← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

١٢٢٦- وأبو الطيب المتنبي، مع فضله المشهور، وبحره الغزير، وأخذه برقاب الكلام، ووقوفه على دقائق المعاني، واتيانه بها في أبهج رونق وأصفى سبك وأرقّ لفظ، وعلى ما في شعره من الحكم والأمثال السائرة، يغلط ويحيل ويجيء بالمعنى الشنيع واللفظ الرّذل، ثم لا يتصفّحه فيسقطه أو ينبّه عليه من بعد فيضعه. (١) فمن غلطه قوله: [من الكامل] ملك زهت بمكانه أيامه ... حتى افتخرن به على الأيّام وإنما هو زهيت، يقال: زهيت علينا يا رجل، وزها النبت إذا اصفرّ وظهر زهوه أي صفرته، وزها البسر وأزهى إذا احمرّ وإذا اصفرّ. وفي الخبر أن النبي ﵌ نهى عن بيع التمر حتى يزهو، ويروى حتى يزهي، والزّهو البسر والزّهو أيضا الكذب. «١٢٢٦» -. (٢) وقوله: [من الكامل] وصلت إليك يد سواء عندها ال ... بازيّ الاشهب والغراب الأبقع وهو البازي غير مشدّد، وقد وصل ألف القطع في قوله «الاشهب» وإنما احتذى في البازيّ قول البحتري: [من الخفيف] وبياض البازيّ أحسن لونا ... إن تأمّلت من سواد الغراب وحكمها في هذا الإخلال عند من أخذه عليهما واحد. (٣) وأخذ على المتنبي قوله: [من الكامل] وقتلن دفرا والدّهيم فما ترى ... أمّ الدّهيم وأمّ دفر هابل والدّهيم اسم الداهية، وأصل ذلك ناقة اسمها الدهيم حملت رؤوس قتلى

стр. 2942

جماعة إلى أبيهم؛ والعرب تسمي الدنيا أمّ دفر لما فيها من المزابل والدّفر النتن، فجعل المتنبي الدفر الداهية ووهم في ذلك. «١٢٢٦» .- (٤) وقوله: [من الخفيف] لأمة فاضة أضاة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود والمسموع مفاضة ولم تقل العرب فاضة. (٥) وقوله: [من الطويل] فأرحام شعر يتّصلن لدنّه ... وأرحام مال ما تني تتقطّع فقالوا: لم تقل العرب لدنّ بالتشديد. (٦) وعيب في القوافي بقوله: [من الكامل] أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه ... تأتي الندى ويذاع عنك فتكره وإذا رأيتك دون عرض عارضا ... أيقنت أنّ الله يبغي نصره فإنه إن جعل الهاء حرف الرّويّ لم يجز لأن هاء الضمير لا تكون رويّا إلّا إذا سكّن ما قبلها، وإن جعل الراء الرويّ- وهو أولى- جاءه الخلل في التصريع بأشبه في البيت الأول. (٧) وأحال في قوله: [من البسيط] وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا وغير شيء معناه المعدوم، والمعدوم لا يرى.

стр. 2943

«١٢٢٦» .- (٨) وأحال في قوله: [من الخفيف] يفضح الشمس كلّما ذرّت ... الشمس بشمس منيرة سوداء (٩) وفي قوله أيضا: [من الطويل] وإن نلت ما أمّلت منك فربّما ... شربت بماء يعجز الطير ورده فجعله في عسر المنال كالماء الذي يعجز الطير أن يرده فأحال المدح هجوا. (١٠) وسقط في مواضع كثيرة، فمن ذلك قوله في سيف الدولة: [من الطويل] خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق أراد أن يمدحه فنسب به. (١١) وقوله فيه: [من الطويل] فإن كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول (١٢) وقوله: [من الكامل] إنّي على شغفي بما في خمرها ... لأعفّ عما في سراويلاتها فافتضح مع قول الرضيّ ﵁ من بعده: [من الطويل] يحنّ إلى ما تضمر الخمر والحلى ... ويصدف عما في ضمان المآزر

стр. 2944

«١٢٢٦» . (١٣) وقوله: [من البسيط] العارض الهتن بن العارض الهتن ... بن العارض الهتن بن العارض الهتن (١٤) وقوله: [من الكامل] فكأنّه حسب الأسنّة حلوة ... أو ظنّها البرنيّ والآزاذا (١٥) وقوله: [من الكامل] «قلق المليحة وهي مسك هتكها» (١٦) وقوله: [من مخلع البسيط] ماذا يقول الذي يغنّي ... يا خير من تحت ذي السماء (١٧) وقوله: [من الكامل] أنّى يكون أبا البريّة آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمّد تقدير الكلام: كيف يكون آدم أبا البريّة وأبوك محمد وأنت الثقلان، يعني الإنس والجنّ، وآدم واحد من الإنس، وقد فصل بين المبتدأ الذي هو «أبوك» وبين الخبر الذي هو «محمد» بالجملة التي هي «والثقلان أنت» ، وهذا تعسف قبيح. (١٨) ويناسبه قوله: [من الطويل] حملت إليه من ثنائي حديقة ... سقاها الحجى سقي الرياض السحائب

стр. 2945

أراد سقي السحائب الرياض. وليس كلّ ما استعملته العرب يحسن استعماله بالمحدثين. «١٢٢٦» .- (١٩) ومثله من شعره: [من الكامل] فتبيت تسئد مسئدا في نيّها ... إسآدها في المهمه الإنضاء تقديره: مسئدا في نيّها الإنضاء إسآدها في المهمه. وقد كان يكفيه في هذا البيت التكرير الذي لا فائدة فيه حتى أضاف إليه هذا التعقيد في التقديم والتأخير. (٢٠) ومن الساقط المستهجن قوله: [من الوافر] جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا (٢١) فأما ما اقتبس معناه واحتذى فيه على مثال من تقدّمه فكثير، ولا يعدّ عيبا، إنما اعتدّه عليه ضدّ أو شانىء. والمعاني ليست مملوكة، وأولى الناس بها من كساها لفظا رائقا وكملها وأحسن مجتلاها. (٢٢) وقد تتوارد الخواطر في المعاني فلا ينسب الثاني إلى السرقة ما كانت مصالتة لفظا ومعنى، أو بيتا كاملا، كما أخذ الفرزدق، وكما قيل في بيت أبي تمام: [من الطويل] وأحسن من نور تفتّحه الصّبا ... بياض العطايا في سواد المطالب إنه مأخوذ من قول الأخطل: [من الطويل] رأين بياضا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب

стр. 2946

ويقول من يتعصب لأبي تمام: إن هذا البيت مصنوع ولم يصحّ [١] عن الأخطل، وهذا الأصح، فإنّ ديوانه لم يتضمّنه ولا وجد في نسخة من النسخ. لكن قد قال العمّي [٢] في ذكر الشيب: [من الطويل] رأين بياضا في سواد كأنّه ... بياض العطايا في سواد المطالب «١٢٢٦» .- (٢٣) ومن سقطات المتنبي: [من الطويل] ولا واحدا في ذا الورى بل جماعة ... ولا البعض من كلّ ولكنك الضعف ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضّعف بل مثله ألف أقاضينا هذا الذي أنت أهله ... غلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف (٢٤) ومن معانيه المسروقة المنقولة في أفحش لفظ وأهجنه قوله: [من الوافر] ونهب نفوس أهل النّهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش وأصله قول عمرو بن كلثوم: [من الوافر] فآبوا بالنّهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا وأخذ المعنى أبو تمّام، لكنه زاد وبيّن وهذّب اللفظ فقال: [من البسيط] إن الأسود أسود الغاب همّتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السّلب

