← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

«٧٢٩» - ابتاع شريك بن عبد الله القاضي من رجل مملوكا عبدا أو أمة، فوجد به عيبا فردّه على البائع بالعيب، فقال له البائع: لا تردده، أنا أربح لك فيه دنانير، قال: أو تفعل؟ قال: نعم، قال: فبعه. فذهب البائع ولم يعرضه، فلما أبطأ على شريك دعا به، فقال له: ألم تقل إنك تربح؟ قال: بلى، قد قلت ذلك؛ قال: فأين الربح؟ قال: ما عرضته؛ قال: فاردد علينا الثمن، قال: ليس إلى ذلك سبيل، قد رضيته بعد العيب أمرتني بعرضه. فعلم شريك أنّه قد وجب عليه، فأمسك. «٧٣٠» - كان سراقة البارقيّ شاعرا ظريفا أسره المختار في بعض حروبه، فأمر بقتله، فقال: والله لا تقتلني حتى تنقض دمشق حجرا حجرا. فقال المختار: من يخرج أسرارنا؟ ثم قال: من أسرك؟ قال: قوم على خيل بلق عليهم ثياب بيض لا أراهم في عسكرك. فأقبل المختار على أصحابه فقال: إنّ عدوّكم يرى من هذا ما لا ترون، ثم قال له: إني قاتلك، قال: والله يا أمير آل محمد إنك لتعلم أنّ هذا ليس باليوم الذي تقتلني فيه. قال: ففي أيّ يوم أقتلك؟ قال: يوم تضع كرسيّك على باب مدينة دمشق فتدعوني يومئذ فتضرب عنقي. فقال: يا شرطة الله! من يذيع حديثك؟ ثم خلّى عنه، فقال سراقة: [من الوافر] ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت الخيل دهما مصمتات كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... عليّ قتالكم حتى الممات أري عينيّ ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالتّرّهات يروى: ترياه. وهو من أبيات العروض الشواهد. والحرف الذي فيه الزحاف مفاعيل أصله مفاعلتن أسكن خامسه وحذف سابعه، فما أسكن خامسه يسمّى معصوبا، وما يحذف سابعه يسمّى مكفوفا. ويروى: ترأياه

стр. 3292

بإظهار الهمز إعادة له إلى الأصل، وهو شاذّ. ٧٣١- سخط الرشيد على حميد الطوسي فدعا له بالنّطع والسيف فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما أفزع من الموت فإنّه لا بدّ واقع، وإنّما بكيت أسفا على خروجي من الدنيا وأمير المؤمنين ساخط عليّ، فضحك وعفا عنه وقال: [من البسيط] إنّ الكريم إذا خادعته انخدعا «٧٣٢» - ولّى عبد الملك بن مروان أخاه بشرا الكوفة، وكان شاعرا [١] ظريفا غزلا، وبعث معه روح بن زنباع، وكان شيخا متورّعا، فثقل على بشر مراقبته. فذكر ذلك لنديم له، فتوصّل إلى أن دخل بيته ليلا في خفية، فكتب على حائط قريب من مجلسه: [من البسيط] يا روح من لبنيّات وأرملة ... إذا نعاك لأهل المغرب الناعي إنّ ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع فاستوحش من ذلك، وخرج من الكوفة حتى أتى عبد الملك، فحدّثه بذلك، فاستغرب ضحكا، فقال: ثقلت على بشر وأصحابه، فاحتالوا لك. «٧٣٣» - أراد المنصور أن يعقد للمهديّ ويقدّمه على عيسى بن موسى، فأراده على ذلك وأداره عليه وكتب إليه، فأبى وأجاب بجواب عنيف في آخره: [من البسيط] خيّرت أمرين ضاع الحزم بينهما ... إمّا صغار وإمّا فتنة عمم

стр. 3293

وقد هممت مرارا أن أساقيكم ... كأس المنيّة لولا الله والرّحم ولو فعلت لزالت عنكم نعم ... بكفر أمثالها تستنزل النّقم فلما يئس منه قال لخالد بن برمك: إن كانت عندك حيلة فقدّمها فقد أعيتنا وجوه الحيل. قال: يا أمير المؤمنين، ضمّ إليّ ثلاثين رجلا من كبار الشيعة، فمضوا إليه، فلم يزدد إلا نبوّا، فخرجوا، فقال لهم خالد: ما الحيلة؟ فأعضلتهم، فقال: ما هي إلّا أن نخبر أمير المؤمنين أنّه قد أجاب ونشهد عليه إن أنكر، قالوا: نفعل. فصاروا إلى المنصور وقالوا: قد أجاب، وخرج التوقيع بالبيعة للمهديّ وكتب بذلك إلى الآفاق، وجاء عيسى فأنكر وشهدوا عليه بالإجابة. وكان المهديّ يعرف ذلك لخالد، ويصف جزالة الرأي. فيه. ٧٣٤- وجد شابّ قتيلا بظهر الطريق أيام عمر بن الخطاب ﵁، فلم يقدر على قاتله، فقال: اللهم أظفرني بقاتله، حتى إذا كان على رأس الحول وجد صبيّ ملقى موضع القتيل، فقال: ظفرت بدم القتيل إن شاء الله. فدفعه إلى ظئر وقال لها: إن جاءتك امرأة تقبّله وترحمه أعلميني [١] . فلما شبّ وطال إذا هي بجارية قالت لها: إنّ سيدتي تطلب أن تذهبي إليها؛ ففعلت، فضمّته إلى صدرها وقبّلته، وتلك بنت شيخ من الأنصار. فأخبرت عمر، فاشتمل على سيفه وخرج إلى منزلها فوجد الشيخ متّكئا على باب داره، فقال: ما فعلت بنتك؟ قال: جزاها الله خيرا، هي من أعرف الناس بحقّ الله وحقّ أبيها؛ وذكر من حسن صلاتها وصيامها والقيام بدينها. فقال: أحببت أن أزيدها رغبة، فدخل وأخرج من هناك، وقال: أصدقيني خبر القتيل والصبيّ وإلّا ضربت عنقك؛ وكان عمر ﵁ لا يكذب. فقالت: كانت عندي عجوز قد تأمّمتها، فعرض لها سفر فقالت: لي بنت أحبّ أن أضمّها إليك.

стр. 3294

وكان لها ابن أمرد، فجاءت به في هيئة الجارية وأنا لا أشعر، فمكث عندي ما شاء الله؛ ثم اعتقلني وأنا نائمة، فما شعرت حتى خالطني فمددت يدي إلى شفرة فضربته وأمرت أن يلقى على الطريق، وقد أراني اشتملت منه على هذا الصبيّ، فألقيته حيث وجد. فقال لها عمر رحمة الله عليه: صدقتني بارك الله فيك، ثم وعظها ودعا لها وخرج. فقال للشيخ: بارك الله لك في ابنتك، فنعم البنت بنتك! ٧٣٥- تحاكمت امرأتان إلى إياس في كبّة غزل، فقال لإحداهما: على أيّ شيء كبّبت غزلك؟ قالت: على كسرة، وقال للأخرى: على أيّ شيء كبّبت غزلك؟ قالت: على خرقة، فنقضت الكبّة فإذا هي على كسرة. فسمع بذلك ابن سيرين فقال: ويح له، فما أفهمه! «٧٣٦» - كان مصعب بن الزبير لا يقدر على عائشة بنت طلحة زوجته إلا بتلاح يناله منها وينالها منه، فشكا ذلك إلى ابن أبي فروة كاتبه، فقال: أنا أكفيك إن أذنت لي، قال: نعم، افعل ما شئت، فإنّها أفضل شيء عندي في الدنيا. فأتاها ليلا معه أسودان، فاستأذن عليها، فقالت له: في مثل هذه الساعة؟ قال: نعم، فأدخلته. فقال للأسودين: احفرا هاهنا بئرا، فقالت له مولاتها: ما تصنع بالبئر؟ قال: شؤم مولاتك؛ أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حيّة، وهو أسفك خلق الله لدم حرام. قالت عائشة: فأنظرني أذهب إليه، قال: هيهات لا سبيل إلى ذلك. وقال للأسودين: احفرا، فلما رأت الجدّ منه بكت وقالت: يا ابن أبي فروة، إنّك لقاتلي؟ قال: ما منه بدّ، وإني لأعلم أنّ الله سيخزيه بعدك، ولكنه كافر الغضب. قالت: وفي أيّ شيء غضبه؟ قال: في امتناعك عليه، وقد ظنّ أنّك تبغضينه وتتطلّعين إلى غيره، فقد جنّ. فقالت: أنشدك الله إلا عاودته، قال: أخاف أن يقتلني. فبكت وبكى جواريها، فقال:

