فعل من القسمين من فاعل١, ولا يغني عنه وجود المفعولين أو أحدهما:
أ- فأما أفعال القلوب٢ فمنها ما قد يكون معناه العلم. "أي: الدلالة على اليقين٣ والقطع"، ومنها ما قد يكون معناه الرجحان٤ والنوعان صالحان للدخول - مباشرة - على المبتدأ الصريح، وعلى المصدر المؤول من "أن مع معموليها"، أو: "أن والفعل مع مرفوعة"٥.
ويشتهر من الأفعال الأول٦ سبعة:
١- علم٧؛ مثل: علمت البر سبيل المحبة، وعملت المحبة سبيل القوة.
٢- رأى٨؛ مثل: رأيت الأمل داعي العمل، ورأيت اليأس رائد الإخفاق، وقول الشاعر:
стр. 737
رأيت لسان المرء وافد١ عقله ... وعنوانه؛ فأنظر بماذا تعنون؟ ٢
٣- وجد؛ مثل: وجدت ضعاف الأمم تهبًا لأقوياتها، ووجدت العلم أعظم أسباب القوة٣.
٤- دري؛ مثل: دريت المجد قريبًا من الدائب في طلبه، ودريت لذة إدراكه ماحية تعب السعي إليه.
٥- ألفي٤, مثل: ألفيت الشدائد صاقلة للنفوس، وألفيت إحتمالتها سهلًا على كبار العزائم.
٦- جعل؛ مثل: جعلت٥ الإله واحدَا، لا شك فيه.
٧- تعلم٦, مثل: "اعلم": مثل: تعلم وطنك شركة بين أبنائه، وتعلم نجاح الشركة رهنًا بالإخلاص والعمل.
стр. 738
ويشتهر من الأفعال الثانية١ ثمانية، هي:
١- ظن؛ مثل: ظن الطيار النهر قناة، وطن البيوت الكبيرة أكواخًا.
٢- خال٢, مثل: خال المسافر الطيارة أنفع له، وهو يحال الركوب فيها متعة.
٣- حسب؛ مثل: أحسب السهر الطويل إرهاقًا، وأحسب الإرهاق سبيل المرض، وقول الشاعر:
لا تحسبن الموت موت المبلي ... وإنما الموت سؤال الرجال٣
٤- زعم٤؛ مثل: زعمت الملاينة مرغوبة في مواطن، وزعمت التشدد مرغوبًا في أخرى.
стр. 739
(٥) عَدَّ؛ مثل: عدَّدت الصديق أخاً. وقول الشاعر:
فلا تَعْدُد المولَى (١) شريكَك في الغنى ... ولكنما المولَى شريكُكَ في العُدمِ (٢)(٦) حَجَا (٣) ؛ مثل: حَجَا السائحُ المِئذنة بُرْجَ مراقبة.
وقول الشاعر:
قد كنت أحْجُو أبا عمْروٍ أخاً ثقةً ... حتى ألَمَّتْ بنا يوماًَ مُلِمَّاتُ
(٧) جَعَلَ؛ مثل: جعل الصياد السمكةَ الكبيرةَ حوتاً.
وقوله تعالى في المشركين: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ... (٤) [الزخرف: ١٩]
(٨) هَبْ؛ ": هبْ مالَك سلاحاً في يدك؛ فلا تعتمد عليه وحده (٥) ...
وهذا الفعل دون بقية أفعال الرجحان السّالفة -جامد، ملازم صيغة الأمر (٦)
***
(ب) وأما أفعال التحويل (أو: التَّصيير) فأشهرها سبعة، ولا تدخل على مصدر مؤول من "أنَّ" مع معموليها، أو: من "أنْ" الفعل مع مرفوعه (٧) - وهي:
(١) صَيَّر؛ مثل: صَيَّر (٨) الصائغُ الذهب سبيكةً، وصَيَّر السبيكةَ سوَاراً.
стр. 740
(٢) جَعَلَ؛ مثل: جعل الغازلُ القطنَ خيوطاً، وجعل الحائك الخيوط نسيجاً (١) ...
وقول الشاعر:
اجعلْ شعارك رحمةً ومودةً ... إن القلوب مع المودة تُكْسَبُ
(٣) اتَّخذَ؛ مثل: اتخذ المهندسون الحديدَ والخشبَ باخرةً، واتخذ المسافرون الباخرةَ فُنْدُقاً.
(٤) تَخٍِذَ؛ مثل: تَخِذَت الحرارةُ الثلجَ ماءً، وتَخِذَت الماءَ بخاراً.
(٥) تَرَك؛ مثل: ترك الموجُ الصخورَ حصىً، وتركت الشمس الحصَى رمالا.
(٦) رَدَّ؛ مثل: ردّ الأمل الوجوهَ الشاحبةَ مُشْرقةً، وردّ النفوس اليائسة مستبشرةً.
(٧) وَهَبَ؛ مثل: وهَبَت الحَبَّ دقيقاً، ووهبت الدقيقَ عجيناً (٢) .
***
وفيما يلي بيان موجزَ للأفعال السابقة (٣) ، وأنواعها المختلفة:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
(١) ليس من اللازم -كما أشرنا (١) - أن يكون المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر حقيقة، بل يكفي أن يكون أصلهما كذلك ولو بشيء من التأويل المقبول، كالشأن في أفعال التحويل، وكالشأن في: "حسب"؛ مثل: صيرُ الفضة خاتَماً؛ إذ لا يصح المعنى بقولنا: الفضةُ خَاتَمٌ؛ لأن الخبر هنا لس هو المبتدأ في المعنى الحقيقي؛ فليست الفضة هي الخاتم، وليس الخاتم هو الفضة؛ إلا على تقدير هذه الفضة ستئُول (٢) إلى خاتم. ومثل: حسبت المِرِّيخَ الزُّهَرَة؛ إذ لا يقال على سبيل الحقيقة المحضة: المِرِّيخُ الزُّهَرة؛ لفساد المعنى كذلك؛ فليس أحدهما هو الآخَر، إلا على ضرب من التشبيه. أو نحو من التأويل السائغ، المناسب للتعبير. فالأول (أي: التشبيه) قد جعل المفعول الثاني بمنزلة ما أصله الخبر. وإن لم يكن خبراً حقيقياً في أصله.