стр. 2947

«١٢٢٦» .- (٢٥) وممّا استهجن لفظه وبعد عن الاستعمال ومجّته الأسماع قوله: [من الكامل] ولديه ملعقيان والأدب المفا ... د وملحياة وملممات مناهل (٢٦) وقوله: [من الكامل] جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغرّ دلائل (٢٧) وقوله: [من الوافر] أروض الناس من ترب وخوف ... وأرض أبي شجاع من أمان (٢٨) وقوله: [من الخفيف] كل آخائه كرام بني ... الدنيا ولكنه كريم الكرام (٢٩) وقوله: [من الكامل] لو لم تكن من ذا الورى اللّذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حوّاء (٣٠) ويجري مجراه في ركاكة لفظه والتكرير الذي لا معنى تحته إلا العيّ قوله: [من الطويل] ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنّه بي جاهل (٣١) وقوله: [من الطويل]

стр. 2948

فقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهنّ قلاقل «١٢٢٦» .- (٣٢) وقوله: [من الوافر] وأفقد من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال (٣٣) وقوله: [من الطويل] «وطعن كأنّ الطعن لا طعن عنده» (٣٤) وقد خرّج متتبّعوه معاني من شعره مترذلة، اقتصرت منها على قوله مضافا إلى ما سبق في أول هذا الفصل: [من البسيط] لو استطعت ركبت الناس كلّهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا (٣٥) وله وقد جمع قبح اللفظ وبرد المعنى: [من الكامل] إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام (٣٦) وقوله: [من الكامل] خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا (٣٧) وعيب عليه قوله في صفة فرس: [من الرجز] «وزاد في الأذن على الخرانق» ، وهو الأرنب، فدلّ على جهله بالخيل والمستحسن من صفاتها والمستقبح. وإنما توصف بصغر الأذن ودقتها، وهي

стр. 2949

ضدّ صفة الأرنب. «١٢٢٦» .- (٣٨) وأخذ عليه في العروض استعماله فاعلاتن في عروض الرّمل في أبيات كثيرة غير مصرّعة من قصيدة أولها: [من الرمل] إنّما بدر بن عمّار سحاب ... هطل فيه ثواب وعقاب فجاء به على تمام الدائرة، ولم تستعمله العرب، وإنما جاء في شعرها على فاعلن. (٣٩) ومنه قوله: [من الطويل] تفكّره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف فجاء في عروض الطويل مفاعيلن ولم يرد في أشعار العرب إلا مفاعلن إلا في التصريع.

стр. 2950

نوادر من هذا الباب «١٢٢٧» - قيل لم ير الأحنف ضجرا قطّ إلا مرة واحدة، فإنه أعطى خياطا قميصا يخيطه فحبسه حولين، فأخذ الأحنف بيد ابنه بحر، فأتى به الخياط وقال: إذا متّ فادفع القميص إلى هذا. «١٢٢٨» - قال أبو حاتم: كنت أقرأ شعر المتلمّس على الأصمعي فانتهينا إلى قوله: [من البسيط] أغنيت شأني فأغنوا اليوم شأنكم ... واستحمقوا في هراس الحرب أو كيسوا فغلطت فقلت أغنيت شاتي، فقال الأصمعي: فأغنوا اليوم تيسكم، وأشار إليّ، فضحك جميع الحاضرين. «١٢٢٩» - قيل إنّ عبد الله بن أحمد بن حنبل قرأ في الصلاة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، فقيل له: أنت وأبوك في طرفي نقيض، زعم أبوك أن القرآن ليس بمخلوق، وقد جعلت أنت ربّ القرآن مخلوقا. «١٢٣٠» - قال بعضهم: سمعت ابن شاهين المحدّث في جامع المنصور يقول في الحديث: نهى النبيّ ﷺ عن تشقيق الحطب، فقال بعض الملاحين: يا قوم فكيف نعمل والحاجة ماسة. وهو تشقيق الخطب.

стр. 2951

«١٢٣١» - قال: وسمعته مرّة أخرى وهو يفسّر قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (المدثر: ٤) ، قال: قيل لا تلبسها على غدرة، وإنما هو عذرة. ١٢٣٢- كان عند عمر بن عبد العزيز رجلان، فجعلا يلحنان، فقال الحاجب: قوما فقد أوذيتما أمير المؤمنين، فقال عمر أنت والله أشدّ أذى لي منهما. ١٢٣٣- خرج إسحاق بن مسلم العقيلي مع المنصور إلى مكة فأمعن في السير وطوى المراحل، فقال إسحاق: إنّا قد هلكنا يا أمير المؤمنين، فما هذه العجلة؟ قال: نخاف أن يفوتنا الحجّ، فقال: اكتب إليهم ليؤخّروه عشرة أيام. «١٢٣٤» - قيل للنسّابة البكريّ: يا أبا ضمضم، آدم من أبوه؟ فحمله استقباح الجهل عنده حتى أن قال: آدم بن الصاء بن الحملح وأمّه صاعدة بنت فرزام. فتضاحكت العرب. ١٢٣٥- محمد بن وهيب الحميري يذكر داخلا فيما لا يحسنه وليس بمن شأنه: [من الطويل] تشبّهت بالأعراب أهل التّعجرف ... فدلّ على مثواك قبح التكلّف لسان عراقيّ إذا ما صرفته ... إلى لغة الأعراب لم يتصرّف ١٢٣٦- قرأ الرشيد ليلة: وما لي لا أعبد الذي فطرني، فأرتج عليه، فأخذ يردد وابن أبي مريم بقربه في الفراش، فقال: لا أدري والله لم لا تعبده. فضحك الرشيد وقطع صلاته. ١٢٣٧- مدح عليّ بن الجهم المتوكّل بقصيدة قال في أولها:

стр. 2952

[من الكامل] الله أكبر والنبيّ محمّد ... والحقّ أبلج والخليفة جعفر فاستبرد هذا اللفظ والافتتاح. وقال فيه مروان ابن أبي الجنوب- ويقال ابن أبي الحكم- يهزأ به: [من الطويل] أراد عليّ أن يقول قصيدة ... بمدح أمير المؤمنين فأذّنا

стр. 2953

الباب الخامس والثلاثون في أخبار العرب الجاهلية وأوابدهم، وغرائب من عوائدهم وجمل من بلاغتهم، وعجائب من أكاذيبهم، وفنون من سيرهم ووقائعهم

стр. 2954

[خطبة الباب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين اللهمّ إنّا نحمدك على ما هديتنا له من الإيمان واليقين، وحملتنا عليه من الصّراط الواضح المبين، وأنقذتنا من عمى الجهالة، ونجّيتنا من الزّيغ والضّلالة، وأريتنا من الآيات في أنفسنا فأبصرنا، ووقفتنا عليه من المعجزات فأقصرنا، حمدا يزيدنا من توفيقك وتسديدك، ويقف بنا عند أوامرك وحدودك، ونسألك الصّلاة على نبيّك العربيّ، ورسولك الأميّ، الذي بعثته والعرب في جاهليّة جهلاء، وعلى سبيل من الضّلال عمياء، فردّهم عن زيغ الطغيان إلى سنن الإيمان، وشرّد بالأنصاب [١] التي اتخذوها آلهة والأوثان، ونقلهم من ذلّ دين الآباء إلى عزّ الإسلام، وعدل بهم عن جماح الإباء إلى ذلّ الاستسلام، وعلى آله وأصحابه الذين قمع بهم أهل [٢] العناد، وجمع بهم كلمة الرشاد، آمين.

стр. 2955

[مقدمة الباب] (الباب الخامس والثلاثون في أخبار العرب الجاهلية وأوابدهم، وغرائب من عوائدهم، وجمل من بلاغتهم، وعجائب من أكاذيبهم، وفنون من سيرهم ووقائعهم) للعرب أوابد وعوائد كانوا يرونها دينا، وضلالا يعتقدونه هدى، وقد دلّ على بعضها القرآن، وأكذب الله دعاويهم فيها. «١٢٣٨» - فمن ذلك قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (المائدة: ١٠٣) . قال أهل اللغة: البحيرة ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي شقّوها، وامتنعوا من ذكاتها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من مرعى. وكان الرجل إذا أعتق عبدا وقال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وأما الوصيلة ففي الغنم، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا يجعلونه [١] لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم. وأما الحامي فالذكر من الإبل، كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا حمى ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى.

