Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
«٥٥٨» - قالت أمّ الدرداء: قال لي أبو الدرداء: لا تسألي أحدا شيئا، قلت:
فإن احتجت؟ قال: تتّبعي الحصادين، فانظري ما يسقط منهم فخذيه فاطحنيه ثم اعجنيه، ثم كليه ولا تسألي أحدا.
«٥٥٩» - قال طلق بن حبيب في زبور داود: إن كنت لا بدّ أن تسأل عبادي فسل معادن الخير ترجع مغبوطا مسرورا، ولا تسأل معادن الشرّ ترجع ملوما محسورا.
«٥٦٠» - سأل المنكدر عائشة ﵂، فقالت: لو كانت عندي عشرة آلاف لبعثتها إليك. فلما خرج جاءتها عشرة آلاف فبعثتها إليه، فاشترى منها جارية بألفي درهم، فولدت له محمدا وأبا بكر وعمر فكانوا عبّاد المدينة.
٥٦١- سمع كعب الأحبار من يقرأ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
(البقرة: ٢٤٥) ، فألقى إلى مسكين رداءه، فقيل له، فقال: مكتوب في التوراة:
ليس ينبغي لأحد أن يسمعها إلا فلذ من ماله فلذة ولم يكن معي إلا ردائي.
«٥٦٢» - أنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
أبا هانىء لا تسأل الناس والتمس ... بكفّيك فضل الله فالله أوسع
ولو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
٥٦٣- قال سهل بن هارون: من ثقّل نفسه عليك وغمّك بسؤاله فأعره أذنا صمّاء وعينا عمياء.
٥٦٤- سأل سائل بمسجد الكوفة وقت صلاة الظهر فلم يعط شيئا، ثم العصر فلم يعط شيئا، ثم المغرب فلم يعط شيئا، فقال: اللهم إنك بحاجتي عالم
стр. 3222
لا تعلّم، لا يعوزك نائل، ولا يبخلّك سائل، ولا يبلغ مدحك قائل، أسألك صبرا جميلا، وفرجا قريبا، وبصرا بالهدى، وقوّة فيما تحبّ وترضى. فتبادروا إليه يعطونه فقال: والله لا أرزأنكم الليلة شيئا، وقد رفعت حاجتي إلى الله، ثم خرج وهو يقول: [من الكامل]
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال قرنته ... رجح السؤال وخفّ كل نوال
٥٦٥- سأل أعرابيّ قوما فمنعوه فقال: اللهم أشغلنا بذكرك، وأعذنا من سخطك، وتغمّدنا بمغفرتك. قد ضنّ خلقك عن خلقك، فلا تشغلنا بما عندهم فيشغلنا عمّا عندك، وأتنا من الدنيا القنعان، فإنّ كثيرها يسخطك، ولا خير فيما يسخطك.
«٥٦٦» - قدم وفد على زياد فقام خطيبهم فقال: إنّا- أصلح الله الأمير وإن كانت نزعت بنا أنفسنا إليك، وأنضينا ركابنا نحوك، التماسا لفضل عطائك، فإنّا عالمون بأنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معط لما منع؛ وإنما أنت أيها الأمير خازن ونحن رائدون، فإن أذن الله وأعطيت حمدنا، وإن لم يأذن لك ومنعت شكرنا، ثم جلس. فقال زياد: تالله ما رأيت خطبة أبلغ ولا أوجز ولا أنفع عاجلة منها. ثم أمر بصلتهم.
«٥٦٧» - سأل أعرابيّ قوما فقال: رحم الله امرءا لم تمجّ أذنه كلامي، وقدّم له معذرة من سوء مقامي، فإنّ البلاد مجدبة، والحال صعبة، والحياء زاجر عن كلامكم، والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين، فرحم الله امرءا آسى بمير أو دعا بخير. فقال له رجل: ممّن أنت يا أعرابي؟ قال: اللهم
стр. 3223
غفرا إنّ لؤم الاكتساب يمنع من الانتساب.
«٥٦٨» - وممّا قاله الشعراء في ترك الإلحاح قول عديّ بن الرّقاع:
[من البسيط]
حملت نفسي على أمر وقلت لها ... إنّ السؤول على الأحوال مملول
وقول زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يعفها يوما من الذلّ يسأم
وقول سليم بن خنجر الكلبي: [من الطويل]
ويسأمك الأدنى وإن كان مكثرا ... إذا لم تزل عبثا عليه ثقيلا
«٥٦٩» - وقفت أعرابيّة بزبالة على قوم فقالت: أتأذنون في الكلام فإنّ فيه فرجا من وساوس الهموم، ومخبرا بضمائر القلوب، فقال لها بعضهم يداعبها:
أمّا بما حسن به الاستمتاع في العاجلة، وخفّت به المؤونة في الآجلة، فنعم.
فقالت: اللهم غفرا! هذه شريطة لا يتعلّق بها الوفاء، فقال: فلا حاجة إذن بك إلى الكلام، وهذا درهم فخذي إليك ما حضر؛ فقالت: اللهم إنه قد كان له في كيسه متمهّد، وفي معاشه متصرّف، ولكنه اتّجر به فيّ إليك، اللهم فلا تجزه على قدر البضاعة، ولكن اجزه على قدر الصبر على المسألة؛ ثم قالت: لا جعلك الله ممّن يكره السؤال ويستعذب الردّ.
«٥٧٠» - أتى أعرابيّ باب بعض الملوك فأقام به حولا ثم كتب إليه: الأمل والعدم أقدماني عليك، وفي السطر الثاني: الإقلال لا صبر معه. وفي الثالث:
الانصراف بغير فائدة شماتة الأعداء. وفي الرابع: إما نعم سريح وإما يأس مريح.
стр. 3224
٥٧١- سأل أعرابي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فقال: رجل من أهل البادية ساقته الحاجة، وانتهت به الفاقة، والله سائلك عن مقامي هذا. فقال عمر: تالله ما رأيت كلمة أبلغ من قائل، ولا أوعظ لمقول منها.
«٥٧٢» - قال رجل لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين، هززت ذوائب الرحال إليك، ولم أجد معوّلا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأقطع المجاهل بالآثار، يقودني نحوك رجاء، ويسوقني إليك بلوى، والنفس راغبة والاجتهاد عاذر، وإذ قد بلغتك قصتي. قال: احطط عن راحلتك فقد بلغت.
«٥٧٣» - وقف دعبل ببعض أمراء الرّقّة، فلما مثل بين يديه قال: أصلح الله الأمير، إني لا أقول كما قال صاحب معن: [من الوافر]
بأيّ الحالتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي مسول
أبالحسنى فليس لها ضياء ... عليّ فمن يصدّق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت لكلّ مكرمة فعول
ولكني أقول: [من الكامل]
ماذا أقول إذا أتيت معاشري ... صفرا يدي من جود أروع مجزل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضنّ الأمير بماله لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلى ... من أن أقول فعلت ما لم تفعل
فاختر لنفسك ما أقول فإنّني ... لا بدّ أخبرهم وإن لم أسأل
«٥٧٤» - خرج أعشى همدان إلى الشام في ولاية مروان بن الحكم فلم ينل فيها حظّا، فجاء إلى النعمان بن بشير فكلّم اليمانية وقال لهم: هذا شاعر اليمن
стр. 3225
ولسانها، واستماحهم له، فقالوا: نعم، يعطيه كلّ رجل منّا دينارين من عطائه، قال: لا، بل اعطوه منا دينارا دينارا واجعلوا ذلك معجّلا، فقالوا: أعطه إياه من بيت المال واحتسبها على كلّ رجل من عطائه، ففعل النعمان، وكانوا عشرين ألفا، فأعطاه عشرين ألف دينار وارتجعها منهم عند العطاء. فقال الأعشى يمدح النعمان: [من الطويل]
لم أر للحاجات عند التماسها ... كنعمان نعمان الندى ابن بشير
إذا قال أوفى ما يقول ولم يكن ... كمدل إلى الأقوام حبل غرور
متى أكفر النعمان لا ألف شاكرا ... وما خير من لا يقتدي بشكور
فلولا أخو الأنصار كنت كنازل ... ثوى ما ثوى لم ينقلب بنصير
стр. 3226
نوادر من هذا الباب
«٥٧٥» - وعد ابن المدبّر أبا العيناء بدابة فماطله بها، فلما طالبه بها قال:
أخاف أن أحملك عليها فتقطعني ولا أراك. فقال: عدني أنك تضمّ إليها حمارا لأواظب مقتضيا.
