[٤١٣]- ونظرت امرأة إلى أعرابية حولها عشرة من بنيها، كأنهم الصقور، فقالت: لقد ولدت أمكم «١» حزنا طويلا.
[٤١٤]- وباع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا، فقيل له «٢» : لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا، قال: أنا أجعل هذا المال ذخرا عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال.
[٤١٥]- قال الحسن: ما أعطي رجل من الدنيا شيئا إلا قيل: خذه ومثله من الحرص.
[٤١٦]- وقال قتادة: يعطي الله العبد على نيّة الاخرة ما شاء من الدنيا والآخرة «٣» ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا.
[٤١٧]- وقيل: ثلاثة أشياء يستوي فيها الملوك والسوقة والعلية والسفلة: الموت والطلق والنزع، ويشبه هذا المعنى قول عبد الله بن الزبعرى
стр. 177
[من الرمل] .
والعطيات خساس بينهم ... وسواء قبر مثر ومقلّ
[٤١٨]- سأل الحجاج أعرابيا عن أخيه محمد بن يوسف، فقال: كيف تركته؟ قال: عظيما سمينا «١» : قال: ليس عن هذا أسألك، قال: تركته ظلوما غشوما، قال: أوما علمت أنه أخي؟ قال: أتراه بك أعزّ منّي بالله.
[٤١٩]- قال مطرّف بن عبد الله بن الشخّير لابنه: يا بنيّ لا يلهينّك الناس عن نفسك، فإنّ الأمر خالص إليك دونهم. إنك لم تر شيئا هو أشدّ طلبا ولا أسرع دركا من توبة حديثة لذنب قديم.
[٤٢٠]- وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أصلح ما بقي يغفر لك ما مضى.
[٤٢١]- قال المكيّ: كنت عند سفيان بن عيينة وجاءه رجل فقال:
إن جاري قد آذاني، وقد روي عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: من آذى
стр. 178
جاره ملّكه الله داره فقال: إن هذا لفي كتاب الله ، قال الرجل:
وأين ذلك رحمك الله؟ قال الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
(ابراهيم: ١٣- ١٤) فقام المكيّ فقبل رأسه.
[٤٢٢]- قال حذيفة المرعشيّ: دخلت مكة مع إبراهيم بن أدهم فإذا شقيق البلخي قد حجّ في تلك السنة، فاجتمعنا في شقّ الطواف، فقال إبراهيم لشقيق: على أي شيء أصّلتم أصلكم؟ قال: أصّلنا أصلنا على أنا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا، فقال إبراهيم: هكذا تفعل كلاب بلخ، قال له شقيق: فعلى ماذا أصّلتم؟ قال أصّلنا «١» على أنا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا شكرنا وحمدنا، فقام شقيق فجلس بين يدي إبراهيم بن أدهم وقال: أنت أستاذنا.
[٤٢٣]- قال محمد بن أبي عمران: سمعت حاتما الأصم، وكان من جلّة أصحاب شقيق البلخي، وسأله رجل فقال: على ما بنيت أمرك هذا في
стр. 179
التوكّل على الله؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنّت به نفسي، وعلمت أن عليّ دينا لا يعلمه «١» غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله «٢» حيث كنت فأنا مستحي «٣» منه.
[٤٢٤]- ومرّ عصام بن يوسف بحاتم الأصم وهو يتكلّم في مجلسه فقال:
يا حاتم تحسن تصلّي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلّي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالتوكل «٤» والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتّمام، وأسلّم بالسبيل والسنة، وأسلّمها بالإخلاص إلى الله، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت، قال: تكلم فأنت تحسن تصلي.
[٤٢٥]- قال الفضيل بن عياض: إذا أراد الله أن يتحف العبد سلّط عليه من يظلمه.
[٤٢٦]- وقال: أعلم الناس بالله أخوفهم له.
стр. 180
[٤٢٧] قال الفضل بن الربيع: حجّ هارون الرشيد، فاتاني فخرجت إليه مسرعا فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: ويحك قد حلّ «١» في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله؛ فقلت: [هاهنا] سفيان بن عيينة، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا الباب فقال: من ذا؟ فقلت:
أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، قال: خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدّثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: يا عباسيّ اقض دينه، فلما خرجنا، قال: ما أغنى عنك «٢» صاحبك شيئا، انظر لي رجلا أسأله، قلت: ها هنا عبد الرزاق بن همّام، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فكانت حاله كحال سفيان بن عيينة، فقلت له: ها هنا الفضيل بن عياض، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلّي يتلو آية من القرآن يردّدها، فقرعت الباب فقال: من ذا؟
فقلت: أجب أمير المؤمنين، قال: مالي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة لبشر؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول البيت «٣» عليه بأيدينا، فسبقت «٤» كف هارون الرشيد إليه قبلي فقال: يا لها من كفّ ما ألينها إن نجت من عذاب الله، فقلت في نفسي ليكلمنّه الليلة بكلام من قلب نقيّ، فقال له: خذ لما جئناك له يرحمك الله، فقال: [إن] عمر بن عبد العزيز لما ولي
стр. 181
الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليّ، فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم الدنيا وليكن إفطارك فيها الموت، وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم أخا، وأصغرهم ولدا، فوقّر أباك وأكرم أخاك وتحنّن على ولدك، وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة من عذاب الله فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك أو اكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت فإني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزلّ الأقدام. فهل معك مثل هذا، أو من يشير عليك «١» بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت: ارفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن أمّ الربيع تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا؟! ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أنّ عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه كثرة النوم فكتب إليه عمر: يا أخي أذكّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، فإنه «٢» يطرد بك إلى ربك نائما أو يقظان، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء. قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، ولا أعود لولاية حتى ألقى الله تعالى، قال: فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عمّ المصطفى جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله أمّرني على إمارة؟ فقال له النبي ﷺ : إنّ الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل، فبكى هارون بكاء شديدا،
стр. 182
وقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فان استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشّ لأحد من رعيتك، فإن النبيّ ﷺ قال:
من أصبح لهم غاشّا لم يرح رائحة الجنة، فبكى هارون وقال له: عليك دين؟
قال: نعم، دين لربّي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن ساءلني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجّتي، قال: إنما أعني من دين العباد؛ قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدّق وعده وأطيع أمره، فقال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
(الذاريات: ٥٦- ٥٨) ، فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك، وتقوّ بها على عبادتك، فقال له: سبحان الله أنا أدلّك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا، سلّمك الله ووفقك؟ ثم صمت فلم يكلّمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب، قال هارون: يا عباسي إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا، فهذا سيد المسلمين. فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرّجنا به، فقال لها:
مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه، فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس في «١» السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلّمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف يرحمك الله، فانصرفنا.