стр. 3295

قد رققت لك، وحلف أنه يغرّر بنفسه، ثم قال لها: فما أقول؟ قالت: تضمن عنّي أني لا أعود أبدا، قال: فما لي عندك؟ قالت: قيام بحقّك ما عشت، فقال: أعطيني المواثيق؛ فأعطته، فقال: مكانكما. وأتى مصعبا وأخبره الخبر، فقال: استوثق منها بالأيمان، قال: قد فعلت؛ وصلحت بعد ذلك لمصعب. «٧٣٧» - حدّث عقبة بن سلم قال: دعاني أبو جعفر المنصور فسألني عن اسمي ونسبي، فقلت أنا عقبة بن سلم بن نافع الأزديّ [١] ، قال: إني لأرى لك هيئة وموضعا، وإني أريدك لأمر أنا معنيّ به، قلت: أرجو أن أصدّق ظنّ أمير المؤمنين، قال: فأخف شخصك وأتني في يوم كذا وكذا، فأتيته فقال: إنّ بني عمّنا قد أبوا إلا كيدا لملكنا، ولهم شيعة بخراسان بقرية يقال لها كذا وكذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم بألطاف وصدقات، فاخرج بكسى وألطاف حتى تأتيهم متنكّرا بكتاب أكتبه عن أهل تلك القرية، ثم تسير ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر منهم حتى تلقى عبد الله بن حسن متخشّعا، فإن جبهك- وهو فاعل- فاصبر وعاوده أبدا حتى يأنس بك، فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل إليّ. ففعل ذلك حتى أنس عبد الله بناحيته، وقال له عقبة: الجواب، فقال: أما الكتاب فلا أكتب، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام، وأخبرهم أني خارج لوقت كذا وكذا. فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر وأخبره الخبر. قال صالح صاحب المصلّى: إني لواقف على رأس أبي جعفر وهو يتغدّى بأوطاس وهو متوجّه إلى مكة، ومعه على مائدته عبد الله بن الحسن، وأبو الكرام الجعفري وجماعة من بني العبّاس، فأقبل على عبد الله بن الحسن فقال: يا أبا محمد،

стр. 3296

محمد وإبراهيم قد استوحشا من ناحيتي، وإني أحبّ أن يأنسا بي ويأتياني، فأصلهما وأزوّجهما وأخلطهما بنفسي. قال: وعبد الله يطرق طويلا ويقول: وحقّك يا أمير المؤمنين ما لي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم، ولقد خرجا عن يدي؛ فيقول: لا تفعل يا أبا محمد، واكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما، قال: فامتنع أبو جعفر من غدائه ذلك اليوم إقبالا على عبد الله، وعبد الله يحلف أنه لا يعرف موضعها، وأبو جعفر يكرّر عليه: لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد. وقال أبو جعفر لعقبة بن سلم: إذا فرغنا من الطعام فلحظتك، فامثل بين يدي عبد الله، فإنه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينيه منك، ثم حسبك، وإياك أن يراك ما دام يأكل. ففعل عقبة ذلك، فلما رآه عبد الله وثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر وقال: يا أمير المؤمنين أقلني أقالك الله، قال: لا أقالني الله إن أقلتك، ثم أمر بحبسه. ٧٣٨- كان عيسى بن جعفر متنوّقا، فخاطره الرشيد على مائة ألف أن يلبس ثوبا ليس له مثله، فلما لبسه قال له عيسى: عندي فرش من هذا، فأحضره، وأخذ المال. ثم خاطره على مائة ألف أن يلبس جبّة ليس له مثلها، فأحضر أحسن منها، وانصرف بمائتي ألف، فاغتاظ الرشيد. فقال له إبراهيم بن المهديّ: إن أحببت أن تسترجع المائتين ومثلهما، فخاطره والبس البردة. ودعا به وخاطره فغلبه وأخذ أربعمائة ألف وأعطاها إبراهيم. ٧٣٩- أراد عمر ﵁ أن يعزل المغيرة بن شعبة عن العراق بجبير بن مطعم وأن يكتم ذلك، وأمر بالجهاز. وأحسّ بذلك المغيرة فأمر جليسا له أن يدسّ امرأته- وكانت تسمّى لقّاطة الحصى- لتدور في المنازل حتى دخلت منزل جبير، فوجدت امرأته تصلح أمره، فقالت: إلى أين يخرج زوجك؟ قالت: إلى العمرة، قالت: كتمك، ولو كان لك عنده منزلة لأطلعك. فجلست متغضّبة فدخل إليها جبير وهي كذلك، فلم تزل

стр. 3297

به حتى أخبرها، وأخبرت لقّاطة الحصى. ودخل المغيرة على عمر: فقال: بارك الله لأمير المؤمنين في رأيه وتوليته جبيرا. فقال: كأني بك يا مغيرة فعلت كذا، فقصّ عليه الأمر كأنّما شاهده وقال: أنشدك الله، هل كان ذلك؟ قال: اللهم نعم. ثم رقي المنبر وقال: أيّها الناس، من يدلّني على المخلط المزيل النسيج وحده؟ فقام المغيرة فقال: ما يعرف ذاك في أمّتك غيرك؛ فولّاه، ولم يزل والي العراق حتى طعن عمر. «٧٤٠» - يقال إنّ الفيل من طبعه الهرب من السّنّور، فحكي عن هارون مولى الأزد- الذي كان يردّ على الكميت ويفخر بقحطان، وكان شاعر أهل المولتان- أنه خبّا معه هرّا تحت حضنه، ومشى بسيفه إلى الفيل وفي خرطومه السيف، والفيّالون يذمرونه؛ فلما دنا منه ألقى الهرّ [١] على وجهه فأدبر الفيل هاربا وتساقط الذين على ظهره، وكبّر المسلمون، وكان سبب الهزيمة. [خدائع وحيل في الحرب] ٧٤١- ومن الخدائع والحيل في الحرب ما فعله كسرى بن هرمز بالروم. وذلك أنّ شهريزار المقيم بثغر الروم واطأ ملكهم على الغدر بكسرى في خبر طويل، فسار قيصر في أربعين ألفا وخلّف شهريزار في أرض الروم، وكان رجل فارس همّة وشجاعة ومعه رجال فارس وأساورتها. وتفرّق عن كسرى جنده، وكانوا قد أبغضوه. فعلم أن لا طاقة له بالروم، فعمد إلى قسّ نصرانيّ مستبصر في دينه، وقال: إني أكتب معك كتابا لطيفا في حريرة وأجعله في قناة إلى شهريزار، فانطلق به فإنّ قيصر وجنوده لا يتّهمونك، فادفع كتابي هذا إلى شهريزار. وأعطاه على ذلك ألف دينار. وقد علم كسرى أنّ القسّ لا يذهب بكتابه ولا يحبّ هلكة الروم. وكان في الكتاب: إني كتبت إليك وقد دنا قيصر مني، وقد

стр. 3298

أحسن الله إليك بصنيعك، وقد فرّقت لهم الجيوش، وإني تاركه حتى يدنو مني فيكون قريبا من المدائن، ثم أبث الخيول في يوم كذا، فإذا كان ذلك اليوم فأغر على من قبلك، فإنّه استئصالهم. فخرج القسّ بالكتاب حتى لقي قيصر، وقد كانت أرض العراق صوّرت له، وصوّر النهروان في غير حين المدّ ولم يصوّر المدّ ولا الجسر، فلما انتهى إليه انتهى المدّ وليس عليه جسر. فلما قرأ الكتاب قال: هذا الحقّ، وانصرف منهزما، وأتبعه كسرى بإياس بن قبيصة الطائي وكان يعجب به، فأدركه إياس بساتيدما، فأدركهم مرعوبين، فقتلهم قتل الكلاب، ونجا قيصر في جماعة من أصحابه. ٧٤٢- لمّا أراد هشام صرف خالد بن عبد الله القسريّ عن العراق، وكان بحضرته رسول ليوسف بن عمر ورد عليه من اليمن وهو يتقلّدها، فدعا به وقال: إنّ صاحبك لمتعدّ طوره، يسأل فوق قدره؛ وأمر بتخريق ثيابه وضربه أسواطا وقال له: الحق بصاحبك، فعل الله بك وفعل. ودعا بسالم الكاتب على ديوان الرسائل وقال له: اكتب إلى يوسف بن عمر بشيء أمره به، واعرض الكتاب عليّ. فمضى سالم ليكتب ما أمره به، وخلا هشام وكتب كتابا صغيرا إلى يوسف وفيه: سر إلى العراق فقد ولّيتك إيّاه، وإيّاك أن يعلم أحد بك، واشفني من ابن النصرانيّة وعمّاله؛ وأمسكه في يده. وحضر سالم بالكتاب الذي كتبه فعرضه عليه، فاغتفله وجعل الكتاب الصغير في طيّه، وختمه ودفعه إلى الربيع وقال له: ادفعه إلى رسول يوسف. فلما وصل الرسول إلى يوسف قال له: ما وراءك؟ قال: الشرّ؛ أمير المؤمنين ساخط عليك، وقد أمر بتخريق ثيابي وضربي، ولم يكتب جواب كتبك، هذا كتاب صاحب الديوان. ففضّ الكتاب فقرأه، فلما انتهى إلى آخره وقف على الكتاب الصغير الذي بخطّ هشام. فاستخلف ابنه الصّلت بن يوسف على اليمن، وصار إلى العراق. وكان يخلف سالما الكاتب على ديوان الرسائل بشير بن أبي دلجة من

