قال أبو عمرو وقد سمعت ابن أنس السلمي يقول: ليسا من بني فزارة إنما هما ابنا قترة من الأزد، ولقد لقيت أهل ذلك البيت وحدثتهم.
فقال تأبّط شرا لصاحبه: الهرب الهرب الآن! فالطلب والله في أثرك. ثم أخذ به غير الطريق، فما سار إلا ساعة أو قليلا حتى قال له الغلام: أنت مخطىء، الطريق ما تستقيم الريح فيه. قال: قلت فأين؟ قال هذا المكان، فو الله ما جرم أن استقبل الطريق، وما كان سلكها قط. فأصبحنا فما برحت أطرد به حتى رأيت عينيه كأنهما خيط، فقلت: انزل فقد أمنت، فقال: هل تخاف شيئا؟ قلت له: لا، قال: فنزلنا وأنخنا الإبل، ثم انتبذنا فنام في طرفها ونمت في الطرف الآخر ورمقته حتى أوى إلى نفسه وخط طرفاه نوما. فقمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما فقال: ما شأنك؟ فقلت: سمعت حسّا في الإبل، فطاف معي بينها حتى استثرناها، فقال: والله ما أرى شيئا، أتخاف أن تكون نمت وأنت تخاف شيئا؟ فقلت: لا والله لقد أمنت، فقال: فنم. فنمت ونام، فقلت: عجلت أن يكون استثقل نوما فأمهلته حتى أوى إلى نفسه وتملا، فقمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما فقال: ما شأنك؟ قلت: سمعت حسّا في الإبل، قال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا والله، قال: فنم ولا تعد فإني قد ارتبت منك.
قال: فأمهلته حتى أدى نفسه واستثقل نفسه نوما فقذفت بحصاة إلى رأسه فو الله ما عدا أن وقعت فوثب وتناومت، فأقبل فركضني برجله فقال: أنائم أنت؟
قلت: نعم، قال: أسمعت ما سمعت؟ قلت: لا، قال: والله لقد سمعت مثل بركة الجزور عند رأسي، قال: وطفت معه في البرك، فلم ير شيئا فرجع إلى مكانه ورجعت، فلما استثقل نوما، قذفت بحصاة إلى رأسه. فو الله ما عدا أن وقعت فوثب وتناومت فجاء فركضني برجله وقال: أسمعت ما سمعت؟ قلت له: لا، قال: والله لقد سمعت عند رأسي مثل بركة الجزور. فطاف فلم ير شيئا، ثم أقبل عليّ مغضبا توقّد عيناه، فقال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا، قال والله لئن أيقظتني ليموتنّ أحدنا: أنا أو أنت. ثم أتى مضجعه، قال: فو الله لقد بتّ
стр. 2977
أكلؤه أن يوقظه شيء. وتأملته مضطجعا فإذا هو على حرف لا يمسّ الأرض منه إلا منكبه وحرف ساق، وإنّ سائر ذلك لناشز منه. فلما فرغ من نومه قال: ألا تنحر جزورا فنأكل منها؟ قال: قلت بلى، فنحرنا جزورا فاشتوينا منها واحتلب ناقة فشرب ثم خرج يريد المذهب، وراث عليّ جدا. فلما ارتبت اتّبعت أثره، فأجده مضطجعا على مذهبه، وإذا يده داخلة في جحر وإذا رجله منتفخة مثل الوتر، وإذا هو قد مات. فانتزعت يده من الجحر، وإذا به قابض على رأس أسود، وإذا بهما ميتان.
فقال تأبّط شرا في ذلك: [من الكامل]
ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مثقّل
وهي أبيات الحماسة المشهورة.
«١٢٩١» - ومن أخباره التي تشبه أكاذيب العرب ودعاويهم: أنه قتل الغول وقال في ذلك: [من الوافر]
ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان [١]
وإني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها كلانا نضو أرض ... أخو سفر فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوى ... لها كفّي بمصقول يمان
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران
الجران: جلد الحلق، وسمّي جران العود بسوط كان في يده من جران عوده.
فقالت عد فقلت لها رويدا ... مكانك إنني ثبت الجنان
стр. 2978
فلم أنفكّ متّكئا لديها ... لأنظر مصبحا ماذا دهاني
إذا عينان في رأس قبيح ... كرأس الهرّ مسترق اللسان
وساقا مخدج وسراة كلب ... وثوب من عباء أو شنان
«١٢٩٢» - كان من خبر سجاح وادّعائها النبوّة وتزويج مسيلمة إياها أنّ سجاح التميمية ادّعت النبوّة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فاجتمعت عليها بنو تميم وكان فيما ادّعت أنه أنزل عليها:
«يا أيها المتقون، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكنّ قريشا قوم يبغون» .
واجتمعت بنو تميم كلّها لنصرها، وكان فيهم الأحنف بن قيس وحارثة بن بدر ووجوه بني تميم كلّها. وكان مؤذّنها شبث بن ربعي الرياحي، فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذّاب وهو باليمامة، فقالت: يا معشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل هامة، وأضرموا فيها نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة.
وقالت لبني تميم: إنّ الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة، وإنما جعله في مضر، فاقصدوا هذا الجمع، فإذا فضضتموه كررتم على قريش. فسارت في قومها وهم الدّهم الداهم. وبلغ مسيلمة خبرها، فضاق به ذرعا وتحصّن في حجر حصن اليمامة. وجاءت في جيوشها فأحاطت به. فأرسل إلى وجوه قومه وقال: ما ترون؟
قالوا: نرى أن تسلّم الأمر إليها وتدعنا، فإن لم تفعل فهو البوار.
وكان مسيلمة داهية، فقال: سأنظر في هذا. ثم بعث إليها أنّ الله ﵎ أنزل عليك وحيا وأنزل عليّ وحيا، فهلمّي نجتمع ونتدارس ما أنزل علينا، فمن عرف الحقّ نفعه [١] ، واجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي وقومك.
стр. 2979
فبعثت إليه: أفعل. فأمر بقبّة أدم فضربت، وأمر بالعود المندل فسجر فيها، وقال: أكثروا من الطّيب والمجمر، فإنّ المرأة إذا شمّت رائحة الطّيب ذكرت الباءة. ففعلوا ذلك. وجاءها رسوله يخبرها بأمر القبّة المضروبة للاجتماع، فأتته فقالت: هات ما أنزل الله عليك، فقال:
«ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة [١] تسعى، ما بين صفاق وحشا، من بين ذكر وأنثى، وأموات وأحيا، ثم إلى ربّهم يكون المنتهى» .
قالت: وماذا؟ قال: «ألم تر أنّ الله خلقنا أفواجا، وجعل النّساء لنا أزواجا، فنولج فيهنّ قعسا إيلاجا، ونخرجها منهنّ إذا شئنا إخراجا» .
قالت: فأيّ شيء أمرك؟ قال: [من الهزج]
ألا قومي إلى النّيك ... فقد هيّي لك المضجع
فإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
فقالت: لا، إلا به أجمع، فقال: كذلك أوحي إليّ. فواقعها. فلما قام عنها قالت: «إنّ مثلي لا يجري أمرها كذا فيكون وصمة على قومي وعليّ، ولكن أنا مسلّمة إليك النبوّة فاخطبني إلى أوليائي يزوّجوك، ثم أقود تميما معك» .
فخرج وخرجت معه، فاجتمع الحيّان من حنيفة وتميم، فقالت سجاح: إنه قرأ عليّ ما أنزل عليه، فوجدته حقا فاتبعته. ثم خطبها فزوّجوه إياها، ثم سألوه عن المهر، فقال: قد وضعت عنكم صلاة العصر. فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلّونها، ويقولون: هذا حقّ لنا ومهر كريمتنا لا نردّه.
стр. 2980
وقال شاعر بني تميم يذكر أمر سجاح: [من البسيط]
أضحت نبيّتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
قال: وسمع الزّبرقان بن بدر الأحنف يومئذ، وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم، فقال الأحنف: تالله ما رأيت أحمق من هذه الأنبياء قطّ، فقال الزبرقان:
والله لأخبرنّ بذلك مسيلمة، فقال: إذن والله أحلف أنك كذبت فيصدّقني ويكذّبك، قال: فأمسك الزبرقان وعلم أنه قد صدق.
قال: وحدّث الحسن البصري بهذا فقال: أمن والله أبو بحر من نزول الوحي. وأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة، وحسن إسلامها.
وقال الأغلب العجليّ في تزويج مسيلمة الكذّاب بسجاح: [من الرجز]
قد لقّيت سجاح من بعد العمى ... ملوّحا في العين مجلوز القرا [١]
مثل الفنيق في شباب قد أتى ... اللّجيميّين أصحاب القرى [٢]
ليس بذي واهنة ولا نسا ... نشا بلحم وبخبز ما اشتهى
حتى شتا تنتح ذفراه الندى ... خاظي البضيع لحمه خظا بظا [٣]
كأنّما جمّع من لحم الخصى ... إذا تمطّى بين برديه صأى
كأنّ عرق أيره إذا ودى ... حبل عجوز ضفّرت سبع قوى
يمشي على خمس قوائم زكا ... يرفع وسطاهنّ من برد الندى
قالت متى كنت أبا الخير متى ... قال حديث لم يغيّرني البلى
ولم أفارق خلّة لي عن قلى ... فانتشغت فيشته نصف الشّوى
كأنّ في أجيادها سبع كلى ... ما زال عنها بالحديث والمنى
стр. 2981
والحلف السّفساف يردي في الرّدى ... قالت ألا ترينه قالت أرى
قال ألا أدخله قالت بلى ... فشام فيها مثل محراث الغضا
يقول لما غاب فيها واستوى ... لمثلها كنت أحسّيك الحسى
وأما خبر مسيلمة في قتله فهو مع المغازي، وقتله جيش أبي بكر ﵁ باليمامة بعد حرب عظيمة. وكان معظم الصحابة ﵃ في الجيش، وقتل منهم عدد كثير. وكانت لخالد بن الوليد فيها نكاية شديدة.
«١٢٩٣» - وتنّبأ قبل وفاة النبيّ ﷺ الأسود العنسيّ باليمن، واشتدت شوكته واستطار أمره كالحريق فقتله الأبناء باتفاق من زوجته بصنعاء.
