← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

«٩٧٨» - قال سعيد بن عامر لعمر ﵄: انّي موصيك بكلمات من جوامع الاسلام ومعاليه. قال: أجل، فان الله قد جعل عندك أدبا. قال: اخش الله في الناس ولا تخش الناس في الله. ولا يخالف قولك فعلك، فانّ خير القول ما صدّقه الفعل، ولا تقض في أمر واحد بقضاءين فيختلف عليك أمرك وتزيغ عن الحقّ، وأحبّ لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحبّ لنفسك وأهل بيتك. وأقم وجهك. وتضاءل لمن استرعاك الله أمره من قريب المسلمين وبعيدهم. وخذ بأمر ذي الحجّة تأخذ بالفلج ويعينك الله ويصلح رعيتك على يديك. وخض الغمرات إلى الحقّ حيث علمته، ولا تخف في الله لومة لائم. قال: ومن يستطيع ذلك يا سعيد؟ قال: من ركب في عنقه مثل ما ركبت في عنقك. «٩٧٩» - لقي رجل راهبا فقال: يا راهب، كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويجدّد الآمال، ويباعد الأمنية، ويقرّب المنية. قال: فما حال أهله؟ قال: من ظفر به نصب، ومن فاته تعب. قال: فما الغنى عنه؟ قال: قطع الرجاء منه. قال: فأيّ الأصحاب أبرّ وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقى. قال: فأيّهم أضرّ وأبلى؟ قال: النفس والهوى. قال: فأين منه المخرج؟ قال: في سلوك المنهج. قال: وما ذلك؟ قال: بذل المجهود وخلع الراحة [ومداومة الفكرة] . قال: أوصني. قال: قد فعلت. [وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز] ٩٨٠- لما انصرف مروان بن الحكم من مصر استعمل ابنه عبد العزيز

стр. 1262

عليها، وقال له حين ودّعه: أرسل حكيما ولا توصه. وانظر أي بنيّ، إلى أهل عملك، فان كان لهم حق عندك غدوة، فلا تؤخّرهم الى عشيّة، وإن كان لهم عشيّة فلا تؤخرهم إلى غدوة. أعطهم حقوقهم عند محلّها تستوجب بذلك الطاعة منهم. وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فانهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحقّ. واستشر جلساءك وأهل العلم، فان لم يتبين لك الرأي فاكتب إليّ لأرى لك فيه [١] وإياك إن كان [٢] بك غضب على أحد من رعيتك أن تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفىء الجمرة، فان أوّل من جعل السجن كان حليما ذا أناة. ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك، ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم بلا استرسال ولا انقباض. أقول قولي هذا وأستخلف الله عليك. [وصايا متفرقة] «٩٨١» - أوصى زيد بن عليّ ابنه فقال: يا بنيّ، إنّ الله تعالى لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك؛ واعلم أنّ خير الآباء للأبناء من لم تدعه المودة إلى التفريط، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق. «٩٨٢» - أوصى عبد الله بن الحسن ابنه محمدا لما أراد أن يستتر فقال: يا بنيّ اني مؤدّ إليك حقّ الله تعالى في تأديبك ونصيحتك، فأدّ إليّ حقّه في الاستماع والقبول: يا بني، كفّ من الأذى، وأفض الندى [٣] ، واستعن على السلامة بطول

стр. 1263

الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها، فان الصمت حسن. وللمرء ساعات يضرّه فيها خطؤه ولا ينفعه فيها صوابه. واعلم أنّ من أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان، والأناة بعد الفرصة. يا بنيّ، احذر [مشورة] الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان لك عدوا، فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل. وإياك ومعاداة الرجال فانه لا يعدمك منها مكر حليم ومباراة جاهل. «٩٨٣» - قال بعضهم لابنه: كن جوادا بالمال في موضع الحقّ، ضنينا بالأسرار عن جميع الخلق، فان أحمد جود المرء الانفاق في وجه البرّ، والبخل بمكتوم السرّ. «٩٨٤» - وأوصى بعض الأنصار ابنه فقال: يا بنيّ، إنّي موصيك بوصية إن لم تحفظها كنت خليقا أن لا تحفظها عن غيري. يا بني اتّق الله، وإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل. وإذا عثر عاثر من بني آدم فاحمد الله ألا تكونه. وإياك والطمع فانّه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدي الناس [١] ، فانك لن تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه. وإياك وما يعتذر منه فانه لا يعتذر من خير. وإذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودّع وأنت ترى أنّك لا تصلّي بعدها ابدا. ٩٨٥- لما حضرت سعدا الوفاة دعا ابنه فقال: يا بنيّ: احفظ عني خصالا خمسا: أظهر اليأس مما في أيدي الناس فانه غنى حسن. وإياك وطلب الحاجات إليهم فانه فقر حاضر. وإياك وما يعتذر منه. وكن في اليوم الذي تستقبل خيرا

стр. 1264

منك في اليوم الذي خلّفت [١] . وإذا قمت إلى الصلاة فأحسن الوضوء ثم صلّ صلاة المودّع فانه يوشك أن تصلّي صلاة لا تصلّي بعدها. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أشكو إلى الله بعد المفازة وقلّة الزاد. وهذه الوصية مثل التي قبلها إلا ألفاظا يسيرة. ٩٨٦- كتب سفيان الثوري إلى عبّاد بن عباد: أما بعد فانّك في زمان كان أصحاب رسول الله ﷺ يتعوّذون أن يدركوه في ما بلغنا، ولهم من العزم ما ليس لنا ولا لك، ولهم من العمل ما ليس لنا ولا لك. فكيف بنا وقد أدركناه على قلّة علم وبصر، وقلّة أعوان على الخير، وكدر من الدنيا، وفساد من الناس؟ فعليك بالعزلة وقلة مخالطتهم فان عمر يقول: إياكم والطمع فانه فقر حاضر، وإن اليأس غنى، وفي العزلة راحة من خليط السّوء. وكان سعيد بن المسيب يقول: العزلة عبادة. وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذلك، والنجاة في تركهم فيما ترى. وإياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء. وإياك أن تخدع فيقال: ذلك رجل تشفع فيه تردّه عن مظلوم أو تردّه عن مظلمة، وإنما ذلك خديعة إبليس اتّخذها فخا. وكان يقال: اتقوا فتنة العابد وفتنة العالم فان فيهما فتنة لكلّ أحد [٢] . وإياك أن تكون ممن يحبّ أن يعمل بقوله أو يسمع من قوله، فاذا لم تزل كذلك فقد عرفت. وإياك وحبّ الرياسة، فان الرجل تكون الرياسة أحبّ إليه من الذهب والفضة، وهذا باب غامض لا يبصره إلّا البصير من العلماء. واعمل بنية فان الحسن ﵀ كان يقول: رحم الله عبدا وقف عند همّه، فانه ما من عبد يعمل حتى يهمّ، فان كان له مضى، وإن كان عليه أمسك، فان النيّة ليست كلّ ساعة تقع. وان طاووس قيل له: ادع لنا بدعوات فقال: ما أجد الآن لذلك نيّة. وكان حذيفة ﵁ يقول: يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا بمثل دعاء الغريق. وسئل حذيفة

стр. 1265

عن أيّ الفتن أشدّ فقال: أن يعرض عليك الخير والشرّ فلا تدري أيّهما تترك. وقد ذكر عن النبيّ ﷺ أنه قال: لا تزال يد الله على هذه الأمة في كنفه، ما لم يمل قرّاؤهم إلى امرائهم، وما لم يوقّر خيارهم شرارهم، وما لم يعظّم أبرارهم فجّارهم؛ فاذا فعلوا ذلك رفعها عنهم وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل عليهم الفاقة، وسلّط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب. وقال حذيفة: لا يأتيهم أمر يضحكون منه إلا ردف أمر يشغلهم عن ذلك. فليكن الموت من شأنك وبالك. وأقلّ الأمل وأكثر ذكر الموت فانكم إذا ذكرتموه في قليل كثّره. واعلم أنه قد دنا من الناس أمور، وحضرت أمور يشتهي لها الرجل الموت، والسلام. «٩٨٧» - وصّى رجل آخر، وأراد سفرا، فقال: آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك. وليكن عقلك وزيرك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمك من الرّدى. ألجم هواك عن الفواحش، وأطلقه في المكارم، فانّك تبرّ بذلك سلفك، وتشيّد شرفك. «٩٨٨» - قال زياد عند موته لابنه عبيد الله: لا تدنّس عرضك، ولا تبذلنّ وجهك، ولا تخلقنّ جدّتك بالطّلب إلى من إن ردّك كان ردّه عليك عيبا، وإن قضى حاجتك جعلها عليك منّا. واحتمل الفقر بالتنزّه عما في أيدي الناس، والزم القناعة بما قسم لك، فان سوء حمل الفقر يضع الشرف، ويخمل الذكر، ويوجب الحرمان. «٩٨٩» - قال مهديّ بن أبان: قلت لولّادة العبدية، وكانت أعقل النساء: أريد الحجّ فأوصيني، فقالت: أوجز فأبلغ أم أطيل فأحكم؟ قلت: ما شئت. قالت: جد تسد، واصبر تفز. قلت: أيضا. قالت: لا يبعد غضبك حلمك،

