← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفصل الرابع في أخبار التّابعين وسائر طبقات الصالحين ﵃ وكلامهم ومواعظهم [٣٢٣]- قال الحسن البصري: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: أنه لم يتمتع بما جمع، ولم يدرك ما أمّل، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه. [٣٢٤]- كتب سفيان الثوري إلى أخ له: واحذر حبّ المنزلة فإن الزهادة فيها أشدّ من الزهادة «١» في الدنيا. [٣٢٥]- وقيل لسفيان: أيكون الرجل زاهدا ويكون له المال؟ قال: نعم إن كان إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر. [٣٢٦]- أتى رجل بعض الزهاد، فقال له الزاهد: ما جاء بك؟ قال: بلغني زهدك، قال: أفلا أدلك على من هو أزهد مني؟ قال: من هو؟ قال: أنت، قال: وكيف ذاك، قال: لأنك زهدت في الجنة وما أعدّ الله فيها، وزهدت أنا في الدنيا على فنائها وذمّ الله إياها، فأنت أزهد مني.

стр. 142

[٣٢٧]- لما «١» ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة بدأ بلحمته وأهل بيته وأخذ ما كان في أيديهم فسمّى أعمالهم المظالم، ففزعت بنو أمية إلى عمّته فاطمة بنت مروان، فأرسلت إليه: إنه قد عناني أمر لا بدّ من لقائك فيه، فأتته ليلا فأنزلها عن دابتها، فلما أخذت مجلسها قالت: تكلّم يا أمير المؤمنين، فقال: إنّ الله ﵎ بعث محمدا ﷺ رحمة، ولم يبعثه عذابا إلى الناس كافّة، ثم اختار له ما عنده فقبضه اليه، وترك لهم نهرا شربهم فيه شربا، ثم قام أبو بكر رضوان الله عليه فترك النهر على حاله، ثم قام عمر فعمل على أمر صاحبه، فلما ولي عثمان اشتقّ من ذلك النهر نهرا، ثم ولي معاوية فاشتقّ الأنهار، ثم لم يزل ذلك النهر يشتقّ منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان، حتى أفضى الأمر إليّ، وقد يبس النهر الأعظم، ولن تري أصحاب النهر حتى يعود النهر الأعظم إلى ما كان عليه. فقالت له: قد أردت كلامك ومذاكرتك، فأما إذا كانت هذه مقالتك فلست بذاكرة لك شيئا، ورجعت إلى بني أمية فقالت: ذوقوا مغبة أمركم في تزويجكم إلى عمر بن الخطاب. وأمّ عمر بن عبد العزيز أمّ عاصم بنت [عاصم بن] عمر بن الخطاب. [٣٢٨]- ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة جمع ولده حوله، فلما رآهم استعبر ثم قال: بأبي وأمي من خلّفتهم بعدي فقراء، فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين فتعقّب فعلك وأغنهم فما يمنعك أحد في حياتك ولا

стр. 143

يرتجعه الوالي بعدك، فنظر إليه نظر مغضب متعجّب ثم قال: يا مسلمة منعتهم إياه في حياتي وأشقى به بعد وفاتي؟! إن ولدي بين رجلين: إما مطيع لله فالله تعالى مصلح شأنه ورازقه ما يكفيه، أو عاص له فما كنت لأعينه على معصية؛ يا مسلمة إني حضرت أباك حين دفن فحملتني عيني عند قبره فرأيته قد أفضى إلى أمر من الله هالني وراعني، فعاهدت الله أني لا أعمل مثل عمله إن وليت، وقد اجتهدت في ذلك طول حياتي، وأرجو أن أفضي إلى [عفو من] الله وغفران. قال مسلمة: فلما دفن حضرت دفنه، فلما فرغ من شأنه حملتني عيني فرأيته فيما يرى النائم وهو في روضة خضراء فيحاء وأنهار مطّردة، وعليه ثياب بيض، فأقبل عليّ وقال: يا مسلمة، لمثل هذا فليعمل العاملون، هذا أو نحوه. [٣٢٩]- وكتب إليه الحسن البصري لما استخلف: من الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز- فقيل له: إن الرجل قد ولي وتغيّر فقال: لو أعلم أن غير ذلك أحبّ إليه لاتبعت محبّته- أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل. قال: فمضى الرسول بالكتاب إليه، فإنه لعنده يتوقّع الجواب إذ خرج يوما غير جمعة حتى صعد المنبر واجتمع الناس، فلما كثروا قام فحمد الله وأثني عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم في أسلاب الماضين، وسيرثكم الباقون، حتى نصير إلى خير الوارثين، كلّ يوم تجهّزون غاديا إلى الله ورائحا، وقد حضر أجله وطوي عمله، وعاين الحساب، وخلع الأسلاب، وسكن التراب، ثم يدعونه غير موسّد ولا ممهّد، ثم وضع يديه على وجهه فبكى مليا، ثم رفعهما فقال: أيها الناس من وصل إلينا بحاجة لم نأله خيرا، ومن عجز فو الله لوددت أنه وآل عمر في العجز سواء؛ قال: ثم نزل فكتب إلى الحسن: أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات، والسلام.

стр. 144

[٣٣٠]- قال المعروف بجسر «١» القصاب: كنت أجلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز فمررت براع وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبا، فحسبتها كلابا، ولم أكن رأيت الذئاب قبل ذلك، فقلت: يا راعي، ما ترجو بهذه الكلاب كلّها؟ فقال: يا بنيّ، إنها ليست كلابا إنما هي ذئاب، فقلت: سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها؟ فقال: يا بنيّ إذا صلح الرأس، فليس على الجسد بأس. [٣٣١]- وخطب عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين، فحمد الله وأثنى عليه ثم تكلم بثلاث كلمات فقال: أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حيّ لمعرق في الموت، والسلام عليكم. [٣٣٢]- ولما مات عبد الملك ابنه جعل عمر يثني عليه «٢» فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين، لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال: لا، قال: ولم أنت تثني عليه؟ قال: أخاف أن يكون زيّن في عيني [منه] ما زيّن في عين الوالد من ولده. [٣٣٣]- وروي أنّ مولى لعمر قال له، وقد رجع من جنازة سليمان: مالي أراك مغتما؟ قال: مثل ما أنا فيه يغتمّ له، ليس أحد من أمة محمد ﷺ في شرق الأرض وغربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقّه غير كاتب إليّ فيه