هذا كلامهم. والواقع أنه لا داعي لهذا التمحل، والتماس التأويل؛ إذ يكفي أن يكون فصحاء العرب قد أدخلوا النواسخ على ما أصله المبتدأ والخبر حقيقة، وعلى ما ليس أصله الحقيقي المبتدأ والخبر، مما يستقيم معه المعنى المراد بغير غموض.
(ب) ليس من اللازم أن تدخل أفعال هذا الباب القلبية على المبتدأ والخبر لتنصب كلاًّ منهما مباشرة (٣) فقد تدخل على "أنّ" مع معموليها، أو: على "أنْ" مع الفعل؛ فيكون المصدر سادّاً مسد المفعولين (٤) ، مغنياً عنهما.
стр. 743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثل: علمت أن السباحة أسْلمُ من الملاكمة، وأظن أن العاقل يختار الأسلم وقول الشاعر:
يرى الجبناء أن الجبن حزمٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
ومثل: دَرَيت أن الكِبْرُ بغيض إلى النفوس الكبيرة، ووجدت أن صغائر الأمور محببة إلى النفوس الصغيرة. ومثل: من زعم أن يَخْدعَ الناسَ فهو المخدوع ومن حسب أن يدرك غايته بالتمني فهو مخبول (١) .
أما أفعال التحويل فلا تدخل على "أنّ" ومعمليها، ولا على "أنْ" والفعل مع فاعله (٢) ...
(ج) جرى بعض النحاة على تقسيم الأفعال القلبية السابقة أربعة أقسام، بدلاً من اثنين:
فلليقين وحده خمسة: وجد - تَعلمْ، بمعنى: اعلم - دَرى - ألْفَى - جعل.
وللرجحان وحده خمسة: جعل - حجا - عدّ - زعم - هبْ، بمعنى: ظُنّ.
وللأمرين والغالب اليقين، اثنان: رأى - علِم.
وللأمرين والغالب الرجحان، ثلاثة: ظنّ - خال - حَسِب.
стр. 744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكن التقسيم الثنائي أنسب، لأنه أدمج القسم الثالث فى الأول، والرابع في الثاني؛ نظراً للغلب عليهما، وتقليلاً للأقسام (١) ، واكتفاء بالإشارة إلى أن كل فعل يستعمل في معنىً آخر غير ما ذكر له، مع ضرب أمثلة لذلك:
١- فمن أفعال اليقين وألفاظه ما يستعمل في الرجحان؛ فينصب مفعولين أيضاً، وقد يستعمل في بعض المعاني الأخرى، فينصب مفعولاً به واحداً، أو لا ينصب؛ فيكون لازماً. كل ذلك على حسب معناه اللغوي الذي تدل عليه المراجع اللغويَّة الخاصة، وليس هنا موضع استقصاء تلك المعاني؛ وإنما نسوق بعضها: فمن الأمثلة: الفعل "عَلِمَ"؛ فإنه ينصب المفعولين حين يكون بمعنى: اعتقد وتيقن -كما سبق-؛ مثل: علمت الكواكبَ متحركةً. وقد يكتفي بمفعول به واحد في هذه الحالة؛ بأن نأتي بمصدر المفعول الثاني، وننصبه مفعولاً به، ونكتفي به، بعد أن نجعله مضافاً أيضاً، ونجعل المفعول الأول هو المضاف إليه. فنقول: علمت تَحَرّكَ الكواكب، فيستغني عن المفعول الثاني وعن تقديره.
ومن النحاة من لا يقصر هذا الحكم على "عَلِمَ"؛ بل يجعله عامًّا في جميع أفعال هذا الباب؛ فيحيز إضافة مصدر المفعول الثاني إلى المفعول الأول، والاكتفاء بهذا المصدر مفعولاً به واحداً (٢) .
وقد يكون بمعنى: "ظن" فينصب مفعولين أيضاً؛ مثل أعْلَمُ الجوَّ بارداً في الغد. فإن كان بمعنى: "عرف" نصب مفعولاً به واحداً (٣) ؛ مثل:
стр. 745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
علمت الخبر، أي عرفته (١) . وإن كان بمعنى: "انشَقّ" فهو لازم لا ينصب المفعول المفعول به؛ مثل عَلِم البعيرُ (٢) ، أي: انشقت شفته العليا ...
والفعل: "رأى" ينصب المفعولين إذا كان بمعنى: اعتقدَ وتيقَّن، أو:
стр. 746
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمعنى: "ظَنّ". وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى عن منكري البعث ويوم القيامة: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (١) [المعارج: ٦، ٧] فالفعل الأول بمعنى: "الظن" والثاني بمعنى: اليقين (٢) . وكلاهما نصب مفعولين. وكذلك إن كان معناه مأخوذاً من: "الحُلمُ" (أي: دالاًّ على الرؤيا المنامية) ، نحو: كنت نائماً؛ فرأيت الصديق مسرعاً إلى القطار (٣) .
فإن كان معناه الفهم وإبداء الرأي في أمر عقليّ فقد ينصب مفعولاً به واحداً، أو مفعولين، على حسب مقتضيات المعنى؛ مثل: يختلف الأطباء في أمر القهوة؛ فواحد يراها ضارَّةً، وآخر يراها مفيدةً إذا خلت من الإفراط. أو: واحد يرى ضررها، وآخرُ يرى إفادتها.