[٤٢٨]- قال زهير بن عباد: كان فضيل بن عياض، ووهيب بن الورد
стр. 183
وعبد الله بن المبارك جلوسا فذكروا الرّطب، فقال وهيب: وقد جاء الرطب؟
فقال ابن المبارك: يرحمك الله، هذا آخره أولم تأكله؟ قال: لا، قال:
ولم؟ قال وهيب: بلغني أن عامة أجنّة مكة من الصوافي والقطائع فكرهتها، فقال عبد الله: يرحمك الله أو ليس قد رخّص في الشراء من السوق إذا لم تعرف الصوافي والقطائع منه وإلّا ضاق على الناس خبزهم، أو ليس عامة ما يأتي من قمح مصر إنما هو من الصوافي والقطائع؟ ولا أحسبك تستغني عن القمح فسهّل عليك، قال: فصعق، فقال فضيل لعبد الله: ما صنعت بالرجل؟ فقال ابن المبارك: ما علمت أنّ كل هذا الخوف قد أعطيه، فلما أفاق وهيب قال: يا ابن المبارك، دعني من ترخيصك، فلا جرم لا آكل من القمح إلّا كما يأكل المضطر من الميتة، فزعموا أنه نحل جسمه حتى مات هزالا.
[٤٢٩]- قال عبد الله بن المبارك: رب عمل صغير تعظّمه المنية، وربّ عمل كبير تصغره المنية.
[٤٣٠]- قال محمد بن صبيح بن السماك: كتب إليّ أخ من إخواني من أهل بغداد: صف لي الدنيا، فكتبت إليه: أما بعد فإنه حفّها بالشهوات وملأها بالآفات، مزج حلالها بالمؤونات، وحرامها بالتبعات، حلالها حساب وحرامها عذاب [والسلام] .
стр. 184
[٤٣١] قال يوسف بن أسباط: لو أنّ رجلا في ترك الدنيا مثل أبي ذرّ وسلمان وأبي الدرداء ما قلنا إنه زاهد، لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض، والحلال المحض لا يعرف اليوم.
[٤٣٢]- كان عبد الله بن عبد العزيز العمري يلزم الجبّان «١» كثيرا، وكان لا يخلو من كتاب يكون معه ينظر فيه، فقيل له في ذلك فقال: إنه ليس شيء أوعظ من قبر، ولا أسلم من وحدة، ولا آنس من كتاب.
[٤٣٣]- قال بشر بن الحارث: بلغني أن بنتا لفتح الموصلي عريت، فقيل له: ألا تطلب من يكسوها؟ قال: أدعها حتى يرى الله عريها وصبري عليها. قال: فكان إذا كانت ليالي الشتاء جمع عياله ومال «٢» بكسائه عليهم ثم قال: اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي، وجوّعتني وجوّعت عيالي، وأعريتني وأعريت عيالي، بأي وسيلة أتوسّل إليك، وإنما تفعل ذلك بأوليائك وأحبابك، فهل أنا منهم حتى أفرح؟.
[٤٣٤]- قال بشر بن الحارث الحافي: إذا أعجبك الكلام فاصمت،
стр. 185
وإذا أعجبك الصمت فتكلم. وقد روي هذا الكلام بعينه عن ابن عباس أو غيره.
[٤٣٥]- وقال بشر سمعت خالدا الطحان وهو يذكّر ويقول: إياكم وسرائر الشرك فقيل: وكيف سرائر الشرك؟ قال: أن يصلّي أحدكم فيطوّل في ركوعه وسجوده حتى تلحظه الحدق.
[٤٣٦]- وقال بشر: اكتم حسناتك كما تكتم سيّئاتك.
[٤٣٧]- قال إبراهيم الحربي: حملني أبي إلى بشر بن الحارث فقال:
يا أبا نصر، هذا ابني مستهتر «١» بكتابة الحديث والعلم، فقال لي: يا بنيّ هذا العلم ينبغي أن تعمل به، فإن لم تعمل به كله فمن كل مائتين خمسة مثل زكاة الدراهم، فقال له أبي: يا أبا نصر تدعو له؟ قال: دعاؤك له أبلغ، فإن دعاء الوالد للولد كدعاء النبي لأمته، قال إبراهيم: فاستحليت كلامه واستحسنته، فأنا مارّ «٢» إلى صلاة الجمعة فإذا بشر يصلي في قبة الشعر «٣» فقمت وراءه أركع إلى أن نودي بالأذان، فقام رجل رثّ الحال والهيئة، فقال: يا قوم احذروا أن أكون صادقا وليس مع الاضطرار اختيار، ولا يسع السكوت عند العدم، ولا السؤال مع الوجود، وثمّ فاقة رحمكم الله، قال: فرأيت بشرا أعطاه قطعة وزنها دانق، قال إبراهيم: فقمت إليه فاعطيته درهما وقلت:
أعطني القطعة، فقال: لا أفعل، فقلت: هذان درهمان، فقال: لا
стр. 186
أفعل، قال: ومعي عشرة دراهم صحاحا، قلت: هذه عشرة دراهم، قال لي: يا هذا وأيّ شيء رغبتك في دانق تبذل فيه عشرة صحاحا، فقلت: هو رجل صالح، فقال لي: أنا في معروف هذا أرغب، ولست أستبدل النعم نقما، وإلى أن آكل هذا فرج عاجل أو منيّة قاضية. قال إبراهيم فقلت:
انظروا معروف من بيد من، وقلت: يا شيخ دعوة، فقال: مرّ أحيا الله قلبك ولا أماته حتى يميت جسمك، وجعلك ممن يشتري نفسه بكلّ شيء ولا يبيعها بشيء.
[٤٣٨]- وروي أن أخت بشر بن الحارث قصدت أحمد بن حنبل فقالت: إنّا قوم نغزل الليل «١» ومعاشنا منها، وربما تمرّ بنا مشاعل بني طاهر ولاة بغداد ونحن على السطح فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين، أفتحلّه لنا أم تحرّمه علينا؟ فقال لها: من أنت؟ قالت: أخت بشر، قال: آه يا آل بشر لا عدمتكم، لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم.
