لئن غربتها في اللفظ بكرا ... لقد زفّت إلى سمع كفي
وإن تك من هداياك الصفايا ... فرب هدية لك كالهدي
٣٩٤- آخر: [من المتقارب]
وكان خطابك يا سيدي ... ألذ وأحلى من العافيه
وأجدى على النفس من قوتها ... وأطيب من عيشة راضيه
٣٩٥- آخر: [من المتقارب]
سرور الكريم بيوم القرى ... وأنس العيون بطيب الكرى
٣٩٦- آخر: [من المتقارب]
سرور الرياض بصوب الغمام ... وأنس العيون بطيب المنام
٣٩٧- أنشد المبرد في ضده: [من الكامل]
إني أتتني من لدنك صحيفة ... مختومة عنوانها كالعقرب
فعلمت أن الشر في مفتاحها ... ففضضتها عن مثل ريح الجورب
٣٩٨- محبة الوطن مستولية على الطباع، مستدعية لشدة التشوف إليها والنزاع.
«٣٩٩» - روي أن أبان بن سعيد قدم على رسول الله ﵌، فقال: يا أبان، كيف تركت أهل مكة؟ قال: تركتهم وقد جيدوا، وتركت الإذخر وقد أعذق، وتركت النمام وقد حاص. فاغرورقت عيناه ﵌.
أعذق: خرجت ثمرته، وحاص: صار أحوص.
стр. 3187
[من حب الوطن]
«٤٠٠» - ومن حب الوطن وصّى يوسف ﵇ أن يحمل تابوته إلى مقام آبائه، فمنع أهل مصر أولياءه. فلما بعث موسى ﵇ وأهلك فرعون حملها إلى مقابرهم، فقبره علم [١] بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حامي [٢] .
«٤٠١» - ووصى الاسكندر أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلد الروم حبا لوطنه.
«٤٠٢» - وقيل لما غزا اسفنديار بلاد الخزر اعتل بها، فقيل له: ما تشتهي؟
قال: شمة من تربة بلخ وشربة من ماء واديها.
«٤٠٣» - واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان أسيرا، فقالت له بنت الملك وقد عشقته: ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة وشميما من تراب اصطخر. فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب، وقالت: هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك. فشرب واشتم بالوهم، فأفاق فيقة من علته.
«٤٠٤» - وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك، إذ كان غذاؤك منهما وغذاؤهما منه.
«٤٠٥» - وقالت الفرس: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في القلب رقة.
стр. 3188
«٤٠٦» - قال ابن عباس ﵁: لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم لما اشتكى عبد الرزق.
٤٠٧- وقال عمر ﵁: عمر الله البلدان بحب الأوطان.
«٤٠٨» - والعرب تقول: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.
٤٠٩- وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.
«٤١٠» - قيل لأعرابي: أتشتاق إلى وطنك؟ فقال: كيف لا أشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها ورضيع غمامها.
٤١١- بعض العرب: [من الطويل]
ألا ليت شعري هل تخلّف ناقتي ... بصحراء من نجران ذات ثرى جعد
وهل تنفضنّ الريح أفنان لمّتي ... على لاحق الأطلين مضطمر ورد
وهل أردنّ الدهر حسي مزاحم ... وقد ضربته نفحة من صبا نجد
٤١٢- وقال صاحب الزّنج في اليوم الذي قتل فيه، وكان هرب من داره:
[من الطويل]
عليك سلام الله يا خير منزل ... خرجنا وخلفناه غير ذميم
فإن تكن الأيام أحدثن فرقة ... فمن ذا الذي من ريبها بسليم
«٤١٣» - قال الجاحظ: رأيت المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه تربة مولده في جراب يتداوى به.
стр. 3189
٤١٤- وقد كان شرف الملك أبو سعيد مستوفي ملكشاه يسافر إلى العراق والشام وسائر الأقطار ومعه حنطة خوارزم يأكل منها، وماؤها في قوارير يشرب منه، وكذلك شربه من خمرها، ويقول: هذه مآلف مزاجي فلا أغيرها.
[أقوال في فضائل بلدان مختلفة]
٤١٥- قال سفيان: والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل له: خراسان، فقال: مذاهب مختلفة وآراء فاسدة؛ قيل: فالشام، قال: يشار إليك بالأصابع- أراد الشهرة-؛ قيل: فالعراق، قال: بلد الجبابرة؛ قيل: فمكة، قال تذيب الكيس والبدن.
«٤١٦» - وصف بعضهم بلاد الهند فقال: بحرها درّ، وجبالها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر.
٤١٧- وقال عبيد الله بن سليمان في نهاوند: أرضها الزعفران، وسماؤها الفاكهة، وحيطانها الشهد.
٤١٨- وقال عمرو بن الليث في نيسابور: حجرها الفيروزج، وترابها النقل، وحشيشها الريباس.
«٤١٩» - وقال الحجاج لعامله على أصفهان: قد ولّيتك بلدة حجرها كحل وذبابها النحل، وحشيشها الزعفران.
«٤٢٠» - كان يقال للبصرة: خزانة العرب وقبة الإسلام، لانتقال قبائل العرب إليها، واتخاذ المسلمين لها وطنا ومركزا.
٤٢١- دخل الرشيد منبج فقال لعبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان لسان بني العباس: هذا البلد مقر لك، قال: يا أمير المؤمنين هو لك ولي بك. قال: كيف منازلك به؟ قال: دون منازل أهلي وفوق منازل غيرهم. قال: كيف صفة مدينتك
стр. 3190
هذه؟ قال: عذبة الماء، طيبة الهواء، قليلة الأدواء. قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله، ولتربها عن الطيب غنى، وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء وفياف فيح، بين قيصوم وشيح. فقال الرشيد: هذا الكلام والله أحسن منها.
٤٢٢- قال أبو العتاهية يوما لبدوي: هل لك في أرض الريف والخصب، أرض العراق؟ قال: لولا أن الله أرضى بعض العباد بشرّ البلاد لما وسع خير البلاد جميع العباد.
٤٢٣- وقال الجاحظ في ذكر العراق: موضع التميمة، وواسطة القلادة، فيه تلاقحت الطبائع، وصرحت عن اللبّ الأصيل، والخلق الجميل.
«٤٢٤» - ابن زريق الكاتب: [من البسيط]
سافرت أبغي لبغداد وساكنها ... مثلا وذلك شيء دونه الياس
هيهات بغداد الدنيا بأجمعها ... عندي وسكان بغداد هم الناس
٤٢٥- ويقال لأهل العراق: ملائكة الأرض للطافة أخلاقهم وخفة أرواحهم.
قال: [من المتقارب]
ملائكة الأرض أهل العراق ... وأهل الشآم شياطينها
٤٢٦- وقال: وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية.
٤٢٧- وكان أبو الفضل بن العميد إذا امتحن رجلا من أهل العلم سأله عن بغداد فإن وجده منتبها على خصائصها، وعن الجاحظ: فإن رآه منتسبا إلى مطالعة كتبه، رجح في عينيه وإلا لم يعبأ به.
٤٢٨- وسأل أبو الفضل بن العميد الصاحب أبا القاسم ابن عباد عن بغداد فقال: بغداد في البلاد كسيدنا في العباد.
стр. 3191
نوادر من هذا الباب
٤٢٩- قال الأقرع بن معاذ القشيري: [من البسيط]
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منه إلى طبق
فليس أصبو إلى إلف يفارقني [١] ... ولا يقطع أحشائي من الشفق
«٤٣٠» - لقي رجل المهلب فنحر ناقته في وجهه فتطير من ذلك وقال: ما قصتك؟ فقال: [من الكامل]
إني نذرت لئن لقيتك سالما ... أن يستمر بها شفار الجازر
فقال المهلب: فأطعمونا من كبد هذه المظلومة ووصله.
