[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله المطّلع على مصير الأمور ومآلها، العليم قبل وقوعها بأعقابها ومآبها، الموجّه دقائق الفكر والآراء لأربابها، والمنبّه لهم بتوفيقه على خطأها وصوابها، موفق الألسنة عند النطق لسدادها، وهادي القلوب عند التدبير لرشادها، يمدّ كلّا بتأييد لا يتمّ صلاحها إلّا بمدده، وتخون كلّ عدة ليست من جنوده وعدده. أحمده وله المنة على الحمد، وأستمدّ منه بصيرة تهدي إلى الرّشد. وأسأله الصلاة على نبيّه المؤيد بأمداد الغيوب، المخصوص بكشف السرّ المحجوب، وأمر مع ذلك عن غير ضرورة [١] بمشاورة نصحائه [٢] ، وعضد آرائهم برائه، تأديبا لأمّته واستنانا [٣] ، وإيضاحا لبركة المشورة وفضيلتها وبيانا. صلّى الله عليه وعلى آله ما قدح الرأي زناد الصواب، وكشفت التجارب بصيرة ذوي الألباب.
стр. 1228
(الباب الرابع عشر في المشورة والرأي صوابه وخطئه)
[آيات وأحاديث وحكم وأشعار]
«٨٨٧» - قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)
(آل عمران: ١٥٩) واختلف أهل التأويل في أمره بالمشاورة مع ما أمدّه بالتوفيق وأعانه بالتأييد على أربعة أوجه: أحدها أنه أمره بمشاورتهم في الحرب ليستقرّ له الرأي الصحيح فيه، فيعمل عليه، وهذا قول الحسن. وقال: ما تشاور قوم قطّ إلّا هدوا لأرشد أمورهم. والثاني: أنه أمره بمشاورتهم تألفا وتطييبا لنفوسهم، وهذا قول قتادة. والثالث: أنه أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل وعاد بها من النّفع، وهذا قول الضحّاك. والرابع: أنه أمره بمشاورتهم ليستنّ به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون، وإن كان عن مشاورتهم غنيا، وهذا قول سفيان.
«٨٨٨» - وقد روي عن الحسن أنه قال: إنّ الله لم يأمر نبيّه ﷺ بمشاورة أصحابه لحاجة منه إلى آرائهم، ولكنّه أحبّ أن يعلمه ما في المشاورة من البركة.
«٨٨٩» - قال رسول الله ﷺ : ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا افتقر من اقتصد.
стр. 1229
«٨٩٠» - وقال ﵇: المستشير معان.
٨٩١- وقال عليّ كرّم الله وجهه: من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ.
«٨٩٢» - وقال أعرابي: ما غبنت قطّ حتى يغبن قومي. قيل: وكيف ذاك؟
قال: لا أفعل شيئا حتى أشاورهم.
٨٩٣- وكان يقال: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.
«٨٩٤» - وقال ابن المقفّع: لا يقذفنّ في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيقطعك ذلك عن المشورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع. ولو أنك أردت الذكر لكان أحسن الذّكرين عند الألباء أن يقال: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه.
«٨٩٥» - وقال صاحب كليلة ودمنة: لا بدّ لصاحب السرّ من مستشار مأمون يفضي إليه بسرّه، ويعاونه على رأيه؛ فإنّ المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأيا فقد يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالسّليط ضوءا. وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى، والرفق في تبصيره خطأ إن أتى منه، وإجالة الرأي فيما أشكل عليهما حتى يستقيم لهما بتعاونهما، فإذا لم يكن المستشار كذلك فهو على المستشير مع [١] عدوّه.
стр. 1230
«٨٩٦» - وقال بشار: [من الطويل]
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي رافدات [١] القوادم
وخلّ الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
وأدن من القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرءا غير كاتم [٢]
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم
«٨٩٧» - قال الأصمعي: قلت لبشار: إنّ الناس يعجبون من أبياتك في المشورة، قال: يا أبا سعيد إنّ المشاور بين صواب يفوز بثمرته، وخطأ يشارك في مكروهه، فقلت: أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك.
«٨٩٨» - وأنشد ابن الأعرابي: [من الطويل]
وأنفع من شاورت من كان ناصحا ... شفيقا فأبصر بعدها من تشاور
وليس بشافيك الشفيق ورأيه ... غريب ولا ذو الرأي والصدر واغر
«٨٩٩» - وقال جعفر بن محمد: لا تكوننّ أوّل مشير، وإياك والرأي الفطير، وتجنّب ارتجال الكلام، ولا تشر على مستبدّ برأيه، ولا على وغد ولا
стр. 1231
متلوّن ولا على لجوج، وخف الله من موافقة هوى المستشير، فإنّ التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة.
[المشورة عند اليونان والفرس]
«٩٠٠» - وقالت الفرس: ينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم، مهذّب الرأي، فليس كلّ عالم عارفا بالرأي الصائب، وكم نافذ في شيء ضعيف في غيره. وقد يكون المستشار مستقيم الرأي، سديد التدبير، فتعرض له آفة أخرى:
إما في خليقته ومقاصده، فلا يكون صوابه ملائما لما هو صواب للملك، أو يكون مائلا بهواه فيما استشير فيه إلى نفع صديق أو ضرّ عدوّ. ومثال الأول: أن يكون بخيلا فيحسّن البخل لحسنه عنده، أو جبانا فيشير بما يدعوه إلى الجبن، أو يكون مبذرا أو متهوّرا فبالضدّ. فإذا عرف الملك سلامة المستشار من هذه الشوائب وسمع مشورته، طالبه بالدليل على الصواب، فإذا أتى بالحجة عرضه الملك على رأيه، ووزنه بعقله. فإذا طابق الصواب عنده عمل به. وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر بقوله، وهي تروى لأبي الأسود الدؤلي واسمه الحارث بن ظالم [١] : [من الطويل]
وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب
«٩٠١» - وكان اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على الأمر يستشيرون فيه، إنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به، لمعان شتّى منها:
стр. 1232
لئلّا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأي وصحة النظر فيه، لأنّ من طباع المشتركين في الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم على بعض، وربما أشار أحدهم بالرأي الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون وتعقّبوه بالاعتراض والتأويل والتهجين، وكدّروه وأفسدوه، وشبّهوا الباطل بالحقّ ليصيّروا حقّه باطلا. وفي اجتماعهم أيضا على المشورة تعريض السرّ للإذاعة [١] والإشاعة، فإن كان ذلك لم يستطع الملك المقابلة على كشف سرّه لأنه لا يعلم أيّهم جنى فيه، فإن عاقب الكلّ عاقب بريئا بذنب مجرم، وإن عفا عنهم ألحق الجاني بمن لا ذنب له.