стр. 3299

أهل الأردنّ، وكان فطنا، فلما وقف على ما كان من هشام قال: هذه حيلة وقد ولي يوسف العراق وكتب إلى عامل أجمة سالم، وكان وادا له ويقال له عياض: إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني، فإذا أتاك كتابي فالبسه واحمد الله، وأعلم طارقا ذلك. فعرّف عياض ذلك لطارق بن أبي زياد، وكان عامل خالد على الكوفة وما يليها ثم ندم بشير على ما كتب به إلى عياض، فكتب [إليه] : إنّ القوم قد بدا لهم في البعثة إليك بالثوب اليماني، فعرّف أيضا عياض طارقا. فقال طارق: الخبر في الكتاب الأوّل، ولكنّ صاحبك ندم وخاف أن يظهر أمره. وركب من ساعته إلى خالد فخبّره الخبر فقال له: ما ترى؟ قال: تركب من ساعتك إلى أمير المؤمنين، فإنّه إذا رآك استحيا منك، وزال شيء إن كان في نفسه عليك، فلم يقبل ذلك، فقال له: أفتأذن لي أن أصير إلى حضرته وأضمن له جميع مال هذه السنة؟ قال: وما مبلغ ذلك؟ قال: مائة ألف ألف، وآتيك بعهدك، قال: ومن أين هذه؟ والله ما أملك عشرة آلاف درهم فقال: أتحمّل أنا وسعيد بن راشد بأربعين ألف ألف- وكان سعيد بن راشد يتقلّد له الفرات ومن الوصيّ وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف، وتفرّق الباقي على باقي العمّال. فقال له: إنّي إذا للئيم، إذ أسوّغ قوما شيئا ثم أرجع عليهم به. فقال له: إنّما نقيك ونقي أنفسنا ببعض أموالنا، وتبقى النّعم علينا فيك وعليك، ونستأنف طلب الدنيا خير من أن نطالب بالأموال وقد حصلت عند تجّار الكوفة، فيتقاعسون عنا ويتربّصون بنا فنقتل وتذهب أنفسنا ونحصّل الأموال يأكلونها، فأبى وودّعه وبكى وقال: هذا آخر العهد بك. ووافاهم يوسف، ومات طارق في العذاب وغيره من عمّال خالد. ولقي خالد ومن بقي شرّا عظيما. ٧٤٣- ثقل على أبي العبّاس السّفاح هيبة الجند لأبي مسلم. فشكا ذلك إلى خالد بن برمك، فقال له: مره بعرضهم وإسقاط من لم يكن من أهل خراسان منهم، ففعل ذلك. فجلس أبو مسلم للعرض، فأسقط في أوّل يوم بشرا

стр. 3300

كثيرا، ثم جلس في اليوم الثاني فأسقط بشرا كثيرا، ثم جلس في اليوم الثالث فلم يقم إليه أحد، فدعا ثانية فلم يجب، ودعا ثالثة فلم يقم أحد. وقام إليه رجل فقال: علام تسقط الناس أيّها الرجل منذ ثلاث؟ قال: أسقط من لم يكن من أهل خراسان. قال: فابدأ بنفسك أيها الرجل فإنك من أهل أصفهان وقد دخلت في أهل خراسان. فوثب من مجلسه وقال: هذا أمر أبرم بليل، وحسبك من شرّ سماعه، وفطن للحيلة وبلغ أبا العباس فسرّه. ٧٤٤- كان خالد بن برمك يتقلّد لأبي جعفر فارس. فخافه أبو أيوب المورياني، فلم يزل يغري به أبا جعفر ويكيده عنده حتى عزله ونكبه وقرّر عليه ثلاثة آلاف ألف درهم، ولم يكن له غير سبعمائة ألف، فحلف له على ذلك فلم يصدّقه. فأسعفه الأماثل بالمال، واتصل ذلك بأبي جعفر، فتحقّق قوله وصدّقه وصفح له عن المال. فشقّ ذلك على أبي أيوب، وأحضر بعض الجهابذة، ودفع إليه مالا، وأمره أن يعترف بأنه لخالد، ودسّ إلى أبي جعفر من سعى بالمال، وأحضر الجهبذ وسأله عن المال فاعترف به، وأحضر خالدا فسأله عن ذلك، فحلف بالله أنّه لم يجمع مالا قطّ، ولا ذخر ذخيرة، ولا يعرف هذا الجهبذ، ودعا إلى كشف الحال، فتركه أبو جعفر بحضرته، وأحضر الجهبذ فقال له: أتعرف خالدا إن رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أعرفه إذا رأيته، فالتفت إلى خالد فقال: قد أظهر الله براءتك، وهذا مال أصبناه بسببك. ثم قال للجهبذ: هذا خالد، فكيف لم تعرفه؟ فقال: الأمان يا أمير المؤمنين، وأخبره الخبر، فكان بعد ذلك لا يقبل شيئا في خالد. ٧٤٥- قال أبو عبيدة: أصاب رجل من الضّباب ناقة ضالّة فنحرها وسلق لحمها، فلم ينشب أن جاء جمل [١] ضالّ فنحره وفعل به فعلته بالناقة. فجاء صاحب الناقة ينشدها وأبصر اللحم، فسأله فقال: انزل نطعمك، فنزل فأطعمه

стр. 3301

وأخرج إليه ثيل الجمل يابسا وقال: جمل لنا كسر، ثم جاء صاحب الجمل ينشده ففعل به فعلته بصاحب الناقة وأخرج إليه ضرع الناقة، وقال: ناقة لنا كسرت، وقال: [من الوافر] وملتمس قعودا ظلّ يشوى ... له منه ويتبعه قدير فلما أن رأى ضرعا نضيجا ... تبيّن أنه خلف درور فلمّا أن تروّح جاء باغ ... أضلّته علاة عيسجور فراع فؤاده منها قديد ... على الأطناب مصفوف شرير فقال طلبتها أدماء جلسا ... نمى من فوقها قرد وثير فأذهب شكّه ثيل فأمسى ... يظنّ بأنّ ناقته بعير العلاة: الصلبة، شبّهت بعلاة الحدّاد وهي السّندان، والعيسجور: السريعة. والجلس: المشرفة، من الجلس وهو ما ارتفع من الأرض.