«٤٣١» - ولقيته امرأة من الأزد، وقد قدم من حرب كان نهض إليها، فقالت: أيها الأمير إني نذرت إن وافيت سالما أن أقبل يدك وأصوم يوما وتهب لي جارية سغدية وثلاثمائة درهم. فضحك المهلب وقال: قد وفينا لك بنذرك فلا تعاودي مثله، فليس كل أحد يفي لك به.
«٤٣٢» - وروي أن أبا دلامة لقي المهدي لما قدم بغداد فقال: [من الكامل]
إني نذرت لئن رأيتك سالما ... ترد العراق وأنت ذو وفر
لتصلينّ على النبي وآله ... ولتملأن دراهما حجري
стр. 3192
فقال له: صلّى الله على محمد وآله وسلّم، وأما الدراهم فلا سبيل إليها.
فقال: أنت أكرم من أن تعطيني أسهلهما عليك وتمنعني الآخر. فضحك وأمر له بما سأل.
٤٣٣- لقي مخنث آخر ليودعه فقال: أحمد الله على بعد سفرك، وانقطاع أثرك، وشدة ضررك. فقال له الآخر: أستودعك العمى والضنا وقلة الرزق من السماء.
٤٣٤- شاعر في مثله: [من الطويل]
فسر غير مأسوف عليك فما النوى ... ببرح وما الخطب الملمّ بفادح
٤٣٥- دعا أعرابي على مسافر بالبارح الأشأم، والسانح الأعضب، والصرد الأنكد، والكد الملهب، والهم المكرب، والطائر المنحوس، والظهر المركوس، والرحل المنكوس، فإن عاد لا عاد إلا بكآبة المنقلب، وندامة المعتقب.
٤٣٦- خرج أعرابي وكانت له امرأة تفركه، فأتبعته نواة وقالت: شطّت نواك، ونأى سفرك، ثم أتبعته روثة وقالت: رثيتك وراث خبرك، ثم أتبعته حصاة وقالت: حاص رزقك، وحص أثرك.
٤٣٧- أراد بعض الأعراب السفر في أول السنة فقال: إن سافرت في المحرم كنت جديرا أن أحرم، وإن رحلت في صفر خشيت على يدي أن تصفر. فأخر السفر إلى شهر ربيع. فلما سافر مرض ولم يحظ بطائل فقال: ظننته من ربيع الرياض فإذا هو من ربيع الأمراض.
٤٣٨- شاعر: [من الطويل]
بدأن بنا وابن الليالي كأنه ... حسام جلت عنه القيون صقيل
فما زلت أفني كل يوم شبابه ... إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
٤٣٩- سرى شيخ من العرب مع رفيق له فتعب فقال لرفيقه: هذا الجدي فاضبط الأمّ به، وأراه السمت، حتى أغفى على راحلته، ثم انتبه وقد جار به عن
стр. 3193
القصد فقال: ما صنعت ويلك؟ فقال: إنه والله اختلط بالجدي جداء كثيرة فلم أدر أيتها هو.
٤٤٠- كتب كشاجم:
كتبت أعزك الله من المحل الجديب والبلد القفر الذي أنا به، غريب عن سلامة الجوارح والحواس، إلا حاسة التمييز، فإنها لو صحت لما اخترت المقام بهذه المفازة: [من الطويل]
بلاد كأن الجوع يطلب أهلها ... بذحل إذا ما الصيف صرّت جنادبه
٤٤١- أبو العطاف الغنوي: [من الطويل]
أقول لميمون وقد حنّ حنة ... إلى الريف واغبرت عليه الموارد
سيكفيك ذكر الريف ضبّ ومذقة ... ونبت بوعثاء الجنينة فارد
وريح بنجد طيّب نسماتها ... وأسود من ماء العذيبة بارد
٤٤٢- قدم رجل من اليمامة فقيل له: ما أحسن ما رأيت بها؟ قال:
خروجي منها.
٤٤٣- سافر أعرابي فرجع خائبا فقال: ما ربحنا من سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا.
٤٤٤- خرج رجلان من خراسان إلى بغداد في متجر لهما. فمرض أحدهما وعزم الآخر على الخروج، فقال له: ما أقول لمن يسألني عنك؟ قال: قل لهم لما دخل بغداد اشتكى رأسه وأضراسه، ووجد خشونة في صدره، وحززا في طحاله، وخفقانا في فؤاده، وضربانا في كبده، وورما في ركبتيه ورعشة في ساقيه وضعفا عن القيام على رجليه، فقال: بلغني أن الايجاز في كل شيء مما يستحب، وأنا أكره أن أطول عليهم لكني أقول لهم: قد مات.
стр. 3194
٤٤٥- ابن الحجاج: [من المنسرح]
سافرت من منزلي إليك على ... نحول جسمي وضعف تركيبي
أسير سيرا جاد الكميت به ... مذللا في نهاية الطيب
فعدت وهو الشقي مجتهد ... يفتلني تارة ويكبو بي
أصيح واظهري القطيع إذا ... صاح من السير واعراقيبي
ينام تحتي ضعفا فتنبهه ... مقرعة لي طويلة السيب
فالحمد لله أنني رجل ... مذ كنت لا تنقضي أعاجيبي
تمّ الجزء والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم تسليما
стр. 3195
الباب الأربعون في تنجّز الحوائج والحثّ عليها والسّعي فيها
стр. 3196
(الباب الأربعون في تنجّز الحوائج والحثّ عليها والسّعي فيها)
[آيات]
ويتضمّن الوعد والإنجاز والمطل، والشفاعة والسؤال، وما يناسب هذه المعاني ممّا يليق التمثّل به في الحوائج به كتاب الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
(المائدة: ٢) وفي الوعد وإنجازه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
(الصف: ٢) وفي الشفاعة: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها
(النساء: ٨٥) وفي النّهي عن السؤال قوله تعالى حاكيا عن شعيب ﵇ إذ يقول لقومه: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
(هود: ٨٥) ؛ وقوله :
وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ* إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ
[١] (محمد: ٣٦- ٣٧) .
فأما ما في الكتاب العزيز من ذكر وعده الصادق، ووعيده المخوف، وخيبة الشافعين فكثير، وليس هذا موضعه. والآثار النبويّة نذكر في كلّ فصل منها ما يليق به ويناسبه، والله الموفّق.
стр. 3197
تنجّز الحوائج والحثّ عليها والسّعي فيها
«٤٤٦» - قال رسول الله ﵌: إنّ الله خلق خلقا لحوائج الناس، يفزع إليهم الناس في حوائجهم. هم الآمنون غدا من عذاب الله .
«٤٤٧» - وقال ﵌: المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. من فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله تعالى يوم القيامة.
«٤٤٨» - وقال ﷺ : استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان لها؛ فإنّ كلّ ذي نعمة محسود عليها.
وروي: فإنّ لكلّ ذي نعمة حسدة، ولو أنّ امرءا كان أقوم من قدح لكان له من الناس غامز.
«٤٤٩» - عن عليّ ﵇ يرفعه: إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكّر في طلبها يوم الخميس، وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران، وآية الكرسيّ، وإنّا أنزلناه في ليلة القدر، وأمّ الكتاب، فإنّ فيها حوائج الدنيا والآخرة.
٤٥٠- وروي عنه ﵇ أنه قال: قلت وأنا عند رسول الله ﵌: اللهم لا تحوجني إلى أحد من خلقك، فقال ﵇: لا تقولوا هكذا؛ فإنّه ليس أحد إلّا وهو محتاج إلى الناس. قلت: فكيف أقول يا رسول الله؟ قال، قل: اللهم لا تحوجنا إلى شرار خلقك؛ قلت: من شرار
стр. 3198
خلقه؟ قال: الذين إذا أعطوا منّوا، وإذا منعوا عابوا.
٤٥١- وأنشد عليّ ﵇: [من الكامل]
وإذا طلبت ثواب ما أوليته ... فكفى بذاك لنائل تكديرا
[أقوال لعلي ﵇ وغيره]
«٤٥٢» - قال عليّ ﵇: فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها.