فإذا نظرت رأيت قوماً سادة ... وشجاعة، ومهابة، وكمالا
وقول الآخر:
إنّ العرانين تلقاها محسَّدة ... ولن ترى للئام الناس حسَّادا
стр. 747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ْوكذلك أن كان معناه أصاب: الرئة؛ مثل انطلق السهم فرأى الغزَالَ؛ أي: أصاب رئتهُ.
وقد أشرنا قريباً (١) إلى أن الأساليب العالية يتردد فيها الماضي: "رأى" -دون المضارع، والأمر، والمشتقات الأخرى- مسبوقاً بأداة استفهام. ومعناه: "أخْبِرني"؛ نحو: أرأيتَكَ هذا القمر، أمسكون هو؟ وينصب مفعولاً به، أو مفعولين، على حسب المراد من الأسلوب، وأوضحنا الأمر بإسهاب فيما سبق (٢) كذلك يتردد في تلك الأساليب وقوع المضارع: "أُرَى" مبنيّاً للمجهول -غالباً- على حسب السماع، وناصباً للمفعولين (٣) ؛ لأن معناه: "أظنُّ"
стр. 748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدال على الرجحان؛ نحو: كنت أُرى الرحلة مُتْعبة، فإذا هي سارّة.
ولا يكون معناه في الفصيح الوارد: "أعْلَمُ"؛ الدّال على اليقين، بالرغم
стр. 749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من أنّ الماضي: "أُريتُ" المبني للمجهول والمسند للضمير: "التاء" -لا يستعمل في الأكثر إلا بمعنى: "أُعْلِمْتُ" المفيد لليقين؛ مثل: أُرِيتُ الخير في مقاومة الباطل.
وكذلك يتردد في بعض الأساليب المسموعة وقوع المضارع: "تَرَى" قد حذف آخره، وقبله الحرف: "لا"، أو: "لو"، وبعده "ما" الموصولة في الحالتين. ومعناه فيهما: "لا سيَّما"، مثل: كرّمت الضيوف، لا تر ما عليّ -أو: كرّمت الضيوف لو ترما عليّ. والمعنى ولا سيّما عليّ (١) ...
والفعل: "وجَد" قد يكون بمعنى: "لقِيَ، وصادف"، فينصب مفعولاً به واحداً؛ نحو: وجدت القلم. وقد يكون بمعنى "استغنَى"، فلا يحتاج لمفعول؛ نحو: وَجَد الأبيُّ بعمله.
والفعل: "دَرَى" قد ينصب المفعولين كما سبق، والأكثر استعماله لازماً مع تعديته إلى مفعوله بحرف الجر: "الباء"؛ نحو: "دَرَيتُ بالخبر السارّ. فإن سبقته همزة التعدية نصب بنفسه مفعولاً آخر مع المجرور؛ نحو: قد أدريتك بالحبر السارّ (٢) . وكذلك يتعدى لواحد إن كان بمعنى: "ختلَ" (أي: خدَع) نحو: دَرَيت الصيد؛ بمعنى: ختلتهُ وخدعتهُ.
والفعل: "تعلَّمْ" ينصب المفعولين حين يكون جامداً بمعنى: "اعْلَمْ".
فإن كان مشتقًّا بمعنى: "تَعَلَّمْ" نصب مفعولاً به واحداً؛ مثل: تَعَلَّمْ
стр. 750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فنون الآداب (١) .
والفعل: "ألفَى" قد يكون بمعنى: "وَجَدَ" و"لَقِيَ" فينصب مفعولاً به واحداً؛ نحو: غاب عصفوري، ثم ألفيتُهُ.
٢- ومن أفعال الرجحان ما قد يستعمل في اليقين؛ فينصب المفعولين أيضاً.
وقد يستعمل في بعض المعاني اللغوية الأخرى؛ فينصب بنفسه مفعولاً واحداً؛ أوْ لا ينصبه؛ وذلك على حسب ما ترشد إليه اللغة. ومن أمثلة ذلك الفعل: "خال" فمعناه اليقين في نحو: إخالُ الظلمَ بغيضاً إلى النفوس الكريمة. وكذلك في نحو: حَسِبت المالَ وقايةً من ذل السؤال. فإن كان "حَسِبَ" (٢) بمعنَى: "عَدّ" نصب مفعولاً به واحداً؛ نحو: حَسَبت النقود التي معي. أي: عددتها. وإن كان معناه صار ذا بياض، وحمرة، وشقرة -كان لازماً؛ نحو: حَسِب الغلام ... و ...
والفعل: "جعل" إن كان بمعنى: "أوْجَد" أو بمعنى: "فَرَض وأوجب" -نصب مفعولاً به واحداً؛ نحو: جعل الله الشمس، والقمر، والنجوم، وسائر
стр. 751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المخلوقات، أى: أوجدها وخلقها (١) ..، ونحو: جعلت للحارس أجراً (٢) ، بمعنى فرضت له، وأوجبت عليّ ...
والفعل؛ "هبْ" ينصب مفعولاً به واحداً إن كان متصرفاً (٣) أمراً من الهبة؛ نحو: هبْ بعض المال لأعمال البرّ (٤) . أو أمراً من الهيبة؛ نحو: هبْ ربَّك في كل ما تقدم عليه من عمل. وهكذا (٥)
стр. 752
شروط إعمالها:
يشترط لإعمال هذه النواسخ بنوعيها القلْبيّ والتحويليّ، أن يكون المبتدأ الذي تدخل عليه صالحاً للنسخ على الوجه الذي سبق تفصيله وتوضيحه عند بدء الكلام على النواسخ (١) . وملخصه:
أن النواسخ بأنواعها المختلفة لا تدخل على شيء مما يأتي:
(١) المبتدأ الذي له الصدارة الدائمة في جملته؛ بحيث لا يصح أن يسبقه منها شيء. ومن أمثلته: أسماء الشرط -أسماء الاستفهام - كَم الخبرية - المبتدأ المقرون بلام الابتداء ... (نحو: من يكثُر مزحُه تَضعْ هيبته. من ذا الذي ما ساء قط؟ كَمْ من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله!!. لَكلمةُ حقّ في وجه حاكم ظالم أفضلُ عند الله من اعتكاف صاحبها يوما في المسجد) .
