إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أنّ أحدكم قد قتله السّلّ من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره «١» . فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فربّ مبتئس بقدومنا سيسرّ، ومسرور بقدومنا سيبتئس. أيها الناس إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطاناه «٢» ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا «٣» . فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا؛ فاستوجبوا عدلنا وفيأنا بمناصحتكم إيّانا. واعلموا [أني] مهما قصّرت عنه فلن أقّصّر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبّانه، ولا مجمّرا «٤» لكم بعثا. فادعوا الله تعالى بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا؛ ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتدّ لذلك غيظكم «٥» ، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم كان شرّا لكم. أسأل الله تعالى أن يعين كلّا على كلّ. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله. وايم الله، إنّ لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كلّ امرىء منكم أن يكون من صرعاي.
فقام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال: كذبت ذاك نبيّ الله داود.
فقام الأحنف فقال: إنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء؛ وإنّا لا نثني
стр. 2452
حتى نبتلي، ولا نحمد حتى نعطى.
قال له زياد: صدقت.
فقام أبو بلال يهمس وهو يقول: أنبأنا الله بغير ما قلت، قال الله : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
(النجم:
٣٧- ٤١) . فسمعها زياد فقال: إنّا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك «١» حتى نخوض إليكم الباطل خوضا.
٦٢٠- قيل لبعض الخطباء: لقد جوّدت في خطبتك. فقال: إنني عرفت هذا الأمر وعودي قريب من العلوق، وطينتي قابلة للطبع، لم يعترضني شاغل الأزمان، ولم يعتلقني طارق الحدثان، فأنا كما قال مهديّ ابن الملوّح: [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكّنا
[٦٢١]- خطبة قس بن ساعدة الإيادي «٢» :
أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا: إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت، أقسم قسّ قسما لا كذب فيه ولا إثم: إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، وبحر مسجور، ونجوم تسير ولا تغور. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ أقسم بالله قسما: إنّ لله دينا هو أرضى من دين نحن
стр. 2453
عليه؛ وأراكم قد تفرقتم بآلهة شتّى. وان كان الله ربّ هذه الآلهة، إنه ليجب أن يعبد وحده. كلّا إنه الله الواحد الصمد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وإليه المعاد «١» غدا.
وقال «٢» : [من الكامل المجزوء]
في الذاهبين الأوّلين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر
أيقنت أنّي لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
٦٢٢- خطبة لجبلة بن حريث العبدي:
أيها الناس، إنّما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نك شيّا، وسنعود إلى مبدانا فإما رشدا وإما غيّا. إنّ العواري اليوم والهبات غدا، لا بدّ من رحيل عن محل نازل؛ ألا وقد تقارب سلب فاحش وعطاء جزل، وقد أصبحتم في محلّ منزل لا يثبت فيه سرور يسر، ولا أصابه حضور عسر، ولا تطول فيه حياة مرجوّة إلا اخترمها موت مخوف، ولا يوثق فيها بحلف ماض، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، تسوقكم إلى الفناء، فلم تطلبون البقاء؟.
٦٢٣- خطبة للعملّس:
هل لكم في الكلمات: مطر ونبات، وبنون وبنات، وآباء وأمهات، وآيات في إثر آيات: سماء مبنية، وأرض مدحيّة، ضوء وظلام، وليال وأيام، وسعيد وشقيّ، ومحسن ومسي، وفقير وغني. أين الأرباب الفعلة، ليجدنّ كلّ
стр. 2454
عامل عمله؟ أين ثمود وعاد؛ أين الآباء والأجداد؟ أين الخيل التي تشكم، وأين الظلم الذي لم ينقم؟.
الأصل مدحوّة ولكنه زاوج بينها وبين مبنية وتكون مبنية من دحيت، والعرب تفعل ذلك وتقول: مجفو ومجفيّ وهو مبني من جفي.
[٦٢٤]- خطبة لهاشم «١» بن عبد مناف:
خطب فقال: أيها الناس، الحلم شرف والصبر ظفر، والجود سؤدد والمعروف كنز، والجهل سفه، والعجز ذلّة، والحرب خدعة، والظفر دول، والأيام غير، والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، واستشعروا الجدّ تفوزوا به، ودعوا الفضول يجانبكم «٢» السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا عن الحقيقة يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق «٣» بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنّها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنيّة فإنّها تضع الشرف وتهدم المجد، والسلام.
[٦٢٥]- خطب أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب عند تزويج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂:
الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إنّ محمّدا بن عبد الله ابن أخي من لا
стр. 2455
يوازن به فتى من قريش إلا رجح به برّا وفضلا، وكرما وعقلا، ومجدا ونبلا، وإن كان في المال قلّ فإنّ المال ظلّ زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة ابنة خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصّداق فعليّ.
«٦٢٦» - خطبة النبي ﷺ وخبر تزويج فاطمة ﵍:
روي عن أنس أنه «١» قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ إذ غشيه الوحي، فمكث «٢» هنيهة ثم أفاق فقال لي: يا أنس أتدري ما جاءني به جبريل من عند صاحب العرش ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنّ ربي تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ بن أبي طالب ﵉. انطلق ادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعدّتهم من الأنصار، فانطلقت فدعوتهم، فلما أخذوا مقاعدهم قال النبي ﷺ :
الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المرهوب من عذابه، المرغوب في ما عنده، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه ﷺ . ثم إن الله تعالى جعل المصاهرة نسبا لا حقا وأمرا مفترضا، وشّج به الأرحام، وألزمه الأنام، قال الله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً، وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً
(الفرقان: ٥٤) . فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكلّ قضاء قدر، ولكلّ قدر أجل يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
(الرعد ٣٩) ثم إنّ ربّي تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ بن أبي طالب، وقد زوجتها إياه على أربعمائة مثقال من فضة إن رضي بذلك عليّ.
стр. 2456
وكان النبي ﷺ قد بعث عليا في حاجة، ثم إنه دعا بطبق من برّ، فوضعه بين أيدينا ثم قال: انتهبوا؛ فبينا نحن ننتهب إذ دخل عليّ، فتبسم النبي ﷺ في وجهه، ثم قال: يا عليّ إنّ ربّي قد أمرني أن أزوّجك فاطمة، وقد زوجتك إياها على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت يا عليّ. قال: رضيت يا رسول الله. ثم إنّ عليا خرّ ساجدا شكرا لله تعالى، فلما رفع رأسه، قال رسول الله «١» ﷺ : بارك الله عليكما وبارك فيكما، وأسعد جدّكما، وأخرج منكما الكثير الطيّب؛ قال أنس: فو الله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب.
[٦٢٧]- خطبة علي ﵇ حين تزوج فاطمة ﵍:
الحمد لله الذي قرب من حامديه، ودنا من سائليه، ووعد الجنة من يتّقيه، وقطع بالنار عذر من يعصيه، أحمده بجميع محامده وأياديه، وأشكره شكر من يعلم أنه خالقه وباريه، ومصوّره ومنشيه، ومميته ومحييه، ومقرّبه ومنجيه، ومثيبه ومجازيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلغه وترضيه، وأشهد أنّ محمدا ﷺ عبده ورسوله، صلاة تزلفه وتدنيه، وتعزّه وتعليه، وتشرّفه وتجتبيه. أما بعد، فإنّ اجتماعنا مما قدّره «٢» الله ورضيه، والنكاح مما أمر الله به وأذن فيه، وهذا محمد ﷺ قد زوّجني فاطمة ابنته على صداق مبلغه أربعمائة وثمانون درهما، ورضيت به فاسألوه، وكفى بالله شهيدا.
