← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

معاذ إلهي أن تكون منيّتي ... كما مات في سوق البراذين أربد تعاوره همدان خصفا نعالها ... إذا رفعت عنه يد وقعت يد ٦٧٠- أخرج [١] أبو علي ابن رستم عاملا إلى بعض النواحي، وكان في القرية حمام كثير، فعدّها وأخذ واحدة منها وشقّ حوصلتها، وعدّ الحبوب الموجودة فيها، واحتسب بذلك وقال: إنّ كلّ حمامة تأكل في السنة من الحنطة كذا، فألزمهم ذلك، فكتب إليه أبو عليّ كتابا وفي آخره: [من الرجز] عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها في سنة قد كشّفت عن ساقها وهي من أبيات لرؤبة بن عيينة. ٦٧٠ ب-[وقال آخر] [٢] : [الرمل المجزوء] يتغنّى القيد في رج ... ليه ألوان الغناء باكيا لا رقأت عي ... ناه من طول البكاء ٦٧١- أقام عامل على دهقان عونين وأمرهما بنتف سباله، فقال: لم تفعل هذا أصلحك الله؟ قال: حتى تصحّح خراجك، وخراج أهل بيتك، وخراج شركائك، فلما أطال رفع رأسه إلى العونين فقال: انتفا على بركة الله. ٦٧٢- كان معلّم يقعد أبناء المياسير في الظلّ، وأبناء الفقراء في الشمس ويقول: يا أهل الجنّة ابزقوا على أهل النار. ٦٧٣- كان صاحب ربع يتشيّع، فارتفع إليه خصمان اسم أحدهما عليّ والآخر معاوية، فتحامل على معاوية فضربه مائة مقرعة من غير أن اتجهت عليه حجّة، ففطن من أين أتي فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو

стр. 1157

أبو عبد الرحمن، فبطحه وضربه مائة مقرعة، فقال لصاحبه: ما أخذت مني بالاسم استرجعته منك بالكنية. «٦٧٤» - كان أبو ضمضم على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلا من عرض الناس فجرّده للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل: ما ذنبي أصلحك الله؟ قال: أحبّ أن تجمّلنا بنفسك ساعة. «٦٧٥» - قال كعب: نهيق الحمار دعاء على الظلمة، فحدّث به المسيّب بن شريك فقال: لو علمت أنّ هذا حقا لزدت في قضيم حماري. «٦٧٦» - قال أبو المطراب وهو من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم: [من الوافر] ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني فلست بصابر إلّا قليلا ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني «٦٧٧» - تقدّم رجلان إلى قاض، فتكلّم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلّم، فقال: أيها القاضي يقضى على غائب، قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلّم. «٦٧٨» - بنى ابن أسد قصرا بالبصرة، وكانت في جانب منه حجرة صغيرة لعجوز كانت تساوي عشرين دينارا، فاحتاج إليها وطلبها بمائتي دينار، فأبت. فقيل لها: إنّ القاضي يحجر عليك لسفاهتك لأنك ضيّعت مائتين فيما قيمته عشرون، فقالت: ولم لا يحجر على من يشتري بمائتين ما يساوي عشرين؟

стр. 1158

فحجّت فاشتريت بثلاثمائة دينار. ٦٧٩- كان لسعيد بن خالد القرشي طائر اسمه كسرى، وفرخ له اسمه ساسان، فأكل الفرخ سنّور جار له يعرف بأنس، فكتب إلى العلاء بن منظور صاحب شرطة الكوفة، وهو الذي وهب له كسرى: [من الرمل] يا ابن منظور بن قيس دعوة ... ضوءها أنور من ضوء القبس إنّ ساسان بن كسرى غاله ... في سواد الليل سنّور أنس فأقدنا منه أو أخلفه أو ... خلّ بين الناس من عزّ افترس ٦٨٠- قيل: أخذ رجل ذئبا وهو يعظه ويقول له: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول: خفّف واقتصر، فقدّامي قطيع من الغنم لا يفوتني. ٦٨١- انحدر القاضي أبو بكر ابن قريعة إلى ضيعة له، فلما وصلت سميريّته إلى شاطىء القرية سبق أكّار من أكرته يهوديّ اسمه شعيب، ومعه جماعة، فتظلّم من وكيله وأعطاه رقعة كان قد كتبها له معلّم في القرية [١] في وقتها بالحبر، وأخذها وطواها وهي رطبة فانطمس أكثرها. فلما دفعها إلى القاضي أعطاها لكاتبه فقال: اقرأ ما فيها، فلم يفهم شيئا من المكتوب فيها، فأطال استخراجه لها، والقاضي مستوفز والأكرة يصيحون، فضاق صدره واستبطأ كاتبه [٢] ، فأخذ الرقعة من يديه ليقرأها فكانت صورته مثل صورة الكاتب فردّها إليه وقال له: وقّع فيها (يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) (هود: ٩١) وادفع الرقعة إليه، ونهض من السميرية صاعدا [٣] . يتلوه: باب العقل والحمق.

стр. 1159

الباب الثّالث عشر في العقل والحنكة والتجارب والحمق والجهل

стр. 1160

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * اللهم إنّا نحمدك على مزيّة العقل التي خصصت بها الإنسان، وفضّلته بها على الحيوان، وجعلته إلى معرفتك سبيلا، وعلى فوائد فضلك دليلا، واعتمدت عليه في التكليف والعبادة، ووعدت عليهما خير الجزاء والإفادة، ووقفتنا به على دقائق المعلومات، وبيّنت لنا به مناهج الخيرات، فاهتدى إليها من اهتدى بتوفيقك وتسديدك، وضلّ عنها وحار من عدم الإعانة من توفيقك وتأييدك. ونعوذ بك من الجهل المضلّ عن سنن هداك القويم ورشدك، الداعي إلى سخطك الأليم وغضبك. وأشهد أن لا له إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنفي الضلالة، وتشفي من عمى الجهالة، وأسأله الصلاة على رسوله المصطفى ونبيّه المجتبى، الذي دلّت على بعثته العقول والألباب، وخصمت حجته الجهول والمرتاب، ووضحت به معالم الهدى فاستنارت، وكسدت بضائع النفاق فبارت، وعلى آله وأصحابه، أهل الفضل وأربابه.

стр. 1161

(الباب الثالث عشر في العقل والحنكة والتجارب والحمق والجهل [١] ) [آيات وأحاديث وحكم] فضيلة العقل أنّ الله لم يخاطب إلّا أهله، وجعل التكليف عليه، ورفع به درجاتهم لديه، وجعل جميع مخلوقاته التي لا تعقل، وإن عظمت جثة وقوة وبطشا، آلة وخدما وسخريّا للعقلاء؛ قال الله تعالى (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (إبراهيم: ٥٢) (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) (البقرة: ٢٦٩) (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) (الفجر: ٥) وبيّن خيبة من لم يعقل بقوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا) (يس: ٧٠) قيل عاقلا (وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) (الملك: ١٠) . «٦٨٢» - وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله قال: أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب.

стр. 1162

«٦٨٣» - وروي عنه صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال: إنّ الله قسم العقل على ثلاثة أجزاء، فمن كنّ فيه كمل عقله، ومن لم يكن فيه جزء منها فلا عقل له. قيل: يا رسول الله ما أجزاء العقل؟ قال: حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر على أمر الله. ٦٨٤- وقال ﷺ : يا أيها الناس، اعقلوا عن ربكم، وتواصوا بالعقل تعرفوا به ما أمرتم به وما نهيتم عنه؛ والخبر طويل. «٦٨٥» - وقال أنس بن مالك: أثنى قوم على رجل عند النبي صلّى الله عليه وعلى آله حتى بالغوا، فقال صلّى الله عليه وعلى آله: كيف عقل الرجل؟ فقالوا: نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنّما يرتفع العباد غدا في الدرجات زلفى من ربّهم على قدر عقولهم. «٦٨٦» - وعن عمر ﵁ أنه ﷺ قال: ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويردّه عن ردى. وما تمّ إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله. ٦٨٧- وعنه ﷺ أنه قال: لكلّ شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته. أما سمعتم قول الفاجر (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) . «٦٨٨» - وعن عمر ﵁ أنه قال لتميم الداري: ما السؤدد فيكم؟ قال: العقل، قال: صدقت، سألت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله كما