ويستثنى من هذا النوع الذي له الصدار في جملته -ضمير الشأن (٢) فيجوز أن تدخل عليه النواسخ بأقسامها المختلفة؛ نحو حَسِبته "الحقُّ واضح".
لكن تختص النواسخ في هذا الباب -دون غيرها من النواسخ- بجواز دخولها على المبتدأ الذي هو اسم استفهام، أو المضاف إلى اسم استفهام. وإذا دخلت على أحدهما وجب تقديمه عليها؛ نحو: أيًّا ظننتَ أحسنَ؟ وغلامَ أيٍّ حسبتَ أنشطّ؟.
ولا تدخل على أحدهما "كان" ولا "إن" ولا أخواتهما؛ منعاً للتعارض؛ إذ الاسم في بابي "كان" و"إنَّ" وأخواتهما لا يصح تقديمه على الناسخ. فلو وقع الاسم أحدهما لامتنع تقديمه على الناسخ؛ تطبيقاً لهذا الحكم، مع أن الاستفهاك لابد أن يتقدم (٣) .
стр. 753
(ب) المبتدأ الملازم للابتداء بسبب غيره؛ كالاسم الواقع بعد "لولا"؛ الامتناعية، أو بعد "إذا" الفجائية؛ فإنه لا يكون إلا مبتدأ؛ إذ لا يصح -في الرأي الأشهر- دخول أحدهما على غير المبتدأ؛ نحو: لولا العقوبةُ لزادت الجرائم. ونحو؛ فتحت الكتاب؛ فإذا الصّوَرُ فاتنة.
(ج) المبتدأ الذي يجب حذفه بشرط أن يكون أصلُ خَبَرِه نعتاً مقطوعاً (١) نحو: شكراً للمتعلم، النافعُ العزيزُ (أي: هو النافعُ العزيزُ) .
(د) كلمات معينة لم ترد عن العرب إلا مبتدأ. ومنها: "ما" التعجبية، وكلمة: "طُوبى"؛ (بمعنى: الجنة) وكلمة: دَرّ (٢) ، وكلمة: أقلّ ...
وذلك في نحو: ما أجملَ الهواء سَحَراً!!، وما أطيب الرياضة عصراً!! طوبى للشهداء، ولله دَرُّهم (٢) !! وأقَلُّ (٣) رجل يُسْكِر فضلهم.
стр. 754
ومثل بعض ألفاظ الدعاء؛ ومنها (١) : سلامٌ - ويلٌ؛ في نحو: سلام على الأحرار، وويل للجبناء.
***
حكم الناسخ ومعموليه من ناحية التقديم والتأخير:
لا ترتيب في هذا الباب بين الناسخ ومعموليه؛ فيجوز -لغرض بلاغي- أن يتقدم عليهما معاً، ويتأخر عنهما، ويتوسط بينهما. لكن يترتب على كل حالة أحكام سيجيء تفصيلها قريباً (٢) . فمثال تقدُّم الناسخ عليهما: يظنّ الجاهلُ السرابَ ماء. ومثال تأخره عنهما: السرابَ ماءً يظن الجاهل السرابَ.
أما الترتيب بين المفعولين وتقديم أحدهما على الآخر دون الناسخ فحكمه حكم الترتيب بين أصلهما المبتدأ والخبر قبل دخول الناسخ عليهما؛ فما ثبت لأصلهما يثبت لهما من غير اعتبار لوجود الناسخ. ويترتب على هذا أن يكون المفعول الأول واجب التقديم على المفعول الثاني في كل موضع يجب فيه تقديم المبتدأ على الخبر، وأن يكون المفعول الثاني واجب التقديم على المفعول الأول في كل موضع يجب فيه تقديم الخبر على المبتدأ، وأن يكون تقديم أحدهما على الآخر جائزاً في كل موضع يجوز فيه تقديم المبتدأ أو الخبر بغير ترجيح. فلا بد من مراعاة الأصل (٣) في ناحية التقديم والتأخير، وتطبيقه على الفرع تطبيقاً مماثلاً. ففي مثل: حسبت أخي شريكي، يجب الترتيب، بتقديم المفعول الأول وتأخير الثاني؛ منعاً لوقوع لَبْس لا يمكن معه تمييز الأول من الثاني؛ فيلتبس المعنى تبعاً لذلك. وفي مثل: علمت الكلب حارساً أميناً إلا الكلب. أي: أنه لا حارس أميناً سواه. وفي مثل: ظننت القِطّ البَرَِّّ (٤) ثعلباً، يجوز تقديم المفعول الثاني؛
стр. 755
فتقول: ظننت ثعلباً القِطّ البَرّيّ؛ إذ لا مانع يمنع تقديم أحدهما على الآخر ... وهكذا تجب مراعاة الأحكام الخاصة بالترتيب بين المبتدأ والخبر، وتطبيقها هنا، عند النظر في الترتيب بين المفعولين (١) .
***
ما تنفرد به الأفعال القلبية الناسخة، هي وما يعمل عملها:
تنفرد النواسخ القلبية بخمسة أحكام، منها حكم واحد مشترك بينها جميعاً، سواء أكانت متصرفة أم جامدة، وهذا الحكم
هو: تنوّع مفعولها الثاني. أما الأحكام الأربعة الأخرى فمقصورة على النواسخ القلبية المتصرفة، دون الجامدة، وسيجيء لهذه الأربعة بحث مستقل (٢) .