[٦٢٨]- قيل لما بلغ فاطمة ﵍ ما أجمع عليه من منعها فدكا لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله ﷺ ، حتى دخلت على أبي
стр. 2457
بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار، ﵃ أجمعين، وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء وارتجّ المجلس، ثم أمهلت هنيهة «١» حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم افتتحت كلامها بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله «٢» صلّى الله عليه «٣» وسلم ثم قالت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
(التوبة: ١٢٨) . فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلّغ الرسالة صادعا بالنّذارة بالغا بالرسالة، مائلا عن سنن «٤» المشركين، ضاربا لثبجهم، يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، آخذا بأكظام المشركين، يهشم الأصنام ويفلق الهام، حتى انهزم الجمع وولّوا الدّبر، وحتى تفرّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين «٥» ، وتمّت كلمة الإخلاص، وكنتم على شفا حفرة من النار، نهزة الطامع، ومذقة الشارب، وقبسة العجلان، وموطىء الأقدام، تشربون الطّرق وتقتاتون القدّ «٦» ، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، حتى أنقذكم الله تعالى برسوله ﷺ ، بعد اللّتيّا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن الشيطان «٧» ، أو فغرت فاغرة للمشركين قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفىء حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويطفىء عادية لهبها بسيفه،- (أو قالت: يخمد لهبها بحدّه) - مكدودا في ذات الله تعالى، وأنتم في رفاهية
стр. 2458
فاكهون «١» آمنون وادعون «٢» ، حتى إذا اختار الله لنبيّه ﷺ دار أنبيائه، ظهرت حسكة «٣» النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين «٤» ، وهدر فنيق «٥» المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه صارخا بكم، فدعاكم فألفاكم لدعوته «٦» مستجيبين، وللغرّة ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم؛ هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل. بماذا زعمتم: خوف الفتنة؟ ألا في الفتنة سقطوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ*
(التوبة: ٤٩، العنكبوت: ٥٤) . فهيهات منكم وأنى بكم وأنّى تؤفكون، وكتاب الله تعالى بين أظهركم، زواجره بيّنة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون؟ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
(الكهف: ٥٠) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
(آل عمران: ٨٥) . ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفس نغرتها، تسرّون حسوا في ارتغاء «٧» ، ونصبر منكم على مثل حزّ المدى، وأنتم الآن تزعمون ألا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون «٨» ؟ إيها معشر المسلمة المهاجرة، أأبتزّ إرث أبي؟! أبى الله؛ أفي الكتاب يا ابن أبي قحافة أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا. فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمّد ﷺ ،
стр. 2459
والموعد القيامة، وعند الله يحشر المبطلون، ولكل نبأ مستقرّ، وسوف تعلمون.
ثم انكفأت على قبر أبيها ﷺ وقالت: [من البسيط]
قد كان بعدك أنباء وهنبثة «١» ... لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... واختلّ أهلك فاحضرهم ولا تغب
وذكر أنها لما فرغت من كلام أبي بكر ﵁ والمهاجرين عدلت إلى مجلس الأنصار فقالت: يا معشر الفئة، وأعضاء الملّة، وحضنة «٢» الإسلام، ما هذه الفترة في حقّي والسّنة في ظلامتي؟ أما كان لرسول الله ﷺ أن يحفظ في ولده؟ لسرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة «٣» ؟ أتقولون مات محمد ﷺ فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهر «٤» فتقه، وفقد راتقه، وأظلمت الأرض لغيبته، واكتأبت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الجبال، وأكدت الآمال، وأضيع الحريم، وأذيلت الحرمة عند مماته ﷺ ، وتلك نازلة أعلن «٥» بها كتاب الله تعالى في فتنتكم «٦» ، في ممساكم ومصبحكم، تهتف في أسماعكم، ولقبله ما حلّت بأنبياء الله ورسله صلّى الله عليه وعليهم، وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
(آل عمران: ١٤٤) . إيها بني قيلة، أأهتضم تراث أبيه وأنتم بمرأى مني ومسمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الحيرة، وفيكم العدد والعدّة، ولكم الدار وعندكم الجنن، وأنتم الألى، نخبة الله التي انتخب لدينه، وأنصار رسوله صلّى الله عليه، وأهل الإسلام، والخيرة التي
стр. 2460
اختار الله تعالى لنا أهل البيت، فنابذتم العرب، وناهضتم الأمم، وكافحتم البهم، لا نبرح نأمركم فتأتمرون، حتى دارت لكم بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الأيام، وخضعت نعرة الشرك، وباخت «١» نيران الحرب، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق «٢» نظام الدين، فأنّى جرتم بعد البيان، ونكصتم بعد الإقدام، وأسررتم بعد الإعلان «٣» ، لقوم نكثوا أيمانهم؟ أتخشونهم؟ فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين «٤» . ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدّعة، فعجتم عن الدين، ومحجّتكم التي وعيتم، ولفظتم التي سوّغتم. إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ
(ابراهيم: ٨) . ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة مني بالخذلان الذي خامر صدوركم، واستشعرته قلوبكم، ولكن قلته فيضة النّفس، ونفثة الغيظ، وبثّة الصدر، ومعذرة الحجّة.
فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظّهر، ناقبة الخفّ، باقية العار، موسومة بشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
(الشعراء: ٢٢٧) ، وأنا ابنة نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
(سبأ: ٤٦) ، فاعملوا إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ
(هود: ١٢١- ١٢٢) .
[٦٢٩]- بلغ عائشة ﵂ أنّ ناسا يتناولون أبا بكر الصديق رضي
стр. 2461
الله عنه، فأرسلت إلى أزفلة «١» من الناس، فلما حضروا سدلت «٢» أستارها، وعلت وسادها، ثم دنت فحمدت الله وأثنت عليه وصلّت على نبيّه صلّى الله عليه وعذلت وقرّعت وقالت: أبي وما أبي «٣» ! أبي والله لا تعطوه الأيدي، ذاك طود «٤» منيف وظلّ مديد، هيهات هيهات، كذبت الظنون، أنجح والله إذ أكديتم وسبق إذ ونيتم: [من البسيط]
سبق الجواد إذا استولى على الأمد «٥»
فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يريش مملقها، ويفكّ عانيها، ويرأب شعبها «٦» ، حتى حلّته قلوبها، ثم استشرى في دينه، فما برحت شكيمته في ذات الله حتى بنى «٧» بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون. وكان رحمة الله عليه «٨» غزير الدمعة وقيذ الجوانح شجيّ النشيج، فانغضت «٩» إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
(البقرة: ١٥) . وأكبرت ذلك رجالات قريش، فحنت له قسيّها، وفوّقت له سهامها، وانتتلوه «١٠» غرضا، فما فلّوا له صفاة ولا قصفوا له قناة، ومرّ على سيسائه «١١» ، حتى إذا ضرب الدين بجرانه، وألقى
стр. 2462
بركه «١» ، ورست أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجا، ومن كلّ شرعة أشتاتا وأرسالا، اختار الله جلّ اسمه لنبيّه ﷺ ما عنده. فلما قبض الله رسوله ﷺ ضرب الشيطان برواقه، ومدّ طنبه، ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ومرج عهده، وماج أهله، وبغي الغوائل، وظنت رجال أن قد أكثبت نهزتها، ولات حين الذي يرجون، وأنّى والصدّيق بين أظهرهم. فقام حاسرا مشمّرا، قد جمع بين حاشيتيه، ورفع قطريه، فردّ نشر الدين على غرّه، ولمّ شعثه بطيّه، وأقام أوده بثقافه، فامذقرّ النفاق بوطئه، وانتاش الدين فنعشه. فلما أراح الحقّ على أهله، وأقرّ الرؤوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، حضرته منيّته، نضّر الله وجهه، فسدّ ثلمه بنظيره في الرّحمة «٢» ، ومقتفيه في السيرة والمعدلة، ذاك عمر بن الخطاب، لله أمّ حملت به ودرّت عليه لقد أوحدت. فشرّد الشرك شذر مذر، وبخع الأرض ونخعها، (يقال: بخع نفسه قتلها غمّا والنخع أن يجوز بالذبح إلى النخاع، وفي الحديث أن أنخع الأسماء أي أقتلها لصاحبه، والناخع العالم) فقاءت أكلها، ولفظت خبيئها، ترأمه ويصد عنها، وتصدّى له ويأباها. ثم وزّع فيئها، وودّعها كما صحبها. فأروني ماذا ترون «٣» ، وأيّ يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أو يوم ظعنه إذ نظر لكم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[٦٣٠]- ولما قتل عثمان أمير المؤمنين قالت عائشة ﵂: قتل؟! قالوا: نعم، قالت: فرحمه الله وغفر له؛ أما والله لقد كنتم إلى تسديد الحقّ
стр. 2463
وتأييده، وإعزاز الإسلام وتأكيده، أحوج منكم إلى ما نهضتم إليه من طاعة من خالف عليه، ولكن كلما زادكم الله تعالى نعمة في دينكم ازددتم تثاقلا في نصرته طمعا في دنياكم. أما والله لهدم النعمة أيسر من بنائها، وما أردناه إليكم بالشكر بأسرع من زوال النعمة عنكم بالكفر؛ وايم الله، لئن كان أفنى أكله واخترم أجله، لقد كان عند رسول الله ﷺ ، ولئن كان برك الدهر عليه بزوره، وأناخ عليه بكلكله، إنها لنوائب تترى تلعب بأهلها وهي جادّة، وتجدّ بهم وهي لاعبة؛ أما والله لقد حاط الإسلام وكنفه، وعضد الدين وأيّده، ولقد هدم الله به صياصي الكفر، وقطع به دابر المشركين، وقلّم «١» به أركان الضلالة. فلله تعالى المصيبة به ما أفجعها، والفجيعة ما أوجعها، صدع الله بمقتله صفاة القلوب في الدين «٢» ، وشملت مصيبته ذروة الإسلام.