стр. 1163

سألتك، فقال كما قلت، ثم قال: سألت جبريل ما السؤدد فقال: العقل. «٦٨٩» - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله بأيّ شيء تفاضل الناس في الدنيا؟ قال: بالعقل، قلت: وفي الآخرة؟ قال: بالعقل. قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم؟ فقال: يا عائشة، وهل عملوا إلّا بقدر ما أعطاهم الله تعالى من العقل؟ فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون. ٦٩٠- وقال ﷺ : إنّ أحبّ المؤمنين إلى الله من نصب في طاعة الله، ونصح لعباده، وكمل عقله، ونصح نفسه فأبصر، وعمل به أيام حياته فأفلح وأنجح. ٦٩١- وقال ﷺ : أتمّكم عقلا أشدكم خوفا، وأحسنكم فيما أمر به ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلّكم تطوّعا. «٦٩٢» - قال لقمان لابنه: يا بنيّ إنّ غاية الشرف والسؤدد في الدنيا والآخرة حسن العقل لأنّ العبد إذا حسن عقله غطّى ذلك عيوبه، وأصلح مساوئه، ورضي عنه خالقه. وكفى بالمرء عقلا أن يسلم الناس من شرّه. «٦٩٣» - ومن كلامه: أن تكون أخرس عاقلا، خير من أن تكون نطوقا جاهلا. ولكلّ شيء دليل، ودليل العقل التفكّر، ودليل التفكر الصمت، وكفى بك جهلا. أن تنهى الناس عن شيء وتركبه. «٦٩٤» - وقال بزرجمهر: لا شرف إلّا شرف العقل، ولا غنى إلّا غنى النفس.

стр. 1164

«٦٩٥» - وقال أردشير: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خلال الخير عليه. «٦٩٦» - قيل: مكتوب في حكمة آل داود ﵇: على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه، مالكا للسانه، مقبلا على شانه. ٦٩٧- قال أبو عطاء السندي: [من الوافر] فإنّ العقل ليس له إذا ما ... تذكّرت الفضائل من كفاء وإنّ النّوك للأحساب غول ... به تأوي إلى داء عياء فلا تثقن من النوكى بشيء ... وإن كانوا بني ماء السماء [حقيقة العقل] «٦٩٨» - وأما حقيقة العقل ومعناه وحدّه فقد كثر اختلاف الناس فيه، فقالت طائفة: هو ما وقع عليه التكليف، والناس فيه مستوون لا يتفاوتون فيه، ولا يرجح كبيرهم على صغيرهم؛ وإنما التفاوت الذي نراه في العالم بالتجارب وزيادة بعضهم على بعض في الذكاء والفطنة والحسّ وغير ذلك. وقالت طائفة: هو متفاوت، وزيادة الناس فيه بعضهم على بعض ظاهرة واضحة. وهذا معتبر معلوم، وقد نرى الصبيّ في أوّل عمره ومبدأ أمره قبل التجربة أعقل من شيخ مجرّب قد حلب الدهر أشطره، وذاق حلوه ومرّه. ومن مليح ما وصف به العقل أنه نور يقذف في القلب تدرك به المعلومات. وليس هذا موضع اختلاف الناس فيه، فإنه بكتب الأصول أليق، ولكني أورد ما بيّنه أبو حامد الغزالي ﵀ مختصرا فإنه أنصف وحقّق وأوضح. [فصل للغزالي في العقل] «٦٩٩» - قال أبو حامد: العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان كما

стр. 1165

يطلق اسم العين مثلا على معان عدة، وما يجري هذا المجرى، فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حدّ واحد، بل يفرد كلّ قسم بالكشف عنه: فالأول: الوصف الذي به يفارق الإنسان سائر البهائم، وهو الذي به استعدّ لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الفكرية، وهو الذي أراده الحارث المحاسبيّ حيث قال في حدّ العقل: إنه غريزة يتهيّأ بها درك العلوم النظرية. ولم ينصف من أنكر هذا وردّ العقل إلى مجرّد العلوم الضرورية، فإنّ الغافل عن العلوم والنائم يسمّيان عاقلين باعتبار وجود هذه الغريزة مع فقد العلوم، وكما أنّ الحياة غريزة بها يتهيّأ الجسم للحركات الاختيارية والإدراكات الحسيّة، فكذلك العقل غريزة بها يتهيأ بعض الحيوانات للعلوم النظرية، ولو جاز أن يسوّى بين الإنسان والحمار في الغريزة [١] . وقال [٢] : لا فرق إلّا أنّ الله تعالى بحكم إجراء العادة يخلق في الإنسان علوما ليس يخلقها في الحمار والبهائم لجاز أن يسوّى بين الجماد والحمار في الحياة. ويقال لا فرق إلّا أنّ الله يخلق في الحمار حركات مخصوصة بحكم إجراء العادة، فإنه لو قدر الحمار جمادا صمتا لوجب القول بأنّ كلّ حركة تشاهد منه فالله قادر على خلقها فيه على الترتيب المشاهد. وكما وجب أن يقال لم تكن مفارقته للجماد في الحركة إلّا لغريزة اختصّت به عبّر به عنها بالحياة، فكذا [٣] مفارقة الإنسان البهيمة في إدراك العلوم النظرية بغريزة يعبّر عنها بالعقل. وهي كالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية الصورة والألوان لصفة اختصّت [٤] بها، وهي الصّقالة؛ وكذلك العين تفارق الجبهة في هيئات وصفات بها استعدّت للرؤية. فنسبة هذه الغريزة إلى العلوم نسبة العين إلى الرؤية، ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها

стр. 1166

كنسبة نور الشمس إلى البصر. فهكذا ينبغي أن تفهم هذه الغريزة. الثاني: هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميّز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، كالعلم بأنّ الاثنين أكثر من الواحد، وأنّ الشخص الواحد لا يكون في مكانين. وهو الذي عناه بعض المتكلّمين حيث قال في حدّ العقل: إنه بعض العلوم الضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وهو أيضا صحيح في نفسه، لأنّ هذه العلوم موجودة وتسميتها عقلا ظاهر، وإنما الفاسد أن تنكر تلك الغريزة ويقال: لا موجود إلّا هذه العلوم. الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال. فإنّ من حنّكته التجارب وهذّبته المذاهب يقال إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف به يقال إنه غبي جاهل. فهذا نوع آخر من العلوم يسمّى عقلا. والرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور، ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذّة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوّة سمّي صاحبها عاقلا من حيث أنّ إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة. وهذه أيضا من خواصّ الإنسان التي بها يتميّز عن سائر الحيوانات. فالأول هو الأسّ والسّنخ والمنبع، والثاني هو الفرع الأقرب إليه، والثالث فرع الأول والثاني، إذ بقوّة الغريزة والعلوم تستفاد علوم التجارب، والرابع هو الثمرة الأخيرة، وهي الغاية القصوى؛ فالأولان بالطبع، والأخيران بالاكتساب. ولذلك قال عليّ ﵇: العقل عقلان: فمطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يكن [١] مطبوع، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع [٢] .

стр. 1167

والأول [١] هو المراد بقوله ﵇: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل. والأخير هو المراد بقوله ﵇: إذا تقرّب الناس بأبواب البرّ فتقرب أنت بعقلك. وهو المراد بقول رسول الله ﷺ لأبي الدرداء ﵁: ازدد عقلا تزدد من ربك قربا فقال: بأبي أنت وأمي، وكيف لي بذلك؟ فقال: اجتنب محارم الله، وأدّ فرائض الله تكن عاقلا، واعمل بالصالحات من الأعمال تزدد في عاجل الدنيا رفعة وكرامة وتنل من ربّك القرب والعزّ. وعن سعيد بن المسيب أنّ عمر وأبيّ بن كعب وأبا هريرة دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله فقالوا: يا رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله من أعلم الناس؟ فقال: العاقل، فقالوا: فمن أفضل الناس؟ قال: العاقل، قالوا: أليس العاقل من تمّت مروءته، وظهرت فصاحته، وجادت كفّه، وعظمت منزلته؟ فقال ﵇: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) (الزخرف: ٣٥) إنّ العاقل هو المتقي وإن كان في الدنيا خسيسا دنيّا. وقال في حديث آخر: إنما العاقل من آمن بالله، وصدّق رسله، وعمل بطاعته. ويشبه أن يكون الاسم في أصل اللغة لتلك الغريزة وكذا في الاستعمال، وإنما أطلق على العلوم من حيث أنها ثمرتها كما يعرف الشيء بثمرته، فيقال: العلم هو الخشية، والعالم من يخشى الله، فإنّ الخشية ثمرة العلم، فيكون كالمجاز لغير تلك الغريزة. ولكن ليس الغرض البحث عن اللغة [٢] . والمقصود أنّ هذه الأقسام الأربعة موجودة، والاسم يطلق على جميعها، ولا خلاف [٣] في وجود جميعها إلّا في القسم الأول؛ والصحيح وجودها بل هي الأصل. وهذه

