← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

«٥٧٧» - بينا داود ﵇ جالسا على باب داره، جاء رجل فاستطال عليه، فغضب له إسرائيليّ كان معه فقال: لا تغضب فإنّ الله إنما سلّطه عليّ لجناية جنيتها. فدخل فتنصّل إلى ربّه، فجاء الرجل يقبّل رجليه ويعتذر إليه. «٥٧٨» - قال سقراط: ينبوع فرح الإنسان القلب المعتدل، وينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزن الإنسان القلب المختلف المزاج، وينبوع حزن العالم الملك الجائر. «٥٧٩» - لما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر، لم يزل الموكّل به يقتفي أثر عمر حتى عثر عليه في المسجد نائما متوسّدا درّته. فلما رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك، عدلت فأمنت فنمت؛ والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة. «٥٨٠» - مرّ عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا ربّ إنّ حلمك عن الظالمين قد أضرّ بالمظلومين، فرأى في منامه أنّ القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة، فرأى المصلوب فيها في أعلى علّيين، وإذا مناد ينادي: حلمي عن الظالمين أحلّ المظلومين في أعلى علّيين. «٥٨١» - بعث رسول الله ﷺ جيشا وأمّر عليهم رجلا، قيل هو عبد الله بن محرز، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجّج نارا وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها وقالوا: إنما فررنا من النار. وأراد قوم أن يدخلوها، فبلغ

стр. 1122

ذلك النبيّ ﵇ فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنّما الطاعة في المعروف. «٥٨٢» - ومن الإنصاف في الأقوال [١] : أغلظ رجل للمهلب فحلم عنه، فقيل له جهل عليك وتحلم عنه؟! فقال: لم أعرف مساوئه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه. «٥٨٣» - قال ابن دريد، قال أبو حاتم: فاتني نصف العلم، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال تصدّرت ولم أكن للتصدّر أهلا، واستحييت أن أسأل من دوني، واختلف إليّ من فوقي، فذلك الجهل في نفسي إلى اليوم. «٥٨٤» - وقال ابن المنجم: كنت أحضر وأنا صغير مجلس ثعلب، فأراه ربّما سئل عن خمسين مسألة وهو يقول: لا أدري، لا أعلم، لم أسمع. «٥٨٥» - وقال اليوسفي الكاتب: كنت يوما عند أبي حاتم السجستاني إذ أتاه شابّ من أهل نيسابور فقال له: يا أبا حاتم إنّي قدمت بلد كم وهو بلد العلم والعلماء، وأنت شيخ أهل المدينة، وقد أحببت أن أقرأ عليك كتاب سيبويه. فقال له: الدين النصيحة، إن أردت أن تنتفع بما تقرأه فاقرأ على هذا الغلام محمد ابن يزيد، فتعجبت من ذلك. [الأحنف عند معاوية] ٥٨٦- جلس معاوية يوما وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف، إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، فكان آخر كلامه أن لعن عليا ﵇.

стр. 1123

فأطرق الناس وتكلّم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إنّ هذا القائل آنفا ما قال لو علم أنّ رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتّق الله تعالى ودع عليا فقد لقي الله وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله ما علمنا المبرّز بسبقه، الطاهر في خلقه، الميمون النقيبة، العظيم المصيبة. فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضيت العين على [١] القذى، وقلت بغير ما ترى، وأيم الله لتصعدنّ المنبر فلتلعننّه طائعا أو كارها، قال الأحنف: إن تعفني هو خير، وإن تجبرني على ذلك فو الله لا تجري به شفتاي. قال: قم فاصعد، فقال: أما والله لأنصفنّك في القول والفعل. قال معاوية: وما أنت قائل إن أنصفتني؟ قال: أصعد فأحمد الله تعالى بما هو أهله، وأصلّي على نبيّه، ثم أقول: أيها الناس إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليا، ألا وإنّ عليا ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادّعى كلّ واحد منهما أنه مبغيّ عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمّنوا يرحمكم الله، ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية على الفئة المبغيّ عليها، آمين ربّ العالمين. فقال معاوية: إذن نعفيك يا أبا بحر. «٥٨٧» - وقيل: لما أجمع معاوية على البيعة ليزيد جمع الخطباء فتكلموا، والأحنف ساكت، فقال: يا أبا بحر ما منعك من الكلام؟ فقال: أنت أعلمنا بيزيد ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، فإن كنت تعلم أنها شرّ له فلا تولّه الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة، فإنما لك ما طاب، وعلينا أن نقول: سمعنا وأطعنا. [رقعة من أحمد بن إسماعيل إلى ابن المعتز] «٥٨٨» - كتب أحمد بن إسماعيل إلى ابن المعتز رقعة يقول فيها: ولم أر كالحقّ أصدق قائلا، ولا أفضل عاملا [٢] ، ولا أجمل ظاهرا، ولا أعزّ ناصرا، ولا أوثق

стр. 1124

عروة، ولا أحكم عقدة، ولا أعلى حجة، ولا أوضح محجة، ولا أعدل في النّصفة؛ لا يجري لأحد إلّا جرى عليه، ولا يجري على أحد إلّا جرى له، يستوي الملك والسوقة في واجبه [١] ، ويعتدل البغيض والحبيب [٢] في تحقيقه [٣] ، طالبه حاكم على خصمه، وصاحبه أمير على أمره [٤] ، من دعا إليه ظهر برهانه، ومن جاهد عليه كثر أعوانه، يمكّن رعاته من آلة القهر، ويجعل في أيديهم راية النصر، ويحكم لهم بغلبة العاجلة، وسعادة الآجلة. ولم أر كالباطل أضعف سببا، ولا أوعر مذهبا، ولا أجهل طالبا [٥] ولا أذلّ صاحبا؛ من اعتصم به أسلمه، ومن لجأ إليه خذله، يرتق فينفتق، ويرقع فينخرق؛ إن حاول صاحبه بيعه بارت سلعته، وإن رام ستره زادت ظلمته. لا يقارنه البرهان، ولا يفارقه الخذلان، قد قذف بالحقّ يدمغه ويقمعه فيمحقه، صاحبه في الدنيا مكذّب، وفي الآخرة معذّب، إن نطق دلّ على عيبه، وإن سكت تردّد في ريبه. [أشعار منصفة] «٥٨٩» - ومن أشعار العرب المنصفة قول حكمة بن قيس الكنانيّ: [من الطويل] نهيت أبا عمرو عن الحرب لو يرى ... برأي رشيد أو يؤول إلى حزم دعاني يشبّ الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلمّ إلى السلم فلما أبي أرسلت فضلة ثوبه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم وأمهلته حتى رماني بحرّها ... تغلغل من غيّ غويّ ومن إثم

стр. 1125

فلما رمانيها رميت سواده ... ولا بدّ أن يرمى سواد الذي يرمي فبتنا على لحم من القوم غودرت ... أسنّتنا فيه وباتوا على لحم وأصبح يبكي من بنين وإخوة ... حسان الوجوه طيّبي الجسم والنسم ونحن نبكّي إخوة وبنيهم ... وليس سواء تلّ [١] حقّ على ظلم «٥٩٠» - وقال المسور بن زيادة العذري [٢] : [من الطويل] وكنّا بني عمّ جرى الجهل بيننا ... فكلّ توفّى حقّه غير وادع فنلنا من الآباء شيئا وكلّنا ... إلى حسب في قومه غير واضع فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمّكم كانوا كرام المضاجع فما لهم عندي ولا لي عندهم ... وإن أكثر المغرور وتر لتابع ٥٩١- قال الحسن بن عبادة: وجّه إليّ الأمير وإلى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة، فسألنا عن مسألة، فأجاب هو وابن أبي ليلى جوابا واحدا، وخالفتهما أنا، وأمر الأمير بإنفاذ قوليهما وترك قولي. فتفكّر أبو حنيفة ساعة ثم قال للأمير: جوابي خطأ، والقول ما قال الحسن. فقال لابن أبي ليلى: ما تقول؟ فلم يرجع وجعل يناظرني. ثم قال أبو حنيفة: إنّ العلم يحتاج أن يعرض على الله فلا يأنف أحد إذا أخطأ أن يرجع إلى الحقّ. «٥٩٢» - قال أبو الدرداء: إياك ودعوة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام.