стр. 2956

«١٢٣٩» - قوله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ (المائدة: ٩٠) . فالخمر ما خامر العقل، ومنه سمّيت الخمر، والميسر القمار كلّه. وأصله أنه كان قمارا في الجزور سأشرحه بعد تمام التفسير. والأنصاب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان، الواحد نصاب، وجمعه نصب، والأنصاب جمع نصب. والأزلام واحدها زلم وزلم، وهي سهام كانت لهم مكتوب على بعضها: «أمرني ربّي» ، وعلى بعضها «نهاني ربّي» . وروي أنّهم كان لهم آخر مكتوب عليه «متربّص» ، فإذا أراد الرجل سفرا أو أمرا هو مهتمّ به ضرب بتلك القداح، فإذا خرج سهم الأمر مضى لحاجته، وإذا خرج الناهي لم يمض في أمره. ١٢٤٠- القداح عشرة؛ ذوات الحظّ منها سبعة وهي: الفذّ، والتّوأم، والرّقيب ويسمّى الضريب، والحلس، والنّافس، والمسبل، ويسمّى المصفح، والمعلّى؛ وثلاثة أغفال لا حظوظ لها وهي: السّفيح والمنيح والوغد. والمنيح له مواضع يمدح فيها ويذمّ. فالمذموم الذي لا حظّ له، والممدوح قدح يمنح أي يستعار فيدخل في القداح ثقة بفوزه أيّ قدح كان من السبعة، ويسمّى المستعار أيضا، والشجير والغريب، ومنه قول المنخّل اليشكريّ [١] : [من الكامل المجزوء] بمري قدحي أو شجيري وللفذّ نصيب واحد، ولكلّ واحد واحد يلي الآخر زيادة عليه بنصيب، حتى تكون للسابع سبعة أنصبة على كلّ قدح فرض بعدد أنصبائه.

стр. 2957

والفرض: الحزّ وربما كانت العلامات بالنار، فتلك يقال لها القرم، الواحدة قرمة، وهي السمة؛ واللواتي بلا حظوظ لا علامة عليها، ولذلك تدعى الأغفال، وإنما تجعل الأغفال بين ذوات الحظوظ لتجول فيها فيؤمن من معرفة الضارب بها. والقداح متشابهة المقادير كالنّبل، والسهم إذا لم يكن له نصل ولا ريش فهو قدح، فإذا كان ذا نصل وريش فهو سهم. والأيسار سبعة على عدد القداح، وربما كانوا أقلّ من سبعة لأنّ الرجل يأخذ قدحين أو ثلاثة، فيكون عليه غرم الخائب يحتمله لجوده ويساره، وله حظّ الفائز منها؛ وإنما يأخذون القداح على أحوالهم ويسارهم، فالقدح لا يكثر غنمه ولا غرمه، لأنه يأخذ حظّا واحدا ويغرم واحدا. وكانوا إذا أرادوا أن ييسروا ابتاعوا ناقة بثمن مسمّى وضمنوه لصاحبها، ولم يدفعوا إليه شيئا حتى يضربوا فيعلموا على من يجب الثمن فينحرون [١] قبل أن ييسروا وتقسم عشرة أقسام: فأحد الوركين جزء، والآخر جزء، والمنهل جزء، والكاهل جزء، والزور جزء، والملحاء [٢] جزء، والكتفان جزء وهما العضدان، والذراع جزءان، وأحد الفخذين جزء والآخر جزء؛ ثم يعمدون إلى الطفاطف، وفقر الرقبة فتفرّق على تلك الأجزاء بالسواء، فإن بقي عظم أو بضعة بعد القسم، فذلك الرّيم وهو للجازر، وسمّي بذلك لأنه فصله، والرّيم العلاوة توضع فوق الجمل، وقال الشاعر [٣] : [من الطويل] وكنت كعظم الرّيم لم يدر جازر ... على أيّ بدأي مقسم اللحم يجعل فالبدء النصيب، ويستثني بائع الناقة لنفسه، وأكثر ما يستثنى الرأس والأطراف والفرث.

стр. 2958

وربما ضربوا القداح على الإبل، وجعلوا مكان كلّ جزء من أعشار البعير جزورا أو ما شاءوا من مضاعفة العدد. وإذا أرادوا أن يفيضوا بالقداح أحضروا رجلا يسمّونه الحرضة، لأنه نذل من الرجال لا يأكل لحما بثمن، إنما يستطعمه، فشدّوا عينيه ثم ألقوا على يديه مجولا، وهو ثوب أبيض، لئلا يفهم مجسّة [١] القداح ويعصب على يديه الرّبابة، وهي سلفة فيها القداح كالخريطة الواسعة تستدير فيها القداح وتستعرض وتجلجل، ومخرجها يضيق عن أن يخرج منه قدحان، ويؤتى برجل فيقعد أمينا عليها يقال له الرقيب. قال أبو ذؤيب يذكر حميرا [٢] : [من الكامل] فوردن والعيّوق مقعد رابىء الض ... ضرباء خلف النّجم لا يتتلّع النجم ها هنا الثريّا، شبّه العيوق وراءها برابىء الضّرباء وهو الرقيب، لأنه يربأ أي يشرف، فإذا قعد قعد الرّقيب وراءه بعد شدّ عينيه وشدّ الرّبابة على يديه. وقيل جلجل، فيجلجلها مرتين أو ثلاثا، ثم يفيضها؛ والإفاضة أن يدفعها دفعة واحدة إلى قدّام ليخرج منها قدح، وكذلك الإفاضة من الحجّ، إنما هي من عرفات للدفع إلى جمع. فإذا برز منها قدح قام الرّقيب فأخذه ونظر إليه، فإن كان غفلا ردّه في الرّبابة وقال للحرضة: جلجل، وكان الخارج لغوا لا غنم فيه ولا غرم، وإن كان من السبعة دفعه إلى صاحبه فأخذ نصيبه، ثم تعاد الجلجلة والإفاضة، فإذا خرج من القداح ما يستوعب جميع الأعشار قطع الإفاضة، وكان ثمن الجزور على الذين لم تخرج قداحهم موزّعا في قدر سهامهم إن استوت حظوظ السّهام والأعشار، فإن زادت الحظوظ الخارجة عن عشرة كان غرم الزيادة لأرباب القداح الفائزة على من لم تخرج قداحه مع ثمن الجزور على قدر سهامهم أيضا، وربما حضر بعد فوز الواحد والاثنين من يسألهم أن

стр. 2959

يدخل قدحه في قداحهم فيفعلون، وهذا يعدّونه من شريف فعالهم لأنه من كرم النفس وسعة الخلق. قال المرقش: [من الطويل] جديرون أن لا يحبسوا مجتديهم ... للحم وأن لا يدرءوا قدح رادف الرادف الذي يجيء بعد إغلاق الخطر. «١٢٤١» - وأد البنات: ومن أوابدهم وأد البنات، نهاهم الله عنه في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ (الإسراء: ٣١) . وكانوا يقتلونهنّ كما ذكر تعالى خشية إملاق، وقد ذكر أنّهم كانوا يقتلونهنّ خوف العار وأن يسبين وليس يمتنع وقوع السبّبين [١] ، وقد جاءت أخبارهم دالّة عليهما. وكان قيس بن عاصم المنقريّ يئد بناته، وكان من وجوه قومه له من المال ما شاء. فمن قتلهم إيّاهنّ خشية الإملاق ما روي عن صعصعة بن ناجية المجاشعيّ جدّ الفرزدق أنه لما أتى النبيّ ﷺ قال: يا رسول الله إني كنت أعمل عملا في الجاهلية، فينفعني ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ قال: أضللت ناقتين عشراوين، فركبت جملا ومضيت في بغائهما فرفع لي بيت جريد فقصدته، فإذا رجل جالس بفناء الدار، فسألته عن الناقتين فقال: ما تارهما؟ قلت: ميسم بني دارم، قال: هما عندي، وقد أحيا الله بهما قوما من أهلك من مضر. فجلست معه فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال لها: ما وضعت فإن كان سقبا