стр. 145

ولا طالبه مني. [٣٣٤]- وقال عمر لرجل من جلسائه: لقد أرقت الليلة تفكرا، قال: فيم يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثالثة «١» في قبره لا ستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوامّ ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان، مع تغيّر الريح وبلى الأكفان، بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب، ثم شهق شهقة وخرّ مغشيا عليه، فقالت فاطمة: يا مزاحم، ويحك أخرج هذا الرجل عنّا فلقد نغّص على أمير المؤمنين الحياة منذ ولي، فليته لم يكن، فخرج الرجل، فجاءت فاطمة تصبّ على وجهه الماء وتبكي حتى أفاق من غشيته، فرآها تبكي فقال: ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: يا أمير المؤمنين، رأيت مصرعك بين أيدينا فذكرت به مصرعك بين يدي الله للموت وتخلّيك من الدنيا وفراقك لنا، فذاك الذي أبكاني. قال: حسبك يا فاطمة فلقد أبلغت، ثم مال ليسقط فضمّته إليها وقالت: بأبي أنت يا أمير المؤمنين ما نستطيع أن نكلمك بكلّ ما نجد لك في قلوبنا، فلم يزل على حاله تلك حتى حضرته الصلاة فصبّت على وجهه ماء ثم نادته: الصلاة يا أمير المؤمنين، فأفاق فزعا. [٣٣٥]- وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الموسم: أما بعد فإني أشهد الله وأبرأ إليه في الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم الحجّ الأكبر أني بريء من ظلم من ظلمكم، وعدوان من اعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيته أو

стр. 146

تعمدته، إلا أن يكون وهما مني، أو أمرا خفي عليّ لم أتعمده، وأرجو أن يكون ذلك موضوعا عنّي مغفورا لي إذا علم مني الحرص والاجتهاد. ألا وإنه لا إذن على مظلوم دوني، وأنا معوّل كلّ مظلوم، ألا وأيّ عامل من عمالي رغب عن الحقّ ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم، وقد صيّرت أمره إليكم حتى يراجع الحقّ وهو ذميم. ألا وإنه لا دولة بين أغنيائكم ولا أثرة على فقرائكم في شيء من فيئكم، ألا وأيّما وارد ورد في أمر يصلح الله به خاصّا أو عاما من «١» هذا الدين فله بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار على قدر ما نوى من الحسنة وتجشّم من المشقة. رحم الله امرءا لم يتعاظمه سفر يحيي الله «٢» به حقا لمن وراءه. لولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أمورا من الحقّ أحياها الله، وأمورا من الباطل أماتها الله عنكم، وكان الله هو المتوحد بذلك فلا تحمدوا غيره، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري، والسلام. [٣٣٦]- وقال عمر: ما أحبّ أن يخفّف عني الموت لأنه آخر ما يؤجر المسلم عليه. [٣٣٧]- وقال رجاء بن حيوة: قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة اثنا عشر درهما، فذكر قميصه ورداءه وقباءه وسراويله وعمامته وقلنسوته وخفّيه. [٣٣٨]- وقيل إنه كان في إمارته على المدينة إذا غسل ثيابه أعطي غاسلها دراهم ممن يغسل ثيابه بعدها من كثرة الطّيب، وكان يلبس الرقيق من الثياب

стр. 147

ويبالغ في أثمانها. [٣٣٩]- وقال عمر لجلسائه: أخبروني بأحمق الناس؟ قالوا: رجل باع آخرته بدنياه، فقال: ألا أنبئكم بأحمق منه؟ قالوا: بلى، قال: رجل باع آخرته بدنيا غيره. [٣٤٠]- وروي «١» أنه أتي بعنبرة من اليمن، فوضع يده على أنفه بثوبه. فقال له مزاحم: إنما هو ريحها يا أمير المؤمنين، قال: ويحك يا مزاحم، وهل ينتفع من الطّيب إلا بريحه، (وإنما اقتدى في ذلك بعمر بن الخطاب ﵁ لما حمل إليه الكافور من فتح العراق، فإنه فعل مثل هذا الفعل فيه، وقال مثل هذه المقالة) . [٣٤١]- ولما كانت الصرعة التي هلك فيها عمر بن عبد العزيز دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أقفرت أفواه ولدك من هذا المال، فتركتهم عيلى لا شيء لهم. فلو «٢» أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائي من أهل بيتك، فقال: أسندوني، ثم قال: أما قولك إنّي أقفرت أفواه ولدي من هذا المال، فإني والله ما منعتهم حقا هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم، وأما قولك لو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائي من أهل بيتي، فإن وصيي وولييّ فيهم

стр. 148

اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (الأعراف: ١٩٦) . بنيّ أحد رجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجا، وإما رجل مكبّ على المعاصي فإني لم أكن لأقوّيه على معصية الله. ثم بعث إليهم وهم بضعة عشر ذكرا، قال: فنظر إليهم فذرفت عيناه فبكى ثم قال: بنفسي الفتية الذين تركتهم عيلى لا شيء لهم، بل بحمد الله قد تركتهم بخير، أي بنيّ إنكم لن تلقوا أحدا من العرب ولا من المعاهدين «١» إلا أنّ لكم عليه حقا، أي بنيّ إن أباكم ميّل «٢» بين أمرين: بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة أحبّ إليه من أن تستغنوا ويدخل النار؛ قوموا عصمكم الله. [٣٤٢]- لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة دعا ابنه محمدا فأوصاه وقال: يا بني إني أرى داعي الموت «٣» لا يقلع، وبحقّ إنّ من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع، يا بنيّ: ليكن أولى الأمور بك تقوى الله في السرّ والعلانية والشكر لله وصدق الحديث والنيّة، فإن الشكر مزيد والتقوى خير زاد، كما قال الحطيئة: [من الوافر] . ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكنّ التقيّ هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخرا ... وعند الله للأتقى مزيد «٤»

стр. 149

وما لا بدّ أن يأتي قريب ... ولكن الذي يمضي بعيد [٣٤٣]- وقال بعضهم: الايام ثلاثة فأمس حكيم مؤدّب أبقى فيك موعظة وترك فيك عبرة، واليوم ضيف كان عنك طويل الغيبة وهو عنك سريع الظعن، وغدا لا تدري من صاحبه. [٣٤٤]- وأنشد الرياشي: [من البسيط] . حتّى متى نحن في الأيام نحسبها ... وإنما نحن فيها بين يومين يوم تولّى ويوم نحن نأمله ... لعله أجلب الأيام للحين [٣٤٥]- وقال الأقرع بن معاذ: [من الطويل] . وقد هوّن الدنيا عليّ وأهلها ... منازل قد بادت وبادت قرونها وأني أراني للمنايا رهينة ... وأنّ المنايا لا يفكّ رهينها [٣٤٦]- وقال أيضا: [من الطويل] . بكت أمّ بكر أن تشتّت شملها ... وأن أصبحوا منهم شعوب وهالك فقالت كذاك الناس ماض ولابث ... وباك قليلا شجوه ثم ضاحك فإمّا تريني اليوم حيّا فإنني ... على قتب من غارب الموت وارك [٣٤٧]- قال خالد بن صفوان بن الأهتم: أوفدني يوسف بن عمر إلى