«٥٧٦» - قال أعرابيّ لمعاوية: استعملني على البصرة، فقال: ما أريد عزل عاملها، قال: فأقطعني البحرين، فقال: ما إلى ذلك سبيل، قال: فمر لي بألف درهم، فأمر له بها، فقيل للأعرابي في ذلك، فقال: لولا طلبي الكثير ما أعطاني القليل.
«٥٧٧» - قال أعرابي: سألت فلانا حاجة أقلّ من قيمته، فردّني ردّا أقبح من خلقته.
«٥٧٨» - سأل أبو العيناء أحمد بن صالح حاجة، فوعده، ثم اقتضاه إيّاها، فقال: حال دونها هذا المطر والوحل، قال: فحاجتي إذا صيفيّة.
«٥٧٩» - وسأل إبراهيم بن ميمون حاجة فدفعه عنها واعتذر إليه، وأعلمه أنه قد صدقه، فقال له: والله لقد سرّني صدقك لعوز الصدق عندك، فمن صدقه حرمان، فكيف يكون كذبه؟!
стр. 3227
«٥٨٠» - قال السفاح لأبي دلامة: سلني حاجتك، قال: كلب صيد، قال: أعطوه، قال: وغلام يقود الكلب ويصيد به، قال: أعطوه غلاما، قال:
وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه، قال: أعطوه جارية، قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها، قال: أعطوه دارا تجمعهم، قال:
وإن لم تكن ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة، قال: وما الغامرة؟ قال: ما لا نبات به، قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة جريب غامرة من فيافي بني أسد، فضحك وقال: اجعلوها كلّها عامرة، قال فائذن لي أن أقبّل يدك، قال: أما هذه فدعها فإني لا أفعل، قال: والله ما منعتني شيئا أقلّ ضررا على عيالي منها.
«٥٨١» - سأل أعرابيّ، فقال له صبيّ من جوف الدار: بورك فيك، فقال:
قبّح الله ذاك الفم! لقد تعلّم الشرّ صغيرا.
«٥٨٢» - وقال هذا السائل: [من الرجز]
ربّ عجوز عرمس زبون ... سريعة الردّ على المسكين
تحسب أن بوركا تكفيني ... إذا غدوت باسطا يميني
«٥٨٣» - جاء أبو الهذيل العلّاف إلى الديوان في أيام المأمون، فسأل سهل بن هارون بن راهبون كتابا إلى حفصويه صاحب الجيش في حاجة له، ونهض أبو الهذيل، فأملى سهل بن هارون على محمد بن الجهم صاحب الفراء: [من الكامل]
انّ الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فإذا أتاك لحاجة فامدد له ... حبل الرجاء بمخلف الوعد
стр. 3228
وألن له كنفا ليحسن ظنّه ... في غير منفعة ولا رفد
حتى إذا طالت شقاوة جده ... ورجا الغنى فاجبهه بالرّدّ
وإن استطعت له المضرّة فاجتهد ... فيما يضرّ بأبلغ الجهد
وانظر كلامي فيه فارم به ... خلف الثريّا منك في البعد
وكذاك فافعل غير محتشم ... إن جئت أشفع في أبي الهندي
«٥٨٤» - سأل أبو العيناء الجاحظ كتابا إلى محمد بن عبد الملك في شفاعة لصاحب له، فكتب الكتاب وناوله الرجل فعاد به إلى أبي العيناء وقال: قد أسعف، قال: فهل قرأته؟ قال: لا، لأنّه مختوم، فقال: ويحك، فضّ طينه أولى من حمل طينه، لا يكون صحيفة المتلمّس. ففضّ الكتاب فإذا فيه: موصل كتابي سألني فيه أبو العيناء وقد عرفت سفهه وبذاءة لسانه، وما أراه لمعروفك أهلا، فإن أحسنت إليه فلا تحسبه إليّ يدا، وإن لم تحسن لم أعتدّه عليك دينا، والسلام. فركب أبو العيناء إلى الجاحظ وقال له: قد قرأت الكتاب يا أبا عثمان. فخجل الجاحظ وقال: يا أبا العيناء، هذه علامتي فيمن أعتني به؛ قال: فإذا بلغك أنّ صاحبي شتمك فاعلم أنه علامته فيمن شكر معروفه.
«٥٨٥» - سأل أبو عون رجلا فمنعه، فألحّ عليه فأعطاه، فقال: اللهم آجرنا وإياهم؛ نسألهم إلحافا ويعطوننا كرها، فلا يبارك لنا في العطيّة ولا يؤجرون عليها.
«٥٨٦» - وقف سائل على باب فقال: يا أهل الدار، فبادر صاحب الدار قبل أن يتمّ السائل كلامه فقال: صنع الله لك، فقال السائل: يا ابن البظراء، أكنت تصبر حتى تسمع كلامي، عسى جئت أدعوك إلى دعوة.
стр. 3229
«٥٨٧» - وقف سائل على باب قوم فقال: تصدّقوا عليّ فإني جائع، قالوا: لم نخبز بعد، قال: فكفّ سويق، قالوا: ما اشترينا بعد، قال: فشربة ماء فإني عطشان، قالوا: ما أتانا السّقّاء بعد، قال: فيسير دهن أضعه على رأسي، قالوا:
ومن أين الدّهن؟ قال: يا أولاد الزّنا، ما قعودكم هاهنا، قوموا اسألوا معي.
«٥٨٨» - وقف أعرابيّ على قوم يسألهم فقال أحدهم: بورك فيك، وقال آخر: ما أكثر السّؤال! فقال الأعرابيّ: ترانا أكثر من بورك فيك؟ والله لقد علّمكم الله كلمة ما تبالون معها ولو كنّا مثل ربيعة ومضر.
«٥٨٩» - وقف سائل على إنسان وهو مقبل على صديق له يحدّثه ويتغافل عن السائل، ثم قال بعد ذلك بساعة طويلة: صنع الله لك، فقال السائل: أين كان هذا إلى هذه الغاية؟ كان في الصندوق؟! «٥٩٠» - كان لمزبد غلام، وكان إذا بعثه في حاجة قد جعل بينه وبينه علامة، إذا رجع سأله فقال: حنطة أو شعير؟ فإن عاد بالنّجح قال: حنطة، وإن لم يقض الحاجة قال: شعير. فبعثه يوما في حاجة، فلما انصرف قال له:
حنطة أو شعير؟ قال: خرا، قال: ويلك! وكيف ذاك! قال: لأنهم لم يقضوا الحاجة وضربونى وشتموك.
«٥٩١» - قيل: كان المعتصم جالسا على حاير الوحش يشرب وعنده مخارق وعلّويه يغنّيانه، والخيل تعرض. فعرض عليه فرس كميت ما رأى مثله، فتغامزا عليه وغنّاه علويه: [من الرمل]
وإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كلّ جواد وطمرّ
стр. 3230
فتغافل عنه، وغنّاه مخارق: [من الخفيف]
يهب البيض كالظّباء وجردا ... تحت أجلالها وعيس الركاب
فضحك ثم قال: اسكتا يا ابن الزانيتين، فليس يملكه والله واحد منكما. ثم دار الدّور فغناه علويه: [من الرمل]
وإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كلّ بغال وحمر
فضحك وقال: أما هذا فنعم، وأمر لأحدهما ببغل وللآخر بحمار.