стр. 1168

العلوم كأنها [١] مضمنة [٢] في تلك الغريزة بالفطرة، ولكن تظهر إلى الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأنّ هذه العلوم ليست شيئا واردا عليها من الخارج [٣] ، وكأنها كانت مستكنّة فيها فظهرت. ومثاله الماء في الأرض، فإنه يظهر بحفر القنيّ ويجتمع ويتميّز للحسّ لا بأن يساق إليها شيء جديد، وكذلك الدهن في اللوز وماء الورد، ولذلك قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) (الأعراف: ١٧٢) فالمراد به إقرار نفوسهم [٤] لا إقرار الألسنة، فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص، ولذلك قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (الزخرف: ٨٧) معناه إن اعتبرت أحوالهم شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) (الروم: ٣٠) أي كلّ آدميّ فطر على الإيمان بالله بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه، أعني أنها كالمضمّنة فيها لقرب استعدادها للإدراك. ثم لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفّار، وإلى من أجال خاطره فتذكّر فكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكّرها. لذلك قال تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة: ٢٢١) [٥] (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (ص: ٢٩) (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ) (المائدة: ٧) (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر: ١٧) ؛ وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد، وكأنّ التذكر ضربان أحدهما: أن تذكر صورة كانت حاضرة الوجود في القلب لكن غابت بعد الوجود، والآخر أن يكون عن صورة كانت

стр. 1169

مضمّنة فيه بالفطرة. وهذه حقائق ظاهرة للناظر بنور البصيرة، ثقيلة على من ستر وجه السماع والتقليد دون الكشف والعيان، ولذلك تراه يتخبّط في مثل هذه الايات ويتعسّف في تأويل التذكّر وإقرار النفوس أنواعا من التعسّفات، ويتخايل إليه في الأخبار والآيات ضروب من المناقضات، ومثاله مثال الأعمى الذي يدخل دارا فيعثر فيها بالأواني المصفوفة في الدار، فيقول: ما لهذه الأواني لا ترفع من الطريق وتردّ إلى مواضعها؟ فيقال له: إنها في مواضعها وإنما الخلل في بصرك. فكذلك خلل البصيرة يجري مجراه وأعظم، إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس، وعمى الفارس أضرّ من عمى الفرس. ولمشابهة بصيرة الباطن لبصيرة الظاهر قال الله تعالى (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) (النجم: ١١) قال (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (الأنعام: ٧٥) وسمى ضده عمى فقال (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: ٤٦) وقال تعالى: (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) (الإسراء: ٧٢) وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء: بعضها كان بالبصر، وبعضها بالبصيرة، وسمّي الكلّ رؤية. قال أبو حامد: والحقّ الصريح أنّ التفاوت يتطرّق إلى الأقسام الأربعة، سوى القسم الثاني، وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. فإنّ من عرف أنّ الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضا استحالة كون الشخص في مكانين، وكون الشيء الواحد قديما وحادثا، وكلّ من يدركه يدركه محققا من غير شك. فأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرّق إليها. أما القسم الرابع وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات لا يخفى تفاوت الناس فيه، بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد. وهذا التفاوت تارة يكون لتفاوت الشهوة إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض ولكن غير مقصور عليه، فإنّ الشابّ قد يعجز عن ترك الزنا وإذا كبر وتمّ عقله قدر عليه؛ وشهوة الرياء والرياسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفا، وقد يكون سببه التفاوت في

стр. 1170

العلم المعرّف لغائلة تلك الشهوة. ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرّة، وقد لا يقدر من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا، وإن كان يعتقد على الجملة فيه مضرّة. وإذا [١] كان علم الطبيب أتمّ كان خوفه أشدّ، فيكون الخوف جندا [٢] للعقل وعدّة في قمع الشهوة وكسرها. ولذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من العامي لقوة علمه بضرر المعاصي. فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل، وإن كان من جهة العلم فقد سمّينا هذا الضرب من العلم عقلا فإنه يقوّي غريزة العقل فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه. وقد يكون لمجرد التفاوت في غريزة العقل فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشدّ. وأما القسم الثالث وهو علم التجارب فتفاوت الناس فيها لا ينكر، فإنهم يتفاوتون بكثرة الإصابة وبسرعة الإدراك، ويكون سببه إما تفاوت في الغريزة، وإما تفاوت في الممارسة. أما الأول وهو الأصل- أعني الغريزة- فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على النفس ويطلع صبحه، ومبادي إشراقه عند سنّ التمييز، ثم لا يزال ينمي ويزداد نموّا خفيّ التدرج [٣] إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة، ومثاله نور الصبح، فإنّ أوائله تخفى خفاء يكاد يشقّ إدراكها، ثم يتدرّج إلى الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس. وتفاوت نور البصيرة كتفاوت [٤] نور البصر، فالفرق مدرك بين الأعمش وبين الحادّ البصر، بل سنّة الله جارية في جميع خلقه بالتدريج في الايجاد حتى إنّ غريزة الشهوة لا تركن في الصبي عند البلوغ دفعة وبغتة، بل تظهر شيئا شيئا على التدريج، وكذا جميع القوى والصفات. فمن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة

стр. 1171

فكأنه منخلع عن ربقة العقل، ومن ظنّ أنّ عقل النبي ﷺ مثل عقل آحاد السواديّة وأجلاف البوادي فهو أخسّ في نفسه من آحاد السواديّة وأجلاف البوادي. وكيف ينكر تفاوت الغريزة ولولاه لما اختلف الناس في فهم العلوم ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم إلّا بالتفهيم بعد تعب طويل من المعلّم وإلى ذكيّ يفهم بأدنى رمز وإشارة، وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور دون التعليم، يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار؛ وذلك مثل الأنبياء صلوات الله عليهم إذ يتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير تعلّم وسماع، ويعبّر عن ذلك بالإلهام، وعن مثله عبّر نبيّنا ﷺ حيث قال: إنّ روح القدس نفث في روعي: أحبب من أحببت فإنك مفارقه، وعش ما شئت فإنك ميّت، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به. وهذا النمط من تعريف الملائكة للأنبياء يخالف الوحي الصريح الذي هو سماع للصوت بحاسّة الأذن ومشاهدة للملك بحاسّة البصر، ولذلك أخبر عن هذا بالنّفث في الروع. ودرجات الوحي كثيرة والخوض فيها لا يليق بعلم المعاملة، بل هو من علم المكاشفة، ولا تظنّنّ أنّ معرفة درجات الوحي تستدعي منصب الوحي، إذ لا يبعد أن يعرّف الطبيب للمريض درجات الصحة، ويعلّم [العالم] الفاسق ودرجات العدالة وإن كان خاليا عنها. فالعلم شيء ووجود المعلوم شيء آخر، فلا كلّ من عرف النبوة والولاية كان نبيّا، ولا كلّ من عرف التقوى والورع ودقائقه كان تقيا. وانقسام الناس إلى من ينتبه من نفسه ويفهم، وإلى من لا يفهم إلّا بتنبيه وتعليم، وإلى من لا ينفعه التعليم أيضا ولا ينبّهه، كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء ويقوى فيتفجّر بنفسه عيونا، وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج في القنوات، وإلى ما لا ينفع فيه الحفر وهو اليابس، وذلك لاختلاف جواهر الأرض في صفاتها؛ فكذلك هذا لاختلاف النفوس في غريزة العقل. ويدلّ على تفاوت [١]