٤٥٣- وقال: لا يستقيم قضاء الحوائج إلّا بثلاث: استصغارها لتعظم، واستكثارها لتطهر، وبتعجيلها لتهنأ.
«٤٥٤» - وقال لكميل بن زياد النّخعيّ: يا كميل، مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم، ويدلجوا في حاجة من هو نائم. والذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلبا سرورا إلا وخلق الله له من ذلك السرور لطفا، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الابل.
٤٥٥- وقال ﵇: إنّ لله عبادا يخصّهم بالنّعم لمنافع العباد، فيقرّها في أيديهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم ثم حوّلها إلى غيرهم.
٤٥٦- وقال بعضهم: ما رددت أحدا عن حاجة إلا تبيّنت العزّ في قفاه والذلّ في وجهي.
«٤٥٧» - وقال الحسن البصري: لأن أقضي حاجة أخ لي أحبّ إليّ من أن أعتكف سنة.
٤٥٨- من كلام الحكماء: اللّطف في الحاجة أجدى من الوسيلة.
«٤٥٩» - إذا سألت كريما حاجة فدعه يتفكّر، فإنه لا يفكّر إلا في خير،
стр. 3199
وإذا سألت لئيما حاجة فأجّله حتى يروض نفسه.
لا تسأل الحوائج غير أهلها، ولا تسألها في غير حينها، ولا تسأل ما لست له مستحقّا، فتكون للحرمان مستوجبا.
«٤٦٠» - وكان الأحنف يقول: لا تطلبنّ الحاجة إلى ثلاثة: كذوب، فإنّه يقرّبها عليك وهي بعيدة، ويباعدها وهي قريبة؛ ولا إلى أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك؛ ولا إلى رجل له إلى صاحب الحاجة حاجة فإنه يجعل حاجتك وقاية لحاجته.
٤٦١- سأل أعرابيّ رجلا حاجة فمنعه، فقال: الحمد لله الذي أفقرني من معروفك، ولم يغنك من شكري.
«٤٦٢» - وقال آخر: ألم أكن نهيتك أن تريق ماء وجهك بمسألتك من لا ماء في وجهه؟
«٤٦٣» - قال ذو الرياستين لثمامة بن أشرس: ما أدري ما أصنع بكثرة الطلاب وغاشية الباب، فقال له ثمامة: زل عن موضعك وعليّ أن لا يلقاك منهم أحد؛ فقال له: صدقت، وجلس لهم وقضى حوائجهم.
٤٦٤- وقال ابن شبرمة: إذا سألت رجلا حاجة وهو يقدر على قضائها ولم يقضها، فكبّر عليه أربعا.
«٤٦٥» - سأل رجل المهلّب في حاجة فقال: إنّ لي حاجة لا ترزؤك في مالك، ولا تنكؤك في نفسك؛ قال: والله لا قضيتها؛ قال: ولم؟ قال: لأنّ
стр. 3200
مثلي لا يسأل مثلها.
[حكايات في تنجز الحوائج]
٤٦٦- دخل ابن شبرمة على عيسى بن موسى وسأله حوائج استكثرها، فقال له: أقضي لك نصفها؛ قال: فما عذري عند الباقين من أربابها؟ قال:
فأقضي لك الثّلثين، قال: أيّها الأمير، من أولى الناس بالجنابة؟ قال:
جانيها؛ قال: فأنت الجاني إليّ إذ أدنيتني وقرّبت مجلسي حتى رغب الناس في حوائجهم إليّ، ورغبت إليك فيها، فإن قضيت الكلّ وإلا فأقصني منك حتى لا يأتوني ولا آتيك. فقضى حوائجه بأجمعها.
٤٦٧- حدّث أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي في أيام عطلته وكبر سنّه ولزومه بيته قال: عرضت على أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات رقعة في حاجة، فقرأها ووضعها بين يديه ولم يوقّع فيها، فأخذتها وقمت وأنا أقول متمثّلا من حيث يسمع: [من الكامل]
وإذا خطبت إلى كريم حاجة ... وأني فلا تعقد عليه بحاجب
فلربّما منع الكريم وما به ... بخل، ولكن سوء حظّ الطالب
فقال وقد سمع ما قلت: ارجع يا أبا جعفر بغير شؤم جدّ الطالب، ولكن إذا سألتمونا الحاجة فعاودونا فيها فإنّ الله تعالى يقلّب القلوب، هات رقعتك.
فناولته إياها فوقّع بما أردته فيها.
«٤٦٨» - وقال البحتريّ: [من الطويل]
وكنت إذا مارست عندك حاجة ... على نكد الأيام هان علاجها
فإن تلحق النّعمى بنعمى فإنّه ... يزين اللآلي في النظام ازدواجها
«٤٦٩» - آخر: [من الكامل]
стр. 3201
من عفّ خفّ على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج قربه مملول
٤٧٠- لمّا قدم الأحنف على عمر ﵁ في وفد أهل البصرة، فقضى حوائجهم قال الأحنف: يا أمير المؤمنين إنّ أهل هذه الأمصار نزلوا على مثل حدقة البعير من العيون العذاب تأتيهم فواكههم لم تخضد، وإنّا نزلنا سبخة نشّاشة، طرف لها بالفلاة وطرف بالبحر الأجاج، يأتينا ما يأتينا في مثل مريء النعامة، فإن لم ترفع خسيستنا بعطاء تفضّلنا به على سائر الأمصار نهلك.
٤٧١- كان ابن أبي دواد من أكثر الناس سعيا في حوائج الناس، فقال له الواثق: إنّ حوائجك ومسائلك تستنفد بيوت الأموال! فقال: يا أمير المؤمنين، أتخاف الفقر والله مادّتك؟! ٤٧٢- كان الزّوار يسمّون السّؤال إلى أيام خالد بن برمك، فقال خالد:
هذا والله اسم أستقبحه لطالب الخير، وأرفع قدر الكريم عن أن يسمّى به أمثال المؤمّلين، لأنّ فيهم الأشراف والأحرار وأبناء النّعم، ومن لعلّه خير ممّن يقصد وأفضل أدبا. لكنا نسمّيهم الزّوّار.
٤٧٣- قال محمد بن علي الشطرنجي: سألني رجل أن أسأل رجلا من آل سليمان بن وهب كتابا إلى مالك بن طوق في حاجة له؛ فصرت إلى الرجل وسألته ذاك، فقال: نعم وكرامة، فقلت: تأذن لي أعزّك الله في البكور [١] إليك مسلّما ومذكّرا؟ فقال: افعل ما بدا لك. وجئته من غد سحرا فألفيت دابته مسرجة على بابه، فقلت لغلامه: ما خبره؟ قال: ادخل، فدخلت فوجدته جالسا على حصير صلاته بثياب ركوبه، وسلّمت عليه وقلت: أحسبك تريد الركوب في حاجتي، فقال: غفر الله لك! قد مضيت فيها وقد قضيتها؛ وأعطاني الكتاب الذي سألته إيّاه وهو على سحاءة، فوقفت عليه وكان على غاية التأكيد. ودعوت [٢] له، فقال لي:
стр. 3202
أتدري ما الذي حداني على ذلك يا أبا جعفر؟ فقلت: إن رأيت أن تعلمني، قال:
بيتان لبعض الشعراء رويتهما وتأدّبت بهما، وهما: [من الطويل]
أبوك الذي أعطى على الحمد ماله ... وحاز المعالي واحتوته المكارم
يروح إلى جمع المناقب والعلى ... ويدلج في حاجات من هو نائم
«٤٧٤» - كتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان: أنا وولدي زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى. وقد مسّني منك جفاء بعد برّ، وإغفال بعد تعهّد، وشمت عدوّ وتكلّم حاسد، وتعبّثت بي ظنون رجال.
