على جمرات الأذى، حتى غضب الله لحلمه، ونصره بأخيه وابن عمّه، وجعلهما الله ومن اتّبعهما الغالبين، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين، صلّى الله عليهما صلاة غادية رائحة، سانحة بارحة. ثم إنّ الله تعالى أمرنا بالتواصل والتكاثر، ومنعنا من التقاطع والتدابر، وخبّرنا أنه خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، وكان ربّك قديرا. وهذا فلان يخطب فلانة.
[٦٥٣]- دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامّة، فلم يفجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه، فتكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد فإنّ الله خلق الخلق غنيّا عن طاعتهم، آمنا معصيتهم «١» ، والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون: فالعرب بشرّ تلك المنازل: أهل الحجر والوبر وأهل المدر الذين تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاهة عيشها، ميّتهم في النار وحيّهم أعمى، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمرهوب منه «٢» . فلما «٣» أراد الله تعالى أن ينشر عليهم من رحمته «٤» ، بعث إليهم رسولا من أنفسهم عزيزا عليه ما عنتوا، حريصا عليهم، بالمؤمنين رؤوفا رحيما. فلم يمنعهم ذلك أن جرّحوه في جسمه، ولقّبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق [وبرهان صادق] لا يرحل إلا بأمره، ولا ينزل إلا بإذنه، واضطروه إلى بطن غار. فلما أمر بالعزمة انبسط «٥» لأمر الله لونه، فأفلج الله حجّته، وأعلى كلمته، وأظهر دعوته، وفارق الدنيا نقيّا تقيّا. ثم قام بعده أبو بكر، فسلك سنّته، وأخذ بسبيله، فارتدّت العرب، فلم يقبل منهم بعد رسول الله ﷺ إلا الذي كان قابلا
стр. 2487
منهم، فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران في شعلها، ثم ركب بأهل الحقّ إلى أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أوصالهم ويسقي الأرض دماءهم «١» ، حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه، وقرّرهم بالذي نفروا عنه. وقد كان أصاب من مال الله بكرا يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدا له، فرأى من ذلك غصّة في حلقه «٢» عند موته، فأدّى ذلك إلى الخليفة من بعده، وبرىء إليهم منه، وفارق الدنيا تقيّا نقيّا على منهاج صاحبه. ثم قام بعده عمر بن الخطاب، فمصّر الأمصار، وخلط الشدّة باللين، فحسر عن ذراعيه، وشمّر عن ساقيه، وأعدّ للأمور أقرانها، وللحرب آلتها، فلما أصابه فتى المغيرة استهلّ بحمد الله ألا يكون أصابه ذو حقّ في الفيء فيستحلّ دمه بما استحلّ من حقّه. وقد كان أصاب من مال الله بضعة وثمانين ألفا، فكسر بها رباعه، وكسر «٣» بها كفالة أولاده من بعده، وفارق الدنيا تقيّا نقيّا على منهاج صاحبيه. ثم إنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله، فالحمد لله الذي جلابك حوبتنا، وكشف بك كربتنا، امض ولا تلتفت، فإنه لا يعز على الحقّ شيء «٤» ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات.
ولما أن قال: ثم إنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع، سكت الناس إلا هشاما، فإنه قال: كذبت، كان عثمان هاديا مهديا.
[٦٥٤]- لما قام السفاح أبو العباس أول خلافته على المنبر، قام بوجه كورقة المصحف فاستحيا فلم يتكلم، فنهض داود بن علي عمّه حتى صعد المنبر. قال
стр. 2488
المنصور، فقلت في نفسي: شيخنا وكبيرنا يدعو إلى نفسه، فانتضيت سيفي وغطّيته بثوبي وقلت: إن فعل ناجزته، فلما رقي عتبا استقبل الناس بوجهه دون أبي العباس، ثم قال: أيها الناس، إنّ أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فعله، ولأثر الفعال أجدى [عليكم] من تشقيق الكلام، وحسبكم كلام الله ممتثلا فيكم، وابن عمّ رسول الله ﷺ خليفة عليكم، والله قسما برّا لا أريد بها إلا الله، ما قام بهذا المقام بعد رسول الله ﷺ أحقّ به من عليّ بن أبي طالب ﵇، وأمير المؤمنين هذا، فليظنّ ظانّكم وليهمس هامسكم.
قال أبو جعفر المنصور: ثم نزل فشمت سيفي.
[٦٥٥]- ولداود بن علي خطبة مشهورة، خطبها وأبو العباس على المنبر، صعد دونه بمرقاة فقال: شكرا شكرا، أظنّ عدوّ الله أن لن نقدر عليه، أرخى له في زمامه، حتى عثر بفضل خطامه، فالآن طلعت الشمس من مشرقها، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى النّزعة، وصار الأمر إلى أهل بيت نبيّكم، أهل الرأفة والرحمة. والله ما نزلنا مقهورين حتى أتاح الله لنا شيعتنا من أهل خراسان، والله ربّ هذه البنيّة لا يظلم منكم أحد، وأشار بيده إلى المسجد ثم نزل.
[٦٥٦]- فقام سديف مولاهم إلى جنب «١» المنبر فقال: أيزعم الضلّال- حبطت أعمالهم- أنّ غير آل محمّد أحقّ بالخلافة، فلم وبم؟ أيها الناس، ألكم الفضل بالصحابة دون ذوي القرابة، الشركاء في النسب، الورثة للسلب، الخاصّة في الحياة، الولاة «٢» عند الوفاة، مع ضربهم على الدين جاهلكم، وتأمينهم بعد
стр. 2489
الخوف سائلكم، وإطعامهم في اللأواء جائعكم؟ كم قصم الله بهم من جبّار طاغ، ومنافق باغ، وفاسق ظالم «١» ؟ لم يسمع بمثل العباس، لم تخضع له الأمة لواجب حقّ الحرمة، أبو رسول الله ﷺ بعد أبيه، وأمينه ليلة العقبة، ورسوله يوم مكة، وحاميه يوم حنين، لا يخالف له كلما، ولا يعصي له قسما. إنكم والله معشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث اختار الله لنفسه «٢» طرفة عين، ما زلتم تختارون تيميّا مرة وعدويّا مرة، فأصبحتم بين ظهراني قوم آثروا «٣» العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، أهل خمور وماخور، وطنابير ومزامير، إن ذكّروا لم يذكروا، وإن قوّموا بحقّ أدبروا، بذلك كان زمانهم، وبه كان سلطانهم، حتى أتاكم من هذه الخرسية من لا تعرفون له وجها، ولا تثبتون له نسبا، فضربكم بالسيف حتى أعطيتموها عنوة وأنتم صاغرون، وأنشد: [من الكامل]
أمست أميّة قد تشتّت شعبها ... شعب الضّلال وشتّتت أهواؤها
زعمت أميّة وهي غير حكيمة ... أن لن تزول ولن يهدّ بناؤها
وقضى الإله بغير ذاك فذبّحت ... حتى تريع على الفجاج دماؤها
[٦٥٧]- خطب سليمان بن علي فقال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
(الأنبياء: ١٠٥) ، قضاء فصل، وقول مبرم، فالحمد لله الذي صدق عبده وأنجز وعده، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا والدين هزؤا، والفيء إرثا، والقرآن عضين، لقد
стр. 2490
ضلّ عنهم «١» ما كانوا يستهزؤون، وكأيّن ترى من بئر معطّلة وقصر مشيد، ذلك بما قدّمت أيديهم «٢» وما الله بظلّام للعبيد، أمهلهم حتى اضطهدوا [العترة] وأمنوا الغرّة، ونبذوا السّنّة، وخاب كلّ جبّار عنيد، ثم أخذهم فهل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا «٣» .
٦٥٨- وخطب عبد الله بن علي لما قدم مروان بن محمد دورا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ
(ابراهيم: ٢٨- ٢٩) ، ركض بكم يا أهل الشأم آل حرب وآل مروان، يتسكعون بكم الظلم، ويخوضون بكم مداحض المراقي، ويوطئونكم محارم الله تعالى ومحارم رسوله. فما يقول علماؤكم غدا عند الله تعالى إذ يقولون رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ
فيقول: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ
(الأعراف: ٣٨) . أما أمير المؤمنين فقد ائتنف بكم التوبة، وغفر لكم الزّلّة، وبسط لكم الإقالة بفضله، فليفرّخ روعكم، ولتعظكم مصارع من كان قبلكم، فهذه الجثى منكم مصرّعة، وبيوتهم خاوية، بما ظلموا والله لا يحبّ الظالمين.
ثم نزل عن المنبر.
[٦٥٩]- وصعد بعده صالح بن علي فقال: الحمد لله، يا أهل «٤» النفاق وعمد الضّلالة، أغرّكم لين الإبساس وطول الإيناس «٥» ، حتى ظنّ جاهلكم أنّ ذلك
стр. 2491
لفلول حدّ وخور قناة. فإذ استوبأتم «١» العافية فغدا فطام ونكال، وسيف يعضّ بالهام.
٦٦٠- خطب زيد بن علي فقال: أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي من اكتفى بها كفته، ومن اجتنّ بها وقته، وهي الزاد وعليها المعاد، زاد مبلّغ ومعاد منج، دعا إليها أسمع داع فوعاها خير واع، فأعذر داعيها وفاز واعيها. عباد الله إنّ تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته حتى أسهرت ليلهم وأظمأت هواجرهم، فأخذوا الراحة بالنّصب، والريّ بالظمأ، واستقربوا «٢» الأجل، فبادروا بالعمل، وكذّبوا الأمل، ولا حظوا الأجل. طوبى لهم وحسن مآب. ثم إنّ الدنيا دار فناء وعناء، وغير وعبر، فمن العناء أنّ المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله تعالى لا مالا حمل ولا بناء نقل، ومن الفناء أنّ الدهر موتّر قوسه، ثم لا تخطىء سهامه، ولا توسى جراحه، يرمي الحيّ بالموت، والصحيح بالعطب. آكل لا يشبع، وشارب لا يروى.