стр. 1126

«٥٩٣» - قال منصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراده على القضاء: ما كنت لألي لك بعد ما حدّثني إبراهيم. قال: وما حدّثك؟ قال: حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظّلمة وأعوان الظّلمة وأشباه الظّلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة، فيجمعون في تابوت حديد ثم يرمى بهم في جهنم. [عمر بن عبد العزيز وغيلان] «٥٩٤» - قال عمر بن عبد العزيز في غيلان بن مسلم الدمشقي: من سرّه أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله، ليس فيه عضو إلّا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا. وقال له: يا أبا مروان، أعنّي أعانك الله، فقال: ولّني ردّ المظالم، فولّاه، فكان يخرج خزائن بني أمية فينادي عليها: هلمّوا إلى متاع الخونة. ونادى على جوارب خزّ قد تآكلت بلغت قيمتها ثلاثين ألفا، فقال: من عذيري ممن يزعم أنّ هؤلاء أئمة عدل؟ قد تآكلت هذه الجوارب في خزائنهم، والفقراء والمساكين يموتون جوعا. فلما ولي هشام بعث إليه واستنطقه فقال: أعوذ بجلال الله أن يأتمن الله خوّانا أو يستخلف خزّانا؛ إنّ أئمته القوّامون بأحكامه، الراهبون لمقامه؛ لم يولّ الله وثّابا على الفجور، ولا شرّابا للخمور، ولا ركّابا للمحظور. فقطع هشام يديه ورجليه. [حكايات في الباب] «٥٩٥» - قال النبي ﷺ : زيّن الله السماء بثلاث: بالشمس والقمر والكواكب، وزيّن الأرض بثلاث: بالعلماء، والمطر، وسلطان عادل. «٥٩٦» - قيل: إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان. «٥٩٧» - قيل لأنوشروان: أيّ الجنن أوقى؟ قال: الدين، قيل فأيّ العدد

стр. 1127

أقوى؟ قال العدل. «٥٩٨» - قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: جلس أبي يوما للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم، تدنيني إليك فإنني مظلوم، فأدناه فقال: إني مظلوم وقد أعوزني الإنصاف، قال ومن ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتي. قال: ومن يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولا؟ قال: يحجبني عنك هيبتك، وطول لسانك، وفصاحتك واطّراد حجتك. قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا بغير ثمن، وإذا وجب عليها خراج أدّيته باسمي لئلّا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلّتها وأنا أؤدّي خراجها، وهذا ما لم يسمع في الظلم بمثله. فقال له محمد: هذا قول يحتاج إلى بيّنة وشهود وأشياء، فقال له الرجل: أيؤمّنني الوزير من غضبه حتى أجيب؟ قال: قد أمّنتك. قال: البيّنة هم الشهود، وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: فيه شهود وأشياء؟ ما هذه الأشياء إلّا العيّ والحصر والتغطرس؟ فضحك وقال: صدقت، والبلاء موكّل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعا. ثم وقع له بردّ ضيعته وبأن يطلق له كرّ حنطة وكرّ شعير ومائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، وصيّره من أصحابه واصطنعه. «٥٩٩» - قيل لأعرابيّ من بني أسد: كيف تركت الناس قال: بشرّ، من مظلوم لا ينتصر، وظالم لا يقلع. ٦٠٠- قال عبد الملك بن مروان: كنت أجالس بريرة قبل أن ألي هذا الأمر، فقالت لي: يا عبد الملك إنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته فاحذر

стр. 1128

الدماء، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله يقول: إنّ الرجل ليحال بينه وبين الجنة بعد أن ينظر إليها بملء كفّ من دم مسلم سفكه بغير حقّ. ٦٠١- وروي أنّ رجلا من عمّال عمر ﵁ أمر رجلا أن ينزل في واد ينظر كم عمقه، فقال الرجل: إني أخاف، فعزم عليه فنزل، فلما خرج كزّ فمات، فنادى: يا عمراه، فبعث عمر إلى العامل فقال: أما لولا أني أخاف أن تكون سنة بعدي لضربت عنقك، ولكن لا تبرح حتى تؤدي ديته، والله لا ولّيتك شيئا أبدا. «٦٠٢» - وروي أنّ يهوديا جاء إلى عبد الملك بن مروان فقال: إنّ ابن هرمز ظلمني، ثم أتاه الثانية ثم الثالثة فلم يلتفت اليه، فقال له اليهودي: إنا نجد في التوراة أنّ الإمام لا يشرك في ظلم أحد ولا جوره حتى يرفع إليه فإذا رفع إليه ولم يغيّر شرك في الظلم والجور. ففزع عبد الملك وأرسل إلى ابن هرمز فنزعه. ٦٠٣- قال سريع الأهوازيّ: بعث إليّ عيسى بن جعفر فسألني عن النبيذ فقلت: سل عن الماء الذي يشربه النصارى واليهود والمجوس والكلاب والخنازير حلالا وتشربه أنت حراما، قال: وكيف ذاك؟ قلت: إنّ غلمانك يسخّرون الناس ويستقونه لهم. فبكى. «٦٠٤» - قال محمد بن صفوان الضبي: كنت أقوم على رأس سليمان بن عبد الملك، فدخل عليه رجل من حضرموت من حكمائهم، فقال له سليمان: تكلّم بحاجتك، فقال: من كان الغالب على كلامه النصيحة وحسن الإرادة أوفى به كلامه على السلامة، وإني أعوذ بالذي أشخصني من أهلي حتّى أوفدني عليك أن ينطقني بغير الحقّ، وأن يذلّل لساني بما فيه سخطه عليّ، وإنّ إقصار الخطبة أبلغ في أفئدة أولي الفهم من الإطالة والتشديق في البلاغة، ألا وإنّ من البلاغة يا أمير

стр. 1129

المؤمنين ما فهم وإن قلّ، وإني مقتصر على الاقصار مجتنب لكثير من الإكثار. أشخصني إليك وال عسوف ورعية ضائعة، وانك إن تعجل تدرك ما فات، وإن تقصّر تهلك رعيتك هناك ضياعا، وها فخذها إليك قصيرة موجزة. فقال سليمان: ادع لي رجلا من الحرس فاحمله على البريد وقل له: إذا أتيت البلاد فلا تنزل من مركبك حتى تعزله، ومن كانت له ظلامة أخذت له بحقّه. ثم أمر للحكيم بمال فأبى أن يقبل وقال: إني والله يا أمير المؤمنين أحتسب سفري على الله ، وإني أكره أن آخذ عليه من غيره أجرا. قال: انطلق بارك الله عليك. فلما ولّى قال سليمان: ما أعظم بركة المؤمن في كلّ شيء. «٦٠٥» - أتي المنصور ببشير الرحّال ومطر الوراق مكبّلين، وقد كانا خرجا مع إبراهيم بن عبد الله فقال لبشير: أنت القائل أجد في قلبي غمّا لا يذهبه إلّا برد عدل أو حرّ سنان؟ قال: نعم. قال: فو الله لأذيقنّك حرّ سنان يشيب منه رأسك، قال: إذن أصبر صبرا يذلّ به سلطانك، فقطعت يده فما قطّب ولا تحلحل، وقال لمطر: يا ابن الزانية، قال: إنك تعلم أنها خير من سلامة، قال: يا أحمق، قال: ذاك من باع دينه بدنياه، فرمي به من سطح فمات. ٦٠٦- ظلم كبير من بني أمية حجازيا في ماله، فما تظلّم منه إلى أحد إلّا ضلع للأمويّ عليه. فخرج إلى سليمان وجعل لخصيّ أثير عنده مائتي دينار ليوصله إليه خاليا، فأوصله إليه حين سلّم في صلاته وجعل يدعو ويخطر بإصبعه نحو السماء ويتضرّع. فلما رآه كذلك رجع عنه، فسأل عنه سليمان وأمر بطلبه حتى صودف خارجا من باب دمشق، فأدخل عليه بعد شدّة شديدة [١] وإلحاح،