стр. 1172

العقل من جهة النقل ما روي أنّ ابن سلام سأل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش، وأنّ الملائكة قالت: يا ربّ خلقت شيئا أعظم من العرش؟ قال: نعم العقل، قالوا: وما بلغ من قدره؟ قال: هيهات لا يحاط بعلمه، هل لكم علم بعدد الرمل؟ قالوا: لا، قال: فإني خلقت العقل أصنافا شتّى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي حبّة، ومنهم من أعطي حبتين، ومنهم الثلاث والأربع، ومنهم من أعطي فرقا ومنهم من أعطي وسقا، ومنهم أكثر من ذلك. آخر كلام أبي حامد. ونذكر الآن ما جاء من كلام الحكماء والأدباء ونظم الشعراء في العقل والعاقل والجهل والجاهل، وأخبارا تناسب ذلك وتجري معه إن شاء الله تعالى . ٧٠٠- قال أبو سليمان محمد بن بهرام السجستاني المنطقي: الناس أصناف في عقولهم، فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم، فهم لا يبصرون بها إلّا حظوظهم المعجّلة، فلذلك يكيسون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكلّ طاقة ووسع على الظّفر بها. وصنف عقولهم متنبّهة لكنّها مخلوطة بسنات الجهل، فهم يحرصون على الخير واكتسابه ويخطئون كثيرا، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلّتهم الأولى، وهذا نعت موجود في العبّاد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أنّ النعت الأول موجود لطالبي الدنيا بكلّ حيلة ومحالة. وصنف عقولهم ذكيّة متلهّبة [١] لكنها عميّة عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة، والوصايا اللطيفة، والسمعة الربّانية. وهذا موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حقّ عندهم الحقّ اليقين، وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشيمون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد، فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذاذة والراحة. وصنف عقولهم مضيئة بما

стр. 1173

فاض عليها من عند الله باللطف الخفيّ، والاصطفاء السنيّ، والاجتباء [١] الذكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة، فتراهم حضورا وهم غيّب، وأشباها وهم متباينون، وكلّ صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ. وهذا كما تقول الملوك ساسة، ولكلّ واحد منهم في حاله خاصة، وهؤلاء شعراء ولكلّ واحد منهم بحر، وهؤلاء بلغاء ولكلّ واحد منهم أسلوب، وهؤلاء علماء ولكلّ واحد منهم مذهب. «٧٠١» - وقيل: العقل عقلان: فعقل تفرّد الله بصنعه، وعقل يستفيده المرء بأدبه وتجربته. ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلّا بصحة العقل المركّب في الجسد، فإذا اجتمعا قوّى كلّ واحد منهما صاحبه تقوية النار في الظلمة نور البصر. ٧٠٢- قال سهل بن هارون، فيما ترجمه عن الحكماء: إنّ المعرفة لا تحيط بمقدار عقل في إنسان، حتى إذا أراد واصف أن يصفه لم يتجاوز حدّه إلى زيادة ولم يقصّر عنه نقصان. وذلك أنّ العقل ثبات المعرفة، وقد يوجد الإنسان ثابت المعرفة بشيء وغير ثابتها بشيء آخر، فلا يقدر على إحصاء ما تثبت فيه معرفة المرء مما لا تثبت إلّا الخالق، غير أنّ قلوب ذوي الألباب موازين معرفتها لا يزن بها أحد بعد اختباره وصحة الفهم له إلّا كادت أن تضعه في ميزان عدل منها. وللقلوب في ذلك بما طوّقت من الفهم فضل على الألسن بما طوّقت من النطق وإن كانت تراجمة للقلوب. ألا ترى أنّ قائلا لو اجتهد في وصفه لما أتى على كنه معرفة قلبه، وليس ذلك لكلال من اللسان يلزمه عيبه، ولكنّ الفهم ألطف منه مدخلا وأدقّ مسلكا.

стр. 1174

٧٠٢ ب- قال: وسبب زيادة الفهم على المنطق أنّ اللسان رسول والقلب مرسل، ولا يقوم الرسول مقام المرسل. ٧٠٢ ج- قال: والعقل صيغة موجودة في ضريبة الإنسان، ليس باكتساب. ٧٠٢ د- قال: وموضع اللائمة للجاهل أنّ الجهل لو كان موجودا لا عقل معه لسقطت اللوائم عن صاحبه، ولكنّه يكون للمرء جزء من العقل فيلزمه من اللوم بقدر ما أضاعه بذلك الجزء، فإن كلّفه مكلّف أكثر من طاقة عقله فقد ظلمه، وهذا كثير في الناس: أن يؤنّبوا أهل النقص بأكثر من مقدار ما يلزمهم. وإنما يؤتى اللائم في ذاك من قلّة معرفته بمقدار ما يسعه عقل الملوم، فيكلّفه فوق طاقته. ألا ترى أنّ الذنوب إذا أصابها مصيب [١] كشف الحكام وجوهها فميّزت الجهل من غيره، فحكمها في العمد وهو ارتكاب الذنب مع المعرفة به العقوبة، وفي الخطأ إزالة العقوبة، ويسقط [٢] مع ذلك عنه المأثم. ٧٠٢ هـ- قال: والعقل أمّ لكلّ عمود، وجنّة من كلّ مذموم، حياة النفس وراحة البدن، مدّته إلى السرور، وأيامه إلى السلامة، جامع شمل المواهب، وراجع فوت كلّ ذاهب، كنف للرحمة، ومفتاح للهدى، آخية المودّة بين الصالحين، والساقط بالظنّ على اليقين، زارع الخير، ومثمّر الغبطة، وحامي الهوى عن مراتع الهلكة، لا يخبو نوره [٣] ، ولا تكبو زناده، يجنيك ثمرة العافية، ويقيك محذور العاقبة، مستصحب الصّنع وقرين التوفيق، ديوان للخيرات، ومعدن للصالحات، عليه معوّل المحروم، وفيه عوض من المعدوم. «٧٠٢» و قال: ووجدت مودّة الجاهل وعداوة العاقل أسوة في الخطر،

стр. 1175

ووجدت الأنس بالجاهل والوحشة من العاقل سيّان في العيب، ووجدت ظنّ العاقل أوقع بالصواب من يقين الجاهل. ووجدت غشّ العاقل أقلّ ضررا من نصيحة الجاهل، ووجدت العاقل أحفظ لما لم يستكتم من الجاهل لما استكتم. «٧٠٣» - قال علي بن أبي طالب ﵇: قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. وقال: صديق الجاهل في تعب. «٧٠٤» - وقال آخر: لأنا للعاقل المدبر أرجى منّي للأحمق المقبل. «٧٠٥» - وقيل: كلّ شيء يعزّ إذا قلّ، والعقل كلما كان أكثر كان أعزّ وأغلى. «٧٠٦» - وقيل لبعضهم: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه، وما لا يوجد كاملا فلا حدّ له. «٧٠٧» - قال الزبيري: إذا أنكرت عقلك فاقدحه بعاقل. «٧٠٨» - ودخل عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، جالس الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإنّ العقل يقع على العقل. «٧٠٩» - وقال الأحنف: إني لأجالس الأحمق فأتبيّن ذلك في عقلي.

стр. 1176

«٧١٠» - وقالوا: أول أمر العاقل آخر أمر الجاهل. «٧١١» - وقيل: عظمت المؤونة في عاقل متجاهل وجاهل متعاقل. «٧١٢» - قيل لبعضهم: العقل أفضل أم الجدّ؟ فقال: العقل من الجدّ. «٧١٣» - وقال بعضهم: لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره، وطاعة نفسه عليه ممتنعة. «٧١٤» - وقال بكر بن المعتمر: إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جزء من جهل ليقدم على الأمور، فإنّ العاقل أبدا متوان متوقف، مترقّب متخوّف. وهذا الكلام كأنه مأخوذ من قول النابغة الجعدي: [من الطويل] ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا «٧١٥» - قال أعرابي: ما تمّ عقل أحد إلّا قلّ كلامه. «٧١٦» - وقال آخر: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء، آنس منه بلين العيش مع السفهاء. ٧١٧- وقال آخر: استشر عدوّك العاقل ولا تستشر صديقك الأحمق فإنّ العاقل يتقي على رأيه الزلل كما يتقي الورع على دينه الحرج. «٧١٨» - قيل لحكيم: ما العقل؟ قال: الإصابة بالظنّ، ومعرفة ما لم يكن بما كان.