стр. 1266

ولا هواك علمك، وق دينك بدنياك، وفر عرضك بعرضك، وتفضّل تخدم، واحلم تقدّم. قلت: فمن أستعين؟ قالت: الله . قلت: فمن الناس؟ قالت: الجلد النّشيط والناصح الأمين. قلت: فمن أستشير؟ قالت: المجرب الكبير أو الأديب الصغير. قلت: فمن أصحب؟ قالت: الصديق المسلم أو الراجي المتكرّم. ثم قالت: يا أبتاه، إنك تفد الى ملك الملوك فانظر كيف يكون مقامك بين يديه. «٩٩٠» - قال المنذر لابنه النعمان في ما أوصاه به: دع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن لك من عقلك خبيء ترجع إليه أبدا. فقال له النعمان: مرني بأمر جامع. قال: الزم الحزم والحياء. «٩٩١» - لما حضرت الحارث بن كلدة الوفاة قيل له: أوصنا بما ننتفع به بعدك، فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا الشوابّ، ولا تأكلوا من اللحم إلا الفتيّ، ولا من الفاكهة إلا ما نضج، ولا يتداوينّ أحدكم بدواء ما احتمل بدنه الداء، وإذا تغدّيتم فناموا قليلا، وإذا تعشيتم فامشوا خطوات. ٩٩٢- وقال بختيشوع للمأمون: أوصيك يا أمير المؤمنين بأربعة أشياء: لا تأكل طعاما بين نبيذين، ولا تجامع على شبع، ولا تبت أو تخلي جوفك من الرياح والنجو، ولا تأكل لحم البقر، فو الله إني أمرّ به في الطريق فأغطّي عيني وعين برذوني من شدّة مضرّته. «٩٩٣» - قال أبان بن تغلب، وكان عابدا من [عباد] البصرة: شهدت

стр. 1267

أعرابية وهي توصي ولدا لها يريد سفرا وهي تقول: أي بنيّ، اجلس أمنحك وصيّتي، وبالله توفيقك، فان الوصية أجدى عليك من كثير عقلك. قال أبان: فوقفت مستمعا لكلامها، مستحسنا لوصيتها، فاذا هي تقول: يا بنيّ، إياك والنميمة فانها تزرع الضّغينة، وتفرّق بين المحبين. وإياك والتعرض للعيوب فتتّخذ غرضا، وخليق ألّا يثبت الغرض على كثرة السّهام، وقلّما اعتورت السهام غرضا إلا كلمته حتى يهي ما اشتدّ من قوّته. وإياك والجود بدينك والبخل بمالك. وإذا هززت فاهزز كريما يلين لمهزّتك، ولا تهزز اللئيم فانه صخرة لا ينفجر ماؤها. ومثّل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به، وما استقبحته من غيرك فاجتنبه، فان المرء لا يرى عيب نفسه. ومن كانت مودّته في بشره وخالف ذلك منه فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرّفها. ثم أمسكت، فدنوت منها فقلت: بالله عليك يا أعرابية إلا ما زدته في الوصيّة. قالت: أوقد أعجبك كلام العرب يا عراقي؟ قلت: نعم. قالت: والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم، ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة: ريطها وسربالها. «٩٩٤» - وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني، اقبل وصيّتي وعهدي، فان سرعة ائتلاف قلوب الأبرار كسرعة ائتلاف قطر المطر بماء الأنهار، وبعد الفجّار من الائتلاف كبعد البهائم من التعاطف، وإن طال اعتلافها على آريّ واحد. كن يا بنيّ بصالح الوزراء أعنى منك بكثرة عددهم [١] ، فان اللؤلؤة خفيف محملها كثير ثمنها، والحجر فادح حمله قليل غناؤه.

стр. 1268

«٩٩٥» - زوّج أسماء بن خارجة الفزاريّ ابنته هند من الحجاج بن يوسف. فلما كانت ليلة أراد البناء بها قال لها أسماء: يا بنيّة، إنّ الأمهات يؤدّبن البنات، وإن أمّك هلكت وأنت صغيرة، فعليك بأطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الكحل. وإياك وكثرة المعاتبة فانها مقطعة للودّ، وإياك والغيرة فانها مفتاح الطلاق. وكوني لزوجك أمة يكن لك عبدا، واعلمي أنّي القائل لأمّك حيث أقول [١] : [من الطويل] خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تغضبي في سورتي حين أغضب ولا تنقريني نقرك [٢] الدفّ مرة ... فانك لا تدرين كيف المغيّب فاني وجدت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب «٩٩٦» - العتبيّ عن أبيه عمرو بن عتبة، قال: كان أبونا لا يرفع المواعظ عن أسماعنا، فأراد سفرا فقال: يا بنيّ، تألّفوا النّعم بحسن مجاورتها، والتمسوا المزيد بالشكر عليها، واعلموا أنّ النفوس أقبل شيء لما أعطيت، وأعطى شيء لما سئلت، فاحملوها على مطيّة لا تبطىء إذا ركبت، ولا تسبق إذا تقدّمت. عليها نجا من هرب من النار، وأدرك من سابق إلى الجنة. فقال الأصاغر من ولده: يا أبانا، ما هذه المطية؟ قال: التوبة. «٩٩٧» - قال عبد الملك بن مروان للشعبيّ وهو يعلّم أولاده: علّمهم

стр. 1269

الصّدق كما تعلّمهم القرآن، وجنّبهم السّفلة فانهم أسوأ الناس رعية [١] ، وأقلّهم أدبا، وجنّبهم الحشم فانّهم [٢] لهم مفسدة. وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم تصحّ عقولهم وتشتدّ قلوبهم [٣] ، وعلّمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا، ويمصّوا الماء مصّا ولا يعبّوه عبّا. وإذا احتجت إلى أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في سرّ ولا يعلمه أحد من الحاشية [٤] فيهونوا عليهم. ٩٩٨- كتب عبد الله بن عباس ﵁ إلى الحسن بن عليّ ﵉ إذ ولّاه الناس أمرهم بعد أبيه أن شمّر للحرب وجاهد عدوّك، واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم دينك، وولّ أهل البيوتات من تستصلح به عشائرهم. ٩٩٩- قال حكيم: انتهز الفرصة فانها خلسة، وثب عند رأس الأمر ولا تثب عند ذنبه، وإياك والعجز فانه أوضع مركب، والشفيع المهين فانه أضعف وسيلة. ١٠٠٠- وقال آخر: إن اتسع لك المنهج، فاحذر أن يضيق بك المخرج. ١٠٠١- وقال الشاعر: [من الكامل] واذا هممت بورد أمر فالتمس ... من قبل مورده طريق المصدر «١٠٠٢» - قال المعتمر بن سليمان: كان يقال: عليك بدينك ففيه معادك، وعليك بمالك ففيه معاشك، وعليك بالعلم ففيه دينك.

стр. 1270

١٠٠٣- ومن وصايا أرسطاطاليس للاسكندر: وإياك أن تعتمد من أصحابك على طاعة المخافة فانك تفقدها منهم أحوج ما تكون إليها، واجتهد في إحراز طاعة المحبة منهم تجدها في أيّ وقت أردت. [وصية الحارث بن كعب] «١٠٠٤» - أوصى الحارث بن كعب بنيه فقال: يا بنيّ، قد أتت عليّ مائة وستون سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلّة فاجر [١] ، ولا بحت لصديق بسرّ، ولا طرحت عندي مومسة قناعا، ولا بقي على دين عيسى ابن مريم أحد من العرب غيري وغير تميم بن مر، وأسد بن خزيمة. فموتوا على شريعتي، واحفظوا وصيّتي، وإلهكم فاتقوا يكفكم المهمّ من أمركم ويصلح لكم أعمالكم، وإياكم ومعصيته لا يحلّ بكم الدمار وتوحش منكم الديار. (في بعض الروايات: شعيب النبي [٢] ﷺ وهو الأولى، فان النصارى في العرب كثير، وبنو الحارث بن كعب كلّهم نصارى) . يا بنيّ: كونوا جميعا ولا تفرّقوا فتكونوا شيعا، وإنّ موتا في عزّ خير من حياة في ذلّ وعجز. وكلّ ما هو كائن كائن. وكلّ جمع الى تباب [٣] . الدهر ضربان [٤] : فضرب رخاء وضرب بلاء. واليوم يومان: فيوم حبرة ويوم عبرة. والناس رجلان: فرجل لك ورجل عليك. زوّجوا النساء من الأكفاء، وليستعملن في طيبهنّ الماء، وتجنبوا الحمقاء فانّ ولدها إلى أفن ما يكون؛ ألا إنّه لا راحة لقاطع القرابة. وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم؛ وآفة العدد اختلاف

стр. 1271

الكلمة، والتفضل بالحسنة يقي السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها، والعمل بالسوء يزيل النّعماء، وقطيعة الرّحم تورث الهمّ، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرّب البلد، والنصيحة تجرّ الفضيحة [١] ، والحقد يمنع الرفد، ولزوم الخطيّة يعقب البلية، وسوء الرعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين. ثم أنشأ يقول: [من المتقارب] أكلت شبابي فأفنيته ... وأنضيت بعد دهور دهورا ثلاثة أهلين صاحبتهم ... فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا قليل الطعام حسير القيا ... م قد ترك الدهر خطوي قصيرا «١٠٠٥» - أوصى سعد العشيرة بنيه عند موته فقال: إياكم وما يدعو إلى الاعتذار، ودعوا قذف المحصنات لتسلم لكم الأمّهات. وإياكم والبغي، ودعوا المراء والخصام تهبكم العشائر [٢] ، وجودوا بالأموال تنم أموالكم، وإياكم ونكاح الورهاء فانها أدوى الداء. وأبعدوا من جار السوء داركم. ودعوا الضغائن فانها تدعو إلى التقاطع [٣] . «١٠٠٦» - أوصى أبو الأسود ابنه فقال: يا بنيّ، إذا جلست إلى قوم فلا تتكلم بما هو فوقك فيمقتوك، ولا بما هو دونك فيزدروك. وإذا وسّع الله عليك فابسط يديك، وإذا أمسك عليك فأمسك. ولا تجاود الله تعالى فان الله أجود منك.