стр. 1130

فقال له: ما شأنك؟ قال: جددت في التوصّل إليك، فلما رأيتك تخطر بإصبعك نحو السماء وتتضرّع علمت أني قد أخطأت موضع طلب الحاجة، فرجعت لأطلبها من حيث طلبت أنت حوائجك. فبكى سليمان وقال: إنّ الذي طلبت إليه حاجتك قد قضاها، وأمر بردّ ما أخذ منه وإعطائه ما يصلح ماله، ووصله وكساه وحمله وأمر له بفرائض. «٦٠٧» - قال الحجاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله: إنّ الله يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: ١٦) فجعل فيها مثنويّة وقال (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) (التغابن: ١٦) فلم يجعل فيها مثنوية، فلو قلت لرجل ادخل من هذا الباب فلم يدخل لحلّ لي دمه. «٦٠٨» - وخطب مرّة فقال: أتزعمون أنّي شديد العقوبة، وهذا أنس حدثني أنّ رسول الله ﷺ قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل أعينهم، قال أنس: فوددت أني متّ قبل أن أحدّثه، جعل عدوّ الله فعل رسول الله ﷺ في أعداء الله حيث نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين احتجاجا لنفسه في قتل الصالحين وخيار الأمّة. «٦٠٩» - إياس بن قتادة: [من الطويل] وإنّ من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها «٦١٠» - قيل لأبي مسلم: لقد قمت بأمر لا يقصّر بك عن الجنّة، فقال:

стр. 1131

خوفي فيه من النار أولى من الطمع في الجنة. إني أطفأت من بني أمية جمرة، وألهبت من بني العباس نيرانا، فإن أفرح بالإطفاء فواحزنا من الإلهاب. «٦١١» - قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرّة ابن شريك بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن: امتلأت الأرض والله جورا. «٦١٢» - محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن [١] : [من السريع] متى نرى للعدل نورا فقد ... أسلمني ظلم إلى ظلم ضأمنيّة طالت عداتي بها كأنني فيها أخو حلم «٦١٣» - طرفة: [من الكامل] والظلم فرّق بين حيّي وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب «٦١٤» - رفع إلى أنوشروان أنّ عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب، فوقع: يردّ المال على الضعفاء، فإنّ الملك إذا كثرت أمواله بما يأخذ من رعيّته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنائه. ٦١٥- شاعر: [من الرمل المجزوء] لا تبع عقدة مال ... خيفة الجار الغشوم

стр. 1132

واصطبر للفلك الجا ... ري على كلّ ظلوم فهو الدائر بالأم ... س على آل سدوم «٦١٦» - كان معلم أنوشروان يضربه بلا ذنب، ويأخذه بأن يمسك الثلج في يده حتى يكاد كفّه يسقط، فآلى لئن ملكت لأقتلنّه. فلما ملك هرب فأمّنه، فلما أتاه سأله عن الضرب ظلما فقال: لتعرف حقد المظلوم إذا ظلمته. قال: أحسنت، فالثلج الذي كنت تعذّبني به؟ قال: ستعرف ذلك. فغزا فأصبحوا في غداة باردة فلم يقدروا على توتير قسيّهم، فوترها لهم فقاتل وظفر، فعلم مراد مؤدّبه. «٦١٧» - لما ولي الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة: [من الطويل] محرّمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتّاب والكتب تطبع ضمنت لكم إن لم تعقني منيّتي ... بأن سماء الضرّ عنكم ستقلع وهذا الشعر له وأوّله: ألا أيها الركب المخبّون بلّغوا ... سلامي سكان البلاد فأسمعوا وقولوا أتاكم أشبه الناس سنّة ... بوالده فاستبشروا وتوقعوا سيوشك إلحاق [١] لكم وزيادة ... وأعطية تأتي تباعا فتنفع فقال حمزة بن بيض يردّ على الوليد لما فعل خلاف ما قال: [من الطويل] وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعدما ... زعمت سماء الضرّ عنا ستقلع

стр. 1133

فليت هشاما كان حيا يسوسنا ... وكنّا كما كنّا نرجّي ونطمع [أحمد بن طولون] «٦١٨» - كان أحمد بن طولون والي مصر متحلّيا بالعدل مع تجبّره وسفكه الدماء، وكان يجلس للمظالم ويحضر مجلسه القاضي بكار بن قتيبة وجماعة من الفقهاء مثل الربيع بن سليمان ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومعمر بن محمد. وكان ابن طولون يمكّن المتكلّم من الكلام وكشف ظلامته جالسا مقرّبا. قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاويّ الفقيه: فاعترضت ضيعة لنا بالصعيد من ضياع جدّي سلامة، فاحتجت إلى الدخول إليه والتظلّم مما جرى، وأنا يومئذ شابّ، إلّا أنّ العلم ومعرفة الحاضرين بسطني إلى الكلام والتمكّن من الحجة، فخاطبته في أمر الضيعة، فاحتجّ عليّ بحجج كثيرة وأجبته عنها بما لزمه الرجوع إليه. ثم ناظرني مناظرة الخصوم بغير انتهار ولا سطوة عليّ، وأنا أجيبه وأحلّ حججه، إلى أن وقف ولم يبق له حجة، فأمسك عنّي ساعة ثم قال لي: إلى هذا الموضع انتهى كلامي وكلامك، والحجة فقد ظهرت لك، ولكن أجّلنا ثلاثة أيام، فإن ظهرت لنا حجة ألزمناك إياها، وإلّا سلّمنا إليك الضيعة، فقمت منصرفا. وقال ابن طولون بعد خروجي للحاضرين: ما أقبح ما أشهدتكم به على نفسي أقول لرجل من رعيّتي قد ظهرت له حجة: أنظرني إلى أن أطلب حجة وأبطل الحكم الذي أوجبته حجّته. من يمنعني إذا وجبت لي حجة أن أحضره وألزمه إياها؟ هذا والغصب واحد. أنتم رسلي إليه بأني قد التزمت حجّته، وأزلت الاعتراض عن الضيعة. وتقدّم بالكتاب له، وعرف الطحاوي الحال منهم فصار إلى الديوان وأخذ الكتاب بإزالة الاعتراض عن الضيّعة. «٦١٩» - وروي أنّ بعض قوّاده كان يتولّى كورة من كور مصر، فدخل

стр. 1134

راهب من رهبان النصارى متظلّما من ذلك القائد، فرآه بعض الحجّاب الذين يختصّون بذلك القائد فقال له ما لك؟ قال: ظلمني وأخذ مني ثلاثمائة دينار، فقال له الحاجب: لا تتظلّم وأنا أسلّم إليك ثلاثمائة دينار. فأخذه إلى داره ودفع إليه ثلاثمائة دينار فاغتنمها الراهب وطار. ونقل الخبر إلى أحمد بن طولون فأمر بإحضار القائد والحاجب والراهب وقال للقائد: أليس عللك مزاحة ورزقك دارّا، وليس لك سبب يحوجك إلى مدّ يدك؟ قال: كذاك، قال ما حملك على ما صنعت؟ وأمر بصرفه عن الكورة، وصرف الحاجب عن حجبته، وأحضر النصرانيّ وقال: كم أخذ منك؟ قال ثلاثمائة دينار فقال: لعنك الله لم لم تقل ثلاثة آلاف دينار فآخذها لك من ماله بقولك؟ ثم صاح بالقائد: إلى المطبق! المطبق! فحمل إليه. «٦٢٠» - وروي أنّ العباس بن أحمد بن طولون استدعى مغنيّة وهو مصطبح، فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره، ودخل العباس إلى أبيه فأخبره، فأرسل أحمد بن طولون فأحضر الرجل الصالح وقال له: أنت الذي كسرت العود؟ قال: نعم، قال: فعلمت لمن هو؟ قال: نعم، قال: لمن هو؟ قال: لابنك العباس. قال: أفما أكرمته لي؟ قال: أكرم لك بمعصية، والله يقول (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (التوبة: ٧١) وقال رسول الله ﷺ : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأطرق أحمد بن طولون ثم رفع رأسه وقال: كلّ منكر تراه فغيّره وأنا من ورائك، وصرفه مكرّما. ٦٢١- وكان أحمد بن طولون يحبّ العلماء ويحضرهم مجلسه؛ وأراد أبا إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني الفقيه صاحب الشافعيّ أن يحضره، فامتنع عليه زهدا وتورّعا، فتهدّده بهدم داره، فلم يجبه، وأمر سوّارا حاجبه بهدمها. فقام