стр. 3302

نوادر من هذا الباب «٧٤٦» - اختلف إبراهيم بن هشام وقرشيّ في حرف، فحكّما أبا عبيدة بن محمد بن عمّار فقال: أما أفرس الكلامين فما يقول الأمير. أما ما يقول النحويون الخبثاء فما يقول هذا. ٧٤٧- خطب رجل امرأة فقالت له: إنّ فيّ تقزّزا، وأخاف أن أرى منك بعض ما أتقزّز منه فتنصرف نفسي عنك. فقال الرجل: أرجو أن لا تري ذلك. فتزوّجها فمكث أياما معها، ثم قعد يوما يتغدّى فلمّا رفع الخوان تناول ما سقط من الطعام تحت الخوان وأكله. فنظرت إليه وقالت له: أما كان يقنعك ما على ظهر الخوان حتى تلتقط ما تحته؟ قال: بلغني أنّه يزيد في القوّة على الباه، فكانت بعد ذلك تفعله هي، وتفتّ له الخبز كما يفتّ للفرّوج. ٧٤٨- ركض رجل دابّة وهو يقول: الطريق، الطريق، فصدم رجلا لم يتقدّم عن طريقه، فاستعدى عليه فتخارس الرجل، فقال العامل: هذا أخرس، قال: أصلحك الله! يتخارس عمدا. والله ما زال يقول: الطريق الطريق، فقال الرجل: ما تريد وقد قلت لك: الطريق الطريق؟ قال العامل: صدق. «٧٤٩» - اختلف نصرانيّ إلى أبي دلامة يتطبّب لابن له، فوعده إن برأ على يديه أن يعطيه ألف درهم. فبرأ ابنه. فقال للمتطبّب: إنّ الدراهم ليست عندي ولكن والله لأوصلنّها إليك؛ ادّع على جاري فلان هذه الدراهم فإنه موسر، وأنا وابني نشهد لك، فليس دون أخذها شيء. فصار النصرانيّ بالجار إلى ابن شبرمة؛ فسأله البيّنة، فطلع عليه أبو دلامة وابنه، ففهم

стр. 3303

القاضي، فلما جلس بين يديه قال أبو دلامة: [من الطويل] إن الناس غطّوني تغطّيت عنهم ... وإن بحثوا عنّي ففيهم مباحث قال ابن شبرمة: ومن ذا الذي يبحثك يا أبا دلامة؟ ثم قال للمدّعي: قد عرفت شأنك، فخلّ عن الخصم ورح العشيّة. فراح إليه وغرمها من ماله. ٧٥٠- وشهد أبو عبيدة عند عبيد الله بن الحسن العنبريّ على شهادة رجل عدل، فقال عبيد الله للمدّعي: أما أبو عبيدة فقد عرفته، فزدني شهودا. «٧٥١» - وروي أنّ وكيعا شهد عند إياس بن معاوية، فقال: يا أبا المطرّف، ما لك والشهادة؟ إنّما تشهد الموالي والتجار والسّقّاط، قال: صدقت، وانصرف. فقيل له: خدعك ولم يقبل شهادتك فردّك. فقال: لو علمت لعلوته بالقضيب. «٧٥٢» - وشهد الفرزدق عند بعض القضاة فقال: قد قبلت شهادة أبي فراس، فزيدونا شهودا، فقيل للفرزدق: إنّه لم يقبل شهادتك، قال: وما يمنعه من ذلك وقد قذفت ألف محصنة؟ «٧٥٣» - عتبت عائشة بنت طلحة على مصعب بن الزبير فهجرته، فقال مصعب: هذه عشرة آلاف لمن احتال لي أن تكلّمني. فقال له ابن أبي عتيق: عدّ لي المال؛ ثم صار إلى عائشة، فجعل يستعتبها لمصعب فقالت: والله ما عزمي أن أكلّمه أبدا. فلما رأى جدّها قال: يا ابنة عمّ، إنّه ضمن لي إن كلّمته عشرة آلاف درهم، فكلّميه حتى آخذها، ثم عودي إلى ما عوّدك الله من سوء الخلق. «٧٥٤» - قال أشعب: جاءتني جارية بدينار وقالت: هذا وديعة عندك.

стр. 3304

فجعلته بين ثنيي الفراش، فجاءت بعد أيام فقالت: يا أبي، الدينار، فقلت: ارفعي الفراش وخذي ولده. وكنت تركت إلى جنبه درهما، فتركت الدينار وأخذت الدرهم، وعادت بعد أيام فوجدت معه درهما آخر فأخذته، وعادت في الثالثة كذلك. فلما رأيتها في الرابعة بكيت، فقالت: ما يبكيك؟ قلت: مات دينارك في النّفاس، قالت: وكيف يكون للدينار نفاس؟ قلت: يا فاسقة، تصدّقين بالولادة ولا تصدّقين بالنّفاس؟! «٧٥٥» - تنبّأ رجل في أيام المأمون فقال: أنا أحمد النبي، فحمل إليه فقال له: أمظلوم أنت فتنصف؟ فقال: ظلمت في ضيعتي، فتقدّم بإنصافه، ثم قال له: ما تقول في دعواك؟ فقال: أنا أحمد النبيّ، فهل تذمّه أنت؟ «٧٥٦» - أخذت الخوارج رجلا فقالوا: ابرأ من عثمان وعليّ، فقال: أنا من عليّ، ومن عثمان بريء. ٧٥٧- تناظر شيطان الطاق وأبو حنيفة مرّة في الطلاق. فقال له أبو حنيفة: أنتم معاشر الشيعة لا تقدرون على أن تطلّقوا نساءكم، فقال شيطان الطاق، نحن نقدر على أن نطلّق على جميع من خالفنا نساءهم، فكيف لا نقدر على ذلك في نسائنا؟ وإن شئت طلّقت عليك امرأتك. فقال أبو حنيفة: افعل. قال: قد طلّقتها بأمرك، فقد قلت لي افعل. «٧٥٨» - مرّ طفيليّ إلى باب عرس فمنع من الدخول، فذهب إلى أصحاب الزّجاج ورهن رهنا وأخذ عشرة أقداح، وجاء وقال للبوّاب: افتح حتى أدخل هذه الأقداح التي طلبوها. ففتح له ودخل فأكل وشرب، ثم حمل الأقداح وردّها إلى صاحبها فقال: لم يرضوها، وأخذ رهنه.

стр. 3305

«٧٥٩» - وجاء آخر إلى باب دار فيها عرس، فمنع من الدخول، فمضى وعاد وقد جعل إحدى نعليه في كمّه وعلّق الأخرى بيده، وأخذ خلالا يتخلّل به، وجاء فدقّ الباب، فقال له البوّاب: ما لك؟ قال: الساعة خرجت وبقيت نعلي هناك، فقال: ادخل. فدخل وأكل مع القوم، وخرج. «٧٦٠» - مرّ عبد الأعلى القاصّ بقوم وهو يتمايل سكرا، فقال إنسان: هذا عبد الأعلى القاصّ، فقال: ما أكثر من يشبّهني بذاك الرجل الصالح! «٧٦١» - نظر مزبّد يوما إلى امرأته تصعد في درجة، فقال لها: أنت طالق إن صعدت، وأنت طالق إن وقفت، وأنت طالق إن نزلت. فرمت بنفسها من حيث بلغت. فقال لها: فداك أبي وأمي! إن مات مالك احتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم. «٧٦٢» - قال بهلول يوما: أنا والله أشتهي من فالوذج ومن سرقين، فقالوا: والله لنبصرنّه كيف يأكل. فاشتروا له الفالوذج وأحضروا السرقين، فأقبل على الفالوذج فاكتسحه وترك السرقين، فقالوا له: لم تركت هذا؟ قال: أقول لكم أنا والله وقع لي أنّه مسموم، من شاء يأكل منكم ربع رطل حتى آكل الباقي. «٧٦٣» - وجاء فوقف عند شجرة ملساء فقال: من يعطيني نصف درهم حتى أصعد، فعجب الناس فأعطوه، فأحرزه ثم قال: هاتوا سلّما، قالوا: كان السلّم في الشّرط؟ قال: وكان بلا سلّم في الشّرط؟ «٧٦٤» - قال الجاحظ: وقفت على قاصّ قد اجتمع عليه خلق كثير ومعهم

стр. 3306

جماعة من الخصيان، فوقفت إلى جانبه وجعلت أشير إلى الناس أنّه هو ذا يجوّد، قال وهو يفرح بذلك فلم يعطه أحد شيئا، فالتفت إليّ خفيّا وقال: الساعة إن شاء الله أعمل الحيلة، ثم صاح: حدّثنا فلان عن فلان عن النبيّ ﷺ أنّه قال، قال ربّ العالمين : ما أخذت كريمتي عبد من عبيدي إلا عوّضته في الجنّة. أتدرون ما الكريمتان في هذا الموضع؟ قال الناس: ما هما؟ فبكى وقال: هما الخصيتان، الخصيتان! وهو يتباكى ويكرّر. فجعل كلّ واحد من الخصيان يحلّ منديله حتى اجتمعت له دراهم كثيرة. «٧٦٥» - وقصّ واحد ومعه تعاويذ يبيعها، فجعلوا يسمعون قصصه ولا يشترون التعاويذ، فأخذ محبرته وقال: من يشتري منّي كلّ تعويذة بدرهم حتى أقوم فأغوص في هذه المحبرة باسم الله الأعظم الذي قد كتبته في هذه التعاويذ؟ فاشتريت منه التعاويذ في ساعة، وجمع الدراهم وقالوا: قم فادخل الآن في المحبرة، فنزع ثيابه وتهيّأ لذلك، والجهّال يظنّون أنّه يغوص فيها. فبدرت امرأة من خلف الناس وتعلّقت به وقالت: أنا امرأته، من يضمن لي نفقته حتى أتركه يدخل؟ فإنّه دخلها عام أوّل وبقيت ستّة أشهر بلا نفقة. «٧٦٦» - كان مالك بن الرّيب المازنيّ من تميم لصّا فاتكا شجاعا شاعرا يقطع الطريق ومعه أبو حردبة أحد بني أثالة بن مازن، وغويث أحد بني كعب بن مالك بن حنظلة، وشظاظ مولى لبني تميم وكان أخبثهم. فقال مالك لأبي حردبة وشظاظ: ما أعجب ما عملتم في سرقكم؟ فقال أبو حردبة: أعجب ما سرقت وأعجب ما صنعت أني صحبت رفقة فيها رحل على جمل فأعجبني، فقلت لصاحبي: والله لأسرقنّ رحله، ثمّ لا رضيت أو آخذ عليه جعالة؛ فرصدته حتى رأيته قد خفق رأسه فأخذت بخطام جمله فعدلت به عن الطريق