٩٠٢- وقالت الفرس: إنما يراد الاجتماع والكثرة والتناصر في الأمور التي تحتاج إلى القوة، أو ما يخشى فيه الخيانة، فأما الآراء والأمور الغامضة فإنّ الاجتماع يفسدها، ويولّد فيها التضاغن والتنافس، وربما انقبض أحدهم عن تقسيم الآراء وذكر ما يعترض فيها لما يتخوّفه من منافسة ومشاحنة. وإنما يكون الرأي في الجفلى إذا خلصت النيّات وصفت، فحينئذ تقع المجاراة فيه والتعارض حتى يصفو ويخلص ويتّضح ولا يبقى فيه مراء ولا شكّ، وذلك في الأمر الذي يعمّ ضرره ونفعه للجماعة مثل القبيلة أو العصبة إذا حزبهم أمر يخافون من تضييع الحزم فيه بآفة [٢] تعمّهم، فإنهم حينئذ يدعون التحاسد والتنافس، ويقبلون الصواب ممّن جاء به منهم لأنّ صلاح ذلك يعمّهم والخطأ فيه يشملهم.
«٩٠٣» - وقال ابن المقفع: اعلم أنّ المستشار ليس بكفيل، وأنّ الرأي ليس بمضمون، بل الرأي كلّه غرر لأنّ أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة، وليس شيء من أمرها يدركه الحازم إلّا وقد يدركه العاجز؛ بل ربما أعيا الحزمة وأمكن
стр. 1233
العجزة. فإذا أشار عليك صاحبك برأي ثم لم تحمد عاقبته فلا تجعلنّ ذلك عليه لوما وعذابا بأن تقول: أنت فعلت هذا بي، وأنت أمرتني، ولولا أنت ولا جرم لا أطعتك، فإنّ هذا كلّه ضجر ولؤم وخفّة. وإن كنت أنت المشير فعمل برأيك أو ترك فبدا صوابه فلا تمنن عليه، ولا تكثرنّ ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلم عليه إن كان استبان في تركه ضرر، وتقول: ألم أفعل؟ ألم أقل؟ فإنّ ذلك مجانب لأدب الحكماء.
«٩٠٤» - قال أفلاطن: إذا استشارك عدوّك فجرّد له النصيحة لأنه بالاستشارة قد خرج من عداوتك إلى موالاتك.
«٩٠٥» - وقيل: إذا أردت أن تعرف الرجل فشاوره، فإنك تقف من مشاورته [١] على جوره وعدله، وحبّه وبغضه، وخيره وشرّه.
«٩٠٦» - وقيل: من طلب الرّخص من النّصحاء عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن العلماء عند الشّبهة، أخطأ منافع الرأي، وازداد في المرض، وحمل [٢] الوزر في الدين.
«٩٠٧» - وقيل: من بذل نصيحته واجتهاده لمن لا شكر له فإنما هو كمن بذر بذرة في السباخ، أو أشار على المعجب، أو سارّ الأصمّ.
«٩٠٨» - وكان ابن هبيرة يقول: إياك وصحبة من غايته خاصّة نفسه،
стр. 1234
والانحطاط في هوى مستشيره، وهو من [١] لا يلتمس خالص مودّتك إلّا بالتأتي لموافقة شهوتك، ومن يساعدك على سرور ساعتك ولا يفكّر في حوادث غدك.
«٩٠٩» - كتب الحجاج إلى المهلّب يعجله في حرب الأزارقة، فكتب إليه المهلب: إنّ البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه [٢] دون من يبصره.
«٩١٠» - وكان عبد الله بن وهب الراسبيّ متقدّما في الخوارج [٣] ، من ذوي آرائهم، وكان يقول: إنّ الرأي ليس بنهبى، وخمير الرأي خير من فطيره.
وربّ شيء غابّه خير من طريّه، وتأخيره خير من تقديمه. وقيل له يوم عقدت له الخوارج: تكلّم، فقال: ما أنا والرأي الفطير والكلام القضيب. وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الدّبريّ، وهو الذي يعرض بعد وقوع الشيء.
«٩١١» - قال جرير: [من الطويل]
ولا يعرفون الشرّ حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلّا تدبّرا
«٩١٢» - ويقال: أناة في عواقبها درك خير من معاجلة في عواقبها فوت.
«٩١٣» - وأنشد الرياشي: [من البسيط]
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
стр. 1235
«٩١٤» - وللقطامي: [من الوافر]
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتباعا
«٩١٥» - ويقال: من لم ينفعك ظنّه، لم ينفعك يقينه.
«٩١٦» - وقال عبد الله بن الزبير: لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه.
«٩١٧» - وقال أوس بن حجر: [من المنسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ لك الظ ... نّ كأن قد رأى وقد سمعا
«٩١٨» - وقال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه [١] في ابن عباس: إنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
«٩١٩» - وقال الشاعر: [من الطويل]
تجلّلته بالرأي حتى أريته [٢] ... به ملء عينيه مكان العواقب [٣]
٩١٩ ب- آخر: [من الطويل]
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... تخاطبه من كلّ أمر عواقبه
стр. 1236
«٩٢٠» - وقال آخر: [من الطويل]
من النفر المدلين في كلّ حجّة ... بمستحصد [١] من جولة الرأي محكم
«٩٢١» - كان معاوية يقول: لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أنّ في قلبه عليّ ضغنا، فأستشيره، فيثور إليّ منه بقدر ما يجد في نفسه، فما يزال يوسعني شتما وأوسعه حلما حتى يرجع صديقا أستنجده فينجدني.
«٩٢٢» - وقال جعفر بن محمد: من استشار لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا.
«٩٢٣» - وأحسن ابن الروميّ في وصف ذي رأي محكم بقوله:
[من الطويل]
تراه عن الحرب العوان بمعزل ... وآثاره فيها وإن غاب شهّد
كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... عن الناس طرّا ليس عنه معرّد
«٩٢٤» - ومن كلام لعبد الله بن المعتز: مشاورة المشفق الحازم ظفر، ومشاورة المشفق غير الحازم خطر. ومنه: المشورة راحة لك وتعب على غيرك.
«٩٢٥» - وقال الأحنف: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى
стр. 1237
يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المضلّ حتى يجد، ولا الراغب حتى ينجح.
«٩٢٦» - ومن الآراء قول الأحنف لأبي موسى لما حكّم: يا أبا موسى، إنّ هذا الأمر [١] له ما بعده من عزّ الدنيا أو ذلّها آخر الدهر. ادع القوم إلى طاعة عليّ فإن أبوا فادعهم إلى أن يختار أهل الشام من قريش العراق من أحبّوا، وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنيّة، أو أن يقعدك على صدر المجلس، فإنها خديعة، وأن يضمّك وإياه بيت يكمن لك فيه الرجال. ودعه فليتكلّم [٢] لتكون عليه بالخيار، فإنّ البادىء مستغلق، والمجيب ناطق. فعمل أبو موسى بخلاف ما أشار به، فقال له والتقيا بعد ذلك: أدخل والله قدميك في خف واحد.
٩٢٧- وقال قتيبة بن مسلم في الرأي: إذا تخالجتك الأمور فاستقلّ بأعظمها خطرا، فإن لم يستبن فأرجاها دركا، فإن اشتبهت عليك فأحراها أن لا يكون لها مرجوع عليك.
«٩٢٨» - قال الفضل بن سهل: الرأي يسدّ ثلم السيف، والسيف، لا يسدّ ثلم الرأي.