«٥٩٢» - رفع صاحب الخبر إلى المنصور رحمه الله تعالى أنّ مطيع بن إياس زنديق، وأنه يعاشر ابنه جعفرا وجماعة من أهل بيته، ويوشك أن يفسد أديانهم أو ينسبوا إلى مذهبه. فقال له المهدي: أنا به عارف، أما الزندقة فليس من أهلها، ولكنه خبيث الدين فاسق مستحلّ للمحارم. قال: فأحضره وانهه عن صحبة جعفر وسائر أهله، فأحضره المهديّ وقال له: يا خبيث يا فاسق، قد أفسدت أخي ومن يصحبه من أهلي، والله لقد بلغني أنّهم يتقارعون عليك، ولا يتمّ لهم سرور إلّا بك، وقد غررتهم وشهّرتهم في الناس، ولولا أني شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة ممّا نسبت إليه من الزّندقة، لقد كان أمر بضرب عنقك. ثم قال للربيع: اضربه مائة سوط واحبسه. قال: ولم يا سيدي؟ قال:
لأنّك سكّير خميّر قد أفسدت أهلي كلّهم بصحبتك. فقال: إن أذنت لي وسمعت، احتججت. قال: قل. قال: أنا امرؤ شاعر، وسوقي إنّما تنفق مع الملوك، وقد كسدت عندكم، وأنا في أيامكم مطّرح، وقد رضيت فيها- مع سعتها للناس جميعا- بالأكل على مائدة أخيك ولا يتبع ذلك غيره، وأصفيه مع ذلك شعري وشكري؛ فإن كان ذلك عائبا عندك تبت منه. فأطرق ثم قال:
فلقد نقل إلينا أنك تتماجن على السّؤال والمساكين وتتنادر بهم ويضحك منهم
стр. 3231
الناس. فقال: لا والله ما ذلك من فعلي ولا شأني، ولا جرى مني قطّ إلّا مرّة، فإنّ سائلا أعمى اعترضني وقد عبرت الجسر على بغلتي، وظنّني من الجند، فرفع عصاه في وجهي ثم صاح: اللهم سخر الخليفة لأن يعطي الجند أرزاقهم، فيشتروا من التّجار الأمتعة، فيربح التجار عليهم، فتكثر فيها أموالهم، فتجب فيها الزكاة عليهم فيتصدّقوا عليّ منها؛ فنفرت بغلتي من صياحه ورفع عصاه في وجهي حتى كدت أسقط في الماء، فقلت له: يا هذا، ما رأيت أكثر فضولا منك، سل الله أن يرزقك ولا تجعل بينك وبينه هذه الحوالات والوساطات التي لا يحتاج إليها، فإنّ هذه المسائل فضول. فضحك المهديّ وقال: خلّوه ولا يضرب ولا يحبس. فقال له: أدخل عليك لموجدة وأخرج عن رضا وتبرأ ساحتي من عضيهة، وأنصرف بلا جائزة! فقال: لا يجوز هذا، أعطوه مائتي دينار ولا يعلم بها أمير المؤمنين، فتجدّد عنده ذنوبه.
«٥٩٣» - قال أشعب: بلغني مكان عبد الله بن عمر في مال له يتصدّق بثمرته. فركبت إليه بأصحابي ووافيته في ماله، فقلت: يا ابن أمير المؤمنين، ويا ابن الفاروق أوقر لي بعيري هذا تمرا، فقال: أمن المهاجرين أنت؟ قلت:
اللهم لا، قال: أفمن الأنصار؟ قلت: اللهم لا، قال: أفمن التابعين بإحسان؟
فقلت: أرجو، فقال لي: إن يحق رجاؤك أفمن أبناء السبيل أنت؟ قلت: لا، قال: فعلام أوقر لك بعيرك تمرا؟ قلت: لأني سائل، وقد قال رسول الله ﵌: إن أتاك السائل على فرس فلا تردّه، قال: لو شئنا أن نقول لك إنّه قال: إن أتاك على فرس ولم يقل أتاك على بعير، لقلنا، ولكن أمسك عن ذلك لاستغنائي عنه لأني قلت لأبي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إذا أتاني سائل على فرس أعطيه؟ قال: إني سألت رسول الله ﵌ عمّا سألتني عنه، فقال: نعم، إذا لم تصب راجلا؛ ونحن أيّها الرجل
стр. 3232
نصيب رجّالة، فعلام أعطيك وأنت على بعير؟ فقلت له: بحقّ أبيك الفاروق وبحقّ الله وبحقّ رسول الله ﵌ لما وقرت لي بعيري. فقال عبد الله: أنا أوقره لك تمرا، ووحقّ الله وحقّ رسوله لئن عاودت استحلافي لا أبررت قسمك، ولو انك اقتصرت على إحلافي بحقّ أبي في تمرة أعطيكها لما أنفذت قسمك لأني سمعت أبي يقول: إنّ رسول الله ﷺ يقول: لا تشدّوا الرّحال إلى مسجد لرجاء الثواب إلا إلى المسجد الحرام ومسجدي بيثرب، ولا يبرّ أحد قسم مستحلفه إلا أن يستحلفه بحقّ الله وحقّ رسوله. ثم قال للسودان في ذلك المال: أوقروا بعيره تمرا. قال: فلما أخذ السودان في حشو الغرائر قلت: إنّ السودان أهل طرب، وإن أطربتهم أجادوا حشو غرائزي.
فقلت: يا ابن الفاروق أتأذن لي في الغناء فأغنّيك؟ فقال لي: أنت ورأيك.
فاندفعت في النصب، فقال لي: هذا الغناء الذي لم نزل نعرفه، ثم غنّيته صوتا لطويس: [من الطويل]
خليليّ ما أخفي من الحبّ باطن ... ودمعي بما قلت الغداة شهيد
قال، فقال لي عبد الله: يا هنه، لقد جدّدت في هذا الغناء ما لم يكن. قال: ثم غنّيته لابن سريج قوله: [من المنسرح]
يا عين جودي بالدموع السّفاح ... وابكي على قتلى قريش البطاح
فقال لي: يا أشعب، هذا يحنق الفؤاد، أراد: هذا يحرق الفؤاد، لأنه كان ألثغ لا يبين الراء ولا اللام؛ قال أشعب: فكان لا يراني بعد ذلك إلا استعادني هذا الصوت.
«٥٩٤» - كان أبو صدقة المغنّي سائلا ملحفا مع إحسانه في الغناء وظرفه، وقيل له: ما أكثر سؤالك وأشدّ إلحاحك! فقال: وما يمنعني من ذلك واسمي
стр. 3233
مسكين، وكنيتي أبو صدقة، وامرأتي فاقة وابني صدقة؟ وكان الرشيد يعبث به كثيرا، فقال ذات يوم لمسرور: قل لابن جامع وإبراهيم الموصلي وزبير بن دحمان وبرصوما وزلزل وابن أبي مريم المديني: إذا رأيتموني قد طابت نفسي فليسأل كلّ واحد منكم حاجة مقدارها مقدار صلته، وذكر لكلّ واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة. فقال لهم مسرور ما قال، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم، فلما جلس قال له: يا أبا صدقة، قد أضجرتني بكثرة مسائلك، وأنا في هذا اليوم ضجر، وقد أحببت أن أتفرّج وأفرح ولست آمن إن تنغّص عليّ مجلسي بمسألتك، فأمّا إن أعفيتني أن تسألني اليوم حاجة، وإلا فانصرف. فقال: لست أسألك في يومي هذا إلى شهر حاجة. فقال له الرشيد: أما إذا اشترطت لي هذا على نفسك فقد اشتريت منك حوائجك بخمسمائة دينار وها هي هذه، فخذها طيّبة معجلة، فإن سألتني شيئا بعدها اليوم فلا لوم عليّ إن لم أصلك سنة بعدها. قال: نعم وسنتين. فقال له الرشيد رحمه الله تعالى: زدني في الوثيقة، فقال: قد جعلت أمر أمّ صدقة في يدك فطلّقها متى شئت واحدة وإن شئت ألفا إن سألتك في يومي هذا حاجة، وأشهدت الله ومن حضر على ذلك. ودفع إليه المال، ثم أذن للجلساء والمغنّين، فدخلوا وشرب القوم، فلما طابت نفسه، يعني الرشيد، قال له ابن جامع: يا أمير المؤمنين، قد نلت منك ما لم تبلغه أمنيتي، وكثر إحسانك إليّ حتى كبتّ أعدائي وقتلتهم، وليس لي بمكة دار تشبه حالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دارا وأفرشها بباقيه لأفقأ عيون أعدائي وأزهق نفوسهم، فعل. قال: وكم قدّرت لذلك؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها؛ ثم قام إبراهيم الموصليّ فقال له: قد ظهرت نعمتك عليّ وعلى أكابر ولدي، وفي أصاغرهم من أحتاج أن أطهّره، ومنهم صغار أحتاج أن أتّخذ لهم خدما، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك، فعل. فأمر له بمثل ما أمر به لابن جامع. وجعل كلّ واحد منهم يقول من الثناء ما يحضره ويسأل حاجته على قدر جائزته، وأبو صدقة
стр. 3234
ينظر إلى الأموال تفرّق يمينا وشمالا، فوثب قائما على رجليه ورمى بالدنانير من كمّه وقال للرشيد: أقلني أقالك الله [من] عثرتك. فقال له الرشيد: لا أفعل.