стр. 1177

«٧١٩» - قال أرسطاطاليس: العاقل يوافق العاقل، والجاهل لا يوافق العاقل ولا الجاهل، ومثال ذلك المستقيم الذي ينطبق على المستقيم فأما المعوج فإنه لا ينطبق على المعوج ولا على المستقيم. «٧٢٠» - قال سابور: لما رأيت تأتّي الأشياء لذوي الجهل على جهلهم وانصرافها عن ذوي الألباب والعقول، علمت أنّ المدبّر غيرهما، وأنها جارية بغير تدبير من العاقل والأحمق. ٧٢٠ ب- قال أردشير: نموّ العقل بالعلم. ٧٢١- قال أكثم بن صيفيّ: عدوّ الرجل حمقه، وصديقه عقله. «٧٢٢» - ومن أمثالهم في الحمق: خرقاء عيّابة. ٧٢٣- وقالوا: معاداة العاقل خير من مصادقة الأحمق. «٧٢٤» - قال الشاعر [١] : [من المتقارب] عدوّك ذو العقل خير من الص صديق لك الوامق الأحمق «٧٢٥» - والبيت السائر: [من الكامل] ولأن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق «٧٢٦» - ومن أمثال العرب في الحمق:

стр. 1178

(أ) خامري أمّ عامر، وهي الضبع تزعم العرب أنها من أحمق الدوابّ. (ب) خرقاء وجدت صوفا: يضربونه للرجل يجد مالا فيعيث. (ج) وشبيه به: عبد وحلى [١] في يديه. «٧٢٧» - ويضربون المثل في الحمق بعجل بن لجيم ويزعمون أنه قيل له: إنّ لكلّ فرس جواد اسما، وإنّ فرسك هذا سابق فسمّه، ففقأ إحدى عينيه وقال: قد سميته الأعور، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل] رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل أليس أبوهم عار عين جواده ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل «٧٢٨» - قيل: ما أعدمك من الأحمق فلا يعدمك منه كثرة الالتفات، وسرعة الجواب. ومن علاماته الثقة بكلّ أحد. «٧٢٩» - ويقال: إنّ الجاهل مولع بحلاوة العاجل، غير مبال بالعواقب، ولا معتبر بالمواعظ، ليس يعجبه إلّا ما ضرّه، إن أصاب فعلى غير قصد، وإن أخطأ فهو الذي لا يحسن غيره. لا يستوحش من الإساءة، ولا يفرح بالإحسان. [كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد فيها قبحا] . غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله. العاقل إذا تكلم بكلمة أتبعها مثلا، والأحمق إذا تكلّم بكلمة أتبعها حلفا. الأحمق إذا حدّث ذهل، وإذا تكلّم

стр. 1179

عجل، وإذا حمل على القبيح فعل. «٧٣٠» - وقال أبو يوسف: إثبات الحجّة على الجاهل سهل، ولكنّ إقراره بها صعب. «٧٣١» - وقد رضي قوم بالجهل فقالوا: ضعف العقل أمان من الغمّ؛ وقالوا: ما سرّ عاقل قط. «٧٣٢» - وقال المتنبي: [من الكامل] من لي بعيش الأغبياء فإنه ... لا عيش إلّا عيش من لا يعلم ٧٣٣- قال خالد بن صفوان: ينبغي للعاقل أن يمنع معروفه الجاهل واللئيم والسفيه، أما الجاهل فلا يعرف المعروف والشكر، واللئيم كأرض سبخة لا تنبت ولا تصلح، والسفيه يقول أعطاني فرقا من لساني. [عمر وهرم بن قطبة] «٧٣٤» - نظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى هرم بن قطبة ملتفّا في بتّ في ناحية المسجد، ورأى دمامته وقلّته، وعرف تقديم العرب له في الحلم والعلم، فأحبّ أن يكشفه ويسبر ما عنده، فقال: أرأيت لو تنافرا إليك اليوم، لأيّهما كنت تنفّر؟ يعني علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل، قال: يا أمير المؤمنين لو قلت فيهما كلمة لأعدتها جذعة. قال عمر: لهذا العقل تحاكمت إليك العرب [١] .

стр. 1180

«٧٣٥» - قدم هوذة بن عليّ الحنفيّ [١] على كسرى فسأله عن بنيه، فذكر عددا، فقال: أيهم أحبّ إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يصحّ. فقال له كسرى: ما غذاؤك في بلدك؟ قال: الخبز. قال كسرى لجلسائه: هذا عقل الخبز، يفضّله على أهل البوادي الذين يغتذون اللبن والتمر. [نصيب وجارية حمراء] «٧٣٦» - دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك فقال له: حدّثني يا نصيب ببعض ما مرّ عليك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، علقت جارية حمراء فمكثت زمانا تمنّيني الأباطيل، فلما ألححت عليها قالت: إليك عنّي فو الله لكأنّك من طوارق الليل، فقلت لها: وأنت والله كأنك من طوارق النهار، فقالت: ما أظرفك يا أسود، فغاظني قولها فقلت لها: هل تدرين ما الظّرف؟ إنما الظرف العقل، ثم قالت لي: انصرف حتى أنظر في أمرك فأرسلت إليها هذه الأبيات: [من الوافر] فإن أك حالكا فالمسك أحوى ... وما لسواد جلدي من دواء ولي كرم من الفحشاء ناء [٢] ... كبعد الأرض من جوّ السماء ومثلي في رجالكم قليل ... ومثلك ليس يعدم في النساء فإن ترضي فردّي قول راض ... وإن تأبي فنحن على السواء قال: فلما قرأت الشعر قالت: المال والعقل يأتيان على غيرهما، فتزوجتني.

стр. 1181

«٧٣٧» - كان عبد الله بن يزيد أبو خالد القسري من عقلاء الرجال. قال له عبد الملك يوما: ما مالك؟ قال: شيئان لا عيلة معهما: الرضى عن الله والغنى عن الناس. فلما نهض من بين يديه قيل له: هلّا أخبرته بمقدار مالك؟ فقال: لم يعد أن يكون قليلا فيحقرني، أو جليلا فيحسدني. «٧٣٨» - قال الرشيد لسعيد بن سلم: يا سعيد من بيت قيس في الجاهلية؟ قال: يا أمير المؤمنين بنو فزارة. قال: فمن بيتهم في الاسلام؟ قال: يا أمير المؤمنين الشريف من شرّفتموه. قال: صدقت، أنت وقومك. «٧٣٩» - احتيج أن يكتب على المعتضد كتاب يشهد عليه فيه الشهود، فلما عرضت النسخة على عبيد الله بن سليمان كان ابن ثوابة قد كتبها كما يكتب في الصكاك «في صحة من عقله، وجواز من أمره» [١] فضرب عليه عبيد الله وقال: هذا لا يجوز أن يقال للخليفة وكتب: «في سلامة من جسمه، وأصالة من رأيه» . [عند المأمون] «٧٤٠» - خاصم أحمد بن يوسف رجلا بين يدي المأمون، وكان قلب المأمون على أحمد مملوءا، فعرف أحمد ذلك فقال: يا أمير المؤمنين إنه يستملي من عينيك ما يلقاني به، ويستبين بحركتك ما تجنّه له، وبلوغ إرادتك أحبّ إليّ من بلوغ أملي، ولذة إجابتك آثر لديّ من لذّة ظفري، وقد تركت له ما نازعني فيه، وسلّمت إليه ما طالبني به. فشكر المأمون له ذلك.

стр. 1182

٧٤١- وهب المأمون لطاهر بن الحسين الهنيء والمريء، وهما نهران بقرب الرقة فقال: يا أمير المؤمنين كفى بالمرء شرها أن يأخذ كلّ ما أعطي، ما هما يا أمير المؤمنين من ضياع السّوقة، ما يصلحان إلّا لخليفة أو وليّ عهد، ولم يقبلهما. ٧٤٢- وشبيه بهذا الفعل الذي هو نتيجة العقل ما روي عن الفضل بن سهل، وهو أنّ حمزة العطارة كانت تتولّى جوهر الخلافة، فلما قتل محمد الأمين حملت الجوهر إلى المأمون بمرو، فأحضر التجار والفضل بن سهل، فقوّم بعشرين ألف ألف دينار، فقال المأمون للفضل بن سهل: خذه فقد جعلته جميعه لك، فاستعفاه، والّح المأمون عليه حتى قال له: فخذ النصف فامتنع، فأخذ المأمون منه عقدا كان أكبر ما فيه وأحسنه، فحلف ليأخذنّه ففعل. فلما قتل الفضل بن سهل وجد في رحله حقّ مختوم، ففتح فإذا فيه العقد، ومعه رقعة بخطّه مكتوب فيها: كنت بحضرة المأمون وقد حمل إليه جوهر الخلافة، فقوّم بكذا، فوهبه جميعه لي، فامتنعت. ثم أمرني بأخذ نصفه فامتنعت، فأعطاني هذا العقد وحلف على أخذه ففعلت، وهو عندي لأمير المؤمنين المأمون وديعة، وليس لي فيه حقّ، فإن حدث بي حدث الموت فيحمل إلى أمير المؤمنين، فلا شيء لي فيه ولا لورثتي. «٧٤٣» - كتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم: إني قد طلّقت أمّ خالد بنت قطن الهلالية عن غير ريبة ولا سوء، فتزوّجها. فكتب إليه قتيبة: إنه ليس كلّ مطالع الأمير أحبّ أن أطلع، فقال الحجّاج: ويل امّ قتيبة، وأعجبه ذلك. [ناس ذكروا بالجهل والحمق] «٧٤٤» - كان الوليد بن عبد الملك يذكر بالجهل، وذكر يوما عليّ بن أبي طالب ﵇ على المنبر فقال: لصّ ابن لصّ، فقال بعضهم: ما أدري أيّ