стр. 3307

حتى إذا صيّرته في موضع لا يغاث فيه إن استغاث أنخت البعير وصرعته وأوثقت يديه ورجليه، وقدت الجمل فغيّبته؛ ثم رجعت إلى الرّفقة وقد فقدوا صاحبهم وهم يسترجعون، فقلت: ما لكم؟ فقالوا: صاحب لنا فقدناه، فقلت: أنا أعلم الناس بأثره؛ فجعلوا لي جعالة، فخرجت بهم أتبع الأثر حتى وقفوا عليه فقالوا: ما لك؟ قال: لا أدري، نعست فانتبهت [فإذا] بخمسين رجلا قد أخذوني فقاتلتهم فغلبوني. قال أبو حردبة: فجعلت أضحك من كذبه، وأعطوني جعالتي وذهبوا بصاحبهم. ٧٦٦ ب- وأعجب ما سرقت أنّه مرّ بي رجل معه ناقة وجمل، وهو على الناقة، فقلت: لآخذنّهما جميعا. فجعلت أعارضه وقد خفق رأسه، فدرت فأخذت الجمل فحللته وسقته، فغيّبته في القصيم، وهو الموضع الذي كانوا فيه يسرقون، ثم انتبه فلم ير جمله فنزل وعقل ناقته ومضى في طلب الجمل، فجئت فحللت عقال ناقته وسقتها. ٧٦٦ ج- وقال شظاظ: أعجب ما رأيت في لصوصيّتي أنّ رجلا من أهل البصرة كان له بنت عمّ ذات مال كثير وهو وليها، وكانت له نسوة فأبت أن تتزوّجه. فحلف أن لا يزوّجها من أحد إضرارا [بها] وكان يخطبها رجل غنيّ من أهل البصرة، فحرصت عليه، وأبى الآخر أن يزوّجها منه؛ ثم إنّ وليّ الأمر حجّ حتى إذا كان بالدوّ- على مرحلة من البصرة وهو منزل الرفاق إذا صدرت أو وردت- مات الوليّ فدفن برابية وشيّد على قبره، فتزوّجت الرجل الذي كان يخطبها. قال شظاظ: ويخرج رفقة من البصرة معهم بزّ ومتاع، فتبصّرتهم وما معهم، واتّبعتهم من البصرة حتى نزلوا؛ فلما ناموا بيّتّهم فأخذت متاعهم. ثم إنّ القوم أخذوني وضربوني ضربا مبرّحا وجرّحوني. قال: وذلك في ليلة قرّة، وسلبوني كلّ كثير وقليل فتركوني عريانا. قال: وتماوتّ لهم، وارتحل القوم، فقلت: كيف أصنع؟ ثم ذكرت قبر الرجل فأتيته فنزعت لوحه، ثم احتفرت فيه سربا فدخلت فيه، ثم سددت عليّ باللوح وقلت: لعلّي الآن أفيق

стр. 3308

فأتّبعهم. قال: ومرّ الرجل الذي تزوّج بالمرأة بالرّفقة، فمرّ بالقبر الذي أنا فيه فوقف عليه وقال لرفقته: والله لأنزلنّ إلى قبر فلان، حتى أنظر هل يحمي بضع فلانة؟ قال شظاظ: وعرفت صوته فقلعت اللوح ثم خرجت عليه بالسيف من القبر وقلت: بلى وربّ الكعبة لأحمينّها. قال: فوقع والله على وجهه مغشيّا عليه ما يتحرّك ولا يعقل، وسقط من يده خطام الراحلة، فأخذت- وعهد الله بخطامها، فجلست عليها وعلى كلّ أداة وثياب ونقد كان معه، ووجّهتها قصد مطلع الشمس هاربا من الناس فنجوت بها، وكنت بعد ذلك أسمعه يحدّث الناس بالقصة ويحلف لهم أنّ الميّت الذي كان منعه من تزوّج المرأة خرج عليه من قبره فسلبه وكتّفه، فبقي يومه ثم هرب. والناس يعجبون منه؛ فعاقلهم يكذّبه، والأحمق منهم يصدّقه، وأنا أعرف القصّة وأضحك معهم كالمتعجّب. ٧٦٦ د- قالوا: فزدنا، قال: أنا أزيدكم أعجب من هذا وأحمق من هذا الرجل: إني لأمشي في الطريق أبتغي شيئا أسرقه، فلا والله ما وجدت شيئا. قال: وشجرة ينام تحتها الركبان بمكان ليس فيه ظلّ غيرها، فإذا أنا برجل يسير على حمار له، فقلت له: أتسمع؟ قال: نعم، فقلت له: إنّ المقيل الذي تريد أن تقيل فيه يخسف بالدواب فاحذره. فلم يلتفت إلى قولي، ورمقته حتى إذا نام أقبلت على حماره فأخذته، حتى إذا برزت به قطعت طرف أذنه وذنبه وخبّات الحمار؛ وأبصرته حين استيقظ من نومه، فقام يطلب الحمار ويقفو أثره، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى طرف ذنبه وأذنيه فقال: لعمري لقد حذّرت لو نفعني الحذر. واستمرّ هاربا خوفا أن يخسف به. فأخذت جميع ما بقي من رحله فحملته على الحمار واستمررت، فألحق بأهلي. «٧٦٧» - كان بهلول يجمع ما يوهب له عند مولاة له من كندة وكانت له كالأمّ، وربّما أخفى عنها شيئا ودفنه. فجاء يوما بعشرة دراهم كانت معه إلى

стр. 3309

خربة فدفنها فيها، ولمحه رجل، فلما خرج بهلول ذهب الرجل وأخذ الدراهم، وعاد بهلول فلم يجدها. وقد كان رأى الرجل يوم دفنها، فعلم أنّه صاحبه. فجاء إليه فقال: اعلم يا أخي أنّ لي دراهم مدفونة في مواضع كثيرة متفرّقة، وأريد جمعها في موضع دفنت فيه هذه الأيام عشرة دراهم، فإنّه أحرز من كلّ موضع، فاحسب كم تبلغ جملتها؟ قال: هات، قال: خذ، عشرون درهما في موضع كذا، وخمسون درهما في موضع كذا، حتى طرح عليه مقدار ثلاثمائة درهم؛ ثم قام من بين يديه ومرّ. فقال الرجل في نفسه: الصواب أن أردّ العشرة دراهم إلى الموضع الذي أخذتها منه حتى يجمع إليها هذه الجملة ثمّ آخذها، فردّها. وجاء بهلول فدخل الخربة وأخذ الدراهم وخري مكانها وغطّاه بالتّراب ومرّ. وكان الرجل مترصّدا لبهلول وقت دخوله وخروجه، فلما خرج مرّ بالعجلة فكشف عن الموضع وتلوّثت يده بالخراء ولم يجد شيئا، ففطن لحيلة بهلول عليه. ثم إنّ بهلولا عاد إليه بعد أيام فقال: احسب يا سيدي عشرين وخمسة عشر درهما وعشرة دراهم وشمّ يدك. فوثب الرجل ليضربه، وعدا بهلول. «٧٦٨» - وجاز بهلول بسوق البزّازين فرأى قوما مجتمعين على باب دكّان ينظرون إلى نقب قد نقب على بعضهم. فاطّلع في النّقب، فقال: كأنّكم لا تعلمون ذا من عمل من؟ قالوا: لا، قال: فإني أعلم، فقال الناس: هذا مجنون يراهم في الليل ولا يتحاشونه، فأنعموا له القول لعله يخبر بذلك فسألوه أن يخبرهم فقال: إني جائع فهاتوا أربعة أرطال رقاق ورأسين. فأحضروا ذلك، فلما استوفى قال: هو ذا، أشتهي شيئا حلوا، فأحضروا له رطلين فالوذج، فأكله وقام وتأمّل النّقب ثم قال: كأنّكم ليس تعلمون ذا من عمل من؟ قالوا: لا، قال: هذا من عمل اللصوص لا شكّ، وعدا.