стр. 1135

المزنيّ مع سوّار يريه حدودها حين تقدّم وقال له: لا تهدم هذا الجدار فليس هو لي. فعاد سوّار فأخبره، فعظم في قلب أحمد بن طولون، وقلق إلى رؤيته. وكان أحمد بن طولون يحضر جنائز وجوه البلد وصالحيهم وأشرافهم، ويتولّى الصلاة بنفسه، فحضر يوما جنازة فقيل له: هذا أبو إبراهيم المزني في الجنازة، فقال: أرونيه من غير أن يعلم لئلّا يتأذّى، فأروه إياه. «٦٢٢» - وأراد أن يحمل مالا إلى الحضرة، فأحضر القاضي والشهود ليشهدوا على القابض، فكتبوا وقد عاينوا المال ومبلغه ألف ألف ومائتا ألف دينار، فلما بلغ الكتاب إلى سليم الفانو [١] الخادم المعدّل قال له: أيها الأمير لست أشهد حتى يوزن المال بحضرتي، فغاظه ذلك، فقال للوزّانين: زنوه، فلما فرغ الوزن قالوا: أبقي لك شيء تقوله؟ قال: النقد، فغاظه ودعا بالنقد [٢] ، وسليم جالس معهم حتى فرغ وختمت، وتسلّمها حاملها، فكتب شهادته وانصرف. وكان ذلك سبب اختصاص سليم بأحمد بن طولون وقربه منه. «٦٢٣» - ومن الجور قصة زيد الخيل الطائيّ وقيس بن عاصم والمكسّر العجلي: وقعت حرب بين أخلاط طيّء، فنهاهم زيد الخيل عن ذلك وكرهه، فلم ينتهوا، واعتزل وجاور بني تميم ونزل على قيس بن عاصم؛ فغزت بنو تميم بكر بن وائل وعليهم قيس وزيد معه، فاقتتلوا قتالا شديدا وزيد كافّ، فلما رأى ما لقيت تميم ركب فرسه وحمل على القوم، وجعل يدعو يال تميم، ويتكنّى

стр. 1136

كنية قيس إذا قتل رجلا وأرداه [١] عن فرسه، أو هزم ناحية، حتى هزمت بكر وظفرت تميم، فصار فخرا لهم في العرب، وافتخر بها قيس. فلما قدموا قال له زيد: اقسم لي يا قيس [نصيبي] ، فقال: وأيّ نصيب؟ فو الله ما ولي القتال غيري وغير أصحابي، فقال زيد أبياتا منها: [من الطويل] فلست بوقّاف إذا الخيل أحجمت ... ولست بكذّاب كقيس بن عاصم إذا ما دعوا عجلا عجلنا عليهم ... بمأثورة تشفي صداع الجماجم فبلغ المكسر [٢] بن حنظلة العجليّ أحد بني سيار [٣] قول زيد، فخرج في ناس من بني عجل حتى أغار على بني نبهان فأخذ من نعمهم ما شاء، وبلغ ذلك زيد الخيل فخرج في فوارس من بني نبهان حتى اعترض القوم فقال: ما لي وما لك يا مكسّر؟ فقال قولك: إذا ما دعوا عجلا عجلنا عليهم فقاتلهم زيد حتى استنقذ بعض ما كان في أيديهم، ومضى [٤] المكسر ببقية ما أصاب. فأغار زيد على تيم الله بن ثعلبة فغنم ما شاء الله، وقال في ذلك: [من الطويل] إذا عركت عجل بنا ذنب غيرنا ... عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل [حلف الفضول] «٦٢٤» - وعقدت قبائل من قريش بينها حلف الفضول لما لم يكن لها ملك أو

стр. 1137

قائد يمنع ظلم بعضهم من بعض، فكانوا يدا على من ظلم حتى يرتجعوا منه ظلمه. فروي أنّ رجلا من خثعم قدم مكة تاجرا ومعه ابنة له يقال لها القتول أوضأ نساء العالمين [وجها] ، فعلقها نبيه بن الحجاج السهميّ، فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها عليك بحلف الفضول. فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ متبدّ بناحية مكة وهي معه، وإلا فنحن من قد عرفت، فقال: يا قوم متّعوني منها الليلة، فقالوا: قبّحك الله ما أحمقك [١] ، لا والله ولا شخب لقحة، وهي أوسع أحاليب الشائل. فأخرجها إليهم فأعطوها أباها، وركبوا وركب معهم الخثعمي، فذلك قول نبيه بن الحجاج: [الكامل المجزوء] لولا الفضول وأنه ... لا أمن من رقبائها [٢] لدنوت من أبياتها ... ولطفت حول خبائها ولجئتها أمشي بلا ... هاد لدى ظلمائها فشربت فضلة ريقها ... ولبتّ في أحشائها «٦٢٥» - وقد اختلف في سبب حلف الفضول، فروي أنّ قيس بن شيبة السلميّ باع متاعا من أمية بن خلف، فلواه وذهب بحقّه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يقوموا [٣] بجواره فقال: [من الرجز] يال قصيّ كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأعلاق الكرم أظلم لا يمنع منّي من ظلم

стр. 1138

وبلغ الخبر عباس بن مرداس فقال: [من البسيط] إن كان جارك لم تنفعك ذمّته ... وقد شربت بكأس العدل أنفاسا فأت البيوت وكن من أهلها صددا ... لا تلف [١] ناديهم فحشا ولا ياسا وثمّ كن بفناء البيت معتصما ... تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا فقام العباس وأبو سفيان حتى ردّا عليه متاعه. واجتمعت بطون قريش فتحالفت على ردّ المظالم بمكّة، وألّا يظلم أحد إلّا منعوه وأخذوا له بحقّه. وقال آخرون: تحالفوا على مثل ما تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر لا يقرون ظالما ببطن مكة إلّا غيروه، وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة [٢] . «٦٢٦» - وحدث ابن شهاب قال: كان شأن حلف الفضول وبدء ذلك أنّ رجلا من بني زبيد قدم مكة معتمرا في الجاهلية ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم، فآواها إلى بيته ثم إنه تغيب. فابتغى الزبيديّ متاعه فلم يقدر عليه. فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه فأغلظوا له، فعرف ألّا سبيل إلى ما له، فطوّف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه. فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها في المسجد الحرام وقال: [من البسيط] يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنّفر ومحرم شعث لم يقض عمرته ... يا آل غالب بين [٣] الحجر والحجر

стр. 1139

أقائم في بني سهم بذمتهم [١] ... أم ذاهب في ضلال مال معتمر فلما نزل أعظمت قريش ذلك، فتكلّمت فيه، فقال المطّيبون: والله لئن تكلّمنا [٢] في هذا لتغضبنّ الأحلاف. وقالت الأحلاف: والله لئن تكلمنا في هذا ليغضبنّ المطّيبون. وقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفاء فضولا دون المطيبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان وصنع لهم يومئذ طعاما كثيرا. وكان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله معهم يومئذ، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم وتحالفوا على أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حرّ ولا عبد، إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه، ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت منه أركانه ثم أتوا به فشربوه. فحدثت عائشة أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله يقول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول. أما لو دعيت إليه [اليوم] لأجبت، وما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم وأني نقضته. وكان معهم في الحلف بنو المطلب، فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أنّ رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس [حتى أدخل] في حلف الفضول؛ ولم يكن عبد شمس في هذا الحلف. وروي [٣] أنّ سبب حلف هذه القبائل أمر الغزال الذي سرق من الكعبة. «٦٢٦» ب- وقيل: كان بين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وبين الحسين بن