«١٢٩٤» - وتنّبأ طلحة الأسديّ في بني أسد بعد وفاة النبي ﵌، ثم عاد إلى الإسلام وشهد وقائع الفرس، وكان له فيهم نكاية. وهو معدود من الفرسان. وكان يتكهّن.
«١٢٩٥» - قال الجاحظ: كان مسيلمة قبل التنبّؤ يدور في الأسواق التي بين دور العجم والعرب كسوق الأبلّة وسوق الأنبار وسوق بقّة وسوق الحيرة، يلتمس تعلّم الحيل والنيرنجات واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم، وقد كان أحكم حيل الحزاة وأصحاب الزجر والخطّ. فمن ذلك أنه صبّ على بيضة من خلّ حاذق قاطع فلانت حتى إذا مدّدها استطالت واستدقّت كالعلك، ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس وتركها حتى انضمّت واستدارت وعادت كهيئتها الأولى، فأخرجها إلى قومه وادّعى النبوّة فآمن به جماعة منهم وقيل فيه: [من الطويل]
ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف
стр. 2982
يريد براية الشادن [١] الراية التي يعملها الصبيّ من القرطاس الرقيق، ويجعل لها ذنبا وجناحا، ويرسلها يوم الريح بالخيوط الطّوال. وكان يعمل رايات من هذا الجنس ويعلّق فيها الجلاجل ويرسلها في ليلة الريح ويقول: الملائكة تنزل عليّ وهذه خشخشة الملائكة وزجلها. وكان يصل جناح الطائر المقصوص بريش معه فيطير.
«١٢٩٦» - قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ
(البقرة: ١٨٩) .
كان النبيّ ﷺ سئل عن الهلال في بدئه دقيقا، وعن عظمه بعد، وعن رجوعه دقيقا كالعرجون القديم. فأعلم الله أنه جعل ذلك ليعلّم الناس أوقاتهم فيما فرض عليهم من حجّهم وعدّة نسائهم وجميع ما يريدون علمه مشاهرة، لأنّ هذا أسهل على الناس من حفظ عدد الأيام، يستوي فيه الحاسب وغيره.
واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبيّ إذا بكى حين يولد، وأهلّ القوم بحجّ وعمرة أي رفعوا أصواتهم بالتّلبية. وكذلك الهلال حين يرى يهلّ الناس بذكره، ويقال: أهلّ الهلال واستهلّ، ولا يقال اهتلّ. ويقال: أهللنا الهلال وأهللنا شهر كذا وكذا، أي دخلنا فيه. وسمّي الشهر شهرا لشهرته وبيانه.
واختلف الناس في الهلال إلى متى يسمّى هلالا، وإلى متى يسمّى قمرا. فقال بعضهم: يسمّى هلالا لليلتين من الشهر، ثم لا يسمّى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني. وقال بعضهم: يسمّى هلالا حتى يحجّر، أي يستدير بخطة دقيقة، وهو قول الأصمعي. وقال بعضهم: يسمّى هلالا إلى أن يبهر بضوئه [٢] سواد الليل، فإذا كان كذلك قيل له قمر، وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة.
стр. 2983
قال أبو إسحاق الزجّاج: والذي عندي وما عليه الأكثر أن يسمّى هلالا ابن ليلتين، فإنه في الثالثة يبين ضوؤه.
واسم القمر الزّبرقان، واسم دارته الهالة، واسم ضوئه الفخت، وقال بعض أهل اللغة: لا أدري الفخت اسم ضوئه أو ظلمته على الحقيقة، واسم ظلّه السّمر، ومن هذا قيل للمتحدّثين ليلا سمّار. ويقال: ضاء القمر وأضاء، ويقال طلع القمر، ولا يقال: طلعت القمراء، ويقال أضاءت القمراء وضاءت.
«١٢٩٦» ب- قال أبو زيد وابن الأعرابي:
يقال للقمر ابن ليلة عتمة سخيلة، حلّ أهلها برميلة، وقال غيرهما: رضاع سخيلة.
وابن ليلتين، حديث أمتين، كذب ومين. وقال ابن الأعرابي: بكذب ومين.
وابن ثلاث، حديث فتيات، غير مؤتلفات. وقيل: ابن ثلاث قليل اللّباث.
ابن أربع: عتمة ربع، لا جائع ولا يرضع. وعن ابن الأعرابي: عتمة ابن الربع.
وابن خمس: حديث وأنس، وقال أبو زيد: عشاء خلفات قعس.
وابن ست سر وبت.
وابن سبع دلجة الضّبع.
وابن ثمان: قمراء إضحيان. وقيل: قمر اضحيان وبالتنوين فيهما.
وابن تسع، عن أبي يزيد: انقطع الشسع. وعن غيره يلتقط فيه الجزع.
وابن عشر: ثلث الشهر. عن أبي زيد وعن غيره: فخنق الفجر، وفي رواية:
أودتك إلى الفجر. ولم تقل العرب في صفة ليلة بعد العشر كما قالت في هذه العشر، كذا قال الزجّاج.
стр. 2984
وجاء عن الأصمعيّ وغيره وصفها إلى آخر الشهر:
قالوا: ابن إحدى عشرة، أطلع عشاء وأرى بكرة، وقيل: وأغيب بسحرة.
قيل: ما أنت ابن اثنتي عشر؟ قال فويق البشر في البدو والحضر.
قيل: ما أنت ابن ثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر يعشى له الناظر.
قيل: ما أنت ابن أربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء دجنّات السحاب.
قيل: ما أنت ابن خمس عشرة؟ قال: ثمّ الشباب، وانتصف الحساب.
قيل: ما أنت ابن ستّ عشرة؟ قال: نقص الحلق في الغرب والشرق.
قيل: ما أنت ابن سبع عشرة؟ قال: أمكنت المقتفر القفرة.
قيل: ما أنت ابن ثماني عشرة؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء.
قيل: ما أنت ابن تسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع، بيّن الخشوع.
قيل: ما أنت ابن عشرين؟ قال: أطلع سحرة وأضيء بالبهرة.
قيل: ما أنت ابن إحدى وعشرين؟ قال: أطلع كالقبس، يرى بالغلس.
قيل: ما أنت ابن اثنتين وعشرين؟ قال: لا أطلع إلا ريثما أرى.
قيل: ما أنت ابن ثلاث وعشرين؟ قال: أطلع في قتمة ولا أجلو الظّلمة.
قيل: ما أنت ابن أربع وعشرين؟ قال: لا قمر ولا هلال.
قيل: ما أنت ابن خمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل.
قيل: ما أنت ابن ستّ وعشرين؟ قال: دنا ما دنا فما يرى مني الأشقا.
قيل: ما أنت ابن سبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا ولا أرى ظهرا.
قيل: ما أنت ابن ثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس.
قيل: ما أنت ابن تسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير ولا يراني إلا البصير.
قيل: ما أنت ابن ثلاثين. قال: هلال مستبين.
стр. 2985
تفسير هذه الألفاظ ومعانيها
أما قوله رضاع سخيلة: فالمعنى أن القمر يبقى بقدر ما نزل قوم فتضع شاتهم ثم ترضعها ويرتحلون.
وقوله حلّ أهلها برميلة يحتمل الإخبار عن قلة اللباث وسرعة الانتقال، لأنّ الرمل ليس بمنزل مقام للقوم، لأنهم كانوا يختارون في منازلهم جلد الأرض وهضبها والأماكن التي لا تستولي عليها السيول؛ فخصّ الرميلة لهذا المعنى.
وقوله حديث أمتين بكذب ومين: يريد أنّ بقاءه قليل بقدر ما تلقى الأمة الأمة فتكذب لها حديثا ثم يفترقان.
وقوله حديث فتيات غير مؤتلفات: أراد أنه يريد أنه يبقى بقاء فتيات اجتمعن على غير موعد فيتحدّثن ساعة وينصرفن غير مؤتلفات.
وقوله عتمة أم ربع: يقال: عتمت إبله إذا تأخرت عن العشاء، ومن هذا سمّيت العتمة لأنه أخّر الوقت في العشاء.
وقوله أم ربع يعني الناقة، وهو تأخير حلبها. يريد أنّ بقاءه بمقدار حلب ناقة لها ولد ولدته في أول الربيع، وهو أول النّتاج، والولد في هذا الوقت يسمّى ربعا إذا كان بكرا، فإن كان أنثى قيل: ربعة، فإن كان في آخر النتاج قيل:
هبع للذكر والأنثى هبعة.
وقوله عشاء خلفات قعس: فالخلفات اللواتي قد استبان حملهنّ، واحدتها خلفة. وهي واحدة المخاض من لفظها، وإنما قال عشاء خلفات لأنها لا تعشّى إلى أن يغيب القمر في هذه الليلة؛ والقعساء الداخلة الظهر الخارجة البطن.
وقوله سر وبت: يريد أنه يبقى بقدر ما يبيت الإنسان ثم يسير، فقلب المعنى لأنه يسير في الضوء.
وقوله قمر إضحيان بالتنوين فيهما: أي ضاح بارز. ويقال قمر إضحيان بالإضافة، ومنه قيل: ليلة إضحيانة إذا كانت نقية البياض.
стр. 2986
وقوله منقطع الشّسع: أي أنه يبقى بقدر ما يبقى شسع من قدّ يمشى به حتى ينقطع.
وقوله يلتقط فيه الجزع: أي أنه مضيء أبلج لو انقطعت مخنقة فتاة فيها شذور مفصّلة بجزع ما ضاع منها شيء لصفائه وبقائه.
وقوله أضيء بالبهرة: يعني به وسط الليل لأنّ بهرة الشيء وسطه.
وقوله أمكنت المقتفر القفرة: فالمقتفر الذي يتتبّع الآثار، وقفرته موضعه الذي يقصده.