فجعل يستحلفه ويضطرب ويلجّ، والرشيد يضحك ويقول: ما إلى ذلك سبيل؛ الشرط أملك. فلما عيل صبره أخذ الدنانير فرمى بها بين يدي الرشيد رحمه الله تعالى وقال: هاكها فقد رددتها عليك، وزدتك فرج أمّ صدقة فطلّقها إن شئت واحدة وإن شئت ألفا، وإن لم تلحقني بجوائز القوم فألحقني بجائزة هذا البارد عمرو الغزال، وكانت ثلاثة آلاف دينار. فضحك الرشيد حتى استلقى ثم ردّ عليه الخمسمائة دينار، وأمر له بألف دينار أخرى معها. والله أعلم.
«٥٩٥» - كان أبو نخيلة الحمّاني سائلا ملحّا ملحفا، وبنى دارا، فمرّ به خالد بن صفوان فوقف عليه، فقال له أبو نخيلة: يا ابن صفوان، كيف ترى؟
قال: رأيتك سألت فيها إلحافا، وأنفقت ما جمعت فيها إسرافا، جعلت إحدى يديك سطحا والأخرى سلحا، وقلت: من وضع في سطحي وإلا ملاته بسلحي، ثم ولّى وتركه. فقيل له: ألا تهجوه؟ فقال: إذن يركب والله بغلته ويطوف في مجالس البصرة ويصف أرنبتي، فما عسى يضرّ الإنسان صفة أرنبته بما يعيبها سنة لا يعيد فيها كلمة؟
«٥٩٦» - قال العتبيّ رحمه الله تعالى: لمّا حبس عمر بن هبيرة- وهو أمير العراق- الفرزدق، وأبى أن يشفّع فيه أحدا، فدخل أبو نخيلة في يوم فطر فوقف بين يديه فقال: [من الرجز]
أطلقت بالأمس أسير بكر ... فهل فداك بقرى ووفر
من سبب أو حجّة أو عذر ... تنجي التميميّ القليل الشّكر
من حلق القدّ الثّقال السمر ... ما زال مجنوبا على است الدّهر
стр. 3235
ذا حسب يعلي وقدر يزري ... هبه لأخوالك يوم الفطر
فأمر ابن هبيرة بإطلاقه. وكان قد أطلق قبله رجلا من عجل جيء به من عين التمر قد أفسد؛ فشفعت فيه بكر بن وائل، وإيّاه عنى أبو نخيلة. فلما خرج الفرزدق سأل عمّن شفع له فأخبر، فرجع إلى الحبس وقال: لا أريمه ولو متّ، أيطلق قبلي بكريّ وأخرج بشفاعة دعيّ؟ والله لا أخرج هكذا أبدا ولو من النار. فأخبر بذلك ابن هبيرة فضحك ودعا به فأطلقه وقال: قد وهبتك لنفسك.
«٥٩٧» - وقف على أبي نواس سائل ملحّ فآذاه، فقال: [من الطويل]
وأخوس دلّاج عليّ ورائح ... رجاء نوال لو يعان بجود
وإني وإياه لقرنان نصطلي ... من المطل نارا غير ذات وقود
قطبت له وجها قطوبا عن الندى ... وآيسته من نائل بوعيد
فإن كنت لا عن سوء فعلك مقلعا ... فدونك فاستظهر بنعل حديد
فعندي مطلّ لا يطير غرابه ... مطير ولا يدعى له بوليد
٥٩٨- ذكر أنّ أعرابيّا عري، فطلب من يكسوه فلم يرزق، فطلب خلقا يتستّر به فحرم، فتماوت، فاجتمع قوم وجمعوا بينهم ما ابتاعوا به له كفنا، ووضعوه عند رأسه وذهبوا ليسخنوا له الماء لغسله، فوثب الأعرابيّ وأخذ الثياب وعدا فلم يلحق.
٥٩٩- شاعر: [من المنسرح]
جئتك في حاجة لتقضيها ... يسوقني طائعا لها جشعي
مستيقنا واثقا بردّك لي ... مستيقظ اليأس نائم الطمع
«٦٠٠» - كتب البحتريّ رحمه الله تعالى إلى بعض أمراء العسكر، وقد وعده
стр. 3236
بمزوّرة من صنعة طبّاخه، فأخّرها عنه: [من البسيط]
وجدت وعدك زورا في مزوّرة ... ذكرت مبتدئا إحكام طاهيها
فلا شفى الله من يرجو الشفاء بها ... ولا علت كفّ ملق كفّه فيها
فاحبس رسولك عني أن يجيء بها ... فقد حبست رسولي عن تقاضيها
«٦٠١» - وقع بين رجل وامرأته [شرّ] فتهاجرا أياما، ثم واقعها، فلما فرغ قالت: قبّحك الله، كلّما وقع بيني وبينك شرّ جئتني بشفيع لا أقدر على ردّه.
«٦٠٢» - قال رجل لبنيه: يا بنيّ، تعلّموا الرّدّ فإنّه أشدّ من الإعطاء.
ومن لقيك بالسؤال الحارّ فردّه بالمنع البارد، ربما قضينا حوائج الناس تبرّما لا كرما.
«٦٠٣» - تعرّض أعرابيّ لمعاوية ﵁ في طريق فسأله، فمنعه، ثم عاوده في مكان آخر، فقال: ألم تسألني آنفا؟ قال: نعم، ولكن بعض البقاع أيمن من بعض. فضحك ووصله.
«٦٠٤» - إسماعيل بن قطريّ القراطيسي في الفضل بن الربيع: [من الهزج]
ألا قل للذي لم يه ... ده الله إلى نفعي
لئن أخطأت في مدحس ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
«٦٠٥» - إدريس بن عبد الله اللخمي الضرير: [مجزوء الرمل]
стр. 3237
صاحب الحاجة أعمى ... وأخو المال بصير
فمتى يبصر فيها ... رشده أعمى فقير
«٦٠٦» - أنشد الجاحظ: [من مجزوء الرمل]
قد بلوناك بحمد ال ... له إن أغنى البلاء
فإذا كلّ مواعي ... دك والجحد سواء
٦٠٧- وقف موسوس على ناس فردّوه فقال: [من السريع]
أسأت إذ أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظنّ بالناس
تمّ الجزء بعون الله وحسن توفيقه والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد النبيّ وعلى آله الطيّبين الطاهرين
стр. 3238
الباب الحادي والأربعون في الاذن والحجاب، متيسّره ومتصعّبه
стр. 3239
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
(وما توفيقي إلّا بالله) الحمد لله المتجلّي لذوي البصائر بدلائل قدرته، وإتقان صنعته، المحتجب عن الأبصار لجلال عظمته، ذي الآلاء المتظاهرة المتتابعة، والنّعم الظاهرة والباطنة، والمنن الخافية والبادية، والمواهب المترادفة المتوالية. أحمده حمدا يكون لحقّه العظيم وفاء، ومن إحسانه العظيم جزاء، وعلى القيام بفرض العبودية دليلا، وإلى إدراك مرضاته منهجا وسبيلا. وأسأله الصلاة على رسوله المنتمي إلى أشرف الأنساب، المتخلّق ببسط الوجه ورفع الحجاب، وعلى متّبعيه أكرم الآل والأصحاب.