[٤٣٩]- قال معروف لأبي توبة وقد حضرت الصلاة: صلّ بنا؟
فقال: إن صلّيت بكم هذه الصلاة لا أصلي بكم الثانية، فقال معروف:
وأنت تطمع أن تعيش إلى الصلاة الثانية؟! نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل.
[٤٤٠]- وعنه قال: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه «٢» باب العمل
стр. 187
وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل.
[٤٤١]- وقيل له في علته: أوص «١» ، فقال: إذا متّ فتصدقوا بقميصي هذا فإني أحبّ أن أخرج من الدنيا عريان كما دخلت إليها عريان.
[٤٤٢]- قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: من وثق بالله في رزقه زاد في حسن خلقه، وأعقبه الحلم، وسخت نفسه في نفقته، وقلّت وساوسه في صلاته.
[٤٤٣]- قال منصور بن عمار: سبحان من جعل قلوب العارفين أوعية الذكر، وقلوب أهل الدنيا أوعية الطمع، وقلوب الزاهدين أوعية التوكل، وقلوب الفقراء أوعية القناعة، وقلوب المتوكلين أوعية الرضا.
[٤٤٤]- وقال: سلامة النفس في مخالفتها، وبلاؤها في متابعتها «٢» .
[٤٤٥]- وقال منصور بن عمار: حججت حجة فنزلت سكة من سكك
стр. 188
الكوفة، فخرجت في ليلة مظلمة طخياء، فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي، وغرّني سترك المرخى عليّ وقد عصيتك بجهدي وخالفتك «١» بجهلي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك مني؟ واشباباه واشباباه. فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله :
ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
(البقرة: ٢٤) الآية، فسمعت دكة «٢» لم أسمع بعدها حسّا، فمضيت، فلما كان من الغد رجعت من «٣» مدرجتي فإذا أنا بجنازة قد أخرجت، وإذا عجوز قد ذهبت منّتها- يعني قوّتها- فسألتها عن الميت ولم تكن عرفتني، فقالت: هذا رجل لا جزاه الله خيرا مرّ بابني البارحة وهو قائم يصلّي فتلا آية من كتاب الله فتفطرت مرارته فوقع ميتا، ﵀.
[٤٤٦]- فقد الحسن بن حي شابا كان ينقطع إليه، فخرج الحسن حتى أتى منزله فدقّ عليه الباب فخرج إليه الشابّ، فقال له: يا أخي مالك لم أرك منذ أيام؟ فقال له: يا أخي إن هذه الدار ليست هي دار ليست هي دار لقاء، إنما هي دار عمل، واللقاء ثمّ، أغلق الباب في وجهه فما رآه الحسن بعد ذلك اليوم حتى أخرجت جنازته.
[٤٤٧]- قال محمد الكندي: سمعت أشياخنا يقولون: إذا عرض لك
стр. 189
أمران لا تدري في أيهما الرشاد، فانظر أقربهما إلى هواك فخالفه، فإن الحقّ في مخالفة الهوى.
[٤٤٨]- قال أبو الحسن السري بن المغلّس السقطي، وهو خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه: كلّ الدنيا فضول إلا خمس خصال: خبز يشبعه، وماء يرويه، وثوب يستره، وبيت يكنّه، وعلم يستعمله.
[٤٤٩]- وقال: من استعمل التسويف طالت حسرته يوم القيامة.
[٤٥٠]- قال أبو علي الروذباري: في اكتساب الدنيا مذلّة النفوس، وفي اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبا لمن يختار المذلّة في طلب ما يفنى، على العزّ في طلب ما يبقى.
[٤٥١]- وكان يقول: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه.
[٤٥٢]- وقال بديل بن ميسرة العقيليّ: من أراد بعمله وجه الله أقبل الله عليه بوجهه، وأقبل بقلوب العباد إليه، ومن عمل لغير الله صرف الله عنه وجهه وصرف قلوب العباد عنه.
стр. 190
[٤٥٣] قال أبو يزيد البسطاميّ: إنّ في الطاعات من الآفات ما لا تحتاجون معه إلى أن تطلبوا المعاصي.
[٤٥٤]- وقال: ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبر.
[٤٥٥]- وقال: من سمع الكلام ليتكلّم به مع الناس رزقه الله فهما يكلّم به الناس، ومن سمعه ليعامل الله به رزقه الله فهما يناجي به ربّه.
[٤٥٦]- وقال أبو حازم الأعرج: إن عوفينا من شرّ ما أعطينا لم يضرّنا فقد ما زوي عنّا.
[٤٥٧]- قيل لرابعة القيسية «١» : لو كلّمنا «٢» رجال عشيرتك فاشتروا لك خادما تكفيك مهنة بيتك، قالت: والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟!.
[٤٥٨]- دخل ناسك على صاحب له وهو يكيد بنفسه، فقال له:
طب نفسا فإنك تلقى رحيما، قال: أما ذنوبي فأرجو أن يغفرها الله لي،
стр. 191
وليس اهتمامي إلا لمن أدع من بناتي، قال له صاحبه: الذي ترجوه لمغفرة ذنوبك «١» فارجه لحفظ بناتك.
[٤٥٩]- قال بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم.
[٤٦٠]- قال ابن أبي عدي: صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله «٢» وكان خرّازا يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدّق به في الطريق، ويرجع عشاء فيفطر معهم.
[٤٦١]- قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عامله عليها، قال: فصلّى بالناس الظهر، ثم فتح باب المقصورة وقد استند إلى المحراب، واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان بن سليم الزهري عن غير معرفة، فقال: يا عمر من هذا؟ ما رأيت سمتا أحسن منه، قال: يا أمير المؤمنين هذا صفوان بن سليم، قال: يا غلام كيس فيه خمسمائة دينار، فأتي «٣» به فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلّي؟ فوصفه للغلام حتى أثبته، قال: فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان، فلمّا نظر صفوان إليه ركع وسجد ثم سلّم، فأقبل عليه وقال: ما حاجتك؟ قال: أمرني أمير
стр. 192
المؤمنين، وهو ذا ينظر إليك وإليّ، أن أدفع إليك هذا الكيس، ويقول لك: استعن بهذه على زمانك وعلى عيالك، فقال صفوان للغلام: ليس أنا الذي أرسلت إليه، قال الغلام: ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى أنا صفوان بن سليم، قال فإليك أرسلت، قال: اذهب فاستثبت فإذا أثبتّ فهلمّ، فقال الغلام: أمسك الكيس معك وأذهب أنا، قال: لا إذا أمسكت فقد أخذت «١» ، ولكن اذهب واستثبت وأنا ها هنا جالس، فولّى الغلام، وأخذ صفوان نعليه وخرج، فلم ير بها حتى خرج سليمان من المدينة.