[الرسول في غزوة بدر]
«٩٢٩» - ولما سار رسول الله صلّي الله عليه وعلى آله إلى قريش في غزاة بدر نزل أدنى ماء من بدر، فقال له الحباب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أنزلكه الله ليس لك أن تتقدّمه ولا تتأخّره أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله فإنّ هذا ليس بمنزل، فارحل بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزله، ثم
стр. 1238
تغوّر ما سواه من القلب، ثم تبتني عليه حوضا فتملأه، ثم تقابل القوم فتشرب ولا يشربون. فقال ﷺ : لقد أشرت بالرأي. وفعل ما أشار به مع عناية الوحي المؤيّد له عن مشورة الرأي.
«٩٣٠» - طاهر بن الحسين: [من البسيط]
اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة ... فلن يذمّ لأهل الحزم تدبير
فإن هلكت برأي أو ظفرت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور
وإن ظهرت على جهل وفزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير
أنكد بدنيا ينال المخطئون بها ... حظّ المصيبين والمقدور مقدور
[عود إلى أخبار وحكم]
٩٣١- استشار المنصور خاصّة أهله وأصحابه في تولية المهديّ السواد وكور دجلة، فاستصوب كلّهم رأيه إلّا أبا العباس الطوسيّ فإنه استخلاه ثم قال له: أرأيت إن سلك المهديّ غير سيرتك، واستعمل التسهيل، كنت ترضى بذلك؟ قال: لا والله، قال فأنت تريد أن تحبّبه إلى الرعية، وتقليدك إياه يبغّضه إليهم، لا سيما ما قرب منك، ولكن تولّي هذه الولاية عيسى بن موسى، وتجعل المهديّ الناظر في ظلامات الناس منه، وتأمره بأخذه بإنصافهم، فضحك منه حتى فحص برجليه.
٩٣٢- وروي أنّ الحجاج استعمل عاملا على الفلّوجتين، فلما وردها قال: هل ها هنا دهقان يعاش برأيه؟ فقيل له: جميل بن بصبهرى، فأحضره وشاوره، فقال له جميل: أخبرني أقدمت لرضى ربك، أم لرضى نفسك، أم لرضى من يقلدك [١] ؟ قال: ما استشرتك إلّا لرضى الجميع. قال: فاحفظ عني
стр. 1239
خلالا: لا يختلف حكمك في رعيتك. وليكن حكمك على الشريف والوضيع سواء، ولا تتخذنّ حاجبا ليردّ عليك الوارد من أهل عملك على ثقة من الوصول إليك، وأطل الجلوس لأهل عملك يتهيّبك عمّالك، ولا تقبل هدية فإنّ صاحبها لا يرضى بثلاثين ضعفا مثلها، فإذا فعلت ذلك فاسلخ جلودهم من فروعهم إلى أقدامهم. قال: فعملت برأيه فجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم.
«٩٣٣» - قال الرضيّ: [من المنسرح]
يعجبني كلّ حازم الرأي لا ... يطمع في قرع سنّه الندم
إن قام خفّت به شمائله ... أو غار [١] خفّت بوطئه القدم
٩٣٣ ب- وقال: [من الطويل]
يغامر بالآراء قبل جيوشه ... وبيض الظّبا بيض بغير فلول
فإن غنم الجيش المغير وراءه ... فما غنمه في الحرب غير غلول
«٩٣٤» - وقال محمد بن هانىء: [من الطويل]
وكلّ أناة في المواطن سؤدد ... ولا كأناة من قدير محكّم
وما الرأي إلّا بعد طول تثبّت ... ولا الحزم إلّا بعد طول تلوّم
٩٣٥- ومن الآراء الصائبة ما رآه عبد الملك بن مروان لما نفى ابن الزبير بني أمية؛ قيل: لما خلع عبد الله بن الزبير يزيد بن معاوية همّ بقتل بني أمية الذين بالحجاز، فشاور في ذلك إخوته المنذر وعروة ومصعبا فأشار به عليه المنذر
стр. 1240
وخالفه عروة ومصعب [١] ، وقالا له: انفهم عن المدينة وإلّا أفسدوا أمرك بها، فكتب بنفيهم، وورد كتابه بذلك وعبد الملك مجدور، ففزغ مروان إلى رأي ابنه عبد الملك، وكان منذ كان غلاما مجتمع الرأي حازما صليبا، فقال له: بادر بالخروج قال: فإني قد استنظرتهم فأجّلوني أياما، قال: لا تفعل، فإنّ هذا رأي تفرّد به أو شاور فيه من إخوته من اختلفت آراؤهم فيه عليه، ولو شاور كهول أصحابه لأشاروا عليه بقتلنا، وأعلموه أنّا إن خرجنا إلى الشام جررنا عليه شرّا، فاهتبل هذا الأمر وانج قبل أن تندم، فقال له: وكيف أصنع وأنت مجدور؟
قال: إنه لا بأس عليّ. فساروا وحمل عبد الملك في هودج، واحتثّوا في المسير فلم يحلّوا عقدة حتى نزلوا شبيكة الدوم [٢] . ثم شاور ابن الزبير أصحابه الكهول مثل ابن مطيع وابن صفوان ونظرائهم، فعجّزوه وفيّلوا رأيه فيما صنع، وقالوا له: أدرك القوم، فو الله لئن وصلوا إلى الشام ليرجعنّ إليك في الجيوش. فكتب إلى عامله عبد الرحمن بن حنظلة الغسيل الأنصاري: أقرر بني أمية ولا تهج منهم أحدا، فكتب إليه ابن حنظلة بخبرهم وشخوصهم.
«٩٣٦» - وقال إبراهيم بن العباس في وصف الرأي: [من الكامل المرفّل]
يمضي الأمور على بديهته [٣] ... وتريه فكرته عواقبها
فيظلّ يصدرها ويوردها ... فيعمّ حاضرها وغائبها
وإذا الحروب غلت [٤] بعثت لها ... رأيا تفلّ به كتائبها
стр. 1241
رأيا إذا نبت السيوف مضى ... قدما [١] بها فسقى [٢] مضاربها
٩٣٧- قال معن بن زائدة: كنا في الصحابة سبعمائة رجل، فكنّا ندخل على المنصور في كلّ يوم، فقلت للربيع: اجعلني في آخر من يدخل عليه، فقال لي: لست بأشرفهم فتكون في أوّلهم ولست بأخسّهم نسبا فتكون في آخرهم، وإنّ مرتبتك لتشبه نسبك. فدخلت على المنصور ذات يوم وعليّ درّاعة فضفاضة وسيف حتفيّ [٣] أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد سدلتها [٤] من قدّامي ومن خلفي، فسلّمت عليه وخرجت، فلما صرت عند الستر صاح بي: يا معن، صيحة أنكرتها فلبّيتها [٥] ، فقال: إليّ، فدنوت منه فإذا به قد نزل عن فرشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودا من بين فراشين، واستحال لونه، ودرّت أوداجه وقال: إنك لصاحبي يوم واسط لا نجوت إن نجوت منّي. قال، قلت: يا أمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم فكيف نصرتي لحقّك؟ فقال: كيف قلت؟ فأعدت عليه القول، فما زال يستعيدني حتى ردّ العمود إلى مستقرّه واستوى متربّعا وأسفر لونه وقال: يا معن إنّ باليمن هنات، قلت: يا أمير المؤمنين ليس لمكتوم رأي، وهو أول من أرسلها مثلا، فقال: أنت صاحبي فاجلس، قال: فجلست، وأمر الربيع فأخرج كلّ من كان في الدار، وخرج الربيع. فقال لي: إنّ صاحب اليمن قد همّ بالمعصية، وأريد أن آخذه أسيرا، ولا يفوتني شيء من ماله. قال، قلت:
ولّني اليمن وأظهر أنّك قد ضممتني إليه، ومر الربيع أن يزيح علّتي في كلّ ما أحتاج إليه، ويخرجني في يومي هذا لئلّا ينتشر الخبر. قال: فاستلّ عهدا من
стр. 1242
بين فراشين، فوقّع اسمي فيه وناولنيه، ثم دعا الربيع فقال: يا ربيع إنّا قد ضممنا معنا إلى صاحب اليمن فأزح علّته في ما يحتاج إليه من السلاح والكراع، ولا يمس إلّا وهو راحل [١] . قال: ثم ودّعني فودعته وخرجت إلى الدهليز. فلقيني أبو الوالي فقال: يا معن أعزز عليّ بأن تضمّ إلى ابن أخيك.