وشديد عادة منتزعه
[أشعار في هذا الموضوع]
«٤٧٥» - كتب أبو إسحاق الصابي إلى بعض الرؤساء يستدعي منه إجراء رزق لولده: [من الطويل]
وما أنا إلّا دوحة قد غرستها ... وسقّيتها حتى تراخى بها المدى
فلما اقشعرّ العود منها وصوّحت ... أتتك بأغصان لها تطلب الندى
«٤٧٦» - وقال أيضا في ابن سعدان: [من الطويل]
وما زلت من قبل الوزارة جابري ... فكن رائشي إذ أنت ناه وآمر
أمنت بك المحذور إذ كنت شافعا ... فبلّغني المأمول إذ أنت قادر
لعمري لقد نلت المنى لك كلّها ... وإني إلى نيل المنى بك ناظر
«٤٧٧» - نظر زياد إلى رجل على مائدته قبيح الوجه يذرع في الأكل فقال له:
стр. 3203
كم عيالك؟ قال: تسع بنات؛ قال: فأين هنّ منك؟ قال: أنا أجمل منهنّ وهنّ آكل مني. قال: ما أحسن ما سألت! وفرض لهن فرضا كان سبب غناه.
٤٧٨- روي عن الحسين بن عليّ ﵉ أنّه قال: كفّارة عمل السلطان قضاء حوائج الناس.
«٤٧٩» - سأل سعيد بن عبد الرحمن بن حسان أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حاجة يكلّم له فيها سليمان بن عبد الملك، فلم يقضها له، ففزع له فيها إلى غيره فقضاها، فقال له: [من الطويل]
سئلت فلم تفعل وأدركت حاجتي ... تولّى سواكم حمدها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصّر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا ما أرادته على الخير مرّة ... عصاها، وإن همّت بشرّ أطاعها
«٤٨٠» - أبو عطاء السندي: [من الطويل]
وما يدرك الحاجات من حيث ينبغي ... من القوم الّا المصبحون على رجل
٤٨١- صالح بن عبد القدّوس: [من الطويل]
وما لحق الحاجات مثل مثابر ... ولا عاق عنها النّجح مثل تواني
«٤٨٢» - قال أبو إسماعيل: سألت إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ حاجة فردّني، فقلت: أيّها الأمير، أفتأذن لي في إنشادك شعرا؟ قال: نعم، فقلت: [من الكامل]
стр. 3204
لا يؤيسنّك من كريم نبوة ... ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم
فإذا نبا فاستبقه وتأنّه ... حتى تفيء به الطباع الأكرم
فضحك وقضى حاجتي.
[عود إلى الحكايات]
٤٨٣- كاتب: قد عرضت لي حاجة، فإن نجحت فالفاني منها حظّي والباقي حظّك، وإن تعذّرت فالخير مظنون بك، والعذر ممهّد لك.
«٤٨٤» - قال عروة بن الزبير: كان الرجل فيما مضى إذا أراد أن يشين جاره أو صاحبه طلب حاجته إلى غيره.
«٤٨٥» - رفع طريح بن إسماعيل الثقفي حاجة إلى كاتب داود بن عليّ فرفعها إلى داود، وجاء متقاضيا له، قال: هذه حاجتك مع حاجة فلان أخيك من الأشراف، فقال طريح: [من الوافر]
تخلّ لحاجتي واشدد قواها ... فقد أمست بمنزلة الضّياع
إذا أرضعتها بلبان أخرى ... أضرّ بها مشاركة الرّضاع
«٤٨٦» - قال شريح: من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرّقّ، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه عنها رجع حرّا، وهما ذليلان: هذا بذلّ البخل، وهذا بذلّ الردّ.
٤٨٧- قيل: الق صاحب الحاجة بالبشر، فإن عدمت شكره لم تعدم عذره.
٤٨٨- حسن البشر مخيلة النّجح.
٤٨٩- قال الفضل بن محمد بن منصور بن زياد: أتيت عبد الله بن العباس العلويّ في حاجة لبعض جيراننا بعد وفاة أبي، وكانت بينه وبينه مودّة، فمتتّ بها،
стр. 3205
ثم قلت له: جئت في حاجة إن سهل قضاؤها أعظم الأمير بها المنّة، وإن تعذّر فالأمير معذور؛ فقال لي: يا حبيبي، إذا كنت معذورا فلم جئتني؟ إذا أوجبت على نفسك أن تنهض لرجل في حاجة فاغضب فيها وارض، وإلّا فالزم منزلك.
الوعد والاقتضاء به والإنجاز والمطل
٤٩٠- قال رسول الله ﷺ : العدة دين.
٤٩١- وقال ﵌: عدة المؤمن كأخذ باليد.
«٤٩٢» - وقال الحسن بن عليّ ﵉: الوعد مرض في الجود، والإنجاز دواؤه.
٤٩٣- ومن كلامه ﵇: المسؤول حرّ حتى يعد، ومسترقّ بالوعد حتى ينجز.
٤٩»
- وقال بعض القرشيين: من خاف الكذب أقلّ من المواعيد.
«٤٩٥» - وقيل: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدّة الاعتذار.
«٤٩٦» - وقال المهلّب لبنيه: يا بنيّ، إذا غدا عليكم الرجل وراح مسلّما فكفى بذلك تقاضيا.
«٤٩٧» - قال الشاعر: [من الطويل]
أروح لتسليم عليك وأغتدي ... فحسبك بالتسليم مني تقاضيا
стр. 3206
كفى بطلاب المرء ما لا يناله ... عناء وباليأس المصرّح ناهيا
«٤٩٨» - قال الموبذ: الوعد سحابة والإنجاز المطر.
«٤٩٩» - وقيل: الوعد إذا لم يشفعه إنجاز يحقّقه كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه.
«٥٠٠» - وقال الأبرش الكلبيّ لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إليّ معروفا حتى تعدني؛ فإنّه لم يأتني منك سيب على غير وعد إلّا هان عليّ قدره وقلّ مني شكره. فقال له هشام: لئن قلت ذلك لقد قال سيد أهلك أبو مسلم الخولانيّ: أنجع المعروف في القلوب وأبرده على الأكباد معروف منتظر بوعد لا يكدّره المطل.
«٥٠١» - وكان يحيى بن خالد لا يقضي حاجة إلّا بوعد، ويقول: من لم يبت مسرورا بوعد لم يجد للصنيعة طعما.
٥٠٢- وقالوا: الخلف ألأم من البخل، لأنه من لم يفعل المعروف لزمه ذمّ اللؤم وذمّ الخلف وذمّ العجز.