[٤٦٢]- وكان أبو مسلم الخولاني يقول: كان الناس ورقا لا شوك فيه، وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه.
[٤٦٣]- قال أبو حازم سلمة بن دينار: عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته «٢» الفتوح.
[٤٦٤]- وقال: كلّ نعمة لا تقرّب من الله فهي بلية.
[٤٦٥]- وقال: قاتل هواك كما «٣» تقاتل عدوّك.
стр. 193
[٤٦٦] وقيل له: ما مالك؟ قال: ثقتي بالله ويأسي مما في أيدي الناس.
[٤٦٧]- وقال: قليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة، وإن كثيرها ينسيك قليلها، وإن كنت تطلب من الدنيا ما يكفيك فأدنى ما فيها يجزيك، وإن كنت لا يغنيك ما يكفيك «١» فليس فيها شيء يغنيك.
[٤٦٨]- ودخل سليمان بن عبد الملك المدينة «٢» حاجّا فقال: هل بها أحد أدرك عدّة من الصحابة؟ قيل: نعم أبو حازم، فأرسل إليه، فلما أتاه قال:
يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟
قال: وأيّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني ولم تأتني، قال: والله ما عرفتني قبل يومي هذا ولا أنا رأيتك فأيّ جفاء رأيت مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا، ثم قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: عمرتم الدنيا وخرّبتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب. قال: صدقت يا أبا حازم، ليت
стр. 194
شعري ما لنا عند الله غدا؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله ، قال: أين أجده في كتاب الله؟ قال: قال الله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
(الانفطار: ١٣- ١٤) ، قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
(الاعراف: ٥٦) قال سليمان: ليت شعري كيف العرض على الله غدا؟ قال أبو حازم: أما المحسن كالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء كالآبق يقدم به على مولاه، فبكى سليمان حتى علا نحيبه واشتدّ بكاؤه، وقال: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصّلف، وتقسمون بالسّويّة وتعدلون في القضيّة، قال: وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه بحقّه وتضعه لحقّه في أهله، قال: يا أبا حازم من أفضل الخلائق؟ قال: أولو المروءة والنهى، قال: فما أعدل العدل؟ قال:
كلمة صدق عند من ترجوه أو تخافه، قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال:
دعاء المحسن للمحسن «١» ، قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المقلّ إلى البائس «٢» الفقير لا يتبعها منّ ولا أذى، قال: يا أبا حازم من أكيس الناس؟
قال: رجل ظفر بطاعة الله فعمل بها ثم دلّ الناس عليها، قال: فمن أحمق الناس؟ قال: رجل اغتاظ في «٣» هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنياه، قال: يا أبا حازم هل لك أن تصحبنا وتصيب منا ونصيب منك؟ قال:
كلّا، قال: ولم؟ قال: إني أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تكون لي منه نصيرا، قال: يا أبا حازم ارفع إليّ حاجتك، قال: نعم تدخلني الجنّة وتخرجني من النار، قال ليس ذلك إليّ، قال: فما لي حاجة سواها، قال: يا أبا حازم فادع الله لي، قال:
نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك فيسّره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان
стр. 195
من أعدائك فخذ بناصيته إلى ما تحبّ وترضى، قال سليمان: عظني، قال:
قال: قد أكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فماذا حاجتك «١» أن ترمي على قوس ليس لها وتر؟ قال سليمان: يا أبا حازم ما تقول فيما نحن فيه؟
قال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين، قال: بل نصيحة تلقيها إليّ، قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر عنوة بالسيف عن غير مشورة ولا إجماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة وارتحلوا، فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلساء سليمان: بئس ما قلت، قال أبو حازم: كذبت، إنّ الله أخذ على العلماء الميثاق ليبيننّه للناس ولا يكتمونه. قال: يا أبا حازم أوصني، قال:
نعم أوصيك وأوجز، نزّه الله وعظّمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، ثم قام، فلما ولّي قال: يا أبا حازم هذه مائة أنفقها ولك عندي أمثالها كثير، فرمى بها وقال: ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي، إني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إيّاي هزلا وردّي عليك بذلا، إن موسى بن عمران ﵇ لما ورد ماء مدين: فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
(القصص: ٢٤) فسأل موسى ربّه ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان ولم يفطن الرّعاء لما فطنتا له، فأتتا أباهما، وهو شعيب ﵇، فاخبرتاه خبره، قال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعا، ثم قال لاحداهما: اذهبي ادعيه، فلما أتته أعظمته وغطّت وجهها ثم قالت: (إنّ أبي يدعوك ليجزيك) فلما قالت: ليجزيك أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
(القصص: ٢٥) كره موسى ﵇ ذلك، وأراد أن لا يتبعها ولم يجد بدّا من أن يتبعها «٢» لأنه كان في أرض مسبعة وخوف، فخرج معها وكانت امرأة ذات عجز، وكانت الرياح تضرب ثوبها فتصف لموسى ﵇ عجزها فيغضّ مرّة ويعرض أخرى، فقال: يا
стр. 196
أمة الله كوني خلفي، فدخل إلى شعيب والعشاء مهيأ، فقال: كل، فقال موسى: لا، قال شعيب: ألست جائعا؟ قال: بلى ولكنني أنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا، وأخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما. قال شعيب لا يا شابّ، ولكن هذا عادتي وعادة آبائي، قرى الضيف وإطعام الطعام، قال: فجلس موسى فأكل، فإن كانت هذه المائة دينار عوضا مما قد حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلّ منه، وإن كانت من مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم وإلّا فلا حاجة لي فيها. إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتّقى، حيث كان أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلمّا نكسوا وتعسوا وسقطوا من عين الله وآمنوا بالجبت والطّاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم، وشاركوهم في دنياهم وشركوا معهم في فتنتهم. قال ابن شهاب: يا أبا حازم، وإياي تعني أو بي تعرّض، قال: ما إياك اعتمدت، ولكن هو ما تسمع، قال سليمان: يا ابن شهاب تعرفه؟ قال: نعم جاري منذ ثلاثين سنة ما كلّمته كلمة واحدة «١» قط، قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أحببت الله لأحببتني، قال ابن شهاب: يا أبا حازم تشتمني؟ قال سليمان:
ما شتمك ولكن أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقا كحقّ القرابة؟ فلما ذهب أبو حازم قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين تحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم؟ قال: لا.