[٦٣١]- قيل لما قتل الحسين بن علي ﵉ وجّه ابن زياد رأسه والنسوة إلى يزيد فأمر «٣» أن يحضر رأس الحسين في طست، وجعل ينكت ثناياه بقضيب وينشد: [من الرمل]
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل «٤»
(الأبيات المعروفة «٥» وقائلها عبد الله بن الزّبعرى السهمي) .
قالت زينب بنت علي: صدق الله ورسوله يا يزيد:
стр. 2464
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ
(الروم: ١٠) .
أظننت يا يزيد حين أخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أنّ بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة، وأنّ هذا لعظم خطرك فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان فرحا حين رأيت الدنيا مستوسقة لك، والأمور متّسقة عليك، وقد مهّلت ونفّست وهو قول الله ﵎:
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
(آل عمران: ١٧٨) . أمن العدل يا ابن الطّلقاء تخديرك نساءك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله ﷺ قد هتكت ستورهنّ، وهنّ مكتئبات، تخدي بهنّ الأباعر، وتحدوبهن الأعادي من بلد إلى بلد، لا يراقبن ولا يؤوين، يتشوّفهنّ القريب والبعيد، ليس معهن وليّ «١» من رجالهنّ؟
وكيف يستبطأ في بغضتنا من نظر إلينا بعين الشّنف والشنآن، والإحن والأضغان؟ أتقول: ليت أشياخي ببدر شهدوا، غير متأثم ولا مستعظم وأنت تنكث ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك؟ ولم لا تكون كذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشّأفة، بإهراقك دماء ذرية محمد ﷺ ونجوم الأرض من آل عبد المطلب؟! ولتردنّ على الله وشيكا موردهم ولتودّنّ أنك عميت وبكمت ولم تقل: لأهلّوا واستهلّوا فرحا «٢» .
اللهم خذلنا بحقّنا، وانتقم لنا ممن ظلمنا. والله ما فريت إلا في جلدك، ولا حززت إلا في لحمك، وسترد على رسول الله ﷺ برغمك، وعترته ولحمته في حظيرة القدس يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشّعث، وهو قول الله تعالى:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ
(آل عمران: ١٦٩- ١٧٠) . وسيعلم من بوّأك ومكّنك من رقاب
стр. 2465
المؤمنين إذا كان الحاكم «١» الله تعالى والخصم محمد ﷺ ، وجوارحك شاهدة عليك، فبئس للظالمين بدلا، وأيكم شرّ مكانا وأضعف جندا «٢» ، مع أني والله يا عدوّ الله وابن عدوّه أستصغر «٣» قدرك، وأستعظم تقريعك، غير أنّ العيون عبرى، والصدور حرّى، وما يجزي ذلك أو يغني عنّا. وقد قتل الحسين ﵇ حزب الشيطان تقرّبا إلى حزب السفهاء ليعطوهم أموال الله تعالى على انتهاك محارم الله. فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، وهذه الأفواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجثث الزواكي تقتاتها غيلان «٤» الفلوات. فلئن اتّخذتنا مغنما لنتخذنّك مغرما حين لا تجد إلا ما قدّمت يداك، تستصرخ بابن مرجانة ويستصرخ بك، ونتقاضى «٥» عند الميزان، وقد وجدت أفضل زاد زوّدك معاوية قتلك ذرية محمد ﷺ ؛ فو الله ما اتقيت غير الله، ولا شكواي إلا إلى الله، فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا يرحض عنك عار ما أتيت إلينا أبدا. والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبان «٦» الجنان، وأوجب لهم الجنة. أسأل الله أن يرفع لهم الدرجات، وأن يوجب لهم المزيد من فضله فإنه وليّ قدير.
[٦٣٢]- وقال بعضهم: رأيت أمّ كلثوم بنت عليّ ﵇ بالكوفة، ولم أر خفرة والله أنطق منها كأنها تنطق على لسان أمير المؤمنين، وقد أومأت إلى الناس وهم يبكون على الحسين أن اسكتوا، فلما سكنت فورتهم وهدأت الأجراس قالت: أبدأ بحمد الله والصلاة على نبيّه ﷺ . أما بعد، يا أهل الكوفة،
стр. 2466
يا أهل الختر والخذل والختل، ألا فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الرنّة، إنما مثلكم كمثل التي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ
(النحل: ٩٢) . ألا وهل فيكم إلا الصّلف والشّنف وملق الإماء وغمز الأعداء؟ وهل أنتم إلا كمرعى على دمنة أو كقصعة «١» على ملحودة؟ ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم: أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون «٢» .
أتبكون؟ إي والله، فابكوا، فإنكم والله أحرياء بالبكاء، فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فقد فزتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا. وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنة، ومنار محجّتكم ومدرة حجّتكم، ومفزع نازلتكم؟ فتعسا ونكسا، لقد خاب السعي، وخسرت الصّفقة، وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذّلّة والمسكنة. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
(مريم: ٨٩- ٩٠) . أتدرون أيّ كبد «٣» لرسول الله ﷺ فريتم؟ وأيّ كريمة له أبرزتم؟ وأيّ دم له سفكتم؟ لقد جئتم بها شوهاء خرقاء طلاع «٤» الأرض والسماء. أفعجبتم أن قطرت دما؟ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ
(فصلت: ١٦) . فلا يستخفّنّكم المهل، فإنه لا تحفزه المبادرة، ولا يخاف عليه فوت الثأر. كلا إنّ ربّك لنا ولهم ولكم بالمرصاد.