ومن غيرها أنك تلقى المحروم مغبوطا، والمغبوط محروما، وليس ذلك إلا لنعيم زال، وبؤس نزل. ومن عبرها أنّ المشرف على أمله يقطعه أجله، فلا أمل يدرك، ولا مؤمّل يترك، فسبحان الله ما أغرّ سرورها، وأظمأ ريّها، وأضحى فيّها. فكأنّ الذي كان من الدنيا لم يكن، وكأنّ الذي هو كائن منها قد كان.
صار أولياء الله فيها إلى الأجر بالصبر، وإلى الأمل بالعمل، جاوروا الله تعالى في داره ملوكا خالدين. إنّ الله خلق موتا بين حياتين: موت بعد حياة، وحياة ليس بعدها موت. وإنّ أعداء الله نظروا فلم يجدوا شيئا بعد الموت إلّا والموت أهون منه، فسألوا الله الموت فقالوا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
(الزخرف: ٧٧) . وإنّ أولياء الله نظروا فلم يجدوا شيئا بعد الموت إلا والموت أشدّ منه، فسألوا الله الحياة جزعا من الموت؛ ولكلّ مما
стр. 2492
هو فيه مزيد. فسبحان الله ما أقرب الحيّ من الميت باللحاق به، وما أبعد الميّت من الحيّ لانقطاعه عنه، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه، وليس شيء بشرّ من الشرّ إلا عقابه، وكلّ شيء من الدنيا سماعه أعظم «١» من عيانه، وكلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم «٢» من سماعه. فليكفكم من السماع العيان، ومن الغيب الخبر. إنّ الذي أمرتم به أوسع مما نهيتم عنه، وما أحلّ لكم أكثر مما حرّم عليكم، فذروا ما قلّ لما كثر، وماضاق لما اتّسع. وقد تكفّل لكم بالرزق وأمركم بالعمل، فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم، مع أنه والله قد اعترض الشكّ ودخل اليقين، حتى كأنّ الذي ضمن لكم قد فرض عليكم، وكأنّ الذي فرض عليكم قد وضع عنكم. فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة الحياة ما يرجى من رجعة الرّزق، فإنّ ما فات اليوم من الرّزق يرجى غدا ارتداده «٣» ، وما فات أمس من العمر لم ترج اليوم رجعته.
[٦٦١]- خطب محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن بن الحسن بن عليّ الخارج مع أبي السرايا، فقال:- وكان أبو السرايا قد انتهب قصر العباس بن موسى بن عيسى- أما بعد، فإنّه لا يزال يبلغني أنّ القائل منكم يقول: إنّ بني العباس فيء لنا نخوض في دمائهم، ونرتع في أموالهم، ويقبل قولنا فيهم، وتصدّق دعوانا عليهم. حكم بلا علم وعزم بلا رويّة. عجبا لمن أطلق بذلك لسانه أو حدّث به نفسه. أبكتاب الله أخذ، أم لسنّة رسوله ﷺ اتبع؟ أو في ميلي معه طمع، أو بسط يدي له بالجور أمّل؟ هيهات هيهات، فاز ذو الحقّ بما نوى، وأخطأ طالب ما تمنّى، حقّ كلّ ذي حقّ في يده، وكل مدّع
стр. 2493
على حجّته. ويل لمن اغتصب حقّا وادّعى باطلا، وأفلح من رضي بحكم الله تعالى، وخاب من أرغم الحقّ أنفه. العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون.
حقّ لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر، ولمن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الحقّ. كلّ نفس تسمو إلى همّتها، ونعم الصاحب القناعة. أيها الناس، إنّ أكرم العبادة الورع، وأفضل الزّاد التقوى، فاعملوا في دنياكم، وتزوّدوا لآخرتكم، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
(آل عمران:
١٠٢) . وإيّاكم والعصبية وحميّة الجاهلية، فإنهما يمحقان الدين، ويورثان النفاق، خلّتان ليستا من ديني ولا دين آبائي «١» . وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
(المائدة: ٢) ، يصلح لكم دينكم، وتحسن المقالة فيكم. الحقّ أبلج، والسبيل نهج، والباطل لجلج، والناس مختلفون، ولكلّ في الحقّ سعة. من حاربنا حاربناه، ومن سالمنا سالمناه. الناس جميعا آمنون إلا رجلين: رجل نصب لنا نفسه وأعان علينا بماله، ولو شئت أن أقول، ورجل قال فينا يتناول من أعراضنا، قلت، ولكن حسب امرىء وما اكتسب، وسيكفي الله الظالمين.
[٦٦٢]- خطبة تنسب إلى يزيد:
أيّها الناس، سافروا بأبصاركم في كرّ الجديدين، ثم أرجعوها كليلة عن بلوغ الأمل، فإنّ الماضي عظة للباقي، ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز فتنقطع حجّتكم في موقف الله سائلكم فيه ومحاسبكم على ما أسلفتم. أيها الناس، أمس شاهد فاحذروه، واليوم مؤدّب فاعرفوه، وغدا رسول فأكرموه، وكونوا على حذر من هجوم القدر. أعمالكم تطلق أبدانكم «٢» ، والصراط ميدان يكثر فيه
стр. 2494
العثار، فالسالم ناج، والعاثر في النار.
[٦٦٣]- خطب محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله فقال:
الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأومن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحقّ داعيا، وبالعدل آمرا، وبالجنة مبشّرا، ومن النار منذرا، وبلّغ رسالته، وجاهد من عند عن سبيل ربّه حتى أكمل الله له دينه، وأظهر حجّته، وصلّى الله عليه وعلى آله كما صلّى على إبراهيم وآل إبراهيم. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحضّكم على طاعة الله، وأرضى لكم ما عند الله، فإنّ تقوى الله أفضل ما تحاثّ الناس عليه وتداعوا إليه، وتواصوا به، فاتّقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيرا لأنفسكم، ولا تغرّنّكم الدنيا فإنها غرّارة، مغرور من اغترّ بها، ألا ترونها لم ترفع أحدا إلا وضعته؟ ولم تعزّ جبّارا إلا أذلّته؟ ولم تذق أبناءها من حلاوتها إلا أعقبتهم سمّا قاتلا وذعافا موبيا؟ قد أعدّت لهم مصارع الردى ومدارج التلف لطول الحسرة والندامة، يوم تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
(الحج: ٢) . فلمثل هذه تسعون، وفي مثلها ترغبون، وإليها تركنون، ولها تجمعون، وأنتم ترون مصارع الملوك الذين كانوا أطول منكم أعمارا، وأكثر منكم أموالا وأعتد عتادا فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
(القصص: ٥٨) . فاحذروها كما حذّركم الله فإنّها بالموضع الذي وضعها الله، والصفة التي وصفها، قال الله وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
(الكهف: ٤٥) ، وقال : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
(الشعراء:
стр. 2495
١٢٨- ١٣٠) . فاعملوا عباد الله لدار المتّقين، فإنّ الدار الآخرة هي الحيوان «١» ودار المقامة التي لا يمسّ أهلها فيها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب.
٦٦٤- خطب المأمون فقال: اتّقوا الله عباد الله وأنتم في مهل، بادروا الأجل ولا يغرنّكم الأمل، فكأن بالموت وقد نزل، فشغلت المرء شواغله، وتركت عنه بواطله، وهيّئت أكفانه، وبكاه «٢» جيرانه، وصار إلى المنزل الخالي بجسده البالي، قد فارق الرفاهية وعاين الداهية، فوجهه في التراب عفير، وهو إلى ما قدّم فقير.