стр. 1272

[وصية أكثم بن صيفي] «١٠٠٧» - قال أكثم بن صيفي: يا بني تميم، لا يفوتنّكم وعظي ان فاتكم الدهر بنفسي. إن بين حيزومي [وصدري] لبحرا من الكلم لا أجد له مواقع غير أسماعكم، ولا مقارّ إلا قلوبكم، فتلقّوها بأسماع صاغية، وقلوب واعية، تحمدوا عواقبها: إن الهوى يقظان، والعقل راقد، والشهوات مطلقة، والحزم معقول، والنفس مهملة، والروّية مقيّدة، ومن جهة التواني وترك الروّية يتلف الحزم، ولن يعدم المشاور مرشدا، والمستبدّ برأيه موقوف على مداحض الزّلل. ومن سمّع سمّع به. ومصارع الألباب تحت ظلال الطمع، ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا في مقاتل الكرام. وعلى الاعتبار طريق الرشاد. ومن سلك الجدد أمن العثار. ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ويشغل فكره ويؤرّث غيظه، ولا يجاوز نفسه ضرّه. يا بني تميم: الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندم. ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذمّ. وكلم اللسان أنكى من كلم الحسام. والكلمة مزمومة ما لم تنجم من الفم، فاذا نجمت فهي سبع محرّب، ونار تتلهّب. ورأي الناصح اللبيب دليل لا يجور. ونفاذ الرأي في الحرب أنفذ من الطعن والضرب. [وصية أعرابية لابنتها] «١٠٠٨» - وأوصت أعرابية ابنتها وقد زوّجتها فقالت: لو تركت الوصيّة لحسن أدب أو لكرم نسب لتركتها لك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل. يا بنية، إنّك قد خلّفت العشّ الذي فيه درجت، والموضع الذي منه خرجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه. كوني لزوجك أمة يكن لك عبدا. واحفظي عنّي خصالا عشرا، تكن لك دركا وذكرا: أما الأولى والثانية فحسن الصحّابة بالقناعة، وجميل المعاشرة بالسّمع والطّاعة، ففي حسن الصحابة راحة القلب، وفي جميل المعاشرة رضى الربّ. والثالثة والرابعة:

стр. 1273

التفقّد لموضع عينه، والتعاهد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يجد أنفه منك خبيث ريح. واعلمي أنّ الكحل أحسن الحسن الموجود، وأن الماء أطيب الطيب الموجود. والخامسة والسادسة: فالحفظ لماله والإرعاء على حشمه وعياله، واعلمي أنّ أصل الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والارعاء على الحشم والعيال حسن التدبير. والسابعة والثامنة: التعاهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فحرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. والتاسعة والعاشرة: لا تفشين له سرّا، ولا تعصين له أمرا، فانك إذا أفشيت له سرّا لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أو غرت صدره. [وصية رجل من ربيعة لابنتها] «١٠٠٩» - أوصى رجل من ربيعة ابنه فقال: يا بنيّ، إذا حزبك أمر فحكّ ركبتيك بركبة شيخ من قومك وشاوره. قال: فأردت التزويج، فأتيت شيخا من قومي في ناديه فجلست إليه حتى خفّ من عنده، فقال: يا ابن أخي، ألك حاجة؟ قلت: نعم، أردت التزويج فأتيتك أشاورك، فقال: أقصيرة النسب أم طويلته؟ فما أجدت ولا أرديت (أي لم أقل جيدا ولا رديا) فقال: يا ابن أخي، إني لأعرف في العين إذا عرفت، وأعرف في العين إذا أنكرت، وأعرف في العين إذا لم تنكر ولم تعرف. فأمّا العين إذا عرفت فانها تتخاوص للمعرفة، وإذا أنكرت تجحظ للانكار، وإذا لم تعرف ولم تنكر فانها تسجو سجوّا، يا ابن أخي، لا تتزوج إلى قوم أهل دناءة أصابوا من الدنيا عسرة فتشركهم في دناءتهم ولا يشركونك في أموالهم، قال: فقمت وقد اكتفيت. [وصية دريد بن الصمّة] «١٠١٠» - كان دريد بن الصمّة يقول: النصيحة ما لم تهجم على الفضيحة. وإذا أجدبتم فلا ترعوا حمى الملوك، فانه من رعاه غانما لم يرجع سالما. ولا تحتقروا شرّا فان قليله كثير. ومن خرق ستركم فارقعوه، ومن

стр. 1274

حاربكم فلا تغفلوه، وأحيلوا حدّكم كلّه عليه [١] . ومن أسدى إليكم خطّة خير فأضعفوا له، وإلا فلا تعجزوا أن تكونوا مثله. ومن كانت له مروءة فليظهرها. ولا تنكحنّ دنيّا من غيركم فان عاره عليكم. وإياكم وفاحشة النساء. وعليكم بصلة الرحم فانها تديم [٢] الفضل وتزيد النّسل. وأسلموا ذا الجريرة بجريرته، ولا تسخطنّ أحدا من غيركم فتعلقوه بينكم. [وصية أسلم بن أفصى] «١٠١١» - أوصى أسلم بن أفصى الخزاعيّ بنيه فقال: يا بنيّ، اتّقوا ربكم في الليل إذا دجا وفي النهار إذا أضا، يكفكم الله كلّ ما يخاف ويتّقى. وإياكم ومعصيته فانه ليس لكم وراءه وزر، ولا لكم دونه معتصر. يا بنيّ، جودوا بالنوال، وكفّوا عن السؤال، لا تمنعنّ سائلا محقّا كان أو مبطلا، فان كان محقّا فلا تحرموه، وإن كان في حال علّة فانها تسدّ منه خلّة، وإن كان مبطلا فقد ذهب خفره وصرّح الحياء عن بصره، فأعطوه. ولا تماروا عالما ولا جاهلا، فان العالم يحاججكم [٣] فيغلبكم، وان الجاهل يلجّكم فيغضبكم، فاذا جاء الغضب كان فيه العطب. وإياكم والفجور بحرم الأقوام، فانه قلّ ما انتهك رجل حرمة إلا ابتلي في حرمته. وإياكم وشرب الخمر فانها متلفة للمال، طلّابة لما لا ينال، وان كان فيها صلاح البدن فان فيها مفسدة للعقل. وإياكم والاختلاف فانه ليس معه ائتلاف. ولا يكوننّ جار السوء لكم جارا، ولا خدين السوء لكم زوّارا. وعليكم بصلة الرّحم تكثر أموالكم، ولا تقطعوها فتفو من دياركم وآثاركم. وإياكم والعجز والتواني فانهما يورثان الندامة ويكثران الملامة. يا بنيّ، أنتم مثل شجرة ثابتة الأركان ملتفّة الأغصان، فاجتمعوا ولا تفرّقوا فيطمع

стр. 1275

الناس فيكم فتفرّق الأغصان وتعجف الشجرة وتكونوا مثلا بكلّ مكان. يا بنيّ، قد أتت عليّ مائتا سنة ما شتمت ولا شتمت، ولا قلت من لوم ماذا صنعت. خذوا بوصيّتي تسلموا، ولا تخالفوا فتندموا. [وصية يزيد بن المهلّب لابنه] «١٠١٢» - أوصى يزيد بن المهلّب ابنه مخلدا حين استخلفه على جرجان فقال: يا بني، إني قد استخلفتك فانظر هذا الحيّ من اليمن، فكن منهم كما قال الشاعر: [من الطويل] إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الذين بهم ترمي وانظر هذا الحيّ من ربيعة فانهم شيعتك وأنصارك فاقض حقوقهم. وانظر هذا الحيّ من تميم فأمطر ولا ترهم، ولا تدنهم فيطمعوا، ولا تقصهم فينقطعوا عنك، ولكن بين المطيع والمدبر. وانظر هذا الحيّ من قريش فانهم أكفاء قومك في الجاهلية ومناصفوهم في الاسلام، ورضاهم منك البشر. يا بني، إن لأبيك صنائع فلا تفسدها فانه كفى بالمرء من النّقص أن يهدم ما بناه أبوه. وإياك والدماء فانه لا بقية بعدها. وإياك وشتم الأعراض فان الحرّ لا يرضيه من عرضه عوض. وإياك وضرب الأبشار فانه عار باق ووتر مطلوب. واستعمل على النجدة والفضل دون الهوى، ولا تعزل إلا عن العجز والخيانة؛ ولا يمنعك من اصطناع رجل أن يكون غيرك قد سبقك إليه، فانك إنما تصطنع الرجال لنفسك؛ ولتكن صنيعتك عند من تكافيك عنه العشائر. واحمل الناس على حسن أدبك يكفوك أنفسهم. وإذا كتبت كتابا فأكثر النظر، وليكن رسولك في ما بيني وبينك من يفقه عني وعنك، فان كاتب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه. أستودعك الله فانه ينبغي للمودّع أن يسكت وللمشيّع أن ينصرف، وما خفّ من المنطق وقلّ من الخطبة أحبّ إلى أبيك.