ثم ولّت عنهم فتركت الناس حيارى وقد ردّوا أيديهم إلى أفواههم. ورأيت شيخا كبيرا من بني جعفر وقد اخضلّت لحيته من دموع عينيه، وهو يقول بصوت حزين: [من الطويل]
стр. 2467
كهولهم خير الكهول ونسلهم ... إذا عدّ نسل لا يبور ولا يخزى
«٦٣٣» - خطبت حفصة بنت عمر رضوان الله عليها فقالت:
الحمد لله الذي لا نظير له، الفرد الذي لا شريك له. وأما بعد: فكلّ العجب من قوم زيّن لهم الشيطان أفعالهم «١» وارعوى إلى صنيعهم، ودبّ إلى الفتنة لهم، ونصب حبائله فختلهم، حتى همّ عدوّ الله بإحياء البدعة ونشر «٢» الفتنة، وتجديد الجور بعد دروسه، وإظهاره بعد دثوره، وإراقة الدماء، وإباحة الحمى، وانتهاك محارم الله بعد تحصينها، فتضرّم «٣» وهاج وتوغّر وثار غضبا لله ونصرة لدين الله، فخسأ «٤» الشيطان ووقم كيده، وكفّ إرادته، وقدع محنته، وأصعر خدّه، لسبقه إلى مشايعة أولى الناس بخلافة رسول الله ﷺ ، الماضي على سنته، المقتدي بدينه، المقتصّ لأثره، فلم يزل سراجه زاهرا، وضوؤه لامعا، ونوره ساطعا، له من الأفعال الغرر، ومن الآراء المصاص «٥» ، ومن التقدّم في طاعة الله تعالى اللباب، إلى أن قبضه الله تعالى إليه، قاليا لما خرج منه، شانئا لما ترك «٦» من أمره، شنفا لما كان فيه، صبّا إلى ما صار إليه، وائلا إلى ما دعي إليه، عاشقا لما هو فيه. فلما صار إلى التي وصفت، وعاين ما ذكرت، أومأ بها إلى أخيه في المعدلة، ونظيره في السيرة، وشقيقه في الديانة؛ ولو كان غير الله سبحانه أراد لأمالها إلى ابنه، ولصيّرها في عقبه، ولم
стр. 2468
يخرجها من ذرّيته. فأخذها بحقها، وقام فيها بقسطها، لم يؤده ثقلها، ولم يبهظه حفظها، مشرّدا للكفر عن موطنه، ونافرا له عن وكره، ومثيرا له عن مجثمه، حتى فتح الله على يديه أقطار البلاد، ونصر الله يقدمه، وملائكته تكنفه، وهو بالله تعالى معتصم وعليه متوكّل، حتى تأكّدت عرى الحقّ عليكم عقدا، واضمحلّت عرى الباطل عنكم حلّا، نوره في الدّجنّات ساطع، وضوؤه في الظلمات لامع، قاليا للدنيا إذ عرفها، لافظا لها إذ عجمها، وشانئا لها إذ سبرها، تخطبه ويقلاها، وتريده ويأباها، لا تطلب سواه بعلا، ولا تبغي سواه فحلا، أخبرها أنّ التي يطلب ويخطب أرغد منها عيشا، وأنضر منها حبورا، وأدوم منها سرورا، وأبقى منها خلودا، وأطول منها أياما، وأغدق منها أنهارا، وأنعت منها جمالا، وأتمّ بلهنية، وأعذب منها رفاهية «١» ، فبشعت نفسه بذلك لعادتها، واقشعرّت لمخالفتها، فعركها بالعزم الشديد حتى أجابت، وبالرأي الجليد حتى انقادت. وأقام فيها دعائم الإسلام، وقواعد السنة الجارية، ورواسي الآثار الماضية، وأعلام أخبار النبوّة الطاهرة، وظلّ خميصا من بهجتها، قاليا لإتائها، لا يرغب في زبرجها، ولا يطمح إلى جدتها، حتى دعي فأجاب، ونودي فأطاع على تلك الحال، فاحتذى في الناس بأخيه، فأخرجها من نسله، وصيّرها شورى بين إخوته، فبأيّ أفعاله تتعلقون؟ وبأيّ مذاهبه تتمسكون؟ أبطرائقه القويمة في حياته أم بعدله فيكم عند مماته؟ ألهمنا الله وإيّاكم طاعته، وإذا شئتم ففي حفظ الله «٢» وكلاءته.
[٦٣٤]- لما قتل عثمان بن عفان رحمة الله عليه صاحت ابنته عائشة: يا
стр. 2469
ثارات عثمان! إنّا لله وإنّا إليه راجعون. أفيتت نفسه وطلّ دمه في حرم رسول الله ﷺ ، ومنع من دفنه؛ ولو «١» يشاء لامتنع ووجد من الله تعالى حاكما، ومن المسلمين ناصرا، ومن المهاجرين شاهدا، حتى يفيء إلى الحقّ من شذّ عنه أو تطيح هامات وتفرى غلاصم وتخاض دماء؛ ولكن استوحش مما أنستم به، واستوخم ما استمرأتموه. يا من استحلّ حرم الله ورسوله واستباح حماه، لقد نقمتم عليه أقلّ مما أتيتم إليه، فراجع ولم تراجعوه «٢» ، واستقال فلم تقيلوه، رحمة الله عليك يا أبتاه، احتسبت نفسك وصبرت لأمر ربك حتى لحقت به، وهؤلاء الآن قد ظهر منهم تراوض الباطل، وإذكاء الشنآن، وكوامن الأحقاد، وإدراك الإحن والأوتار، وبذلك وشيكا كان كيدهم وتبغّيهم، وسعي بعضهم ببعض، فما أقالوا عاثرا، ولا استعتبوا مذنبا، حتى اتخذوا ذلك سببا إلى سفك الدماء وإباحة الحمى، وجعلوا سبيلا إلى البأساء والعنت، فهلّا علت كلمتكم وظهرت حسكتكم إذ ابن الخطاب قائم على رؤوسكم، ماثل في عرصاتكم، يرعد ويبرق بإرعابكم، يقمعكم غير حذر من تراجعكم الأمانيّ بينكم، وهلّا نقمتم عليه عودا وبدءا إذ ملك ويملك عليكم من ليس فيكم بالخلق اللّين والمنظر الفضيل «٣» ، يسعى عليكم وينصب لكم، لا تنكرون ذلك منه خوفا من سطوته، وحذرا من شدّته، أن يهتف بكم متقسورا أو يصرخ بكم مغذمرا، إن قال صدّقتم قالته، وإن سأل بذلتم سألته؛ يحكم في رقابكم وأموالكم كأنكم عجائز صلع وإماء قطع، فبدأ معلنا لابن أبي قحافة بإرث نبيكم على بعد رحمه وضيق بلده، وقلّة عدده. فوقى الله شرّها.
زعم لله دره ما أعرفه بما صنع، أو لم يخصم الأنصار بقيس، ثم حكم بالطاعة لمولى أبي حذيفة، يتمايل بكم يمينا وشمالا، قد خطب عقولكم،
стр. 2470
واستمهر وجلكم «١» ، ممتحنا لكم، ومتعرّفا أخطاركم. وهل تسمو هممكم إلى منازعته، ولولا تيك لكان قسمه خسيسا، وسعيه تعيسا، لكن بدأ بالرأي «٢» وثّنى بالقضاء وثلّث بالشورى، ثم غدا سامرا مسلّطا، درّته على عاتقه، فتطأطأتم له «٣» ، وولّيتموه أدباركم، حتى علا أكتافكم، ينعق بكم في كلّ مرتع، ويشد منكم على كلّ مخنّق، لا ينبعث لكم هتاف، ولا يأتلق لكم شهاب، عرفتم أو أنكرتم، لا تألمون ولا تستنطقون، حتى إذا عاد الأمر فيكم ولكم وإليكم في مونقة من العيش، عرقها وشيج، وفرعها عميم، وظلّها ظليل، تتناولون من كثب ثمارها أنّى شئتم رغدا، وحلبت عليكم عشار الأرض دررا، واستمرأتم أكلكم من فوقكم ومن تحت أرجلكم، تنامون في الخفض، وتسكنون إلى الدّعة، ومقتم زبرجة الدنيا، واستحليتم غضارتها ونضرتها، وظننتم أنّ ذلك سيأتيكم من كثب عفوا، ويتحلّب عليكم رسلا، فانتضيتم سيوفكم، وكسرتم جفونكم، وقد أبى الله أن تشام سيوف جرّدت بغيا وظلما؛ ونسيتم قول الله : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
(المعارج: ١٩- ٢١) . فلا يهنئكم الظفر، ولا يستوطن بكم الحضر، فإنّ الله تعالى بالمرصاد، وإليه المعاد. والله ما يقوم الظّليم إلّا على رجلين، ولا ترنّ القوس إلّا على سيتين. فأثبتوا في الغرز أرجلكم فقد ضللتم هداكم في المتيهة الخرقاء كما أضلّ أدحيته الحسل «٤» . وسيعلم كيف يكون إذا كان الناس عباديد، وقد نازعتكم الرّجال، واعترضت عليكم الأمور، وساورتكم الحروب باللّيوث، وقارعتكم الأيام بالجيوش، وحمي عليكم الوطيس، فيوما تدعون من لا يجيب، ويوما تجيبون من لا يدعو. وقد بسط باسطكم كلتا يديه يرى أنّهما
стр. 2471
في سبيل الله، فيد مقبوضة وأخرى مقصورة، والرؤوس تنزو «١» عن الطلى والكواهل، كما ينقف التنّوم «٢» ، فما أبعد نصر الله من الظالمين، وأستغفر الله تعالى مع المستغفرين، والحمد لله ربّ العالمين.