خطب لابن نباتة
[٦٦٥]- الحمد لله الذي علا في ارتفاع مجده عن أعراض الهمم، وخلا باتساع «٣» رفده عن اعتراض التّهم، وجلا قلوب أوليائه بينابيع الحكم، وهداهم بنور اجتبائه لأرشد نعم، أحمده على صنوف النّعم، حمدا تضيق بإحصائه الكلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تشفي القلوب من السقم، وتكفي المرهوب من النّقم «٤» ، وأشهد أنّ محمدا ﷺ عبده ورسوله، نقله في أطهر صلب ورحم، واختصّه بأحمد الأخلاق والشّيم، وأرسله إلى العرب والعجم، وجعل أمّته خير الأمم، فشفى الأسماع من الصّمم، ووفى بالعهود والذّمم، ونفى بنوره حنادس الظّلم، صلّى الله عليه وعلى أهل بيته «٥» أهل الفضل
стр. 2496
والكرم. أيها الناس، ما أسلس قياد من كان الموت جريره، وأبعد سداد من كان هواه أميره، وأسرع فطام من كانت الدنيا ظئيره، وأمنع جناب من أصبحت التقوى ظهيره. فاتّقوا الله عباد الله حقّ تقواه، وراقبوه مراقبة من يعلم أنّه يراه، وتأهّبوا لو ثبات المنون، فإنّها كامنة في الحركات والسّكون، بينما المرء مسرورا بشبابه، مغرورا بإعجابه، مغمورا بسعة اكتسابه، مستورا عنه ما خلق له بما يغرى به، إذ سعّرت فيه الأسقام شهابها، وأعلقت به ظفرها ونابها، فسرت فيه أوجاعه، وتنكّرت عليه طباعه، وأظلّ رحيله ووداعه، وقلّ عنه منعه ودفاعه، فأصبح ذا بصر حائر «١» ، وقلب طائر، ونفس غابر «٢» ، في قطب هلاك دائر، قد أيقن بمفارقة أهله ووطنه، وأذعن بانتزاع روحه من بدنه، فأومأ إلى حاضر عوّاده، موصيا لهم بأصغر «٣» أولاده، والنفس بالسياق تجذب، والموت بالفواق «٤» يقرب، والعيون لهول مصرعه تسكب، والحامّة تعدّد عليه وتندب، حتى تجلّى له ملك الموت- صلّى الله عليه- من حجبه، فقضى فيه قضاء أمر به، فعافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وزوّد من ماله كفنا، وحصل في الأرض «٥» بعمله مرتهنا، وحيدا على كثرة الجيران، بعيدا على قرب المكان، مقيما بين قوم كانوا فزالوا، وجرت عليهم الحادثات فحالوا، لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقال لقالوا، قد شربوا من الموت كأسا مرّة، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرّة، وآلى عليهم الدهر أليّة برّة، ألّا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرّة، كأنهم لم يكونوا للعيون قرّة، ولم يعدّوا في الأحياء مرّة، أسكتهم والله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجدّهم كما أخلقهم «٦» ، ويجمعهم بعد ما
стр. 2497
فرّقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنّم وقودا، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
(آل عمران: ٣٠) . جعلنا الله وإيّاكم ممّن قدر قدره، فقبل أمره، وأدام في الخلوات ذكره، وجعل تقوى عالم الخفيّات ذخره، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
سمعت هذه الخطبة على الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن نبهان الغنوي الرقّي مع غيرها من خطب ابن نباتة، وما رأيت مخبرا أعرف منه بما يقرأ عليه، كان يحفظ خطب ابن نباتة كأنما يقرأها من كفّه، ويردّ على القارىء من حفظه ولفظه.
وحدثنا من فيه قال: أخبرنا الشيخ الخطيب أبو القاسم يحيى بن طاهر بن محمد بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبي طاهر عن أبيه محمد عن أبيه عبد الرحيم ابن محمد بن إسماعيل الفارقي، قال «١» : لما عملت هذه الخطبة وخطبت بها يوم جمعة، بتّ ليلة السبت فرأيت فيما يرى النائم كأنّي بظاهر مدينة ميافارقين عند الجبّانة، ورأيت بين المقابر جمعا كثيرا، فقلت: ما هذا الجمع؟ فقال لي قائل:
هذا النبيّ ﷺ ومعه الصحابة، فقصدته لأسلّم عليه، فلما قربت منه التفت فرآني فقال: أهلا ومرحبا يا خطيب الخطباء، كيف تقول- وأومأ إلى القبور- فقلت كأنهم لم يكونوا للعيون قرّة، ولم يعدّوا في الأحياء مرة، أسكتهم والله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجدّهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرّقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنّم وقودا، يوم تكونون شهداء على الناس- وأومأت إلى الصحابة، وأومأت إلى النبي ﷺ ويكون الرسول عليكم شهيدا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً
стр. 2498
وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
. قال: فقال لي النبي ﷺ : احسنت لا فضّ الله فاك، ادنه ادنه، قال: فدنوت منه فأخذ وجهي فقبّله وتفل في فيّ وقال: وفقك الله. فانتبهت من النوم وبي من السرور ما يجلّ عن الوصف، وأخبرت أهلي بما رأيت، وبقيت بعد هذا المنام لا أطعم الطعام ولا أشتهيه، وكان يوجد في فمي مثل رائحة المسك.
قال شيخنا أبو القاسم رحمة الله عليه: ولم يبق بعد هذا المنام إلّا قليلا «١» حتى توفي- رحمة الله عليه- وله دون الأربعين سنة.
٦٦٦- ومن خطبة:
الحمد لله ناقض عزائم المخلوقين بإبرام عزمه، وقابض خزائم أنفس الآبقين لإلزام حكمه، وحالّ عقد الشبهات عن بصائر أهل ودّه، وفالّ عدد ذوي الرغبات عن محجّة قصده، أحمده حمدا يستوجبه فضله، وأعلم أنّ اختلاف مقاديره عدله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أجدّد بها في مقام مقالا، وأمجّد بها ذا الجلال والإكرام تعالى، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله والحقّ خافية صواه، واهية قواه، حلّ حرمه، فلّ عصمه، طامسة أعلامه، دارسة أحكامه، منكورة أيامه، مبتورة أوذامه، فأقدم ﷺ على إظهاره ونصرته، وأعلم في أنصاره وأسرته، وناصح لله في تشييد ملّته، وكافح أعداءه على الإقرار بوحدانيّته، حتى دكّ رعان البهتان فأصحرها، وفكّ أركان الطغيان فدمّرها، وأطلع شمس اليقين وندب إليها، وشرع شرائع الدّين فأوضحها لديها، صلّى الله عليه وعلى آله صلاة تسوق ثوابه بين يديها، وتؤمّن عقابه من أمّن من العالمين عليها.
أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا النحيب على ابيضاض اللّمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاض النّعم، واجتلوا الأفكار في انقراض الأمم،
стр. 2499
الذين كانوا من قبلكم في الأرض قاطنين، وعلى مهاد الخفض مستوطنين، وبعهود الأيّام واثقين، وإلى غايات الأماني سابقين، ممّن تبوّأ عرعرة دهر أصبحتم بحضيضه، وتملّى صفو زمان جاد عليكم بقروضه، حتى إذا استحكمت فيهم طماعية التخليد، واستولت عليهم رفاهية التمهيد، وقادوا الخليقة بأزمّة الرّغب والرّهب، وسارت بهم الدنيا مسير التقريب والخبب، وعموا عن مناصب أشراك جدّها في مراعي اللّعب، ولهوا عما يدلّ عليه الاعتبار فيها من سوء المنقلب، رغا في وسط ديارهم سقب العطب، وأعدى فيهم الهلاك إعداء الجرب، وأوقعت بهم المنون إيقاع الغضب، وأدّت إليكم الأيام من أخبارهم أنواع العجب، سحبت عليهم الهوج أذيال نقائمها، وحلبت عليهم المنون سجال غمائمها، فأضحوا رهائن أجداث موصدة، وودائع قبور ملحدة، ذهبوا والله فلم يرجعوا، وندبوا فلم يسمعوا، وأزعجوا فلم يمنعوا، واستضيموا فلم يدفعوا، أتراهم رضوا بدار الغربة دارا، أم آثروا قرار الوحشة قرارا؟ لا والله ما اختاروا فرقة الأحباب، والكون تحت أطباق التراب، ولكن صال عليهم القضاء فأطرقوا، وطال عليهم العفاء فأخلقوا، واتفقت عليهم الحادثات فتفرقوا، وأعنقت إليهم المثلات فتمزّقوا، فليت شعري ماذا قيل لهم وماذا لقوا؟ أسعدوا بمكتسبهم في الآخرة أم شقوا؟ فهلمّ عباد الله إلى محاسبة النفوس، قبل مواثبة النّحوس، ومقارنة الرّموس، ومعاينة اليوم العبوس، يوم غضّ الرؤوس، وفضّ الطّروس، والفحص عن المحسوس والملموس، بين يدي الملك القدّوس يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ، وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
(الفرقان:
٢٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا
(المزمل: ١٤) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ، فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
(الإسراء: ٧١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
(الإسراء: ٥٢) . طيّبنا الله وإيّاكم بطيب كتابه، وأدّبنا وإيّاكم بآدابه، ووفّقنا وإياكم للأخذ بصوابه، ووفّقنا وإيّاكم عند ما
стр. 2500
أمرنا به، إنّ أولى ما اهتديتم بإرشاده، وأحقّ ما صدّقتم بوعده وإيعاده، كلام من جعلكم من خير عباده، ويقرأ فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ ...
الآية.
