أجريت دراسة أمريكية في عام ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م أشارت إلى أن ٧٩? من الرجال يقومون بضرب النساء، خاصة إذا كانوا متزوجين منهن، وكانت العينة من طلبة الجامعة، فإذا كان هذا بين طلبة الجامعة، فلا شك في أنه أعلى نسبة بين من هم دونهم تعليمًا.
- وفي دراسة أعدها المكتب الوطني الأمريكي للصحة النفسية جاء فيها أن ١٧% من النساء اللواتي يدخلن غرف الإسعاف هن ضحايا ضرب الأزواج أو الأصدقاء، وأن ٨٣% دخلن المستشفيات سابقًا.
- وذكرت دراسة ألمانية أن ما لا يقل عن مائة ألف امرأة تتعرض سنويًّا لأعمال العنف النفسي أو الجسدي التي يمارسها الأزواج.
- وفي فرنسا تتعرض حوالي مليوني امرأة للضرب.
- وفي مدينة «أمستردام» في هولندا، عقدت ندوة اشترك فيها مئتا عضو يمثلون إحدى عشرة دولة، وكان موضوع الندوة «إساءة معاملة المرأة في العالم أجمع» وقالت إحدى المشاركات في الندوة: «إن مسألة إيذاء الزوجات متفشية في كل المجتمعات، وحتى زوجات القضاة والأطباء يلقين الأذى على أيدي أزواجهن، والسلطات غافلة عن هذه المشكلة المأساوية» (٢).
وهكذا يضرب غير المسلمين زوجاتهم، دون قيد، وحساب، ولأتفه الأسباب، فأين هم عن الإسلام الذي جعل الضرب الوسيلة الأخيرة في الإصلاح،
стр. 876
ضربًا لا يقصد منه الإيلام وإطفاء الغيظ، بقدر ما يقصد منه إعلان الأسف، وعدم الرضا بالسلوك. فهو ضرب إصلاح، وعلاج، لا ضرب إيلام وإزعاج.
ورحم الله الأول حيث قال:
رأيت رجالًا يضربون نساءهم … فشلّت يميني يوم أضرب زينبًا
- ثم لا تجد في الإسلام بيت الطاعة، تلك الصورة الكتيبة، التي يستعين فيها الرجل بالشرطة لإذلال المرأة، من أجل إكراهها على الطاعة، أو إسقاط المفروض لها من النفقات بأنواعها (١).
• وهكذا يتَّضحُ بجلاء عدل الإسلام في تشريع (الضرب) للتأديب، وضبطه، وتحديد وقته، فلله الحمد والمنة.
стр. 877
المبحث الثالث: تعدد الزوجات
تتجه سهام النقد -أحيانًا- في الوسط الإسلامي وغيره إلى تعدد الزوجات في الإسلام، وتستهجنه الاتحادات النسائية وأوساط الأسر، والمرأة في الغالب بحكم طبيعتها تكره الضرائر، فتنعق بما ينادي به أهل الأهواء ممن كرسوا أفكارهم وأقلامهم للطعن في هذا الدين الذي تكفل الله ببقائه وإظهاره على الدين كله، فأدخلهم الشيطان في أسره وسخرهم لخدمته. ولا أعرف لماذا يثير الأعداء هذه القضية مع أن الدراسات الإحصائية أثبتت أن نسبة التعدد في الدول الإسلامية لا تتعدى (٧ - ١٠%) (١) وهي نسبة ضئيلة لا تستحق هذه الضجة.
نقْضَ شبهة تعدد الزوجات:
مما ينقض هذه الشبهة الآتي:
١ - لم ينفرد الإسلام بإباحة التعدد، بل كان التعدد مشروعًا في الأديان السماوية، يدل على ذلك في شرعة اليهود ما جاء في مواضع كثيرة من التوراة عن أبناء الأنبياء وغيرهم ممن عدوا زوجاتهم، فقد ورد في التوراة: «واتخذ لامك» لنفسه امرأتين اسم واحدة: «عاده»، واسم الأخرى: «صلتم»» (٢) وجاء فيها: «وإن يعقوب ﵇ تزوج ابنة خالته: «لا بان»، وأختها: «لبئة»، و «بلهة» جارية «أصيل»، و «زلفة» جارية «لبئة»» (٣).