وإن في هذه الخطب التي ذكرناها للنساء بيانا عن فضيلة العرب بما خصّهم الله تعالى من النطق والبيان، وميّزهم فيه على سائر الأمم.
[٦٣٥]- قال الجاحظ: لا تعرف الخطب إلا للعرب والفرس؛ فأما الهند فلهم معان مدوّنة وكتب مخلّدة، لا تضاف إلى رجل معروف ولا إلى عالم موصوف، وإنما هي كتب متوارثة، وآداب على وجه الدهر مذكورة.
ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق. وكان صاحب المنطق نفسه بكيء اللسان، غير موصوف بالبيان، مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه وخصائصه. وهم يزعمون أنّ جالينوس كان أنطق الناس، ولم يذكروه بالخطابة، ولا بهذا الجنس من البلاغة.
وفي الفرس خطباء إلا أنّ كلّ كلام للفرس وكلّ معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة، وعن اجتهاد [رأي وطول] خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكر ودراسة «٣» الكتب وحكاية الثاني علم الأوّل، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم.
وكلّ شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو [أن] يصرف وهمه
стр. 2472
إلى الكلام، أو إلى رجز يوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المناقلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ثم لا يعيده «١» على نفسه، ولا يدرسه أحد من ولده.
وكانوا أمّيين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلّفون، وكأنّ الكلام الجيّد عندهم أكثر وأظهر، وهم عليه أقدر وله أقهر، وكلّ واحد في نفسه أنطق، ومكانه في البيان أرفع. وخطباؤهم [للكلام] أوجد «٢» ، والكلام عليهم أسهل، وهو عندهم «٣» أيسر من أن يفتقروا إلى تحفّظ، ويحتاجوا إلى تدارس؛ وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتّصل بعقولهم من غير تكلّف ولا قصد ولا تحفّظ ولا طلب. وإن شيئا هذا الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب، وهو الله المحيط بما كان، والعالم بما سيكون. ونحن إذا ادّعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا على ذلك لهم شاهد «٤» صادق من الديباجة الكريمة، والرّونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير والشيء «٥» القليل. ونحن لا نستطيع أن نعلم أنّ الرسائل التي في أيدي الناس للفرس صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولّدة، إذ كان مثل ابن المقفّع وسهل بن هارون وأبي عبيد الله وعبد الحميد وغيلان يستطيعون أن يولّدوا مثل تلك
стр. 2473
الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السّير.
[٦٣٦]- والمثل يضرب في الخطابة بسحبان وائل، وكان خطيب العرب غير مدافع ولا منازع، وكان ابنه عجلان أيضا خطيبا بليغا، وكان سحبان إذا خطب لم يعد حرفا، ولم يتوقف ولم يتحبّس، ولم يعد كلاما ولم يتفكر في استنباط، وكان يسيل عرقا كأنه آذيّ بحر. ويقال إنّ معاوية قدم عليه وفد من خراسان، وجّههم سعيد بن عثمان، فطلب سحبان فلم يوجد عامّة النهار، ثم اقتضب من ناحية كان فيها اقتضابا، فأدخل عليه فقال: تكلم، فقال: انظروا لي عصا تقيم من أودي. فقالوا: وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: ما كان يصنع بها موسى صلّى الله عليه وهو يخاطب ربّه وعصاه في يده؟ فضحك معاوية وقال: هاتوا له عصا. فجاءوه بها، فركضها «١» برجله فلم يرض ثقلها، فقال: هاتوا عصاي. فانطلق الرسول فجاءه بعصاه، فأخذها ثم قام فتكلم منذ صلاة الظهر إلى أن فاتت صلاة العصر، ما تنخّع ولا سعل، ولا توقّف ولا تحبّس، ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه وقد بقي عليه فيه شيء، ولا سأل عن أيّ جنس من الكلام يخطب فيه. فما زالت تلك حاله، وكلّ عين في السماطين والحفل قد شخصت نحوه، إلى أن أشار إليه معاوية الصلاة فقال: هي أمامك ونحن في صلاة يتبعها تمجيد وتحميد، وعظة وتنبيه وتذكير، ووعد ووعيد. قال معاوية: أنت أخطب العرب قاطبة. قال سحبان: والعجم والجنّ والإنس.
[٦٣٧]- لما دخل عبد الملك بن مروان الكوفة بعد قتل مصعب خطبهم
стр. 2474
فقال: يا أهل العراق إني إذا قلت مقالا عقدته بفعال، ووصلت وعيدي بمطال، ثم جعلت من نفسي عليها رقيبا يتقاضاني الوفاء، فأسبق بالعقاب إلى أهل الظّنّة، وأتناول بالكرامة من قعد عن الفتنة. فإياكم وإياكم ما دمت أستكفّ نفسي عنكم، وإياكم وإياكم وعدا غير ملويّ، وزجرا غير منسيّ، فطالما أوضعتم في أودية الضلالة، واعتقبتم مطايا المعصية، واستدرّتنا أكفّكم العقوبة، فلما مريتم أخلاف النقمة صررناها بمصاهرة النعمة. وإذا أهملتم ركائب السّطوة عقلناها بفضل العائدة. تدفعون حقنا ويأبى قضاء الله إلا تقليدكم إياه، وتوجفون «١» في غيّكم ونكدح في إقبالكم، فبذنوبكم سفه رأيكم: ترابية مرة، وزبيرية أخرى.
حتى متى، وإلى متى نسعى في صلاحكم؟ ألا وإني لا آخذ بسالف الجرائم، ولا أعاقب بمتقدّم العصيان، وإنما أستأنف بكم ما استقبلتم به أنفسكم. ألا وكلّ ما كان فتحت قدمي ودبر أذني، رغبة لكم فيما لم ترغبوا فيه لأنفسكم، وحرصا على ما أضعتموه منا فيكم. فأعقبوا بين الدول، واجعلوا للحقّ نصيبا منكم، واغدوا على أعطياتكم.
[٦٣٨]- ولما أتى عبد الله بن الزبير قتل مصعب أخيه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه أتانا خبر قتل مصعب فسررنا واكتأبنا، فأما السرور فلما قدّر له «٢» من الشهادة وخير له من الثواب، وأما الكآبة فلوعة يجدها الحميم عند فراق حميمه، وإنا والله ما نموت حبجا «٣» كميتة آل أبي العاص، إنما نموت قتلا
стр. 2475
بالرماح، وقعصا «١» تحت ظلال السيوف، وإن يهلك المصعب فإنّ في آل الزبير منه خلفا له.
[٦٣٩]- ولما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ارتجّت مكة بالبكاء، فأمر الحجاج «٢» بجمع الناس إلى المسجد، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أهل مكة، بلغني إكباركم واستعظامكم «٣» قتل ابن الزبير، ألا وإنّ ابن الزبير كان من خيار هذه الأمّة حتى رغب في الخلافة، ونازع فيها أهلها، فخلع طاعة الله واستكنّ بحرم «٤» الله. ولو كان شيء مانعا للقضاء لمنع آدم حرمة الجنة، لأنّ الله تعالى خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباحه جنّته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطئه، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، والجنّة أعظم حرمة من الكعبة، فاذكروا الله تعالى يذكركم.
[٦٤٠]- وصعد المنبر بعد قتله متلثّما، فحطّ اللثام عن وجهه وقال: موج ليل التطم فانجلى بضوء صبحه. يا أهل الحجاز، كيف رأيتموني؟ ألم أكشف عنكم ظلمة الجور وطخية «٥» الباطل بنور الحقّ؟ والله لقد وطئكم الحجاج وطأة مشفق عطفته رحم ووصل قرابة «٦» . فإياكم أن تزلّوا عن سنن ما أقمناكم فأقطع عنكم ما وصلته لكم بالصارم البتّار، وأقيم من أودكم ما يقيم المثقّف من أود القنا بالنار، إليكم! ثم نزل وهو يقول [من الطويل] :
стр. 2476
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا
[٦٤١]- وخطب فقال: يا أهل العراق، إنّ الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، وتحصد بالسيف، أما والله لئن أبغضتموني فما تضرّوني، ولئن أحببتموني فما تنفعوني، وما أنا بالمستوحش لعداوتكم، ولا المستريح لمودّتكم.