وقد جزّأت العرب الليل عشرة أجزاء، فجعلوا لكل ثلاث صفة، فقالوا: ثلاث غرر، وبعضهم يقول: غرّ، وثلاث شهب، وثلاث بهر وبهر، وثلاث عشر، وثلاث بيض، وثلاث درع ودرع، ومعنى الدّرع سواد مقدّم الشاة وبياض مؤخّرها، وإنما قيل لها درع لأنّ القمر يغيب في أولها فيكون الليل أدرع، لأنّ أوّله أسود وما بعده مضيء، وثلاث خنس، وإنما قيل لها خنس لأنّ القمر يخنس فيها أي يتأخر، وثلاث دهم لأنها تظلم حتى تدهامّ. وقال بعضهم: ثلاث حنادس، وثلاث قحم، لأنّ القمر ينقحم فيها أي يطلع في آخر الليل، وثلاث دآديّ، وهي أواخر الشهر، وإنما أخذ من الدأدأة؛ وهو ضرب من السير تسرع فيه الإبل نقل أرجلها من موضع أيديها، فالدأدأة آخر نقل القوائم، وكذلك هي أواخر أيام الشهر.
وفي حديث النبي ﷺ : «الوليمة في أربع: في عرس أو خرس أو إعذار أو توكير» . فالعرس طعام المبتني، والخرس طعام الولادة مأخوذ من الخرسة؛ وهو طعام النّفساء، والإعذار طعام الختان، والوكيرة طعام البناء، كان الرجل إذا فرغ من بنائه أطعم أصحابه، يتبرّك بذلك. يقال: غلام معذور. وقال بعض أصحاب النبي ﷺ : كنّا من أعذار عام واحد، يريد تقارب أسنانهم.
«١٢٩٧» - كانت العرب أشدّ الأمم عناية بمعرفة النجوم وأنوائها، وهم
стр. 2987
أحوج إليها لأنهم أهل عمد وطنب، وحلّ وترحال، فلهم في كلّ نوء حال يصرّفون أمرهم عليها.
١٢٩٨- وقد قيل لأعرابيّ: ما أعلمك بالنجوم؟ قال: من الذي لا يعلم أجذاع بيته؟
١٢٩٩- وقيل لأعرابيّة: تعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله أما نعرف أشياخنا وقوفا علينا كل ليلة؟
«١٣٠٠» - ولهم فيها أسجاع محفوظة متداولة.
قالوا: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.
إذا طلع الدّبران توقّدت الحزّان، واستعرت الدبان، ويبست الغدران.
إذا طلعت الجوزاء توقّدت المعزاء وأوفى على عوده الحرباء، وكنست الظباء، وعوق العلباء، وطاب الخباء.
إذا طلع الدراع حسرت الشمس القناع، وأشعلت في الأفق الشعاع، وترقرق السراب بكل قاع.
إذا طلعت الشعرى، نشّفت الثرى، وأجن الصرى، وجعل صاحب النحل يرى.
إذا طلعت الجبهة، كانت الولهة، وتغارت السفهة.
إذا طلع سهيل، طاب الليل، وحدى النيل، وامتنع القيل، وللفصيل الويل، ورفع كيل، ووضع كيل.
إذا طلعت الصرفة، اختال كل ذي حرفة، وجفر كل ذي نطفة.
إذا طلعت العوّاء، ضرب الخباء، وطاب الهواء، وكره العراء، وسنن السقاء.
إذا طلعت السماك ذهبت العكاك، وقل على الماء اللكاك.
стр. 2988
إذا طلعت الزبانى أحدثت لكل ذي عيال شانا، ولكل ذي ماشية هوانا، وقالوا كان وكانا، فاجمع لأهلك ولا توان.
إذا طلع الإكليل هبّت الفحول، وشمّرت الذيول، وخيفت السيول.
إذا طلع القلب، جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في كرب.
إذا طلع الهرّاران، هزلت السّمان، واشتد الزمان، وجوّع الولدان.
والهرّاران قلب العقرب والنسر الواقع يطلعان معا.
إذا طلعت الشولة، أخذت الشيخ البولة، واشتدّت على العيال العولة، وقيل شتوة زولة، أي عجيبة.
إذا طلع سعد السعود ذاب كل جمود، واخضرّ كلّ عود، وانتشر كل مصرود.
إذا طلع الحوت، خرج الناس من البيوت.
«١٣٠١» - وهذا موضع آرائهم وأقوالهم في الأنواء. قال أبو جعفر محمد بن حبيب: العهاد الوسميّ من المطر، والوليّ ما كان من مطر بعد الوسميّ حتى تنقضي السنة، فذلك كلّه وليّ. والوسميّ أوّل مطر يقع في الأرض، وله سبعة أنجم: الفرع والموخر والحوت والشرطين والبطين والثريا- وهو النجم- والدّبران والهقعة. والوسمي يسمّى العهاد، ثم يكون الوسميّ الدفيء وهو مطر الشتاء وهو الربيع، وأنجمه الهقعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزّبرة وهي الخراتان والصّرفة آخر مطر الشتاء.
ويقال: إذا سقطت الجبهة نظرت الأرض بإحدى عينيها، فإذا سقطت الصرفة نظرت الأرض بعينيها كلتيهما لاستقبال الصيف وتقضّي الشتاء واستحلاس الأرض وتناول المال. ثم أنجم الصيف: العواء وهو السماك، والغفر والزبانيان والإكليل والقلب والشولة، فهذه كواكب الصيف، فإذا
стр. 2989
استهلّت هذه الأنجم بعد ما قد قضى وثق الناس بالحيا. ثم بعد الصيف مطر الحميم وهو أربعة أنجم، وهو مطر الفيض، أوّلهن العنائم ثم البلدة ثم سعد الذابح ثم سعد بلع، فهذه أنجم الحميم، وإنما سمي الحميم لأنه مطر في أيام حارة، وقد هاجت الأرض فتنشر عليه الأرض، فإذا أكلته الماشية لم تكد تسلم فأصابها الهرار والسهام؛ والهرار هو سلال الماشية وذلك أن تشرب الماء فلا تروى فتسلح حتى تموت، والسهام تبرأ منه والهرار لا تكاد تبرأ منه، ثم أنجم الخريف ثلاثة:
فأولهن سعد السعود وسعد الأخبية وفرغ الدلو المقدّم.
«١٣٠٢» - والبوارح أربعة: فأولهن النجم، وهي الثريا، ثم الدّبران والجوزاء والشعرى، فهذا لبّ القيظ وغرّته وشدة حرّه.
«١٣٠٣» - وقولهم أيام العجوز: زعموا أنّ عجوزا دهريّة كانت من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع آخر الشتاء يسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا بقولها، وجرّوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع، فإذا هم ببرد شديد أهلك الزرع والضّرع، فقالوا: أيام العجوز. وقيل هي عجوز كان لها سبعة بنين، فسألتهم أن يزوّجوها وألحّت، فقالوا لها ابرزي للهواء سبع ليال حتى نزوّجك ففعلت، والزمان شتاء كلب، فماتت في السابعة، فنسبت الأيام إليها. وقيل هي الأيام السبعة التي أهلك فيها عاد. وقيل الصواب أيام العجز وهي أواخر أيام الشتاء.
«١٣٠٤» - أسماء الأيام عند العرب:
الأحد أول، الإثنين أهون، الثلاثاء جبار، الأربعاء دبار، الخميس مؤنس، الجمعة عروبة، السبت شيار. وأنشدوا في ذلك شعرا كأنه مصنوع لأنه مختل
стр. 2990
الإعراب وهو: [من الوافر]
أؤمّل أن أعيش وأنّ يومي ... بأوّل أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
أنشد ذلك أبو عمر الزاهد.
«١٣٠٥» - يقال: إنّ بدء تفرّق ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ عن تهامة، ونزوحهم عنها إلى الآفاق، وخروج من خرج منهم عن نسبه، أنّ خزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة بن معدّ كان مشؤوما فاسدا متعرّضا للنّساء، فعلق فاطمة بنت يذكر بن عنزة، واسم يذكر عامر، فشبّب بها، وقال فيها: [من الوافر]
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظّنونا
وحالت دون ذلك من همومي ... هموم تخرج الشّجن الدّفينا
أرى ابنة يذكر ظعنت وحلت ... جنوب الحزن يا شحطا مبينا
فمكث كذلك زمانا، ثم إن خزيمة بن نهد قال ليذكر بن عنزة: أحبّ أن تخرج معي حتى نأتي بقرظ، فخرجا جميعا، فلما خلا خزيمة بيذكر قتله، فلما رجع وليس هو معه سأله أهله عنه فقال: لست أدري، فارقني وما أدري أين سلك. فتكلّموا فيه فأكثروا، ولم يصحّ على خزيمة بن نهد عندهم شيء يطالبونه به حتى قال خزيمة بن نهد: [من المتقارب]
فتاة كأنّ رضاب العبير ... بفيها يعلّ به الزّنجبيل
قتلت أباها على حبّها ... فتبخل إن بخلت أو تنيل
стр. 2991
فلما قال هذين البيتين تساور الحيّان فاقتتلوا وصاروا أحزابا، فكانت نزار بن معد وكندة، وهي يومئذ تنتسب فتقول كندة بن جنادة بن معد، وحاء وهم يومئذ ينتمون ويقولون: حاء بن عمرو بن ودّ بن أدد ابن أخي عدنان بن أدد، والأشعرون ينتمون إلى الأشعر بن أدد، فكانوا يتبدّون من تهامة إلى الشام، فكانت منازلهم بالصفاح من الصفاح، وكان مرّ وعسفان لربيعة بن نزار، وكانت قضاعة بين مكة والطائف، وكانت كندة تسكن من العمر إلى ذات عرق، فهو إلى اليوم يسمّى عمر كندة، وكانت منازل حاء بن عمرو بن أدد والأشعر بن أدد وعك بن عدنان بن أدد فيما بين جدة إلى البحر.
قال فيذكر بن عنزة أحد القارظين اللذين قال فيهما الهذلي [١] : [من الطويل]
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ... ويرجع في القتلى كليب لوائل
والآخر من عنزة أيضا يقال له: أبو رهم، خرج يبغي القرظ فلم يرجع ولم يعرف له خبر. هذا قول من يجعل قضاعة من معدّ، وجعل هذه القبائل أيضا من ولد إسماعيل ﵇. والأشهر من قول النسّابين أنها من قحطان، وقضاعة يقولون ابن مالك بن حمير، والله أعلم.