«٥٠٣» - أبو نواس: [من الطويل]
تأنّ مواعيد الكرام فربّما ... حملت من الإلحاح سمحا على بخل
٥٠٤- ابن داود: [من البسيط]
أنت ابتدأت بميعادي فأوف به ... ولا تربّص به صرف المقادير
ولا تكلني إلى عذر تزخرفه ... فالغدر أحسن من بعض المعاذير
стр. 3207
«٥٠٢» «٥٠٥» - بشار: [من البسيط]
لا تجعلنّي ككمّون بمزرعة ... إن فاته الماء أغنته المواعيد
«٥٠٦» - نقله ابن الروميّ إلى الهجو فقال: [من المنسرح]
كم شامخ باذخ بنعمته ... أضلّه قبلي المضلّونا
جعلته بالهجاء قلقلة ... إذ جعلتني مناه كمّونا
«٥٠٧» - وقال أيضا: [من البسيط]
ما لي لديك كأني قد زرعت حصى ... في عام جدب فوجه الأرض صفوان
أما لزرعي إبّان فأنطره ... حتى يريع كما للزرع إبّان
«٥٠٨» - آخر: [من الطويل]
وعدت فأكّدت المواعيد جاهدا ... وأقلعت إقلاع الجهام بلا وبل
وأجررت لي حبلا طويلا تبعته ... ولم أدر أنّ اليأس في طرف الحبل
«٥٠٩» - أبو تمّام: [من الطويل]
وما نفع من قد كان بالأمس صاديا ... إذا ما سماء اليوم طال انهمارها
وما العرف بالتسويف إلّا كخلّة ... تسلّيت عنها حين شطّ مزارها
«٥١٠» - بشار: [من الكامل المرفل]
стр. 3208
وعد الكريم يحث نائله ... كالغيث يسبق رعده مطره
«٥١١» - ابن الرومي: [من الخفيف]
يتخطّى العدات عمدا إلى البذ ... ل كسحّ الحيا بلا إيماض
٥١٢- وقال: [من الخفيف]
أنجز الوعد إنّ خير مواعي ... دك ما جاء خلفه مصداقك
لا يكن ما وعدته حين تلقا ... هـ قذاة تحيلها آماقك
«٥١٣» - وقال أنس بن زنيم لعبيد الله بن زياد: [من الرمل]
سل أميري ما الذي غيّره ... عن وصالي اليوم حتى ودّعه
لا تهنّي بعد إكرامك لي ... فشديد عادة منتزعه
لا يكن وعدك برقا خلّبا ... إنّ خير البرق ما الغيث معه
[مواعيد عرقوب]
«٥١٤» - والعرب تضرب المثل بمواعيد عرقوب، وكان رجلا من العماليق أتاه أخ له يسأله شيئا، فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة، فلك طلعها.
فلما أطلعت أتاه الرجل للعدة، فقال: دعها حتى تصير بلحا؛ فلما أبلحت قال: دعها حتى تصير زهوا؛ فلما أزهت قال: دعها حتى تصير رطبا؛ فلما أرطبت قال: دعها حتى تصير تمرا؛ فلما أتمرت عمد إليها عرقوب فجدّها ولم يعط أخاه منها شيئا.
وفيه يقول الأشجعي: [من الطويل]
وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
стр. 3209
[أشعار في المواعيد والمطل]
«٥١٥» - ابن الرومي: [من الطويل]
إذا أنت أزمعت الصنيعة مرّة ... فلا تعتصر ماء الصنيعة بالمطل
ولا تخلط الحسنى بسوء فإنّه ... يجشّمنا أن نخلط الشكر بالعذل
«٥١٦» - آخر: [من البسيط]
إن كنت لم تنو فيما قلت لي صلة ... فما انتفاعك من حبسي وترديدي
فالمنع أجمله ما كان أعجله ... والمطل من غير عسر آفة الجود
«٥١٧» - آخر: [من الكامل]
وكّلت مجدك باقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا
«٥١٨» - قال ابن السّكّيت للمهدي: يا أمير المؤمنين، لو كان الوعد يستنزل بالإهمال والسكوت لشكرتك القلوب بالضمير، ولنظرت إلى فضلك العيون بالأوهام؛ فقال المهديّ: هذا جزاء التفريط فيما يكسب الأجر ويدّخر الشكر، وأمر بقضاء حاجاته.
٥١٩- وعد رجل رجلا حاجة، فأبطأت عدته عنه، فقال: صرت بعدي كذّابا فقال: [من البسيط]
نصرة الحقّ أفضت بي إلى الكذب
٥٢٠- وعد بعض الأمراء شاعرا جائزة فأبطأ بها عنه وأطال، فكتب إليه الشاعر: [من البسيط]
لولا الممات وأنّ العمر منقطع ... لما اكترثت لما تأتي من العلل
стр. 3210
فإن عزمت على تطويل وعدك لي ... فاحرس حياتي من الآفات والزلل
[رسائل في الموضوع]
«٥٢١» - كتب أبو العيناء: ثقتي بك تمنعني من استبطائك، وعلمي بشغلك يدعوني إلى إذكارك، ولست آمن، مع استحكام ثقتي بطولك والمعرفة بعلوّ همّتك، اخترام الأجل، فإنّ الآجال آفات الآمال، فسح الله في أجلك، وبلّغك منتهى أملك.
٥٢٢- من كلام أبي الحسن عليّ بن القاسم القاشاني:
أظلّني من مولاي عارض غيث أخلف ودقه، وشاقني منه لائح غوث كذب برقه، فقل في حرّان ممحل أخطأه النّوء، وحيران مظلم خذله الضّوء.
«٥٢٣» - قالت أعرابيّة لرجل: ما لك تعطي ولا تعد؟ فقال لها: ما لك وللوعد؟ قالت: ينفسح به البصر، وينشر فيه الأمل، وتطيب بذكره النفس، ويرخى به العيش، وتربح أنت به المدح بالوفاء.
«٥٢٤» - قال مسلم بن الوليد: سألت الفضل بن سهل حاجة، فقال:
أشرفك اليوم بالوعد، وأحبوك غدا بالإنجاز، فإني سمعت يحيى بن خالد يقول:
المواعيد شبكة من شباك الكرام، يصيدون بها محامد الأحرار، ولو كان المعطي لا يعد لارتفعت مفاخر إنجاز الوعد، ونقص فضل صدق المقال.
«٥٢٥» - محمّد بن حسّان الضّبّي: [من البسيط]
غذّيت بالمطل وعدا رقّ مورقه ... حتى ذوى منه بعد الخضرة العود
سقيا للفظك ما أحلى مخارجه ... لولا عقارب مطل بعده سود
стр. 3211
«٥٢٦» - يقال: المواعيد رؤوس الحوائج، والإنجاز أبدانها.
الشفاعة
«٥٢٧» - قال رسول الله ﵌: إنّ الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره، فيقول له: جعلت لك جاها، فهل نصرت به مظلوما، أو قمعت به ظالما، أو أعنت به مكروبا؟
«٥٢٨» - وقال صلّى الله على وآله وسلّم: أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له.
«٥٢٩» - وقال ﵌: الخلق عيال الله، فأحبّهم إليه أنفعهم لعياله.
٥٣٠- قال النبيّ ﷺ : رجلان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وغال في الدين مارق منه.
«٥٣١» - وقال عليّ ﵇: الشفيع جناح الطالب.
«٥٣٢» - قصد ابن السّمّاك الواعظ رجلا في حاجة لرجل سأله الشفاعة فيها، فقال ابن السماك: إني أتيتك في حاجة، وإنّ الطالب والمطلوب إليه عزيزان إن قضيت الحاجة، وذليلان إن لم تقضها، فاختر لنفسك عزّ البذل على ذلّ المنع، واختر لي عزّ النّجح على ذلّ الردّ، فقضى حاجته.
стр. 3212
[رسائل في الشفاعة]
٥٣٣- أمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب كتاب عناية، فكتب:
كتابي كتاب واثق بمن كتبت إليه، معتن بمن كتبت له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله، والسلام.
٥٣٤- قال عمران بن سهل: استعنت على أبي عبد الله معاوية بن يسار كاتب المهدي ببعض إخوانه في حاجة، فلما قام الشفيع قال لي: لولا أنّ حقّك لا يضيّعه مثلي لحجبت عنك حسن نظري، أتظنّني أجهل الإحسان حتى أعرّفه، أو أنكر [١] موضع المعروف حتى أعرّفه؟ إذن أكون بمنزلة البعير الذّلول وعليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ برك. فقلت: ما جعلت فلانا شفيعا إنّما جعلته مذكّرا. فقال: وأيّ تذكار [٢] لمن كنت منه بمرأى أبلغ من تسليمك عليه؟ إنّه متى لم يتصفّح المأمول أسماء مؤمّليه غدوة وعشيّة وجب أن تعدّه نسيا منسيّا، وجرى عليه المقدور وهو غير محمود ولا مشكور، وما لي إمام أدرسه بعد وردي من القرآن إلا أسماء رجال التأميل لي، وما أبيت ليلة إلا وأعرضهم على قلبي، فلا تستعن على شريف إلا بشرفه، فإنّه يرى الشفاعات عيبا لمعروفه.