стр. 1276

[وصية قيس بن عاصم لابنه] «١٠١٣» - أوصى قيس بن عاصم بنيه فقال: يا بنيّ، خذوا عنّي فلا أحد أنصح لكم مني. إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم فسوّدوا أكبركم فان القوم اذا سودوا أكبرهم اخلفوا آباءهم، ولا تسوّدوا أصغركم فان القوم إذا سوّدوا أصغرهم أزرى ذلك بهم في أكفائهم. وإياكم ومعصية الله تعالى وقطيعة الرحم. وتمسّكوا بطاعة أمرائكم: فانهم من رفعوا ارتفع، ومن وضعوا اتّضع. وعليكم بهذا المال فأصلحوه، فانه منبهة للكريم واستغناء عن اللئيم. وإياكم والمسألة فانها أخر كسب الرّجل [١] ، وإن أحدا لم يسأل إلا ترك كسبه. وإياكم والنياحة فاني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها. وادفنوني في ثيابي التي كنت أصلّي فيها وأصوم. ولا تعلم بكر بن وائل بمدفني فاني كنت أغتالهم [٢] في الجاهلية وبيننا وبينهم خماشات [٣] فأخاف أن يدخلوها عليكم فيعيبوا عليكم دينكم. وخذوا بثلاث خصال: اياكم وكلّ عرق لئيم أن تلابسوه، فانه مهما يسرّكم يوما فسوف يسوءكم يوما، واكظموا الغيظ، واحذروا بنيّ أعداء آبائكم فانهم على منهاج آبائهم لابائكم. وقال [٤] : [من البسيط] أحيا الضغائن آباء لنا هلكوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء قال الكلبي: فنحل هذا البيت سابقا البربري، وقيس أول من قاله.

стр. 1277

«١٠١٤» - أوصى العباس بن محمد معلّم ولده فقال: قد كفيتك أعراقهم فاكفني آدابهم. لا أوتينّ فيهم منك فانك لم تؤت فيهم منّي: اغذهم بالحكمة فانها ربيع القلوب، وعلّمهم النسب والخبر فانه علم الملوك، وأيّدهم بكتاب الله تعالى فانه قد خصّهم ذكره، وعمّهم رشده [١] . وكفى بالمرء جهلا أن يجهل فضلا عنه أخذ. وخذهم بالإعراب فانه مدرجة البيان، وفقّههم في الحلال والحرام فانه حارس من أن يظلموا ومانع من أن يظلموا. «١٠١٥» - وقال الرشيد وقد سمع أولاده يتعاطون الغريب في محاورتهم، ويجنحون إلى الغليظ من الكلام: لا تحملوا ألسنتكم على وحشيّ الكلام، ولا تعوّدوها المستشنع ولا المتصنّع، فان العادة ألزم من الطّبع. واعتمدوا سهولة الكلام من غير استكراه ولا مؤونة تكلّف. سيد الكلام ما ارتفع عن طبقة العامّة، وانخفض عن درجة المتشدّقين، وخالف سبل المغرقين. فليكن كلامكم قصدا وألفاظكم عددا، فان الاكثار يمحق [٢] البيان، ومن قبله تحدث الآفة على اللسان. وتحاموا الأنس بالسلطان، وكلّما رفع دونكم سترا من الحشمة فاحتجبوا عنه بستر من الإعظام، وكونوا اشدّ ما يكون لكم بسطا أشدّ ما تكونون له هيبة. ثم تمثّل بأبيات الخطفى جدّ جرير: [من الطويل]

стр. 1278

عجبت لازراء العييّ بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالنطق أعلما [١] وفي الصمت ستر للغبيّ وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلما ومن لا يصب قصد الكلام لسانه ... وصاحبه الاكثار كان مذمّما إذا نلت إنسيّ المقالة فليكن ... به ظهر وحشيّ الكلام محرما وإن اكثر السلطان أنسك فاحترز ... ولا تفغرن إلا بهيبته فما [عينية عبدة بن الطّبيب] «١٠١٦» - وقال عبدة بن الطّبيب، وهو من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وهي من الوصايا المأثورة وفصيح الكلام: [من الكامل] أبنيّ إنّي قد كبرت ورابني ... بصري وفيّ لمصلح مستمتع فلئن هلكت لقد بنيت مساعيا ... يبقى لكم منها مناقب أربع [٢] ذكر إذا ذكر الكلام يزينكم ... ووراثة الحسب المقدّم تنفع ومقام أيّام لهنّ فضيلة ... عند الحفيظة والمجامع تجمع ولهى من الكسب الذي يغنيكم ... يوما إذا احتضر النفوس المطمع أوصيكم بتقى الاله فانه ... يعطي الرغائب من يشاء ويمنع وببرّ والدكم وطاعة أمره ... إن الأبرّ من البنين الأطوع ودعوا الضغينة لا تكن من شأنكم ... إن الضغائن للقرابة توضع واعصوا الذي يسدي [٣] النميمة بينكم ... متنصحا وهو السّمام المنقع يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع

стр. 1279

حرّان لا يشفي غليل فؤاده ... عسل بماء في الإناء مشعشع لا تأمنوا قوما يشبّ صبيّهم [١] ... بين القوابل بالعداوة ينشع فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب نفوسهم لا تنزع قوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة [٢] تمزع أمثال زيد حين أفسد رهطه ... حتى تشتت أمرهم فتصدّعوا إنّ الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل نفوسهم أن تصرعوا وثنيّة من أمر قوم عزّة ... فرجت يداي وكان فيها المطلع ومقام خصم قائم ظلفاته ... من زلّ طار له ثناء أشنع ظلفات الرجل: ما وقع على الأرض من عيدانه فاستعاره للخصم أصدرتهم فيه أقوّم درأهم ... عضّ الثقاف وهم ظماء جوّع فرجعتهم شتّى كأنّ عميدهم ... في المهد يمرث ودعتيه مرضع ولقد علمت بان قصري حفرة ... غبراء يحملني إليها شرجع فبكى بناتي شجوهنّ وزوجتي ... والأقربون إليّ ثم تصدعوا وتركت في غبراء يكره وردها ... يسفى عليّ الترب [٣] حين أودّع فاذا مضيت إلى سبيلي فابعثوا ... رجلا له قلب حديد أصمع إن الحوادث يخترمن وإنما ... عمر الفتى في أهله مستودع يسعى ويجمع جاهدا مستهترا ... جدا وليس بآكل ما يجمع حتى إذا وافى الحمام لوقته ... ولكلّ جنب لا محالة مصرع

стр. 1280

نبذوا إليه بالوداع [١] فلم يجب ... أحدا وصمّ عن النّدا لا يسمع [ابن طباطبا يوصي أبا السرايا] «١٠١٧» - لما اشتدت علة ابن طباطبا، وهو محمد بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن حسن، قال له أبو السرايا الخارج معه: أوصني يا ابن رسول الله فقال: الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين. أوصيك بتقوى الله فانها أحصن جنّة وأمنع عصمة، والصبر فانه أفضل منزل وأحمد معوّل، وأن تستتم الغضب لربّك تعالى، وتدوم على منع دينك، وتحسن صحبة من استصحبك واستجاب لك، وتعدل بهم عن المزالق، ولا تقدم إقدام متهوّر، ولا تضجّع تضجيع متهاون، واكفف عن الإسراف في الدماء ما لم يوهن [٢] لك دينا ويصدّك عن صواب. وارفق بالضعفاء. وإياك والعجلة فان معها الهلكة. واعلم أنّ نفسك موصولة بنفوس آل محمد ﵊، ودمك مختلط بدمائهم، فان سلموا سلمت وإن هلكوا هلكت، فكن على أن يسلموا أحرص منك على أن يعطبوا. وقرّ كبيرهم وبرّ صغيرهم، واقبل رأي عالمهم، واحتمل هفوة إن كانت من جاهلهم، يرع الله حقّك، واحفظ [٣] قرابتهم يحسن الله نظرك، وولّ الناس الخيرة لأنفسهم في من يقوم مقامي من آل عليّ، فان اختلفوا فالأمر إلى عليّ بن عبيد الله، رضيت [٤] دينه ورضيت طريقته، فارضوا به وأحسنوا طاعته تحمدوا رأيه وبأسه.