«١٣٠٦» - قالوا: وكان سبب اصطلام طسم وجديس أنّ الملك كان في طسم، وطسم بن لوذ بن إرم بن سام بن نوح، وجديس بن جاثر بن إرم بن سام ابن نوح. فانتهى ملكهم إلى عمليق، فبغى وتمادى في الغشم والظّلم حتى أمر أن لا تزوّج بكر من جديس ولا تهدى إلى زوجها حتى يفترعها هو قبله. فلقوا من ذلك ذلّا وجهدا. فلم يزل يفعل ذلك حتى زوّجت الشّموس، وهي عفيرة
стр. 2992
بنت عباد الجديسية، أخت الأسود الذي وقع إلى جبل طيّ فقتلته طيّ، وسكنت من بعده الجبل. فلما أرادوا نقلها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله، ومعها القيان يغنّين، ويقلن: [من الرجز]
ابدي بعمليق وقومي فاركبي ... وبادري الصبح لأمر معجب
فسوف تلقين الذي لم تطلبي ... وما لبكر عنده من مهرب
فلما دخلت عليه افترعها وخلّى سبيلها، فخرجت إلى قومها في دمائها، شاقّة درعها من قبل ومن دبر، والدّم يتبيّن وهي في أقبح منظر، وهي تقول:
[من الرجز]
لا أحد أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومي حرّ ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
لأخذة الموت كذا لنفسه ... خير من ان يفعل ذا بعرسه
وقالت تحرّض قومها فيما أتي إليها: [من الطويل]
أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم أناس [١] فيكم عدد النّمل
وتصبح تمشي في الدماء عفيرة ... عفيرة زفّت في الدّماء إلى بعل
فلو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء حجال لم نقرّ بذا الفعل
فموتوا كراما أو أميتوا عدوّكم ... ودبّوا لنار الحرب بالحطب الجزل
وإلا فخلّوا بطنها وتحمّلوا ... إلى بلد قفر وموتوا من الهزل
فللبين خير من مقام على أذى ... وللموت خير من مقام على الذلّ
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
стр. 2993
فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
قال: فلما سمع أخوها الأسود ذلك، وكان سيّدا مطاعا، قال لقومه: يا معشر جديس، إنّ هؤلاء القوم ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلا بما كان من ملك صاحبهم علينا وعليهم، ولولا عجزنا وإدهاننا ما كان له فضل علينا، ولو امتنعنا لكان لنا منه النّصف، فأطيعوني فيما آمركم به، فإنه عزّ الدهر، وذهاب ذلّ العمر فاقبلوا رأيي.
قال: وقد أحمى جديسا ما سمعوا من قولها، فقالوا: نحن نطيعك ولكنّ القوم أكثر وأقوى، قال: فإني أصنع للملك طعاما ثم أدعوهم إليه جميعا، فإذا جاؤوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفنا وهم غارّون فأهمدناهم، قالوا: نفعل. فصنع طعاما كثيرا، وخرج بهم إلى ظهر بلدهم، وكان منزلهم أرض اليمامة، ودعا عمليقا وسأله أن يتغدّى عنده هو وأهل بيته، فأجابه إلى ذلك، وخرج إليه مع أهله يرفلون في الحلى والحلل، حتى إذا أخذوا مجالسهم ومدّوا أيديهم إلى الطعام، أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم، فشدّ الأسود على عمليق وكل رجل على جليسه حتى أناموهم، فلما فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة فلم يدعوا منهم أحدا، ثم إنّ بقيّة طسم لجأوا إلى حسّان بن تبّع، فغزا جديسا فقتلها وخرّب بلادها. فهرب الأسود قاتل عمليق فأقام بجبل طيّ قبل نزول طيّ إياها، وكانت طيّ تسكن الحرف من أرض اليمن، وهي اليوم محلة مراد وهمدان، وكان سيّدهم يومئذ أسامة بن لؤي بن الغوث بن طيّ، وكان الوادي مسبعة، وهم قليل عددهم، وقد كان ينتابهم بعير في زمان الخريف لا يدرى أين يذهب ولا يرونه إلى قابل. وكانت الأزد قد خرجت من اليمن أيام العرم. فاستوحشت طيّ لذلك وقالت: قد ظعن إخواننا فصاروا إلى الأرياف. فلما هموا بالظعن قالوا لأسامة بن لؤي: إنّ هذا البعير الذي يأتينا من بلد ريف وخصب، وإنّا لنرى في بعره النوى، فلو أنّا نتعهّده عند انصرافه فشخصنا معه لعلّنا نصيب مكانا خيرا من مكاننا هذا. فأجمعوا أمرهم على هذا. فلما كان الخريف جاء البعير يضرب
стр. 2994
في إبلهم. فلما انصرف احتملوا، فجعلوا يسيرون ويبيتون حيث يبيت حتى هبط على الجبلين، فقال أسامة بن لؤي: [من الرجز]
اجعل ظريبا لحبيب ينسى ... لكلّ قوم مصبح وممسى
قال: وظريب اسم الموضع الذي كانوا ينزلونه. فهجمت طيّ على النخل في الشعاب وعلى مواشي كثيرة، وإذا هم برجل في شعب من تلك الشعاب، وهو الأسود الجديسي، فهالهم ما رأوا من عظم خلقه وتخوّفوه، ونزلوا ناحية من الأرض واستبروها هل يرون أحدا غيره، فلم يروا أحدا. فقال أسامة بن لؤي لابن له يقال له الغوث: يا بني إنّ قومك قد عرفوا فضلك عليهم في الجلد والبأس والرمي، وإن كفيتنا هذا الرجل سدت قومك إلى آخر الدهر، وكنت الذي أنزلتنا هذا البلد. فانطلق الغوث حتى أتى الرجل فكلّمه وساءله، فعجب الأسود من صغر خلق الغوث، فقال له: من أين أقبلتم؟ قال: من اليمن، وأخبره خبر البعير ومجيئهم معه، وأنهم رهبوا ما رأوا من عظم خلقه وصغرهم عنه. قال وشغله بالكلام، فرماه الغوث بسهم فقتله، وأقامت طيّ بالجبلين بعده، فهم هناك إلى اليوم.
١٣٠٧- قال يعقوب بن إسحاق السّكّيت: ضبيعات العرب ثلاثة:
ضبيعة بن ربيعة، وضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وأمّه مارية بنت الجعيد العبدية، وضبيعة بن عجل بن لخم، وأمّه المفداة بنت سوادة بن بلال بن سعد بن بهشة.
وكان العزّ والشرف في ربيعة بن نزار وفي ضبيعة أضجم وهو ضبيعة بن ربيعة، وأمّه أمّ الأصبغ بنت الحاف بن قضاعة. وكان يلي ذلك منهم الحارث بن عبد الله ابن ربيعة بن دوفر بن حرب، وكان يقال للحارث أضجم، أصابته لقوة فضجم فمه، وهو أوّل بيت كان في ربيعة، وأوّل حرب كانت في ربيعة فيه. ثم انتقل ذلك فصار يليه منهم القدار بن عمرو بن ضبيعة بن الحارث بن الدّول بن صباح ابن العتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
стр. 2995
ثم صار في عبد القيس فكان يلي ذلك منهم الأفكل وهو عمرو بن الجعيد بن صبرة بن الديل بن شن بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن حديلة بن أسد بن ربيعة. وعمرو بن الجعيد الذي ساقهم إلى البحرين من تهامة من ولده الثنى بن مخرمة صاحب علي ﵇، وعبد الرحمن بن أذينة ولي قضاء البصرة، وعبد الله بن أذينة كان عاملا.
ثم صار في النمر بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي، فكان يلي ذلك منهم عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، وربع عامر الضحيان ربيعة أربعين سنة، وأمه ليلى بنت عامر بن الظّرب العدواني، وإنما سمّي الضحيان لأنه كان يجلس لهم في الضحى.
ثم انتقل الأمر إلى بني يشكر بن بكر بن وائل، فكان يلي ذلك منهم الحارث ابن غبر بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر. والحارث هو صاحب الفرخ الذي كان يضعه على الطريق الذي وطئه عمرو بن شيبان الأعمى بن ذهل بن ربيعة بن تغلب، فوثب الحارث على عمرو ووثب بنو عمرو فمنعوه، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل الحارث بن غبر.
ثم انتقل الأمر إلى بني تغلب بن وائل، فصار يليه ربيعة بن مرّة بن الحارث ابن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، ثم وليه من بعده كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر، وكان من أمره في البسوس ما كان، فاختلف الأمر وذهبت الرئاسة.
ثم ضربت القبة على عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، فكان آخر بيوت ربيعة، فولد عبد الله بن عمرو خالدا وهو ذو الجدّين، فلم يزل البيت فيهم إلى الآن.
فأما مضر فلم يجمعها رئيس واحد، وكان في كل قبيلة منها بيت، فبيت تيم في زرارة بن عدي، وبيت قيس عيلان في آل بدر الفزاريين، ولم يكن لذلك البيت التقدّم في القبيلة، إنما كان الشرف فيهم والحسب.
стр. 2996
١٣٠٨- خبر نزار بن معد بن عدنان فيما عينه لبنيه:
روي عن عبد الله بن عباس أنّ نزار بن معد بن عدنان لما حضره الموت أوصى بنيه وهم أربعة: ربيعة ومضر وإياد وأنمار، وقسم ماله بينهم فقال: يا بنيّ هذا الفرس الأدهم والخباء الأسود والقدر وما أشبهها من مالي لربيعة، فسمّي ربيعة الفرس؛ وهذه القبة الحمراء وما أشبهها من مالي لمضر، فسموا بذلك مضر الحمراء، وهذه الخادمة وما أشبهها من مالي لإياد، وكانت شمطاء فأخذ البلق من غنمه؛ والنّدوة وهي المجلس لأنمار.