٦٦٧- خطبة له أخرى يذكر فيها الشيب:
الحمد لله المدرك المقيت، المهلك المفيت، المنشر المميت، مالك أزمّة الجمع والتشتيت، الذي فات حدود الأوصاف والنعوت، واحتجب عن الأبصار بعزّ الملكوت، سبحانه له الخلق خضوع قنوت، وهو الواحد الحيّ الذي لا يموت، أحمده حمدا يمري سبل عهاد رزقه، ويوري شعل زناد الشكر في خلقه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة كرّ على اللسان لفظها، وقرّ في مقرّ الجنان حفظها، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بوجه طلق، ولسان ذلق، وشرع صدق، ودين حقّ، فصدّ عن سبيل الهلكة، وأمدّ باليمن والبركة، حتى صارت الكلمة سددا، والأمّة في الحقّ شرعا أحدا، صلّى الله عليه وعلى آله صلاة لا تنقطع عددا، ولا تنقضي أبدا. أيها الناس، إنّ ضياء نهار المشيب في إظلام ليل اللّحى والرؤوس، حقّق عند الفطن اللبيب قرب انهدام القوى واخترام النفوس، ذلك صباح ما بعده ليل ينتظر، واجتياح لا ملجأ منه ولا وزر، وضيف على رغم المضيف واغل، وسيف لموصول الحياة فاصل، ونور طالع بأفول النسم، ومنشور بالاشخاص إلى محلّ الرّمم، فلا تحرقوا- رحمكم الله- نور مشيبكم بنار ذنوبكم، وارمقوا غير الحوادث بأبصار قلوبكم، تركم ما خفي عنكم من عيوبكم، فكما حلّ بكم من المشيب ما تكرهون، فكذلك يحلّ بكم الموت، أفلا تنتهون؟! ألا وإنّ الشيب ثغر الحياة الذي لا يمكن سداده، وكسر القناة الذي لا يصلح الدّهر فساده. فيا معشر الشيوخ هل بعد ابيضاض الزرع إلا حصاده؟ ويا معشر الكهول ما تنصّف من الثمار آن جداده، ويا معشر الشباب كم من زرع أباده قبل البلوغ قمله وجراده، إن هي إلا ترجمة الأحداث عن حتم الفناء، آثارها في الأجسام آثار الهدم في البناء. فما بقاء من صحّته في دنياه سقمه، وغنيمته من الحياة غرمه، ومقامه فيها سفر، وأيامه بتقلّبها عبر، تريه إعطاء ما تسلبه، وبناء ما تخرّبه،
стр. 2501
وبعيدا ما تقرّبه، وعتيدا ما تجنّبه. فيا عجبا لمأمور بالتزوّد قد حان سفره، وأقام من تقدّمه عليه ينتظره، وهو خليّ من التأهّب لرحلة تذكّره، مع صحّة علمه أنّ المنيّة لا تؤخّره. فرحم الله امرءا أهمّه «١» معاده، وتقدّمه زاده، وكان إلى التقوى انقياده، ولهواه جهاده، قبل إخلاق الجدّة، وإنفاق المدّة، وانهدام العدّة، واقتحام الشدّة، قبل هطلان الرّحضاء، وبطلان الأعضاء، وضيق رحب الفضاء، وحيرة الفتور والإغضاء، لورود حتم القضاء، هنالك صالت «٢» عليك بسطوتها شعوب، وحالت عن سجيّتها اللعوب، ورقّت لكرب سياقك القلوب، وشقّت على قرب فراقك الجيوب، وطلعت سافرة عن صفحتها المخدّرة العروب، إذ حان منك في ظلمات التّراب غروب. فأنيبوا أيها الغافلون إذ كنتم موقنين أنّكم صائرون إلى هذا المصير، وأذيبوا جامد الدموع بنيران الزّفير، وأطيبوا التزوّد لوشك المسير، واستجيبوا لربّكم من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله، ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير. جعلنا الله وإياكم ممّن أدّبته العبر، وهذّبته الفكر، فأملت عليه غرر الأمور أنباء عواقبها، وتجلّت له ستر المحذور عن لألاء قواضبها، فاستعظم في بقية عمره ادّخار الحسنات، واستعصم بهضبة الحقّ من شرّ ما هو آت. إنّ أحسن نظم اللاقط ونثره، وأبلغ وعظ الواعظ وزجره، كلام من تطمئنّ القلوب بذكره.
ويقرأ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
(النحل: ٧٠) .
[٦٦٨]- ومن خطبة لقطريّ بن الفجاءة المازني الخارجي:
стр. 2502
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
(هود: ١٥) . ألا فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها عما قليل، فإنّها كما وصفها من أنشأها، وكما ذمّها من ابتدأها، فقال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
(الكهف: ٤٥) . من ذمّ الله أعمالهم كيف حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا ينزلون ضيفانا، وجعل لهم من الضّريح أكفانا، ومن التراب أكنانا، ومن الرّفات جيرانا، فهم جيرة وهم أبعاد، متناؤون لا يزورون ولا يزارون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى دفعهم، ولا يرجى منعهم، كما قال الله : وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً
(مريم: ٩٨) ، وقال ﵎: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
(القصص: ٥٨) ، استبدلوا بظهر الأرض بطنها وبالسّعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنّور ظلمة، فجاوروها كما فارقوها، حفاة عراة فرادى، غير أنّهم ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى خلود الأبد، فكانوا كما قال الله : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ،
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ*
(الأنعام: ٦٢، القصص: ٧٥) ، فاحذروا ما حذّركم الله، فإنه قد أعذر وأنذر، ووعد وأوعد لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
(النساء: ١٦٥) يقولوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
(طه: ١٣٤) .
عصمنا الله وإيّاكم بطاعته، ورزقنا وإيّاكم أداء حقّه.
[٦٦٩]- قال مالك بن دينار ﵁: غدوت إلى الجمعة، فقعدت قريبا من المنبر، فجاء الحجاج فصعد المنبر، فذكر الله وحمده ومجّده وأثنى عليه،
стр. 2503
وصلّى على محمد نبيّه ثم قال: امرؤ تزوّد «١» عمله، امرؤ حاسب نفسه، امرؤ فكّر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ميزانه، امرؤ كان عند قلبه زاجر وعند همّه ممسك، امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصيته كفّه.
٦٧٠- خطبة منبرية من إنشاء علي بن نصر الكاتب:
الحمد لله الذي برأ الخلائق تفضّلا، وجعل من الملائكة رسلا، وانتخب من عباده صفوة أنزل عليهم وحيه، وحمّلهم أمره ونهيه، وابتعثهم مبشّرين، وأرسلهم منذرين، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بيّنة، وإنّ الله لسميع عليم، جلّ عن الأشباه والأنداد، وتقدّس عن الصواحب والأولاد، وعزّ عن الإدراك بالجوارح، وتنزّه عن الظّلم والقبائح، وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا، ذو العلم المحيط بكلّ شيء، والقدرة القابضة لنفس كلّ حيّ، والعزّة المالكة لكلّ قلب، والرحمة الواسعة لكلّ ذنب.
أحمده منعما لا يأس من رحمته، وأعوذ به منتقما لا ملجأ من سطوته، وأستعينه ناصرا لا غالب لجنده، وأومن به مصدّقا لقوله ووعده.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تجبر نقائص الأعمال، وتغفر خطايا الأقوال والأفعال، وتكون زادا للسفر إليه، وعتادا ليوم العرض عليه. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، انتخبه من أكرم أرومة ولباب، ونقله في أطهر متون وأصلاب، حتى برز والأنوار تضيء بين يديه، والشواهد تنمّ إلى قلوب ذوي الإيمان عليه، فما زال مقبولا محبّبا، ومتبوعا مرحّبا، نطقه الحمد والاستغفار، وشعاره السّكينة والوقار، إلى أن دنا الأمد المضروب لإظهاره، وبلغ الأجل المكتوب في إنذاره، فأرسله- صلّى الله عليه- على حين فترة امتدّت أشطانها، وفتنة تمرّد شيطانها، حين فتحت الغواية أبوابا، واتّخذت الأصنام
стр. 2504
أربابا، وافتريت على الله الأباطيل، وعبدت دونه الصّور والتماثيل، فجهر بكلمة الصّدق، وصدع بدعوة الحقّ، ودلّ على الدين القويم، وهدى إلى الصراط المستقيم، حتى بدا الإسلام مشرقا، واستنبط الكفر نفقا، وظهر أمر الله وهم كارهون. ﷺ ، وشرّف وكرّم، صلاة دائمة تلاقيه وتصافحه، وسلاما يغاديه ويراوحه، وشرفا ينمي إذا ذوت الحدائق، وكرامة تبقى إذا فنيت الخلائق، وعلى أهل بيته وناصريه، وصحابته ومؤازريه، وذوي الرتبة الفائتة للمساعي، والدرجة العالية عن المرعيّ والراعي.
أوصيكم عباد الله وإيّاي بتقوى الله، وأحذّركم الدنيا فإنها منزل مكر وأطماع، ودار غرور وخداع، وطريق ميل واعوجاج، ومحلّ قلعة وانزعاج «١» ، درّتها مقطوعة، ونفرتها ممنوعة، وعقدها مجذوذ، وعهدها منبوذ، بينا هي مقبلة حتى تدبر، ومستأنسة حتى تنفر، ومسعدة حتى تخذل، ومصحبة حتى تحرن، صحّتها أسقام، ولذّتها أحلام، ونعيمها بوس، وأسعدها «٢» نحوس، من سكن إليها فتنته، ومن اعتمد عليها أسلمته، ومن همّت باقتناصه استهوته، ومن نهيت عن اعتباطه أهرمته، المرء فيها حليف هموم وأشجان، وأليف غموم وأحزان، وطليح نصب ولغوب، وطريح نوب وخطوب، فالسعيد من فقه أغراضها، والسّليم من كره أعراضها، والعزيز من زهد في عاجلها، والنّزيه من صدف عن باطلها، عالما بعظم عنائها، وموقنا بوشيك انقضائها، ومنقطعا عنها إلى ربّه، بخلوص من سريرته وقلبه، يسهر ليله اعتبارا، ويسكب دمعه حذارا، ويفني وقته استغفارا، قد أيقن بسرعة المنقلب، وتحقّق ألّا وزر ولا مهرب، فهو يرهب الفارط من الإجرام، ويفرق الواقع من الانتقام، فذلك المكتوب من الخائفين، وعسى أن يكون من المفلحين، والشقيّ من اغترّ بتعاليلها، واستمرّ في غيّها وأضاليلها، وصبا إلى خضراء دمنها، ولها عن طارق لأوائها ومحنها،
стр. 2505
واستغزر الحلب من أخلافها، واستمرأ العذب من نطافها، لا يرى لها انقطاعا، ولا يخشى على درّتها مصاعا، فهو على لذّاتها منهمك، وبحبال خدعها متمسّك، يسحب فيها ذيل الأشر الخليع، وينقاد إليها انقياد المؤتمر المطيع، نومته على السّكر والمزمار، وصبحته على النّشوة «١» والخمار، لا يلتفت إلى نوبها التي أقرحت الجفون، ومناياها التي أفنت القرون، ولا يرى عليه من أجله رقيبا، ووراءه من خالقه طليبا، ينتزعه من يد الناصر ولا يجد امتناعا، ويسلبه لفتة الناظر فلا يستطيع دفاعا، فذاك المعدود من الأخسرين أفعالا، والمحسوب من الأضلّين أعمالا.