стр. 3240
(الباب الحادي والأربعون في الإذن والحجاب، متيسّره ومتصعّبه)
[آيات وأحاديث]
قد جاء في الباب الأوّل ما جاء في النهي عن الحجاب تورّعا، وفي باب السياسة ما يعتمده الحاجب تأدّبا. ونذكر الآن ما جاء في أدب الاستئذان وسبب الحجاب، وأقوال من مني بذلّ الحجاب وبلي بغلظة البواب، وما اعتذر به عن ذلك، ومن ترفّع عن احتماله، والشكر لتيسّره، والذمّ على تعسّره والنوادر منه.
قال الله مؤدّبا لنا بالاستئذان: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
(النور: ٢٧- ٢٨) ، فهذا عام.
وقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ
(النور: ٥٨) ، فهذا خصوص.
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ
(الأحزاب: ٥٣) ، وكلّ هذا حجاب إلّا بإذن من له الإذن.
«٦٠٨» - وآية الحجاب نزلت لمّا تزوّج ﷺ زينب بنت جحش ﵂. وفيما أسنده البخاريّ ﵀ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان
стр. 3241
النّبيّ ﷺ عروسا بزينب، فقالت لي أمّ سلمة: لو أهدينا لرسول الله ﷺ هدية، فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وسمن وأقط، فاتّخذت حيسة في برمة فأرسلت بها معي إليه. فانطلقت بها إليه، فقال: ضعها؛ ثم أمرني فقال: ادع لي رجالا سمّاهم وادع من لقيت. ففعلت الذي أمرني فرجعت فإذا البيت غاصّ بأهله، ورأيت النّبيّ ﵌ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء الله. ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون معه ويقول لهم: اذكروا اسم الله وليأكل كلّ رجل منكم ممّا يليه، حتى تصدّعوا كلّهم عنها، فخرج من خرج وبقي نفر يتحدّثون. ثم خرج النّبيّ ﵌ نحو الحجرات وخرجت في اثره فقلت: إنّهم قد ذهبوا فرجع ودخل البيت وأرخى السّتر. وإني لفي الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ
إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ.
«٦٠٩» - قال رسول الله ﵌: الاستئذان ثلاث: فإن أذن لك، وإلّا فارجع.
«٦١٠» - واستأذن عليه ﷺ رجل فقال: آلج؟ فقال ﵌ لخادمه: اخرج فعلّمه الاستئذان وقل له يقل: السلام عليكم، أدخل؟
النهي عن شدّة الحجاب
«٦١١» - قيل: لا شيء أضيع للمملكة وأهلك للرعيّة والعمّال من شدّة الحجاب للوالي، ولا أهيب للرعيّة والعمّال من سهولة الحجاب، لأنّ الرعيّة إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن الظّلم، فإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظّلم.
стр. 3242
«٦١٢» - قال سعيد بن المسيّب: نعم الرجل عبد العزيز لولا حجابه، إنّ داود ﵇ ابتلي بالخطيئة لحجابه.
٦١٣- وعن عليّ ﵇: إنّما أمهل فرعون مع دعواه لسهولة إذنه وبذل طعامه.
«٦١٤» - قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: كنت عند عمر بن عبد العزيز ﵁، فقال لآذنه: من بالباب؟ فقال: رجل أناخ الآن، زعم أنّه ابن بلال مؤذّن رسول الله ﵌، فأذن له. فلما دخل قال: حدّثني أبي أنّه سمع رسول الله ﵌ يقول: من ولي شيئا من أمور المسلمين ثم حجب عنه، حجبه الله عنه يوم القيامة، فقال عمر لحاجبه: إلزم بيتك، فما رؤي على بابه بعده حاجب.
٦١٥- قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لابنه وقد ولي ولاية: انظر حاجبك فإنه لحمك ودمك، فلقد رأيتنا بصفّين وقد أشرع قوم رماحهم في وجوهنا يريدون نفوسنا ما لنا ذنب إليهم إلّا الحجاب.
«٦١٦» - ولّى المنصور الخصيب حجابته فقال: إنك بولايتي عظيم القدر، وبحجابتي عريض الجاه، فبقّها على نفسك، وابسط وجهك للمستأذن، وصن عرضك عن تناول المحجوبين، فما شيء أوقع بقلوبهم من سهولة الإذن وطلاقة الوجه.
«٦١٧» - وقد قال زياد ﵀ لابنه في ضدّ ذلك: عليك بالحجاب؛ فإنّما تجرّأت الرّعاة على السباع بكثرة النّظر إليها.
стр. 3243
«٦١٨» - ومن المعنى الأوّل قول أبي سليمان بن زيد النابلسي: [من الطويل]
سأهجركم حتى يلين حجابكم ... على أنّه لا بدّ أنّ سيلين
خذوا حذركم من نبوة الدهر إنّها ... وإن لم تكن حانت فسوف تحين
٦١٩- آخر: [من السريع]
كم من فتى تحمد أخلاقه ... وتسكن الأحرار في ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءه ... وسلّط الدهر على نعمته
«٦٢٠» - وقيل: يحتجب الوالي لسوء فيه أو لبخل منه.
* فنون المعاني في الحجاب
«٦٢١» - قيل لحبّى المدينيّة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم ردّه.
«٦٢٢» - قيل لها: فما الذلّ؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدّنيّ ثم لا يؤذن له؛ قيل لها: فما الشرف؟ قالت: اعتقاد المنن في أعناق الرّجال.
«٦٢٣» - استأذن أبو الدرداء رحمه الله تعالى على معاوية فحجبه، فقال: من يغش أبواب الملوك يقم ويقعد، ومن يجد بابا مغلقا يجد باب الله مفتوحا؛ إن دعا أجيب، وإن سأل أعطي.
«٦٢٤» - وقف عبد الله بن العباس بن الحسن العلويّ ﵄ على باب المأمون ﵀ يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق فقال عبد الله لقوم معه:
لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، فأمّا الفترة بعد
стр. 3244
النظرة والتوقّف بعد التعرّف فلا أفهمه، ثم تمثّل: [من الطويل]
وما عن رضى كان الحمار مطيّتي ... ولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب
وانصرف، فبلغ المأمون كلامه، فضرب الحاجب وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب.
«٦٢٥» - وكان عنبسة بن سعيد إذا حضر باب أحد من السلاطين جلس جانبا، فقيل له: إنّك تتباعد من الإذن جهدك، قال: لأن أدعى من بعيد خير من أن أقصى من قريب، ثم قال: [من الطويل]
وإنّ مسيري في البلاد ومنزلي ... هو المنزل الأقصى وإن لم أقرّب
ولست وإن أدنيت يوما ببائع ... خلاقي ولا ديني ابتغاء التجنّب
ويعتدّه قوم كثير تجارة ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
«٦٢٦» - ومثله: [من الطويل]
رأيت أناسا يسرعون تبادرا ... إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن سكوت جالسون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
«٦٢٧» - وقال ابن أبي عيينة: [من الوافر]
أتيتك زائرا لقضاء حقّ ... فحال السّتر دونك والحجاب
وأنتم معشر فيكم أخ لي ... كأنّ إخاءه الآل السّراب
ولست بواقع في قدر قوم ... وإن كرهوا كما يقع الذّباب
«٦٢٨» - قيل للمغيرة بن شعبة ﵀: إنّ بوّابك يأذن لأصحابه قبل
стр. 3245
أصحابك! فقال: إنّ المعرفة لتنفع عند الكلب العقور والجمل الصؤول، فكيف بالرجل العقول؟! «٦٢٩» - قدم عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ على معاوية ﵁، فطال مقامه ببابه فصاح: من يستأذن لي اليوم فأستأذن له غدا؟ فبلغت معاوية فأذن له وأكرمه.
«٦٣٠» - استأذن أبو سفيان على عمر ﵁ فحجبه، فقيل له:
حجبك أمير المؤمنين، فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني.