стр. 1281

[عهد لابن عبدكان] «١٠١٨» - من عهد أنشأه ابن عبدكان: إن أولى من آثر الحقّ وعمل به، وراقب الله في سر أمره وجهره، واحترس من الزيغ والزلل في قوله وفعله، وعمل لمعاده ورجعته إلى دار فقره ومسكنته، من جعل بين المسلمين حاكما، وفي أمورهم ناظرا، فسفك الدماء وحقنها، وأحلّ الفروج وحرّمها، وأعطى الحقوق وأخذها، ومن علم أنّ الله سائله عن مثقال الذرّة من عمله، وأنّه إنما يتقلّب في قبضته، أيام مدّته، ثم يخرج من دنياه كخروجه من بطن أمه، إمّا سعيدا بعدله، وإما شقيا بفعله. وإنا لما وقفنا عليه من سديد مذهبك وطريقتك، وحميد هديك وسيرتك، ورجوناه فيك، وقدّرناه عندك: من سلوك الطريقة المثلى، واقتداء آثار أئمة [١] الهدى، والعمل بالحقّ لا بالهوى، رأينا تقليدك القضاء بين أهل ثغر برقة، وامرناك بتقوى الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، وبطاعته التى من آثرها سعد، ومن عمل بها حمد، ومن لزمها [٢] نجا، ومن فارقها هوى. فصل منه: فانك أسعد بالعدل ممن تعدل عليه، وأحظى باصابة الحقّ ممن تصيبه فيه، لما تتعجله من جميل أحدوثته وذكره، ويذخر لك من عظيم ثوابه وأجره، ويصرف عنك من حوب [٣] ما تتقلّده ووزره. «١٠١٩» - وأحسن العهود وأحكمها عهد عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه لمالك بن الحارث الأشتر حين ولاه مصر، وقد كتب في باب الآداب الدنيوية إذ

стр. 1282

كان أحق بها لما تضمن منها ما استوفى أقسامه، ودلّ على علمه بأمور الدنيا وسياستها كعلمه بأحكام الشريعة والدين وأوامره ونواهيه، الذي هو غير منازع فيه. ونثبت ها هنا اختيارات من عهود كتبها أبو إسحاق الصابي تجنبا للاطالة، نذكرها على جهتها، ولعلّ فيها ما يخرج عن الاختيار، فمن أراد ذلك وجده في ديوان رسائله. [فصول من عهود للصابي] «١٠٢٠» - فمن ذلك فصول من عهد القاضي أبي محمد عبيد الله بن معروف: أمره بتقوى الله مظهرا ومبطنا، وخيفته مسرّا ومعلنا، فانهما الحصن الحصين، والملجأ الأمين، والعصمة من نزغات الشيطان المردية، ودواعي الأهواء المؤذية [١] ، وأفضل العتاد في الأولى، وخير الزاد في الأخرى، من تمسك بعلائقهما، وتشبث بوثائقهما، أقامتاه على سبيل الهدى، ويمّمتا به الطريقة المثلى، وسلكتا به محجّة النجاة، واستنقذتاه في الحياة والوفاة. والله جلّ اسمه يقول: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨) . وأمره أن يواظب على قراءة القرآن متفهما آياته [٢] ، معظما بيناته، متدبرا حججه الظاهرة، متأملا أدلّته القاهرة، متّبعا أوامره الرّشيدة، مستمعا مواعظه السّديدة، آخذا بعزائمه المبرمة، عاملا على فرائضه المحكمة، فانه عمود الحقّ، ومنهاج الصّدق، وبشير الثواب، ونذير العقاب، والكاشف لما استبهم، والمنوّر لما أظلم، والإمام المنجي من الضلال، والخصم الغالب عند الجدال، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

стр. 1283

وأمره بدراسة سنن رسول الله ﷺ وآثاره، وتعهّد أحاديثه وأخباره، متأدبا بما حضّ الناس عليه، منتهجا ما أهاب بهم إليه، منتهيا إلى حكمه ووصاياه، متقيدا بخلائقه وسجاياه، فانه ﷺ الذي يدعو إلى الهدى، ولا ينطق عن الهوى، فمن ائتمّ لأوامره غنم، ومن ارتدع من زواجره سلم. وقد قرن الله طاعته بطاعته، وجعل العمل بقوله كالعمل بكتابه، فقال : (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (الحشر: ٧) . وأمره بمجالسة [١] أهل الدين [والعلم] ومدارسة أهل الفقه والفهم، ومشاورتهم في ما يقرّره ويمضيه، والأخذ من آرائهم في ما ينيره ويسديه، فان الشّورى نتاج [٢] العقول، والمباحثة رائد الصّواب، واستظهار المرء على رأيه من عزم الأمور، واستنارته بعقل أخيه من حزم التدبير؛ فقد أمر الله تعالى بالاستشارة أكمل الخلق لبابة وأولى بالاصابة، فقال لرسوله الكريم في كتابه الحكيم: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: ١٥٩) . وأمره بفتح الباب، ورفع الحجاب، والبروز للخصوم، وإيصالهم إليه على العموم، وأن ينظر بين المتحاكمين بالسويّة، ويعدل فيهم عند القضيّة، ويعطيهم من نفسه أقساطا متساوية [٣] ، ولا يفضّل خصما على صاحبه [٤] في لحظ ولا لفظ، ولا يقوّيه عليه بقول ولا فعل، إذ كان جل اسمه قد جعل هذا الحكم سرّ [٥] الحقّ وميزان القسط، وسبيل العدل في القبض والبسط، وسوّى بين الدنيّ والشريف، وأخذ به من القويّ للضعيف، ولم يجعل فيه مزية لغني على فقير ولا لكبير على

стр. 1284

صغير؛ قال الله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء: ١٣٥) [١] . وأمره إذا ترافع إليه متحاكمان، وتنازع إليه متخاصمان، أن يطلب الحكم بينهما في نصّ الكتاب، فان عدمه هناك التمسه من سنّة الرسول ﷺ ، فان فقده من السنة القويمة، والآثار الصحيحة السليمة، ابتغاه في إجماع المسلمين، فان لم يجد فيه إجماعا اجتهد وحكم في الحادثة أشبه الأحكام بالأصول عنده، بعد أن يبلغ غاية الوسع في التحرّي، ويستنفد الطاقة في النظر والتقصّى، فانه من أخذ بالكتاب اهتدى، ومن اتبع السنة نجا، ومن تمسّك بالإجماع سلم، ومن اجتهد رأيه أعذر. والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل. وأمره بالتثبت [٢] في الحدود، والاستظهار فيها بتعديل الشهود [٣] ، وأن يحترس من عجل يرهق [٤] الحكم عن الموقع الصحيح، أو ريث يرجئه عن الوضوح حتى يقف عند الاشتباه، ويمضي لدى الاتجاه، ويقوم بالبينات، ويدرأ الشّبهات، ولا تستخفّه عجلة إلى بريء، ولا تاخذه رأفة بمسيء، فان الله سمّى هذا الضرب من الأحكام حدودا تشددا [٥] فيه، وإكبارا لتعدّيه، وجعله من معالم الحكم، ونسب من يجاوزه إلى الظلم، فقال تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: ٢٢٩) . وأمره بتصفّح أحوال من يشهد عنده فيقبل منهم من ظهرت منه العدالة، وعرفت منه الأصالة، وكان ورعا في دينه، حصيفا في عقله، ظاهر التيقّظ والحذر، بعيدا من السّهو والزلل، طيّبا بين الناس ذكره، مشهورا فيهم ستره،

стр. 1285

منسوبا إلى العفّة والظّلف، معروفا بالنزاهة والأنف، سليما من شائن الطمع، بريئا من الحرص والجشع، فان هذه الطبقة هي حجّة الحاكم في ما يحكم، وطريقه إلى ما ينقض ويبرم، فمتى أعذر في ارتيادهم، كان معذورا في الحكم بشهاداتهم وان اختلفوا. ومتى عذّر في انتقادهم، كان ملوما في سماع أقوالهم وإن صدقوا، لأن على الحاكم أن يعتام أهل الثقة والأمانة، والعفّة والصّيانة، حدسا على باطنهم من ظاهرهم، ومخيلة لخافيهم من باديهم. والله وحده يبلو السرائر ويعلم الضمائر. وقد قال جل اسمه للحكام (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) [١] (البقرة: ٢٨٢) وقال تعالى في الشهود (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ) (الزخرف: ١٩) . وأمره أن يحتاط على مال الأيتام بثقات أمناء [٢] ، ويكلها إلى الحفظة الأعفّاء، ويرعيهم في ذلك عينا بصيرة، ويكلأهم بهمّة يقظى حتى يسيروا في هذه الأموال بسيرة تثمّرها وتنمّيها، وتدبّرها تدبيرا يحرسها ويزيد فيها، من غير أن يركبوا بها خطرا، ولا يجرّوا عليها غررا، وأن ينفقوا عليهم منها بالمعروف، ويسلكوا فيها سبيل القصد، حتى إذا بلغ أربابها الحلم، وأونس منهم الرشد سلّمت الأموال إليهم وأشهد بقبضها عليهم. قال الله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا. وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً) (النساء: ٦) . ومنه: هذا ما عهد أمير المؤمنين إليك، والاحتياط لك وعليك، وهاديك إلى طريق

стр. 1286

الرّشاد، وحاديك إلى سبيل السداد، ومقيمك على المحجّة الواضحة، وكفيلك [١] بالحجّة اللائحة. وقد أعذر أمير المؤمنين فيه وأنذر، وبصّر وحذّر، لم يألك وعظا، ولم يدّخرك معه حظّا. فكن عند ظنّ أمير المؤمنين وأوف على تقديره فيك، فانه اختارك عن علم وبصيرة، وقدّمك على فكر وروية. واجعل وصيته إمامك، واتبع أمره في تدبيرك، وأنجح [٢] قوله في أمورك، وطالعه بما يشكل عليك مطالعة المستعلم، وأنهه إنهاء المستفهم، ليصدر إليك من رأيه ما تحتذيه، ويرد عليك من عزمه ما تقتفيه، إن شاء الله تعالى. «١٠٢١» - من عهد كتبه للطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي بنقابة الطالبيين: وان أمير المؤمنين بنافذ عزيمته، وثاقب بصيرته، لا يهمل من الاصلاح صغيرا ولا كبيرا، ولا يضيع من الثواب [٣] لا قليلا ولا كثيرا، حتى ينزل كلّ امرىء منزلته، ويؤتيه رغبته [٤] ، ولا يجاوز موضعه، ولا يفاوت موقعه. ومن أجلّ الأحوال عند أمير المؤمنين وأولاها بالاهتمام والتقديم حال اختصّت أهل بيته عائدتها، وتوفرت عليهم فائدتها، وزانهم جمالها، والبسهم جلالها، وجمعت لهم إلى كرم الأحساب والأعراق، شرف الآداب والأخلاق، وأحسن الله عون أمير المؤمنين على ما ينويه، ووفّقه في ما يرتأيه، وخار له في ما يدبّره ويمضيه، وينيره [٥] ويسديه، خيرة تجمع له الحظّ في العاجلة والآجلة، والنفع في الدنيا والآخرة. ولذلك ما رأى أمير المؤمنين أن يقلّدك النقابة على الطالبيين أجمعين.