قال فقلت: إنه لا غضاضة على الرجل بأن يضمّه سلطانه إلى ابن أخيه.
وخرجت إلى اليمن فأتيت الرجل فأخذته أسيرا، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه.
«٩٣٨» - استأذن زياد معاوية في الحجّ فأذن له، وبلغ ذلك أبا بكرة، وكان أخاه من أمّه، أمّهما سميّة، وكان حلف أن لا يكلّم زيادا حيث رجع عن الشهادة على المغيرة، وأن لا يظلّه وإياه سقف بيت أبدا. فدخل أبو بكرة دار الإمارة على زياد، فأمر زياد بكرسيين فوضعا في صحن القصر ليمينه، فجلس أبو بكرة على أحدهما وزياد على الآخر، ومع زياد بنيّ له حيث مشى. فقال أبو بكرة لابنه:
تعال يا ابن أخي، فجاء الصبيّ فجلس في حجره، فقال له: كيف أنت؟ كيف أهلك؟ اسمع منّي يا ابن أخي، وإنما يريد أن يسمع زيادا: إنّ أباك هذا أحمق، فجر في الإسلام ثلاث فجرات ما سمعنا بمثلهنّ. أما أوّلهنّ فجحوده الشهادة على المغيرة، والله يعلم أنه قد رأى ما قد رأينا فكتم، وقد قال الله تعالى (وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)
(البقرة: ٢٨٣) فحلفت ألّا أكلمه أبدا؛ وأما الأخرى فانتفاوه من عبيد وادعاوه إلى أبي سفيان، وأقسم لك يا ابن أخي صادقا ما رأى أبو سفيان سمية قطّ في ليل ولا نهار، ولا جاهلية ولا إسلام؛ وأما الثالثة فأعظمهنّ: إنّه يريد أن يوافي العام الموسم، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ تأتي الموسم كلّ
стр. 1243
عام، فإن هو أتاها فأذنت له كما تأذن الأخت لأخيها فأعظم بها مصيبة على رسول الله ﷺ ، وإن هي حجبته فأعظم بها حجّة عليه. ثم نهض، فقام زياد في أثره وأخذ بقميصه وقال: جزاك الله من أخ خيرا فما تركت النصيحة لأخيك على حال، وترك الحجّ.
«٩٣٩» - قال الحسين بن الضحاك: كنت عازما على أن أرثي الأمين بلساني كلّه، وأشفي لوعتي، فلقيني أبو العتاهية فقال لي: يا حسين، أنا إليك مائل، ولك محبّ، وقد علمت مكانك من الأمين، وأنت حقيق بأن ترثيه، إلّا أنك قد أطلقت لسانك في التلهّف عليه والتوجّع له بما صار هجاء لغيره وثلبا له وتحريضا عليه، وهذا المأمون منصبّا إلى العراق قد أقبل إليك، فأبق على نفسك. ويحك يا حسين أتجسر على أن تقول: [من الكامل المرفّل]
تركوا حريم أبيهم نفلا ... والمحصنات صوارخ هتف
هيهات بعدك أن يدوم لهم ... عزّ وأن يبقى لهم شرف
اكفف غرب لسانك، واطو ما قد انتشر عنك، وتلاف ما فرط منك.
فعلمت أنه قد نصح لي فجزيته الخير، وقطعت القول، فنجوت برأيه، وما كدت أن أنجو.
«٩٤٠» - قال المثقب العبدي: [من الطويل]
إذا ما تدبّرت الأمور تبيّنت ... عيانا صحيحات الأمور وعورها
«٩٤١» - وقال أبو زبيد: [من الطويل]
عليك برأس الأمر قبل انتشاره ... وشرّ الأمور الأعسر المتدبّر
стр. 1244
«٩٤٢» - وقال حصين بن منذر الرقاشي: [من الطويل]
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالما
«٩٤٣» - وقال المتلمس الضبعي: [من الطويل]
عصاني فلم يلق الرشاد وإنما ... تبيّن من أمر الغويّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلة ... تمجّ نجيع الجوف منها ترائبه
«٩٤٤» - وقال زهير بن كلحبة اليربوعي: [من الطويل]
أمرتكم أمري بمنعرج اللّوى ... ولا أمر للمعصيّ إلّا مضيّعا
فلما رأوا غبّ الذي قد أمرتهم ... تأسّف من لم يمس للأمر أطوعا
٩٤٥- قالت الحكماء: العاقل يستشير عارضا للآراء على رأيه، وقائسا بعضها ببعض، حتى يقع اختياره على أسدّها وأولاها بالصواب طريقا، والجاهل يستشير مترددا في أمره، لا يزداد بما يسمع من الآراء إلّا حيرة وشعاع قلب، وتفييل رأي، حتى ينزل به المحذور ويلحقه المكروه.
٩٤٦- وقال لقمان لابنه: يا بنيّ إذا استشهدت فاشهد، وإذا استعنت فأعن، وإذا استشرت فلا تعجل حتى تنظر، فإنّ العاقل يرى بعين قلبه ما لا يرى بعينيه.
«٩٤٧» - وقال عليّ بن الحسين: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته.
стр. 1245
٩٤٨- قال رجل: أريد أن أشاور غير كاتبي هذا. فبلغ الكاتب فقال له:
أعزّك الله، إنّ المستشار لا ينصح نصيحة المستكفي.
«٩٤٩» - وقال أبو الطمحان القيني: [من الطويل]
بنيّ إذا ما سامك الذلّ قاهر ... عزيز فبعض الذلّ أبقى وأحرز
ولا تخز من بعض الأمور تعزّزا ... فقد يورث الذلّ الطويل التعزّز
ويرويان لعبد الله بن معاوية الجعفري.