وروي عن غير ابن عباس ﵀ أنه قال لبنيه: إن أصبتم فقد أوجبت حنونة نسبا، فذهبت مثلا، فإذا لم تسمع فالمع، وإن اختلفتم فتحاكموا إلى أفعى نجران، وهو جرهميّ. فلما اختلفوا توجهوا إليه فبينا هم في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال: إنّ البعير الذي قد رعى هذا الكلأ أعور؛ فقال ربيعة:
وهو أزور؛ وقال إياد: وهو أبتر؛ فقال أنمار: وهو شرود. فلم يسيروا إلا قليلا، فلقيهم رجل فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور، قال: نعم، فقال ربيعة: وهو أزور، قال: نعم، وقال إياد: وهو أبتر، قال: نعم، وقال أنمار:
هو شرود، قال: نعم، هذه صفة بعيري دلّوني عليه. فحلفوا أنهم لم يروه، فلم يصدّقهم، وسار معهم إلى الأفعى، وقال: هؤلاء أصحاب بعيري وصفوه لي وقالوا لم نره. فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه؛ وقال مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعلمت أنه أعور؛ وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره، ولو كان ذيّالا لمصع ببعره، وقال أنمار: عرفت أنه شرود لأنه كان يرعى في المكان الملتفّ نبته ثم يجوز إلى مكان آخر أرقّ منه وأخبث. فقال الجرهمي للرجل: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه. ثم سألهم من هم، فأخبروه.
فرحّب بهم وقال: أتحتاجون إليّ وأنتم كما أرى؟ ثم دعا بطعام وشراب فأكلوا وشربوا. فقام عنهم الشيخ ووقف بحيث يسمع كلامهم فقال ربيعة: لم أر كاليوم
стр. 2997
لحما أطيب لولا أنه غذّي بلبن كلبة، وقال مضر: لم أر يوما كاليوم خمرا أجود لولا أنها على قبر، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه ليس لمن ينسب إليه، وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا.
وسمع الشيخ كلامهم فقال: ما هؤلاء؟ إنهم لشياطين. فسأل أمّه فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك منهم، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها فوطئها؛ وقال للقهرمان الخمر التي شربناها ما أمرها؟
قالت: من حبلة غرستها على قبر أبيك؛ وقال للراعي: اللحم الذي أطعمتنا ما أمره؟ قال: شاة أرضعناها من لبن كلبة، فقال: قصّوا أمركم، فقصّوه فقضى بينهم. فاقتسموا مال أبيهم على ما وصفناه.
١٣٠٩- وجاء من أخبار العرب أنّ نزار بن معد كان اسمه خالدا فقدم على يشتاسف ملك الفرس، وكان رجلا نحيفا، فقال له: أي نزار فسمّي نزارا، ورووا لقمعة بن الياس بن مضر بن نزار: [من الطويل]
خلفنا جديسا ثم طسما بأرضنا ... فأعظم بنا يوم الفخار فخارا
تسمّى نزارا بعد ما كان خالدا ... وأمسى بنوه الأطيبون خيارا
«١٣١٠» - وخندف التي ينسب إليها بنو إلياس بن مضر هي امرأته ليلى بنت تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ولدت له عمرا وعامرا وعميرا، فقدهم ذات يوم، فقال لها: اخرجي في أثرهم، فخرجت وعادت بهم، فقالت: ما زلت أخندف في طلبهم حتى ظفرت بهم، فقال لها إلياس: أنت خندف. والخندفة تقارب الخطو في إسراع.
وقال عمرو: يا أبه أنا أدركت الصيد فلويته، فقال: أنت مدركة. وقال عامر: أنا طبخته وشويته، فقال له: أنت طابخة، وقال عمير: أنا انقمعت
стр. 2998
في الخباء، فقال: أنت قمعة. ولصقت بها وبهم هذه الألقاب وغلبت على أسمائهم، فالقبائل من أبنائهم ينتسبون إلى ألقابهم دون أسمائهم.
«١٣١١» - هاشم بن عبد مناف اسمه عمرو، وسمّي هاشما لأنه هشم الثريد لقومه.
«١٣١٢» - وحلف المطيبين من قريش: بنو عبد مناف وبنو أسد بن عبد العزّى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرّة والحارث بن فهر، غمسوا أيديهم في خلوق ثم تحالفوا.
«١٣١٣» - والأحلاف بنو عبد الدار وبنو مخزوم وبنو جمح وبنو سهم وبنو عديّ، نحروا جزورا وغمسوا أيديهم في دمها وتحالفوا فسمّوا لعقة الدم.
«١٣١٤» - الأحابيش: الذين حالفوا قريشا من القبائل، اجتمعوا بذنب حبشيّ- جبل بمكة، فقالوا: تالله إنهم يد على من خالفهم ما سجا ليل وما رسا الحبشيّ مكانه. وقيل هو من التحبيش وهو من الاجتماع، الواحد أحبوش.
«١٣١٥» - الحمس: حمس قريش وكنانة وخزاعة وعامر وثقيف، سمّوا بذلك لتحمّسهم في دينهم أي تشدّدهم.
«١٣١٦» - قصي: اسمه زيد، أقصي عن دارة قومه لأنه حمل من مكة في صغره بعد موت أبيه، فلما شبّ رجع إلى مكة ولم ينشب أن ساد. وكانت قريش في رؤوس الجبال والشعاب، فجمعهم وقسّم بينهم المنازل بالبطحاء، فقيل له مجمّع.
«١٣١٧» - شيبة الحمد: عبد المطلب: لقّب بشيبة كانت في رأسه حين ولد، وسمّي عبد المطلب لأنّ عمه المطلب مرّ به في سوق مكة مردفا له، فجعلوا يقولون:
стр. 2999
من هذا وراءك؟ فيقول: عبد لي. واسمه عامر.
١٣١٨- همدان واسمه أوسلة بن مالك. أصابه أمر أهمّه فقال: هذا همّ دان، فلقّب بهمدان.
«١٣١٩» - ولد نبت بن زيد بن يشجب والشعر نابت على جميع بدنه، فلقّب بالأشعر، فغلبت عليه، وولده الأشعرون، منهم أبو موسى.
«١٣٢٠» - أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان أبو غنيّ وباهلة القبيلتين، اسمه منبّه، سمّي أعصر لقوله: [من الكامل]
قالت عميرة ما لرأسك بعدما ... فقد الشّباب أتى بلون منكر
أعمير إنّ أباك غيّر رأسه ... مرّ الليالي واختلاف الأعصر
«١٣٢١» - جعفر بن قريع التميمي: نحر أبوه ناقة قسّمها بين نسائه، فأدخل يده في أنفها فجرّ الرأس إلى أمه فنبز به وعيّر أولاده به إلى أن جاء الحطيئة فقال: [من البسيط]
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذّنبا
فصار فخرا لهم.
«١٣٢٢» - خثعم: يقال لهم في الجاهلية الفجّار لأنهم لم يكونوا في الجاهلية يحجّون. وخثعم هم سعد الريث وهم الفزر. وبنو قحافة أبناء عفرس بن بجيلة ابن أنمار بن نزار؛ وهم رهط ابن الدثنة ابن عفرس، تحالفت هذه القبائل، غمست أيديها في الدم ثم وضعتها على ورك جمل يقال له الخثعم، فسمّيت به.
стр. 3000
«١٣٢٣» - مزيقياء: هو عمرو بن عامر بن ماء السماء جدّ الأزد، سمّي بذلك لأنه كان يمزّق كل يوم حلّة جديدة لئلا يلبسها غيره؛ وقيل كان ينسج له كلّ سنة حلّة من ذهب فيلبسها يوم العيد، فإذا أمسى مزّقها، ويقوم بنسج أخرى لعيد السنة القابلة؛ وقيل لأنّ الله تعالى مزّقهم، وذلك قوله: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
(سبأ: ١٩) .
«١٣٢٤» - جذيمة بن سعد الخزاعي: قيل له المصطلق لحسن صوته وشدّته، من الصّلق وهو شدّة الصوت.
١٣٢٥- بنو أمية بن عبد شمس يقال لهم: الأعياص والعنابس. والعنابس:
حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو، وأبلوا في حرب فشبّهوا بالعنابس، وهي الأسد. والأعياص: العاص وأبو العاص، والعيص وأبو العيص، والعويص، وهم أحد عشر ولدا.
«١٣٢٦» - مذحج: أكمة ولدت عليها مدلّة بنت ذي منجشان مالك بن أدد، فنسب ولد مالك إليها، فمنهم الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد، ومنهم همدان بن مالك بن أدد، ومنهم زيد وجعفيّ والنخع.
«١٣٢٧» - مهلهل بن ربيعة التغلبي: اسمه عدي، والمهلهل لقب غلب عليه لأنه أول من هلهل الشعر أي أرقّه، ويقال إنه أوّل من قصّد القصائد.
«١٣٢٨» - الأسعر ابن أبي حمران الجعفي: لقّب الأسعر لقوله: [من الطويل]
فلا يدعني قومي لسعد بن مالك ... لئن أنا لم أسعر عليهم وأنقب
واسمه مرثد بن الحارث.
стр. 3001
«١٣٢٩» - المتلمّس: اسمه جرير بن عبد المسيح الضبعي، وقيل جرير بن يزيد الضبعي، سمّي المتلمّس لقوله: [من الطويل]
فذاك أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس
«١٣٣٠» - تأبّط شرا الفهمي: اسمه ثابت بن جابر.
يزعمون أنه قتل الغول وجاء متأبّطا لها، فألقاها وسط أصحابه، فقالوا: لقد تأبّط شرا، فغلبت عليه. وقيل: بل أخذ جونة فملأها حيّات ثم أتى بها أمّه متأبّطها فقالت: تأبّط شرا.
«١٣٣١» - الحادرة هو: قطبة بن حصن.
غلب عليه الحادرة ببيت قاله وهو: [من المتقارب]
كأنك حادرة المنكبين ... رصعاء تنفض في جامر
«١٣٣٢» - النابغة الذبياني: اسمه زياد بن عمرو ويكنى أبا أمامة، غلب عليه النابغة لأنه غبر برهة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله.
«١٣٣٣» - وكذلك النابغة الجعدي: اسمه قيس بن عبد الله ويكنى أبا ليلى، وهو أسنّ من النابغة الذبياني، وطال عمره حتى أدرك أيام بني أمية.
«١٣٣٤» - الأعشى الكبير ميمون بن قيس من بني قيس بن ثعلبة، غلب عليه اللقب لعشا في عينيه.
стр. 3002
١٣٣٥- وكذلك أعشى باهلة، وأعشى همدان.
«١٣٣٦» - الفرزدق همّام بن غالب.
لقّب الفرزدق لأنه كان جهم الوجه فشبّهته امرأة [١] بالفرزدقة وهي القطعة من العجين يعمل منها الفتوت، وقيل إن أباه لقّبه بذلك تشبيها بدهقان يعرفه.