стр. 2960

شاركنا في أموالنا، وإن كانت حائلا وأدناها، فقالت العجوز: وضعت أنثى، قلت: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟ قال، قلت: وإنما أشتري حياتها ولا أشتري رقّها، قال: فبكم؟ قلت: احتكم، قال: بالناقتين والجمل، قلت: ذلك لك على أن يبلغني الجمل وإيّاها، قال: ففعل. فآمنت بك يا رسول الله وقد صارت لي سنّة على أن أشتري كلّ موؤدة بناقتين عشراوين وجمل، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موؤدة قد أنقذتها. فقال رسول الله ﷺ : لا ينفعك ذلك لأنك لم تبتغ به وجه الله ، وإن تعمل في إسلامك عملا صالحا تثب عليه، فذلك قول الفرزدق يفتخر به: [من المتقارب] وجدّي الذي منع الوائدين ... وأحيا الوئيد فلم توءد وفاخر الفرزدق رجلا عند بعض خلفاء بني أميّة فقال: أنا ابن محيي الموتى، فأنكر ذلك من قوله، فقال: إنّ الله يقول: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً (المائدة: ٣٢) وجدّي منع من وأد البنات واشتراهنّ بماله، فذلك الإحياء، فقال الخليفة: إنك مع شعرك لفقيه. قوله: عشراوان، العشراء الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر، وحمل الناقة سنة، وقد تسمّى النّوق بعدما تضع عشارا، والجريد المنفرد، يقال انجرد الجمل إذا انتحى عن الإناث فلم يترك معها. وقوله: وإن كان سقبا وإن كانت حائلا، قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة فولدها سليل قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى، فإذا علم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمّه مسقب، وإن كانت أنثى فهي حائل وأمّها أمّ حائل، قال الهذليّ [١] : [من الطويل] فتلك التي لا يبرح القلب حبّها ... ولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل وهي مؤنث، وقد آنثت أي جاءت بأنثى، وقد أذكرت فهي مذكر إذا

стр. 2961

جاءت بذكر، وإن كان من عادتها أن تضع الإناث فهي مئناث، وإن كان من عادتها أن تضع الذكور فهي مذكار، وإذا قوي ومشى مع أمّه فهو راشح، والأم مرشح، وإذا حمل في سنامه شحما فهو محدود معكر، ثم هو ربع، وسئل العجاج عن الرّبع، فقال: الرّبع ما نتج في أوّل الربيع والهبع ما نتج في آخره، فإذا مشى الهبع مع الرّبع أبطره ذرعا فهبع بعنقه أي استعان به. ثم هو حوار، فإذا فصل عن أمّه- والفصال الفطام- فهو فصيل والجمع فصلان، ومنه الحديث: «لا رضاع بعد فصال» . فإذا أتى عليه حول فهو ابن مخاض، وإنما سمّي ابن مخاض لأنّ أمّه لحقت بالمخاض وهي الحوامل، وإن لم تكن حاملا، فإذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون، وإنما سمّي ابن لبون لأنّ أمّه كانت من المخاض في السنة الثانية، فإذا وضعت في الثالثة، فصار لها ابن فهي لبون، وهو ابن لبون، فلا يزال كذلك حتى يستكمل الثالثة، فإذا دخل الرابعة فهو حينئذ حقّ، والأنثى حقّة لأنها قد استحقّت أن يحمل عليها وتركب، فإذا استكمل الرابعة ودخل في الخامسة فهو جذع، والأنثى جذعة، فإذا دخل في السادسة فهو ثنيّ والأنثى ثنيّة، فإذا دخل في السابعة فهو رباع والأنثى رباعيّة، فإذا دخل في الثامنة فهو سديس وسدس، والأنثى سديسة. فإذا دخل في التاسعة وبزل نابه يبزل فهو بازل، يقال بزل نابه يبزل بزولا وشقأ يشقأ شقوءا، أو شقأ وشقىء أيضا، وشقّ يشقّ شقوقا، وفطر يفطر فطورا، وبزغ وصبأ وعرد عرودا، فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، ثم ليس له اسم بعد الإخلاف، ولكن يقال بازل عام وبازل عامين ومخلف عام ومخلف عامين. «١٢٤١» ب- وممّن ذكر أنّ الوأد كان خوف العار أبو عبيدة معمر بن المثنّى قال: منعت تميم النعمان بن المنذر الإتاوة وهي الأربان، فوجّه إليهم أخاه الريّان بن

стр. 2962

المنذر، وكانت للنعمان خمس كتائب: إحداهنّ الوضائع، وهم قوم من الفرس، كان كسرى بعثهم عنده عدّة ومددا، فيقيمون سنة عند الملك من ملوك لخم، فإذا كان رأس الحول ردّهم إلى أهليهم وبعث بمثلهم؛ وكتيبة يقال لها الشهباء وهي أهل بيت الملك، وكانوا بيض الوجوه يسمّون الأشاهب؛ وكتيبة ماكثة يقال لها الصنائع، وهم صنائع الملك، أكثرهم من بكر بن وائل؛ وكتيبة رابعة يقال لها الرهائن، وهم قوم كان يأخذهم من كلّ قبيلة فيكونون رهنا عنده، ثم يوضع مكانهم مثلهم؛ والخامسة دوسر، وهي كتيبة ثقيلة تجمع فرسانا وشجعانا من كلّ قبيلة. فأغزاهم أخاه وكلّ من معه من بكر بن وائل، فاستقاق النّعم وسبى الذراري، فوفدت إليه بنو تميم، فلما رآها أحبّ البقيا فقال النعمان: [من البسيط] ما كان ضرّ تميما لو تعمّدها ... من فضلنا ما عليه قيس عيلان فأثاب [١] القوم وسألوه النساء، فقال النعمان: كلّ امرأة اختارت أباها تركت عليه، فكلّهن اخترن آباءهنّ إلّا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو ابن المشمرج، فنذر قيس ألّا يولد له ابنة إلا قتلها، واعتلّ بهذا من وأد وزعم أنّه أنفة وحميّة. وبمكّة جبل يقال له أبو دلامة كانت قريش تئد فيه البنات، وخبر قيس مع النبي ﷺ في ذلك قد ذكر في موضع آخر. «١٢٤٢» - قوله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ (التوبة: ٣٧) ، النسيء تأخير الشيء، وكانوا يحرّمون القتال في المحرّم، ثم إذا عزموا أن يقاتلوا فيه جعلوا صفرا كالمحرّم وقاتلوا في المحرّم وأبدلوا صفرا منه. فأعلم الله أنّ ذلك زيادة في كفرهم ليواطئوا عدّة ما حرّم الله، فيجعلوا صفرا

стр. 2963

كالمحرّم في العدد، ويقولون: إنّ هذه أربعة أشهر بمنزلة أربعة، والمواطأة المماثلة والموافقة. والأشهر الحرم: المحرّم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. «١٢٤٣» - الرّتم شجر معروف. كانت العرب إذا خرج أحدهم إلى سفر عمد إلى هذا الشجر فعقد غصنا منه بغصن، فإذا عاد من سفره إن وجده قد انحلّ قال: قد خانتني امرأتي، وإن وجده على حاله قال: لم تخنّي. وذلك قول الشاعر: [من الرجز] هل ينفعنك اليوم إن همّت بهمّ ... كثرة ما توصي وتعقاد الرّتم «١٢٤٤» - البليّة: ناقة. كانت العرب إذا مات أحدهم عقلوا ناقة عند قبره وشدّوا عينيها حتى تموت، يزعمون أنه إذا بعث من قبره ركبها، وذلك قول الحارث بن حلّزة اليشكريّ: [من الخفيف] أتلهي بها الهواجر إذ كل ... ل ابن همّ بليّة عمياء «١٢٤٥» - اغلاق الظهر: كان الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة عمد إلى البعير الذي أمأت به فأغلق ظهره لئلا يركب ويعلم أنّ صاحبه تمأى، وإغلاق ظهره أن ينزع سناسن فقره ويعقر سنامه. «١٢٤٦» - التعمية والتفقئة: كان الرجل إذا بلغت إبله ألفا فقأ عين الفحل، يقول إنّ ذلك يدفع عنها العين والغارة. قال الشاعر: [من الرجز] وهبتها وأنت ذو امتنان ... تفقأ فيها أعين البعران فإذا زادت الإبل على الألف فقأ العين الأخرى فهو التعمية.