٦٣١- قيل ليحيى بن خالد: غيّر حاجبك، قال: فمن يعرف إخواني القدماء؟
«٦٣٢» - شاعر: [من الكامل]
ولقد رأيت بباب دارك جفوة ... فيها لحسن صنيعك التكدير
ما بال دارك حين تدخل جنّة ... وبباب دارك منكر ونكير
«٦٣٣» - استأذن سعد بن مالك على معاوية فحجب، فهتف بالبكاء، فسعى إليه الناس وفيهم كعب فقال: وما يبكيك؟ قال: وما لي لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب رسول الله ﷺ ومعاوية يتلعّب بهذه الأمّة؟ قال كعب: لا تبك، فإنّ في الجنّة قصرا من ذهب يقال له «عدن» ، أهله الصّدّيقون والشهداء، وأنا أرجو أن تكون من أهله.
«٦٣٤» - حجب بعض الهاشميين فرجع مغضبا، فردّ فلم يرجع، فقال:
стр. 3246
ليس بعد الحجاب إلّا العذاب، لأنّ الله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ
(المطففين: ١٥- ١٦) .
[أشعار في الحجاب وحكايات]
«٦٣٥» - وقف رجل بخراسان بباب أبي دلف حينا لا يصل إليه، فتلطّف في إيصال رقعة إليه وكتب فيها: [من الوافر]
إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم
فأجابه أبو دلف: [من الوافر]
إذا كان الكريم قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وأبواب الملوك محجّبات ... فلا تستنكرنّ حجاب بابي
«٦٣٦» - أبو تمام يعتذر لمحتجب: [من البسيط]
يا أيّها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
قيل: إنّه أخذ هذا المعنى من مخنّث سمعه يقول لآخر: طلبتك فلم أرك، فقال:
السماء أرجى ما كانت إذا احتجبت.
«٦٣٧» - ولأبي تمّام: [من الطويل]
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمّدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
стр. 3247
«٦٣٨» - وللحسن في مثل معنى البيت الثاني: [من الخفيف]
ونعم هبك قد وصلت إلى الفض ... ل فهل في يديك غير التّراب
«٦٣٩» - وقال أبو تمّام: [من البسيط]
ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلة ... دوني وقد طال ما استفتحت مقفلها
أظنّها جنّة الفردوس معرضة ... وليس لي عمل زاك فأدخلها
«٦٤٠» - وقف أبو العتاهية بباب يحيى بن خاقان فلم يأذن له، فانصرف.
فأتاه يوما آخر فصادفه حين نزل فسلّم عليه ودخل إلى منزله، فلم يأذن له. فأخذ قرطاسا وكتب إليه: [من الوافر]
أراك تراع حين ترى خيالي ... فما هذا يروعك من خيالي؟
لعلّك خائف مني سؤالي ... ألا فلك الأمان من السؤال
كفيتك إن حالك لم تمل بي ... لأطلب مثلها بدلا بحالي
وإنّ اليسر مثل العسر عندي ... بأيّهما منيت فلا أبالي
فلما قرأ الرقعة أمر الحاجب بإدخاله، فأبى أن يرجع معه ولم يلتقيا بعد ذلك.
«٦٤١» - قال ابن عبدل: [من الطويل]
ولو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا سهّل الباب للّتي ... يكون لبشر عندها الحمد والأجر
بعيد مراد العين ما ردّ طرفه ... حذار الغواشي باب دار ولا ستر
стр. 3248
٦٤٢- أعرابي: [من المتقارب]
لعمري لئن حجبتني العبيد ... ببابك ما تحجب القافيه
سأرمي بها من وراء الحجاب ... فتغدو عليك بها داهيه
تصمّ السّميع وتعمي البصير ... ويسأل من مثلها العافيه
«٦٤٣» - وقال بويب اليمامي: [من الطويل]
على أيّ باب أطلب الإذن بعدما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
٦٤٤- أخذ المعنى أبو الكرم بن العلّاف فقال في عميد الدولة أبي منصور ابن جهير: [من المتقارب]
فهبك احتجبت عن الناظرين ... فهلّا احتجبت عن الألسن
«٦٤٥» - أحمد بن بشر في أحمد بن يوسف: [من الطويل]
لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغى المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
أتيتك مشتاقا إليك مسلّما ... عليك وإني باحتجابك عالم
فخبّرني البوّاب أنك نائم ... فأنت إذا استيقظت أيضا فنائم
«٦٤٦» - أبو الحسن السلامي: [من الخفيف]
زرت حتى حجبت وانتقب الأن ... س نقابين طرّزا باحتشام
إنّ بوابك القصير طويل ال ... باع في سوء عشرتي واهتضامي
стр. 3249
هو تعويذ ملكك البارع الحس ... ن وشيطان عبدك المستضام
سمج الوجه لو غدا حاجب البي ... ت زهدنا في الحجّ والإنعام
٦٤٧- أبو منصور بن الأصباغي الكاتب: [من البسيط]
وقد أشقّ الحجاب الصعب مأذنه ... دوني وإني ولوج فيه إن طرقا
كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحا ... فليس يسلكه إلّا إذا انطبقا
وقد أغرب في المعنى، ولكنه خلّط، وجرى على عادة الشعراء في التجوّز؛ لأنّ الطّيف لا يدخل الجفن إنّما يتخيّل إلى النّفس كغيره من خواطر الأحلام.
٦٤٨- وفد قبيصة بن هانيء على يزيد بن معاوية، فاحتجب عنه أيّاما.
ثم إنّ يزيد ركب يوما يتصيّد، فتلقّاه ابن هانيء فقال: إنّ الخليفة ليس بالمحتجب المتخلّي ولا بالمتطرّف المتجنّي ولا الذي ينزل على الغدران والفلوات، ويخلو باللذات والشهوات؛ وقد وليت أمرنا فأقم بين أظهرنا، وسهّل إذننا، واعمل بكتاب الله تعالى فينا؛ فإن كنت عجزت عمّا هاهنا واخترت علينا غيره، فاردد علينا بيعتنا نبايع من يعمل ذلك فينا ويقيمه لنا؛ ثم عليك بخلواتك وصيدك وكلابك. فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسنّ بالشام سنّة العراق لأقمت أودك، ثم انصرف وما هاجه بشيء، وأذن له ولم تتغيّر منزلته عنده.
«٦٤٩» - كان أبو العتاهية يختلف إلى عمرو بن مسعدة لودّ كان بينه وبين أخيه مجاشع. فاستأذن عليه يوما فحجب، فلزم منزله، فاستبطأه عمرو فكتب إليه: إنّ الكسل يمنعني من لقائك وكتب في أسفل الرّقعة: [من المنسرح]
كسّلني اليأس منك عنك فما ... أرفع طرفي إليك من كسل
أيّ امرىء لم يكن أخا ثقة ... قطعت منه حبائل الأمل
стр. 3250
«٦٥٠» - واستأذن أيضا عليه فحجب عنه، فكتب إليه: [من المنسرح]
مالك قد حلت عن إخائك واس ... تبدلت يا عمرو شيمة كدره
إني إذا الباب تاه حاجبه ... لم يك عندي في هجره نظره
لستم ترجّون للوفاء ولا ... يوم تكون السماء منفطره
لكن لدنيا كالظّلّ بهجتها ... سريعة الانقضاء منشمره
«٦٥١» - قال عبد الله بن مصعب الزبيري: كنّا بباب الفضل بن الربيع والآذن يأذن لذوي الهيئات والإشارات، وأعرابيّ يدنو فكلّما دنا صرخ به، فقام ناحية وأنشأ يقول: [من البسيط]
رأيت آذننا يعتام بزّتنا ... وليس للحسب الزاكي بمعتام
ولو دعينا على الأحساب قدّمني ... مجد تليد وجدّ راجح نامي
стр. 3251
نوادر في الحجاب
٦٥٢- استأذن رجل على أمير فأعلم بمكانه، فقال: قولوا له: إنّ الكرى قد خطب إليّ نفسي، وإنّما هي هجعة ثم أهبّ، فخرج الحاجب فقال: قد قال كلاما لا أفهمه، إلا أنّه لا يريد أن يأذن لك.