[٤٦٩]- جاء ابن «٢» لسليمان بن عبد الملك حتّى جلس إلى جنب طاووس
стр. 197
ابن كيسان، فلم يلتفت إليه فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، فقال: أردت أن يعلم إنّ لله عبادا يزهدون فيما في يديه.
[٤٧٠]- قال مورق العجليّ: ضاحك «١» معترف بذنبه خير من باك مدلّ على ربه.
[٤٧١]- استقبل عامر بن عبد قيس «٢» رجل في يوم حلبة، فقال: من سبق يا شيخ؟ قال: المقرّبون.
[٤٧٢]- قال محمد بن واسع: ما آسى من «٣» الدنيا إلا على ثلاث، بلغة من عيش ليس لأحد عليّ فيها منّة ولا لله عليّ فيها تبعة، وصلاة في جماعة أكفى سهوها ويذخر لي أجرها، وأخ إذا ما اعوججت قوّمني.
[٤٧٣]- قال مكحول: إن كان في الجماعة الفضيلة «٤» ، فإنّ في العزلة السلامة.
стр. 198
[٤٧٤]- قال واصل بن عطاء: المؤمن إذا جاع صبر وإذا شبع شكر.
[٤٧٥]- قال الحسن: إنكم ما تنالون ما تحبّون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تأملون إلّا بالصبر على ما تكرهون.
[٤٧٦]- وقال: إنّ أهل الدنيا وإن دقدقت بهم الهماليج ووطىء الناس أعقابهم، فإنّ ذلّ المعصية في قلوبهم.
[٤٧٧]- وقال: لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيم أبلاه، وعمره فيم أفناه «١» ، وماله فيم أنفقه ومن أين اكتسبه.
[٤٧٨]- قال محمد بن عمرو بن علقمة: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو يقول: ما أنعم الله على عبد بنعمة فانتزعها منه فعاضه في ذلك الصبر إلا كان ما عاضه الله أفضل مما نزع، ثم قرأ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
(الزمر: ١٠) .
[٤٧٩]- وكتب عمر إلى الجّراح بن عبد الله الحكمي، وهو عامله: إن استطعت أن «٢» تترك مما أحلّ الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ما حرّم الله فافعل، فإنه من استوعب الحلال كلّه تاقت نفسه إلى الحرام.
стр. 199
[٤٨٠]- وقال عمر لخالد بن صفوان: عظني وأوجز، فقال خالد: يا أمير المؤمنين إن أقواما غرّهم ستر الله وفتنهم حسن الثّناء فلا يغلبنّك جهل غيرك بك علمك بنفسك، أعاذنا الله وإياك أن نكون بالستر مغرورين، وبثناء الناس مسرورين، وعمّا افترض الله تعالى متخلفين ومقصرين، وإلى الأهواء مائلين؛ فبكى ثم قال: أعاذنا الله وإياك من اتباع الهوى.
[٤٨١]- قال جحدر بن ربيعة العكليّ: [من الطويل] .
إذا انقطعت دنيا الفتى وأجنّه ... من الأرض رمس ذو تراب وجندل
رأى أنّما الدنيا غرور وأنما ... ثواب الفتى في صبره والتوكل
[٤٨٢]- وقال الأخطل: [من الكامل]
والناس همّهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
[٤٨٣]- وقال آخر: [من الطويل]
يعلّل والأيام تنقص عمره ... كما تنقص النيران من طرف الزّند
[٤٨٤]- وقال آخر: [من الطويل]
стр. 200
لكلّ أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
هم جيرة الأحياء أما محلّهم ... فدان ولكنّ اللقاء بعيد
[٤٨٥]- وقال بشار: [من الخفيف] .
كيف يبكي لمحبس في طلول ... من يبكّي لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل
[٤٨٦]- وقال «١» آخر: [من الرجز] .
كل امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
[٤٨٧]- وقال عروة بن أذينة: [من الوافر] .
نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات
كروعة ثلّة لمغار سبع ... فلمّا غاب عادت راتعات
[٤٨٨]- وكان محمد بن إدريس الشافعي ﵁ من زهاد الفقهاء، روي عنه أنه قال: ما حلفت بالله قطّ لا صادقا ولا كاذبا.
[٤٨٩]- وروي عنه أنه كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء: ثلث للعلم، وثلث
стр. 201
للصلاة، وثلث للنوم.
[٤٩٠]- أما أبو حنيفة فكان يحيي نصف اللّيل، فلم يزل بعد ذلك يحيي كلّ الليل، وقال: أنا أستحيي من الله أن أوصف بما ليس فيّ من عبادته.
[٤٩١]- وقال الربيع: كان الشافعيّ يختم القرآن في شهر رمضان ستين مرّة كل ذلك في الصلاة.
[٤٩٢]- وقال الشافعيّ: ما شبعت منذ ستّ عشرة سنة، لأن الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.
[٤٩٣]- وسئل عن مسئلة فسكت فقيل له: ألا تجيب رحمك الله؟
فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب.
[٤٩٤]- وروي عن عبد الله بن محمد البلوي قال: كنت أنا وعمر بن نباتة جلوسا نتذاكر العبّاد والزهّاد فقال لي عمر: ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي، خرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصّفا، وكان الحارث تلميذا لصالح المرّي، فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت، فقرأ:
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
(المرسلات: ٣٥- ٣٦) فرأيت الشافعيّ وقد تغيّر لونه واقشعرّ جلده، فاضطرب اضطرابا شديدا وخرّ مغشيا عليه، فلمّا أفاق جعل يقول: أعوذ بك من مقام الكذابين، وإعراض
стр. 202
الغافلين، اللهم لك خضعت قلوب العارفين، وذلّت هيبة المشتاقين، إلهي هب لي جودك وجللني بسترك، واعف عن تقصيري بكرم وجهك، قال: ثم قمنا وانصرفنا، فلمّا دخلت بغداد، وكان هو بالعراق، فقعدت على الشطّ أتوضأ للصلاة إذ مرّ بي رجل فقال لي: يا غلام أحسن وضوءك أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة، فالتفتّ فإذا أنا برجل يتبعه جماعة، فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفو أثره، فالتفت إليّ فقال: هل لك من حاجة؟ فقلت:
نعم تعلّمني مما علّمك الله شيئا، فقال لي: اعلم أنّ من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا قرّت عيناه بما يرى من ثواب الله غدا، أفلا أزيدك؟ قلت: بلى، قال: من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان: من أمر بالمعروف وائتمر، ونهى عن المنكر وانتهى، وحافظ على حدود الله تعالى؛ ألا أزيدك؟ قلت: بلى، قال: كن في الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا، واصدق الله في جميع أمورك تنج مع الناجين، ثم مضى فسألت عنه من هذا؟ فقالوا: هو الشافعي.