«١٣٣٧» - الأخطل: اسمه مالك بن غياث بن غوث، وقال أبو عمرو:
غويث بن الصلت، قال له رجل وهو صبي: يا غلام إنك لأخطل، فغلبت عليه وقيل لخطل في لسانه وثقل في كلامه.
١٣٣٨- أبو بكرة: اسمه نضيع [٢] . كان مولى الحارث بن كلدة بالطائف، فلما حاصرها النبي ﷺ قال: أيما عبد نزل إليّ فهو حرّ، فتدلّى من السور على بكرة فسمّي أبا بكرة.
١٣٣٩- الحطيئة: اسمه جرول بن أوس بن جؤيّة بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، حبق في مجلس قومه فقال: إنما هي حطأة فسمّي الحطيئة.
«١٣٤٠» - ذو الرمّة اسمه غيلان بن عقبة من عديّ الرباب سمّي ذا الرمّة بمعاذة علّقت عليه في صغره بخيط وكان خشي عليه المسّ.
«١٣٤١» - القطامي الشاعر التغلبي: شبّه بالقطامي وهو الصقر واسمه عمير ابن شييم.
стр. 3003
«١٣٤٢» - غسان: ماء بالسليّل، من نزل عليه من الأزد قيل له غساني.
«١٣٤٣» - وبارق: جبل، من نزله من الأزد قيل له بارقي.
١٣٤٤- جذيمة بن عوف الأنماري: ضربه أثال بن لجيم فجذمه، فسمّي جذيمة، وضرب هو أثالا فحنف رجله فسمّي حنيفة، قال: [من الوافر]
إن تك خنصري بانت فإني ... بها حنفت حاملتي أثال
«١٣٤٥» - غلبة قريش على مكة: مات كلاب بن مرّة بن لؤي بن غالب وابنه قصيّ صغير، فتزوّجت أمّه فاطمة بنت سعد من ربيعة بن حزام العذريّ، فولدت له رزاحا ومحمودا وحيا وجلهمة. وكان قصيّ لا يعرف أبا غير ربيعة حتى كان بينه وبين رجل من غسان شيء، فعيّره الرجل بالغربة، فرجع إلى أمه فسألها فقالت: صدق ما أنت منهم بل أنت أفضل منهم، أنت ابن كلاب بن مرّة بن لؤي بن غالب، وقومك عند بيت الله الحرام. فأزمع قصيّ أن يلحق بقومه، وطلبت إليه أمه أن يؤخّر ذلك إلى حين خروج الحاج، فخرج مع حاجّ قضاعة، وكان رجلا جلدا أديبا عاقلا جوادا، فخطب إلى الخليل بن حبشة الخزاعي ابنته حيّة، وخزاعة يومئذ بمكة ولهم حجابة البيت، فزوّجه فولدت له عبد مناف وعبد الدار وعبد العزّى وعبد قصيّ.
ولما هلك الخليل، رأى قصيّ أنه أحق بولاية البيت وأنه بيت آبائه. فكلم من لقي من قريش ودعاهم إلى إخراج خزاعة، وقال: قوم طروا عليكم من أهل اليمن فغلبوا أوليتكم على مسجدهم، فأنتم أحقّ أن يكون في أيديكم، فقالوا: إنّ خزاعة لها عدد وعدّة، ولا نجدة لنا، وإخواننا من كنانة حلفاؤهم وأنصارهم؛ فإن تابعونا فقد هلك القوم. فمشى في كنانة وغيرهم، فكتب إلى رزاح بن ربيعة
стр. 3004
العذريّ أخيه لأمه، فقدم عليه في ألف رجل من عذرة. فانحازت خزاعة عن قصيّ، واقتتلوا حتى كادوا يتفانون، ثم رجعوا عن القتال وراسلوا في الصلح.
فرجع الأمر إلى قصيّ، وهدرت الدماء بينهم. فكان قصيّ أوّل من أصاب الملك من بني كعب بن لؤي، فكانت إليه الحجابة والسّقاية والرّفادة والنّدوة واللواء. فقسم مكة أرباعا بين قومه، وأمر بقطع شجرها وبناها بيوتا. قال:
فهابت ذلك قريش، فأمر قصيّ أعوانه فقطعوها، وقطع معهم بيده، وسمّي قصيّ مجمّعا لأنه أول من جمع قريشا، وكانت في نواحي مكة وفي بني كنانة وما يليها من العرب. ولما ظهر أولاد قصيّ تفرّقت لؤيّ، فلحق سامة بن لؤي بأزد عمان، وصارت الحارث بن لؤي إلى غير حيّ من بني شيبان بن ثعلبة عن عكابة، وهم عائذة، وصارت سعد بن لؤي من بني ذبيان بن بغيض، وهم بنو مرّة بن عوف، فلم يعد قصيّ منهم إلا على ولد كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي.
«١٣٤٦» - وقيل في خروج سامة بن لؤي غير هذا، قال ابن الكلبي: كان سبب خروج سامة بن لؤي من تهامة إلى عمان أنه فقأ عين عامر بن لؤي، وذلك أنه ظلم جارا له فغضب عامر، وكان شرسا سيّء الخلق، فخاف سامة أن يقع بمكة شرّ فيقال كان سامة سببه. وقيل: إنّ سامة كان يشرب بعكاظ، فلما أخذ منه الشراب أتاه ابن لعامر بن لؤيّ، فقال: يا عمّ هل لك في لحم؟ - وقد قرم سامة إلى اللحم للشراب الذي شربه- فقال: نعم. فمضى الغلام إلى جفرة لسامة فذبحها وأتاه بها. فعرفها سامة، فأخذ صخرة ففضخ بها رأس الغلام فقتله، ومضى سامة ومعه الحارث ابنه وهند ابنته وأمّهما هند بنت تيم الأدرم ابن غالب، وإنما سمّي الأدرم لنقصان ذقنه، فنزل قرية على بني عامر بن صعصعة. وكانت بنت الحارث بن سامة خالة كلاب بن ربيعة وأمّهم مجدانية ابنة تيم بن غالب ولدت كلابا وعامرا وكليبا وكعبا ومحمسا. فدرج محمس،
стр. 3005
فجعل الحارث بن سامة يصارع عامرا فيصرعهم رجلا رجلا، فخشي سامة أن يقع بينهم الشر، فأتى عمان، فتزوّج ناجية بنت جرم بن زبان وهو علاف بن حلوان، فأقام بها فنهشته حية فمات. ويقال: إنّ سامة بن لؤيّ شرب هو وأخوه شرابا، فلما أخذ الشراب من كعب بن لؤي أقبل على امرأة سامة فقبلها، فأنف سامة من ذلك وقال: لا أساكنك في بلد، فلم يزل يرتاد حتى نزل عمان.
فلما أصاب المواطن التي يشتهي رجع فحمل امرأته إلى عمان واسمها ناجية، وإنما سمّيت ناجية لأنها عطشت فجعل يقول لها: هذا الماء هذا الماء حتى نجت، وركب هو ناقة، فبينا هو يسير عليها إذ مرّ بواد مخصب، فتناولت ناقته من حشيشه فعلقت بمشفرها أفعى فاحتكت بالغرز، فنهشت الأفعى ساق سامة فخرّا جميعا ميتين.
قال الشاعر: وقيل [١] إنها لأخيه كعب: [من الخفيف]
عين بكّي لسامة بن لؤي ... غلقت ما بساقه العلّاقه
ربّ كأس هرقتها ابن لؤيّ ... حذر الموت لم تكن مهراقه
وبنو ناجية ينتسبون في قريش، وبعض النسابين ينكرون ذلك، ويزعمون أنّ سامة لما مات من نهشة الأفعى تزوّجت امرأته رجلا من البحرين فولدت منه الحارث، ومات أبوه وهو صغير، فلما ترعرع طمعت أمّه أن تلحقه بقريش فأخبرته أنه ابن سامة بن لؤي، فرحل عن البحرين إلى عمه كعب فأخبره أنه ابن أخيه سامة، فعرف كعب أمه وظنّه صادقا فقبله. ومكث عنده مدة حتى قدم ركب من البحرين، فرأوا الحارث فسلّموا عليه وحادثوه، فسألهم كعب بن لؤي: من أين تعرفونه؟ قالوا: هذا ابن رجل من بلدنا يقال له فلان وشرحوا له خبره فنفاه كعب ونفى أمه، فرجعا إلى البحرين فكانا هناك، وتزوّج الحارث فأعقب هذا العقب.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: عمي سامة لم يعقب. وأما الزبير بن بكار فإنه
стр. 3006
أدخلهم في قريش العازبة، وإنما سمّوا العازبة لأنهم عزبوا عن قومهم فنسبوا إلى أمهم ناجية. ولعل الزبير يقول ذلك على مذهبه في التعصّب ومخالفة أمير المؤمنين علي ﵇. وكان بنو ناجية ارتدوا عن الإسلام، فلما ولي علي ﵇ الخلافة دعاهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم وأقام الباقون على الرّدّة، فسباهم واسترقّهم، فاشتراهم مصقلة بن هبيرة الشيباني ثم أعتقهم وهرب من تحت ليلته إلى معاوية فصاروا أحرارا ولزمه الثمن. فشعث علي ﵇ شيئا من داره، وقيل بل هدمها، فلم يدخل مصقلة الكوفة حتى قتل علي ﵇.