٦٥٣- قال: كان عنبر الرومي يحجب لسلم بن قتيبة، فجاءه رؤبة فحجبه، فجلس رؤبة بالباب حتى خرج سلم راكبا فوثب إليه رؤبة فقال:
[من الرجز]
أأنت سلّطت عليّ عنبرا ... إذا رآني مقبلا تذمّرا
أصيّر المقدّم المؤخّرا ... أزرق روميّا وقردا أبترا
سفاهة منه ورأيا أغبرا
قال: فكان عنبر بعد ذلك إذا رآه حوّل وجهه عنه، فيدخل إذا شاء ويخرج إذا شاء.
«٦٥٤» - ابن سكّرة الهاشمي: [من المتقارب]
تجشّأت في وجه بوّابه ... ليعرف شبعي فلا أمنع
وقلت له إنّ بي تخمة ... فهل من دواء لها ينفع
فقال لقد غرّني معشر ... بهذا الكلام الذي أسمع
стр. 3252
فلمّا أتيت بهم صاحبي ... ولاحت ثرائده أوجعوا
فراحوا بطانا ذوي كظّة ... وأصبحت من أجلهم أصفع
«٦٥٥» - ابن الحجاج: [من السريع]
بي علّة تقطع أسبابها ... من راحة الصحة أسبابي
وليس يشفيني سوى نهشة ... في قطعة من كبد بوّاب
فامنن بأن تذبح لي واحدا ... بالنّعل في دوّارة الباب
فنقطة من دم أوداجه ... أنفع لي من رطل جلّاب
٦٥٦- وله: [من المنسرح]
سل بي فإنّ الأبواب تعرفني ... أغرى لزوما بها من العتب
تمّ الجزء بعون الله ولطفه، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمد النبيّ وعلى آله الطّاهرين
стр. 3253
الباب الثّاني والأربعون في الحيل والخدائع المتوصّل بها إلى نجح المطالب والمقاصد
стр. 3254
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
(وما توفيقي إلّا بالله) الحمد لله الأليم نكاله، الشديد محاله، فاتق الأذهان لطلب النجاة والخلاص، فالق الإصباح عن ظلم الديماس، وموضح السّبل والآراء المتحيّرة بعد الإلباس، ومضيء القلوب بالأفكار المنيرة عند نزول البلاء وحين الباس، الصفوح عن المحتال للسلامة من أشراك القنّاص، منكر الخداع على من تعاطاه، وراضيه في الجهاد لمن أتاه. كلّ فعل في سبيله محمود ومشكور، وكل سعى بسخطه مذموم ومدحور. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة صادقة الإعلان والإسرار، بريّة من مكر الكفور الختّار. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الكاشف بمعجزاته غطاء اللبس والحيل من ذوي الشرك، الكاسف بشموس آياته الواضحة مطالع الباطل والإفك، المصطفى من أشرف قريش البطاح، ﷺ وعلى آله ما طرد الليل الصباح، وأعقب الغدوّ الرّواح.
стр. 3255
[بداية الباب الثاني والأربعون]
(الباب الثاني والأربعون في الحيل والخدائع المتوصّل بها إلى نجح المطالب والمقاصد) «٦٥٧» - الحيلة من فوائد الآراء المحكمة، ونتائج الآراء المبصرة، وهي حسنة ما لم يستبح بها محظور أو يحظر مباح، وفضيلة ما قصد بها صاحبها سبيل الإصلاح، وقد سومح الكاذب في الحرب والائتلاف، ورفع عنه الوزر في كذبه والاقتراف؛ وإنما يكذب بضرب من الخديعة، يجمع بها شتائت الأهواء بعد القطيعة.
«٦٥٨» - وقد سئل بعض الفقهاء عن استجازتهم الحيل في الفقه، فقال: قد علّمنا الله ذلك؛ فإنّه قال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
[ص: ٤٤] . واستعمل رسول الله ﵌ الخديعة في الحرب وقال: الحرب خدعة.
٦٥٩- وقال حكيم: اللّطف في الحيلة أجدى من الوسيلة.
٦٦٠- وقيل: من لم يتأمّل الأمر بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله. والتثبّت يسهّل طريق الرأي إلى الإصابة، والعجلة تضمن العثرة.
стр. 3256
والأمور وإن كانت مقدّرة، فمن تقدير الله . أكثر ما جرّبناه أن يكون المحتال أقرب إلى المأثور، وأبعد من المحذور، من المفرّط في الأمور، والمستسلم للخطوب، المؤخّر لاستعمال الحزم.
٦٦١- على أنّ الخليل بن أحمد قال: من استعمل الحزم وقت الاستغناء عنه استغنى عن الاحتيال في وقت الحاجة إليه.
الأخبار في الحيل
«٦٦٢» - كان سعد القرظ زنجيّا عبدا لعمّار بن ياسر. وكان على نخلة يجتني منها، فسمع الزّنج يتكلّمون فيما بينهم، فأذّن فاجتمع إلى النّبيّ ﷺ أصحابه، فقال: ما حملك على الأذان؟ قال: خفت عليك، فأذّنت ليجتمع أصحابك. فأمره بعد ذلك بالأذان، فكان مؤذّنا.
«٦٦٣» - لمّا أراد شيرويه قتل أبيه أبرويز، قال أبرويز للداخل عليه ليقتله:
إني أدلّك على شيء فيه غناك لوجوب حقّك عليّ. قال: ما هو؟ قال: الصندوق الفلاني. فذهب الرجل إلى شيرويه فأخبره الخبر، فأخرج الصندوق وإذا فيه رقعة وفي الرّقعة حقّ، وعلى الحقّ مكتوب: فيه حبّ من أخذ منه واحدة افتضّ عشر أبكار، وكان أمره في الباه كذا وكذا. فأخذ شيرويه منه حبّة كان هلاكه فيها. فكان أوّل ميت أخذ ثأره من قاتله.
«٦٦٤» - كان الحارث بن مارية الغسّاني الملك مكرما لزهير بن جناب الكلبيّ ينادمه ويحادثه، فقدم على الملك رجلان من بني نهد بن زيد يقال لهما: سهل وحزن ابنا رزاح، وكان عندهما حديث من أحاديث العرب،
стр. 3257
فاجتباهما الملك ونزلا منه بالمكان الأثير، فحسدهما زهير بن جناب فقال:
أيها الملك، هما والله عين لذي القرنين عليك- يعني المنذر الأكبر جدّ النعمان بن المنذر- وهما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك. قال:
كلّا. فلم يزل زهير به حتى أوغر صدره. وكان إذا ركب بعث إليهما ببعيرين يركبان معه، فبعث إليهما بناقة واحدة، فعرفا الشّرّ فلم يركب أحدهما وتوقّف، فقال له الآخر: [من الطويل]
فإلّا تجلّلها يعالوك فوقها ... وكيف توقّى ظهر ما أنت راكبه
فركبها مع أخيه ومضى بهما فقتلا، ثم إنّ الملك بحث عن أمرهما بعد ذلك فوجده باطلا، فشتم زهيرا وطرده، فانصرف إلى بلاد قومه. وقدم رزاح أبو الغلامين إلى الملك، وكان شيخا مجرّبا عالما، فأكرمه الملك وأعطاه دية ابنيه.
وبلغ زهيرا مكانه، فدعا ابنا له يقال له عامر، وكان من فتيان العرب لسانا وبيانا، فقال له: إنّ رزاحا قدم على الملك، فالحق به، فاحتل في أن تكفينيه.