[٤٩٥]- وسئل عن الرياء فقال على البديهة: الرياء فتنة عقدها الهوى حيال أبصار قلوب العلماء، فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم.
[٤٩٦]- وقال الشافعي ﵁ أيضا: إذا خفت على عملك العجب فاذكر رضا من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، وأي عقارب ترهب، وأي عافية تشكر، وأي بلاء تذكر، فإنك إذا فكرت في واحد من هذه الخصال صغر في عينك عملك.
[٤٩٧]- وكان الشافعيّ ممن يريد بالفقه وجه الله لا السمعة «١» والرئاسة،
стр. 203
ولذلك قال: وددت أنّ الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إليّ منه شيء.
[٤٩٨]- وقال: ما كلّمت أحدا قطّ إلا أحببت أن يوفّق ويسدّد ويعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما كلمت أحدا قط وأنا أبالي أن يبيّن الله الحق على لساني أو على لسانه.
[٤٩٩]- وكان أبو حنيفة ﵁ طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة للناس؛ وذكر عند ابن المبارك فقال: أتذكرون رجلا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففرّ منها.
[٥٠٠]- قال الربيع بن عاصم: أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده على بيت المال فأبى فضربه عشرين سوطا.
[٥٠١]- وقيل لأبي حنيفة: قد أمر لك أبو جعفر أمير المؤمنين بعشرة آلاف درهم، قال: ما رضي أبو حنيفة. فلما كان في اليوم الذي توقّع أن يؤتى بالمال صلّى الصبح ثم تغشّى بثوبه فلم يتكلّم، فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال فدخل عليه فلم يكلّمه، فقال من حضر: ما يكلّمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة، أي هذه عادته، فقال: ضعوا المال في هذا الجراب في زاوية البيت، ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك «١» بمتاع بيته، فقال لابنه: إذا متّ فادفنوني، وخذ «٢» هذه البدرة واذهب بها إلى الحسن بن قحطبة فقل له: هذه
стр. 204
وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة، قال ابنه: ففعلت ذلك فقال الحسن: رحمة الله على أبيك لقد كان شحيحا على دينه.
[٥٠٢]- قال حكيم: الدنيا تراد لثلاثة أشياء: العز والغنى والراحة، فمن زهد فيها عزّ، ومن قنع استغنى، ومن ترك السعي استراح.
[٥٠٣]- وقيل للحسن إن أبا ذرّ كان يقول: الفقر أحبّ إليّ من الغنى والسقم أحبّ إليّ من الصحة. فقال الحسن: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن الاختيار من الله لم يتمنّ أنه في غير الحال التي اختارها الله له.
[٥٠٤]- زفّت معاذة إلى صلة بن أشيم، فبات ليلة الزفاف يتهجد، فقيل له فقال: أدخلت بيتا فذكرت النار، يعني الحمام، ثم أدخلت بيتا فذكرت الجنة يعني بيت العروس، فما زال فكري فيهما حتى أصبحت.
[٥٠٥]- كان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلاة، فجاءته جارية بمجمرة فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا، فقالت: لم تصبر على نار الدنيا فكيف تصنع بنار الآخرة؟ فقام وقضى الصلاة وتصدّق بما معه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل بن عياض «١» وابن عيينة
стр. 205
فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء فقالا: إنه لم يدع أحد شيئا إلّا عوّضه الله منه بدلا، فما عوّضك ما تركت له؟ قال: الرّضا بما أنا فيه. قال سفيان ابن عيينة: ما من عملي شيء أرجى عندي من بغض هؤلاء، قال الفضيل:
رجل لا يخالط هؤلاء ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا من رجل يقوم الليل ويصوم النهار ويحجّ ويعتمر ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم.
[٥٠٦]- صحب رجل الربيع بن خثيم فقال: إني لأرى الربيع لم يتكلّم منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد؛ وكان لا يتكلم كلمة «١» في الفتنة، فلمّا قتل الحسين قالوا ليتكلمنّ اليوم، فقالوا: يا أبا يزيد قتل الحسين «٢» فقال: أوقد فعلوا: اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
(الزمر: ٤٦) ثم سكت.
[٥٠٧]- كان «٣» وكيع يقول: ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة، ولا سمعت حديثا قطّ فنسيته، قيل وكيف ذاك؟ قال: لأنّي لا أسمع شيئا إلا عملت به.
[٥٠٨]- وكان يزيد بن أبان الرقاشي من أصحاب الحسن وأنس يبكي
стр. 206
عامّة ليله ونهاره حتى سقطت أشفار عينيه، فقال له ابنه: لو خلقت النار لأجلك ما زدت ما تصنع، فقال: هل خلقت النّار إلا لي ولأمثالي.
[٥٠٩]- حاك مجمع التيمي ثوبا قد تنوّق فيه فباعه فردّ عليه بعيب فبكى، فقال له المشتري: لا تبك فقد رضيت به، فقال: ما أبكاني إلّا أني «١» تنّوقت فيه فردّ بالعيب، فأخاف أن يردّ عليّ عملي الذي عملته في أربعين سنة.
[٥١٠]- كان عمر بن حبيب إذا فرغ من تهجده قال: الرواح الرواح، السباق السباق، سبقتم إلى الماء والظلّ، من يسبق إلى الماء يظمأ، ومن يسبق إلى الظلّ يضح.
[٥١١]- وكان في بستان له مع غلامه فأذّن المؤذن فقال الغلام: الله أكبر الله أكبر، فقال: سبقتني إليها، أنت حرّ ولك هذه النخلة.