стр. 1183

أمريه أعجب: لحنه فيما لا يلحن فيه أحد، أو نسبته عليا إلى اللصوصية. «٧٤٥» - وقريب منه ما روي عن المتوكل أنه قال يوما لأصحابه: تكابروني في أمر عليّ بن أبي طالب، ورأيته البارحة في منامي وهو في النار، قالوا: فنحضر فلانا معبّر الرؤيا ونقصّها عليه، فلعلّ لذلك تأويلا. فأحضره وعرفه ما رآه ولم يذكر عليا، فقال له: لا يجوز أن يكون الرجل إلّا نبيّا أو في منزلة الأنبياء، فقال له: وكيف ذلك، وبما استدللت عليه قال: بقول الله تعالى (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها) (النمل: ٨) . «٧٤٦» - وقال يوما والله لأشفعنّ للحجاج بن يوسف. وكان أخوه يزيد بن عبد الملك جاهلا مستهترا باللذات واللهو في خلافته، وكان يقول لمولاته حبابة إذا غنته: أتأذنين أن أطير؟ فتقول: وعلى من تدع الناس؟ فيقول: عليك. ولما غلبت عليه حبابة قال لها يوما: قد استخلفتك على ما ورد عليّ، ونصبت لذلك مولاي فلانا فاستخلفيه لأقيم معك أياما وأستمتع بك، فقالت: إني قد عزلته، فغضب عليها وقال: أستعمله وتعزلينه؟! وخرج من عندها مغضبا. فلما ارتفع النهار وطال عليه هجرها قال لخصيّ له: انطلق فانظر ما تصنع، فرآها تلعب بلعبها، فقال له: احتل لي حتى تمرّ بها عليّ. فانطلق الغلام فلاعبها ساعة ثم استلب لعبة من لعبها وخرج، فخرجت تحضر في أثره، فمرّت بيزيد فوثب يقول: قد عزلته، وهي تقول قد استعملته؛ فعزل مولاه وولّاه وهو لا يدري.

стр. 1184

«٧٤٧» - وقد عدّ للحجاج أقوال تدلّ على الجهل، فمن ذلك أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك بعد وفاة محمد أخيه: أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أنه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار، فإن يكن أصابها من حلّها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا ﵀. فكتب إليه الوليد: أما بعد فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد من المال، وإنما أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، فترحم عليه رحمك [١] الله. «٧٤٨» - وكتب الحجاج إلى عبد الملك: بلغني أنّ أمير المؤمنين عطس عطسة فشمّته قوم فقال: يغفر الله لنا ولكم ف (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) (النساء: ٧٣) . «٧٤٩» - ووفد مرة على الوليد فقال له وقد أكلا: هل لك في الشراب؟ فقال: ليس بحرام ما أحللته، ولكنّي أمنع أهل عملي منه، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) (هود: ٨٨) . ٧٥٠- وقيل له وقد احتضر: ألا تتوب؟ فقال: إن كنت مسيئا فليست هذه الساعة ساعة توبة، وإن كنت محسنا فليست ساعة جزع. وشكّه في نفسه بين الإساءة والإحسان من أجهل الجهل. [من اهتز ومن حمّق] «٧٥١» - كان عبيد الله بن أبي عبد الله كاتب المهدي يحمّق، وقتله المهديّ في الزندقة بعد أن أقرّ بها ولم ينكرها، وكان ذلك سبب فساد حال أبيه مع المهدي.

стр. 1185

وهب له المهديّ وصيفة ثم سأله بعد ذلك عنها فقال له: ما وضعت بيني وبين الأرض قطّ أوطأ منها حاشا سامع، فقال المهدي لأبيه: أتراه يعنيني أو يعنيك؟ قال: بل يعني أمّه الزانية، لا يكني. ٧٥٢- قالت خيرة بنت ضمرة القشيرية امرأة المهلّب للمهلب: إذا انصرفت من الجمعة فأحبّ أن تمرّ بأهلي فقال: إنّ أخاك أحمق، قالت: فأحبّ أن تمرّ بنا. فجاء وأخوها جالس فلم يوسّع له فجلس المهلب ناحية ثم أقبل عليه وقال: ما فعل ابن عمّك فلان؟ قال حاضر قال: أرسل إليه، ففعل، فلما نظر إلى المهلب غير مرفوع المجلس قال: يا ابن اللخناء، المهلب جالس ناحية وأنت في صدر المجلس، وواثبه، فتركه المهلب وانصرف، فقالت له خيرة: أمررت بأهلي؟ قال: نعم، وتركت أخاك الأحمق يضرب. «٧٥٣» - قال ابن عائشة: كان مالك بن أبي السمح من أحمق الناس، فلما قتل الوليد بن يزيد كنّا حاضرين معه، فقال مالك: اهرب بنا، فقلت: وما يريدون منّا؟ قال: وما يؤمّنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسّنوا أمرهم بذلك؟ قال ابن عائشة: فما رأيت أقلّ [١] منه عقلا قط قبل [٢] ذلك اليوم. ٧٥٤- يقولون: الخرف حمق معتّق. وقالوا: إنما يهتر كلّ إنسان بما كان مغرى به زمن الشبيبة. «٧٥٤» ب- فمن ذلك أنّ بسر بن أرطأة أهتر فكان يطلب السيف ليضرب

стр. 1186

به، فكانوا يعطونه سيفا من خشب، فلا يزال يضرب به كلّ ما يجده. وكان من قبل معدودا في أولي البأس، وكان سفّاكا للدماء. «٧٥٤» ج- والنمر بن تولب العكلي كان من الأجواد فأسنّ وأهتر، فكان دأبه أن يقول: أصبحوا الراكب، اغبقوا الراكب، اقروا الضيف، انحروا له، أعطوا السائل، تحملوا لهذا في حمالة كذا وكذا. ٧٥٤ د- وخرفت امرأة من حيّ كرام عظيم خطرهم وخطرها فيهم، فكان هجّيراها: زوّجوني، قولوا لزوجي. فقال عمر بن الخطاب ﵁ وقد بلغه خبرها: ما لهج به أخو عكل، النمر بن تولب، في خرفه أفخر وأسرى وأجمل مما لهجت به صاحبتكم، ثم ترحّم عليه. «٧٥٥» - أتى عديّ بن أرطأة شريحا ومعه امرأة من أهل الكوفة يخاصمها، فلما جلس بين يدي شريح قال عديّ: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: إني امرؤ من أهل الشام، قال: بعيد سحيق، قال: وإني قدمت العراق، قال: خير مقدم، قال وتزوّجت هذه المرأة وقد أردت أن أنقلها إلى داري، قال: المرء أحقّ بأهله، قال: قد كنت شرطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: اقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: فعلى من قضيت؟ قال: على ابن أمك. «٧٥٦» - قال محمد بن رياح القاضي: تقدم إليّ قثم مع ابن أخيه فادّعى عليه

стр. 1187

خمسة آلاف دينار، فقال قثم: نعم له عليّ ذلك، فمن أيّ وجه؟ فقلت: قد أقررت له بالمال فإن شاء فسّر الوجه، وإن شاء لم يفسّر. فقال ابن أخيه: أشهد أنه بريء منها إن لم أثبتها، فقلت: وأما أنت فقد أبرأته إلى أن يثبت ذلك؛ فما رأيت أضعف منهما في الحكم. «٧٥٧» - خطب سعيد بن العاص عائشة بنت عثمان على [١] أخيه فقالت: لا أتزوّجه، قال: ولم؟ قالت: هو أحمق، له برذونان أشهبان، فيحتمل مؤونة اثنين وهما عند الناس واحد. «٧٥٨» - وكان خالد بن عبد الله القسريّ فيما تواترت به الأخبار عنه يتظاهر بما يدلّ على الكفر والجهل، وهو في الكفر أدخل وبه أليق. ومما يليق بالجهل أنه كان يوما يخطب على المنبر وكان لحنة، وكان له مؤدّب يجلس بإزائه، فإذا شكّ في شيء أومأ إليه، وكان لخالد صديق من تغلب زنديق يقال له زمزم، فقال له وهو على المنبر: مسألة قد حضرتني، فقال له: ويحك أما ترى الشيطان عينه في عيني؟ يعني مؤدّبه، قال: لا بدّ والله منها، أخبرني عن الحمار إذا ساف وكرف [٢] ثم رفع رأسه وكرف أيّ شيء يقول؟ قال: أراه يقول: يا رباه ما أطيبه. قال: صدقت، ما كان يستشهد على هذا سوى ربّه. «٧٥٩» - كانت امرأة أبي خراش من أحمق النساء. قال أبو بكر الأشجعي: خرج أبو خراش الهذلي من أرض هذيل يريد مكة، فقال لزوجته أمّ خراش:

стр. 1188

ويحك إني أريد مكّة لبعض الحاج، وإنك لمن أفك النساء [١] ، وإنّ بني الديل يطلبونني بترات، فإياك أن تذكريني لأحد [من أهل مكة] حتى أصدر عنها. فقالت: أعوذ بالله أن أذكرك لأحد من أهل مكة وأنا أعرف السبب. قال: فخرج يوما بأم خراش [٢] وكمن لحاجته، وخرجت إلى السوق تشتري عطرا أو بعض ما يشتريه النساء من حوائجهنّ؛ فجلست إلى عطّار فمرّ بها فتيان من بني الديل، فقال أحدهما لصاحبه: أمّ خراش وربّ الكعبة، وإنها لمن أفك النساء، وإن كان أبو خراش معها فستدلّنا عليه. قال: فوقفا عليها فسلّما وأحفيا في المسألة والسلام، فقالت من أنتما بأبي أنتما، قالا: رجلان من أهلك. قالت بأبي أنتما، فإنّ أبا خراش معي فلا تذكراه لأحد، ونحن رائحون العشيّة. فخرج الرجلان فجمعا جماعة من فتيانهم وأخذوا مولى لهم يقال له مخلد، وكان من أجود الرجال عدوا، فكمنوا في عقبة على طريقه، فلما رآهم قد لاقوه في عين الشمس قال لها: قتلتني وربّ الكعبة، لمن ذكرتني؟ قالت ما ذكرتك إلّا لفتيين من هذيل، فقال لها: والله ما هما من هذيل، ولكنهما من بني الديل، وقد جلسا لي وجمعا عليّ جماعة من قومهما، فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلّا أستوحش فأفوتهم، فاركضي بعيرك، وضعي عليه العصا، والنجاء النجاء؛ قال: وهي على قعود عقيليّ يسبق الريح. فلما دنا منهم وقد تلثموا ووضعوا تمرا على طريقه على كساء، فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا، وجاوزتهم أمّ خراش فلم يعرضوا لها لئلّا ينفر منهم، ووضعت العصا على قعودها. فتواثبوا إليه ووثب يعدو، قال: فزاحمه على المحجة التي يسلك فيها على العقبة ظبي، فسبقه أبو خراش، وتصايح القوم لمخلد: يا مخلد أخذا أخذا، فقال: فات الأخذ، فقالوا: ضربا ضربا، فسبق الضرب. فقالوا: رميا رميا، فسبق الرمي. وسبقت أمّ خراش إلى الحيّ فنادت: ألا إنّ أبا خراش قد قتل، فقام الحيّ إليها وقام أبوه

стр. 1189

فقال: ويحك ما كانت القصة [١] ؟ قالت: فإنّ بني الديل عرضوا له الساعة في العقبة، قال: فما رأيت أو ما سمعت؟ قالت: سمعتهم يقولون: رميا رميا، قال: فإن كنت سمعت رميا رميا فهو منا قريب. ثم صاح: يا أبا خراش، فقال أبو خراش: لبيك لبيك، فإذا هو قد وافاهم على أثرها. «٧٦٠» - قال عبد الله بن محمد البواب: سألت الخيزران موسى الهادي أن يولّي خاله الغطريف اليمن، فوعدها بذلك ودافعها، ثم كتبت إليه يوما رقعة تناجزه [٢] فيها أمره، فوجّه إليها برسولها يقول لها: خيّريه بين اليمن وطلاق ابنته، أو مقامي عليها ولا أولّيه اليمن، فأيّهما اختار فعلته. فدخل الرسول إليها، ولم يكن فهم عنه ما قال له فأخبرها بغيره، ثم خرج إليه فقال: تقول لك ولاية اليمن، فغضب وطلّق ابنته وولّاه اليمن. ودخل الرسول فأعلمه بذلك فارتفع الصراخ من داره فقال: ما هذا؟ فقالوا: من دار بنت خالك، قال: أولم يختر ذلك؟ قالوا: لا ولكنّ الرسول لم يفهم ما قلت وأدّى غيره، وعجلت بذلك [٣] . فندم ودعا صالحا صاحب المصلّى وقال له: أقم على رأس كلّ رجل يحضرني من الندماء رجلا بسيف، فمن لم يطلّق امرأته فليضرب عنقه، ففعل ذلك، ولم يبرح من حضرته أحد منهم حتى طلّق امرأته. قال ابن البواب: فخرج الخدم إليّ فأخبروني بذلك، وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه يراوح بين رجليه فخطر ببالي: [من الطويل] خليليّ من سعد ألما فسلّما ... على مريم لا يبعد الله مريما وقولا لها هذا الفراق عزمته ... فهل من نوال قبل ذاك فيعلما

стр. 1190

فأنشدته بالياء، فقال لي: فنعلما بالنون، فقلت له: وما الفرق بينهما؟ فقال: إنّ المعاني تحسّن الشعر وتفسده، وإنما قال «فنعلم» ليعلم هو القصة، وليست به حاجة إلى أن يعلم الناس سرّه. فقلت له: أنا أعلم بالشعر منك، قال: فلمن هو؟ قلت: للأسود بن عمارة النوفلي قال: أو تعرفه؟ قلت: لا، قال: فأنا هو. فاعتذرت إليه من مراجعتي إياه ثم عرّفته خبر الخليفة فيما فعله، فقال: أحسن الله جزاءك، وانصرف، وقال: هذا أحقّ منزل بترك. «٧٦١» - مدح البحتري المتوكل بقصيدته التي أولها: [من الكامل المجزوء] عن أيّ ثغر تبتسم ... وبأيّ طرف تحتكم وهي من فاخر الشعر ومونقه، فصاح به أبو العنبس الصيمري من خلفه: [من الكامل المجزوء] في أيّ سلح ترتطم ... وبأيّ كفّ تلتقم أدخلت رأسك في الحرم ... وعلمت أنك تنهزم وتمامها شعر سخيف ركيك، فغضب البحتريّ وخرج، وضحك المتوكل حتى أكثر، وأمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم، وقيل: أمر له بالصلة التي كانت أعدّت للبحتري. «٧٦٢» - قال المدائني: قدم البصرة راجز من أهل المدينة، فجلس إلى حلقة فيها الشعراء فقال: أنا أرجز العرب، أنا الذي أقول: [من الرجز] مروان يعطي وسعيد يمنع ... مروان نبع وسعيد خروع

стр. 1191

وددت أني راهنت [١] في الرجز من أحبّ، والله لأنا أرجز من العجاج، فليت البصرة جمعت بيني وبينه، قال: والعجاج حاضر، وابنه رؤبة معه. فأقبل رؤبة على أبيه فقال: قد أنصفك الرجل، فقال العجاج: ها أنا ذا العجاج، وزحف إليه، فقال: وأيّ العجّاجين أنت؟ قال: ما خلتك تعني غيري، أنا عبد الله الطويل، وكان يكنى بذلك. قال المدني: ما عنيتك ولا أردتك، قال: كيف وقد هتفت باسمي؟ قال: وما في الدنيا عجاج سواك؟ قال: ما علمت، قال: لكني أعلم وإياه عنيت. قال: فهذا ابني رؤبة، قال: اللهم غفرا ما بيني وبينكما عمل، وإنما مرادي غيركما، فضحك أهل الحلقة، وكفّا عنه. «٧٦٣» - قال إسحاق الموصلي: دخلت يوما على الأمين فرأيته مغضبا كالحا، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما لي أراك كالخاثر [٢] ؟ قال: غاظني أبوك الساعة، لا ﵀، والله لو كان حيا لضربته خمسمائة سوط، ولولاك لنبشت الساعة قبره وأحرقت عظامه. فقمت على رجليّ وقلت: أعوذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين. ومن أبي وما مقداره حتى تغتاظ منه؟ وما الذي غاظك؟ فلعلّ له فيه عذرا. فقال: شدة محبته للمأمون وتقديمه إياه عليّ حتى قال في الرشيد شعرا يقدّمه عليّ فيه وغنّاه فيه، وغنّيته الآن فأورثني هذا الغيظ، فقلت: والله ما سمعت هذا قطّ ولا لأبي غناء إلّا وأنا أرويه، فما هو؟ قال: قوله: [من الوافر] أبو المأمون فينا والأمين ... له كنفان [٣] من كرم ولين فقلت له: يا أمير المؤمنين، لم يقدّم المأمون في هذا الشعر لتقديمه إياه في الموالاة،