стр. 2964

«١٢٤٧» - العتيرة: كان الرجل منهم يأخذ الشاة فيذبحها ويصبّ دمها على رأس صنم، وتسمّى الشاة العتيرة والمعتورة، وذلك يكون في رجب، وفيهم من يضنّ بالشاة فيذبح عنها الظّباء، وذلك قول الحارث بن حلّزة: [من الخفيف] عنتا باطلا وزورا كما تع ... تر عن حجرة الرّبيض الظّباء «١٢٤٨» - العرّ: داء يأخذ الإبل شبيه بالجرب، كانوا يكوون السليم ويزعمون أنّ ذلك يبرىء ذا العرّ، وذلك قول النابغة: [من الطويل] حملت عليّ ذنبه وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع «١٢٤٩» - ضرب الثور عن البقر: كانوا إذا امتنعت البقر من شرب ضربوا الثور، ويزعمون أنّ الجنّ تركب الثيران فتصدّ البقر عن الشرب، وذلك قول الشاعر: [من البسيط] كالثور يضرب لما عافت البقر «١٢٥٠» - عقد السّلع والعشر: كانوا إذا استمطروا في الجدب يعمدون إلى البقر فيعقدون في أذنابها السّلع والعشر، ثم يضرمون فيها النار ويصعدونها في الجبل، ويزعمون أنهم يمطرون في الوقت. «١٢٥١» - دائرة المهقوع: وهو الفرس الذي به الدابرة التي تسمّى الهقعة، يزعمون أنه إذا عرق تحت صاحبه اغتلمت حليلته وطلبت الرجال، قال الشاعر: [من الطويل]

стр. 2965

إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حرّا عجانها «١٢٥٢» - وطء المقاليت: المقلات التي لا يعيش لها ولد، يزعمون أنّ المرأة المقلات إذا وطئت قتيلا شريفا عاش أولادها. قال بشر بن أبي خازم: [من الطويل] تظلّ مقاليت النّساء يطأنه ... يقلن ألا يلقى على المرء مئزر «١٢٥٣» - الهامة: زعموا أنّ الإنسان إذا قتل ولم يطلب بثأره خرج من رأسه طائر يسمّى الهامة، وصاح على قبره: أسقوني! إلى أن يدرك ثأره، وذلك قول ذي الإصبع: [من البسيط] يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث [١] تقول الهامة اسقوني «١٢٥٤» - الصّفر: زعموا أنّ الإنسان إذا جاع عضّ على شرسوفه الصّفر، وهي حية تكون في البطن، وذلك قول أعشى باهلة، ويروى لأخت المنتشر الباهلي: [من البسيط] لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ... ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر «١٢٥٥» - تثنية الضربة: زعموا أنّ الحية تموت من أوّل ضربة فإذا ثنّيت عاشت، قال تأبّط شرّا: [من الوافر] فقالت عد رويدك قلت إني ... على أمثالها ثبت الجنان

стр. 2966

«١٢٥٦» - حيض الضبع: يقولون إنّ الضبع تحيض وإنها تنتاب جيف القتلى فتركب كمرها، وحملوا قول الشاعر على هذا: [من المديد] تضحك الضّبع لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهلّ وللعرب أقوال وأفعال تناسب هذه الأوابد وهي دونها في الاشتهار والالتزام. «١٢٥٧» - كانوا يقولون: من علّق عليه كعب الأرنب لم تصبه عين ولا سحر، وذلك أنّ الجنّ تهرب من الأرنب لأنها تحيض وليست من مطايا الجنّ. وقيل لبعضهم: أحقّ ما يقولون: إنّ من علّق على نفسه كعب أرنب لم يقربه جنّان الحيّ وعمّار الدار؟ قال: إي والله! وشيطان الحماطة وجانّ العشيرة وغول القفر وكلّ الخوافي، إي والله! ويطفىء عنه نيران السعالي. «١٢٥٨» - وزعموا أنّ الإنسان إذا غشي ثم قلي له سنام وكبد فأكله، فكلما أكل لقمة مسح جفنه الأعلى بسبّابته وقال: يا سنام وكبد، ليذهب الهدبد ليس شفاء هدبد إلا سنام وكبد، عوفي. والهدبد العشاء. «١٢٥٩» - ويزعمون أنّ المرأة إذا أحبت رجلا وأحبها ثم لم تشقّ عليه رداءه ويشقّ عليها برقعها فسد حبّهما، فإذا فعلا ذلك دام حبّهما. «١٢٦٠» - ويزعمون أنّ الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحبّ الناس إليه ذهب الخدر عنه. قالت امرأة من كلاب: [من الطويل] إذا خدرت رجلي ذكرت ابن مصعب ... فإن قلت عبد الله أجلى فتورها

стр. 2967

«١٢٦١» - ويزعمون أنّ الرجل إذا دخل قرية فخاف وباءها فوقف على بابها قبل أن يدخلها فعشر كما ينهق الحمار لم يصبه وباؤها. قال عروة بن الورد: [من الطويل] لعمري لئن عشّرت من خشية الرّدى ... نهاق الحمير إنني لجزوع «١٢٦٢» - ويزعمون أنّ الحرقوص، وهو دويبة أكبر من البرغوث، يدخل أحراح الأبكار فيفتضّهنّ. وأنشدوا: [من الرجز] ما لقي البيض من الحرقوص ... من مارد لصّ من اللصوص يدخل بين الغلق المرصوص ... بمهر لا غال ولا رخيص «١٢٦٣» - لوجدان الضالة: يزعمون أنّ الرجل إذا ضلّ قلب ثيابه فاهتدى. «١٢٦٤» - ويزعمون أنّ الذئاب إذا ظهر بأحدها دم أحال عليه صاحبه فقتله. «١٢٦٥» - وكانوا يكرهون نوء السّماك ويقولون فيه داء الإبل. «١٢٦٦» - ويزعمون أنّ الكلاب تنبح السماء في الخصب، وكلما ألحّت عليها السماء بالمطر نبحت. قال الشاعر: [من الطويل] وما لي لا أغزو وللدهر كرّة ... وقد نبحت نحو السماء كلابها ١٢٦٧- وكانوا إذا نفرت الناقة ذكروا اسم أمّها وزعموا أنها تسكن حينئذ.