(١) فأما تنوع المفعول الثاني الذي أشرنا إليه فلأنه إليه فلأنه خبر في الأصل، فهو ينقسم إني مثل ما ينقسم إليه الخبر؛ من مفرد (ة٣) ، وجملة (٤) ، وشبه جملة (٥) ؛ فليس من اللازم في المفعول الثاني أن يكون مفرداً، وإنما اللازم أن يكون الناسخ قلبيّاً متصرفاً أو غير متصرف (٦) ؛ كما في الأمثلة الآتية، ومن المهم التنبه لإعراب كل قسم، ولا سيما الجملة وشبهها.
стр. 756
جدول
стр. 757
المسألة ٦١:
ب- الأحكام الأربعة الخاصة بالأفعال القلبية المتصرفة (١) .
عرفنا (٢) أن الأفعال القلبية متصرفة، إلا فعلين؛ هما: "تعَلَّمْ" (٣) بمعنى "اعلَمْ"، و"هَبْ" بمعنى: "ظُنَّ"؛ نحو: تعلمْ داءَ الصمت خيراً من داء الكلام. وهبْ كلامَك محموداً؛ فتَخَيرْ له أنسب الأوقات.
والفعل القلبيُّ المتَصرف قد يكون له الماضي، والمضارع، والأمر، والمصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، وبقية المشتقات المعروفة، لكن الناسخ الذي يعمل في هذا الباب هو الماضي وما جاء بعده مما صرّحْناه باسمه هنا، دون بقية المشتقات المعروفة (٤) التي اكتفينا بالإشارة الموجزة إليها، ولم نصرح بأسمائها. وبديهٌ أن النواسخ المتصرفة التي سردنا أسماءها - متساوية في العمل؛ لا فرق بين ماض وغيره، ولا بين فعل واسم مما سردناه (٥) . أما الناسخ الجامد فيعمل وهو على صورته
стр. 758
القائمة، لا يفارقها، ولا يَدْخُل عليها تغيير.
وتختص الأفعال القلبية المتصرفة، هي وما تتصرف له مما ذكرنا اسمع صريحاً بأحكام تنفرد بها؛ فلا يدخل -في الأغلب- حكم منها على المشتقات القلبية التي لا تعمل هنا (١) ، ولا على الأفعال القلبية الجامدة، ولا على أفعال التحويل وما يتصرف منها. وأشهر تلك الأحكام أربعة (٢) .
الحكم الأول -التعليق:
ومعناه: "منع الناسخ من العمل الظاهر في لفظ المفعولين معاً، أو لفظ أحدهما، دون منعه من العمل في المحلّ" (٣) . فهو في الظاهر ليس عاملاً النصب، ولكنه في التقدير عامل. وهذا ما يعبر عنه النحاة بأنه:
"إبطال العمل لفظاً، لا محلاً". سواء أكان أثر الإبطال واقعاً على المفعولين معاً، أم على أحدهما.
هذا المنع والإبطال واجب إلا في صورة واحدة (٤) . وسببه أمر واحد، هو: وجود لفظ له الصدارة (٥) يَلِي الناسخ؛ فيفصل بينه وبين المفعولين معاً،
стр. 759
أو أحدهما، ويَحُول بينه وبين العمل الظاهر، ويسمى هذا اللفظ الفاصل: "بالمانع" ويقع بعده جملة (١) -في الغالب-؛ ففي مثل: علمت البلاغة إيجازاً، ورأيت الإطالة عجزاً. نجد: "عَلِم" قد نصب مفعولين مباشرة. وكذلك الفعل؛ "رأى" -لم يَنصب كل من الفعلين شيئاً في الظاهر، بسبب وجود "لام الابتداء" التي فصلت بين كل فعل ناسخ ومفعوليه- وهي من ألفاظ التعليق، أي: من الموانع -، ولكن هذا الفعل يَنْصِب المحلّ؛ فنقول عند الإعراب: "البلاغة": مبتدأ- "إيجازٌ": خبره. والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب؛ سدّت مَسدّ مفعولي "عَلم" (وهذه الجملة هي التي تَلِي -في الغالب- اللفظ المانع من العمل) .
وكذلك نقول: "الإطالةُ": مبتدأ -"عجزٌ": خبره. والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب؛ سدّت مسد مفعولَيْ: "رأى". فقد وقع التعليق بسبب وجود المانع من العمل، ووقع بعد المانع جملة محلها النصب؛ لتسدّ مسد المفعولين.
أما في مثل: علمت البلاغةَ لَهِي الإيجازُ، ورأيت الإطالةَ لَهِيَ العجزُ، فاللفظ المانع من العمل -وهو لام الابتداء- قد وقع في المثالين بعد المفعول به الأول، ووقع بعد المانع جملة سدت مَسَدّ المفعول به الثاني الذي لا يظهر في الكلام، وحلَّت محله وحده. فعند الإعراب يَحْتَفظ المفعول به الأول باسمه وبإعرابه؛ (مفعولاً به أول، منصوباً) (٢) . وتعرب الجملة التي بعد المانع إعرابها التفصيلي، ويزاد عليه: "أنها في محل نصب؛ سدّت مسد المفعول به الثانين (٣) الذي وقع عليه التعليق".
стр. 760
نعلم مما تقدم أن أثر التعليق في منع العمل لفظي ظاهريّ فقط، لا حقيقيّ، محليّ، وأن سببه الوحيد وجود فاصل لفظي له الصدارة، يسمى: "المانع"؛ يفصل بين الناسخ ومفعوليه معاً، أو أحدهما (١) ، وبعد "المانع" جملة (٢) تسدّ مسدّ المفعولين معاً، أو أحدهما على حسب التركيب ...