«٥٣٥» - كتب الصاحب أبو القاسم بن عبّاد إلى أبي عليّ الحسن بن أحمد في شأن أبي عبد الله محمد بن حامد: كتابي هذا صدر عن محبة وقد أرخى الليل سدوله، وسحب الظلام ذيوله، ونحن على الرحيل غدا إن شاء الله إذا مدّ الصباح غرره، قبل أن يسبغ حجوله، ولولا ذاك لأطلته وقوف [٣] الحجيج على المشاعر، ولم أقتصر منه على زاد المسافر، فإنّ المتحمّل له وسيع الحقوق لديّ، حقيق أن أتعب له خاطري ويديّ، وهو أبو عبد الله الحامديّ أعزّه الله، وكان
стр. 3213
وافانا مع ذلك الشيخ الشهيد أبي سعيد الشبيبي- رفع الله منازله، وقتل قاتله يكتب له، فآنسنا بفضله وأنسنا الخير من عقله، فلما فجع بتلك الصحبة وما كان له فيها من القربة، لم يرض غير بابي [١] مشرعا، وغير جنابي [٢] مرتعا، وقطع إليّ الطريق الشاقّ مؤكّدا حقّا لا يشقّ غباره، ولا ينسى على الزمان ذماره؛ وكنت على جناح النّهضة التي لم تستقرّ نواها، ولم تلق عصاها، وإحراج الحرّ المبتدأ الأمر، القريب العهد بوطأة الدهر، تحامل عليه بالمركب الوعر؛ فرددته إليك يا سيّدي لتسهّل عليه حجابك، وتمهّد له جنابك، وترصد [٣] له عملا خفيف الثقل، نديّ الطلّ؛ فإذا اتفق عرضته عليه، ثم فوّضته إليه، وهو إلى أن يتفق ذلك ضيفي وعليك قراه، وعندك مربعه ومشتاه. ويريد اشتغالا بالعلم يزيده في الاستقلال إلى أن يأتيه خبرنا في الاستقرار، ثم له الخيار إن شاء أقام على ما ولّيته، وإن شاء لحق بنا ناشرا ما أوليته، وقد وقّعت له إلى فلان بما يعينه على بعض الانتظار إلى أن تختار له- أيّدك الله- كلّ الاختيار. فأوعز إليه بتعجيله، واكفني شغل القلب بهذا الحرّ الذي أفردني بتأميله، إن شاء الله تعالى.
«٥٣٦» - وكتب الصابي عن عزّ الدولة بختيار بن بويه إلى مؤيد الدولة بويه ابن ركن الدولة لمّا قبض على أبي الفتح ابن العميد يشفع فيه:
وهذا غلام أفسدته سجيّة ركن الدولة الشريفة في شدّة الاحتمال والصبر على الإدلال، فاجتمع له إلى ذلك التقلّب في نعمة حازها حيازة وارث لها، لم يكدح في تأثيلها، ولا مسّه النّصب في تثميرها، ولا اهتدى إلى طريق استبقائها، ولا تحرّز عن دواعي انتقالها. ومن ألزم اللوازم في حكم الرعاية أن نحفظه من
стр. 3214
سكر نعمة نحن سقيناه كأسها، وأن نعذره عند هفوة قد شاركناه في اتخاذ أسبابها، وأن تكون نفسه محروسة، والبقية من ماله بعد أخذ فضلها المفسد له متروكة، وأن يتحدّث الناس بأنّ سيدي الأمير أصاب غرض الحزم في القبض عليه، ثم طبّق مفصل الكرم في التجاوز عنه.
[حكايات في الشفاعة]
«٥٣٧» - ومن كلامه في الشفاعة إلى أبي تغلب ابن حمدان لأخ له:
وقد يكون لعمري في ذوي الأرحام الشابكة، والقرابات الدانية، من يتمادى في العقوق، ويذهب عن حفظ الحقوق، ولا يسع ترك تألّفه حتى يرجع، واستصلاحه حتى ينزع، فإن تجشّم الإعراض عنه لرياضة تقصد، أو عاقبة نفع تحمد [١] لم يبلغ به إلى قطع المعيشة ومنع المادة، لأنّ قباحة ذلك لمن يستعمله أكثر من مضرّته لمن يعمل معه. وقد قيل: إنّ الملوك تعاقب بالهجران ولا تعاقب بالحرمان، هذا في الأتباع والأصحاب، وهو ألزم في الأقران والأتراب.
«٥٣٨» - لمّا قال دعبل في المعتصم: [من الطويل]
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ... ولم تأتنا في ثامن لهم الكتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... خيار إذا عدوّا وثامنهم كلب
لقد ضاع أمر الناس حين يسوسهم ... وصيف وأشناس وقد عظم الخطب
نذر المعتصم دمه، فطلب طلبا شديدا، فتوارى وهرب. فسمع ابن أبي دواد المعتصم يوما يقول: لأقتلنّ دعبلا، قال: ولم؟ قال: هجاني، قال: يا أمير المؤمنين، إنّ دعبلا شريف وعنده من الفضل بمعرفة أهل الفضل ما يردعه عن هذا، ولكن من المبلّغ لك ذلك عنه؟ قال: عمي إبراهيم بن المهدي؛ قال: ففي
стр. 3215
حكمك قبول قول حاقد محفظ؟ قال: معاذ الله! قال: إنّ دعبلا هتك إبراهيم عمّك أيام تولّيه الخلافة: [من الكامل]
إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق
فضحك وقال: أجل، إن كان إبراهيم خليفة فمخارق وليّ عهده، وقد صفحنا عمّا أردناه. قال: إنّ أمير المؤمنين أجلّ من أن يعمر قلبا بحزن ساخطا، ولا يعمره بسرور راضيا. قال: فاحكم يا أبا عبد الله، قال: خمسون ألف درهم يرمّ بها حاله [١] . فقبض المال وأنفذ الكتاب به إلى مصر، وكان دعبل بها، فلم يشكره دعبل، فكافأه بأن قال فيه: [من الخفيف]
سحقت أمّه ولاط أبوه ... ليت شعري عنه فمن أين جاء
في أهاج كثيرة له فيه.
«٥٣٩» - ودخل ابن أبي دواد إلى الواثق وقد أتي بابن أبي خالد الذي كان بالسّند فقال: والله لأضربنّك بالسياط، والله لا يكلّمني فيك أحد من الناس إلا ضربت بطنه وظهره. فسكت حتى ضربه عشرين سوطا ثم قال: يا أمير المؤمنين، في هذا أدب، وفي دونه استصلاح، وتجاوزه سرف، وإنما أبقي عليك من القصاص، قال: أوما سمعت يميني ألا يكلّمني فيه أحد إلا ضربت بطنه وظهره؟ قال: قد سمعت، ولكن يكفّر أمير المؤمنين ويأتي الذي هو إلى الله أقرب عنده وأفضل. قال: خلّيا عنه، كفّر يا غلام عن يميني.
стр. 3216
«٥٤٠» - أبو تمام في الشفيع: [من الكامل]
ولقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يديّ مرّ سؤاله
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنّها من ماله
نظر فيهما إلى قول دعبل وزاد وأحسن: [من الطويل]
وإنّ امرءا أسدى إليّ بشافع ... إليه ويرجو الشكر مني لأحمق
شفيعك فاشكر في الحوائج إنّه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
٥٤١- قال أبو الضحى: شفع مسروق بن الأجدع لرجل شفاعة، فأهدى إليه جارية، فقال: لو علمت أنّ ذاك في نفسك ما شفعت لك، ولا أشفع فيما بقي من حاجتك؛ إني سمعت ابن مسعود [١] ﵀ يقول: من شفع شفاعة ليردّ بها حقّا أو يدفع بها ظلما فأهدي له شيء وقبله، فذاك السّحت. فقلنا: يا أبا عبد الرحمن، ما كنّا نظنّ السّحت إلا الأخذ على الحكم! فقال عبد الله: الأخذ على الحكم كفر.