стр. 3310

«٧٦٩» - ولمّا مات والد بهلول خلّف ستمائة درهم، فحجر عليها القاضي، فجاءه يوما فقال له: أيها القاضي، ادفع إليّ مائة درهم حتى أقعد في الحلقات، فإن أحسنت أن أتّجر بها دفعت إليّ الباقي. فدفع إليه ذلك، فذهب وأتلفه، وعاد إلى مجلس القاضي وقال له: إني قد أتلفت المائة فتفضّل بردّها، فقد أسأت إذ دفعت إليّ ولم يثبت عندك رشدي. قال القاضي: صدقت، والتزم المائة من ماله. «٧٧٠» - قيل: إنّ هشام بن عبد الملك حجّ، فلما قدم المدينة نزل رجل من الأشراف من أهل الشام وقوّادهم بجنب دار الدلّال المخنّث. وكان الشامي يسمع غناء الدلّال فيصغي إليه، ويصعد فوق السطح ليقرب من الصوت. ثم بعث إلى الدلّال: إمّا أن تزورنا وإمّا أن نزورك. فبعث إليه الدلّال: بل تزورنا، فبعث الشامي بما يصلح ومضى إليه. وكان للشامي غلمان روقة، فمضى بغلامين منهم كأنّهما درّتان مكنونتان، فغنّاه الدلّال: [من الكامل المرفل] قد كنت آمل فيكم أملا ... والمرء ليس بمدرك أمله حتى بدا لي منكم خلف ... فزجرت قلبي عن هوى جهله ليس الفتى بمخلّد أبدا ... حقّا وليس بفائت أجله فاستحسن الشامي غناءه فقال: زدني، فقال: أوما سمعت ما يكفيك؟ قال: لا والله ما يكفيني. قال: فإنّ لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما؛ قال: اختر أيهما شئت، فاختار أحدهما، فقال له الشامي: هو لك، فقبله منه الدلّال، ثم غنّاه صوتا آخر، فقال له الشامي: أحسنت، ثم قال: أيها الرجل الجميل، إنّ لي حاجة، قال الدلّال: وما هي؟ قال: أريد وصيفة ولدت في حجر صالح، ونشأت في خير، جميلة الوجه مجدولة، وضيئة، جعدة في بياض، مشربة

стр. 3311

حمرة، حسنة القامة، سباطية، أسيلة الخدّ، عذبة اللسان، لها شكل ودلّ، تملأ العين والنّفس. فقال له الدلّال: قد أصبتها لك، فما لي عليك إن دللتك؟ قال: غلامي هذا. قال: إذا رأيتها وقلّبتها فالغلام لي؟ قال: نعم. قال: فأتى امرأة كنّى عنها ولم يذكر اسمها، فقال لها: جعلت فداك، إنّه نزل بي رجل من قوّاد هشام له ظرف وسخاء، وجاءني زائرا فأكرمته، ورأيت معه غلامين كأنّهما الشمس الطالعة المنيرة والكواكب الزاهرة، ما وقعت عيني على مثلهما، ولا ينطلق لساني بوصفهما، فوهب لي أحدهما والآخر عنده، وإن لم يصر إليّ فنفسي خارجة. قالت: فتريد ماذا؟ قال: طلب مني وصيفة يشتريها على صفة لا أعرفها في أحد إلا في ابنتك، فهل لك أن تريه إيّاها؟ قالت: وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها؟ قال: إني قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع، قالت: فشأنك، ولا يعلم بذلك أحد. فمضى الدلّال وجاء بالشامي معه. فلمّا صار إلى المرأة أدخلته، فإذا هو بحجلة وفيها امرأة على سرير مشرف ببزّة [١] جميلة. فوضع له كرسيّ وجلس. فقالت له: أمن العرب أنت؟ قال: نعم، قالت: من أيّهم؟ قال: من خزاعة، قالت: مرحبا بك وأهلا، أيّ شيء طلبت؟ فوصف لها الصفة، قالت: قد أصبتها، وأصغت إلى جارية لها فدخلت، فمكثت هنيّة ثم خرجت. فنظرت إليها، فقالت لها المرأة: يا حبيبتي، اخرجي. فخرجت وصيفة ما رأى مثلها، فقالت لها: أقبلي فأقبلت. ثم قالت لها: أدبري، فأدبرت؛ تملأ العين والنّفس؛ فما بقي منها شيء إلا وضع يده عليه؛ فقالت: أتحبّ أن نؤزّرها لك؟ قال: نعم، قالت: يا حبيبتي اتزّري، فضمّها الإزار وظهرت محاسنها الخفيّة، فضرب يده على عجيزتها وصدرها، ثم قالت: أتحبّ أن تجرّدها؟ قال: نعم، قالت: يا حبيبتي، أوضحي، فألقت الإزار، فإذا أحسن خلق الله كأنّها السبيكة. فقالت: يا أخا العرب، كيف رأيت؟ قال: منية المتمنّي، بكم تقولين؟ قالت: ليس يوم النظر يوم البيع، ولكن تعود غدا حتى

стр. 3312

نبايعك، فلا تنصرف إلا على رضا، فانصرف من عندها، فقال له الدلّال: أرضيت؟ قال نعم، ما كنت أحسب أنّ مثل هذه في الدنيا، وإنّ الصّفة لتقصر دونها، ثم دفع إليه الغلام الثاني. فلما كان من الغد قال له الشامي: قم بنا، فمضيا حتى قرعا الباب فأذن لهما، فدخلا فسلّما، ورحّبت المرأة بهما، ثم قالت للشامي: أعطنا ما تبذل، قال: ما لها عندي ثمن إلا وهي أكثر منه، فقولي يا أمة الله، قالت: بل قل، فإنّا لم نوطئك أعقابنا ونحن نريد خلافك، وأنت لها رضا. قال: ثلاثة آلاف دينار، فقالت: والله لقبلة من هذه خير من ثلاثة آلاف دينار، قال: فأربعة آلاف، قالت: غفر الله لك أيّها الرجل، قال: والله ما معي غيرها ولو كان لزدتك، إلا رقيق ودواب وخرثي أحمله إليك، قالت: ما أراك إلّا صادقا، ثم قالت: أتدري من هذه؟ قال: تخبريني، قالت: ابنتي فلانة بنت فلان، وأنا فلانة بنت فلان، قد كنت أردت أن أعرض عليك وصيفة عندي فأحببت إذا رأيت غدا غلظ أهل الشام وجفاءهم ذكرت ابنتي، فعلمت أنكم في غير شيء، قم راشدا. فقال للدلّال: أخذعتني؟ قال: أو لا ترضى أن ترى ما رأيت من مثلها وتهب مائة غلام مثل غلامك؟ قال: أما هذا فنعم، وخرج من عندها. «٧٧١» - كان حمزة بن بيض يسامر عبد الملك بن بشر بن مروان، وكان عبد الملك يعبث به عبثا شديدا. فوجّه إليه ليلة برسول وقال: خذه على أيّ حال وجدته ولا تدعه لغيرها، وحلّفه على ذلك. ومضى الرسول فهجم عليه، فوجده يريد الخلاء، فقال: أجب الأمير، فقال: ويحك، إنّي أكلت طعاما كثيرا وشربت نبيذا حلوا وقد أخذني بطني. فقال: والله ما تفارقني أو تمضي إليه، ولو سلحت في ثيابك. فجهد في الخلاص فلم يقدر ومضى به إلى عبد الملك، فوجده قاعدا في طارمة له، وجارية جميلة كان يتحظّاها جالسة بين يديه تسجر الندّ. فجلس يحادثه