٩٥٠- ولأبي الطمحان في مثله: [من البسيط]
يا ربّ مظلمة يوما لطيت بها ... تمضي عليّ إذا ما غاب أنصاري
حتى إذا ما انجلت عنّي غياهبها ... وثبت فيها وثوب المخدر الضاري
«٩٥١» - وقريب من معنى البيتين الأولين، وقد تقدّم هذا البيت في الباب الثاني: [من الطويل]
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها
«٩٥٢» - شاور أعرابيّ ابن عمّ له، فأشار عليه برأي فقال: قد قلت بما يقول به الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمرّه، وحزنه بسهله، ويحرّك الاسعاف منه ما هو ساكن من غيره، وقد وعيت النصح منه وقبلته إذ كان مصدره من عند من لا شكّ في مودّته وصافي غيبه، وما زلت بحمد الله إلى الخير منهجا واضحا وطريقا مهيعا.
стр. 1246
٩٥٣- أراد عمر بن عبد العزيز أن يذكر بني أمية وجورهم وإفسادهم ويلعن الظالمين منهم، فشاور في ذلك جماعة من أهل العلم، منهم ميمون بن مهران، فقال له ميمون: يا أمير المؤمنين إنّ القول فتنة فعليك بالعمل.
«٩٥٤» - قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: إذا استخار العبد ربّه، وشاور نصيحه، واجتهد رأيه، فقد قضى الذي عليه لنفسه، ويقضي الله في أمره ما أحبّ.
«٩٥٥» - قال عبد الله بن الحسن بن الحسن لابنه محمد أو إبراهيم: يا بنيّ إنني مؤدّ حقّ الله في تأديبك، فأدّ إليّ حقّ الله في الاستماع. أي بنيّ كفّ الأذى، وأفض النّدى، واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك نفسك إلى القول، فإنّ للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصواب. واحذر مشاورة الجاهل، وإن كان ناصحا، كما تحذر مشاورة العاقل إذا كان غاشّا، لأنه يورّطك بمشورته، ويسبق إليك مكر العاقل والاغترار بالجاهل. واعلم يا بنيّ أنّ رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبدّ برأيك، فإنه حينئذ هواك. ولا تفعل فعلا إلا وأنت على يقين أنّ عاقبته لا ترديك وأنّ نتيجته لا تجني عليك.
٩٥٦- قال حكيم: صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور. والحزم في الرأي سلامة من التفريط، وداعية إلى الظفر. والتدبر والتفكّر يبحثان عن [١] الفطنة ويكشفان الحزم. ومشاورة الحكماء بيان لليقين وقوة للبصيرة، ففكّر قبل أن تعزم، واعرض قبل أن تصرم، وتدبّر قبل أن تهجم، وشاور قبل أن تندم،
стр. 1247
ولا تغفل ما أفادتك التجارب [١] فإنها عقل ثان، ودليل هاد، وأدب مستفاد.
واذكر ما مضى من عمرك بما بقي منه، وافهم عن الأيام إخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتعظ بما وعظك منها، وتأمّلها تأمّل ذي الفكرة فيها، فإنّ الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن خفيّات الأمور.
٩٥٧- قال أعرابيّ لأخ له: اعلم أنّ الناصح لك، المشفق عليك، من طالع لك ما وراء العواقب بنظره ورويّته، ومثّل لك الأحوال المخوفة عليك، وخلط الوعر بالسّهل من كلامه ومشورته، ليكون خوفك كفاء رجائك، وشكرك إزاء النعمة عليك. وإنّ الغاشّ لك، والحاطب عليك، من مدّ لك في الاغترار، ووطّأ لك مهاد الظلم، تابعا لمرضاتك منقادا لهواك.
«٩٥٨» - المتنبي: [من الخفيف]
إنّما تنجح المقالة في المر ... ءإذا وافقت هوى في الفؤاد
«٩٥٩» - أراد نوح بن أبي مريم قاضي مرو الروذ أن يزوّج ابنته، فاستشار جارا له مجوسيا، فقال: سبحان الله، الناس يستفتونك وأنت تستفتيني؟ قال:
لا بدّ أن تشير عليّ، قال: إنّ رئيسنا كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار النسب، ورئيسكم محمد كان يختار الدين، فانظر أنت لنفسك بمن تقتدي.
٩٦٠- بعض أعراب بني أسد: [من الطويل]
من الناس من إن يستشرك فتجتهد ... له الرأي يستغششك ما لم تتابعه
стр. 1248
فلا تمنحنّ النصح من ليس أهله ... فلا أنت محمود ولا الرأي نافعه
٩٦١- أراد عمرو بن مسعدة الركوب إلى دار المأمون في جبّة وشي ظاهرة، فقال له إبراهيم بن نوح: لا تفعل، فقال عمرو: أتنكر لمثلي وغلّتي في الشهر كذا؟ قال: إنّ غلّتك مسموعة، وجبّتك ملحوظة.
стр. 1249
نوادر من هذا الباب
«٩٦٢» - ولي حارثة بن بدر سرّق، فخرج معه المشيّعون من البصرة وفيهم أبو الأسود الدؤلي، فلما انصرف المشيّعون دنا منه أبو الأسود فقال له مشيرا:
[من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئا تصيبه ... فحظّك من مال العراقين سرّق
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما تهوى وإما مصدّق
يقولون أقوالا بظنّ وشبهة ... وإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا
ولا تعجزن فالعجز أوطأ مركب ... وما كلّ مدفوع إلى الرزق يرزق
وباه تميما بالغنى إنّ في الغنى ... بسلطانه يسطو الغنيّ وينطق
فقال حارثة يجيبه: [من الطويل]
جزاك مليك الناس خير جزائه ... فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا
أمرت بحزم لو أمرت بغيره ... لألفيتني فيه لرأيك عاصيا
ستلقى أخا يصفيك بالودّ حاضرا ... ويوليك حفظ الغيب إن كنت نائيا
٩٦٣- قال الأصمعي: مرّ الفرزدق يوما في الأزد فوثب عليه ابن أبي علقمة لينكحه، وأعانه على ذلك سفهاء من سفهائهم، فجاءت مشايخ الأزد وأولو النهى منهم فصاحوا بابن أبي علقمة وبأولئك السفهاء، فقال لهم ابن أبي
стр. 1250
علقمة: ويحكم أطيعوني اليوم واعصوني الدهر، هذا شاعر مضر ولسانها، وقد شتم أعراضكم وهجا ساداتكم، والله لا تنالون من مضر مثلها أبدا. فحالوا بينه وبينه. فكان الفرزدق بعد ذلك يقول: قاتله الله، والله لقد كان أشار عليهم بالرأي [١] .
تم الباب الرابع عشر بعون الله ويتلوه الباب الخامس عشر وهو في الوصايا والعهود.
стр. 1251
الباب الخامس عشر في العهود والوصايا
стр. 1252
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الصادق في وعده، الموثوق بعهده، لا إله خالق سواه، عهد أن لا نعبد إلّا إياه، له المثل الأعلى والأسماء الحسنى، وصىّ عباده بالتقوى، وجازى كلّا بسعيه الجزاء الأوفى. أحمده على ما قدّره وقضاه، وأشكر له سيبه ونعماه، وأسأله التوفيق للعمل بعهوده ووصاياه، وأشهد أن محمدا رسوله الأوّاه، خصّه الله بأفضل سلام وأزكاه، صلّى الله عليه وعلى آله الذين سيماهم في الوجوه والجباه، ما أمر الكتاب عبدا ونهاه، ودحر الحقّ باطلا ودحاه.