стр. 2968

١٢٦٨- ويقولون سبب بكاء الحمام أنه أضلّ فرخا على عهد نوح ﵇، فهو يبكيه، وهو الهديل. «١٢٦٩» - خرزة السلوان: ولهم خرزة يزعمون أنّ العاشق إذا حكّها وشرب ما يخرج منها صبر ويسمّى السلوان، قال رؤبة: [من الرجز] لو أشرب السلوان ما شفيت ... ما بي غنى عنك وإن غنيت «١٢٧٠» - نكاح المقت: ونكاح المقت من سننهم، وهو أنّ الرجل إذا مات قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له فيها حاجة تزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، فكانوا يرثون نكاح النساء كما يرثون المال. ١٢٧١- ويقولون: إنّ الدّبران خطب الثريّا، وأراد القمر أن يزوّجه فأبت عليه وولّت عنه، وقالت: ما أصنع بهذا السّبروت الذي لا مال له؟ فجمع الدّبران قلاصه يتموّل بها، وهو يتبعها حيث توجّهت يسوق صداقها قدّامه، يعنون القلاص. ١٢٧٢- ويزعمون أنّ الجدي قتل نعشا فبناته تدور تريده كما قيل: ابن من غير الجنّ والإنس، فإنه إذا جمع قيل: بنات، كما يقال: بنات الماء لضرب من الطير، الواحد ابن ماء. قال ذو الرمّة: [من الطويل] على قمة الرأس ابن ماء محلّق وقال الآخر وجمع: [من الطويل] صياح بنات الماء أصبحن وقّعا

стр. 2969

وكذاك بنات آوى وبنات عرس وبنات أوبر وبنات النقا، كلّ واحد من هذه البنات ابن، ولم يأت في ذلك مذكر إلا في بيتين شاذّين عن الباب؛ قال الأعشى: [من الكامل] حتى يقيدك من بنيه رهينة ... نعش ويرهنك السّماك الفرقد وقال نابغة بني جعدة: [من الطويل] تمزّزتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا ١٢٧٣- وزعموا أنّ سهيلا خطب الجوزاء فركضته برجلها فطرحته حيث هو، وضربها هو بالسيف فقطع وسطها. «١٢٧٤» - يقولون: كان سهيل والشعريان مجتمعة وانحدر سهيل فصار يمانيا، وتبعته العبور فعبرت إليه المجرّة، وأقامت الغميصاء فبكت حتى غمصت. «١٢٧٥» - ويقولون: إنّ الله تعالى لم يدع ماكسا إلا أنزل به بليّة، وإنه مسخ منهم اثنين ذئبا وضبعا؛ وإنّ الضبّ وسهيلا كانا ماكسين فمسخ الله أحدهما في الأرض والآخر في السماء، وفي ذلك يقول الحكم بن عمرو البهرانيّ: [من الخفيف] مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أم عمرو مسخ الضبّ في الجدالة قدما ... وسهيل السماء عمدا بصغر الجدالة: الأرض. «١٢٧٦» - ومن أكاذيبهم ما حكاه أبو عمرو الجرمي، قال: سألت أبا

стр. 2970

عبيدة عن قول الراجز: [من الرجز] أهدّموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنك لا أخا لكا وأنا أمشي الدّألى حوالكا فقلت: لمن هذا الشّعر؟ قال: يقول العرب هذا يقوله الضبّ للحسل أيام كانت الأشياء تتكلّم. الدّألى: مشي كمشي الذئب، يقال هو يدأل في مشيته إذا مشى كمشية الذئب، ومنه قول امرىء القيس: [من الطويل] «أقبّ حثيث الرّكض والدّألان» ومن روى بيت ابن عنمة الضبيّ: [من الوافر] «تعارضه مربّبة دؤول» بالدال غير معجمة أراد هذا، ومن قال «ذؤول» بالذال معجمة أراد السرعة، يقال: مرّ يذأل أي يسرع. ١٢٧٧- وزعموا أنّ الضبّ قاضي الطير والبهائم، وأنها اجتمعت إليه أوّل ما خلق الإنسان فوصفوه له فقال: تصفون خلقا ينزل الطير من السماء ويخرج الحوت من الماء، فمن كان ذا جناح فليطر، ومن كان ذا مخلب فليحتفر. «١٢٧٨» ومن دعاويهم أنّ أبا عروة كان يزجر الذئاب ونحوها مما يغير على الغنم، فيفتق مرارة السّبع في جوفه، فذلك قول النابغة الجعدي: [من المنسرح] زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يختلطن بالغنم وقال من يطعن في هذا، السبع أشدّ أبدا من الغنم، فإذا فعل ذلك بالسبع

стр. 2971

هلكت الغنم قبله، وقال من يحتجّ له: إنّ الغنم كانت قد أنست بهذا منه. «١٢٧٩» - ويزعمون أنّ عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب قال لابني الجون الكنديين يوم جبلة: إنّ لي عليكما حقا لرحلتي ووفادتي، فدعوني أنذر قومي من موضعي هذا، فقالوا: شأنك. فصرخ بقومه فأسمعهم على مسيرة ليلة. ١٢٨٠- وذكروا أنّ أبا عطية عفيفا في الحرب التي كانت بين ثقيف وبني نصر نادى: يا سوء صباحاه، أتيتم يا بني نصر، فأسقطت الحبالى بصيحته فقيل فيه: [من الطويل] وأسقط أحبال النساء بصوته ... عفيف وقد نادى بنصر [١] فثوّبا «١٢٨١» - قال التوّزي: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار فقال: إنّ العجم تكذب فتقول: كان رجل ثلثه من نحاس وثلثه من نار وثلثه من ثلج، فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه. «١٢٨٢» - قال أبو العميثل: تكاذب أعرابيّان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي، فإذا أنا بظلمة شديدة فيمّمتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل عليها بفرسي حتى أبهتّها فانجابت. فقال الآخر: لقد رميت ظبيا مرة بسهم فعدل الظبي يمنة فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، ثم انحدر فانحدر حتى أخذه. «١٢٨٣» - وكان عمرو بن معدي كرب الزبيدي معروفا بالكذب على رئاسته في قومه وتقدّمه وبسالته، وكان أشراف الكوفة يظهرون بالكناسة على

стр. 2972

دوابّهم فيتحدّثون إلى أن تطردهم الشمس. فوقف عمرو بن معدي كرب وخالد ابن الصقعب النّهديّ، فأقبل عمرو يحدّثه فقال: أغرنا مرة على بني نهد فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصقعب، فحملت عليه فطعنته فأرديته [١] ثم ملت عليه بالصمصامة فأخذت رأسه. فقال له خالد: حلّا أبا ثور، إنّ قتيلك هو المحدّث، فقال له: يا هذا إذا حدّثت بحديث فاستمع، فإنما نتحدّث بمثل ما تسمع لنرهب به هذه المعيدية. قوله مسترعفين أي متقدمين، يقال: جاء فلان يرعف الجيش، ويؤمّ الجيش إذا جاء متقدّما لهم، وقوله: حلّا أي استثن، يقال: حلف ولم يحلّل. «١٢٨٤» - وقد زعموا أنّ رجلا نظر إلى ظبية فقال له أعرابيّ: أتحبّ أن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فأعطني أربعة دراهم حتى أردّها إليك، ففعل؛ فخرج يمحص في أثرها، وجدّ حتى أخذ بقرنيها فجاء بها وهو يقول: [من الرجز] وهي على البعد تلوّي خدّها ... تريغ شدّي وأريغ شدّها كيف ترى عدو غلام ردها «١٢٨٥» - ويحكون في خبر لقمان بن عاد أنّ جارية له سئلت عما بقي من بصره، فقالت: والله لقد ضعف، ولقد بقيت منه بقيّة، وأنه ليفصل بين أثر الأنثى والذكر من الذر إذا دبّ على الصّفا. «١٢٨٦» - قال حماد الراوية: قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها: أرأيت قول أبيك: [من الطويل]