[٥١٢]- قال جعفر بن عبد القادر المقدسي: سألت جعيلا عن حدّ الزهد؟
فقال: استصغار الدنيا، فلما وليت دعاني فقال: بل هو محو الدنيا من القلب.
[٥١٣]- قال سكين بن موسى: كنت مجاورا بمكة، وكان فيها مجنون
стр. 207
ينطق بفنون الحكمة، فقلت: أين تأوي بالليل؟ فقال: إلى دار الغرباء، قلت: ما أعرف بمكة دار الغرباء، قال: سكني تلك المقابر، قلت: ما تستوحش في الليل وظلمته؟ قال: إذا ذكرت القبر ووحشته هان عليّ الليل وظلمته.
[٥١٤]- قيل: الزهادة في الدنيا قصر الأمل، لا أكل الغليظ ولا لبس السّمل «١» .
[٥١٥]- قيل للحسن: ما الحجّ المبرور؟ فقال: أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة.
[٥١٦]- وكان يقول: من ساءته خطيئة ولم يستغفر غفر له.
[٥١٧]- كان مالك بن دينار يمرّ بالسوق فيرى ما يشتهيه فيقول: يا نفس اصبري، ما أحرمك ما تريدين إلّا لكرامتك عليّ.
[٥١٨]- وقال له جار له في مرضه: ما تشتهي؟ قال: إن نفسي لتنازعني إلى شيء منذ أربعين سنة، رغيف أبيض ولبن في زجاج، فأتاه به فجعل ينظر إليه ثم يقول: دافعت «٢» شهوتي عمري كلّه، حتى إذا لم يبق من عمري إلا مثل ظمء الحمار آخذها؟! انظروا يتيم آل فلان فادفعوه إليه، ومات بشهوته.
стр. 208
[٥١٩]- قال الثوري: إذا مررت بدورهم، يعني السلاطين، فلا تنظر إليها فإنما بنوها لينظر إليها، ثم تلا قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
(الحجر: ٨٨) الآية.
[٥٢٠]- قبل سعيد بن المسيب من مال الخمس من السلطان ولم يقبله الثوري، وقال: إني لأعلم أنه حلال لي ولكن أكره أن يقع لهم في قلبي مودّة.
[٥٢١]- وقيل له: لو دخلت عليهم وتحفّظت، قال: أفتأمرونني أن أسبح في البحر «١» ولا تبتلّ ثيابي؟! [٥٢٢]- محمد بن هانىء: [من الطويل] .
وما الناس إلّا ظاعن ومودّع ... وثاو «٢» قريح الجفن يبكي لراحل
فهل هذه الأيام إلّا كما خلا ... وهل نحن إلا كالقرون الأوائل
نساق من الدنيا إلى غير دائم ... ونبكي من «٣» الدنيا على غير طائل
فما عاجل نرجوه إلّا كآجل ... وما آجل نخشاه إلا كعاجل
[٥٢٣]- نظر سريع الأهوازي إلى شابّ من أولاد الملوك وهو يتوقّى في
стр. 209
الأطعمة ويتّقي الحرّ والبرد، فقال له: يا ابن أخي، لم تفعل هذا؟ قال:
أخاف الموت، قال: فاحذر أن تصير إلى دار تتمنّى فيها الموت تقدر عليه.
[٥٢٤]- وكتب رجل إلى عبد الله بن الزبير لما دعا إلى الخلافة يعظه: أما بعد، فإنّ التقوى في أهلها علامات يعرفون بها ويعرفون بها أنفسهم «١» : من صبر على البلاء، ورضي بالقضاء، وشكر النعمة، وذلّ لحكم القرآن، وإنّما الإمام كالسوق يحمل اليها ما زكا فيها، فمن كان من أهل الحقّ أتاه أهل الحقّ بحقهم، ومن كان من أهل الباطل أتاه أهل الباطل بباطلهم، فانظر أيّ الإمامين أنت.
[٥٢٥]- ولما احتضر معاوية جعلوا يقلبونه فقال: إنكم تقلّبون حوّلا «٢» قلّبا إن نجا من عذاب الله، ثم قال: [من الخفيف] .
إن تعذّب يكن عذابك يا ربّ ... غراما لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت أهل لعفو ... عن مسيء ذنوبه كالتراب
[٥٢٦]- ولما احتضر المنصور قال: يا ربيع بعنا الآخرة بنومة.
стр. 210
[٥٢٧]- وقال الرشيد عند موته «١» : وا حيائي من رسول الله ﷺ .
[٥٢٨]- وقال المأمون لما احتضر: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.
[٥٢٩]- وروي أن عبد الملك قال حين ثقل، ورأى غسّالا يلوي ثوبا بيده: وددت أني كنت غسّالا لا أعيش إلّا بما أكسب يوما بيوم. فذكر ذلك لأبي حازم فقال: الحمد الله الذي جعلهم عند الموت يتمنّون ما نحن فيه، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه.
[٥٣٠]- وروي أيضا أنه قال عند موته، وأشار إلى الدنيا: إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لقليل، وإن كنّا منك لفي غرور.
[٥٣١]- ونظر هشام بن عبد الملك لما احتضر إلى بنيه وهم يبكون عليه فقال: جاد هشام لكم بالدنيا وجدتم له بالبكاء «٢» ، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما كسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له.
стр. 211
[٥٣٢]- وأنشد لأبي العتاهية ويروى لأبي نواس: [من الكامل] .
والموت لا يخفى على أحد ... ممن أرى وكأنه يخفى
ولقد مررت على القبور فما ... ميّزت بين العبد والمولى
[٥٣٣]- وقال سليمان بن الوليد «١» : [من المديد] .