стр. 1287

ومنه: واعلم أن أمير المؤمنين قد فضّلك على أهل بيتك طرّا، ورفعك فوقهم جميعا بعد أن كنت واحدا منهم، واختصّك دونهم بعد مساواتك لهم، فسر في تطبيقهم سيرته، واسلك في ترتيبهم طريقته، حتى إذا عممتهم بالكرامة التي توجبها أنسابهم وتقتضيها قرباهم، خصصت بأكابرهم زيادة [١] الإجلال والتوقير، وإذا شملتهم بالصيانة التى يؤثرها امير المؤمنين، وتوجبها شرائط الدين، ميّزت أصاغرهم بفضل الحنوّ والعطف. وكن لأفعال كلا الفريقين [٢] ممتحنا، وفي أعمالهم متفرسا، فمن وجدته متوخيا من جميل الخلائق، ومستقيم الطرائق، مذهبا للشرف موافقا، وبسجايا السّلف لائقا، فزده إحسانا تكافيه فيه عن مرضيّ إيثاره، وتدعو غيره إلى مشاركته في جميل [٣] اختياره. ومن ركب قبيحا يعود على ديانته بجرح، وعلى أمانته بقدح، ما لم يستوجب حدا معلوما، ويستحقّ جزاء محتوما، فلا تعجل عليه بالعقاب، واستأن معاودته للصواب، ونبّهه بالذكرى النافعة للمؤمنين، واعطفه بالموعظة [٤] الناجعة في الصالحين. فإن تراجع [٥] وتاب، وأقلع وأناب [٦] ، فأعنه على الأوبة، واقبل منه التوبة، وبوّئه منزل مثله ممن جهل ثم حلم، وأذنب ثم ندم، وكن له بمكانك [٧] لصالحي أهله، وأجره مجرى خيار قومه. ومن ضرب عن الادّكار [٨] صفحا، وطوى دون الانذار كشحا، ولم يغن فيه التوقيف دون التثقيف، ولا التعليم دون [٩] التقويم، فحكّم كتاب الله

стр. 1288

عليه، وأطع سنّة نبيه ﵇ فيه. وقابله عن إساءته مقابلة من لا يصرفه عن الحق مراقبة، ولا يقصر به دون الواجب بقيا ولا بقية [١] . فان أمير المؤمنين وإن أوسع كافّة أهله عطفا، ولم يأل بهم رفقا ولا لطفا، لا يصل منهم من أوجب الدين قطيعته، ولا يرعى حقّ رحم لمن لم يكن في ذات الله تعالى قربته. وليكن لك عليهم عيون من خيارهم، ينهون إليك ما انطوى عنك من أخبارهم [٢] ، وأوصهم بحسن التأمّل لاثار الجماعة، وكفّهم عما ينكر بالهيبة والطاعة. فان انثنوا أو ارتدعوا، وانتهوا أو نزعوا، وإلا احتذيت ما مثّله لك أمير المؤمنين من جميع الفرق، ولا تجاوز [٣] ما فصّله من غلظة وشفق. واجعل في خطابك إياهم ومحاورتك لهم شعارا من الاكرام يبينون به عن جمهور العوام. ولا تقابل أحدا منهم بسبّ، ولا تغضض منه في ذكر أمّ ولا أبّ، فان أمير المؤمنين يصون سلفهم سلفه، ويحمي نسبهم لأنهم نسبه، وقد نزّه الله أسرته عن هجنة العيب، وباعد حامته [٤] عن مقارفة الريب. وإنما جعلك أمير المؤمنين أمينه فيهم، وعينه عليهم، لمّا ضنّ بهم عن الزلل، وصانهم عن الغيّ والخطل. ولتكن عنايتك إلى حماية المناسب مصروفة، وعلى حراستها موقوفة، فانها قربى النبوة ولحمة الخلافة، والسبب المتصل يوم تقطّع [٥] الأسباب، والنسب المعروف يوم تناكر الأنساب [٦] . وأثبت الجماعة ممن بحضرتك منهم بأعيانهم وأسمائهم، واعزهم إلى أجدادهم وآبائهم، وليعمل بمثل ذلك أصحابك في الأطراف، وخلفاؤك في البلاد، حتى تأمن غلطا تفتن به [٧] في سليم، ولبسا تركن به إلى سقيم. ثم إن وجدت من قد ادّعى نسبا لا يثبت

стр. 1289

بالشهادة، ولا يعرف معرفة تزيل عنه التهم [١] ، فقابله بغليظ العقوبة ليرتدع غيره عن مثل دعواه، وأشهره شهرة يؤمّن معها اشتباه، وينزجر عن كذبة ثانية. واحتط في أمر المناكح حتى لا تصل أيّم من الجماعة إلى دنيّ، ولا يقع عليها عقد إلا لكفؤ وفيّ. «١٠٢٢» - ومن تقليده الحج مضافا إلى نقابة الطالبيين: أما بعد، فان أمير المؤمنين برعايته الحرمات، ومحافظته على المواتّ [٢] ، وإيجابه حقّ من تأكّدت له العصمة، وارتضيت منه الخدمة، وعرفت في الطاعة آثاره، وبليت في الموالاة أخباره، يعتقد ربّ صنيعته عندك، ومضاعفة نعمته عليك [٣] ، والانافة بك على أعلى رتب ذوي الأسباب الواشجة والانساب المتشابكة [٤] ، ولا سيّما وقد جمعت إلى القربى اضطلاعا بالأعباء، وإلى الموالاة قياما بحقّ الاستخدام والاستكفاء، فلن يعدم أمير المؤمنين في ما يكله إليك، ويعتمد فيه عليك، رعاية الحقّ، وصلة الرحم، وصواب التدبير، وإصلاح المهمّ. والله يحسن لأمير المؤمنين الاختيار، ويمدّه بالتوفيق والصنع في مجاري الأقدار [٥] . ولما قلّدك أمير المؤمنين النقابة على الطالبيين فبان له فيها محمود سيرتك، وظهر من أفعالك ما دلّ على سلامة سريرتك، رأى أمير المؤمنين من حقّ العادة التي عوده الله فيها الصلاح، وأجرى له فيها طائر النجاح، أن يزيدك فضلا وإحسانا، ولا يألوك إنعاما وامتنانا، ويستأنف بك من إعلاء [٦] الدرجة ورفع المرتبة ما يحمد به رأيك في الخدمة

стр. 1290

والاجتهاد، ويستمرّ معه على طريقتك في الاستقامة والسّداد. ١٠٢٣- ومن تقليد القاضي أبي القاسم عمر بن حسان جنديسابور: أمره بتقوى الله وخشيته ومراقبته وخيفته، وأن يسوّي في طاعته بين ما استسرّ من رأيه وعلن، ويخلص العمل له في ما ظهر من أمره وبطن، تلك مواد العصمة، ودواعي الرحمة، والمقيمات على سبل [١] الهداية، والمنجيات من أعقاب الغواية، وأنفع ما قدّم من زاد، وأحصن ما ادّخر من عتاد. فمن أصلح سجاياه، وجعل لهنّ سرّه ونجواه، أتمّ الله عليه نعمته، وكفاه عاجلته، وقد أدّب الله بهنّ أمير المؤمنين، وفرضهنّ على العالمين، فقال جلّ من قائل (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: ١٠٢) . وأمره أن يكثر تلاوة القرآن، والاستنارة بما فيه من البيان، وأن يصرف إليه فكره، ويشغل به قلبه، ويكرّره اعتبارا وتذكرا، ويتأمّله استدلالا وتدبّرا، وأن يملّكه عنانه وزمامه، ويجري عليه نقضه وإبرامه، ويتصرّف معه في ما أحبّه وكرهه، ويطيع أمره في ما سرّه وساءه، فانه حجّة الله وعهده، ووعده ووعيده [٢] ، وبرهانه الباهر، ودليله القاهر، وسبيله الوسط، وطريقه الجدد، والمؤدّي إلى رحمته وثوابه، والمنجي من سطوته وعقابه. قال الله (وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤١- ٤٢) . وأمره أن يبرز للرعية، ويحملهم على حكم السّويّة، ويفتح لهم بابه، ويرفع عنهم حجابه، ويجعل لهم مجالس للحكم في المساجد الجامعة، والمواضع الضاحية، بحيث يصل إليه القويّ والضعيف، ويبلغه الدنيّ والشّريف، وإذا أفضى إليه الخصمان عدل بينهما في لحظه ولفظه، وسوّى تقاسمهما [٣] في قوله