стр. 1140

علي ﵉ كلام، والوليد يومئذ أمير على المدينة في زمن معاوية بن أبي سفيان، في مال كان بينهما بذي المروة. قال الحسين بن علي: استطال عليّ الوليد بسلطانه فقلت: أقسم بالله لتنصفنّي من حقي أو لآخذنّ سيفي ثم لأقومنّ في مسجد رسول الله ﷺ ثم لأدعونّ بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير وكان عند الوليد حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذنّ سيفي ثم لأقومنّ معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد بن عتبة ذلك أنصف الحسين من حقه حتى رضي. [أبو الطمحان يستجير بعبد الله بن جدعان] «٦٢٦» ج- وقال عبد العزيز بن عمران: قدم أبو الطمحان القيني الشاعر، واسمه حنظلة بن الشرقي، فاستجار عبد الله بن جدعان التيميّ ومعه مال من الإبل، فعدا عليه قوم من بني سهم، فانتحروا ثلاثة من إبله، فبلغه ذلك فأتاهم بمثلها وقال: أنتم لها ولأكثر منها أهل، فأخذوها وانتهروها [١] ثم أمسكوا عنه زمانا، ثم جلسوا على شراب لهم، فلما انتشوا عدوا على إبله فاستاقوها كلّها، فأتى عبد الله بن جدعان يستصرخه، فلم يكن فيه ولا في قومه قوة ببني سهم، فأمسك عنهم ولم ينصره، فقال أبو الطمحان: [من الطويل] ألا حنّت المرقال واشتاق ربّها ... تذكّر أزمانا وأذكر معشري ولو علمت صرف البيوع لسرّها ... بيثرب [٢] أن تبتاع حمضا بإذخر أجدّ بني الشرقيّ أنّ أخاهم ... متى يعتلق جارا وإن عزّ يغدر

стр. 1141

ثم ارتحل عنهم. وقدم [١] لميس بن سعد البارقيّ مكة فاشترى منه أبيّ بن خلف سلعة فظلمه إياها، فمشى في قريش فلم يجد أحدا يجيره فقال: [من الطويل] أيظلمني مالي أبيّ سفاهة ... وبغيا ولا قومي لديّ ولا صحبي وناديت قومي صارخا [٢] ليجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن سهب ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمح والحقّ يؤخذ بالغصب [٣] ثم كانت قصة الزبيديّ، وقد ذكرت. فأعظم الزبير بن عبد المطلب ذلك وقال: يا قوم إني والله أخشى أن يصيبنا ما أصاب الأمم السالفة من ساكني مكة. فمشى إلى ابن جدعان، وهو يومئذ شيخ قريش، فقال له مثل ذلك، وأخبره بظلم بني سهم وبغيهم. وقد كان أصاب بني سهم أمران لا يشكّ أنهما للبغي: احترق المقاييس [٤] منهم وهم قيس ومقيس وعبد قيس بصاعقة، وأقبل منهم ركب من الشام، فنزلوا بماء يقال له الغطيفة [٥] ، فصبّوا فضلة خمر لهم في إناء وشربوا ثم ناموا وقد بقيت منها بقيّة، فكرع فيها حية أسود ثم تقيأ في الإناء، فهبّ القوم فشربوا منه فماتوا عن آخرهم. فأذكره هذا ومثله. فتحالف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وبنوت تيم: بالله القاتل إنا ليد واحدة على الظالم حتى يردّ الحق. وخرجت سائر قريش من هذا الحلف إلّا أنّ ابن الزبير ادعاه لبني أسد في الاسلام. وسأل معاوية جبير بن مطعم [٦] عن دعوى

стр. 1142

ابن الزبير في ذلك فقال جبير: هذا هو الباطل. [عمر بن عبد العزيز] «٦٢٧» - قام إلى عمر بن عبد العزيز رجل وهو على المنبر فقال: [من الكامل] إنّ الذين بعثت في أقطارها [١] ... نبذوا كتابك واستحلّ المحرم طلس الذئاب [٢] على منابر أرضنا ... كلّ يجور وكلّهم يتظلّم [٣] وأردت أن يلي الأمانة منهم ... عدل وهيهات الأمين المسلم [عمر بن الخطاب] «٦٢٨» - قال أنس: بينا عمر ﵁ قاعد إذ جاء رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ فقال عمر: لقد عذت عائذا، فما شأنك؟ قال: سابقت على فرسي ابنا لعمرو بن العاص، وهو يومئذ على مصر، فمحك فجعل يقنّعني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين، وبلغ عمرا فخشي أن آتيك فحبسني في السجن، فانفلتّ منه، فهذا حين أتيتك. فكتب عمر إلى عمرو ابن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وابنك فلان، وقال للمصريّ: أقم حتى يأتيك مقدم عمرو؛ فشهد الحاجّ فلما قضى عمر الحجّ، وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جنبه، قام المصريّ فرمى عمر إليه بالدرّة. قال أنس: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع عنه حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين. قال: يا

стр. 1143

أمير المؤمنين قد اشتفيت، قال: ضعها على صلعة عمرو، قال: يا أمير المؤمنين قد ضربت الذي ضربني؛ قال: أم والله لو فعلت لما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع. ثم قال: يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟! فجعل يعتذر ويقول: إني لم أشعر بهذا. ٦٢٩- قال رجل للمنصور كان يعاشره أيام بني مروان: كنت تحدّث يا أمير المؤمنين قبل هذا الوقت بشيء أين أنت عنه الساعة؟ قال ما هو؟ قال كنت تقول: إنّ الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلوم من الظالم، ولم تعارض بالعدل في الرعية، وقسمة الفيء بالسويّة، صار عاقبة أمرها بوارا، وحاق بولاتها سوء العذاب. قال: فتنفّس الصّعداء ثم قال: قد كان ما تقول، ولكن استعجلنا ما في الفانية على ما في الباقية، وكأن قد انقضت هذه الدار. فقال له الرجل: فانظر على أيّ حالة تنقضي، فقال المنصور: تبا تبا لعالم أصاره علمه غرضا لسهام الخطايا، وهو عالم بسرعة أزوف المنايا، اللهم إن تقض للمسيئين صفحا فاجعلني منهم، وإن تهب للظالمين عفوا فلا تحرمني منه ما يتطوّل به المولى على أخسّ عبيده [١] . ٦٣٠- قال الأصمعيّ: سمعت أعرابيا يقول: من اقتصد في الغنى والفقر فقد استعدّ لنائبة الدهر. ٦٣١- وقال آخر: الاقتصاد ينمّي القليل، والإسراف يبير الكثير، وهذا من عدل الأفعال. ٦٣٢- حدث إياس بن سلمة عن أبيه قال: مرّ عليّ عمر وأنا في السوق وهو مارّ في حاجة ومعه الدرة، فقال: هكذا أمط عن الطريق يا سلمة. قال: ثم عفقني بها عفقة فما أصاب إلّا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق. فسكت عنّي حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق فقال: يا سلمة أردت الحج العام؟

стр. 1144

قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي فما فارقت يده حتى دخل في بيته، فأخرج كيسا فيه ستمائة درهم فقال: يا سلمة استعن بهذه، واعلم أنها من العفقة التي عفقتك عام أوّل. قلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذكرتها حتى ذكرتنيها؛ قال: أنا والله ما نسيتها بعد. ٦٣٣- وقال الأحنف: كنت مع عمر فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان فإنه قد ظلمني، فرفع الدرة فخفق بها رأسه وقال: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم، حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه: أعدني أعدني، قال: فانصرف الرجل وهو يتذمّر فقال: عليّ بالرجل، وألقى المخفقة فقال: امتثل، قال: ولكن أدعها لله ولك. قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله وإما أن تدعها لي، فاعلم ذلك. قال: أدعها لله. قال: انصرف. ثم جاء يمشي حتى دخل منزله ونحن معه، فافتتح الصلاة فصلّى ركعتين ثم قال: يا بنيّ الخطاب، كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالّا فهداك الله، وكنت ذليلا فأعزّك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاء رجل يستعدي فضربته، ما تقول لربك إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه في صلاته تلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض. «٦٣٤» - دخل عمر على أبي بكر ﵄ فسلّم عليه فلم يردّ، فقال لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون قد وجد عليّ خليفة رسول الله ﷺ . فكلم عبد الرحمن أبا بكر فقال: أتاني وبين يديّ خصمان، وقد فرّغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أنّ الله سائلي [١] عنهما وعمّا قالا وعمّا قلت. ٦٣٥- كان لعثمان عبد فاستشفع بعليّ أن يكاتبه فكاتبه، ثم دعا عثمان