стр. 2973

بني عامر هل تعرفون إذا غدا ... أبو مكنف قد شدّ عقد الدوابر بجيش تضلّ البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجّدا للحوافر يقول: لكثرة الجيش يطحن الأكم حتى يلصقها بالأرض. وجمع كمثل اللّيل مرتجس الوغى ... كثير تواليه سريع البوادر أبت عادة للورد أن يكره الوغى ... وعادة رمحي في نمير وعامر هل حضرت مع أبيك هذه الوقعة؟ قال: نعم، قلت: فكم كانت خيلكم؟ قال: ثلاثة أفراس أحدها فرسه. فذكرت هذا لابن أبي بكير الهذليّ، فحدّثني عن أبيه وقال: حضرت يوم جبلة- وقد بلغ مائة سنة وأدرك أيام الحجاج- قال: فكانت الخيل في الفريقين مع ما كان لابني الجون ثلاثين فرسا. قال فحدّثت بهذا الحديث الخثعميّ، وكان راوية أهل الكوفة، فحدّثني أنّ خثعم قتلت رجلا من بني سليم بن منصور فقالت أخته ترثيه: [من الطويل] لعمري وما عمري عليّ بهيّن ... لنعم الفتى غادرتم آل خثعما وكان إذا ما أورد الخيل بيشة ... إلى جنب أشراج أناخ فحمحما فأرسلها زهوا رعالا كأنها ... جراد زهته ريح نجد فأتهما فقيل لها: كم كانت خيل أخيك؟ قالت: اللهم إني لا أعرف إلا فرسه. «١٢٨٧» - وسأل الحجاج محمد بن عبد الله بن نمير الثقفيّ عن قوله في أخته زينب بنت يوسف حيث شبّب بها: [من الطويل] ولما رأت ركب النّميريّ أعرضت ... وكنّ من ان يلقينه حذرات كم كان ركبك يا نميري؟ قال: والله إن كنت إلا على حمار هزيل ومعي رفيق لي على أتان مثله. ويقال بل قال كان معي ثلاثة أحمرة أجلب عليها القطران.

стр. 2974

«١٢٨٨» - وعلى هذا قول مهلهل: [من الوافر] فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور وإنما كانت الوقعة بعنيزة، وهي من حدود الشام فكم بينها وبين حجر اليمامة؟ «١٢٨٩» - وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى عمّن حدّثه أنّ بكر بن وائل أرادت الغارة على قبائل تميم فقالوا إن علم بنا السّليك أنذرهم، فبعثوا فارسين على جوادين يريغان السّليك، فبصرا به فقصداه، وخرج يحضر كأنه ظبي، وطارداه سحابة يومهما، فقالا: هذا النهار ولو جنّ عليه الليل لقد فتر. فجدّا في طلبه، فإذا بأثره قد بال فرغا في الأرض وقد خدّها، فقالا: قاتله الله ما أشدّ متنه، ولعلّ هذا كان من أوّل الليل. فلما اشتدّ به العدو فتر، فاتّبعاه، فإذا به قد عثر بأصل شجرة فندر منها كمكان تلك، وانكسرت قوسه فارتزّت قصدة منها في الأرض فنشبت. فقالا: قاتله الله، والله لا نتبعه بعد هذا، فرجعا عنه. فأتمّ إلى قومه فأنذرهم فلم يصدّقوه لبعد الغاية عنه. ففي ذلك يقول: [من الطويل] يكذّبني العمران: عمرو بن جندب ... وعمرو بن عمرو [١] والمكذب أكذب ثكلتهما إن لم أكن قد رأيتها ... كراديس يهديها إلى الحيّ موكب كراديس فيها الحوفزان وحوله ... فوارس همّام متى يدع يركبوا فصدقه قوم فنجوا، وكذّبه الباقون فورد عليهم الجيش فاكتسحهم. ١٢٩٠- وكان تأبّط شرا عجبا، وهو من العدائين الفتّاك الشجعان،

стр. 2975

وكان يسبق الخيل عدوا على رجليه هو والشّنفرى الأزديّ وعمرو بن برّاق، وله أخبار تبعد عن الصحّة. وهو ثابت بن جابر بن سفيان بن عديّ بن كعب بن حرب بن شيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن غيلان. فمن أخباره أنه كان يأتي امرأة يقال لها الزرقاء، وكان لها ابن من هذيل معها في أهلها، فقال لها ابنها وهو غلام قد قارب الحلم: ما هذا الرجل عليك؟ قالت: عمك، إنه كان صاحبا لأبيك. فقال لها: إني والله ما أدري ما شأنه، ولا رأيته عندك! والله لئن رأيته عندك لأقتلنّه قبلك. فلما رجع إليها تأبّط شرا أخبرته الخبر فقالت: إنه شيطان من الشياطين! والله ما رأيته مستثقلا نوما قط، ولا ممتلئا ضحكا قط، ولا همّ بشيء قط مذ كان صغيرا إلا فعله؛ ولقد حملته فما رأيت عليه دما حتى وضعته، وحملته وإني لمتوسّدة سرجا في ليلة هرب، وإنّ نطاقي لمشدود وإنّ على أبيه لدرع حديد، فاقتله، فأنت والله أحبّ إليّ منه. قال: أفعل. فمرّ به وهو يلعب مع الغلمان فقال: انطلق معي أهبك نبلا. فمشى معه شيئا ثم وقف: وقال: لا أرب لي في نبلك. ثم رجع فلقي أمّه فقال: والله ما أقدر عليه. وحال بينهما الغلام سنوات، ثم قال لها: إني قاتله، أغزو به فأقتله، فقالت: افعل. فقال تأبّط شرا للغلام: هل لك في الغزو؟ قال: نعم. فخرج معه غازيا لا يرى له غرّة حتى مرّ بنار ليلا، وهي نار بني أم قترة الفزاريين، وكانوا في نجعة. فلما رأى تأبّط شرا النار وقد عرفها وعرف أهلها وأنهما لا يلقيان شيئا إلا أهلكاه، أكبّ على رجله وقال: بهشت بهشت! النار النار! فخرج الغلام يهوي قبل النار حتى صادف عليها رجلين فواثباه فقتلهما جميعا، ثم أخذ جذوة من النار وأقبل يهوي إليه، فلما رأى النار تهوي قبله قال في نفسه: قتل والله واتبعوا أثره. قال تأبّط فخرجت أسعى حتى إذا بلغت النار حيث كنت استدرت طوفا أو طوفين ثم اتّبعت أثره. فما نشب أن أدركني ومعه جذوة من نار ويطرد إبل القوم، فقال: ما لك ويلك! أتعبتني منذ الليلة، قال: قلت إني والله ظننت أنك قتلت، قال: لا والله، بل قتلت الرجلين، عاديت بينهما.

стр. 2976

قال أبو عمرو وقد سمعت ابن أنس السلمي يقول: ليسا من بني فزارة إنما هما ابنا قترة من الأزد، ولقد لقيت أهل ذلك البيت وحدثتهم. فقال تأبّط شرا لصاحبه: الهرب الهرب الآن! فالطلب والله في أثرك. ثم أخذ به غير الطريق، فما سار إلا ساعة أو قليلا حتى قال له الغلام: أنت مخطىء، الطريق ما تستقيم الريح فيه. قال: قلت فأين؟ قال هذا المكان، فو الله ما جرم أن استقبل الطريق، وما كان سلكها قط. فأصبحنا فما برحت أطرد به حتى رأيت عينيه كأنهما خيط، فقلت: انزل فقد أمنت، فقال: هل تخاف شيئا؟ قلت له: لا، قال: فنزلنا وأنخنا الإبل، ثم انتبذنا فنام في طرفها ونمت في الطرف الآخر ورمقته حتى أوى إلى نفسه وخط طرفاه نوما. فقمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما فقال: ما شأنك؟ فقلت: سمعت حسّا في الإبل، فطاف معي بينها حتى استثرناها، فقال: والله ما أرى شيئا، أتخاف أن تكون نمت وأنت تخاف شيئا؟ فقلت: لا والله لقد أمنت، فقال: فنم. فنمت ونام، فقلت: عجلت أن يكون استثقل نوما فأمهلته حتى أوى إلى نفسه وتملا، فقمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما فقال: ما شأنك؟ قلت: سمعت حسّا في الإبل، قال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا والله، قال: فنم ولا تعد فإني قد ارتبت منك. قال: فأمهلته حتى أدى نفسه واستثقل نفسه نوما فقذفت بحصاة إلى رأسه فو الله ما عدا أن وقعت فوثب وتناومت، فأقبل فركضني برجله فقال: أنائم أنت؟ قلت: نعم، قال: أسمعت ما سمعت؟ قلت: لا، قال: والله لقد سمعت مثل بركة الجزور عند رأسي، قال: وطفت معه في البرك، فلم ير شيئا فرجع إلى مكانه ورجعت، فلما استثقل نوما، قذفت بحصاة إلى رأسه. فو الله ما عدا أن وقعت فوثب وتناومت فجاء فركضني برجله وقال: أسمعت ما سمعت؟ قلت له: لا، قال: والله لقد سمعت عند رأسي مثل بركة الجزور. فطاف فلم ير شيئا، ثم أقبل عليّ مغضبا توقّد عيناه، فقال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا، قال والله لئن أيقظتني ليموتنّ أحدنا: أنا أو أنت. ثم أتى مضجعه، قال: فو الله لقد بتّ