стр. 150

هشام بن عبد الملك في وفد أهل العراق، قال: فقدمت عليه، وقد خرج بقرابته وحشمه وحاشيته وجلسائه فنزل في أرض قاع صحصح، في عام قد بكّر وسميّه وتتابع وليّه، وأخذت الأرض زينتها، فهي في أحسن منظر، قال: وقد ضرب له سرادق من حبر كان يوسف بن عمر صنعه له باليمن، فيه فسطاط فيه أربعة أفرشة من خزّ أحمر، مثلها مرافقها، وعليه درّاعة من خزّ أحمر مثلها عمامتها، وقد أخذ الناس مجالسهم، قال فأخرجت رأسي من ناحية السمّاط، فنظر إليّ شبه المستنطق لي، فقلت: أتمّ الله نعمه عليك يا أمير المؤمنين، وجعل ما قلّدك من هذا الأمر رشدا، وعاقبة ما يؤول إليه حمدا، أخلصه الله لك بالتقى وكثّره لك بالنماء، ولا كدّر عليك ما صفا، ولا خالط سرورك الأذى، فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة [ومستراحا]- إليك يقصدون في مظالمهم ويفزعون في أمورهم، وما أجد شيئا هو يا أمير المؤمنين أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك، فإن أذن أمير المؤمنين أخبرته به، قال: فاستوى جالسا وكان متكئا ثم قال: هات يا ابن الأهتم، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامك هذا إلى الخورنق والسّدير، وكان قد أعطي فتاء السنّ مع الكثرة والغلبة والقهر، فنظر فأبعد النظر، ثم قال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه وهل أعطي مثل ما أعطيت؟ قال: وعنده رجل من بقايا حملة الحجّة والمضيّ على أدب الحقّ ومنهاجه، قال: ولم تخل الأرض من قائم لله بحجّة في عباده، فقال: أيها الملك إنك قد سألت عن أمر، أفتأذن في الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت الذي أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك؟ قال: كذلك هو، قال: فلا أراك إلا أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا وتغيب عنه طويلا، وتكون غدا بحسابه

стр. 151

مرتهنا، قال: ويلك فأين المهرب وأين المطلب؟ قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله، على ما ساءك وسرّك وأمضّك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك وتلبس أطمارك وتعبد ربّك حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا كان السحر فاقرع عليّ بابي، فإني مختار أحد الرأيين فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا يعصى، وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد كنت رفيقا لا يخالف، فقرع عليه الباب عند السّحر، فإذا هو قد وضع تاجه ولبس أمساحه وتهيّأ للسياحة، فلزما والله الجبل حتى أتاهما أجلهما، وهو حيث يقول عدي بن زيد العباديّ: [من الخفيف] . أيها الشامت المعيّر بالده ... ر أأنت المبرّأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيا ... م بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلّدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى، كسرى الملوك أنوشر ... وان، أم أين قبله سابور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وشيّده كل ... سا فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك منه فبابه مهجور وتذكّر ربّ الخورنق اذ أش ... رف يوما وللهدى تفكير سرّه ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسدير فارعوى قلبه وقال وما غب ... طة حيّ إلى الممات يصير ثم بعد الفلاح والملك والإ ... مّة وارتهم هنالك القبور ثم أضحوا كأنّهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور قال: فبكى والله هشام حتى اخضلّت لحيته وبلّ عمامته، وأمر بنزع أبنيته ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته ونغّصت عليه باديته، فقال: إليكم عنّي فإنّي عاهدت الله عهدا ألا أخلو بملك إلا ذكّرته الله .

стр. 152

[٣٤٨] قال الحسن بن أبي الحسن البصري: المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا، ولا يسعه إلا ذلك لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيبه فيه من المهالك. [٣٤٩]- وقال الحسن: يحقّ لمن يعلم أن الموت مورده، وأن القيامة موعده، وأن القيام بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه. [٣٥٠]- ومن كلام الحسن ﵀: وقد يدلّك على شرّ هذه الدار، أن الله زواها عن أنبيائه وأحبّائه اختبارا، وبسطها لغيرهم اعتبارا واغترارا، فيظنّ المغرور فيها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد ﷺ نبيه ورسوله، وبموسى المصطفى بالكرم وبمناجاة المختار له، فأمّا محمد فشدّ الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى الكليم فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، وما سأل الله يوم أوى إلى الظلّ طعاما من جوعه، ولقد جاءت الروايات عنه أن الله أوحى إليه: أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجّلت عقوبته. وإن شئت ثلثت «١» بصاحب الروح والكلمة ففي أمره عجيبة، كان يقول أدمي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام، أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو

стр. 153

شئت ربّعت بسليمان بن داود فليس دونهم في العجب، كان يأكل خبز الشعير في خاصّته ويطعم أهله الخشكار ويطعم النّاس الدرمك «١» ، فإذا جنّه الليل لبس المسوح وغلّ اليد إلى العنق وبات باكيا حتى يصبح، كلّ هذا منهم: يبغضون ما أبغض الله، ويصغّرون ما صغّر الله، ويزهدون فيما فيه زهّد. ثم اقتصّ الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم، وألزموا أنفسهم الذكر والعبر، وألطفوا الفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير عن متاع الغرور، والذي إلى الفناء يصير، [ونظروا] إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها، وأنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحلّ الشبع منها في حال «٢» الضرورة إليها، فأكلوا منها قدر ما ردّ النفس وبقّى الروح ومكّن من النوم. [٣٥١]- ومن كلام الحسن: لا تغتّر يا ابن آدم بقول من يقول أنت مع من أحببت، فإنه من أحبّ قوما تبع آثارهم، واعلم أنك لم «٣» تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم وحتى تهتدي بهداهم «٤» وتقتدي بسنتهم، فتسلك مسلكهم، وتأخذ طريقتهم، وإنما ملاك الأمر أن تكون على استقامة. والله إنما هلك من هلك حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم، فضلوا وأضلوا. يا ابن آدم ما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء المردية يحبّون أنبياءهم وليسوا معهم لأنهم خالفوهم في العمل والقول وسلكوا غير طريقتهم فصار موردهم إلى النار، فتعوّذ بالله من ذلك «٥» . قال الله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا ١١ ١ التذكرة

стр. 154

الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ (الاعراف: ١٦٩) . وقال: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (النساء: ١٢٤) . وقال: وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (الحديد: ١٤) . وقال: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (النجم: ٣٩- ٤١) . [٣٥٢]- ولما ولي عمر بن هبيرة العراق أرسل إلى الحسن البصريّ وإلى الشعبيّ فأمر لهما ببيت فكانا فيه شهرا أو نحوه، ثم إن الخصيّ غدا عليهما ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصا له، فسلّم ثم جلس معظّما لهما فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إليّ كتبا أعلم أن في إنفاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل ترون لي في متابعتي إياه فرجا؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير، فتكلم الشعبيّ فانحطّ في حبل ابن هبيرة، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت، قال: ما تقول أنت؟ قال: أقول يا عمر بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله فظّ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك «١» ، يا عمر ابن هبيرة إن تتّق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله. يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما

стр. 155

تعمل في «١» طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت فيغلق بها باب المغفرة دونك؛ يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسا من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا، وهي مقبلة، أشدّ إدبارا من إقبالهم عليها وهي مدبرة؛ يا عمر بن هبيرة إني أخوّفك مقاما خوّفكه الله تعالى فقال: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (ابراهيم: ١٤) يا عمر ابن هبيرة إن تك مع الله في طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله يكلك الله إليه. قال: فبكى عمر وقام بعبرته. فلما كان الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزهما فأكثر منه ما للحسن، وكان في جائزة الشعبي بعض الإقتار، فخرج الشعبي إلى المسجد فقال: أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن شيئا جهلته ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه. [٣٥٣]- قال هشيم بن بشير قلت لعمرو بن عبيد: صف لي الحسن؟ فقال: كان إذا أقبل فكأنه قد جاء من دفن أمه، وكأنّ زفير جهنّم في آذانه، وكأنه قد قعد قعود الأسير يضرب عنقه. [٣٥٤]- وقال همّام بن مطر: كان رجل أهل البصرة جابر بن زيد، فلمّا ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة فهو يخبر عما رأى وعاين. [٣٥٥]- وقال عون بن ذكوان: صلّى بنا زرارة بن أوفى صلاة الصبح

стр. 156

فقرأ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ حتى بلغ منها إلى قوله تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (المدّثّر: ١- ٨) خرّ ميتا. [٣٥٦]- روي أن محمد بن سيرين ركبه دين فقال: إني لأعرف الذنب الذي حمل به عليّ الدين ما هو، قلت لرجل منذ أربعين سنة يا مفلس. فحدّث بهذا الحديث أبو سليمان الداراني فقال: قلّت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك فليس ندري من أين نؤتى. [٣٥٧]- وروي أن ثابتا البناني بكى حتى كادت عينه تذهب، فجاء برجل يعالجها فقال: أعالجها على أن تطيعني. قال: على أيّ شيء؟ قال: على أن لا تبكي. قال: فما خيرهما إن لم يبكيا؟ وأبى أن يعالج. [٣٥٨]- اجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع، فقال مالك: إني لأغبط رجلا معه دينه [له قوام من عيش راض عن ربه ؛ فقال محمد ابن واسع: إني لأغبط رجلا معه دينه] «١» ليس معه شيء من الدنيا راضيا عن ربه. فانصرف القوم عنهما وهم يرون أن محمدا أقوى الرجلين. [٣٥٩]- وقال رجل لمحمد بن واسع: أوصني، قال: أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة، فقال: كيف لي بذلك؟ قال: ازهد في الدنيا.

стр. 157

[٣٦٠]- وكان أيوب السختياني يقول: ليتّق الله رجل، وإن زهد فلا يجعلنّ زهده عذابا على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه. وكان أيوب ممن يخفي زهده؛ قال حماد بن زيد: فدخلنا عليه مرة فإذا على فراشه مجلس أحمر فرفعته- أو رفعه بعض أصحابه- فإذا خصفة محشوّة بليف. [٣٦١]- وكان يقول: والله ما صدق عبد إلّا سرّه ألا يشعر بمكانه. [٣٦٢]- وقال له إنسان يوما: أوصني يا أيّوب، فقال: أقلّ الكلام. [٣٦٣]- قال عون بن عبد الله: كان أخوان في بني إسرائيل، فقال أحدهما لصاحبه ما أخوف عمل عملته عندك؟ قال ما عملت عملا أخوف عندي من أني مررت بين قراحي سنبل فأخذت من أحدهما سنبلة، ثم ندمت فأردت أن ألقيها في القراح الذي أخذتها منه فلم أدر أيّ القراحين هو، فطرحتها في أحدهما، فأخاف أن أكون طرحتها في القراح الذي لم آخذها منه. فما أخوف عمل عملته أنت عندك؟ قال الآخر: إذا قمت إلى الصلاة أخاف أن أكون أحمل على إحدى رجليّ فوق ما أحمل على الأخرى. قال: وأبوهما يسمع كلامهما، فقال: اللهم إن كانا صادقين فاقبضهما إليك قبل أن يفتتنا فماتا. قال يزيد بن هارون: أي هؤلاء أفضل؟ الأب ارى أفضل.

стр. 158

[٣٦٤] كان زبيد الأيامي «١» إذا كانت ليلة مطيرة أخذ بشعلة من نار فطاف على عجائز الحيّ فقال: أوكف عليكنّ البيت؟ أتردن نارا؟ فإذا أصبح طاف على عجائز الحيّ فيقول: ألكنّ في السوق حاجة؟ أتردن شيئا؟ [٣٦٥]- وروي أن منصور بن المعتمر «٢» صام ستين سنة، قام ليلها وصام نهارها، وكان يبكي فتقول له أمه: يا بنيّ قتلت قتيلا؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي، فإذا كان الصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرّق شفتيه وخرج إلى الناس. [٣٦٦]- قال عبد الله بن محيريز: إني صبحت فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ ، فقلت: أوصني رحمك الله؛ قال: احفظ عني ثلاث خصال ينفعك الله بها، إن استطعت أن تعرف ولا تعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلّم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يقام «٣» إليك فافعل.

стр. 159

[٣٦٧]- قال الأعشى وهو ميمون بن قيس: [من الطويل] . إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا [٣٦٨]- وقال عمران بن حطان: [من الطويل] . أرى أشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنّهم فيها عراة وجوّع أراها وإن كانت تحبّ فإنّها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع [٣٦٩]- أهدى رجل نصرانيّ إلى الأوزاعيّ جرة عسل وقال له: يا أبا عمرو، تكتب لي إلى والي بعلبك فقال: إن شئت رددت «١» الجرة وكتبت لك، وإلّا قبلت الجرة ولم أكتب لك. قال: ردّ الجرة، [فردّها] وكتب له فوضع عنه ثلاثين دينارا. [٣٧٠]- قال صالح المري وقفت في دار «٢» المورياني «٣» حين خربت، فعرض لي فيها بضع عشرة آية: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا (القصص: ٥٨) وكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الدخان:

стр. 160

٢٥) وما أشبه ذلك، قال: فإني أقرأ إذ خرج عليّ أسود من ناحيتها، فقال يا أبا عبد الله، هذه سخطة مخلوق على مخلوق «١» فكيف بسخطة الخالق؟ قال: ثم ذهب فاتبعته فلم أر أحدا. [٣٧١]- وقال صالح قال لي عطاء: يا أبا بشر أشتهي الموت ولا أرى لي فيه راحة، غير أني قد علمت أن الميت قد حيل بينه وبين الأعمال، فاستراح من أن يعمل معصية «٢» فيحطب «٣» على نفسه، والحيّ في كل يوم هو من نفسه على وجل، وآخر ذلك كلّه الموت. [٣٧٢]- وكان عطاء السلميّ إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا، فقيل له في ذلك، فيقول: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم، أريد أن أقوم بين يدي الله . وكذلك كان يصيب عليّ بن الحسين زين العابدين، فيقال له في ذلك، فيقول: أتدرون إلى من أقوم ومن أريد أن أناجي؟. [٣٧٣]- روي أنّ عبد الواحد بن زيد لقي عتبة بن أبان الغلام برحبة القصّابين في يوم شات شديد البرد، فإذا هو يرفضّ عرقا، فقال له عبد الواحد: عتبة قال: نعم، قال: فما شأنك؟ مالك تعرق في مثل هذا

стр. 161

اليوم؟ قال: خير، قال: لتخبرنّي، قال: خير، قال فقال: بالأنس الذي بيني وبينك والإخاء إلا ما أخبرتني، قال: إني والله ذكرت ذنبا أصبته في هذا المكان فهذا الذي رأيته من أجل ذلك. [٣٧٤]- وكان رأس مال عتبة فلسا، فيشتري بالفلس الخوص، فإذا عمله باعه بثلاثة فلوس، فلس يتصدّق به، وفلس يتّخذه رأس مال، وفلس يشتري به شيئا يفطر عليه. [٣٧٥]- ونازعت عتبة نفسه لحما، فقال لها: اندفعي عنّي إلى قابل، فما زال يدافعها سبع سنين، حتى إذا كان في السابعة أخذ دانقا ونصفا أفلاسا فأتى بها صديقا له من أصحاب عبد الواحد بن زيد خبازا، فقال: يا أخي إن نفسي تنازعني لحما منذ سبع سنين، وقد استحييت منها، كم أعدها وأخلفها، فخذ لي رغيفين وقطعة من لحم بهذا الدانق والنصف، فلما أتى به إذا هو بصبي، قال: يا صبي ألست أنت ابن فلان وقد مات أبوك؟ قال: بلى، فجعل يبكي ويمسح رأسه، وقال: قرة عيني من الدنيا أن تصير شهوتي في بطن هذا اليتيم، فناوله ما كان معه ثم قرأ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (الانسان: ٨) . [٣٧٦]- كان يجالس سفيان الثوريّ رجل ضرير، فإذا كان شهر رمضان يخرج إلى السواد فيصلّي بالناس، فيكسى ويعطى، فقال سفيان: إذا كان يوم القيامة أثيب أهل القرآن من قراءتهم، ويقال لمثل هذا: قد تعجّلت ثوابك في الدنيا «١» فقال: يا أبا عبد الله تقول لي هذا وأنا جليس لك؟ قال: إني

стр. 162

أخاف أن يقال لي يوم القيامة: هذا كان جليسك، أفلا «١» نصحته؟. [٣٧٧]- وقال سفيان: لو أنّ اليقين استقرّ في القلب كما ينبغي لطار فرحا وحزنا، شوقا إلى الجنة وخوفا من النار. [٣٧٨]- وكان سفيان بمكة فمرض ومعه الأوزاعيّ، فدخل عليه عبد الصمد بن علي فحوّل وجهه إلى الحائط، فقال الأوزاعيّ لعبد الصمد: إن أبا عبد الله سهر البارحة فلعلّه أن يكون نائما، فقال سفيان: لست بنائم، لست بنائم؛ فقام عبد الصمد، فقال الأوزاعيّ لسفيان: أنت مستقتل لا يحلّ لأحد أن يصحبك. [٣٧٩]- وعنه أنه قال: النظر إلى وجه الظالم خطيئة، ولا تنظروا إلى الأئمة المضلّين إلّا بإنكار من قلوبكم لئلا تحبط أعمالكم. [٣٨٠]- وقال، وقد ذكروا أمر السلطان وطلبهم إياه: أترون أني أخاف هوانهم «٢» ؟ إنما أخاف كرامتهم «٣» . [٣٨١]- قال عبد الرحمن بن مهديّ: ما عاشرت في الناس رجلا هو

стр. 163

أرقّ من سفيان الثوري، قال ابن مهدي: وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا في أول الليل ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم واللذات «١» ، كأنه يخاطب رجلا في البيت، ثم يدعو بماء إلى جانبه فيتوضأ ثم يقول على أثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلّم بما أطلب، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي إن الجزع قد أرّقني والخوف فلم يؤمنّي، وكلّ هذا من نعمك «٢» السابغة عليّ، وكذلك فعلت بأوليائك وأهل طاعتك، إلهي قد علمت أن لو كان لي عذر في التخلّي ما أقمت مع الناس «٣» طرفة عين، ثم يقبل على صلاته. وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إني كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياء وهيبة منه. [٣٨٢]- ورؤي سفيان يأكل الطباهج، وقال: إني لم أنهكم عن الأكل، ولكن انظر من أين تأكل، وادخل «٤» وانظر على من تدخل، وتكلّم وانظر كيف تكلم، كيف أنهاكم عن الأكل، والله يقول خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا (الأعراف: ٣١) . [٣٨٣]- وعن سفيان أنه رأى رجلا قريبا من المنبر فقال له: شغلتني يا فلان بقربك من المنبر، أما خفت أن يقولوا قولا «٥» فيجب عليك رده؟ فقال له

стр. 164

الرجل: أليس يقال ادن واستمع؟ قال: ذاك لأبي بكر وعمر والخلفاء، فأمّا هؤلاء فتباعد منهم حتى لا تسمع كلامهم ولا ترى وجوههم. [٣٨٤]- روي أنّ عليا والحسن ابني صالح بن حي وأمهما كانوا قد جزّءوا الليل كله ثلاثة أجزاء، فكان علي يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم الحسن الثلث ثم ينام، وتقوم أمهما الثلث، فماتت أمهما، فجزءا الليل بينهما «١» فكانا يقومان به حتى الصباح، ثم مات عليّ فقام به الحسن كله. [٣٨٥]- وكان الحسن بن صالح لا يقبل من أحد شيئا، فيجيء إليه صبيه وهو في المسجد، فيقول: أنا جائع، فيعلله بشيء حتى تذهب الخادم إلى السوق، فتبيع ما غزلت هي ومولاتها من الليل، ثم تشتري قطنا وتشتري شيئا من الشعير، فتجيء به فتطحنه ثم تعجنه فتخبز ما يأكل الصبيان والخادم، ويرفع له ولأهله لافطارهما، فلم يزل على ذلك حتى مات ﵀. [٣٨٦]- وقال الحسن بن صالح: لما احتضر أخي علي بن صالح رفع بصره ثم قال: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (النساء: ٦٩) ثم خرجت نفسه، قال:

стр. 165

فنظرنا إلى جنبه فإذا ثقب في جنبه وقد وصل إلى جوفه وما علم به أحد من أهله. [٣٨٧]- وروي أن داود بن نصير الطائيّ ﵀ لقيه رجل فسأله عن حديث، فقال: دعني فإني أبادر خروج نفسي، فكان سفيان إذا ذكر داود قال: أبصر الطائي «١» أمره. [٣٨٨]- وقال له رجل: يا أبا سليمان ما ترى في الرّمي فإني أحبّ أن أتعلّمه؟ قال: إنّ الرمي لحسن، ولكن هي أيامك فانظر بم «٢» تقطعها. [٣٨٩]- قال عبد الله بن إدريس: قلت لداود الطائي: أوصني؟ قال: أقلل من معرفة الناس، قلت: زدني، قال: ارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين، قلت: زدني، قال: اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت. [٣٩٠]- وقال أحمد بن ضرار العجلي: أتيت داود الطائيّ وهو في دار واسعة خربة ليس فيها إلا بيت، وليس على البيت باب، فقال له بعض

стр. 166

القوم: يا أبا سليمان أنت في دار وحشة فلو اتخذت لبيتك هذا بابا، أما تستوحش؟ فقال: حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا. [٣٩١]- وقال عطاء بن مسلم «١» الحلبي: عاش داود عشرين سنة بثلاثمائة درهم ينفقها على نفسه، فأتاه ابن أخيه فقال: يا عمّ تكره التجارة؟ قال: لا، قال: فأعطني شيئا أتّجر به، قال: فأعطاه ستين درهما، قال: فمكث شهرا ثم جاءه بعشرين ومائة درهم فقال: هذه ربحها، فقال: أنت كلّ شهر تربح للدرهم درهما؟ ينبغي أن يكون عندك بيت مال، أردت أن تخدعني؟ قال: فرمى بها عليه وقال: ردّ عليّ رأس مالي. [٣٩٢]- وقالت مولاة لداود الطائيّ: لو طبخت لك دسما قال: فافعلي، فطبخت له شحما ثم جاءته به، فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت: على حالهم، قال: اذهبي به إليهم، قالت له: فديتك «٢» انما تأكل هذا الخبز بالماء من المطهرة، قال: إني إذا أكلته كان في الحشّ، وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخورا. [٣٩٣]- ودخل رجل على داود الطائي فقال: يا أبا سليمان بعت كلّ شيء حتى التراب، وبقيت تحت نصف سقف، فلو سوّيت هذا السقف فكان يكنّك «٣» من الحرّ والبرد والمطر، فقال داود: اللهم غفرا، كانوا يكرهون

стр. 167

فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام، يا عبد الله، اخرج عنّي، فقد شغلت قلبي، إني أبادر جفوف القلم وطيّ الصحيفة. قال: يا أبا سليمان، أنا عطشان، قال: اخرج واشرب، فجعل يدور في الدار لا يجد ماء، فرجع إليه فقال: يا أبا سليمان ليس في الدار حبّ ولا جرّة، فقال: اللهم غفرا، بل هناك ماء، فخرج يلتمس فإذا دنّ من هذه الأصص الذي ينقل فيه الطين وخزفة «١» أسفل كوز، فأخذ تلك الخزفة فغرف بها فإذا ماء حارّ كأنه قد علي لم يقدر أن يسيغه، فرجع إليه وقال: يا أبا سليمان: مثل هذا الحر؟! الناس يكادون ينسلخون «٢» من شدّة الحرّ، ودنّ مدفون في الأرض وكوز مكسور فلو كانت جريرة وقلّة؟ فقال داود: حبّ حيريّ وجرة مذاريّة وقلال منقّشة، وجارية حسناء وأثاث وناضّ- يعني بالناض الدنانير والدراهم- وفضول، لو أردت هذا الذي يشغل القلب لم أسجن نفسي ها هنا، إنما طلّقت «٣» نفسي من هذه الشهوات، وسجنت نفسي حتى يخرجني مولاي من سجن الدنيا إلى روح الآخرة. فقال: يا أبا سليمان ففي هذا الحرّ أين تنام وليس لك سطح؟ قال إني أستحي من مولاي أن يراني أخطو خطوة ألتمس راحة نفسي في الدنيا حتى يكون مولاي هو الذي يخرجني «٤» من الدنيا. [٣٩٤]- وقال داود: اليأس سبيل أعمالنا هذه، ولكنّ القلوب تحنّ إلى الرجاء. [٣٩٥]- وقال إبراهيم بن بشار الصوفي الخراساني خادم إبراهيم بن

стр. 168

أدهم: قلت لابن أدهم «١» : يا أبا إسحاق، كيف كان أوائل أمرك حتى صرت إلى ما صرت إليه؟ فقال: غير ذا أولى بك؛ فقلت له: هو كما تقول رحمك الله، ولكن أخبرني لعلّ الله ينفعنا به يوما، فقال: اشتغل بالله، فسألته الثالثة فقلت: يا أبا إسحاق، إن رأيت، فقال: كان أبي من أهل بلخ، وكان من ملوك خراسان والمياسير «٢» ، وحبّب إليّ الصيد، فخرجت راكبا فرسي وكلبي معي، فبينما أنا كذلك ثار أرنب أو ثعلب، فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: ليس «٣» لذا خلقت ولا بذا أمرت؟ فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت نفسي فسمعت «٤» نداء أجهر من ذلك، يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي فأسمع نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم ما لذا خلقت ولا بذا أمرت، فوقفت انظر يمنة ويسرة «٥» فقلت: أنبهت أنبهت، جاءني نذير من ربي «٦» ، والله لا عصيت الله بعد يومي هذا أبدا ما عصمني ربّي، فرجعت إلى أهلي، فخلّيت عن فرسي ثم جئت إلى راع لأبي فأخذت جبة منه وكساء وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق، أرض تضعني وأرض ترفعني، حتى وصلت إلى العراق، فعملت بها أياما، فلم يصف لي منها شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقالوا لي: عليك ببلاد الشام، فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة، وهي

стр. 169

المصّيصة، فعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ فقال لي: إن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس فإن فيها المباحات والعمل الكثير، فتوجهت إلى طرسوس فعملت بها، أنظر البساتين وأحصد الحصاد، فبينما أنا قاعد على باب البحر جاءني رجل فاكتراني أنطر له بستانا، فكنت في البستان أياما كثيرة، فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه أصحابه فقعد في مجلسه ثم صاح: يا ناطور، فقلت: هو ذا أنا، قال: فاذهب فأتنا بأكبر رمّان تقدر عليه وأطيبه، فذهبت فأتيته بأكبر رمان فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة، فقال لي: يا ناطور أنت في بستاننا منذ كذا وكذا تأكل فاكهتنا وتأكل رمّاننا ولا تعرف الحلو من الحامض؟ قال إبراهيم فقلت: والله ما أكلت من فاكهتك شيئا، وما أعرف الحلو من الحامض، فأشار الخادم إلى أصحابه وقال: أما تسمعون كلام هذا؟ ثم قال: أتراك لو أنك «١» إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا، وانصرف فلما كان من الغد ذكر صفتي «٢» في المسجد فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه خلق «٣» فلما رأيته قد أقبل مع أصحابه اختفيت خلف الشجر، والناس داخلون، فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا هارب. كان هذا «٤» أوائل أمري وخروجي من طرسوس إلي بلاد الرمال. [٣٩٦]- وكان إبراهيم يعمل بفلسطين بكراء إذ مرّ به الجيش إلى مصر وهو يستقي الماء قطع الدلو وألقاه في البئر لئلا يسقيهم، فكانوا يضربون رأسه يسألونه عن الطريق وهو يتخارس عليهم لئلا يدلّهم.