«١٣٤٧» - زعموا أنّ الخطيم بن عديّ الأوسي قتله رجل من بني عامر بن ربيعة ابن صعصعة يقال له مالك، وقتل عديّ بن عمرو أباه رجل من عبد القيس. فلما شبّ قيس بن الخطيم بن عديّ، رضمت أمّه حجارة كهيئة القبر وجعلت تقول:
هذا قبر أبيك وجدّك، مخافة أن يسمع بقتلهما فيطلب بدمائهما فيقتل، وكان قيس قويّا شديدا. وإنه نازع غلاما من قومه فقال له الغلام: أما والله لو ألقيت كرعك- يعني بدنك- وقوّتك على قاتل أبيك وجدّك لكان أولى بك. فرجع إلى أمّه فقال لها: أخبريني عن أبي وجدّي. قالت: يا بني ماتا في وجع البطن وهذان قبراهما، فأخذ سيفه فوضع ذبابه بين ثدييه فقال: والله لتخبريني خبرهما أو لأتحمّلنّ عليه حتى يخرج من ظهري؟ فقالت له: إنّ أباك قتله رجل من بني عامر، وإنّ جدّك قتله رجل من بني عبد القيس. فخرج بسيفه حتى أتى ناضحه وهو يسنو، فضرب رشاءه فهوى الغرب في البئر، واختطم البعير فأقبل به عليه فشدّ جهاره حتى وقف على نادي قومه فقال: أيكم يكفيني مؤونة هذه العجوز بفضل ثمرة مالي، فإن رجعت فمالي لي وإن هلكت فلها حتى تموت ثم المال له. فقال بعضهم: أنا، فدفعه إليه ثم سار، فقالت له أمه: يا بنيّ إن كنت لا بدّ فاعلا فأت خداش بن زهير فإنه قد كانت لأبيك عنده نعمة، فسله أن يقوم معك. فمضى حتى انتهى إلى مرّ الظهران، ثم سأل عن
стр. 3007
مظلّة خداش بن زهير فأتاها، فسأل امرأته عنه، فقالت: ليس هو ها هنا، قال: فهل عندك من قرى؟ قالت: نعم، قال: فهلمّ. فأخرجت إليه قباع تمر فتناول تمرة فأكل نصفها وردّ نصفها في القباع، ثم تنحّى فنزل في ظلّ شجرة، فلم ينشب أن طلع خداش. فدخل على امرأته فأخبرته الخبر فقال: هذا رجل متحرّم. وركب قيس بعيره ثم أقبل حتى سلّم. فقال خداش: والله لكأنّ قدم هذا الفتى قدم الخطيم صديقي اليثربي. ودخل عليه قيس فانتسب له وأخبره ما الذي جاء به، فقال له: يا ابن أخي قاتل أبيك ابن عمي وإن أردت دفعه إليك لم أقدر مع قومي، ولكن سأجلس العشيّة إلى قاتل أبيك فأحدّثه وأضرب بيدي على فخذه، فإذا رأيت ذلك فشدّ عليه واقتله فإني سأمنعك. فلما كان العشاء جلس خداش بن زهير فصنع ذلك بالرجل، وأقبل قيس إليه فضربه بالسيف حتى قتله، ووثبوا إليه ليقتلوه فحال بينهم وبينه خداش وقال: إنما قتل قاتل أبيه. قال له: ما تريد يا ابن أخي؟ قال: الطلب بدم جدي، قال: فأنا معك. وركبا جميعا فسارا حتى أتيا البحرين، فلما دنوا من قاتل جدّه قال له خداش: إني سأكمن في هذه الدارة من الرمل، فاخرج حتى يأتي الرجل فقل له: إني أقبلت أريد بلادكم، فلما كنت بهذا الرمل برح بي لصّ فسلبني وأخذ متاعي، وقد جئتك لتركب معي لتستنقذ لي ذلك؛ فإن هو أمر ناسا بالركوب معك فاضحك، فإن سألك عن ضحكك فقل له: إنّ السيّد مثلك لا يفعل مثل فعلك، إنما يخرج وحده إذا استعين على شيء حتى يفرغ منه. فخرج قيس حتى أتاه، فأمر خداش، فأحمسه فدعا بفرسه فركب معه وحده حتى أتى خداشا، فنهض إليه خداش فقال: يا ابن أخي إن شئت كفيتكه، فقال قيس: لا بل دعني أنا وإياه فإن قتلني لا يفتك، ونازله قيس فطعنه بحربة معه فقتله. فقال له خداش: إنّا إن أخذنا الطريق طلبنا وظفر بنا، ولكن اكمن بنا في هذا الرمل حتى يهدأ الطلب عنا، فكمنا فيه وفقد القوم صاحبهم فخرجوا في طلبه فوجدوه قتيلا، فتفرّقوا في كل وجه فلم يظفروا بأحد، فرجعوا وانصرف خداش وقيس راجعين، حتى إذا بلغا مأمنهما أقبل
стр. 3008
قيس نحو قومه وهو يقول [١] : [من الطويل]
تذكّر ليلى حسنها وصفاءها ... وباتت فأمست [٢] لا ينال لقاءها
ومثلك قد أصبيت ليست بكنّة ... ولا جارة أفضت إليّ حياءها
سرّها، ويروى حباءها، يقول: أخبرتني بما تكتم وتسرّ.
إذا ما اصطبحت أربعا خط [٣] مئزري ... وأتبعت دلوي في السماح [٤] رشاءها
ثأرت عديّا والخطيم فلم أضع ... ولاية أشياخ [٥] جعلت إزاءها
ويروى ورثت عديّا.
ضربت بذي الزّرين ربقة مالك ... وأبت بنفس قد أصبت شفاءها
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
الشّعاع بالفتح المنتشر.
ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها ... يرى قائما من دونها [٦] ما وراءها
يهون عليّ أن يروع جراحها ... عيون الأواسي إذ حمدت بلاءها
وشاركني [٧] فيها ابن عمرو بن عامر ... خداش فأدّى نعمة وأفاءها
وكانت شجى في النفس ما لم أبؤ بها ... فأبت ونفسي قد أصبت دواءها
وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبّة ... أسبّ بها إلا كشفت غطاءها
стр. 3009
متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
وإنّي لدى الحرب العوان موكّل ... بإقدام نفس لا أريد بقاءها
لقد جرّبت منّا لدى كلّ مأقط ... دحيّ إذا ما الحرب ألقت رداءها
ونلقحها مبسورة ضرزنيّة ... بأسيافنا حتى نذلّ إباءها
مبسورة: مستكرهة، ضرزنيّة: شديدة.
وإنّا منعنا من بعاث نساءنا ... وما منعت م المخزيات نساءها
وأدرك قيس بن الخطيم الإسلام، وخرج مع قوم من الأنصار إلى مكة بعد العقبة الأولى، فلقوا النبيّ ﷺ ، فدعا قيسا إلى الإسلام وقرأ عليه القرآن، فقال له قيس: والله إنّ حسبك لكريم، وإنّ وجهك لحسن، وللّذي أنت عليه خير من الذي أنا عليه، أفرأيت إن أنا بايعتك أيحلّ لي الزّنا؟
قال: لا، قال: أفيحلّ لي الهجاء؟ قال: لا، قال: أفيحلّ لي القتل؟ قال: لا، قال: ففي نفسي من هذه الخصال شيء، فأنا أرجع إلى بلدي فأقضي أربي، فإذا قدمت اتبعتك. فقال له النبي ﷺ : فإن لي إليك حاجة، قال قيس: هي لك، قال: إنّ امرأتك حواء بنت يزيد مسلمة فلا تؤذها ولا تحل بينها وبين الإسلام، قال: ذلك لك، وما علمت بذلك. وهي أخت رافع بن يزيد الأشهلي، وهو ممن شهد بدرا. ثم رجعوا إلى المدينة وقد فشا الإسلام في الأوس والخزرج، ودخل بعضهم في كفة بعض بعد الحرب المتصلة بينهم. وكان قيس من ذوي البلاء فيها.
فاجتمع ناس [١] من بني سلمة فيهم رجل من بني مازن بن النجار، فقالوا: قد علمتم ما صنعت بكم الأوس يوم بعاث، وقيس بن الخطيم فتى الأوس وشاعرها فتهيّأوا لقتله، فإنّا إن قتلناه أدركنا ثأرنا. فاجتمع ملأهم على ذلك، وسألوا عنه
стр. 3010
فقالوا: إنه يخرج في كلّ عشيّة فيأخذ على بني حارثة حتى يأتي ماله بالشوط.
فخرجوا حتى جاؤوا محيصة وحويصة والأحوص من بني مسعود، وكانت بنو سلمة أخوالهم، فمتّوا إليهم بالخؤولة وذكّروهم إخراج بني عبد الأشهل إيّاهم إلى خيبر وما صنعوا بهم في تلك الحروب. وقالوا لهم: إنّ قيس بن الخطيم يمرّ على أطمكم كلّ عشيّة، وقد أردنا قتله، فإن رأيتم أن تتركونا حتى نكمن له فيكم. فأذنوا لهم في ذلك، فكمنوا له في رأس أطمهم. فلما كان من العشيّ أقبل يمشي في ثوبين له مورّسين، حتى إذا جاء الأطم رموه، فوقعت في صدره ثلاثة أسهم، فصاح صيحة سمعها بنو ظفر. فأقبلوا يسعون إليه فقالوا: ما لك؟ قال: قتلني بنو حارثة بأيدي بني سلمة. فخرجوا يحملونه حتى جاؤوا به منزله. فلما رأته امرأته خرجت تصيح وتولول، قالت: فنظر إليّ نظرا علمت أنه لو عاش لقتلني، لا والله ما رأى عندي رجلا قطّ إلا أنه قد كان يأتي بالأسير فيأمرني فأدهنه وأرجّله ثم يقوم إليه فيضرب عنقه. فمكث قيس أياما، ويخرج [١] رجل من قومه حتى أتى بني مازن بن النجار وهم في مجلسهم، فقال: أين ابن أبي صعصعة؟ قالوا: في منزله، فخرج حتى أتاه، فقال: يا عمّ أخل، فخلا معه في بيت في داره، فحدثه شيئا ثم وثب عليه فضرب عنقه، ثم اشتمل على رأسه فخرج وأجاف الباب عليه. فلما طلع على بني مازن خشي أن ينذروا به فيطلبوه، فقال: قوموا إلى سيّدكم يا بني مازن فإنه يدعوكم، فوثبوا وقالوا: هذا أمر حدث من أمر رسول الله ﷺ . ورفع الآخر جراميزه حتى انتهى إلى قيس وهو بآخر رمق، فقال: يا قيس قد ثأرت بك. قال: عضضت أير أبيك إن كنت عدوت أبا صعصعة، قال: فإني لم أعده. وأخرج له رأسه فلم يلبث قيس أن مات.
وقال قيس حين رمي وجاءت رزاح من بني ظفر لينظروا إليه، وكان بينه وبينهم شرّ فقال [٢] : [من السريع]
стр. 3011
كم قاعد [١] يحزنه مقتلي ... وقاعد يرقبني شامت
أبلغ رزاحا [٢] أنّني ميّت ... كلّ امرىء ذي حسب مائت
أيام العرب:
وأيام العرب ووقائعها كثيرة لا يحويها كتاب مفرد ولو أسهب جامعه.