زعمتم أني ساحر وقال الله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
(طه: ٦٩) ؛ وزعمتم أني أحسن الاسم الأعظم «١» ، فلم تقاتلون من يعلم ما لا تعلمون؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال: لأرواحكم أطيب من ريح المسك، ولدنوّكم آنس من الولد، وما مثلكم إلا كما قال أخو ذبيان: [من الوافر]
إذا حاولت في أسد فجورا ... فإنّي لست منك ولست منّي
هم درعي التي استلأمت فيها ... إلى يوم النّسار وهم مجنّي
ثم قال: يا أهل الشام بل أنتم كما قال الله : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
(الصافات: ١٧١- ١٧٢) .
[٦٤٢]- قام خالد بن عبد الله القسريّ على المنبر بواسط خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي ﷺ ثم قال: أيها الناس، تنافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، واشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا «٢» بالمطل ذمّا، ولا تعتدّوا بالمعروف ما لم تعجّلوه، ومهما يكن لأحد «٣» عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها فالله أحسن لها جزاء وأجزل عليها عطاء؛ واعلموا أنّ حوائج الناس
стр. 2477
إليكم نعم من الله تعالى عليكم، فلا تملّوا النّعم فتحول نقما؛ واعلموا أنّ أفضل المال ما أكسب أجرا وأورث ذكرا؛ ولو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه حسنا جميلا، يسرّ الناظرين ويفوق العالمين؛ ولو رأيتم البخل رجلا لرأيتموه رجلا مشوّها قبيحا، تنفر عنه القلوب وتغضي عنه الأبصار. أيها الناس إنّ أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفوا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته، والأصول عن مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[٦٤٣]- قيل لما ولي أبو بكر بن عبد الله بن حزم المدينة وطال مكثه عليها، كان يبلغه عن قوم من أهلها تناول لأصحاب رسول الله ﷺ وإسعاف من آخرين لهم على ذلك، فأمر أهل البيوتات ووجوه الناس في يوم الجمعة أن يقربوا من المنبر، فلما فرغ من خطبة الجمعة قال: أيّها الناس، إني قائل قولا، فمن وعاه وأدّاه فعلى الله جزاؤه، ومن لم يعه فلا يعدمنّ ذمّا، مهما قصرتم عنه في تفصيله فما تعجزون عن تحصيله، فأرعوه أبصاركم، وأوعوه أسماعكم، وأشعروه قلوبكم، فالموعظة «١» حياة، والمؤمنون إخوة، وعلى الله قصد السبيل، ولو شاء لهداكم أجمعين. فاتقوا الله وأتوا الهدى تهتدوا، واجتنبوا الغيّ ترشدوا، وأنيبوا إلى الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون. والله جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه أمركم بالجماعة ورضيها لكم، ونهاكم عن الفرقة وسخطها منكم، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ
стр. 2478
إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
(آل عمران:
١٠٢- ١٠٣) . جعلنا الله وإيّاكم ممّن يتّبع رضوانه ويتجنّب «١» سخطه، فإنما نحن به وله. إنّ الله تعالى بعث محمّدا ﷺ بالدين، واختاره على العالمين، واختار له أصحابا على الحقّ، ووزراء دون الخلق، اختصّهم به، وانتخبهم له، فصدّقوه وعزّروه ووقّروه، فلم يقدموا إلا بأمره، ولم يحجموا إلا عن رأيه، وكانوا أعوانه بعهده، وخلفاءه من بعده، فوصفهم بأحسن صفتهم، وذكرهم فأثنى فقال وقوله الحق: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
(الفتح: ٢٩) . فمن غاظوه فقد كفر وخاب وفجر وخسر، قال الله : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
(الحشر: ٨- ١٠) . فمن خالف شرائط «٢» الله تعالى عليه لهم، وأمره إيّاه فيهم، فلا حقّ له في الفيء، ولا سهم له في الإسلام، في آي كثير من القرآن؛ فمرقت مارقة من الدين وفارقوا المسلمين، وجعلوهم عضين، وتشعّبوا أحزابا، وأشابات وأوشابا، فخالفوا كتاب الله فيهم، وثناءه عليهم، وآذوا رسول الله ﷺ ، فخابوا وخسروا الدنيا
стр. 2479
والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
(محمد: ١٤) . ما لي أرى عيونا خزرا، ورقابا صعرا، وبطونا بجرا، وشجى لا يسيغه الماء، وداء لا يؤثّر فيه الدواء.
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ
(الزخرف: ٥) ، كلا بل والله هو الهناء والطّلاء، حتى يطرّ العرّ ويبوح الشرّ «١» ، ويضح العيب، ويستوسق الجيب، فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى. ويحكم إني لست إتاويّا أعلّم، ولا بدويّا أفهّم، وقد حلبتكم أشطرا، وقلبتكم أبطنا وأظهرا، فعرفت أنجاءكم، وعلمت أنّ قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم وأسرّوا الكفر في قلوبهم، فضربوا بعض أصحاب رسول الله ﷺ ببعض، وضربوا الأمثال، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا، يأذنون لهم ويصغون إليهم. مهلا قبل وقوع القوارع، وحلول الروائع؛ ومع ذلك فلست أؤنّب تأنيبا «٢» ، عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام.
فأسرّوا خيرا وأظهروه، واجهروا به وأخلصوا، فطالما مشيتم القهقرى ناكصين، وليعلم من أدبر وأصرّ أنّها موعظة بين يدي نقمة، ولست أدعوكم إلى هوى يتّبع، ولا إلى رأي يبتدع، إنما أدعوكم إلى الطريقة المثلى التي فيها خير الآخرة والأولى، فمن أجاب فإلى رشده، ومن عمي فعن قصده. فهلمّوا إلى الشرائع لا إلى الخدائع، ولا تولّوا غير سبيل المؤمنين، ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
(الكهف: ٥٠) . وإياكم وبنيّات الطريق، فعندها الرّهق «٣» ، وعليكم بالجادّة فهي أسدّ وأردّ، ودعوا الأمانيّ فقد أردت من كان قبلكم، وليس للإنسان إلا ما سعى ولله الآخرة والأولى. لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ، وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
(طه: ٦١)
стр. 2480
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
(آل عمران: ٨) .
٦٤٤- خطب محمد بن الوليد بن عتبة بن أبى سفيان إلى عمر بن عبد العزيز وهو خليفة ابنته فزوجه وخطب فقال:
الحمد لله ذي العزّة والكبرياء، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء، أما بعد، فقد أحسن بك الظنّ من أودعك حرمته، واختارك ولم يختر عليك، وقد زوّجتك على ما في كتاب الله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
(البقرة: ٢٢٩) .
[٦٤٥]- قال الأصمعي خطب داود بن علي بالمدينة فأرتج عليه فقال: إنّ اللسان بضعة من الإنسان، يكلّ بكلاله إذا نكل، وينبسط بانفساحه إذا ارتجل، ألا وإنّ الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام، وإنّا لا ننطق هذرا، ولا نسكت حصرا، بل ننطق مرشدين، ونسكت معتبرين، ونحن أمراء الكلام، فينا وشجت عروقه، وعلينا تهدّلت غصونه، وبعد مقامنا هذا مقام، ووراء أيامنا أيام، يعرف فيها فصل الخطاب، ومواضع الصواب.
ومن الخطب في الاستسقاء
[٦٤٦]- روي أنّ النبي ﷺ خرج للاستسقاء، فتقدم فصلّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسبّح اسم ربّك الأعلى، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية.
فلما قضى صلاته استقبل القبلة بوجهه، وقلب رداءه ثم جثا على ركبتيه، ورفع
стр. 2481
يديه وكبّر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم قال: اللهمّ اسقنا غيثا مغيثا، وحيا ربيعا، وجدا طبقا غدقا، مونقا عامّا، هنيئا مريئا، وابلا سابلا مسيلا مجلّلا دائما دررا نافعا غير ضارّ، عاجلا غير رائث، غيثا اللهم تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منّا والباد. اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها، وأنزل علينا في أرضنا سكنها. اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا، فأحي به بلدة ميتا، واسقه مما خلقت لنا أنعاما وأناسيّ كثيرا.