стр. 170

[٣٩٧] قال علي بن بكار: كنا جلوسا عند الجامع بالمصيصة وفينا إبراهيم ابن أدهم، فقدم رجل من خراسان وقال: أيكم إبراهيم بن أدهم؟ قال القوم: هذا، أو قال: أنا هو، قال: إنّ إخوتك بعثوني إليك، فلما سمع ذكر إخوته قام فأخذ بيده فنحّاه وقال: ما جاء بك؟ قال: أنا مملوكك، معي فرس وبغلة وعشرة آلاف درهم بعث بها إليك إخوتك، قال: إن كنت صادقا فأنت حرّ وما معك فلك، اذهب فلا تخبر أحدا. [٣٩٨]- وقال إبراهيم: المسألة مسألتان: مسألة على أبواب الناس ومسألة يقول الرجل ألزم المسجد وأصلّي وأصوم وأعبد الله، فمن جاء بشيء قبلته، فهذه شرّ المسألتين وهذا قد ألحف في المسألة. [٣٩٩]- قال شقيق بن إبراهيم: مرّ إبراهيم بن أدهم في أسواق البصرة فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا أبا إسحاق إن الله يقول في كتابه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: ٦٠) ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا، فقال إبراهيم: يا أهل البصرة، ماتت قلوبكم في عشرة أشياء، أولها: عرفتم الله ولم تؤدّوا حقه: والثاني: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله ﵇ وتركتم سنته «١» ، والرابع «٢» ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم نحبّ الجنة ولم تعملوا لها، والسادس: قلتم نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها، والسابع: قلتم إن الموت حقّ ولم تستعدّوا له، والثامن: اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم، والتاسع: أكلتم نعمة

стр. 171

ربّكم ولم تشكروها، والعاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم. [٤٠٠]- وقال إبراهيم بن أدهم: لم يصدق الله من أحبّ الشهرة. [٤٠١]- وقال إبراهيم بن بشار: كنت يوما من الأيام مارا مع إبراهيم ابن أدهم في الصحراء، فأتينا على قبر مسنّم، فترحم عليه وبكى، فقلت: قبر من هذا؟ قال: هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلّها، كان غريقا «١» في بحار الدنيا ثم أخرجه الله منها واستنقذه، ولقد بلغني أنه مرّ «٢» ذات يوم بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته، ثم نام في مجلسه مع من يخصّه من أهله، فرأى رجلا واقفا على رأسه بيده كتاب «٣» ، فناوله إياه فإذا فيه مكتوب بالذهب: لا تؤثرنّ فانيا على باق، ولا تغترنّ بملكك وقدرتك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أنّ بعده الهلك «٤» ، وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله تعالى فإن الله تعالى قال: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران: ١٣٣) . قال: فانتبه فزعا وقال: هذا تنبيه من الله وموعظة، فخرج من ملكه لا يعلم به أحد، وقصد هذا الجبل فتعبد فيه، فلما بلغني قصته وحدّثت بأمره قصدته، فحدثني ببدء أمره وحدثته ببدء أمري، فما زلت أقصده حتى مات ودفن ها هنا، ﵀.

стр. 172

[٤٠٢] قال إبراهيم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة؛ فالفرض الزهد في الحرام، والفضل الزهد في الحلال، والسلامة الزهد في الشبهات. [٤٠٣]- ومن كلام الحسن البصري: يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا. يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشرّ فلا تغبطهم به. الثواء ها هنا قليل والبقاء هناك طويل، وأمتكم آخر الأمم، وأنتم آخر أمتكم، وقد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون؟ المعاينة فكأن قد، هيهات هيهات! ذهبت الدنيا بحال بالها «١» وبقيت الاعمال قلائد «٢» في أعناق بني آدم، فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة! إنه والله لا أمة بعد أمتكم، ولا نبيّ بعد نبيكم، ولا كتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر بأوّلكم أن يلحق بآخركم. من رأى محمدا صلى الله عليه فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، فالوحى الوحى والنجاء النجاء. على ما تعرّجون؟ أتيتم وربّ الكعبة. إن الله بعث محمدا على علم به، اختاره لنفسه، وبعثه برسالاته «٣» ، وأنزل عليه كتابه، وكان صفوته من خلقه، ورسوله إلى عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض، وآتاه منها قوتا وبلغة، ثم قال

стр. 173

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب: ٢١) فرغب أقوام عن عيشه، وسخطوا ما رضي له ربه، فأبعدهم الله وسحقهم. ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عما قليل قبرك، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك. رحم الله رجلا نظر فتفكر وتفكر فاعتبر واعتبر فأبصر وأبصر فصبر، فقد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم فلم يدركوا ما طلبوا، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا. يا ابن آدم اذكر قوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (الإسراء: ١٣- ١٤) . عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. لقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن تردّ عليهم منكم من سيئاتكم أن تعذّبوا عليها وكانوا فيما أحلّ الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم عليكم. يا ابن آدم ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب «١» وصدّقته الأعمال. [٤٠٤]- وكان يقول: لا يستحقّ أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب أحدا بعيب هو فيه، ولا يأمر بإصلاح عيوبهم حتى يبدأ بإصلاح ذلك في نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عملا «٢» إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي أن يصلحه، فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره. وإنك ناظر إلى عملك خيره وشرّه فلا تحقرنّ شيئا من الخير وان صغر، فانك إذا رأيته سرّك مكانه، ولا تحقرنّ شيئا من الشرّ وإن صغر، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه. [٤٠٥]- وكان يقول: كان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم، فأصبح أهل العلم اليوم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في