وقال: إذممني عند الملك ونل منّي، وأثّر به آثارا. فخرج الغلام حتى قدم الشام فتلطّف في الدّخول على الملك حتى وصل إليه، وأعجبه ما رأى منه، فقال له:
من أنت؟ فقال: أنا عامر بن زهير بن جناب. قال: فلا حيّاك الله ولا حيّا أباك الغادر الكذوب الساعي. فقال الغلام: نعم، فلا حيّاه الله، أنظر أيها الملك ما صنع بظهري، وأراه آثار الضرب. فقبل ذلك منه وأدخله في ندمائه. فبينا هو يوما يحدّثه إذ قال: أيها الملك لست أدع أن أقول الحقّ، وقد والله نصحك أبي، ثم أنشأ يقول: [من الوافر]
فيا لك نصحة لمّا تذقها ... أراها نصحة ذهبت ضلالا
ثم تركه أياما وقال له بعد ذلك: ما تقول أيّها الملك في حيّة قد قطعت ذنبها وبقي رأسها؟ قال: ذاك أبوك وصنيعه بالرجلين ما صنع. قال: أبيت اللعن! فو الله ما قدم رزاح إلا ليثأر بهما. فقال له: وما آية ذلك؟ قال: اسقه الخمر،
стр. 3258
ثم ابعث عليه عينا يأتيك بخبره. فلما انتشى صرفه إلى قبّته ومعه بنت له، وبعث عليه عيونا. فلما دخل قبّته قامت بنته تسانده فقال: [من الوافر]
دعيني من سنادك إنّ حزنا ... وسهلا ليس بعدهما رقود
ولا تسليني عن شبليك ماذا ... أصابهما إذا اهترش الأسود
فإنّي لو ثأرت المرء حزنا ... وسهلا قد بدا لك ما أريد
فرجع القوم إلى الملك فأخبروه بما سمعوا، فأمر بقتل النّهديّ، وردّ زهيرا إلى موضعه.
«٦٦٥» - خرج عمرو بن العاص بن وائل السّهميّ وعمارة بن الوليد المخزوميّ، أخو خالد بن الوليد في تجارة إلى النجاشيّ بأرض الحبشة، وكان عمارة ذا محادثة للنساء. فلما ركبا في السفينة- ومع عمرو امرأته- أصابا من خمر معهما، فلما انتشى عمارة قال لامرأة عمرو: قبّليني، فقال لها عمرو: قبّلي ابن عمّك، فقبّلته وحذر عمرو. وراودها عمارة عن نفسها، فامتنعت. ثم إنّ عمرا جلس إلى ناحية السفينة يبول، فدفعه عمارة في البحر. فلمّا وقع سبح حتى أخذ بالقلس ونجا. فقال له عمارة: أما والله يا عمرو، لو علمت أنّك تحسن السباحة ما فعلت، فاضطغنها عمرو؛ ومضيا في وجههما حتى قدما أرض اليمن. وكتب عمرو بن العاص إلى أبيه العاص: أن اخلعني وتبرّأ من جريرتي إلى بني المغيرة وسائر بني مخزوم، وخشي على أبيه أن يتبع بجريرته وهو يرصد لعمارة ما يرصد. فمضى العاص بن وائل في رجال من قومه منهم: نبيّه ومنبّه ابنا الحجّاج إلى بني المغيرة وغيرهم من بني مخزوم فقال: إنّ هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم، وكلاهما فاتك صاحب شرّ، وهما غير مأمونين على أنفسهما، ولا ندري ما يكون، وإني أبرأ إليكم من عمرو ومن جريرته وقد
стр. 3259
خلعته. فقال بنو المغيرة: فأنت تخاف عمرا على عمارة، قد خلعنا عمارة وتبرّأنا إليك من جريرته فخلّ بين الرجلين. فقال السّهميون: قد قبلنا، فابعثوا مناديا بمكة: إنّا قد خلعناهما وتبرّأ كلّ قوم من صاحبهم وممّا جرّ عليهم، ففعلوا. فقال الأسود بن عبد المطّلب: طلّ والله دم عمارة إلى آخر الدهر. ولمّا اطمأنّا بأرض الحبشة لم يلبث عمارة أن دبّ لامرأة النجاشيّ فاختلف إليها، فأدخلته، فجعل إذا رجع من مدخله يخبر عمرو بن العاص بما كان من أمره، ويقول له عمرو: ما أصدّقك أنّك قدرت على هذا الشّأن؛ إنّ المرأة أرفع من ذلك، وقد كان صدّقه عمرو وكانا في منزل واحد، وإنّما أراد التثبّت ويريد أن يأتيه بشيء لا يستطيع دفعه إن هو رفعه إلى النجاشي. فقال له في بعض ما يذكر من أمرها: إن كنت صادقا فقل لها: فلتدهنك من دهن النجاشي الذي لا يدّهن به غيره، فإني أعرفه، أو ائتني به أصدّقك. ففعل عمارة فجاء بقارورة من دهنه، فلما شمّها عمرو عرفه وقال له عند ذلك: أشهد أنك صادق، ولقد أصبت شيئا ما أصاب أحد مثله قطّ من العرب من امرأة الملك. ثم سكت عنه؛ حتى إذا اطمأنّ دخل على النجاشي فقال: أيها الملك، إنّ ابن عمّي سفيه وقد خشيت أن يعرّني أمره عندك، وقد أردت أن أعلمك شأنه فلم أفعل حتى استثبت، وأنّه قد دخل على بعض نسائك فأكثر، وهذا من دهنك قد أعطته منه، ودهنني منه. فلما شمّ النجاشيّ الدهن قال: صدقت، هذا دهني الذي لا يكون إلا عند نسائي. ثم دعا بعمارة ودعا السواحر فجرّدنه من ثيابه ثم أمر فنفخن في إحليله. وقال النجاشيّ: لو قتلت قرشيّا لقتلتك. فخرج عمارة هاربا يهيم مع الوحش، فلم يزل بأرض الحبشة حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ﵁. فخرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة- وكان اسمه بحيرا، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الله- فرصده على ماء بأرض الحبشة، وكان يرده مع الوحش. فلما وجد ريح الإنس هرب، حتى إذا جهده العطش ورد فشرب حتى تملا، وخرجوا في طلبه. قال عبد الله فسعيت إليه فالتزمته، فجعل يقول: يا بحيرا
стр. 3260
أرسلني، يا بحيرا أرسلني، فإني أموت إن أمسكتموني. قال عبد الله: وضبطته فمات في يدي مكانه. فواراه وانصرف. وكان شعره قد غطّى على كل شيء منه. وفي ذلك يقول عمرو بن العاص من أبيات: [من الطويل]
إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه ... ولم يعص قلبا غاويا حيث يمّما
قضى وطرا منه يسيرا وأصبحت ... إذا ذكرت أمثاله تملأ الفما
«٦٦٦» - قال ابن الكلبي: كان عامر بن الظّرب العدواني يدفع بالناس في الحجّ.
فحجّ ملك من ملوك حمير، فرآه فقال: لا أترك هذا المعدّيّ حتى أذلّه وأفسد عليه أمره. فلما رجع الملك إلى بلده وصدر الناس، أرسل إليه الملك: إني أحبّ أن تزورني، فأحبوك وأكرمك وأتّخذك خلّا وصديقا. فأتاه قومه فقالوا: تغدو ويغدو معك قومك فيصيبون من جنبك ويتّجهون بجاهك. فخرج وأخرج معه نفرا من قومه. فلما قدم بلاد الملك تكشّف له رأيه وأبصر سوء ما صنع بنفسه. فجمع إليه أصحابه فقال: ألا ترون أنّ الهوى يقظان والرأي نائم؟ وهو أوّل من قاله، فمن هناك يغلب الهوى الرّأي ومن لم يغلب الهوى بالرّأي ندم؛ عجلت حين عجلتم، ولن أعود بعد أعجل برأي؛ إنّا قد تورّطنا في بلاد هذا الملك، فلا تسبقوني بريث أمر أقيم عليه ولا بعجلة رأي أخف معه، دعوني وحيلتي، فإنّ رأيي لي ولكم.
فلما قدم على الملك ضرب عليه قبّة وأكرمه وأكرم أصحابه، فقالوا: قد أكرمنا كما ترى، وبعد هذا ما هو خير منه. فقال: لا تعجلوا، فإنّ لكلّ آكل طعاما، ولكلّ راع مرعى، ولكلّ مراح مريحا، وتحت الرّغوة الصريح. وهو أوّل من قاله. فمضوا أياما، ثم بعث إليه الملك: إني قد رأيت أن أجعلك الناظر في أمور قومي، وقد رضيت عقلك، وأتفرّغ أنا لما أريد، فما رأيك؟ قال: أيها الملك، ما أحسب أنّ رغبتك في قربي بلغت أن تخلع لي ملكك؛ وقد تفضّلت إذ
следующие страницы →