[٦٤٧]- تتابعت السنون على قريش فخرج عبد المطّلب بن هاشم حتى ارتقى أبا قبيس، ومعه رسول الله ﷺ وهو غلام، فقال: اللهم سادّ الخلّة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلّم، ومسؤول غير مبخّل، وهذه عبدّاؤك «١» وإماؤك بعذرات «٢» حرمك، يشكون إليك سنتهم التي أكلت «٣» الظّلف والخفّ، فاسمعنّ اللهم وأمطرن غيثا مريئا مغدقا.
فما راموا حتى انفجرت السماء بمائها وكظّ الوادي ثجثجه، فقال شيخان قريش وجلّتها: هنيئا لك أبا «٤» البطحاء.
[٦٤٨]- ومن خطبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇:
اللهم قد انصاحت جبالنا، واغبرّت أرضنا، وهامت دوابّنا، وتغيّرت «٥» مرابضها، وعجّت عجيج الثّكالى على أولادها، وملّت التردّد في مراتعها،
стр. 2482
والحنين إلى مواردها. فارحم أنين الآنّة، وحنين الحانّة. اللهم وارحم حيرتها في مذاهبها، وأنينها في موالجها. اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السنين، وأخلفتنا مخايل الجود، وكنت الرجاء للمبتئس، والبلاغ للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام، ومنع الغمام، وهلك السّوام، ألا تؤاخذنا بأعمالنا [ولا تأخذنا] بذنوبنا، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق، والربيع المغدق، والنبات المونق، سحّا وابلا تحيي به ما قد مات، وتردّ به ما قد فات.
اللهم اسقنا منك سقيا محيية مروية، تامّة عامّة، مباركة، مريئة «١» ، زاكيا نبتها، ثامرا فرعها، ناضرا ورقها، تنعش بها الضعيف من عبادك، وتحيي بها الميّت من بلادك. اللهم اسقنا منك ديمة «٢» تعشب بها بلادنا «٣» ، وتجري بها وهادنا، ويخصب بها جنابنا، وتعيش بها مواشينا، وتدنى «٤» بها أقاصينا، وتستغني «٥» بها ضواحينا، من بركاتك الواسعة، وعطاياك الجزيلة على بريّتك المرملة، ووحشك المهملة. وأنزل علينا سماء مخضلّة، مدرارا هاطلة، يدافع الودق منها الودق، ويحفز القطر منها القطر، غير خلّب برقها، ولا جهام عارضها، ولا قزع ربابها، ولا شفّان ذهابها، حتى يخصب لإمراعها المجدبون، ويحيا ببركتها المسنتون، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا، وتنشر رحمتك وأنت الوليّ الحميد.
غريب هذه الخطبة: انصاحت: أي تشقّقت؛ وهامت: من الهيام وهو داء يصيب الإبل من العطش فتكوى له مشافرها؛ والحدابير: جمع حدبار؛ وهي الناقة التي أنضاها السير، شبّه بها سنة الجدب [والقزع: القطع الصغار من
стр. 2483
السحاب] ؛ وقوله: ولا شفّان ذهابها: أراد ذات شفّان، والشفّان: الريح الباردة؛ والذّهاب: الأمطار اللينة.
[٦٤٩]- ومن خطبة له ﵇:
ألا وإنّ الأرض التي تحملكم «١» ، والسماء التي تظلّكم مطيعتان لربّكم، وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجّعا لكم، ولا زلفة إليكم، ولا لخير ترجوانه منكم، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود مصالحكم فقامتا. إنّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيّئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكّر متذكّر، ويزدجر مزدجر. وقد جعل الله الاستغفار سببا لدرور الرزق، ورحمة الخلق «٢» ، فقال:
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
(نوح:
١٠- ١١) . فرحم الله امرءا استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيّته.
إنّا خرجنا إليك من تحت الأستار والأركان «٣» ، بعد عجيج البهائم والولدان، راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك.
اللهم فاسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، يا ارحم الراحمين.
اللهم إنّا خرجنا نشكو إليك ما لا يخفى عليك، حين ألجأتنا المضايق الوعرة، وأجاءتنا «٤» المقاحط المجدبة «٥» ، وأعيتنا المطالب المتعسّرة، وتلاحمت
стр. 2484
علينا الفتن المستصعبة. اللهم إنّا نسألك ألّا تردّنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين، ولا تخاطبنا بذنوبنا، ولا تقايسنا بأعمالنا. اللهم انشر علينا غيثك وبركتك ورزقك ورحمتك، واسقنا سقيا ناقعة مروية معشبة، تنبت بها ما قد فات، وتحيي بها ما قد مات، نافعة الحيا، كثيرة المجتنى، تروي بها القيعان، وتسيل البطنان «١» ، وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار، إنك على ما تشاء قدير.
[٦٥٠]- لما خرج عمر بالعباس يستسقي قال:
اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك، وبقيّة آبائه وكبر رجاله، فإنك تقول وقولك الحق وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً
(الكهف: ٨٢) ، فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ نبيّك في عمّه، فقد دلونا به إليك مستشفعين ومستغفرين. ثم أقبل على الناس فقال: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
(نوح: ١٠- ١١) .
قال الراوي: ورأيت العباس ﵁ «٢» وقد طال عمره وعيناه تنضحان، وشيبته تجول على صدره وهو يقول: اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالّة، ولا تدع الكبير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير، ورقّ الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السرّ وأخفى. اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا، إنّه لا ييأس من روحك إلّا القوم الكافرون.
قال: فنشأت سحابة «٣» ، وقال الناس: ترون؟ ثم تلامّت واستتمّت ومشت
стр. 2485
فيها ريح ثم هدأت «١» ودرّت، فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء وقلّصوا الميازر، وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين.
٦٥١- شهد أبو حنيفة نكاحا فقالوا له تكلم، فقال: الحمد لله شكرا لنعمته، وسبحان الله خضوعا لعظمته، ولا إله إلا الله إقرارا بتوحيده، وصلّى الله على سيدنا محمد عند ذكره. إنّ الله خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، وكان ربك قديرا، على أن أحلّ النكاح «٢» وحرّم السفاح وأمرنا «٣» بالإصلاح، ثم إنّ فلانا خطب إلى فلان، فعلى اسم الله فلتكن الإجابة، وعلى الخيرة تكون منه العقدة، زوجت وأنكحت.
٦٥٢- خطبة نكاح من إنشاء علي بن نصر الكاتب:
الحمد لله أهل الحمد وخالقه، فاطر الخلق ورازقه، ومرشد المرء وواعظه، ومنزّل الذكر وحافظه، الذي بسط الآمال ونشرها، وطوى الآجال وسترها، وأنشأ السحاب وأزجاه، وأنشأ العقاب وأرجاه، جلّ عن صفة الواصف، وتعالى عن معرفة العارف، ألا فإنه الله الذي لا إله إلا هو، وسع كلّ شيء رحمة وعلما. أحمده على ما نفع وضرّ، وأشكره على ما ساء وسرّ، وأستعينه على ما بهظ وأثقل، وأتوكّل عليه في ما ألمّ وأعضل، واؤمن به إيمان من اهتدى واستنصر، وأفوّض أمري إليه تفويض من استقال واستغفر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تغني من العسرة، وتقي الندامة يوم الحسرة، وتنفّس كربة المكروب، وتضيء في ظلم الخطوب، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، انتخبه من أشرف أرومة وعنصر، وابتعثه أرأف هاد ومنذر، فبلّغ الرسالة، وأوضح الدلالة، وأدّى الأمانة في ما سمعه، وخفض الجناح لمن اتّبعه، وحذّر من شاقّه وعصاه، وأنذر من حادّه وعاداه، مغمضا على القذى، وواطئا
стр. 2486
على جمرات الأذى، حتى غضب الله لحلمه، ونصره بأخيه وابن عمّه، وجعلهما الله ومن اتّبعهما الغالبين، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين، صلّى الله عليهما صلاة غادية رائحة، سانحة بارحة. ثم إنّ الله تعالى أمرنا بالتواصل والتكاثر، ومنعنا من التقاطع والتدابر، وخبّرنا أنه خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، وكان ربّك قديرا. وهذا فلان يخطب فلانة.