стр. 1253
(الباب الخامس عشر في الوصايا والعهود)
[الوصايا في القرآن والحديث]
٩٦٤- أما وصية الوفاة فقد ندب إليها، قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)
(البقرة: ١٨٠) . وجاء في الأثر: من مات من غير وصيّة مات ميتة جاهليّة. وأنا ذاكر منها ما تعلّق به أثر أو تضّمن أدبا وحكمة أو بيانا وبلاغة؛ وما خرج عن ذلك فلا فائدة تحته.
٩٦٥- وأما وصايا التأديب والارشاد ففي الكتاب العزيز منها الجمّ الغزير، فممّا جاء بلفظ الوصية قوله تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)
(النساء: ١٣١) وقوله : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً)
(العنكبوت: ٨) وقوله (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
(الانعام:
١٥١- ١٥٣) .
وما جاء بغير لفظ الوصية وهو في معناها فكثير، ليس هذا موضعا يقتضيه.
стр. 1254
وخطبة الوداع هي في معنى الوصيّة من الرسول ﷺ ، وقد كتبت في موضعها.
ووصاياه لأصحابه وأمّته المرشدة لهم والموقظة لغافلهم والدالة على حدود شريعته أكثر من أن تحصى، وأشير هنا إلى شيء منها قياما بشرط هذا الكتاب، والله الموفق للهداية والصواب.
«٩٦٦» - قال أبو ذر: أوصاني خليلي ﷺ بسبع: حبّ المساكين والدنوّ منهم، وأن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أصل رحمي وإن جفاني، وأن أتكلم بمرّ الحق، وأن لا أخاف في الله لومة لائم، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، [وأن لا أسأل الناس شيئا] .
«٩٦٧» - وقال أبو ذر أيضا: أتيت النبيّ ﷺ وهو في المسجد فجلست إليه واغتنمت خلوته فقال: يا أبا ذرّ، إن للمسجد تحية وتحيته ركعتان، فلما صلّيت قلت: يا نبيّ الله، إنك أمرتني بالصلاة، فما الصلاة؟ قال: خير موضوع فاستكثر أو استقلّ، قلت: فأيّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله. قلت: أيّ المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: أحسنهم خلقا. قلت: فأيّ المسلمين أسلم [١] ؟ قال: من سلم الناس من لسانه ويده. قلت: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: من هجر السيئات [٢] . قلت: فأيّ الليل أفضل؟ قال: جوف الليل الغابر. قلت: فأيّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قلت: فأيّ الصدقة
стр. 1255
أفضل؟ قال: جهد من مقلّ يمشي به الى فقير [١] . قلت: يا نبيّ الله، فما الصيام؟
قال: قرض مجزيّ وعند الله أضعاف كثيرة [٢] . قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال:
من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: فأيّ آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: آية من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: فأيّ آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: آية الكرسيّ. قلت: يا نبيّ الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة [وعلى ادريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة] وأنزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان. قلت:
فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا كلها، وكان فيها: قد أفلح من تزكّى. وذكر اسمّ ربّه فصلّى. بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى [٣] .
وفيها: لا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى. وأنّ سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى إلى آخر السورة [٤] . وفيها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فاني لا أردّها ولو كانت من كافر. وفيها: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يتفكّر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب.
وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلّا في ثلاث: تزوّد لمعاد أو مرمّة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شانه، حافظا للسانه. ومن حسب الكلام من عمله أقلّ الكلام إلّا فيما يعنيه. قلت: يا نبي الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرا كلّها: عجبت لمن أيقن [بالنار ثم هو يضحك] ، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلّبها بأهلها ثم يطمئنّ
стр. 1256
إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب وهو لا يعمل. قلت: يا نبيّ الله، أوصني.
قال: أوصيك بتقوى الله فانها رأس أمرك. قلت: يا نبيّ الله، زدني. قال:
عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فانه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض.
قلت: يا نبيّ الله، زدني. قال: عليك بالجهاد فانه رهبانية أمتي. قلت: زدني.
قال: عليك بالصمت إلا من خير فانه مطردة للشيطان وعون على أمر دينك.
قلت: زدني. قال [١] : انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك فانه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك. قلت: زدني. قال: صل قرابتك وإن قطعوك. قلت: زدني. قال: لا تخف في الله لومة لائم. قلت: يا نبيّ الله زدني. قال: ليردّك [٢] عن الناس ما تعرف من نفسك ولا تجد عليهم في ما يأتي.
ثم ضرب يده على صدري فقال: يا أبا ذرّ لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق.
[وصايا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي]
«٩٦٨» - وفي ما وصّى به ﵇ عائشة ﵂: إياك ومحقّرات الذنوب فان لها من الله طالبا.
«٩٦٩» - وصية أبي بكر عتيق بن أبى قحافة ﵁: هذا ما عهد أبو
стр. 1257
بكر خليفة محمد ﷺ عند آخر عهده بالدنيا، وأوّل عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتّقي [١] فيها الفاجر: إني استعملت [٢] عليكم عمر بن الخطاب، فان برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكلّ امرىء ما اكتسب (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
(الشعراء: ٢٢٧) .
«٩٧٠» - ولما احتضر قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا عمر، إن لله تعالى حقا [٣] بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، وإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدّى فريضة [٤] . فكن مؤمنا راغبا راهبا، ولا ترغبنّ رغبة تمنّى على الله فيها ما ليس لك، ولا ترهبنّ رهبة تلقي بها يديك إلى التهلكة. ثم قال: إنّ أوّل ما أحذّرك نفسك وهؤلاء الرهط من المهاجرين والأنصار فانهم قد انتفخت أوداجهم، وطمحت أبصارهم، وتمنّى كلّ امرىء منهم لنفسه، وان لهم نحيرة ينحرونها عن زلّة منه ومنهم، فلا تكوننّها، فانهم لم يزالوا منك فرقين ما فرقت من الله ، في ما بين ذلك.
«٩٧١» - وصية عمر بن الخطاب ﵁: لما طعن قيل له استخلف
стр. 1258
فأبى أن يسمّي رجلا بعينه وقال: عليكم بهؤلاء الرهط الذين توفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: عليّ وعثمان ابني عبد مناف، وعبد الرحمن بن عوف وسعد، خالي رسول الله ﷺ ، والزبير بن العوام حواريّه وابن عمته، وطلحة الخير، فلتختاروا رجلا منهم، ويتشاوروا لثلاثة أيام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتي اليوم الثالث إلّا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا ولا شيء له من الأمر؛ وطلحة شريككم، فان قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم.