стр. 1291

وفعله، حتى لا يتسلّط الهوى على حكمه، ولا يعترض الميل دون عدله، وأن يبسط للمتظلّمين وجهه، ويوطّىء لهم كنفه، ويبذل لهم بشره، ويرعيهم سمعه، ويمكّنهم من استقصاء حججهم، والابانة عن حقوقهم، وأن لا يخلو بأحد من [١] الخصماء دون صاحبه، ولا يمنعه ما يعطيه خصمه. قال الله جلّ ذكره (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) (ص: ٢٦) . وأمره أن يحضر الخصوم خاطره، ويجمع لهم رأيه، ويصرف إليهم باله، ويفرّغ لأحكامهم ذهنه، فاذا ترافعوا إليه في خصومة طلب حكمها في نصّ الكتاب، أو ثبت السنّة وإجماع المسلمين واجتهاد الرأي، فان تلك وجوه النظر في الحكم وطريق إصابة الحقّ، ومن أخذ بالقرآن اهتدى، ومن اتبع السنة نجا، ومن تمسك بالاجماع سلم، ومن بذل الوسع أعذر. قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء: ١٠٥- ١٠٦) . منه: هذا عهد أمير المؤمنين إليك، والحجة لك وعليك، قد أعذر أمير المؤمنين فيه وأنذر، وبصّر وحذّر، ولم يألك وعظا، ولم يدّخرك حظا، وأقامك على سبيل القصد، وبذل في تسديدك غاية الجهد، وظنّه بك الاصغاء إلى التذكّر، والاقتداء بالتبصّر، والعمل في ولايتك لآخرتك، والأخذ من عاجلتك لآجلتك. فكن عند ظن أمير المؤمنين بك، وقف عند مخيلته فيك، واجعل عهده إماما تقتفيه، ومثالا تحتذيه، وناج بوصيّته نفسك، واعمر بتأديبه قلبك، وأنه إليه أخبارك، واعرض عليه آثارك، واستدلله على ما يعضلك [٢] واسترشده

стр. 1292

إلى ما يشكل عليك [١] ليرشدك [٢] ، ويرد [٣] عليك من ثاقب رأيه، وصائب أنحائه [٤] ، ما يرشد به سعيك، ويفوز به قدحك. وثق بالله أولا وآخرا، وتوكّل عليه باطنا وظاهرا، واستكفه المهمّ يكفك، واستوهبه السداد يهدك، واسترشده الصواب يرشدك، واشكر نعمه يزدك. ١٠٢٤- كتاب عن المقتدر بتقليد حامد بن العباس الوزارة: أما بعد فإنّ أحمد الأمور ما رجّي صلاحه ومنفعته، وخير التدبير ما رجّي سداده وإصابته، وأولى الأعمال ما وصل إلى الكافّة يمنه وبركته، وأفضل الولاة من كان العدل هجّيراه وسجيّته، واصلح الأعوان من [٥] كان اتباع الحقّ سبيله وعادته. وإنّ الله قد جعل أمير المؤمنين، منذ قلّده أمر المسلمين، متحريا للصلاح في ما يأتي ويذر، متوخّيا للصواب في ما بطن وظهر. وأنكر من عليّ بن محمد بن الفرات أمورا رأى معها صرفه والاستبدال به، وإقامة من هو أرضى منه عنده، فصعّد وصوّب في من بحضرته من كتّابه، وبحث وسأل عن أكفى من على بابه، فاجتمعت أقوال خاصّته ونصحائه، وشهادات ثقاته وأوليائه، على أن حامد بن العباس من لا تخالجهم الشكوك في فضل ورعه وديانته، وكمال أدبه وبراعته، ونبل قدره وهمته، وعزّة نفسه وسجيته، وخفّة وطأته على رعيته، وشمول عدله ونصفته، وأنه لم يزل منذ تصرّف في الأعمال، متقدما على أكفائه من الرجال؛ لم يسع منذ اكتهل في أمور الدنيا لمباهاة ولا مكاثرة، ولم يحرص عليها لمساواة ولا مفاخرة [٦] ، ولم يردها لزيادة في نشب ولا ثروة، ولم يخترها لانبساط يد بانتقام ولا سطوة؛ لا يمنع الفضل إذا أرشده الحقّ إليه، ولا يؤخّر الحزم إذا

стр. 1293

دلّه الرأي عليه. وانضاف ذلك- وهو قول لم يدخله هوى، ووصف لم يشبه بزلل ولا دعوى- إلى ما يعلمه منه ويحمده له ويرتضيه من سالف نصحه، وقديم خدمته، فأقدمه إلى حضرته، وتلقّاه ببشره وكرامته، وقلّده تدبير وزارته، وسربله سربال ثقته، وفوّض إليه سياسة خاصّته وعامّته، واعتمد عليه في تدبير ملكه ودولته، وردّ إليه الدواوين كلّها، وحمّله أوقها وثقلها، عالما باضطلاعه بها، ساكنا إلى ركونه لها، واثقا بأنه لا يزول عما يحمد، ولا يحول عما يعهد، في جهد [١] نفسه ومرتبته، وبذل وسعه وطاقته، في نصيحة أمير المؤمنين، أدام الله سلطانه، ومن وراء بابه من المسلمين. فأعلمك بما تجدّد لحامد بن العباس عنده من المحلّ والمنزلة، وتوكّد لديه من الموضع والمرتبة، لتعرف حقّه وتطيع أمره، وتجريه على أفضل رسوم أمثاله، وأكمل سنن أشكاله، وان كان عبدا لأمير المؤمنين معدوم الشّبه والمثل، والنظير والعدل، وأن تمتثل كتبه إذا وردت عليك، وترتسم ما يصدره إليك عن أمير المؤمنين اذ كان السفير بينه وبينك، ومن لا معدل لك في كلّ الأمور عنه. فاعلم ذلك واعمل به، إن شاء الله تعالى. وكتب حامد بن العباس. [نسخة عهد جاثليق] ١٠٢٥- نسخة عهد جاثليق من إنشاء أخي ﵀: هذا كتاب أمر بانشائه سيدنا ومولانا أمير المؤمنين لعبد يشوع [٢] الجاثليق البطرك [٣] ؛ أما بعد، فالحمد لله العميم إحسانه، العظيم سلطانه، الواجب حمده، الغالب جنده، الكامل فضله، الشامل عدله، المعروف بغير رؤية تدركه ولا نظر، الخالق من غير رويّة يجيلها ولا فكر [٤] ، العالم بالأشياء ما ظهر منها وما بطن، المتعالي عن التكييف ببعد الأوهام وغوص الفطن، الذي ابتدع المخلوقات على غير تمثيل،

стр. 1294

واخترع [١] المصنوعات بغير [٢] قياس اتّبعه ولا دليل، وأقام شواهد البيّنات على وحدانيّته، ومعجزات البراهين على عجائب حكمته، ما أيقنت معه العقول والبصائر، وشهدت له القلوب العارفة والضمائر، أنّه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شارك في ملكه أحدا، ولا ولد فيكون مولودا، ولا ولد فيكون محدودا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا. والحمد لله الذي اختار محمدا من أشرف العرب منصبا، وأكرمها أمّا وأبا، وبعثه بالبرهان الساطع، والحقّ الصادع، والحجج الواضحة، والخلائق الصالحة، والناس في مجاهل الضلالة حائرون، وعن مناهج الهدى جائرون، على حين فترة من الرسل، واشتباه من السبل، وتفرّق من الملل، واستمرار من الزيغ والزلل، فلم يزل الأمر به مبلّغا، وبجهده في إمحاض النصيحة للأمة مستفرغا، حتى طمس معالم الباطل، ودفع عن وعد الصلاح ليّ الماطل، وأضحى الاسلام مرفوعا رايته، بعيدة غايته، منتشرة في الآفاق دعوته، مؤيّدة بالنصر المبين كلمته، وأنجز الله تعالى له ما وعد في إعلاء دينه على الدين كلّه وإظهاره، وإعزاز أشياعه وأنصاره، ونسخ الملل السالفة بملّته التي ختم بها الأديان، وأنزل عليه الكتاب المبشّر لمّتبعها بما فيه من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. فصلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تزلف محلّه، وتوازي شرفه وفضله، ما طرف طرف النهار بسدفة العشيّ، وصرف صرف المكروه بلطف الله الخفيّ. والحمد لله على أن حاز لأمير المؤمنين من شرف الخلافة ميراث آبائه، وصرف إليه منها ما هو أحقّ بارتداء ردائه، وبوّأه من الامامة العظيمة متبوأ [٣] تخرّ الجباه سجّدا لجلاله، وتنسب مفاخر الدين والدنيا إلى جماله؛ وأطلع