стр. 1145

بالعبد فقال: إني كنت عركت أذنك فاقتصّ مني، فأخذ بأذنه ثم قال عثمان: شدّ شدّ، يا حبذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة. ٦٣٦- قال عبد الملك: لقد كنت أتحرّج أن أطأ نملة، وإنّ الحجاج يكتب إليّ في قتل فئام من الناس فما أحفل بذلك. فقال له الزهري: بلغني أنك شربت الطلاء قال: أي والله والدّماء. [المنصور والفساد] «٦٣٧» - روي أنّ المنصور كان يطوف ليلا بالبيت [١] ، إذ سمع قائلا يقول: اللهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحقّ وأهله من الطمع. فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل، فصلّى ركعتين واستلم الركن ثم أقبل مع الرسول، فسلّم عليه بالخلافة. فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض، وما الذي يحول بين الحقّ وأهله من الطمع؟ قال: إن أمّنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها، وإلّا اقتصرت على نفسي؛ قال: فأنت آمن على نفسك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله استرعاك أمر عباده وأموالهم، فجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجرّ، وأبوابا من الحديد، وحرّاسا [٢] معهم السلاح، ثم سجنت نفسك عنهم؛ وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها، وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلّا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف إليك؛ ولا أحد إلّا وله في هذا المال حقّ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصت لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرتهم أن لا يحجبوا دونك، تجبي الأموال وتجمعها قالوا: هذا قد خان الله، فما لنا لا نخونه، وائتمروا ألّا يصل إليك من أخبار

стр. 1146

الناس إلّا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل إلّا خوّنوه عندك، وبغوه [١] حتى تسقط منزلته؛ فلما انتشر ذلك عنهم وعنك أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم، وكان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيّتك؛ ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيّتك ليتناولوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك، وأنت غافل. فإن جاء متظلّم حيل بينه وبينك، وإن أراد رفع قصّته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك، ووقّفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل المتظلّم فبلغ بطانتك خبره، سأل بطانتك [صاحب المظالم] أن لا يرفع مظلمته إليك، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث و [هو] يدفعه، فإذا جهد وأخرج ثم ظهرت طرح [٢] بين يديك، فيضرب ضربا مبرحا حتى يكون نكالا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين، فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه، فبكى يوما فحداه جلساؤه على الصبر فقال: أمّا إنّي لست أبكي للبليّة النازلة، ولكنّي أبكي لمظلوم يصرخ فلا أسمع صوته؛ فأمّا إذ ذهب سمعي [٣] فبصري لم يذهب؛ نادوا في الناس ألّا يلبس ثوبا أحمر إلّا مظلوم. ثم كان يلتفت طرفي النهار هل يرى مظلوما. فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ، وأنت مؤمن بالله ثم من أهل بيت نبيّه ﷺ ، لا تغلبنّك [٤] رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك. قال: فبكى المنصور ثم قال: ويحك كيف احتيالي لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ للناس أعلاما يفزعون إليها في دينهم فيرضون بها [٥] في دنياهم، فاجعلهم بطانتك

стр. 1147

يرشدوك، وشاورهم يسدّدوك. قال: قد نفذت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك؛ ولكن افتح بابك، وسهّل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات على وجهها، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة. وجاء المؤذنون فسلّموا عليه فصلّى وعاد إلى مجلسه؛ وطلب الرجل فلم يجده. [حكايات في العدل والجور] «٦٣٨» - رفعت قصص إلى المهديّ، فإذا قصة مكتوب عليها: قصة صاحب السمكة، فقال: ما هي؟ قال الربيع: بينا أبوك مشرفا على دجلة إذ بصر بملّاح صاد سمكة، فوجّه خادما إليه ليشتريها، فاستامها بدينار، فأبى وباعها من تاجر باثني عشر درهما، فاستحضر التاجر وقد شوى السمكة فأخذها منه وأكلها وقال له: لو لم يكن معك مال لما اشتريت سمكة باثني عشر درهما، وأمر خادمه أن يذهب إلى منزله ويحمل ما أصاب في صناديقه، فجاء ببدرتين فقال: أنا رجل معيل وعليّ مؤونة، فأعطاه منها أربعمائة درهم يتعيّش بها. فأمر المهدي أن تطلب البدرتان في بيت المال فجيء بهما مكتوب عليها: مال صاحب السمكة. فقال المهدي: اجعل أبي في حلّ فإنه كان مسرفا على نفسه وخذ المال. «٦٣٩» - لقي سفيان الثوري شريكا بعدما استقضي فقال: يا أبا عبد الله، بعد الإسلام والخير والفقه تلي القضاء؟! فقال: يا أبا عبد الله لا بدّ للناس من قاض، قال: يا أبا عبد الله لا بدّ للناس من شرطي. «٦٤٠» - قيل: لم يرتش حكم في الجاهلية غير ضمرة بن ضمرة النهشلي، تنافر إليه عباد بن أنف الكلب الصيداوي ومعبد بن نضلة الفقعسي، فرشاه عباد مائة بعير فنفّره على معبد.

стр. 1148

«٦٤١» - قال الحسن [١] : كان القاضي في بني إسرائيل إذا اختصم إليه الخصمان رفع أحدهما الرشوة في كمّه، فأراه إياها فلا يسمع إلّا قوله. فأنزل الله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائدة: ٤٢) . «٦٤٢» - قال الحجاج لبعض الدهاقين من الريّ: ما بال بلد كم قد خرب؟ فقال: لأنّ عمالكم استعملوا فيه قول شاعركم: [من السريع] لا تكسع الشّول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج واصبب لأضيافك ألبانها ... فإنّ شرّ اللبن الوالج «٦٤٣» - روي أنّ أبرويز نزل بامرأة متنكرا، فحلبت له بقرة، ورأى لها لبنا كثيرا. فقال للمرأة: كم يلزمك في السنة للسلطان عن هذه البقرة؟ فقالت: درهم واحد. قال: وأين ترتع؟ وبكم منها ينتفع؟ قالت: ترتع في أرض السلطان، ولي منها قوتي وقوت عيالي. فجعل في نفسه أن يجعل إتاوة على البقرة، فما لبث أن قالت المرأة: أوه إن سلطاننا همّ بجور، فقال أبرويز لها: ولمه؟ قالت: إنّ درّة البقرة انقطعت، وإنّ جور السلطان مقتض لجدب الزمان كما أنّ عدله مقتض لخصب الزمان. فأقلع أبرويز عما همّ به. ٦٤٤- كتب أخ لمحمد بن يوسف الأصفهاني إليه من أصفهان، يشكو إليه

стр. 1149

جور السلطان، فكتب إليه محمد: أما بعد، فهمت كتابك وما ذكرت فيه، وليس ينبغي لمن عمل الذنب أن ينكر العقوبة. ٦٤٥- قدم مرزبان من مرازبة القرى على أبي عبد الله وزير المهدي فقال: ولّيت علينا رجلا، إن ولّيته وأنت تعرفه فما خلق الله رعية أهون عليك منا، وإن لم تعرفه فما هذا جزاء الملك الذي ولّاك أمره، وسلّطك على ملكه. فدخل الوزير على المهديّ وخرج وقال: هذا رجل كان له علينا حقّ فكافأناه فقال: أصلحك الله، إنّ على باب كسرى ساجة منقوشة بالذهب مكتوبا عليها: العمل للكفاة، وقضاء الحقوق على بيوت الأموال، فأمر بعزله. «٦٤٦» - قيل لمعاوية: إنّ أبا مسلم الخولانّي يطوف ويبكي على الإسلام، فقال له: سمعت أنك تطوف وتبكي على الإسلام، فقال: نعم، ما اسمك؟ قال: معاوية. قال: يا معاوية إن عملت خيرا جزيت خيرا، وإن عملت شرّا جزيت شرّا، إنك لو عدلت بين أهل الأرض ثم جرت على واحد منهم لما وفى جورك بعدلك. ٦٤٧- قال سليمان بن علي لعمرو بن عبيد: ما تقول في أموالنا التي نصرفها في سبيل الخير؟ فأبطأ عمرو في الجواب يريد به وقار العلم ثم قال: إنّ من نعمة الله على الأمير أنه أصبح لا يجهل أنّ من أخذ الشيء من حقه، ووضعه في وجهه، فلا تبعة عليه غدا. فقال: نحن أحسن ظنا بالله منكم، فقال: أقسم على الأمير بالله هل يعلم أحدا كان أحسن ظنا بالله من رسوله؟ قال: لا، قال: فهل علمته أخذ شيئا قطّ من غير حلّه ووضعه في غير حقه؟ قال: اللهم لا، قال: حسن الظنّ بالله أن تفعل ما فعل رسول الله ﵇. ٦٤٨- قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه ﵈: إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني.