стр. 174

دنياهم، فرغب أهل الدنيا بدنياهم وزهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم. [٤٠٦]- وكان يقول: لا أذهب إلى من يواري عنّي غناه، ويبدي لي فقره، ويغلق دوني بابه، ويمنعني ما عنده، وأدع من يفتح لي بابه، ويبدي لي غناه، ويدعوني إلى ما عنده. [٤٠٧]- دخل أبو حازم الأعرج على بعض ملوك بني مروان، فقال: يا أبا حازم، ما المخرج «١» مما نحن فيه؟ قال: تنظر إلى ما عندك فلا تضعه إلا في حقه وما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه، قال: ومن يطيق ذلك؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنّة والناس أجمعين، قال: ما مالك؟ قال: مالان، قال: ما هما؟ قال: الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس، قال: ارفع إلينا حوائجك، قال: هيهات رفعتها إلى من هو لا تختزل الحوائج دونه، فإن أعطاني منها شيئا قبلت، وإن زوى عنّي منها شيئا رضيت. [٤٠٨]- ومن كلام الفضيل بن عياض: يا ابن آدم إنّما يفضلك الغنيّ بيومك، أمس قد خلا وغد لم يأت، فإن صبرت يومك أحمدت أمرك، وقويت على غدك، وإن عجزت عن يومك ذممت أمرك وضعفت عن غدك.

стр. 175

وإنّ الصبر يورث البرء، وان الجزع يورث السّقم، وبالسقم يكون الموت، وبالبرء تكون الحياة. [٤٠٩]- وقال بكر بن عبد الله المزني: الدنيا ما مضى منها فحلم، وما بقي منها فأمانيّ. [٤١٠]- وقال عامر بن عبد قيس: الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبرم، مرتجعة للعطيّة، وكلّ من فيها يجري إلى ما لا يدري، وكلّ مستقرّ فيها غير راض بها، وذلك شهيد على أنها ليست بدار قرار. [٤١١]- وقيل: من تذكّر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباده. [٤١٢]- قال هانىء بن قبيصة لحرقة بنت النعمان ورآها تبكي: مالك تبكين؟ قالت: رأيت لأهلك غضارة، وقلّما امتلأت دار فرحا «١» ، إلا امتلأت حزنا.

стр. 176

[٤١٣]- ونظرت امرأة إلى أعرابية حولها عشرة من بنيها، كأنهم الصقور، فقالت: لقد ولدت أمكم «١» حزنا طويلا. [٤١٤]- وباع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا، فقيل له «٢» : لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا، قال: أنا أجعل هذا المال ذخرا عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال. [٤١٥]- قال الحسن: ما أعطي رجل من الدنيا شيئا إلا قيل: خذه ومثله من الحرص. [٤١٦]- وقال قتادة: يعطي الله العبد على نيّة الاخرة ما شاء من الدنيا والآخرة «٣» ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. [٤١٧]- وقيل: ثلاثة أشياء يستوي فيها الملوك والسوقة والعلية والسفلة: الموت والطلق والنزع، ويشبه هذا المعنى قول عبد الله بن الزبعرى

стр. 177

[من الرمل] . والعطيات خساس بينهم ... وسواء قبر مثر ومقلّ [٤١٨]- سأل الحجاج أعرابيا عن أخيه محمد بن يوسف، فقال: كيف تركته؟ قال: عظيما سمينا «١» : قال: ليس عن هذا أسألك، قال: تركته ظلوما غشوما، قال: أوما علمت أنه أخي؟ قال: أتراه بك أعزّ منّي بالله. [٤١٩]- قال مطرّف بن عبد الله بن الشخّير لابنه: يا بنيّ لا يلهينّك الناس عن نفسك، فإنّ الأمر خالص إليك دونهم. إنك لم تر شيئا هو أشدّ طلبا ولا أسرع دركا من توبة حديثة لذنب قديم. [٤٢٠]- وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أصلح ما بقي يغفر لك ما مضى. [٤٢١]- قال المكيّ: كنت عند سفيان بن عيينة وجاءه رجل فقال: إن جاري قد آذاني، وقد روي عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: من آذى

стр. 178

جاره ملّكه الله داره فقال: إن هذا لفي كتاب الله ، قال الرجل: وأين ذلك رحمك الله؟ قال الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (ابراهيم: ١٣- ١٤) فقام المكيّ فقبل رأسه. [٤٢٢]- قال حذيفة المرعشيّ: دخلت مكة مع إبراهيم بن أدهم فإذا شقيق البلخي قد حجّ في تلك السنة، فاجتمعنا في شقّ الطواف، فقال إبراهيم لشقيق: على أي شيء أصّلتم أصلكم؟ قال: أصّلنا أصلنا على أنا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا، فقال إبراهيم: هكذا تفعل كلاب بلخ، قال له شقيق: فعلى ماذا أصّلتم؟ قال أصّلنا «١» على أنا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا شكرنا وحمدنا، فقام شقيق فجلس بين يدي إبراهيم بن أدهم وقال: أنت أستاذنا. [٤٢٣]- قال محمد بن أبي عمران: سمعت حاتما الأصم، وكان من جلّة أصحاب شقيق البلخي، وسأله رجل فقال: على ما بنيت أمرك هذا في

стр. 179

التوكّل على الله؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنّت به نفسي، وعلمت أن عليّ دينا لا يعلمه «١» غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله «٢» حيث كنت فأنا مستحي «٣» منه. [٤٢٤]- ومرّ عصام بن يوسف بحاتم الأصم وهو يتكلّم في مجلسه فقال: يا حاتم تحسن تصلّي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلّي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالتوكل «٤» والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتّمام، وأسلّم بالسبيل والسنة، وأسلّمها بالإخلاص إلى الله، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت، قال: تكلم فأنت تحسن تصلي. [٤٢٥]- قال الفضيل بن عياض: إذا أراد الله أن يتحف العبد سلّط عليه من يظلمه. [٤٢٦]- وقال: أعلم الناس بالله أخوفهم له.

стр. 180

[٤٢٧] قال الفضل بن الربيع: حجّ هارون الرشيد، فاتاني فخرجت إليه مسرعا فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: ويحك قد حلّ «١» في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله؛ فقلت: [هاهنا] سفيان بن عيينة، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، قال: خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدّثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: يا عباسيّ اقض دينه، فلما خرجنا، قال: ما أغنى عنك «٢» صاحبك شيئا، انظر لي رجلا أسأله، قلت: ها هنا عبد الرزاق بن همّام، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فكانت حاله كحال سفيان بن عيينة، فقلت له: ها هنا الفضيل بن عياض، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلّي يتلو آية من القرآن يردّدها، فقرعت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، قال: مالي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة لبشر؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول البيت «٣» عليه بأيدينا، فسبقت «٤» كف هارون الرشيد إليه قبلي فقال: يا لها من كفّ ما ألينها إن نجت من عذاب الله، فقلت في نفسي ليكلمنّه الليلة بكلام من قلب نقيّ، فقال له: خذ لما جئناك له يرحمك الله، فقال: [إن] عمر بن عبد العزيز لما ولي
следующие страницы →