٥٤٢- قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد اعتذاره: قد مات حقدي عليك بحياة عذرك، وقد عفوت عنك، وأعظم من عفوي يدا عندك أني لم أجرّعك مرارة امتنان الشافعين.
«٥٤٣» - التمس العتّابيّ الإذن على المأمون فتعذّر ذلك عليه، فأقبل يحيى بن أكثم، فلما رآه العتّابيّ قام إليه فقال: أيّها الشيخ، اذكرني عند أمير المؤمنين، قال: لست بحاجب، قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان على كلّ خير، قال: قد كلّفتني غير طريقي، قال: إنّ الله قد أتحفك بجاه ونعمة
стр. 3217
وهو مقبل على صاحبها بتعجيل الزيادة إن شكر، والتغيير إن كفر، وأنا لك اليوم خير لك من نفسك، لأني أدعوك إلى زيادة نعمتك وأنت تأبى ذلك، واعلم أنّ لكلّ شيء زكاة، وأنّ زكاة الجاه رفد المستعين. فقال له يحيى: على رسلك أيها الرجل، ثم دخل على المأمون واستأذن له عليه، فأجازه المأمون وأحسن إليه.
٥٤٤- قال رجل لبعض الولاة: إنّ الناس يتوسّلون إليك بغيرك، فينالون معروفك ويشكرون غيرك، وأنا أتوسّل إليك بك، ليكون شكري لك لا لغيرك.
٥٤٥- شاعر: [من الطويل]
إذا أنت لم تعطفك إلّا شفاعة ... فلا خير في ودّ يكون بشافع
«٥٤٦» - كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبيد الله بن عباس، وكان الناس لعظم قدره عنده يضرعون إليه في الشفاعات، فثقل ذلك على المنصور فحجبه مدّة؛ ثم لم يصبر عنه، فأمر الربيع أن يكلّمه في ذلك، فكلّمه وقال له: أعف أمير المؤمنين ممّا تثقل عليه، فقبل، فلما توجّه إلى الباب اعترضه قوم من قريش معهم رقاع سألوه إيصالها إلى المنصور، فقصّ عليهم قصّته، فأبوا أن يقبلوا وألحّوا عليه، فرقّ لهم وقال: اقذفوها في كمّي، فدخل عليه وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام وما حولها من البساتين والضّياع فقال له: أما ترى إلى حسنها؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، فبارك الله لك فيما آتاك، وهنّأك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام، ولا العجم في سالف الأيام، أحصن ولا أحسن من مدينتك، ولكن سمّجتها في عيني خصلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: ليس لي فيها ضيعة، فتبسّم وقال:
حسّنتها في عينك ثلاث ضياع قد أقطعتكها، فقال: أنت والله شريف الموارد
стр. 3218
كريم المصادر، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه، وقد بدت الرقاع من كمّه وهو يتشكّر له، فأقبل يردّها وهو يقول: ارجعن خائبات خاسئات، فضحك وقال: بحقّي عليك إلا أخبرتني بخبر هذه الرقاع؟ فأعلمه، فقال:
أبيت يا ابن معلم الخير إلا كرما، وتمثّل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: [من الكامل المرفل]
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وتصفّحها وأمر بقضاء حوائجهم. قال محمد: فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت.
ما جاء في السؤال
«٥٤٧» - الأخبار النبويّة في كراهة السؤال كثيرة وفيه تغليظ.
فمن ذلك قوله ﵌: لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل أحدا.
«٥٤٨» - وقال ﵌: من يتقبّل لي واحدة وأتقبّل له بالجنة؟ فقال له ثوبان: أنا، فقال: لا تسأل الناس شيئا. فكان ثوبان تسقط علّاقة سوطه فلا يأمر أحدا يناوله، وينزل هو فيأخذها.
«٥٤٩» - وقال ﷺ وعلى آله وأصحابه: ليأتينّ يوم القيامة أقوام ما في وجوههم مزعة لحم، أخلقوها بالمسألة.
стр. 3219
«٥٥٠» - وقال ﵌: من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب.
«٥٥١» - وقال ﷺ لحكيم بن حزام: خير لك أن الا تسأل الناس شيئا.
فلما كان في خلافة عمر جعل يعطي الناس ويعطي حكيم بن حزام، فيأبى أن يأخذه ويقول: لا أرزؤ أحدا بعد النبيّ ﵌ شيئا.
«٥٥٢» - وقال ﵌: من سأل وعنده ما يغنيه فإنّما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: وما يغنيه يا رسول الله؟ قال: ما يغدّيه أو يعشّيه.
«٥٥٣» - وقال عوف بن مالك: بايعنا [١] رسول الله ﵌ وكنّا سبعة أو ثمانية، فقال قائل: علام نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا؛ وأسرّ كلمة خفيّة: ولا تسألوا الناس شيئا. قال: ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه ولا يسأل أحدا شيئا.
«٥٥٤» - وعنه ﷺ : لأن يأخذ أحدكم حبلا فينطلق به إلى هذا الجبل فيحتطب فيه حطبا ويبيعه ويستغني به عن الناس خير له من أن يسألهم، أعطوه أو حرموه.
«٥٥٥» - وقال أنس بن مالك: أصابت رجلا من الأنصار حاجة وفاقة، فأتى النبيّ ﵌ فأخبره بذلك، فقال: اذهب وأتني بما في منزلك
стр. 3220
ولا تحقرنّ شيئا، قال: فأتاه بحلس وقدح، فأخذه النبيّ ﵌ وقال: من يشتري هذا مني بدرهم؟ فقال رجل: هما عليّ بدرهم، فقال:
من يزيد على درهم؟ فقال رجل: هما عليّ بدرهمين؟ قال: هما لك، ثم أخذ الدرهمين فدفعهما إليه وقال: ابتع بأحدهما طعاما لأهلك وبالآخر فأسا فأتنا بها. قال: فذهب فأتاه بالفأس، فقال ﵌: من عنده نصاب لهذه الفأس؟ فقال أبو بكر: عندي، فأتى به، فأخذه النبيّ ﵌ فأثبته بيده ثم دفعها إليه، ثم قال: اذهب فاحتطب ولا تحقرنّ شوكا ولا رطبا ولا يابسا خمس عشرة ليلة. قال: فأتاه بعد ذلك وقد حسنت حاله. فقال النبيّ ﵌: هذا خير من أن تجيء يوم القيامة وفي وجهك كدح الصدقة.
٥٥٦- وأهدى ﵌ إلى عمر هديّة فردّها، فقال: يا عمر، لم رددت هديتي؟ قال: إني سمعتك تقول: خيركم من لم يقبل من الناس شيئا، فقال: يا عمر، إنما ذلك ما كان عن ظهر مسألة، فأما ما أتاك الله من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك.
«٥٥٧» - وروي أنّ رجلا جاء إلى النبيّ ﵌ فقال:
إنّ بني فلان أغاروا على إبلى فذهبوا بالإبل والغنم، فقال النبيّ ﵌: ما أصبح عند آل محمد غير هذا المدّ، فسل الله تعالى. قال:
فرجع إلى امرأته فحدّثها بما قال له النبيّ ﵌، فقالت:
نعم ما ردّ عليك. قال: فردّ إليه إبله وبقره وغنمه أوفر ما كانت. فرجع إلى النبيّ ﵌، فحدّثه فقام فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس أن يسألوا الله ويرغبوا إليه، وقرأ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
(الطلاق: ٣- ٤) .
стр. 3221
«٥٥٨» - قالت أمّ الدرداء: قال لي أبو الدرداء: لا تسألي أحدا شيئا، قلت:
فإن احتجت؟ قال: تتّبعي الحصادين، فانظري ما يسقط منهم فخذيه فاطحنيه ثم اعجنيه، ثم كليه ولا تسألي أحدا.