[٦٥٣]- دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامّة، فلم يفجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه، فتكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد فإنّ الله خلق الخلق غنيّا عن طاعتهم، آمنا معصيتهم «١» ، والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون: فالعرب بشرّ تلك المنازل: أهل الحجر والوبر وأهل المدر الذين تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاهة عيشها، ميّتهم في النار وحيّهم أعمى، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمرهوب منه «٢» . فلما «٣» أراد الله تعالى أن ينشر عليهم من رحمته «٤» ، بعث إليهم رسولا من أنفسهم عزيزا عليه ما عنتوا، حريصا عليهم، بالمؤمنين رؤوفا رحيما. فلم يمنعهم ذلك أن جرّحوه في جسمه، ولقّبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق [وبرهان صادق] لا يرحل إلا بأمره، ولا ينزل إلا بإذنه، واضطروه إلى بطن غار. فلما أمر بالعزمة انبسط «٥» لأمر الله لونه، فأفلج الله حجّته، وأعلى كلمته، وأظهر دعوته، وفارق الدنيا نقيّا تقيّا. ثم قام بعده أبو بكر، فسلك سنّته، وأخذ بسبيله، فارتدّت العرب، فلم يقبل منهم بعد رسول الله ﷺ إلا الذي كان قابلا
стр. 2487
منهم، فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران في شعلها، ثم ركب بأهل الحقّ إلى أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أوصالهم ويسقي الأرض دماءهم «١» ، حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه، وقرّرهم بالذي نفروا عنه. وقد كان أصاب من مال الله بكرا يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدا له، فرأى من ذلك غصّة في حلقه «٢» عند موته، فأدّى ذلك إلى الخليفة من بعده، وبرىء إليهم منه، وفارق الدنيا تقيّا نقيّا على منهاج صاحبه. ثم قام بعده عمر بن الخطاب، فمصّر الأمصار، وخلط الشدّة باللين، فحسر عن ذراعيه، وشمّر عن ساقيه، وأعدّ للأمور أقرانها، وللحرب آلتها، فلما أصابه فتى المغيرة استهلّ بحمد الله ألا يكون أصابه ذو حقّ في الفيء فيستحلّ دمه بما استحلّ من حقّه. وقد كان أصاب من مال الله بضعة وثمانين ألفا، فكسر بها رباعه، وكسر «٣» بها كفالة أولاده من بعده، وفارق الدنيا تقيّا نقيّا على منهاج صاحبيه. ثم إنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله، فالحمد لله الذي جلابك حوبتنا، وكشف بك كربتنا، امض ولا تلتفت، فإنه لا يعز على الحقّ شيء «٤» ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات.
ولما أن قال: ثم إنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع، سكت الناس إلا هشاما، فإنه قال: كذبت، كان عثمان هاديا مهديا.
[٦٥٤]- لما قام السفاح أبو العباس أول خلافته على المنبر، قام بوجه كورقة المصحف فاستحيا فلم يتكلم، فنهض داود بن علي عمّه حتى صعد المنبر. قال
стр. 2488
المنصور، فقلت في نفسي: شيخنا وكبيرنا يدعو إلى نفسه، فانتضيت سيفي وغطّيته بثوبي وقلت: إن فعل ناجزته، فلما رقي عتبا استقبل الناس بوجهه دون أبي العباس، ثم قال: أيها الناس، إنّ أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فعله، ولأثر الفعال أجدى [عليكم] من تشقيق الكلام، وحسبكم كلام الله ممتثلا فيكم، وابن عمّ رسول الله ﷺ خليفة عليكم، والله قسما برّا لا أريد بها إلا الله، ما قام بهذا المقام بعد رسول الله ﷺ أحقّ به من عليّ بن أبي طالب ﵇، وأمير المؤمنين هذا، فليظنّ ظانّكم وليهمس هامسكم.
قال أبو جعفر المنصور: ثم نزل فشمت سيفي.
[٦٥٥]- ولداود بن علي خطبة مشهورة، خطبها وأبو العباس على المنبر، صعد دونه بمرقاة فقال: شكرا شكرا، أظنّ عدوّ الله أن لن نقدر عليه، أرخى له في زمامه، حتى عثر بفضل خطامه، فالآن طلعت الشمس من مشرقها، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى النّزعة، وصار الأمر إلى أهل بيت نبيّكم، أهل الرأفة والرحمة. والله ما نزلنا مقهورين حتى أتاح الله لنا شيعتنا من أهل خراسان، والله ربّ هذه البنيّة لا يظلم منكم أحد، وأشار بيده إلى المسجد ثم نزل.
[٦٥٦]- فقام سديف مولاهم إلى جنب «١» المنبر فقال: أيزعم الضلّال- حبطت أعمالهم- أنّ غير آل محمّد أحقّ بالخلافة، فلم وبم؟ أيها الناس، ألكم الفضل بالصحابة دون ذوي القرابة، الشركاء في النسب، الورثة للسلب، الخاصّة في الحياة، الولاة «٢» عند الوفاة، مع ضربهم على الدين جاهلكم، وتأمينهم بعد
стр. 2489
الخوف سائلكم، وإطعامهم في اللأواء جائعكم؟ كم قصم الله بهم من جبّار طاغ، ومنافق باغ، وفاسق ظالم «١» ؟ لم يسمع بمثل العباس، لم تخضع له الأمة لواجب حقّ الحرمة، أبو رسول الله ﷺ بعد أبيه، وأمينه ليلة العقبة، ورسوله يوم مكة، وحاميه يوم حنين، لا يخالف له كلما، ولا يعصي له قسما. إنكم والله معشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث اختار الله لنفسه «٢» طرفة عين، ما زلتم تختارون تيميّا مرة وعدويّا مرة، فأصبحتم بين ظهراني قوم آثروا «٣» العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، أهل خمور وماخور، وطنابير ومزامير، إن ذكّروا لم يذكروا، وإن قوّموا بحقّ أدبروا، بذلك كان زمانهم، وبه كان سلطانهم، حتى أتاكم من هذه الخرسية من لا تعرفون له وجها، ولا تثبتون له نسبا، فضربكم بالسيف حتى أعطيتموها عنوة وأنتم صاغرون، وأنشد: [من الكامل]
أمست أميّة قد تشتّت شعبها ... شعب الضّلال وشتّتت أهواؤها
زعمت أميّة وهي غير حكيمة ... أن لن تزول ولن يهدّ بناؤها
وقضى الإله بغير ذاك فذبّحت ... حتى تريع على الفجاج دماؤها
[٦٥٧]- خطب سليمان بن علي فقال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
(الأنبياء: ١٠٥) ، قضاء فصل، وقول مبرم، فالحمد لله الذي صدق عبده وأنجز وعده، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا والدين هزؤا، والفيء إرثا، والقرآن عضين، لقد
стр. 2490
ضلّ عنهم «١» ما كانوا يستهزؤون، وكأيّن ترى من بئر معطّلة وقصر مشيد، ذلك بما قدّمت أيديهم «٢» وما الله بظلّام للعبيد، أمهلهم حتى اضطهدوا [العترة] وأمنوا الغرّة، ونبذوا السّنّة، وخاب كلّ جبّار عنيد، ثم أخذهم فهل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا «٣» .
٦٥٨- وخطب عبد الله بن علي لما قدم مروان بن محمد دورا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ
(ابراهيم: ٢٨- ٢٩) ، ركض بكم يا أهل الشأم آل حرب وآل مروان، يتسكعون بكم الظلم، ويخوضون بكم مداحض المراقي، ويوطئونكم محارم الله تعالى ومحارم رسوله. فما يقول علماؤكم غدا عند الله تعالى إذ يقولون رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ
فيقول: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ
(الأعراف: ٣٨) . أما أمير المؤمنين فقد ائتنف بكم التوبة، وغفر لكم الزّلّة، وبسط لكم الإقالة بفضله، فليفرّخ روعكم، ولتعظكم مصارع من كان قبلكم، فهذه الجثى منكم مصرّعة، وبيوتهم خاوية، بما ظلموا والله لا يحبّ الظالمين.
ثم نزل عن المنبر.
[٦٥٩]- وصعد بعده صالح بن علي فقال: الحمد لله، يا أهل «٤» النفاق وعمد الضّلالة، أغرّكم لين الإبساس وطول الإيناس «٥» ، حتى ظنّ جاهلكم أنّ ذلك