стр. 1150

«٦٤٩» - قال ابن عباس: ليس للظالم عهد فإن عاهدته فانقضه، فإنّ الله يقول (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: ١٢٤) . «٦٥٠» - قدم المنصور البصرة قبل الخلافة فنزل بواصل بن عطاء فقال: إنّ أبياتا بلغتني عن سليمان بن يزيد العدوي في العدل، فمرّ بنا إليه. فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب. فقال: يحبّ أن يسمع أبياتك في العدل فأنشده: [من البسيط] حتى متى لا نرى عدلا نسرّ به ... ولا نرى لولاة الحقّ أعوانا مستمسكين بحقّ قائمين به ... إذا تلوّن أهل الجور ألوانا يا للرّجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا فقال المنصور: وددت أني رأيت يوم عدل ثم متّ. قال ابن المبارك: فهلك أبو جعفر والله وما عدل. «٦٥١» - استعدت أروى بنت أويس مروان بن الحكم على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وقالت: أخذ حقّي فأدخله في أرضه، فقال سعيد: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة. وترك لها سعيد ما ادعت ثم قال: اللهم إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها واجعل قبرها في بيتها، فعميت وخرجت في بعض حاجاتها فوقعت في البئر فماتت. ولما عميت سألت سعيدا أن يدعو لها وقالت: إني قد ظلمتك فقال: لا أردّ ما أعطانيه الله.

стр. 1151

٦٥٢- روى عمر عن النبيّ ﷺ : إذا جار الحاكم قلّ المطر، وإذا غدر بالذمّة ظفر العدوّ، وإذا ظهرت الفاحشة كانت الرّجفة. «٦٥٣» - قال أحمد بن نصير: قدّم إليّ مجوسيّ لأضربه فقال: يا هذا اضرب بقدر ما تقوى عليه، يريد القصاص في الآخرة، فتركته وتركت عمل السلطان. «٦٥٤» - قال خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين [١] ، فهل تخاف عليّ أن أكون من أعوان الظّلمة؟ قال: لا، إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة، أما أنت فمن الظّلمة أنفسهم. ٦٥٥- خطب المهديّ يوما فقال: عباد الله اتقوا الله، فقام رجل فقال: وأنت فاتق الله، فإنك تعمل بغير الحقّ. فأخذ الرجل وأدخل عليه فقال: يا ابن الفاعلة تقول لي وأنا على المنبر اتق الله؟ فقال الرجل: سوءة لك، لو غيرك قالها كنت المستعدى عليه قال: ما أراك إلّا نبطيّا قال: ذاك أوكد للحجّة عليك أن يكون نبطيّ يأمرك بتقوى الله. «٦٥٦» - قال عبد العزيز العمري للمهدي: اعلم أنّ دوابك التي تركب تمسح بالمناديل، ويبرّد لها الماء، وينقّى لها العلف، فتعجبك شحومها وبريقها [٢] وحسن ألوانها، ودينك أعجف قاتم أغبر، والله لو رأيته لساءك منظره. ٦٥٧- ذكر هشام عند محمد بن كعب القرظي وثمّ محمد بن علي بن الحسين فوقع فيه، فقال القرظي: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون. إنّ

стр. 1152

ملكا من ملوك بني إسرائيل عتا عليهم فانطلق نفر منهم إلى حبرهم وقالوا: تخرج عليه. فقال: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون، ولكن انطلقوا فصوموا عشرا، وقوموا ولا تظلموا فيها أحدا ولا تطؤوا فيها امرأة. فجاءوا بعد عشر فقال: زيدوا عشرا أخر، فلم يزالوا حتى بلغوا أربعين. ثم قال لهم: اجتمعوا وادعوا الله أن يكفيكم ففعلوا. فدعا الملك ببرذون له، وأمر سائسه بإسراجه، فتشاغب وامتنع البرذون، فغضب الملك وقام وأسرجه وركبه، فجمح به حتى ألقاه فتقطع وهلك. فقال الحبر: هكذا إذا أردتم أن تقتلوا من ظلمكم.

стр. 1153

نوادر من هذا الباب «٦٥٨» - اختصم رجلان إلى قاض، فدنا أحدهما منه وقال له سرا: قد وجهت إلى الدار فراريج كسكرية وحنطة بلديّة وكذا وكذا، فقال القاضي بصوت عال: إذا كانت لك بينة غائبة انتظرناها، ليس هذا مما يسارّ به. «٦٥٩» - حضر جماعة من أهل زنجان باب السلطان، فشكوا ثقل متولّيهم وتضاعف المؤن عليهم، فأجيبوا إلى حطيطة، فقالوا نحبّ أن يقتصر منّا على الأخماس بدل الأعشار، فصار ذلك بجهلهم رسما عليهم. «٦٦٠» - كان الفضل بن العباس اللهبي ثقيل البدن تتعذر الحركة عليه، وكان بخيلا فاشتري له حمار، فقال للذي اشترى له الحمار: إني لا أطيق علفه، فإمّا أن بعثت إليّ بقوته وإلّا رددته. فكان يبعث إليه بعلف كلّ ليلة، ولا يدع هو أن يطلب من كلّ أحد يأنس به علفا، ويعلف الحمار التبن، ويبيع الشعير، حتى هزل وعطب. فرفع الحزين الكنانيّ إلى ابن حزم أو غيره قصة، وكتب في رأسها «قصة حمار الفضل اللهبي» ، وشكا فيها أنه يركبه ويأخذ علفه وقضيمه من الناس، فيبيع الشعير ويعلفه التبن، ويسأل أن ينصف منه فقراء الرقعة، وضحك وقال: لئن كنت مازحا إني لأظنك صادقا، فأمر [١] بتحويل الحمار إلى اصطبله ليعلفه ويركبه اللهبي متى أراد.

стр. 1154

٦٦١- ابن حجاج من قصيدة له مشهورة: [من الخفيف] ومن الجور والحديث شجون ... جائع بات أيره شبعانا «٦٦٢» - قيل: كان على الريّ قاض يكنى أبا حزوة [١] ، اختصم إليه قوم في عقد من لؤلؤ وجوهر، فوضع الجوهر بين يدي القاضي وهم يختصمون، فأخذ القاضي حجرا منه فوضعه في فيه ثم ابتلعه، وأعرابيّ ينظر إليه، ففطن له الأعرابي وأنشأ يقول: [من البسيط] دعوت ربّ شعيب أن ينجّيني ... من كورة يبعر الياقوت قاضيها إنّ التي [٢] كان أوعاها فأخرجها ... دلّت على عذرات [٣] كان يخفيها «٦٦٣» - ولّى المنصور سليمان بن راميل، وضمّ إليه ألفا من العجم، فقال: قد ضممت إليك ألف شيطان تذلّ بهم الخلق. فعاثوا في نواحي الموصل، فكتب إليه كفرت النعمة يا سليمان، فأجاب (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) (البقرة: ١٠٢) فضحك المنصور وأمدّه بغيرهم. «٦٦٤» - شكا رجل إلى كسرى بعض عماله وأنه غصبه ضيعة، فقال له: قد أكلتها أربعين سنة، فما عليك أن تتركها على عاملي سنة؟ قال: أيها الملك وما عليك أن تسلّم ملكك إلى بهرام فيأكله سنة؟ فأمر أن يوجأ في عنقه فقال: أيها الملك دخلت بمظلمة وأخرج بمظلمتين؟ فأمر بردّ ضيعته وقضى حوائجه.