فاتّقوا الله عباد الله حقّ تقاته، واعتدّوا لدنوّ الأجل وميقاته، واعملوا لقبر لحده مظلم، وسفر يخاف فيه سوء المقدم، واحذروا الموت قبل التوبة، وعضّ الأنامل يوم الأوبة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
(الشعراء: ٨٨- ٨٩) . جعلنا الله وإيّاكم ممن ائتمر وازدجر، وعلم واستبصر، واعتبر وتذكّر، واستقال واستغفر، استغفروا الله لي ولكم ولسائر «٢» المسلمين.
стр. 2506
نوادر الخطب
[٦٧١]- خطب وال باليمامة فقال: إنّ الله لا يقارّ عباده على المعاصي، وقد أهلك أمة عظيمة في ناقة ما كانت «١» تساوي مائتي درهم، فسمّي مقوّم الناقة «٢» .
[٦٧٢]- خطب عديّ بن وثّاب فقال: أقول كما قال العبد الصالح: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
(غافر: ٢٩) . قالوا: ليس هذا قول عبد صالح إنما هو قول فرعون، قال: من قاله فقد أحسن.
[٦٧٣]- صعد بعض الأعراب على المنبر في عمله «٣» يخطب، فقال: والله إن أكرمتموني أكرمتكم، وإن أهنتموني أهنتكم، ولتكوننّ أهون عليّ من ضرطتي هذه، ثم ضرط.
[٦٧٤]- ولّى المهلب بعض الأعراب كورة بخراسان، وعزل واليا كان بها، فلما وردها الأعرابيّ وصعد المنبر حمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس
стр. 2507
اقصدوا لما أمركم الله تعالى به، فإنه رغّبكم في الآخرة الباقية، وزهّدكم في الدنيا الفانية، فرغبتم في هذه ونبذتم تلك، فيوشك أن تفوتكم الفانية، ولا تحصل لكم الباقية، فتكونوا كما قال الله: لا ماءك أبقيت ولا حرك أنقيت، واعتبروا بهذا المعزول عنكم كيف سعى فصار ذلك إليّ على رغم أنفه، وصار كما قال في محكم كتابه: [مجزوء الخفيف]
انعمي أمّ خالد ... ربّ ساع لقاعد
[٦٧٥]- قال الأصمعي: ولي أعرابيّ تبالة، فصعد المنبر فلم يحمد الله ولم يثن عليه، ولم يصلّ على النبي ﷺ ، وقال: إنّ الأمير أعزّه الله ولّاني بلدكم، وإني والله ما أعرف من الحقّ غير مقدار سوطي، وإني لا أوتى بظالم ولا مظلوم إلا أوجعته ضربا. فكانوا يتعاطون الحقّ بينهم ولا يترافعون إليه.
٦٧٦- ولي العلاء بن عمرو بلاد سارية، وكان جائرا، فأصاب الناس القحط، وأمسكت السماء مطرها، فخرجوا يستسقون، وصعد العلاء المنبر فقال في دعائه: اللهم ارفع عنّا البلاء والغلاء. فوثب معتوه كان بها فقال:
والعلاء، فإنه شرّ من الغلاء، وأغلظ من جميع البلاء. فضحك الناس وخجل العلاء وانصرف.
٦٧٧- استعمل المنصور سلما «١» الكلبيّ- وكان أخاه من الرضاعة- على الريّ، وكان أعرابيّا، فاستعمل أخاه ناصحا على أذربيجان، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم اجعل بصري في طاعتك بصر الصقر، وقوّتي في مرضاتك قوّة النمر، وعمري في محبّتك عمر النسر، اللهم أصلح أمير المؤمنين
стр. 2508
صلاحا «١» ، وأمتع به متاعا يا هناه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ ثم نزل.
فأتاه نعي ابنه فأظهر الجزع وأرجف به أهل عمله، فصعد المنبر وقال: أيها الناس أظننتم أنّ موت ابني كسرني؟ فو الله ما كنت قطّ أجرأ على الله وعليكم مني الساعة، فأدّوا خراجكم. فبلغ المنصور ذلك، فوجّه إليه فعزله.
٦٧٨- خطبة في الطلاق، لبعض الظرفاء:
الحمد لله الذي جعل في الطلاق اجتلابا للأرزاق، فقال تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
(النساء: ١٣٠) ، أوصيكم عباد الله بالقساوة «٢» والملالة، والتجنّي والجهالة، واحفظوا قول الشاعر: [من الخفيف]
اذهبي قد قضيت منك قضائي ... وإذا شئت أن تبيني فبيني
٦٧٩- خطبة نكاح لبعض الظرفاء:
تعاهدوا نساءكم بالسبّ، وعاودوهنّ بالضّرب، وكونوا كما قال الله تعالى:
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ
(النساء: ٣٤) واضربوهنّ، ثم إنّ فلانا في خمول نسبه، ونقصان أدبه، خطب إليكم فازهدوا فيه، فرّق الله بينهما، وعجّل لهما حينهما.
[٦٨٠]- خطب رجل خطبة نكاح فأطال، فقام بعض القوم فقال: إذا فرغ هذا فبارك الله لكم، فعليّ شغل.
[٦٨١]- حصر عبد الله بن عامر على منبر البصرة، فاشتد جزعه، فقيل إنّ
стр. 2509
هذا مقام صعب فامتحن فيه غيرك، فأمر وادع «١» بن مسعود أن يصعد ويخطب، فلما ابتدأ الكلام حصر فقال: لا أدري ما أقول لكم، ولكن أشهدكم أنّ امرأتي طالق، فهي التي أكرهتني على حضور الصلاة.
ثم أمر آخر فصعد المنبر ونظر إلى أصلع، فقال: اللهمّ العن هذه الصلعة.
[٦٨٢]- خطبة خطبها القاضي أبو بكر ابن قريعة في دار أبي إسحاق الصابي:
الحمد لله الذي تيّن فوزّر، وعنّب فرزّق، ورطّب فسكّر، وخوّخ فشطّب، وكمثر فخثر، ومشمش فصفّر، وبطّخ فعسّل، وتفّح فعطّر، وموّز فأنضج، ودقّق فجوّز، وجردق فسمّذ، وبورد فكثّر، وسكرج فلوّز، وملّح فطيّب، وخلّل فسفتج، وخردل فحرّف، وبقل فخضّر، وقثّأ فدقّق، وبورن فنعّم، ومصّص فحمّض، وطجّن فجفّف، وسنبس فثلّث، وسكبج فزعفر، وهرّس فصولج، وبصّل فعقّد، وسبذج فصعّد، وسمّق فمزّز، وطبهج فحرّف، وبيّض فعجّج، وجدّا فرضّع، وبطّط فسمّن، ودجّج فصدّر، وفرّخ فشام، وحبّب فبزّر، وجوذب فخشخش، ورزّز فألبن، وخبّص فلوّز، وفلذج فحمّر، وقطّف فعرّف، ولوزج فسكّر.
أحمده على الضّرس الطحون، والفم الجروش، والحلق البلوع، والمعدة الهضوم، والسفل النّثور، والذكر القؤوم، والغداء والعشاء، والفطور والسحور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق السموات ومحلّل
стр. 2510
الطيّبات، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، مبيح المحلّلات، وحاظر المحرّمات.
وإنّ أبا إسحاق إبراهيم بن هلال، أرشده الله، أطعمنا فصدرنا، وماهنا فأثلجنا، وسقانا فروانا، ومدّ ستارته فأسمعنا وأطربنا، واستنشدناه فأنشدنا، واستحدثناه فحدّثنا، فارفعوا أيديكم إلى الله عباد الله، فالدعاء له بما يردّ ثواب فعله إليه، ويسهّل الدعوة الثانية عليه، إنّه قريب مجيب، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
آخر باب الخطب والحمد لله وحده ويتلوه إن شاء الله باب المكاتبات والرسائل وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
стр. 2511
الباب الحادي والثلاثون في المكاتبات والرسائل
стр. 2512
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مجزل العطايا والقسم، منزّل البلايا والنّقم، معلّم الإنسان بالقلم «١» ، خصّه منه بأنواع المنافع والفوائد، وجعل الغائب به في حكم الشاهد، يرى به البعيد النائي كالقريب الداني، ويبرز ما في الضمير، مستغنيا عن الوسيط والسّفير، زاد على فضيلة اللسان بأن ناجى القاصي كمناجاة الداني، وبما له من الضبط الباقي على الحقب والأزمان يجمع المتفرّق ويحصره، وينبّه النّاسي ويذكّره، لولاه تلاشت العلوم بالنسيان الإنسيّ، ولم يحو «٢» نشرها الفكر البشريّ، وضاعت الحقوق المضبوطة بالأشهاد، ولم يقم بآدابها قلب حافظ ولا فؤاد، وأبلاها طول التقادم، وأنساها السهو الموكول بهذا العالم.
اللهم فكما واليت علينا من إحسانك، فلا تؤاخذنا بالتقصير في شكر امتنانك، واجعل لنا في كلّ نعمة آتيتنا حظّا يدنينا من عفوك ورضوانك، وصلّ على محمد النبيّ الأبيّ الذي منعته الشعر والكتاب، وآتيته الحكمة وفصل الخطاب، وجعلت علمه بالأوّلين والآخرين مع عدمهما من دلائل نبوّته وخصائص رسالته، وجمعت له بذاك معاني الإعجاز والبراهين، وتكذيب من قال: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ*
(الأنعام: ٢٥) «٣» . وصلّى الله على محمد وآله الغرّ الميامين «٤» .