«٥٥٩» - قال طلق بن حبيب في زبور داود: إن كنت لا بدّ أن تسأل عبادي فسل معادن الخير ترجع مغبوطا مسرورا، ولا تسأل معادن الشرّ ترجع ملوما محسورا.
«٥٦٠» - سأل المنكدر عائشة ﵂، فقالت: لو كانت عندي عشرة آلاف لبعثتها إليك. فلما خرج جاءتها عشرة آلاف فبعثتها إليه، فاشترى منها جارية بألفي درهم، فولدت له محمدا وأبا بكر وعمر فكانوا عبّاد المدينة.
٥٦١- سمع كعب الأحبار من يقرأ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
(البقرة: ٢٤٥) ، فألقى إلى مسكين رداءه، فقيل له، فقال: مكتوب في التوراة:
ليس ينبغي لأحد أن يسمعها إلا فلذ من ماله فلذة ولم يكن معي إلا ردائي.
«٥٦٢» - أنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
أبا هانىء لا تسأل الناس والتمس ... بكفّيك فضل الله فالله أوسع
ولو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
٥٦٣- قال سهل بن هارون: من ثقّل نفسه عليك وغمّك بسؤاله فأعره أذنا صمّاء وعينا عمياء.
٥٦٤- سأل سائل بمسجد الكوفة وقت صلاة الظهر فلم يعط شيئا، ثم العصر فلم يعط شيئا، ثم المغرب فلم يعط شيئا، فقال: اللهم إنك بحاجتي عالم
стр. 3222
لا تعلّم، لا يعوزك نائل، ولا يبخلّك سائل، ولا يبلغ مدحك قائل، أسألك صبرا جميلا، وفرجا قريبا، وبصرا بالهدى، وقوّة فيما تحبّ وترضى. فتبادروا إليه يعطونه فقال: والله لا أرزأنكم الليلة شيئا، وقد رفعت حاجتي إلى الله، ثم خرج وهو يقول: [من الكامل]
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال قرنته ... رجح السؤال وخفّ كل نوال
٥٦٥- سأل أعرابيّ قوما فمنعوه فقال: اللهم أشغلنا بذكرك، وأعذنا من سخطك، وتغمّدنا بمغفرتك. قد ضنّ خلقك عن خلقك، فلا تشغلنا بما عندهم فيشغلنا عمّا عندك، وأتنا من الدنيا القنعان، فإنّ كثيرها يسخطك، ولا خير فيما يسخطك.
«٥٦٦» - قدم وفد على زياد فقام خطيبهم فقال: إنّا- أصلح الله الأمير وإن كانت نزعت بنا أنفسنا إليك، وأنضينا ركابنا نحوك، التماسا لفضل عطائك، فإنّا عالمون بأنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معط لما منع؛ وإنما أنت أيها الأمير خازن ونحن رائدون، فإن أذن الله وأعطيت حمدنا، وإن لم يأذن لك ومنعت شكرنا، ثم جلس. فقال زياد: تالله ما رأيت خطبة أبلغ ولا أوجز ولا أنفع عاجلة منها. ثم أمر بصلتهم.
«٥٦٧» - سأل أعرابيّ قوما فقال: رحم الله امرءا لم تمجّ أذنه كلامي، وقدّم له معذرة من سوء مقامي، فإنّ البلاد مجدبة، والحال صعبة، والحياء زاجر عن كلامكم، والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين، فرحم الله امرءا آسى بمير أو دعا بخير. فقال له رجل: ممّن أنت يا أعرابي؟ قال: اللهم
стр. 3223
غفرا إنّ لؤم الاكتساب يمنع من الانتساب.
«٥٦٨» - وممّا قاله الشعراء في ترك الإلحاح قول عديّ بن الرّقاع:
[من البسيط]
حملت نفسي على أمر وقلت لها ... إنّ السؤول على الأحوال مملول
وقول زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يعفها يوما من الذلّ يسأم
وقول سليم بن خنجر الكلبي: [من الطويل]
ويسأمك الأدنى وإن كان مكثرا ... إذا لم تزل عبثا عليه ثقيلا
«٥٦٩» - وقفت أعرابيّة بزبالة على قوم فقالت: أتأذنون في الكلام فإنّ فيه فرجا من وساوس الهموم، ومخبرا بضمائر القلوب، فقال لها بعضهم يداعبها:
أمّا بما حسن به الاستمتاع في العاجلة، وخفّت به المؤونة في الآجلة، فنعم.
فقالت: اللهم غفرا! هذه شريطة لا يتعلّق بها الوفاء، فقال: فلا حاجة إذن بك إلى الكلام، وهذا درهم فخذي إليك ما حضر؛ فقالت: اللهم إنه قد كان له في كيسه متمهّد، وفي معاشه متصرّف، ولكنه اتّجر به فيّ إليك، اللهم فلا تجزه على قدر البضاعة، ولكن اجزه على قدر الصبر على المسألة؛ ثم قالت: لا جعلك الله ممّن يكره السؤال ويستعذب الردّ.
«٥٧٠» - أتى أعرابيّ باب بعض الملوك فأقام به حولا ثم كتب إليه: الأمل والعدم أقدماني عليك، وفي السطر الثاني: الإقلال لا صبر معه. وفي الثالث:
الانصراف بغير فائدة شماتة الأعداء. وفي الرابع: إما نعم سريح وإما يأس مريح.
стр. 3224
٥٧١- سأل أعرابي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فقال: رجل من أهل البادية ساقته الحاجة، وانتهت به الفاقة، والله سائلك عن مقامي هذا. فقال عمر: تالله ما رأيت كلمة أبلغ من قائل، ولا أوعظ لمقول منها.
«٥٧٢» - قال رجل لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين، هززت ذوائب الرحال إليك، ولم أجد معوّلا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأقطع المجاهل بالآثار، يقودني نحوك رجاء، ويسوقني إليك بلوى، والنفس راغبة والاجتهاد عاذر، وإذ قد بلغتك قصتي. قال: احطط عن راحلتك فقد بلغت.
«٥٧٣» - وقف دعبل ببعض أمراء الرّقّة، فلما مثل بين يديه قال: أصلح الله الأمير، إني لا أقول كما قال صاحب معن: [من الوافر]
بأيّ الحالتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي مسول
أبالحسنى فليس لها ضياء ... عليّ فمن يصدّق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت لكلّ مكرمة فعول
ولكني أقول: [من الكامل]
ماذا أقول إذا أتيت معاشري ... صفرا يدي من جود أروع مجزل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضنّ الأمير بماله لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلى ... من أن أقول فعلت ما لم تفعل
فاختر لنفسك ما أقول فإنّني ... لا بدّ أخبرهم وإن لم أسأل
«٥٧٤» - خرج أعشى همدان إلى الشام في ولاية مروان بن الحكم فلم ينل فيها حظّا، فجاء إلى النعمان بن بشير فكلّم اليمانية وقال لهم: هذا شاعر اليمن
стр. 3225
ولسانها، واستماحهم له، فقالوا: نعم، يعطيه كلّ رجل منّا دينارين من عطائه، قال: لا، بل اعطوه منا دينارا دينارا واجعلوا ذلك معجّلا، فقالوا: أعطه إياه من بيت المال واحتسبها على كلّ رجل من عطائه، ففعل النعمان، وكانوا عشرين ألفا، فأعطاه عشرين ألف دينار وارتجعها منهم عند العطاء. فقال الأعشى يمدح النعمان: [من الطويل]
لم أر للحاجات عند التماسها ... كنعمان نعمان الندى ابن بشير
إذا قال أوفى ما يقول ولم يكن ... كمدل إلى الأقوام حبل غرور
متى أكفر النعمان لا ألف شاكرا ... وما خير من لا يقتدي بشكور
فلولا أخو الأنصار كنت كنازل ... ثوى ما ثوى لم ينقلب بنصير