стр. 1155

٦٦٥- غزا محمد بن واسع خراسان مع قتيبة، فرعوا الزرع، وأخذ هو بعنان فرسه يتخلّل به الأودية. فقال له دهقان القرية: أنت الذي أهلكتني، قال: كيف؟ قال: لولا أنت لهلك هؤلاء. ٦٦٦- دخل رجل على الحجاج فقال: ما عندك؟ قال: علم ألسنة الطير، فإذا هامتان تجاوبتا فقال: ما تقولان؟ قال: تخطب إحداهما بنت الأخرى فتقول لها: لا أزوّجك إلّا بأربعمائة قصر منيف خراب؟ قال: أين تجد ذلك؟ قال: ما دام مثلك حيّا لا نعدمه، قال: كيف؟ قال: إنك تقتل الأخيار وتعطّل الديار. «٦٦٧» - ألحّ رجل من المتظلّمين على أحمد بن الخصيب وهو راكب إلى المنتصر، فركله فقيل فيه: [من الكامل] قل للخليفة يا ابن عمّ محمد ... اشكل وزيرك إنّه ركّال «٦٦٨» - ومثله ما رفع إلى المأمون أنّ قاضيا له كان يعضّ الخصوم فوقّع في الرقعة: يشنق [١] . ٦٦٩- خطب عليّ ﵇ أهل الكوفة ودعا إلى الجهاد، فقال أريد الفزاريّ: والله لا نجيبك، فضربه قوم من همدان حتى مات، فوداه عليّ من بيت المال، فقال علاقة بن عركي التميمي: [من الطويل]

стр. 1156

معاذ إلهي أن تكون منيّتي ... كما مات في سوق البراذين أربد تعاوره همدان خصفا نعالها ... إذا رفعت عنه يد وقعت يد ٦٧٠- أخرج [١] أبو علي ابن رستم عاملا إلى بعض النواحي، وكان في القرية حمام كثير، فعدّها وأخذ واحدة منها وشقّ حوصلتها، وعدّ الحبوب الموجودة فيها، واحتسب بذلك وقال: إنّ كلّ حمامة تأكل في السنة من الحنطة كذا، فألزمهم ذلك، فكتب إليه أبو عليّ كتابا وفي آخره: [من الرجز] عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها في سنة قد كشّفت عن ساقها وهي من أبيات لرؤبة بن عيينة. ٦٧٠ ب-[وقال آخر] [٢] : [الرمل المجزوء] يتغنّى القيد في رج ... ليه ألوان الغناء باكيا لا رقأت عي ... ناه من طول البكاء ٦٧١- أقام عامل على دهقان عونين وأمرهما بنتف سباله، فقال: لم تفعل هذا أصلحك الله؟ قال: حتى تصحّح خراجك، وخراج أهل بيتك، وخراج شركائك، فلما أطال رفع رأسه إلى العونين فقال: انتفا على بركة الله. ٦٧٢- كان معلّم يقعد أبناء المياسير في الظلّ، وأبناء الفقراء في الشمس ويقول: يا أهل الجنّة ابزقوا على أهل النار. ٦٧٣- كان صاحب ربع يتشيّع، فارتفع إليه خصمان اسم أحدهما عليّ والآخر معاوية، فتحامل على معاوية فضربه مائة مقرعة من غير أن اتجهت عليه حجّة، ففطن من أين أتي فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو

стр. 1157

أبو عبد الرحمن، فبطحه وضربه مائة مقرعة، فقال لصاحبه: ما أخذت مني بالاسم استرجعته منك بالكنية. «٦٧٤» - كان أبو ضمضم على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلا من عرض الناس فجرّده للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل: ما ذنبي أصلحك الله؟ قال: أحبّ أن تجمّلنا بنفسك ساعة. «٦٧٥» - قال كعب: نهيق الحمار دعاء على الظلمة، فحدّث به المسيّب بن شريك فقال: لو علمت أنّ هذا حقا لزدت في قضيم حماري. «٦٧٦» - قال أبو المطراب وهو من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم: [من الوافر] ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني فلست بصابر إلّا قليلا ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني «٦٧٧» - تقدّم رجلان إلى قاض، فتكلّم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلّم، فقال: أيها القاضي يقضى على غائب، قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلّم. «٦٧٨» - بنى ابن أسد قصرا بالبصرة، وكانت في جانب منه حجرة صغيرة لعجوز كانت تساوي عشرين دينارا، فاحتاج إليها وطلبها بمائتي دينار، فأبت. فقيل لها: إنّ القاضي يحجر عليك لسفاهتك لأنك ضيّعت مائتين فيما قيمته عشرون، فقالت: ولم لا يحجر على من يشتري بمائتين ما يساوي عشرين؟

стр. 1158

فحجّت فاشتريت بثلاثمائة دينار. ٦٧٩- كان لسعيد بن خالد القرشي طائر اسمه كسرى، وفرخ له اسمه ساسان، فأكل الفرخ سنّور جار له يعرف بأنس، فكتب إلى العلاء بن منظور صاحب شرطة الكوفة، وهو الذي وهب له كسرى: [من الرمل] يا ابن منظور بن قيس دعوة ... ضوءها أنور من ضوء القبس إنّ ساسان بن كسرى غاله ... في سواد الليل سنّور أنس فأقدنا منه أو أخلفه أو ... خلّ بين الناس من عزّ افترس ٦٨٠- قيل: أخذ رجل ذئبا وهو يعظه ويقول له: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول: خفّف واقتصر، فقدّامي قطيع من الغنم لا يفوتني. ٦٨١- انحدر القاضي أبو بكر ابن قريعة إلى ضيعة له، فلما وصلت سميريّته إلى شاطىء القرية سبق أكّار من أكرته يهوديّ اسمه شعيب، ومعه جماعة، فتظلّم من وكيله وأعطاه رقعة كان قد كتبها له معلّم في القرية [١] في وقتها بالحبر، وأخذها وطواها وهي رطبة فانطمس أكثرها. فلما دفعها إلى القاضي أعطاها لكاتبه فقال: اقرأ ما فيها، فلم يفهم شيئا من المكتوب فيها، فأطال استخراجه لها، والقاضي مستوفز والأكرة يصيحون، فضاق صدره واستبطأ كاتبه [٢] ، فأخذ الرقعة من يديه ليقرأها فكانت صورته مثل صورة الكاتب فردّها إليه وقال له: وقّع فيها (يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) (هود: ٩١) وادفع الرقعة إليه، ونهض من السميرية صاعدا [٣] . يتلوه: باب العقل والحمق.

стр. 1159

الباب الثّالث عشر في العقل والحنكة والتجارب والحمق والجهل

стр. 1160

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * اللهم إنّا نحمدك على مزيّة العقل التي خصصت بها الإنسان، وفضّلته بها على الحيوان، وجعلته إلى معرفتك سبيلا، وعلى فوائد فضلك دليلا، واعتمدت عليه في التكليف والعبادة، ووعدت عليهما خير الجزاء والإفادة، ووقفتنا به على دقائق المعلومات، وبيّنت لنا به مناهج الخيرات، فاهتدى إليها من اهتدى بتوفيقك وتسديدك، وضلّ عنها وحار من عدم الإعانة من توفيقك وتأييدك. ونعوذ بك من الجهل المضلّ عن سنن هداك القويم ورشدك، الداعي إلى سخطك الأليم وغضبك. وأشهد أن لا له إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنفي الضلالة، وتشفي من عمى الجهالة، وأسأله الصلاة على رسوله المصطفى ونبيّه المجتبى، الذي دلّت على بعثته العقول والألباب، وخصمت حجته الجهول والمرتاب، ووضحت به معالم الهدى فاستنارت، وكسدت بضائع النفاق فبارت، وعلى آله وأصحابه، أهل الفضل وأربابه.
следующие страницы →