«٩٧٢» - وقال لأبي طلحة الأنصاري: إنّ الله أعزّ الاسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الأنصار فاستحثّ هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا. وقال:
إن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وان اتفق أربعة فرضوا واحدا منهم وأبى اثنان فاضرب رءوسهما، وإن رضي ثلاثة منهم رجلا وثلاثة منهم رجلا فحكّموا عبد الله بن عمر، فبأيّ الفريقين حكم فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس.
٩٧٣- فأما عثمان بن عفان ﵁ فلم تدوّن وصية عند الموت وقتل محصورا، مشغولا عن نفسه، ممنوعا من النظر لها وللأمة من بعده.
٩٧٤- وأما عليّ بن أبي طالب ﵇ فله وصية طويلة مشهورة إلى ابنه الحسن، وفيها حكم وآداب قد ضمنّت هذا الكتاب بعضها في أماكن منه متفرقة.
٩٧٥- وله وصية كتبها إلى ابنه محمد بن الحنفية: أن تفقّه في الدين وعوّد نفسك الصّبر على المكروه، وكل نفسك في أمورك كلّها إلى الله، فانك تكلها إلى كاف حريز ومانع عزيز. وأخلص المسالة لربّك فانّ في يده العطاء والحرمان،
стр. 1259
وأكثر الاستخارة لله والاستنجاد به. واعلم أنّ من كان مطيّته الليل والنهار يسار به وإن كان لا يسير، وأن الله تعالى قد أبى إلّا خراب الدنيا وعمارة الآخرة، فان تزهد فيها زهدك كلّه فلعلّ ذلك يقيك. وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، فانك في ديوان من كان قبلك، فأكرم نفسك عن كلّ دنيّة، وإياك إن ساقتك إلى رغب فانك لن تعتاض بما ابتذلت من نفسك. واياك أن توجف بك مطايا الطمع وتقول: متى ما أؤخره يذهب، فان هذا أهلك من هلك قبلك، وأمسك عليك لسانك، فان تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك ما فات من نطقك. واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء، فحسن التدبير مع الاقتصاد أكفى لك من الكثير مع الغناء، والعفّة مع الحرفة خير من السرور مع الفجور. والمرء أحفظ لسرّه. وربّ ساع في ما يكره. وإياك والاتّكال على الأماني فانها بضائع النّوكى وتثبيط عن الآخرة والأولى. ومن خير حظّ قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشرّ تبن منهم. ولا يغلب عليك سوء الظنّ فانه لا يدع بينك وبين خليل صلحا.
أذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب، واعلم أن كفر النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم، ومن الكرم منع الحرم. ومن حلم ساد، ومن تفّهم ازداد.
امحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة، ولا تصرمه على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب. وليس جزاء من يسرّك أن تسوءه.
الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك وان لم تأته أتاك. واعلم يا بنيّ أن ما لك من دنياك إلا ما أصلحت به مثواك، فأنفق من خيرك، ولا تكن خازنا لغيرك. وإن جزعت على ما تفلّت من يدك، فاجزع على ما لم يصل إليك. وربما أخطأ البصير قصده، وأبصر الأعمى رشده. لم يهلك امرؤ اقتصد، ولم يفتقر من زهد.
من ائتمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه. ورأس الدين اليقين؛ وتمام
стр. 1260
الإخلاص اجتناب المعاصي. وخير المقال ما يصدّقه الفعال. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار. واحمل لصديقك عليك، واقبل من اعتذر إليك.
وأخّر الشرّ ما استطعت فانك اذا شئت تعجّلته. ولا تكوننّ على قطيعته أقوى منك على صلته، وعلى الاساءة أقوى منك على الاحسان.
لا تملّكنّ المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فان المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، فان ذلك أصلح لحالها. واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك.
وأكرم الذين بهم تصول، فاذا تطاولت فبهم تطول.
أسأل الله أن يلهمك الرشد، ويقوّيك على العمل بكلّ جميل، ويصرف عنك كلّ محذور برحمته، والسلام عليك.
[وصية هرم بن حيان]
«٩٧٦» - قيل لهرم بن حيان في مرضه: أوص؛ فقال: إن نفسي صدقتني في الحياة فما أترك شيئا أوصي فيه إلا فرسي ودرعي، وهما في سبيل الله، وسبعين درهما من عطائي تكفّنوني بها. وأوصيكم بخواتيم سورة النحل: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... )
(النحل: ١٢٥) إلى آخرها. فلما مات ودفن جاءت سحابة فرشّت على قبره.
«٩٧٧» - وأوصى أبو بكر الصديق ﵁ خالد بن الوليد، وقد وجهه لبعض غزواته، فقال له: اكثر من الزاد [واستظهر] بالأدلّاء، وإذا جاءتك رسل أعدائك فامنع الناس من محادثتهم حتى يخرجوا جاهلين. وأقلل الكلام فانّما لك ما وعي عنك. وكن بعيدا من الحملة فانّي لا آمن عليك من الجولة. ولا تقاتلن على جزع فانه فاتّ بعضدك [١] .
стр. 1261
«٩٧٨» - قال سعيد بن عامر لعمر ﵄: انّي موصيك بكلمات من جوامع الاسلام ومعاليه. قال: أجل، فان الله قد جعل عندك أدبا.
قال: اخش الله في الناس ولا تخش الناس في الله. ولا يخالف قولك فعلك، فانّ خير القول ما صدّقه الفعل، ولا تقض في أمر واحد بقضاءين فيختلف عليك أمرك وتزيغ عن الحقّ، وأحبّ لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحبّ لنفسك وأهل بيتك. وأقم وجهك. وتضاءل لمن استرعاك الله أمره من قريب المسلمين وبعيدهم. وخذ بأمر ذي الحجّة تأخذ بالفلج ويعينك الله ويصلح رعيتك على يديك. وخض الغمرات إلى الحقّ حيث علمته، ولا تخف في الله لومة لائم.
قال: ومن يستطيع ذلك يا سعيد؟ قال: من ركب في عنقه مثل ما ركبت في عنقك.
«٩٧٩» - لقي رجل راهبا فقال: يا راهب، كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويجدّد الآمال، ويباعد الأمنية، ويقرّب المنية. قال: فما حال أهله؟
قال: من ظفر به نصب، ومن فاته تعب. قال: فما الغنى عنه؟ قال: قطع الرجاء منه. قال: فأيّ الأصحاب أبرّ وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقى.
قال: فأيّهم أضرّ وأبلى؟ قال: النفس والهوى. قال: فأين منه المخرج؟ قال: في سلوك المنهج. قال: وما ذلك؟ قال: بذل المجهود وخلع الراحة [ومداومة الفكرة] . قال: أوصني. قال: قد فعلت.
[وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز]
٩٨٠- لما انصرف مروان بن الحكم من مصر استعمل ابنه عبد العزيز
стр. 1262
عليها، وقال له حين ودّعه: أرسل حكيما ولا توصه. وانظر أي بنيّ، إلى أهل عملك، فان كان لهم حق عندك غدوة، فلا تؤخّرهم الى عشيّة، وإن كان لهم عشيّة فلا تؤخرهم إلى غدوة. أعطهم حقوقهم عند محلّها تستوجب بذلك الطاعة منهم. وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فانهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحقّ. واستشر جلساءك وأهل العلم، فان لم يتبين لك الرأي فاكتب إليّ لأرى لك فيه [١] وإياك إن كان [٢] بك غضب على أحد من رعيتك أن تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفىء الجمرة، فان أوّل من جعل السجن كان حليما ذا أناة. ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك، ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم بلا استرسال ولا انقباض. أقول قولي هذا وأستخلف الله عليك.