стр. 2513
الباب الحادي والثلاثون في المكاتبات والرسائل
٦٨٣- الرسائل والمكاتبات أبسط من الشّعر مقالا، وأفسح مجالا، وإن كان أربابها أقلّ عددا فإنّهم أشرف محلا ومحتدا، وقد ذكر الصابي الفرق بين المترسّل والشاعر فأجاد، وحكم فأنصف، وسأذكر رسالته هذه في أثناء الباب.
وقد اقتصرت على ما تضمن «١» معنى بديعا، ولفظا فصيحا، أو سيرة معربة، أو قضية معجبة، وتجنّبت الإكثار إذ كان استقصاء فنونها واستغراق فصولها يحتاج إلى كتاب مفرد، ويكون وإن أطيل مختصرا. وكانت القدماء توجز المكاتبات وتختصرها، وتقنع من الألفاظ بمبلغها، وترى الإطالة عجزا والإيجاز إعجازا، ولذلك قال يحيى بن خالد لأولاده «٢» : إن استطعتم أن تكون كتبكم كلّها توقيعات فافعلوا. وعدل الناس الآن إلى الإسهاب، واعتاضوا عن البلاغة بالتفريع في الألفاظ، فمن البليغ الموجز ما قال الله «٣» حكاية عن كتاب سليمان ﵇: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
(النمل: ٣٠- ٣١) .
стр. 2514
[٦٨٤]- وكانت كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك وغيرهم كلّها مختصرة، وهو ﷺ الذي لا خلاف في فصاحته عند المقرّ والجاحد، بلسانه نزل «١» القرآن بلسان عربيّ مبين.
كتب إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغسانيّ، صاحب دمشق: سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله، فإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك.
وكتب إلى أبرويز بن هرمز ملك فارس: من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلى الناس كافّة لينذر من كان حيّا، أسلم تسلم، وإن أبيت فعليك إثم المجوس.
فهذا ونحوه ما كان يكتب عنه ﷺ ، ومكاتبات الصدر الأوّل على هذا النمط كانت، إلا ما يتضمن بلاغا أو حجاجا، فيكون الإسهاب فيه أنجع وأوقع، وقد مضى في هذا الكتاب من كتبهم المختصرة وفقرهم ما تجده متفرّقا في أماكنه اللائقة به.
٦٨٥- وقد كتب بعضهم إلى متلوّم مترجّح بين الطاعة والمعصية:
أما بعد، فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فاعتمد على أيتهما شئت.
فهذا غاية الإيجاز مع قوة الإعذار في الإنذار.
стр. 2515
[٦٨٦]- وكتب عبد الحميد بن يحيى عن مروان بن محمد إلى أبي مسلم كتابا يدعوه إلى الطاعة ويخوّفه عاقبة الفتن يحمل على جمل من حجمه، وضمن إن قرأه وسمعه من يطيف به أنه يعود إلى الطاعة أو تتفرّق كلمتهم، وهذا عكس الأوّل في الإطناب والإطالة. واعتمد أبو مسلم على إحدى الرّجلين وبالغ في الإيجاز، فلم يقرأ الكتاب وأعاده وكتب عليه: [من الطويل]
محا السيف أسطار البلاغة وانتحت ... عليك ليوث الغاب من كل جانب
فإن تقبلوا نعمل سيوفا شحيذة ... يهون عليها العتب من كلّ عاتب
٦٨٧- كتب معاوية إلى أبي موسى بعد الحكومة وهو بمكة عائذ بها من علي ﵇، وأراد بذلك أن يضمّه إلى أهل الشام:
أما بعد، فإنه لو كانت النيّة تدفع خطأ لنجا المجتهد وأعذر الطالب، ولكنّ الحقّ لمن قصد له فأصابه، ليس لمن عارضه فأخطأه، وقد كان الحكمان إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما، وقد اختار القوم عليك، فاكره منهم ما كرهوه منك، وأقبل إلى الشام فهي أوسع لك.
فكتب إليه أبو موسى: أما بعد فإنّي لم أقل في عليّ إلا ما قال صاحبك فيك، إلا أنّني أردت ما عند الله تعالى، وأراد عمرو ما عندك، وقد كان بيننا للمحكوم عليه الخيار، فإنما ذلك في الشاة والبعير، فأما في أمر هذه الأمّة فليس أحد آخذا لها بزمام ما كرهوا، وليس يذهب الحقّ بعجز عاجز ولا مكيدة كايد، فأما دعاؤك إيّاي إلى الشام، فليست بي عن حرم إبراهيم ﵇ رغبة، والسلام.
[٦٨٨]- قيل ثلاثة تدلّ على عقول أصحابها: الكتاب والهدية والرسول.
стр. 2516
٦٨٩- قال زياد: ما قرأت كتاب رجل قطّ إلا عرفت عقله فيه، وما رأيت مثل الرّبيع بن زياد رجلا: ما كتب إليّ كتابا قطّ إلا جرّ منفعة أو دفع مضرّة، ولا سألته عن شيء قطّ إلا وجدت عنده منه علما، ولا ناظرته في شيء إلا وجدته قد سبق الناس فيه، ولا سايرني قطّ فمست ركبته ركبتي.
[٦٩٠]- ومن رسالة لعبد الحميد بن يحيى في الفتنة:
ففي طاعة الأئمة في الإسلام ومناصحتهم على أمورهم، والتّسليم لما أمروا به، حفظ «١» كلّ نعمة فاضلة، وكرامة باقية، وعافية مجلّلة، وسلامة ظاهرة وباطنة، وقوة بإذن الله مانعة، وفي الخلاف عليهم والمعصية لهم ذهاب كلّ نعمة، وتفرّق كلّ كرامة، ومحق كلّ عصمة «٢» ، وهلاك كلّ سلامة وألفة، وموت كلّ عزّ وقوّة، والدعاء لكلّ بليّة، ومقارفة كلّ ضلالة، واتباع كلّ جهالة، وإحياء كلّ بدعة، وإماتة كلّ سنّة، واجتلاب كلّ ضرر على الأمة، وإدبار كلّ منفعة، والعمل بكلّ جور وباطل، وإفناء كلّ حقّ.
وبمعصية خليفة الله لا يزال رجل من المسلمين يضرب بسيفه الذي في يديه سيف أخيه الذي كان يعتمد عليه، ويوهن عضده، ويهدم حصنه، ويقلّ عدده، ويهلك ثروته، وينفرد من ناصره، ويعطب من يدعوه ويفزع إليه، ويكثر بمكانه، ويحرسه من غفلته عن الأعداء إذا غفل، ويكون عينا له من خلفه فلا يزال بالمعصية منهم والاختلاف دم يهراق بغير حقّه، وطفل من أبناء المسلمين قد يتّم من أبيه، ومذلّة قد دخلت عليه، ونعمة قد زالت عنه، ووحشة حدثت، وضغائن في القلوب قد نشبت، وشحناء قد ظهرت، وأوتار
стр. 2517
قد بقيت، وعداوة في الأنفس قد استقرّت، وخوف قد ظهر، وسبل قد قطعت، وامرأة قد أرملت، وصبيّة قد يتّمت، وبلاد عامرة قد خربت، وعدد قد نقص، وبلايا قد عمّت وشملت، وعدوّ قد شمت، ومنافق قد رفع إلى ما كان يؤمّل رأسه، وعدوّ من المشركين قد طمع، وقوي بعد ضعف، وعزّ بعد مذلّة، ورعيّة قد ضاعت، وناعبة قد ولولت، وحميم قد قتل حميمه، ومودة قد صارت عداوة، واجتماع من الأهواء قد عاد إلى فرقة، وأرحام قد تقطّعت.
فانظروا يا معشر المسلمين ماذا تفعل الفتنة والمعصية، وكيف يدبّ الشيطان لها، ويسعى فيها، ويحتال بخديعته ومكره ولطيف «١» مسالكه، حتى يلهبها ويشعلها، ويرفعها من قلّتها «٢» إلى الكثرة، ومن صغرها إلى كبرها، فإنه إنما يبدأ بالطعن على الولاة، ثم يترامى إلى الشّكاة والسخط والغضب، وزيّن لهم القتال، فبلغ الهلاك الأعظم والشرّ الأكبر، بطرف أمر صغير الخطر في الظاهر عظيم البليّة في الباطن، فلا يزال الرجل ينظر منهم إلى قاتل أبيه وأخيه وحميمه وذوي قرابته وأهل مودته، والنافع- كان- له، ثم يحمل العداوة في قلبه، والحقد في نفسه، والضغينة العظيمة عليه، ويستعدّ للنقمة منه، وطلب الذّحل عنده، فتثبت تلك الضغائن في الأبناء بعد الآباء. فانظروا يا أهل الإسلام من أين دبّ الشيطان بلطيف مسالكه، وعلى أيّ شيء ورد، وإلى أيّ أمر ترامى حتى عمّ بالمعصية أهل الإسلام عامة.