стр. 1295

بإمامته نجوم العدل فما تغور، وأقام بها أسواق الخيرات فما تكسد بضائع طالبيها ولا تبور، وحمى بحسن رعايته حمى الدين فما يذعر سربه، ولا يكدّر شربه، ولا يفلّ غربه؛ وخصّ الرعية من رأفته بمنحة أرهفت شذاتها، وثقّفت بعد الالتواء قناتها، وجمعت أشتات صلاحها، ويسّرت دواعي فلاحها، فهي محظوظة في كنف عدله، مغتبطة بخروجها من حزن العيش إلى سهله، بنعمته [١] التي شحذت في الطاعة بصائرها، واستخلصت مبادرتها في المتابعة ومصابرتها، وشفعت ظواهرها [٢] في العكوف على الدعاء لآبائه، وبسطت آمالها بعد الانقباض وأحصدت مرائرها. وهو يستوزع الله شكر هذه النعمة، ويستجزل بالتحدّث بها خطّة منها وقسمة. وما توفيقه إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب. وان أمير المؤمنين بما وكله الله إليه من أمور عباده، وحمّله أعباءه في أرضه وبلاده، يرعي الأمة من اهتمامه عينا يقظى، ويوليها في عامة متصرفاته [٣] حراسة شاملة وحفظا. ويتفقد أحوالها، تفقدا يصلح بالها [٤] ، ويصل حبالها [٥] ، ويعشب مرادها، ويكثب مرادها [٦] ، ويعمّ بذلك عموما يشترك فيه المسلم منها والمعاهد، والداني والمتباعد، وطوائف الملل من أهل الكتاب الذين خفرهم عهد الشرع وذمّته، وكنفتهم حياطته وحمايته، ليفيء [٧] عليهم ظلّ الحسنى بأجمعهم، ويقترن مرآهم في النظر لهم بمسمعهم. ولما أنهيت حالك لأمير المؤمنين، وأنك أمثل أهل نحلتك طريقة، وأقربهم

стр. 1296

إلى الصّلاح مذهبا وخليقة، وأحواهم للخلال التي أجمعوا على تمييزك بها عنهم وانفرادك، واستحقاقك للاسعاف من بينهم بمأمولك ومرادك، وكونك [١] حاليا بشروط الجثلقة المتعارفة عندهم بأدواتها، مشهودا لك بنعوتها الكاملة وصفاتها، وحضر جماعة من النصارى الذين يرجع إليهم في استعلام سيرة أمثالك، واستطلاع أنباء مضارعيك وأشكالك، وذكروا أنهم تصفّحوا أحوال ذوي الديانات فيهم، واستثبتوا باديهم منها وخافيهم، بحكم مساس حاجتهم إلى جاثليق ينظر في أمورهم، ويراعي مصالح جمهورهم، فاتفقوا باجتماع من آرائهم، والتئام من قلوبهم وأهوائهم، على اختيارك لرياسة دينهم، ومراعاة شؤونهم، وتدبير وقوفهم، والتسوية في عدل الوساطة بين قويّهم، وضعيفهم، وسألوا إمضاء نصّهم [٢] عليك بالاذن الذي به تستقرى قواعده، وتصدق مواعده، وتستحكم مبانيه، وتقوى أواخيه، فأوعز باسعافهم في ما سألوه بالإيجاب، وإلحافهم في ما طلبوه جناح الاطلاب. وبرز الاذن الامامي الأشرف، لا زالت أوامره بالتوفيق معضودة، بترتيبك جاثليقا لنسطور النصارى بمدينة السلام، ومن تضمّه منهم ديار الاسلام، وزعيما لهم ولمن عداهم من الروم واليعاقبة والملكية في جميع البلاد، وكلّ حاضر من هذه الطوائف وباد، وانفرادك عن كافّة أهل نحلتك، بتقمص أهبة الجثلقة المتعارفة في أماكن صلواتكم، ومجامع عباداتكم، غير مشارك في هذا اللباس، ولا مسوّغ في التحلّي به لمطران أو أسقف أو شماس، حطّا لهم عن رتبتك، ووقوفا بهم دون محلّك الذي خصصت به ومنزلتك. وإن ولج أحد من المذكورين باب المجاذبة لك والخلاف، وراع سرب المتابعة لك وأخاف، وأبى النزول على حكمك، وعدل إلى حربك عن سلمك، كانت المقابلة به لاحقة، والعقوبة به على شقائقه حائقة، حتى تعتدل قناته، وتلين بالقرع صفاته، ويزدجر أمثاله عن مثل مقامه،

стр. 1297

وينحرس قانونك مما يقدح في نظامه. وأمر بحملك على مقتضى الأمثلة الامامية في حقّ من تقدّمك من الجثالقة وسبقك، وإجراء أمرك عليه ومن تلاك منهم ولحقك، والحياطة لك ولاهل ملّتك في الأنفس والأموال، والحراسة الكافلة لكم بصلاح الأحوال، واتباع العادة المستمرة في مواراة أمواتكم، وحماية بيعكم ودياراتكم، والعمل في ذلك على الشاكلة التي عمل عليها الخفاء الراشدون مع من قبلكم، ورعى بها الأئمة السابقون رضوان الله عليهم عهدكم وإلّكم. وأن يقتصر في استيفاء الجزية على تناولها من العقلاء الواجدين من رجالكم دون النساء ومن لم يبلغ الحلم من أطفالكم. ويكون استيفاؤها مرة واحدة في كلّ سنة، من غير عدول في قبضها عن قضيّة الشرع المستحسنة. وفسح في الجاثليق أن يتوسّط طوائف النصارى في محاكماتهم، فيأخذ النّصف من القويّ للمستضعف، ويقود إلى الحقّ من مال إلى القسط والجنف، وينظر في وقوفهم نظرا يقوم بحقوق الأمانة وأشراطها، ويمضي على واضح حدودها وسويّ سراطها. فقابل هذا الانعام الذي شملك، وحقّق مناك في ما ناجتك به نفسك وأمّلك، بدعاء ينبي عن الاعتراف ويعرب، ويبدع في الاخلاص ويغرب. وسبيل كافة المطارنة والقسيسين والأساقفة من الطوائف المذكورة أن يحتذوا المأمور به في هذا المثال، ويتلقّوه بالانقياد والامتثال، إن شاء الله تعالى.

стр. 1298

نوادر في الوصايا والعهود «١٠٢٦» - لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة أوص، قال: ويل للشعر من رواة [١] السّوء. قالوا: أوص يرحمك الله يا حطيء. قال: من الذي يقول: [من الطويل] إذا أنبض الرّامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلى أوجعتها الجنائز قالوا: الشماخ. قال: أبلغوا غطفان أنّه أشعر العرب. قالوا: ويحك أهذه وصية؟! أوص بما ينفعك. قال: ابلغوا أهل ضابىء انه شاعر حيث يقول: [من الطويل] لكلّ جديد لذّة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ قالوا: اتّق الله ودع عنك هذا. أوص بما ينفعك. قال: أبلغوا اهل امرىء القيس أنه أشعر العرب حيث يقول: [من الطويل] فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل قالوا اتق الله ودع عنك هذا. قال: أبلغوا الأنصار أنّ صاحبهم أشعر العرب حيث يقول: [من الكامل] يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل

стр. 1299

قالوا: إن هذا لا يغني عنك من الله شيئا فقل غير ما أنت فيه، فقال: [من الرجز] الشعر صعب وطويل سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه قالوا: هذا مثل الذي كنت فيه. فقال: [من الرجز] قد كنت أحيانا شديد المعتمد ... وكنت ذا خصم على الناس ألدّ فوردت نفسي وما كادت ترد قالوا: يا ابا مليكة، الك حاجة؟ قال: لا والله، ولكن أجزع للمديح الجيد يمدح به من ليس له أهلا. قالوا: فمن أشعر الناس؟ فأومى بيده إلى فيه وقال: هذا الجحير إذا طمع في خير. واستعبر باكيا فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال: [من الرجز] قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر فقيل له: ما تقول في عبيدك وإمائك؟ قال: هم عبيد قنّ ما عاقب الليل النهار. قالوا: فأوص للفقراء بشيء. قال: أوصيهم بالالحاح في المسألة فانها تجارة لا تبور، واست المسؤول أضيق. قالوا: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدي مثل [١] حظّ الذكرين. قالوا: ليس هكذا قضى الله، قال: لكنّي هكذا قضيت. قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمّهاتهم. قالوا: فهل شيء تعهد به غير هذا؟ قال: نعم، تحملوني على أتان، وتتركوني راكبها حتى أموت، فان الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قطّ. فجعلوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول: [من الرجز]

стр. 1300

لا أحد الأم من حطيّه ... هجا بنيه وهجا المريّه من لؤمه مات على فريّه «١٠٢٧» - خطب الحجاج لما أراد الحجّ فقال: أيّها الناس، إني أريد الحجّ، وقد استخلفت عليكم ابني هذا، وأوصيته بخلاف وصية النبي ﷺ في الأنصار، فانه أمر أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. ألا وإني قد أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة [١] ، ألا وإني معجّل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة. «١٠٢٨» - كتب أبو العيناء إلى صديق له تولّى ناحية: أما بعد فأنّي لا أعظك موعظة الله تعالى لأنك غنيّ عنها ولأنّك أعلم منّي بها، ولا أرغّبك في الآخرة لمعرفتي بزهدك فيها، ولكنّي أقول كما قال الشاعر- وهي أبيات لأبي الأسود الدؤلي يقولها لحارثة بن بدر لما ولي رامهرمز: [من الطويل] أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق وكاثر تميما بالغنى إن في الغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق واعلم أنّ الخيانة فطنة، والأمانة خرق، والجمع كيس، والمنع صرامة،
следующие страницы →