стр. 2977

أكلؤه أن يوقظه شيء. وتأملته مضطجعا فإذا هو على حرف لا يمسّ الأرض منه إلا منكبه وحرف ساق، وإنّ سائر ذلك لناشز منه. فلما فرغ من نومه قال: ألا تنحر جزورا فنأكل منها؟ قال: قلت بلى، فنحرنا جزورا فاشتوينا منها واحتلب ناقة فشرب ثم خرج يريد المذهب، وراث عليّ جدا. فلما ارتبت اتّبعت أثره، فأجده مضطجعا على مذهبه، وإذا يده داخلة في جحر وإذا رجله منتفخة مثل الوتر، وإذا هو قد مات. فانتزعت يده من الجحر، وإذا به قابض على رأس أسود، وإذا بهما ميتان. فقال تأبّط شرا في ذلك: [من الكامل] ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مثقّل وهي أبيات الحماسة المشهورة. «١٢٩١» - ومن أخباره التي تشبه أكاذيب العرب ودعاويهم: أنه قتل الغول وقال في ذلك: [من الوافر] ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان [١] وإني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان فقلت لها كلانا نضو أرض ... أخو سفر فخلّي لي مكاني فشدّت شدّة نحوي فأهوى ... لها كفّي بمصقول يمان فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران الجران: جلد الحلق، وسمّي جران العود بسوط كان في يده من جران عوده. فقالت عد فقلت لها رويدا ... مكانك إنني ثبت الجنان

стр. 2978

فلم أنفكّ متّكئا لديها ... لأنظر مصبحا ماذا دهاني إذا عينان في رأس قبيح ... كرأس الهرّ مسترق اللسان وساقا مخدج وسراة كلب ... وثوب من عباء أو شنان «١٢٩٢» - كان من خبر سجاح وادّعائها النبوّة وتزويج مسيلمة إياها أنّ سجاح التميمية ادّعت النبوّة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فاجتمعت عليها بنو تميم وكان فيما ادّعت أنه أنزل عليها: «يا أيها المتقون، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكنّ قريشا قوم يبغون» . واجتمعت بنو تميم كلّها لنصرها، وكان فيهم الأحنف بن قيس وحارثة بن بدر ووجوه بني تميم كلّها. وكان مؤذّنها شبث بن ربعي الرياحي، فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذّاب وهو باليمامة، فقالت: يا معشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل هامة، وأضرموا فيها نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة. وقالت لبني تميم: إنّ الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة، وإنما جعله في مضر، فاقصدوا هذا الجمع، فإذا فضضتموه كررتم على قريش. فسارت في قومها وهم الدّهم الداهم. وبلغ مسيلمة خبرها، فضاق به ذرعا وتحصّن في حجر حصن اليمامة. وجاءت في جيوشها فأحاطت به. فأرسل إلى وجوه قومه وقال: ما ترون؟ قالوا: نرى أن تسلّم الأمر إليها وتدعنا، فإن لم تفعل فهو البوار. وكان مسيلمة داهية، فقال: سأنظر في هذا. ثم بعث إليها أنّ الله ﵎ أنزل عليك وحيا وأنزل عليّ وحيا، فهلمّي نجتمع ونتدارس ما أنزل علينا، فمن عرف الحقّ نفعه [١] ، واجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي وقومك.

стр. 2979

فبعثت إليه: أفعل. فأمر بقبّة أدم فضربت، وأمر بالعود المندل فسجر فيها، وقال: أكثروا من الطّيب والمجمر، فإنّ المرأة إذا شمّت رائحة الطّيب ذكرت الباءة. ففعلوا ذلك. وجاءها رسوله يخبرها بأمر القبّة المضروبة للاجتماع، فأتته فقالت: هات ما أنزل الله عليك، فقال: «ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة [١] تسعى، ما بين صفاق وحشا، من بين ذكر وأنثى، وأموات وأحيا، ثم إلى ربّهم يكون المنتهى» . قالت: وماذا؟ قال: «ألم تر أنّ الله خلقنا أفواجا، وجعل النّساء لنا أزواجا، فنولج فيهنّ قعسا إيلاجا، ونخرجها منهنّ إذا شئنا إخراجا» . قالت: فأيّ شيء أمرك؟ قال: [من الهزج] ألا قومي إلى النّيك ... فقد هيّي لك المضجع فإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع وإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع فقالت: لا، إلا به أجمع، فقال: كذلك أوحي إليّ. فواقعها. فلما قام عنها قالت: «إنّ مثلي لا يجري أمرها كذا فيكون وصمة على قومي وعليّ، ولكن أنا مسلّمة إليك النبوّة فاخطبني إلى أوليائي يزوّجوك، ثم أقود تميما معك» . فخرج وخرجت معه، فاجتمع الحيّان من حنيفة وتميم، فقالت سجاح: إنه قرأ عليّ ما أنزل عليه، فوجدته حقا فاتبعته. ثم خطبها فزوّجوه إياها، ثم سألوه عن المهر، فقال: قد وضعت عنكم صلاة العصر. فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلّونها، ويقولون: هذا حقّ لنا ومهر كريمتنا لا نردّه.

стр. 2980

وقال شاعر بني تميم يذكر أمر سجاح: [من البسيط] أضحت نبيّتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء الله ذكرانا قال: وسمع الزّبرقان بن بدر الأحنف يومئذ، وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم، فقال الأحنف: تالله ما رأيت أحمق من هذه الأنبياء قطّ، فقال الزبرقان: والله لأخبرنّ بذلك مسيلمة، فقال: إذن والله أحلف أنك كذبت فيصدّقني ويكذّبك، قال: فأمسك الزبرقان وعلم أنه قد صدق. قال: وحدّث الحسن البصري بهذا فقال: أمن والله أبو بحر من نزول الوحي. وأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة، وحسن إسلامها. وقال الأغلب العجليّ في تزويج مسيلمة الكذّاب بسجاح: [من الرجز] قد لقّيت سجاح من بعد العمى ... ملوّحا في العين مجلوز القرا [١] مثل الفنيق في شباب قد أتى ... اللّجيميّين أصحاب القرى [٢] ليس بذي واهنة ولا نسا ... نشا بلحم وبخبز ما اشتهى حتى شتا تنتح ذفراه الندى ... خاظي البضيع لحمه خظا بظا [٣] كأنّما جمّع من لحم الخصى ... إذا تمطّى بين برديه صأى كأنّ عرق أيره إذا ودى ... حبل عجوز ضفّرت سبع قوى يمشي على خمس قوائم زكا ... يرفع وسطاهنّ من برد الندى قالت متى كنت أبا الخير متى ... قال حديث لم يغيّرني البلى ولم أفارق خلّة لي عن قلى ... فانتشغت فيشته نصف الشّوى كأنّ في أجيادها سبع كلى ... ما زال عنها بالحديث والمنى
следующие страницы →