стр. 3313

وهو يعالج ما به. قال حمزة: فعرضت لي ريح فقلت: أسرّحها وأستريح لعلّ ريحها لا تبين مع هذا البخور. فأطلقتها، فغلبت والله ريح النّدّ وغمرته. فقال: ما هذا يا حمزة؟ فقلت: عليّ في عهد الله وميثاقه وعليّ المشي والهدي إن كنت فعلتها، وما هذا إلّا عمل هذه الجارية الفاجرة، فغضب وأحفظ، وخجلت الجارية فما قدرت على الكلام، ثم جاءتني الأخرى فسرّحتها وسطع والله ريحها فقال: ما هذا ويلك؟ أنت والله الآفة؟ فقال: امرأته طالق ثلاثا إن كنت فعلتها، قلت: وهذه اليمين لازمة لي إن كنت فعلتها، وما هو إلا عمل الجارية. فقال: ويلك ما قصّتك؟ قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين حسّا، فزاد خجلها وأطرقت. وطمعت فيها وسرّحت الثالثة، فسطع من ريحها ما لم يكن في الحساب، فغضب عبد الملك حتى كاد يخرج من جلده، ثم قال: يا حمزة، خذ هذه الجارية الزانية قد وهبتها لك وامض فقد نغّصت عليّ ليلتي. فأخذت بيدها وخرجت. فلقيني خادم له فقال: ما تريد أن تصنع؟ فقلت: أمضي بهذه، قال: لا تفعل، فو الله إن فعلت ليبغضنّك بغضا ما تنتفع به بعده أبدا، وهذه مائتا دينار فخذها ودع الجارية فإنّه يتحظّاها وسيندم على هبته إيّاها لك. قلت: والله لا نقصتك من خمسمائة دينار، قال: ليس غير ما قلت لك. فلم تطب نفسي أن أضيّعها فقلت: هاتها، فأعطانيها وأخذ الجارية. فلما كان بعد ثلاث دعاني عبد الملك، فلما قربت من داره لقيني الخادم فقال: هل لك في مائة دينار أخرى وتقول ما لا يضرّك ولعلّه ينفعك؟ قلت: وماذا؟ قال: إذا دخلت إليه ادّعيت عنده الفسوات الثلاث ونسبتها إلى نفسك، وتنضح عن الجارية ما قرفتها به. قلت: هاتها، فدفعها إليّ. فلما دخلت على عبد الملك وقفت بين يديه وقلت له: لي الأمان حتى أخبرك بخبر يسرّك ويضحكك؟ قال: لك الأمان، فقلت: أرأيت ليلة كذا وما جرى؟ قال: نعم، قلت: فعليّ وعليّ إن كان فسا الثلاث فسوات غيري. فضحك حتى سقط على قفاه وقال: ويلك، لم لم تخبرني؟ قال، فقلت: أردت بذلك خصالا: منها أنّي قمت فقضيت حاجتي، وقد كان رسولك قد منعني من ذلك، ومنها أني أخذت جاريتك، ومنها أنّي كافيتك على أذاك لي

стр. 3314

بمثله. قال: وأين الجارية؟ قلت: ما برحت من دارك ولا خرجت حتى سلّمتها إلى فلان الخادم وأخذت منه مائتي دينار. فسرّ بذلك وأمر لي بمائتي دينار أخرى وقال: هذه لجميل فعلك بي وتركك أخذ الجارية. «٧٧٢» - غذا أشعب جديا بلبن أمّه وغيرها حتى بلغ غاية. ومن مبالغته في ذلك أن قال لزوجته أمّ ابنه وردان: إني أحبّ أن ترضعيه بلبنك. قال: ففعلت. ثم جاء به إسماعيل بن جعفر بن محمد فقال: تالله إنّه لابني قد رضع بلبن زوجتي، وقد حبوتك به ولم أر أحدا يستأهله سواك. فنظر إسماعيل إلى قنّة من القنن، فأمر به فذبح وسمط. فأقبل عليه أشعب فقال: المكافأة، فقال: والله ما عندي اليوم شيء ونحن من تعرف، وذلك غير فائت لك. فلما أيس قام من عنده فدخل على أبيه جعفر، ثم اندفع يشهق حتى التقت أضلاعه ثم قال: أخلني، قال: ما معك أحد يسمع ولا عليك عين، قال: وثب إسماعيل ابنك على ابني فذبحه وأنا أنظر إليه. فارتاع جعفر وصاح: ويلك! وفيم؟ وتريد ماذا؟ قال له: أمّا ما أريد والله ما لي في إسماعيل حيلة، ولا يسمع هذا سامع بعدك أبدا. فجزاه خيرا وأدخله منزله وأخرج إليه مائتي دينار وقال له: خذ هذه، ولك عندنا ما تحبّ. قال: وخرج إلى إسماعيل لا يبصر ما يطأ عليه؛ وإذا به مسترسل في مجلسه. فلما رأى وجه أبيه أنكره وقام إليه، فقال: يا إسماعيل، فعلتها بأشعب؟ قتلت ولده. قال: فاستضحك وقال: جاءني بجدي من صفته، وخبّره الخبر. فأخبره أبوه بما كان منه وصار إليه. وكان جعفر ﵇ يقول لأشعب: رعتني راعك الله، فيقول: روعة ابنك والله بنا في الجدي أكثر من روعتك بالمائتي دينار. «٧٧٣» - ودعا الحسن بن الحسن بن عليّ أشعب فأقام عنده، وكان عند الحسن شاة، فقال لأشعب: أنا أشتهي أن آكل من كبد هذه الشاة، فقال له أشعب: بأبي

стр. 3315

أنت وأمي. أعطنيها وأنا أذبح لك أسمن شاة بالمدينة، فقال له: أخبرك أني أشتهي كبد هذه الشاة وتقول لي أسمن شاة بالمدينة؟ اذبح يا غلام، فذبحها وشوي له من كبدها وأطايبها فأكل. وقال من غد: يا أشعب، أنا أشتهي من كبد نجيبي هذا- لنجيب عنده ثمنه ألوف دراهم- فقال له أشعب: في ثمن هذا والله غناي، فأعطنيه وأنا والله أطعمك من كبد كلّ جزور بالمدينة. فقال: أخبرك أني أشتهي كبد هذا وتطعمني من غيره؟ يا غلام، انحر، فنحر النجيب وشوى كبده فأكلا. فلما كان اليوم الثالث قال له: يا أشعب، أنا والله أشتهي أن آكل من كبدك؛ قال: سبحان الله! أتأكل أكباد الناس؟ قال: قد أخبرتك، فوثب أشعب فرمى بنفسه من درجة عالية فانكسرت رجله، فقيل له: ويلك، أظننت أنّه يذبحك؟ فقال: والله لو أنّ كبدي وجميع أكباد العالمين اشتهاها لأكلها. وإنّما فعل الحسن ما فعل حيلة على أشعب وتوطئة للعبث به. ٧٧٤- وروي أنّ الرشيد ساوم في عنان جارية الناطفي، فبلغ ذلك أمّ جعفر فشقّ عليها، فدسّت إلى أبي نواس في أمرها فقال يهجوها: [من المنسرح] إنّ عنان النطّاف جارية ... أصبح حرها للنّيك ميدانا ما يشتريها إلا ابن زانية ... أو فلطبان يكون من كانا فبلغ الرشيد شعره فقال: لعن الله أبا نواس وقبّحه، فلقد أفسد عليّ لذّتي بما قال فيها، ومنعني من شرائها. «٧٧٥» - وقال الأصمعيّ: بعثت إليّ أمّ جعفر أنّ أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك. قال: وكنت أريغ لأن أجد للقول فيها موضعا فلا أجده ولا أقدم عليه هيبة له، إذ دخلت عليه يوما وفي وجهه أثر الغضب، فانخزلت. فقال: ما لك يا أصمعيّ؟ فقلت: رأيت في