وقد ذكرت بعض المشهور منها على إيجاز واختصار وحذف للمصنوع المضاف إليها، والأشعار التي قيلت فيها مما فيه أدب يستفاد، أو تجربة تقتبس أو فعل مستغرب.
«١٣٤٨» - فمن أيامهم المشهورة يوم حليمة.
يقولون في أمثالهم: ما يوم حليمة بسرّ. وخبره أنّ المنذر بن ماء السّماء اللخميّ ملك الحيرة، غزا الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ ملك العرب بالشام، فأتاه في زهاء مائة ألف، فهابه الحارث وخاف البوار على قومه. فأتاه شمر بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزّى بن سحيم بن مرّة بن الدّول بن حنيفة ابن لجيم بن مصعب بن علي بن بكر بن وائل في جمع من قومه، وقد كان المنذر أغضبه في شيء. فأشار شمر على الحارث بأن يريّث المنذر عن الحرب، ويعده بأن يعطيه مالا ويدين له. ففعل الحارث ذلك فاغترّ المنذر بذلك، ثم قال لفتيان غسان الذين هم كانوا من بيت الملك: أما تجزعون أن يتقسّم اللخميّون نساءكم؟
فانتدب منهم مائة، وفيهم لبيد بن أخي الحارث بن أبي شمر بن عمرو بن الحارث بن عوف بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد واسمه درء بن الغوث بن
стр. 3012
نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وليس الحارث من بني جفنة، وقد نسب إلى بني جفنة لأنّ الملوك كانوا منهم. وأخرج الحارث ابنته حليمة، وكانت أجمل نساء العرب، فدافت مسكا في جفنة وبرزت. فجعلت تطلي هؤلاء الفتيان بذلك المسك، وكان آخرهم لبيد. فلما خلّقته قبض عليها وقبّلها، فصاحت وولولت. فقال أبوها: ما شأنك؟ فأخبرته فقال: قدمناه للقتل فإن يقتل فقد كفيت أمره وإن يسلم- وهو أحبّهما إليّ- زوّجتك إياه، فهو كفؤ لك كريم.
فلما تجهّزوا قال لهم شمر: ائتوا المنذر وأعلموه أنكم خرجتم مراغمين للحارث لسوء أثره فيكم، فإنه سيسرّ بمكانكم فكونوا قريبا من قبّته، فإذا رأيتمونا قد زحفنا إليه فشدّوا على حرسه وحجّابه. ففعل الفتيان ما أمرهم به، فلما زحف الحارث وأصحابه شدّ الفتية على الحرس فقاتلوهم أشدّ قتال، وقتلوا منهم بشرا وقتلوا كلّهم، ولحقهم شمر فيمن معه من جفنة، ولم يكن له همة إلا قتل المنذر، فقصده فدخل عليه فقتله. ولم ينج من أهل المائة إلا لبيد صاحب حليمة، فرجع وقد اسودّت فرسه من العرق، فأخبر الحارث بأنّ شمر بن عمرو قد قتل المنذر.
ثم حمل على أصحاب المنذر، فقال له الحارث: ويحك! أين تمضي؟ ارجع وقد زوّجتك حليمة، فقال: والله لا تحدّث العرب أني بقيت فلّ مائة. ولحق الحارث الناس فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر شأس بن عبدة أخا علقمة بن عبدة الذي يعرف بعلقمة الفحل في سبعين من أشراف تميم سوى الشرط، وأسر من أسد وقيس جمعا كثيرا. وهذا اليوم أيضا يسمّى عين أباغ.
ووفد علقمة [١] بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بني عبيد بن ربيعة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم إلى الحارث فامتدحه بقوله: [من الطويل]
طحا بك قلب في الحسان طروب
وهي من قلائد أشعار العرب يقول فيها:
стр. 3013
وفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمة ... فحقّ لشأس من نداك ذنوب
فأطلق له شأسا مع أسرى تميم.
١٣٤٩- ومن أيامهم المشهورة يوم ذي قار وقد مضى خبره في باب الوفاء.
خبر ابن الهبولة:
«١٣٥٠» - هو زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف بن ضجعم بن حماطة واسمه: سعد ابن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكانت الضجاعمة ملوك الشام قبل غسان. وكان سبب قتله أنه أغار على حجر بن عمرو بن معاوية بن ثور بن مريع الكندي، وكان يسكن عاقلا، فأخذ ما وجد في عسكره وأخذ امرأته هندا وعمرو غاز، ثم إنّ زيادا انكفأ راجعا، وقد كان استاق إبلا لعمرو بن أبي ربيعة بن شيبان بن ثعلبة، فأتاه عمرو وهو بالبردان فقال له: يا خير الفتيان أردد عليّ فحل إبلي، فقال: هو لك. فامتنع الفحل على عمرو فأخذ ذنبه ثم أقعده حتى سقط على جنبه؛ فحسده ابن الهبولة على ما رأى من شدته، فقال: يا معشر بني شيبان لو كنتم تقتعدون الرجال كاقتعادكم الإبل كنتم أنتم أنتم. فقال له عمرو: لقد وهبت قليلا، وشتمت مجيلا، وجنيت على نفسك شرّا طويلا، ولئن قدرت عليك لأضربنّك. ثم ركض فرسه وارتحل الضجعمي من موضعه ذلك، فعسكر بموضع آخر يقال له حفير، وعمّى على حجر موضع عسكره. واستغاث حجر ببكر بن وائل، فأتاه أشرافهم، فقال لضليع بن عبد غنم بن ذهل بن شيبان وسدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة: اعلما لي علم معسكره وعدة من معه. فذهبا متنكّرين حتى انتهيا إلى موضع معسكره في ليلة قرّة. وكان ابن الهبولة قد نادى من أتى بشيء من حطب فله من التمر مثله، ولم يكن أحد يدخل عسكره إلا بحطب. فاحتطبا ثم دخلا العسكر، فوضعا الحطب بين يديه،
стр. 3014
وكان جالسا أمام قبّة له، فأعطاهما من التمر الذي كان أخذه من معسكر حجر. فقال ضليع: هذه أمارة، هذا التمر من تمر حجر فترجع [١] به. وأما سدوس فقال: لست براجع إلا بعين جليّة. فانصرف ضليع وأقام سدوس، وأوقد السلمي نارا ودخل قبّته وقال لأصحابه: تحارسوا، ولينظر كلّ امرىء منكم من جليسه. فضرب سدوس بيده إلى جليسه، فقال: من أنت؟ مخافة أن يسبق إليها، فقال: أنا فلان، فقال: معروف. ونوموا [٢] . ودنا سدوس من القبّة، فداعب ابن الهبولة هندا امرأة حجر ساعة ثم قال لها: ما ظنّك بحجر لو علم مكاني منك؟ قالت: والله لو علم لأتاك سريع الطلب، شديد الكلب، فاغرا فاه كأنه جمل آكل مرار، وكأني بفتيان بكر بن وائل معه يذمرهم ويذمرونه. فرفع يده فلطمها ثم قال: والله ما قلت هذا إلا من حبه، قالت: والله ما قلت هذا إلا من بغضه، ووالله ما أبغضت بغضه أحدا، وسأخبرك من بغضي إياه بشيء لتعلم أني صادقة، قال: ما هو؟ قالت: كان ينام فيستيقن نوما ويبقى عضو من جسده لا ينام، وما رأيت أحدا أحزم منه قطّ نائما ويقظان. فبينا هو نائم ذات يوم قد مدّ إحدى يديه وبسط الأخرى، ومدّ إحدى رجليه وبسط الأخرى، إذ أقبل ثعبان أسود فأهوى إلى رجله الممدودة فقبضها، ثم أهوى الى يده المبسوطة فقبضها، ثم أهوى الى عسّ فيه لبن، فشرب ثم مجّه فيه، فقلت في نفسي: يشربه فيهلك فأستريح منه. فما كان بأسرع من أن استوى جالسا فقال: لقد ألّم بنا ملمّ، لقد دخل علينا عدوّ. قالت: قلت ومن يدخل عليك وأنت ملك؟ فأهوى إلى العسّ فأخذه فسقط من يده، والكلام بأذن سدوس. فلما أصبح عدا إلى حجر وهو يقول: [من الوافر]
стр. 3015
أتاك المرجفون برجم غيب ... على دهش وجئتك باليقين
فمن يأتي بأمر فيه لبس [١] ... فقد آتي بأمر مستبين
فقصّ عليه القصّة، وخبّره بموضع معسكره. فنادى حجر في أصحابه، فأغار عليه، وشدّ سدوس على ابن الهبولة فقتله وأخذ رأسه، وأخذ هندا وأتى بها حجر فقال: يا سدوس قصّ عليها القصة فقصّ، فدعا بفرسين: صادر ووارد، فربطها فيهما ثم ضربا فقطّعاها. فقال حجر في ذلك: [من الخفيف]
إنّ من غرّه النساء بشيء ... بعد هند لجاهل مغرور
حلوة الدلّ واللسان ومرّ ... كلّ شيء أجنّ منها الضمير
كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحبّ حبّها خيتعور
الخيتعور: الدنيا، وكل شيء لا يدوم فهو خيتعور.
«١٣٥١» - قال أبو عبيدة: غزا صخر بن عمرو أخو الخنساء بني أسد بن خزيمة، فاكتسح إبلهم، فأتى الصريخ بني أسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ابن ثور الأسدي صخرا في جنبه وفات القوم فلم يقعص مكانه، وجوي منها فكان يمرّض قريبا من حول حتى ملّه أهله، فسمع امرأة تسأل سلمى امرأته: كيف بعلك؟ فقالت: لا حيّ فيرجى ولا ميّت فينعى، لقينا منه الأمرّين.
وقال عبد القاهر بن السري: طعنه ربيعة الأسدي، فأدخل حلقات من حلق الدّرع في جوفه، فضمن منها زمانا ثم كان ينفث الدم وينفث تلك الحلق معها، فملّته امرأته، وكان يكرمها ويعينها على أهله، فمرّ بها رجل وهي قائمة، وكانت