ولما كان أثر التعليق مقصوراً على ظاهر الألفاظ دون محلها كان اختفاء النصب عن المفعولين معاً أو أحدهما، هو اختلفا شكليّ محض؛ لا حقيقيّ محليّ -كما قدمنا- ولهذا يصح في التوابع (كالعطف ... ) مراعاة الناحية الشكلية الظاهرة، أو مراعاة الناحية المحلية؛ فنقول: علمت لَلبلاغةُ إيجازٌ والفصاحةُ اختصارٌ- ورأيت لَلإطالةُ عجزٌ والحشوُ عيبٌ؛ برفع المعطوف، تبعاً للفظ المعطوف عليه، وحركته الظاهرة (٣) . أو نقول: علمت لَلبلاغة إيجازٌ، والفصاحةَ اختصاراً -ورأيت لَلإطالةُ عجزٌ والحشوَ عيباً؛ بنصب المعطوف؛ تبعاً للحكم المحليّ في المعطوف عليه. فمراعاة إحدى الناحيتين جائزة (٣) .
أما سبب التعليق في هذه الأمثلة وأشباهها، فيرتكز في الأمر الواحد الذي
стр. 761
ذكارناه، وهو: وجود فاصل لفظيّ بعد الناسخ؛ يفصل بينه وبين مفعوليه أو أحدهما، بشرط أن يكون هذا الفاصل اللفظي من الألفاظ التي لها الصدارة (١) في جملتها، مثل: لام الابتداء، وأدوات الاستفهام (٢) ، وغيرها من كل ما له الصدارة في جملته (٣) . وبعبارة أخرى:
(يحدُث التعليق بكل لفظ له الصدارة إذا فصل بين الناسخ ومفعوليه معاً، أو توسط بين المفعولين) .
وإليك مثالاً آخر للمانع يفصل بين الناسخ ومفعوليه معاً، أو يَفصل بين الناسخ ومفعوليه الثاني فقط:
أعلَمُ، أمحمودٌ حاضرٌ أم غائبٌ؟ أعلَمُ محموداً، أحاضر هو أم غائب؟
فمتى وقع بعد الناسخ مانع بإحدى الصورتين السالفتين مَنع العمل الظاهر حتماً، دون العمل التقديريّ (المحليّ) كما رأينا، وأوجب التعليق (٤) .
وأشهر الموانع الألفاظ الآتية التي لها الصدارة، وكل واحد منها يوجب (٤) التعليق:
стр. 762
(أ) لام الاربتداء، كالأمثلة السالفة.
(ب) لام القسم: نحو: علمت لَيُحَاسَبَنَّ (١) المرء على عمله.
(ج) حرف من حروف النفي الثلاثة (٢) : (ما - إنْ - لا) دون غيرها من
стр. 763
أدوات النفى الأخرى. فمثال "ما" النافية: علمت ما التهوّر شجاعة. ومثال "إنْ" النافية: زعمت إنْ الصفحُ الجميلُ ضارٌّ (أي: ما الصفح الجميل ضارّ) ومثال "لا" النافية: ألفيتُ لا الإفراطُ محمودٌ ولا التفريط (١) .
(د) الاستفهام (٢) ؛ وله صور ثلاث: أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام
стр. 764
نحو: علمت أيُّهم بطلٌ؟ أو يكون مضافاً إلى اسم استفهام؛ نحو: علمت صاحبُ أيِّهم البطلُ؟ أو يكون قد دخلت عليه أداة استفهام؛ نحو: علمت أعليٌّ مسافرٌ أم مقيمٌ؟ وأعلمُ على الشتاء أنسبُ للعمل من الصيف (١) ؟ وقولهم لظريف: لا ندري أجِدُّك أبلغُ وألطف، أم هزلُك أحبُّ وأظرف؟.
(هـ) الألفاظ الأخرى التي لها الصدارة في جملتها؛ مثل "كم" (٢) . الخبرية؛ في نحو: دريْت كم كتاب اشتريته. ومثل: "إنّ" وأخواتها، ما عدا "أنّ" مفتوحة الهمزة؛ فليس لها الصدارة؛ نحو: علمت إنك لمُنصف (٣) ،
стр. 765
ونحو: لا أدرى لعل الله يريد بكم خيراً. والأغلب الفصيح في: "لعل" هذه أن تكون أداة تعليق للفعل: "أدْرِي" المبدوء بالهمزة، أو بحرف آخر من حروف المضارعة (نَدْري - تَدْري - يدرِي (١) ... ) .
ومثل: أدوات الشرط الجازمة وغير الجازمة في نحو: لا أعلم إن كان الغد ملائماً للسفر أو غير ملائم. ونحو أحْسَب لو ائتلف العامل وصاحب العمل لَسَعِدا.
***
فيما يلي أمثلة تزيد التعليق وضوحاً (٢) ، وتبيّن موضع "المانع"، وأن موضعه بعد الناسخ حتماً ويليه المفعولان، أو بعد الناسخ مع توسط هذا المانع بين المفعولين:
стр. 766
جدول
стр. 767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- زيادة وتفصيل:
(أ) تقدم (١) أن الفعل القلبي الناصب لمفعولين يصيبه التعليق إذا وُجدت إحدى أدوات التعليق، ومنها: "الاستفهام".
والتعليق بالاستفهام ليس مقصوراً على الأفعال القلبية المتصرفة الخاصة بها الباب -كما أشرنا من قبل (١) -، وإنما يصيبها غيره، طبقاً للبيان الآتي:
١- الفعل القلبي الناصب لمفعول به واحد؛ مثل: نسى - عرف ... ومنه قول الشاعر:
ومن أنتمو؟ إنا نسينا من انتمو ... وريحكموا من أي ريح الأعاصر
٢- الفعل القلبي اللازم، مثل: تفكَّر؛ كقوله تعالى: "أولم يتفكروا؟ ما بصاحبهم من جنة؟ "؛ فالتعليق هنا عن الجار والمجرور (٢) ؛ لأن المجرور بالحرف بمنزل المفعول به (٣) .