стр. 1192

ولكنّ الشعر لم يصحّ له وزنه إلّا هكذا، فقال: كان ينبغي إذا لم يصحّ له الشعر إلّا هكذا أن يدعه إلى لعنة الله. فلم أزل أداريه وأرفق به حتى سكن. فلما قدم المأمون سألني عن هذا الحديث، فحدثته به فجعل يعجب منه ويضحك. [أخبار عن المنصور] «٧٦٤» - كان مطيع بن إياس الكنانيّ يخدم جعفر بن أبي جعفر المنصور وينادمه، فكره ذلك أبو جعفر لما شهر به مطيع في الناس، وخشي أن يفسده، فدعا بمطيع وقال له، قد عزمت على أن تفسد ابني عليّ وتعلّمه زندقتك؟! قال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من أن تظنّ بي هذا فأهلك، والله ما يسمع مني إلّا ما إذا وعاه جمّله وزيّنه ونبّله. قال: ما أرى ذلك ولا يسمع منك إلّا ما يضرّه ويعرّه. فلما رأى مطيع لجاجه [١] في أمره قال له: أتؤمّنني من غضبك حتى أصدقك؟ قال: أنت آمن قال: وأيّ مستصلح فيه، أو أيّ نهاية لم يبلغها في الفساد والهلاك [٢] ؟! قال: ويلك بأيّ شيء؟ قال: يزعم أنه يتعشّق امرأة من الجنّ، وهو مجتهد في خطبتها، وقد جمع أصحاب العزائم عليها، وهم يغرونه ويعدونه بها ويمنّونه، فو الله ما فيه فضل لغير ذلك من جدّ ولا هزل، ولا كفر ولا إيمان. فقال له المنصور: ويلك أتدري ما تقول؟ قال: الحقّ والله أقول، فسل عن ذلك. فقال له: عد إلى صحبته واجتهد أن تزيله عن هذا الأمر، ولا تعلمه أني علمت بذلك حتى أجتهد في إزالته عنه. «٧٦٥» - ودخل المنصور دار جعفر ابنه هذا، وخرج جعفر من دار حرمه، فقال لأبيه: ما حملك على أن دخلت عليّ بغير إذن؟ فقال له أبو جعفر: لعنك

стр. 1193

الله، ولعن من أشبهته، قال: والله لأنا أشبه بك منك بأبيك. [عقيل بن علّفة] «٧٦٦» - دخل عقيل بن علّفة المريّ على يحيى بن الحكم، وهو يومئذ أمير المدينة، فقال له يحيى: أنكح ابن خالي- يعني ابن أوفى- فلانة ابنتك، فقال له: إنّ ابن خالك ليرضى منّي بدون ذلك، قال: وما هو؟ قال: أن أكفّ عنه سنن الخيل إذا غشيت سوامه، فقال يحيى لحرسيّين بين يديه: أخرجاه، فلما ولّى قال: أعيداه، فأعاداه، فقال له عقيل: مالك تكررني تكرار الناضح؟ قال: أما والله إني لأكرّك أعرج جافيا، قال عقيل لذلك [١] قلت: [من البسيط] تعجبت أن رأت رأسي تجلّله ... من الروائع شيب ليس من كبر ومن أديم تولّى بعد جدّته ... والجفن يخلق حدّ الصارم الذكر فقال له يحيى: أنشدني قصيدتك هذه كلّها، قال: ما انتهيت إلّا إلى ما سمعت، قال: أما والله إنك لتقول فتقصر قال: إنما يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق [٢] . قال فأنكحني إحدى بناتك قال: أما أنت فنعم، قال: أما والله لأملأنّك مالا وشرفا. قال: أما الشرف فقد حمّلت ركائبي منه ما أطاقت، وكلّفتها تجشّم ما لم تطق، ولكن عليك بهذا المال فإنّ فيه صلاح الأيّم ورضى الأبيّ. فزوجه ثم خرج فأهداها إليه، فلما قدمت عليه بعث إليها يحيى مولاة له لتنظر إليها، فجاءتها فجعلت تغمز عضدها، فرفعت يدها فدقّت أنفها، فرجعت إلى يحيى فقالت: بعثتني إلى أعرابية مجنونة فصنعت بي ما ترى. فنهض إليها يحيى فقال: مالك؟ فقالت: ما أردت أن بعثت إليّ أمة تنظر إليّ؟ ما أردت بما فعلت إلّا أن يكون نظرك إليّ قبل كلّ ناظر، فإن رأيت حسنا كنت قد سبقت إلى بهجته، وإن رأيت

стр. 1194

قبيحا كنت أحقّ من ستره [١] ، فسرّ بقولها وعقلها، وحظيت عنده. [محمد الأمين] ٧٦٧- كان محمد الأمين مضعّفا شديد الانهماك على اللذّة، منهمكا على التصابي، مطاوعا هوى النفس وجهلها، فروي عنه أنه لاعب الفضل بن الربيع بالنرد في وقت محاربته طاهر بن الحسين، وأخذ خاتمه رهنا وعليه اسمه واسم أبيه وقام لحاجته، واستدعى نقّاشا وأمره أن يكتب تحت اسمه ينكح، ثم عاد إلى مجلسه وأعاد الخاتم إلى الفضل، وتركه أياما ثم أخذ الخاتم من يده فتأمّله وقال: ما الذي عليه مكتوب؟ قال: اسمي، قال: وما هذا تحته؟ فتأمله الفضل فكاد يجنّ وقال له: ما بقّيت في هتك سترك شيئا، هذا خاتم وزيرك تختم به الكتب الصادرة عنك إلى الآفاق، وبالأمس ختم به إلى أخيك الذي يدعو إلى خلعك، ويجهّز الجيوش لحربك، ويزعم أنه أحقّ بالأمر منك، وما يضرّ ذلك الفضل ولا الربيع، والله المستعان. ٧٦٨- وذكره الفضل يوما فقال: ينام نوم الظّربان، وينتبه انتباه الذئب، همّه بطنه ولذّته، لا يفكّر في زوال نعمة، ولا يروّي في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد شمّر له عبد الله عن ساقه، وفوّق له أسدّ أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، قد عبأ له المنايا على متون الخيل، وناط له البلايا بأسنّة الرماح وشفار السيوف. [من الطويل] يقارع أتراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم فيصبح من طول الطراد وجسمه ... نحيل وأضحي في النعيم أصمم فشتان ما بيني وبين ابن خالد ... أمية في الرزق الذي الله يقسم ونحن نجري إلى غاية إن قصّرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعب من أصل: إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا. إن هذا الرجل

стр. 1195

قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء ويعتزم على الرؤيا، قد أمكن أهل الخسارة واللهو من سمعه، فهم يمنّونه الظفر ويعدونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السّيل إلى قيعان الرمل. [أقوال في العقل والحمق] «٧٦٩» - والمثل يضرب في حمق هبنّقة القيسيّ، واسمه يزيد بن ثروان وكنيته أبو نافع، شرد له بعير فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له أتجعل في بعير بعيرين؟ قال: إنكم لا تعرفون فرحة الوجدان. «٧٧٠» - قيل: أحقّ الناس بالرحمة ثلاثة: عاقل قد نفذت عليه أحكام جاهل، وبرّ سلّط عليه فاجر، وكريم عرضت له حاجة إلى لئيم. ومنه قول الأعشى: [من الكامل] حسب الكريم مذلّة ومسبّة ... أن لا يزال إلى لئيم يرغب ٧٧١- قال أبو تمام الطائي: قلت لأعرابيّ أيسرّك أنك جاهل ولك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قلت: ولم؟ قال: لأنّ يسر الجاهل شين، وعسر العاقل زين، وما افتقر رجل صحّ عقله. ٧٧٢- وقال الأحنف: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وبرّ من فاجر، وشريف من دنيء. «٧٧٣» - وقال أعرابي: العاقل حقيق أن يسخّي نفسه عن الدنيا علمه بأن [١]
следующие страницы →