[٦٩١]- ومن كلامه- يعني عبد الحميد- في الطاعة: أما بعد، فإنّ الله تباركت أسماؤه، وجلّ ثناؤه، وتعالى ذكره، اختار لنفسه من الأديان والملل كلّها الإسلام، ثم جعل أهله الذين أكرمهم به، واصطفاهم له، خيرته من عباده
стр. 2518
وأهل صفوته، وبعث به إليهم نبيّه ﷺ ، وسمّاهم المسلمين، وهو الذي شرع لساكني سماواته من ملائكته، ولأهل الأرض من أنبيائه، ثم بعثهم به فقال:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى
(الشورى: ١٣) إلى آخر الآية. فبلّغ رسول الله ﷺ رسالات ربّه ونصح لأمّته، ومضى لأمره، وجاهد على حقّه من خالفه وعاداه وابتغى سبيلا غير سبيله، ثم آمن به وصدّقه وعزّزه ونصره، واتّبع النور الذي أنزل معه، وهم يومئذ قليل مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطّفهم الناس كما وصفهم الله ﵎ في كتابه، أمرا رضيه لنفسه ونبيّه، ابتعثه له حتى أتمّ الله الإسلام وكمّله وفضّله وجعله دينه، وأعلم حقّه من شاء من عباده وخلقه، وبيّن لهم أنّه إلههم وربّهم، أمرهم بطاعته، والاعتصام بحبله، والتمسّك بعهده، ثم توكّل لهم بالحفظ والدّفع والنصر والقهر، والظهور على من خالفهم، وابتغى غير سبيلهم، ما حفظوا أمره، وتمسّكوا بطاعته، ووفوا بعهده، والله وليّ الإسلام، والناصر له على عدوّه، ووليّ إعزازه وإظهاره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، قضاء منه بتّا لا مردّ له، وموعدا لا خلف له، وسنّة ماضية في الذين خلوا من قبل وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا*
(الأحزاب: ٦٢، الفتح:
٢٣) . فإنّ الله بعهده ونعمته لم يزل يصنع لهذا الدّين، ويغلب له بالفئة القليلة من أهله الفئة الكثيرة من عدوّه، قضاء منه أوجبه على نفسه، لم يجعل فيه مثنويّة، تصغي إليه أفئدة أهل الرّيبة والشّكّ في أمره، ولكن حتمه على نفسه، وأوجبه لهم في كتابه، وأعلمهم فيه معالم طاعته ومسالك معصيته، ليهلك من هلك عن بيّنة، وإنّ الله لسميع عليم. فدين الله الذي خصّ به أولياءه أوّلهم وآخرهم، تامّ على ما بعث به نبيّه ﷺ ، فإنّ الله ختم به الأنبياء، وقفّى به الرسل، وجعل أمّته خير أمّة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وجعل الله نظام الدّين الذي اختاره لنفسه، وشرعه لمن أكرم من خلقه، فارتضى لتنزيل وحيه من ملائكته، وتبليغ رسالاته من أنبيائه، إلى عباده. وقوامه وعصمته الطاعة التي
стр. 2519
جمع الله فيها شعب الخير وأنواع البرّ ومناقب الفضل، وجعلها واصلة بالإسلام سببا إلى كلّ هدى وفضيلة، واختيارا لكلّ سعادة وكرامة، في عاجل وآجل، مع ما توكّل به من حفظها ومنعها، والذبّ عن حرمتها، والنصر لمن جاهد عليها، والإعلاء لمن أوجبها له من ولاة الحقّ وأنصار الدّين، والإظهار لهم على من خالفهم ونكّب عن سبيلهم، وأراد المفارقة لحقّهم، إلى ما كان أعدّ لحزبها وأوليائها الذين نصرهم الله وأحلّهم- بما لزموا منها وحدبوا عليها من التمسّك بها- في رضوان الله والنعيم المقيم لا تغيير له ولا انقطاع ولا زوال، عطاء من ربك غير مجذوذ. وجعل المعصية شقاء وخسارا وتبارا، وسببا لكل نقص وذلّ وهوان وحسرة، فمن اعتصم بها، وأقام عليها، ودعا إليها، كان من إخوانها والغواة فيها، مع ما يريهم الله في عاجل أمرهم: من إدحاض حجّتهم، وسوء مصارعهم، وقطع مددهم، وتفريق نظامهم، وإزهاق باطلهم، وإظهار أهل الطاعة عليهم، وإمكانه منهم في كلّ مجمع يجمع الله منهم جماعة، إلى ما أعدّ الله لهم من أليم العقاب، وسوء الحساب، وشديد العذاب، لا يفتر عنهم، ولا هم فيه مبلسون. فمن أراد الله إسعاده وتوفيقه وتبصيره حظّه لزم الطاعة وعرف حقّها، وما جعل الله فيها من السعة والعصمة والمخرج، وآثرها وواظب عليها، وكان من أهلها، وأدّى الحقّ الذي أوجبه الله عليه لوليّها إليه، فأحرز بذلك نفسه، وسلّم به دينه، واستكمل به أفضل ما يرغب به من ثواب ربّه، ولم يكن متخوفا للغير في دنياه، متوقّعا للنّقم، متوكّفا للقوارع أحلّت بأهل المعصية والخلاف والمفارقة للحقّ وأهله، وكان من ذلك في أمن ونجاة وسلامة وعافية.
ومن أراد الله به غير ذلك، لما يعلم من ضميره ودفينه، تخلّى منه، وأسلمه إلى قرينه وما يسوّل له من غروره، ويمنّيه من أباطيله، فاستشعروا ركوبها ودخلوا مع الغواة فيها، ودعوا إليها، فكانوا خائفين، ولائذين مترقبين للدوائر التي يخافون أن تحلّ بهم، وتأتي عليهم. فإنّ الله تعالى يقول: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَ
стр. 2520
اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
(الرعد: ٣١) .
وأمير المؤمنين يسأله أن يلهمه الرأفة والرحمة برعيّته، والإصلاح إليهم، والمعدلة فيهم، وأن يلهم رعيّته الطاعة والوفاء والمناصحة، ويزيد المحسن منهم إحسانا، ويقبل توبة التائب، ويراجع المسيء إلى محبّته، وأن يلهمه وإيّاكم خالص الشكر وصالح العمل.
[٦٩٢]- أمر المأمون أحمد بن يوسف أن يكتب في الآفاق بتعليق المصابيح في المساجد في شهر رمضان، قال: فأخذت القرطاس لأكتب فاستعجم عليّ، ففكرت طويلا ثم غشيتني نعسة فرأيت في النوم قائلا يقول لي: اكتب فإنّ في كثرة المصابيح إضاءة للمتهجدين، وأنسا للسّابلة، ونفيا لمكامن الرّيب، وتنزيها لبيوت الله عن وحشة الظّلم.
[٦٩٣]- قال حمدون بن إسماعيل: دخلت على المأمون يوما وهو في بعض صحون بساتينه يمشي حافيا، وفي يده كتاب يصعّد بصره فيه ويصوبه، فالتفت إليّ وقال: أحسبك راعك ما رأيته، قلت: وأي شيء أروع لي من نظري إلى سيدي يمشي حافيا ويقرأ كتابا قد شغله وأذهله، فقال لي: إني سمعت الرشيد يقول شيئا لم أتوهّمه ينسبك على حقيقته، وهو أنه قيل لبعض البلغاء: ما البلاغة؟ قال: التقرّب من المعنى البعيد، والتباعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير؛ وهذا كتاب عمرو بن مسعدة، قد أتى في حرفين بما كان يأتي به غيره في طومار، وصف حال الجند وطاعتهم. ثم دفعه إليّ، فإذا فيه:
كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قوّاده وأجناده، من الانقياد للطاعة على أحسن ما تكون طاعة جند تأخّرت أرزاقهم واختلّت أحوالهم، والسلام.
стр. 2521
ثم قال: أشهد أنّي قد قضيت حقّ هذا الكلام وكتبت إلى جندي بأعطياتهم، وتركتهم لا يتمنّون موتي، وأمرت بالزيادة في أرزاقهم.
٦٩٤- كتب أحمد بن سعد الكاتب: وقديما غرّقت الفتن أبناءها، وأسكنتهم ربعها، وأرضعتهم درّها، وألحفتهم ظلّها، وأسحبتهم ذيلها، ونقّلتهم في مراتع الغرور، وأرتهم الثّقة بدوام السّرور، والأمن لعوارض المحذور وعواقب المقدور، فتمادوا في منهج الضّلال، وتراموا في مسلك الفساد، وتشعّبوا في طريق الغيّ، حتى إذا تمّ الرّضاع، ونجم الفطام، وآن لحكم الله أن يمضي، ولبأسه أن ينزل، سلّط الله عليهم سيوف الحقّ، فصاروا لأهله جزرا، وللباطل وأهله عبرا، وللمواعظ السالفة نتيجة، وللمواعد المحدودة حقيقة، ولبصيرة ذوي البصائر قوّة، ولثقة أهل العصمة مادّة، ولسوط العذاب منصبا، ولنار الجحيم حطبا، وما الله بظلّام للعبيد.
ب- فصل: من معقل إلى عقّال، ومن أجل إلى آجال.
[٦٩٥]- عبد الحميد في ذكر الفتنة: فإنّ الفتنة تستشرف بأهلها، متشوّفة بآنق منظر، وأزين ملبس، تجرّر لهم أذيالها، وتضرّيهم وتعدهم تتابع درّاتها حتى ترمي بهم في حدرات أمواجها مسلمة لهم، تعدهم الكذب وتمنّيهم الخدع، فإذا لزمهم عضاضها، ونفر بهم شماسها، تخلّت عنهم خاذلة لهم، وتبرّأت منهم معرضة عنهم، قد سلبوا أجمل لباس دينهم، واستنزلوا عن حصن دنياهم، الغني البهيّ منظره، الجميل أثره، حتى تطرحهم في فضائح أعمالهم إلى الإيجاف في التّعب وسوء المنقلب، فمن آثر دينه على دنياه، تمسّك بطاعة ولاته، وتحرّز بالدخول إلى مرضاته في الجماعة، تاركا لأثقل الأمرين وأوبل الحالين.