стр. 878
وأخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «قال سليمان بن داود ﵉ لأطوفن الليلة على مائة امرأة -أو تسع وتسعين- كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله. فلم يقل إن شاء الله، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله. لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون» واللفظ للبخاري.
وقد يرى البعض أن الشريعة المسيحية بعيدة تمامًا عن تعدد الزوجات، لكن الحقيقة أنه لا يوجد نص واحد في النصرانية يمنع التعدد (٣). يقول الدكتور محمد بتاجي: «ومن المقطوع به -بعد ما عرضنا له في الصفحات السابقة- أن الذين شرعوا للطوائف المسيحية منع تعدد الزوجات لم يكونوا من الأنبياء الموحى إليهم، إنما كانوا بشرًا ذوي سلطات، ووظائف كنسية، ولا تزيد تشريعاتهم في نهاية الأمر عن أن تكون اجتهادًا بشريًّا لا يتصف بصفات العصمة عن الخطأ والقداسة والإلزام، ومن ثم يمكن تغييره باجتهاد آخر، إذا رأى من لهم السلطة الكنسية أنه يتضمن قدرًا أكبر من مصلحة الناس» (٤).
إذن فأمر تعدد الزوجات ليس مقصورًا على الشريعة الإسلامية، بل هو في شرائع سابقة له، لا لشيء إلا لأن إباحة تعدد الزوجات هو الأمر الذي يتفق مع الفطرة الصحيحة، ويتناسب مع جبلة الإنسان وطبيعته، ويراعي مصالحه وحاجاته.
стр. 879
٢ - الإسلام أباح التعدد (١)، إلا أنه قيده بشرطين:
أ- تحريم الزيادة على الأربع (٢). بوّب البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: لا يتزوج أكثر من أربع؛ لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وقال عليّ بن الحسين ﵉: يعني مثنى أو ثلاث أو رباع، وقوله جل ذكره: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣).
ب- وجوب العدل.
يقول تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (٤).
وتأمل شرط الله للعدل في قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، فالآية تدل على تحريم التعدد على من يخاف على نفسه ظلم زوجته؛ محاباة للأخرى؛ وتفضيلًا لها عليها، وعلى تحريمه بالأولى إذا كان عازمًا على هذا الظلم بأن كان يريد أن يضارها لكرهه لها (٥).
فعند الخوف من عدم العدل فضلًا عن تيقنه يحرم على العبد التعدد؛ لما فيه من
стр. 880
مفسدة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ وخلاصة القول في تقدير معنى (الخوف) في الآية، أن المسلم يجب عليه عند إرادة الزوجة الثانية -أو من بعدها- أن يقدر الأمر، ويرجع إلى شواهد حاله، ومقدرته النفسية، والمالية، والجسدية، فإن تيقن أنه لن يعدل، وجب عليه الاقتصار على الواحدة، وإن غلب على ظنه عدم العدل وجب أيضًا ألّا يعدد، ولا يباح له التعدد إلا إذا أمن الظلم، ووثق من إمكان العدل ويسره، أو غلب على ظنه.
وعلل سبحانه لمن خاف على نفسه عدم العدل وجوب الاقتصار على واحدة بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: ألا تحوروا ولا تظلموا، وهذا المعنى هو ما ذهب إليه أكابر علماء التفسير ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير وغيرهم، وهو مذهب جماهير المفسرين (١).
ووجوب العدل بين الزوجات يؤخذ أيضًا من سياق الآية يقول تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ يقول الشنقيطي في أضواء البيان (٢): «وقال بعض العلماء معنى الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أي إن خشيتم ذلك، فتحرجتم من ظلم