٢- ما ليس قَلبيّاً، وينطبق على أفعال كثيرة لا تكاد تدخل تحت حصر؛ مثل: نظر - أبصر - سأل - استنبأ- ... و..، ومن الأمثلة قوله تعالى: (فَلْيَنظُرْ أَيُّها أزكَى طعاماً) ، وقوله تعالى: (فستُبصر ويُبصرون؛ بأيِّكم المفتون؟) ، وقول تعالى: (يَسألون: أيَّانَ يومُ الدين؟) ، وقوله تعالى: (ويستنبئونكَ: أحَقٌّ هُو؟ ... ) ، فهذه الأفعال ونَظائرها قد يصيبها التعليق بأداة الاستفهام، ولهذا يوقف في الآية الأولى على قوله: (يتفكروا) ، والكلام بعدها مستأنف، وهو: (ما بصاحبكم من جنة؟) ، وما الستفهامية بمعنى النفي، إذ المراد: أي شيء بصاحبكم من الجنون؟ ليس به شيء منه (٤) .
стр. 768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(ب) عرفنا (١) أن التعليق لا يكون في الأفعال القلبية الجامدة، ولا في بعض النواسخ الأخرى؛ كأفعال التحويل ... و ... فما المراد من هذا؟ أيراد أن ألفاظ التعليق لا تقع بعد تلك الأفعال الجامدة ولا بعد تلك النواسخ؛ فلا يحدث التعليق؟ أم يراد أن هذه الألفاظ مع وقوعها بعدها لا تقوى على منعها من العمل الظاهري فكأنها غير موجودة؟ يرتضي النحاة الرأي الأول. والاقتصار عليه حسن.
(ج) سبق (٢) أن الجملة بعد أداة التعليق تسدّ مسدّ المفعولين إن كان الناسخ إليهما، ولم يَنصب المفعول به الأول مباشرة، فإن نصبه سدت مسدّ الثاني فقط ...
فإن كان الفعل ليس ناسخاً ولا يتعدى لمفعولين، ووقعت بعده جملة مسبوقة بأداة التعليق -فإن كان يتعدى بحرف جر، فالجملة في محل نصب بإسقاط الجار؛ نحو: فكرت أصحيح هذا أم غير صحيح؟ أي: فكرت في ذلك (٣) . وإن كان الفعل يتعدى بنفسه إلى واحد غير مذكور سدت مسدّه؛ نحو: عرفت البارع أبو مَنْ هو؟ فقيل الجملة بدل كل من كل، على تقدير مضاف؛ أي: عرفت شأن البارع، وقيل بدل اشتمال من غير حاجة إلى تقدير، أو هي مفعول ثان لعرفت بعد تضمينه معنى: "علمت". والرأيان الأخيران أوضح وأيسر استعمالاً، ولكل منهما مزية قد يتطلبها المقام، ويقتضيها المعنى.
(د) إذا كانت "رأى" حُلُمِيَّة لم يدخل عليها التعليق (٤) .
***
стр. 769
الحكم الثاني - الإلغاء:
وهو: "منع الناسخ من نصب المفعولين معاً، لفظاً ومحلا، منعاً جائزاً، -في الأغلب- لا واجباً) . أو هو: "إبطال عمله في المفعولين معاً لفظاً ومحلاًّ، على سبيل الجواز لا الوجوب". ولا يصح أن يقع المنع على أحد المفعولين دون الآخر.
وسببه: إمَّا توسط الناسخ بين مفعوليه مباشرة بغير فاصل آخر بعده يوجب التعليق (١) ، وإما تأخره عنهما. فإذا تحقق السبب جاز -في الأغلب (٢) - الإعمال أو الإهمال، وإن لم يتحقق وجب الإعمال. فللناسخ ثلاث حالات من ناحية موقعه في الجملة، وأثر ذلك:
الأولى: أن يتقدم على المفعولين. وفي هذه الحالة يجب إعماله -عند عدم المانع-؛ فينصبهما مفعولين به، نحو: رأيت النزاهةً وسيلةً لتكريم صاحبها.
الثانية: أن يتوسط بين مفعوليه مباشرة. وفي هذه الحالة يجوز -في الأغلب (٢) - إعماله؛ فينصبهما مفعولين (٣) به؛ نحو: النزاهةَ - رأيت - وسيلةً لتكريم صاحبها. ويجوز إهماله (٤) ؛ فلا يعمل النصْبَ فيهما معاً، ولا في أحدهما؛
стр. 770
وإنما يرتفعان باعتبارهما جملة اسمية: (مبتدأ وخبراً) ، ونحو: النزاعةُ - رأيت - وسيلةٌ لتكريم صاحبها.
الثالثة: أن يتأخر عن مفعوليه؛ والحكم هنا كالحكم في الحالة السابقة؛ فيجوز إعماله فينصب المفعولين؛ نحو: النزاهةَ وسيلةً لتكريم صاحبها - رأيت.
ويجوز إهماله فلا يعمل النصب (١) ويرتفع الاسمان باعتبارهما جملة اسمية، مركبة من مبتدأ وخبره؛ نحو: النزاهةُ وسيلةٌ لتكريم صاحبها - رأيت.
مما تقدم ندرك أوجع الفرق بين التعليق والإلغاء؛ وأهمها:
(أ) أن التعليق واجب (٢) عند وجود سببه. أما الإلغاء فجائز - في الأغلب (٣) - عند وجود سببه.
стр. 771
(ب) أن أثر التعليق يصيب المفعولين معاً أو أحدهما. أما الإلغاء فيصيبهما معاً.
(ج) ان أثر التعليق لفظي ظاهري، لا يمتد إلى الحقيقة والمحل. وأثر الإلغاء لفظيّ ومحليّ معاً.