[وصايا متفرقة]
«٩٨١» - أوصى زيد بن عليّ ابنه فقال: يا بنيّ، إنّ الله تعالى لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك؛ واعلم أنّ خير الآباء للأبناء من لم تدعه المودة إلى التفريط، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق.
«٩٨٢» - أوصى عبد الله بن الحسن ابنه محمدا لما أراد أن يستتر فقال: يا بنيّ اني مؤدّ إليك حقّ الله تعالى في تأديبك ونصيحتك، فأدّ إليّ حقّه في الاستماع والقبول: يا بني، كفّ من الأذى، وأفض الندى [٣] ، واستعن على السلامة بطول
стр. 1263
الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها، فان الصمت حسن.
وللمرء ساعات يضرّه فيها خطؤه ولا ينفعه فيها صوابه. واعلم أنّ من أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان، والأناة بعد الفرصة. يا بنيّ، احذر [مشورة] الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان لك عدوا، فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل. وإياك ومعاداة الرجال فانه لا يعدمك منها مكر حليم ومباراة جاهل.
«٩٨٣» - قال بعضهم لابنه: كن جوادا بالمال في موضع الحقّ، ضنينا بالأسرار عن جميع الخلق، فان أحمد جود المرء الانفاق في وجه البرّ، والبخل بمكتوم السرّ.
«٩٨٤» - وأوصى بعض الأنصار ابنه فقال: يا بنيّ، إنّي موصيك بوصية إن لم تحفظها كنت خليقا أن لا تحفظها عن غيري. يا بني اتّق الله، وإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل. وإذا عثر عاثر من بني آدم فاحمد الله ألا تكونه. وإياك والطمع فانّه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدي الناس [١] ، فانك لن تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه. وإياك وما يعتذر منه فانه لا يعتذر من خير. وإذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودّع وأنت ترى أنّك لا تصلّي بعدها ابدا.
٩٨٥- لما حضرت سعدا الوفاة دعا ابنه فقال: يا بنيّ: احفظ عني خصالا خمسا: أظهر اليأس مما في أيدي الناس فانه غنى حسن. وإياك وطلب الحاجات إليهم فانه فقر حاضر. وإياك وما يعتذر منه. وكن في اليوم الذي تستقبل خيرا
стр. 1264
منك في اليوم الذي خلّفت [١] . وإذا قمت إلى الصلاة فأحسن الوضوء ثم صلّ صلاة المودّع فانه يوشك أن تصلّي صلاة لا تصلّي بعدها. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أشكو إلى الله بعد المفازة وقلّة الزاد. وهذه الوصية مثل التي قبلها إلا ألفاظا يسيرة.
٩٨٦- كتب سفيان الثوري إلى عبّاد بن عباد: أما بعد فانّك في زمان كان أصحاب رسول الله ﷺ يتعوّذون أن يدركوه في ما بلغنا، ولهم من العزم ما ليس لنا ولا لك، ولهم من العمل ما ليس لنا ولا لك. فكيف بنا وقد أدركناه على قلّة علم وبصر، وقلّة أعوان على الخير، وكدر من الدنيا، وفساد من الناس؟ فعليك بالعزلة وقلة مخالطتهم فان عمر يقول: إياكم والطمع فانه فقر حاضر، وإن اليأس غنى، وفي العزلة راحة من خليط السّوء. وكان سعيد بن المسيب يقول: العزلة عبادة. وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذلك، والنجاة في تركهم فيما ترى. وإياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء. وإياك أن تخدع فيقال: ذلك رجل تشفع فيه تردّه عن مظلوم أو تردّه عن مظلمة، وإنما ذلك خديعة إبليس اتّخذها فخا. وكان يقال: اتقوا فتنة العابد وفتنة العالم فان فيهما فتنة لكلّ أحد [٢] . وإياك أن تكون ممن يحبّ أن يعمل بقوله أو يسمع من قوله، فاذا لم تزل كذلك فقد عرفت. وإياك وحبّ الرياسة، فان الرجل تكون الرياسة أحبّ إليه من الذهب والفضة، وهذا باب غامض لا يبصره إلّا البصير من العلماء. واعمل بنية فان الحسن ﵀ كان يقول: رحم الله عبدا وقف عند همّه، فانه ما من عبد يعمل حتى يهمّ، فان كان له مضى، وإن كان عليه أمسك، فان النيّة ليست كلّ ساعة تقع. وان طاووس قيل له: ادع لنا بدعوات فقال: ما أجد الآن لذلك نيّة. وكان حذيفة ﵁ يقول:
يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا بمثل دعاء الغريق. وسئل حذيفة
стр. 1265
عن أيّ الفتن أشدّ فقال: أن يعرض عليك الخير والشرّ فلا تدري أيّهما تترك.
وقد ذكر عن النبيّ ﷺ أنه قال: لا تزال يد الله على هذه الأمة في كنفه، ما لم يمل قرّاؤهم إلى امرائهم، وما لم يوقّر خيارهم شرارهم، وما لم يعظّم أبرارهم فجّارهم؛ فاذا فعلوا ذلك رفعها عنهم وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل عليهم الفاقة، وسلّط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب. وقال حذيفة: لا يأتيهم أمر يضحكون منه إلا ردف أمر يشغلهم عن ذلك. فليكن الموت من شأنك وبالك. وأقلّ الأمل وأكثر ذكر الموت فانكم إذا ذكرتموه في قليل كثّره. واعلم أنه قد دنا من الناس أمور، وحضرت أمور يشتهي لها الرجل الموت، والسلام.
«٩٨٧» - وصّى رجل آخر، وأراد سفرا، فقال: آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك. وليكن عقلك وزيرك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمك من الرّدى. ألجم هواك عن الفواحش، وأطلقه في المكارم، فانّك تبرّ بذلك سلفك، وتشيّد شرفك.
«٩٨٨» - قال زياد عند موته لابنه عبيد الله: لا تدنّس عرضك، ولا تبذلنّ وجهك، ولا تخلقنّ جدّتك بالطّلب إلى من إن ردّك كان ردّه عليك عيبا، وإن قضى حاجتك جعلها عليك منّا. واحتمل الفقر بالتنزّه عما في أيدي الناس، والزم القناعة بما قسم لك، فان سوء حمل الفقر يضع الشرف، ويخمل الذكر، ويوجب الحرمان.
«٩٨٩» - قال مهديّ بن أبان: قلت لولّادة العبدية، وكانت أعقل النساء:
أريد الحجّ فأوصيني، فقالت: أوجز فأبلغ أم أطيل فأحكم؟ قلت: ما شئت.
قالت: جد تسد، واصبر تفز. قلت: أيضا. قالت: لا يبعد غضبك حلمك،