ربّ مغروس يعاش به ... عدمته كفّ مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
[٥٣٤]- من كلام سفيان الثوري فيما أوصى به عليّ بن الحسين «٢» السلمي: عليك بالصدق في المواطن كلّها، وإياك والكذب والخيانة ومجالسة أصحابها، فإنها وزر كله، وإياك يا أخي والرياء في القول والعمل، فإنه شرك بعينه، وإياك والعجب فإنّ العمل الصالح لا يرفع وفيه عجب، ولا تأخذنّ دينك إلّا ممن هو مشفق على دينه، فإن مثل الذي هو غير مشفق على دينه «٣» كمثل طبيب به داء لا يستطيع أن يعالج داء نفسه وينصح لنفسه، كيف يعالج
стр. 212
داء الناس وينصح لهم؟ فهذا الذي لا يشفق على دينه كيف يشفق على دينك؟
وليكن جليسك من يزهّدك في الدنيا ويرغّبك في الآخرة، وإياك ومجالسة الذين يخوضون في حديث الدنيا «١» فإنهم يفسدون عليك دينك وقلبك، وأكثر ذكر الموت؛ وأكثر الاستغفار ممّا قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك، وانصح لكلّ مؤمن إذا سألك في أمر دينه، وإياك أن تخون مؤمنا فمن خان مؤمنا «٢» فقد خان الله ورسوله. وإذا أحببت أخاك في الله فابذل له نفسك ومالك، وإياك والخصومات والجدل والمراء فإنك تصير ظلوما خوّانا أثيما، وعليك بالصبر في المواطن كلها، وإياك والحدّة والغضب فإنهما يجرّان إلى الفجور، والفجور يجرّ إلى النار، ولا تمارينّ عالما فيمقتك، وإن الاختلاف إلى العلماء رحمة والانقطاع عنهم سخط الرحمن. ودع كثيرا مما يريبك إلى ما لا يريبك تكن سليما، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر تكن حبيب الله، وأقلل الفرح والضحك بما تصيب من الدنيا تزدد قوة عند الله، واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك، وإذا هممت بأمر من أمر الآخرة فشمّر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينك وبينها الشيطان. كن طاهر القلب، نقيّ الجسد من الذنوب والخطايا، نقيّ اليدين من المظالم، سليم القلب من الغشّ والمكر والخيانة، خالي البطن من الحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت. كفّ بصرك عن الناس. ولا تمشينّ لغير حاجة. أقل العثرة، واقبل المعذرة، ولا تبغض أحدا ممن يطيع الله. صل من قطعك وصل رحمك، وتجاوز عمّن ظلمك تكن رفيق الأنبياء والشهداء، وأقلّ دخول السوق فإنهم ذئاب عليهم «٣» ثياب وفيها مردة الشياطين من الجنّ والإنس، وإذا دخلتها لزمك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنك لا ترى
стр. 213
فيها إلا منكرا، فقم على طرقها فقل: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير كلّه، وهو على كلّ شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم» ، فقد بلغنا أنه يكتب لقائلها بكلّ من في السوق، عجميّ أو فصيح، عشر حسنات، ولا تجلس فيها، واقض حاجتك وأنت قائم يسلم لك دينك، وإياك أن يفارقك الدسم «١» فإنه أتمّ لعقلك، ولا تمنعنّ «٢» نفسك من الحلاوة فإنها تزيد في الحلم، وعليك باللحم ولا تدم عليه ولا تدعه أربعين يوما فإنه يسيء خلقك، وعليك بالعدس فإنه يعزر الدموع ويرقّ القلب، وعليك باللباس الخشن تجد حلاوة الإيمان.
وعليك بقلة الأكل تملك سهر الليل «٣» ، وعليك بالصوم فإنه يسدّ عنك باب الفجور ويفتح عليك باب العبادة، وعليك بقلة الكلام يلن قلبك، وعليك بطول الصمت تملك الورع. ولا تكوننّ حريصا على الدنيا، ولا حاسدا، ولا تكن طعانا تنج من ألسن الناس، وكن رحيما تكن محببا إلى الناس، وارض بما قسم الله تكن غنيا، وتوكل على الله تكن قويا، ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم يحبك الله ويحبك أهل الأرض، وكن متواضعا تستكمل أعمال البّر. ولا تدع أيامك ولياليك وساعاتك تمرّ عليك باطلا، وعليك بذكر الموت يهّون الله عليك أمر الدنيا. اشتق إلى الجنة يوفّق الله لك الطاعة، وأشفق من النار يهوّن الله عليك المصائب، ولا تحقرنّ شيئا من المعروف. انظر يا أخي أن يكون أول أمرك تقوى الله في السّر والعلانية، واخش خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث ثم الحشر ثم الوقوف بين يدي الجبار ، ومحاسب بعملك ثم المصير إلى إحدى الدارين: إما إلى جنة ناعمة خالدة «٤» ، وإمّا إلى نار فيها ألوان
стр. 214
العذاب مع خلود لا موت فيه، وارج رجاء من يعلم أنه يعفو «١» أو يعاقب.
[٥٣٥]- يقال إنه «٢» كان في عضد بزرجمهر مكتوب: إن كانت الحظوظ بالجدود فما الحرص؟ وإن كانت الأشياء غير دائمة فما السرور؟ وإن كانت الدنيا غرّارة فما الطمأنينة؟
[٥٣٦]- روى عمر البناء البغدادي قال: لما كانت محنة غلام الخليل ونسب الصوفية إلى الزندقة أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأخذ فيهم أبو الحسين أحمد بن محمد المعروف بالنوري، وكان صوفيا متكلما، فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فتقدم النوريّ مبتدرا إلى السيّاف ليضرب عنقه، فقال له: ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك؟ فقال: آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة، فتوقّف السياف والحاضرون عن قتله، ورفع أمرهم إلى الخليفة، فردّهم إلى قاضي القضاة، وهو يومئذ إسماعيل بن إسحاق، فسأل النوريّ عن مسائل في العبادات من الطهارة والصلوات فأجابه، ثم قال: وبعد هذا لله عباد «٣» يسمعون بالله، وينطقون بالله، ويصدرون بالله، ويوردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله، فلما سمع إسماعيل كلامه بكى بكاء طويلا، ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء زنادقة فليس في
стр. 215
الأرض موحّد، فأمر بتخليتهم؛ وسأله السلطان يومئذ من أين تأكلون؟
قال: لسنا نعرف الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق، نحن قوم مدبّرون.
[٥٣٧]- قال يزيد بن الصقيل «١» العقيليّ، وكان لصا فتاب: [من الطويل] .
وإن امرءا ينجو من النار بعد ما ... تزوّد من أعمالها لسعيد
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود
[٥٣٨]- وقال الحسين بن مطير الأسدي: [من الطويل] .
وقد تخدع الدنيا فيمسي غنّيها ... فقيرا ويغني بعد بؤس فقيرها
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها
وكم قد رأينا من تكدّر عيشة ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها
وكم طامع في حاجة لا ينالها ... ومن آيس منها أتاه يسيرها
[٥٣٩]- كعب بن زهير: [من البسيط] .
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهمّ منتشر