(د) أن التعليق يجوز في توابعه مراعاة ناحيته اللفظية الظاهرية، أو مراعاة ناحيته المحلية. والإلغاء لا يجوز في توابعه إلا مراعاة الناحية الواحدة التي هو عليها؛ وهي الناحية الظاهرة المحضة.
(هـ) أن التعليق لابد فيه من تقدم الناسخ على معموليه؛ ومن وجود فاصل بعده له الصدارة.
أما الإلغاء فلا بد فيه من توسط (١) الناسخ بينهما، أو تأخره عنهما؛
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
(أ) إذا تقدم الناسخ على مفعوليه فلن يخرجه من حكم هذا التقدم -في الرأي الأصح- أن يسبقه معمول آخر له، أو لأحدهما؛ نحو: متى علمت الضيفَ قادماً؟ باعتبار: "متى" ظرفاً للناسخ، أو لمفعوله الثاني.
وكذلك لن يخرجه من حكم التقدم أن يسبقه شيء آخر ليس معمولاً له، ولا لأحدهما، مثل: إني علمت الحذرَ واقياً الضرر.
(ب) يختلف النحاة في بيان الأفضل عند توسط العامل أو تأخيره. ولهم في هذا جدل طويل، لا يعنينا منه إلا أن الأنسب هو تساوي الإلغاء والإعمال عند توسط العامل. أما عند تأخره فالأمران جائزان ولكن الإلغاء أعلى، لشيوعه في الأساليب البليغة المأثورة.
وإذا توسط الناسخ أو تأخر وكان مؤكداً بمصدر فإن الإلغاء يَقْبُح؛ نحو: الكتابَ -زعمت زعماً- خيرَ صديق؛ لأن التوكيد دليل الاهتمام بالعامل، والإلغاء دليل على عدم الاهتمام به؛ فيقع بينهما شبه التخالف والتنافي. فإن أكَّد الناسخ بضمير يعود على مصدره المفهوم في الكلام بقرينة، أو باسم إشارة يعود على ذلك المصدر -كان الإلغاء ضعيفاً أيضاً؛ نحو: السفينةَ - ظننتُه - قصراً.
أي: ظننت الظن -و: السفينةَ ظننت - ذاك - قصراً. أي ذاك الظن ...
(ج) رأي الحُلُمية لا يصيبها الإلغاء، وقد سبق (١) أنها لا يصيبها تعليق.
***
стр. 774
الحكم الثالث- الاستغناء عن المفعولين بالمصدر المؤول:
يجوز أن يَسُدّ المصدر المؤول من ("أنّ" الناسخة (١) وما دخلت عليه، أو:
"أنْ" المصدرية الناصبة وما دخلت عليه من جملة فعلية - مسدّ المفعولين،
ويغني عنهما (٢) . ويجب أن يراعى فى معنى المصدر بعد تأويله أن يكون مثبتاً أو
ِمنفيّاًَ على حسب ما كان عليه المعنى قبل التأويل.
فمن أمثلة المثبت ما جاء فى خطبة لقائد مشهور: (عَلِمْنا أن السيفَ ينفع حيث
لا ينفع الكلام، ورأينا أنّ كلمة القَوِيّ مسموعة، فن زعم أنْ يفوز وهو
ِضعيف فقد أخطأ، ومن ظن أن يَسْلمَ بالاستسلام فقد قضى على نفسه ... ) .
وتقدير المصادر المؤولة (٣) : (علمنا نفعَ السيف ... -رأينا سماعَ كلمة القويّ-
من عم فوّزه ... - من ظنّ سلامته ... ) فَكل مصدر من المصادر التى نشأت من
التأويل سدّ مسدّ المفعولين المطلوبين للفعل القلبي الذي قبله. فالمصدر "نفَعْ"،
أغْني عن مفعولى الفعل "عَلمَ ". والمصدر: "سماع"، أغنى عن مفعولى الفعل:
"رأى". والمصدر: "فوز"، أغنى عن مفعولى الفعل: "زعم" والمصدر:
سلامة" أغنى عن مفعولى الفعل "ظن" (٤) ... ويقاس على هذا أشباهه (٥)
стр. 775
من مثل قول الشاعر (١) :
توَد عدوى ثم تَزعُم أنني ... صديقك؛ إن الرأي عنك لعازب
فالمصدر المؤول من "أنّ مع معموليها" يسدّ مسدّ مفعولي الفعل: "تزعمُ" ومن أمثلة المعنى المنفي قول الشاعر:
الله يعلم أني لم أقل كَذبا ... والحق عند جميع الناس مقبول
وتأويل المصدر مع زيادة ما يدل على النفي هو: "الله يعلم عدم كذب قولي".
- وقد سبق (٢) تفصيل الكلام على طريقة صوغ المصدر المؤول.
الحكم الرابع (٣) - جواز وقوع فعلها ومفعولها الأول ضميرين معينين:
وذلك بأن يكونا ضميرين متصلين، متحدين في المعنى (٤) ، مختلفين في النوع؛ نحو: عَلِمتُني راغباً في مودة الأصدقاء، ورَأيتُني حريصاً عليها.
فالتاء والياء في المثالين ضميران. متصلان، ومدلولهما شيء واحد؛ فهما للمتكلم، مع اختلف نوعهما: فالتاء ضمير رفع فاعل، والياء ضمير نصب، مفعول به.
ونحو: علِمتَك زاهداً في الشهرة الزائفة، وحسِبْتَك نافراً من أسابها. فالتاء والكاف في المثالين ضميران، متصلان، ومعناهما واحد؛ لأن مدلولهما هو المخاطب، مع اختلاف نوعهما كذلك؛ فالتاء ضمير رفع فاعل، والكاف ضمير نصب، مفعول به (٥) .