стр. 2522
ب- فصل: [فزرعوا] الضغائن في قلوبكم، وغرسوا أشجار الإحن في صدوركم، وأوقدوا نيران الأحقاد بينكم، الله الله في ذكر الحميّة وفخر الجاهلية، وملاقح الشّنآن، ومنافح الشيطان.
ج- فصل: حتى أعنقوا في حنادس ظلم جهالته، ومهاوي سبل ضلالته، ذللا على سياقه، وسلسا في قياده، إلى نزل من حميم، وتصلية جحيم، سوى ما ألقحت الحفيظة في نفسه من عوائد الحسد، وقدحت الحميّة في نفسه من نار الغضب، ونفخ الشيطان في سحره «١» من ريح الكبر، مضادّة لله تعالى بالمناصبة، ومبارزة لأمير المؤمنين بالمحاربة، ومجاهرة للمسلمين بالمخالفة «٢» .
٦٩٦- فصل من كتاب للمأمون، وقد ولّى عبد الله بن طاهر في فتنة: ممتدّة إلى الفتن أعناقهم، متطلعة إليها أنفسهم، مرتاحة لها قلوبهم، مصيخة إلى دعواها أسماعهم، فلم تذك للفتنة نار إلا منهم ساعر يشبّ ضرامها، إما موجفا ركابه، مبديا صفحته في مباشرتها، وإمّا مورّيا عن نفسه يدبّ الخمر، ويستتر تحت الشّبه، ليحسب أنّه بمعزل عنها، ونافذ كيده يسري في تسهلها.
٦٩٧- أحمد بن سعد من كتاب فتح: الحمد لله العظيم شانه، العليّ مكانه، المنير برهانه، القويّ سلطانه، الذي ابتدع الخلق بحكمته، وأنشأهم بقدرته، وأجرى الأمور على مشيئته، وصرفها على إرادته، وحكم لأوليائه وأهل طاعته، الذائدين عن حريمه، المانعين لحوزته بالإعلاء والتمكين، والنصر والتأييد، وعلى أعدائه الغامطين لنعمته، الناهكين لحرمته، السّاعين بالفساد في بلاده، والعدوان على عباده، بالخذلان والتشريد، والنكال المبيد.
٦٩٨- ومن رسالة له في السّلم: فاكتفوا في المعرفة به ﷻ بخبر
стр. 2523
العقول وشهادة الأفهام، ثم استظهر لهم في التبصرة، وعليهم في الحجة، برسل أرسلهم، وآيات بيّنها، ومعالم أوضحها، ومنارات بمسالك الحقّ رفعها، وشرع لهم الإسلام دينا، وارتضاه واصطفاه، وفضّله وأسناه، وشرّفه وأعلاه، وجعله مهيمنا على الدين كلّه ولو كره المشركون، وقرن العزّ بحزبه وأهله، فقال عزّ من قائل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ*
(التوبة: ٣٣، الصف: ٩) ، وأيّده بأنبيائه الدّاعين إليه، والناهجين لطرقه، والهادين لفرائضه، والمخبرين عن شرائعه، قرنا بعد قرن، وأمّة بعد أمّة، في فترة بعد فترة، وفئة بعد فئة، حتى انتهى بقدره جلّ ذكره إلى مبعث النبيّ الأميّ، الفاضل الزكيّ، الذي قفّى به على الرسل، ونسخ بشريعته شرائع الملل، وبدينه أديان الأمم، على حين فترة وترامي حيرة، فأباخ به نيران الفتن، بعد اضطرامها، وأضاء به سبل الرّشاد بعد إظلامها، على علم منه تعالى ذكره، بما وجد عنده من النهوض بأعباء الرسالة، والقيام بأداء الأمانة، فأزاح بذلك العلّة وقطع المعذرة، ولم يدع للشّاكّ موضع شبهة، ولا للمعاند دعوى مموّهة، حتى مضى حميدا فقيدا، تشهد له آثاره، وخلّف في أمّته ما أصارهم به إلى عطف الله ورحمته، والنجاة من عقابه وسخطته، إلّا من شقي بسوء اختياره، وحرم الرّشد بخذلانه، صلّى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة وأعمّها، وأوفاها وأتمّها.
والحمد لله الذي خصّ سيّدنا الأمير بالتوفيق، وتوجّه له بالإرشاد والتسديد، في جميع أنحائه ومواقع آرائه، وجعل همّته- إذ كانت الهمم إلى خدع الدنيا صادفة، وزخارفها التي تتجلى بها لأبنائها وتدعو إلى نفسها- مقصورة إلى ما يجمع له رضى ربه، وسلامة دينه، واستقامة أمور مملكته، وصلاح أحوال رعيّته، وأيّده في هذه الحال العارضة، والشبهة الواقعة، التي تحار في مثلها الآراء، وتضطرب الأهواء، وتتنازع خواطر النفوس، وتعتلج وساوس الصّدور، ويخفى موضع الصواب، ويشكل منهج الصلاح، بما
стр. 2524
اختاره له من السّلم والموادعة والصلح والموافقة التي أخبر الله عن فضله، والخير الذي في ضمنه يقوله بقوله: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
(النساء: ١٢٨) وقوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
(الأنفال: ٦١) . فأصبح السيف مغمودا، ورواق الأمن ممدودا، والأهواء متّفقة، والكلمة مجتمعة، ونيران الفتن والضّلالة خامدة، وظنون بغاتها الساعين لها كاذبة، وطبقات الأولياء والرعيّة بما أعيد إليهم من الأمنة بعقب الخيفة، والأنسة بعد الوحشة، مستبشرين، وإلى الله في إطالة بقاء الأمير راغبين، وفي مسألته مخلصين. ولو لم يكن السّلم في كتاب الله مأمورا به، والصلح مخبرا عن الخير الذي فيه، لكان فيما ينتظم من حقن الدّماء وسكون الدّهماء، ويجمع من الخلال المحمودة والفضائل المعدودة المقدّم ذكرها، ما حدا عليه، ومثّل للعقول السليمة والآراء الصحيحة موضع الخيرة فيه، وحسن العائدة على الخاصّ والعامّ، فيما ينجلي للعيون من مشتبهات الظنون، إذ الريب واقع، والشكّ خالج بين المحقّ والمبطل، والحقّ والباطل، والجائر والمقسط، وقد قال الله : لَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
(الفتح: ٢٥) ، ناظرا للمسلمين من معرّة أو مضرّة تلحق بعضهم بغير علم، ومؤثرا تطهيرهم من ظنن العدوان، مع رفعه عنهم فرطات النّسيان، وكافّا أيدي المسلمين عن المشركين، كما كفّ أيديهم عن المسلمين، تحسّنا على بريّته، وإبقاء على أهل معصيته، إلى أن تتمّ لهم المحنة للذي ارتآه، والأمر الذي ارتضاه، وموقع الحمد في عاقبته، والسلامة في خاتمته، وبلّغه من غايات البقاء أمدها، ومن مواقع العيش أرغدها، مقصّرا أيدي النوائب عما خوّله، ومغضوضيا أعين الحوادث عما نوّله، إنه جوّاد ماجد.
٦٩٩- وفي مثل ذلك: الحمد لله ذي النعمة السابغة، والحكمة البالغة، والبلاء الجميل، والعطاء الجزيل، الذي جعل بعد عسر يسرا، وبعد ضنك رحبا،
стр. 2525
وبعد تناء تدانيا، وبعد تعاد «١» تصافيا وحبّا، وأعقب افتراقا من المتشاحنين اعترافا، واختلافا ائتلافا، وتدابرا تناصرا، وتخاذلا تظاهرا، نظرا لخلقه وعائدة عليهم، واعتمادا لما فيه مصالح آخرتهم ودنياهم، ومدح الصّلح وحدا عليه، وحمد السلم إذا جنح الخصم إليه، فقال عزّ من قائل: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
(النساء: ١٢٨) وقال: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
(الأنفال: ٦١) وألّف بين القلوب في سبيله، ولأمها في نصرة رسوله، وقال: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
(الأنفال: ٦٢- ٦٣) وصان المسلمين- عند الفتح العامّ للبلد الحرام، وإظهار الإسلام على الدّين كلّه، والإدالة من الكفر وأهله- عمّا يلحق من في دارهم من مسلم أو مسلمة- غمرتها الجملة وأخفت من موضعها الشبهة- من مضرّة، وسمّاها للمسلمين معرّة، وجعلها واصلة إليهم إذا وصلت إلى أولئك منهم، فقال جلّ ذكره: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
(الفتح: ٢٥) فحماهم من يسير الإثم، وإن كان ساقطا بعد العلم؛ واختار لهم الخلوص من الشّوائب في الدّين، وجعل هذه الخلال الرضيّة والخصال الحميدة لهم أدبا، ولمصالحهم سببا، فندبهم لها، وأرشدهم إلى سوابق نعمه، ونفائس قسمه، التي بدأ بها قبل الاستيجاب، وأوجب على شكرها حسن الثّواب، حمدا يرتفع إليه، ويزكو لديه، ويمضي ما فرض في تحميده، ويوجب ما يأذن به من مزيده، وصلّى الله على محمد عبده وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، والمبعوث لإحياء دينه ونصرة حقّه، وعلى الطيبين من آله وسلّم تسليما.
٧٠٠- وفي مثل ذلك ... الحمد لله مقلّب القلوب وعالم الغيوب، الجاعل بعد عسر يسرا، وبعد عداوة ودادا «٢» ، وبعد تحارب اجتماعا، وبعد تباين