стр. 3316

وجه أمير المؤمنين أثر غضب، فلعن الله من أغضبه. فقال: هذا الناطفيّ، والله لولا أني لم أجر في حكم قطّ متعمّدا لجعلت على كلّ جبل منه قطعة، وما لي في جاريته أرب غير الشّعر. فذكرت رسالة أمّ جعفر فقلت: أجل والله ما فيها غير الشّعر، أفيسرّ أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ فضحك حتى استلقى على قفاه، واتّصل قولي بأمّ جعفر، فأجزلت لي الجائزة. «٧٧٦» - ويروى أنّه لما استامها أبى أن يبيعها إلّا بمائة [١]- ألف دينار. ثم مات الناطفيّ، فروي أنّ الرشيد اشتراها من تركته بمائتين وخمسين ألف درهم، وخرج بها معه إلى خراسان وأولدها ابنين ماتا، ومات الرشيد وماتت عنان بعده. ٧٧٧- أمر زياد بضرب عنق رجل فقال: أيّها الأمير، إنّ لي بك حرمة، قال: وما هي؟ قال: إنّ أبي جارك بالبصرة، قال: ومن أبوك؟ قال: نسيت اسم نفسي فكيف اسم أبي؟ فردّ زياد كمّه إلى فيه وعفا عنه. ٧٧٨- ركب رجلا دين عجز عن أدائه، فقال له بعض غرمائه: أما أعلّمك حيلة تتخلّص بها على أن تقضيني؟ قال: لك ذلك. فتوثّق منه ثم قال له: كلّ من لقيك من غرمائك وغيرهم فلا تزد على النّباح عليه، فإنّك إن عرفت بذلك قالوا: ممسوس، فكفّوا عنك. ففعل، فلما كفّوا عنه أتاه معلّم الحيلة وقال: الشرط أملك، فنبح عليه، فقال: وعليّ أيضا؟ فلم يزده على النّباح حتى يئس منه وتركه. تمّ الجزء، ويتلوه الباب الثالث والأربعون والحمد لله والشكر دائما

стр. 3317

الباب الثّالث والأربعون في الكناية والتّعريض

стр. 3318

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * (وما توفيقي إلّا بالله) الحمد لله الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، عالم صريح القول من الكناية. لا يخفى عنه مكنون الغوامض، ولا يخادع في علمه بالمعارض، يعلم سرائر القلوب كعلم إعلانها، ويطّلع على مستقبل الغيوب عارفا بأوقاتها وأوانها. أحمده حمدا يؤدّي شكر آلائه ونعمه، وأعوذ به من نزول بلواه ونقمه، وأسأله توفيق ألسنتنا للنّطق الصائب، وسلامة قلوبنا من تورية المغلّ الموارب، وأن يجمعنا على الخير حتى يطابق فيه اللسان الضمير، ونبرأ من كدر التعمية والتغبير، وأن يصلّي على رسوله الأمين الصادق، العارف في لحن القول المؤمن من المنافق، وعلى آله وأصحابه أولي البصائر والحقائق.

стр. 3319

[بداية الباب الثالث والأربعون] (الباب الثالث والأربعون ما جاء في الكناية والتعريض والأحاجي والمعاياة والتّورية واستطراد الشعراء) «٧٧٩» - الكنايات لها مواضع. فأحسنها العدول عن الكلام الدّون إلى ما يدلّ على معناه في لفظ أبهى ومعنى أجلّ، فيجيء أقوى وأفخم في النفس؛ ومنه اشتقّت الكنية، وهو أن يعظّم الرجل فلا يدعى باسمه، أو وقعت على ضربين: لمن لا ولد له على سبيل التفاؤل أن يكون له ولد يدعى باسمه، أو على حقيقة أو يكنى باسم ابنه صيانة لاسمه. وقيل في قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً (طه: ٤٤) كناية. «٧٨٠» - فمن الكنية بغير الولد قول رسول الله ﵌ في عليّ ﵇: أبو تراب، وذلك أنّه نام في غزوة ذي العشيرة. فذهب به النوم، فجاءه رسول الله ﵌ وهو متمرّغ في البوغاء، فقال: اجلس أبا تراب. وكانت من أحبّ أسمائه إليه. «٧٨١» - وممّا يدلّ على إرادتهم التبجيل بالكنية قول البحتريّ: [من الخفيف] يتشاغفن بالصغير المسمّى ... موضعات وبالجليل المكنّى «٧٨٢» - وقال ابن الرومي: [من الطويل] بكت شجوها الدنيا فلما تبيّنت ... مكانك منها استبشرت وتثّنت

стр. 3320

وكان ضئيلا شخصها فتطاولت ... وكانت تسمى ذلّة فتكنّت «٧٨٣» - وإليه يشير أبو صخر الهذليّ: [من الطويل] أبى القلب إلّا حبّها عامريّة ... لها كنية عمرو وليس لها عمرو ووجه له ديباجة قرشيّة ... بها تدفع البلوى ويستنزل القطر [آيات وأحاديث] «٧٨٤» - ومن شأن العرب استعمال الكنايات في الأشياء التي يستحى من ذكرها قصدا منهم للتعفّف باللسان كما يتعفّف لسائر الجوارح. ألا ترى إلى ما أدّب الله به عباده في قوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (النور: ٣٠) . فقرن عفّة البصر بعفّة الفرج، وكذلك يقرن عفّة اللسان بعفّة البصر. «٧٨٥» - وفي التنزيل كنايات عجيبة عدل بها عن التصريح تنزيها عن اللّفظ المستهجن كقوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (البقرة: ٢٢٣) . قال أبو عبيدة: هو كناية، شبّه النساء بالحرث. وقوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا (فصلت: ٢١) قيل: هو كناية عن الفروج. وفي موضع آخر: ... شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (فصلت: ٢٠) . وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (البقرة: ١٨٧) ؛

стр. 3321

وقوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ (المائدة: ٧٥) . قال المفسّرون: هذا تنبيه على عاقبته وعلى ما يصير إليه وهو الحدث، لأنّ من أكل الطعام فلا بدّ أن يحدث، ثم قال: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ وهذا من ألطف الكناية. «٧٨٦» - ومن قوله : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ* (النساء: ٤٣، المائدة: ٦) . فالغائط: المطمئنّ من الأرض وكانوا يأتونه لحاجتهم فيستترون به عن الأماكن المرتفعة، ومن لم ير الوضوء من لمس النساء جعل الملامسة هاهنا كناية عن الفعل. «٧٨٧» - ومن الكنايات من كلام الرسول ﵌: إيّاكم وخضراء الدّمن. قال بعضهم: يريد المرأة الحسناء في المنبت السّوء. وتفسير ذلك أنّ الريح تجمع الدّمن وهو البعر في البقعة من الأرض، ثم يركبه الساقي؛ فإذا أصابه المطر نبت نبتا غضّا يهتزّ تحته الدّمن الخبيث. يقول: فلا تنكحوا هذه المرأة لجمالها ومنبتها خبيث كالدّمن، فإنّ أعراق السوء تنتزع أولادها. والتفسير الآخر معنى قول زفر بن الحارث: [من الطويل] وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا يقول: تحت الظاهر من البشر الحقد والسخيمة، وهكذا الدّمن الذي يظهر فوقه النبت مهتزّا وتحته الفساد. «٧٨٨» - وقوله ﵌: الآن حمي الوطيس. قال: هو لمّا جال المسلمون يوم حنين ثم ثابوا واختلط الضّرب، وهو منتصب مشرف في

стр. 3322

ركائبه على بغلته الشّهباء، والوطيس: حفيرة تحفر في الأرض شبيهة بالتنّور يختبز فيها، والجمع وطس. ٧٨» - قال الحسن: لبث أيوب ﵇ في المزبلة سبع سنين، وما على الأرض يومئذ خلق أكرم على الله منه، فما سأل العافية إلا تعريضا: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (الأنبياء: ٨٣) . «٧٩٠» - والعرب تكني عن الفعلة المستقذرة بألفاظ كلّها كنايات منها: الرجيع والنّجو والبراز والغائط والحشّ. فبعض هذه الألفاظ يراد بها نفس الحدث. ولذلك استعملوا في إتيان النساء المجامعة والمواقعة والمباضعة والمباشرة والملامسة والمماسّة والخلوة والإفضاء والغشيان والتغشّي، كلّ هذه الألفاظ مذكورة في القرآن. المباضعة اشتقّت من التقاء البضعين، والبضع: اللحم. والمباشرة اشتقّت من التقاء البشرين، والبشر: ظاهر الجلد. [من الكنايات البديعة واللطيفة] (٧٩١- ومن الكنايات البديعة:) قال الشاعر: [من السريع] آليت لا أدفن قتلاكم ... فدخنوا المرء وسرباله يقول: إذا طعنه أحدث في سرجه فأغرب في الكناية وأبعد. «٧٩٢» - وروي أن رجلا من بني العنبر حصل أسيرا في بكر بن وائل، وعزموا على غزو قومه، فسألهم رسولا إلى قومه، فقالوا: لا ترسل إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم. وجيء بعبد أسود فقال له: تعقل؟ قال: نعم إني لعاقل. قال:

стр. 3323

ما أراك عاقلا، ثم أشار بيده إلى الليل فقال: ما هذا؟ قال: الليل، قال: أراك عاقلا، ثم ملأ كفّيه من الرمل فقال: كم هذا؟ فقال: لا أدري وإنّه لكثير، قال: أيما أكثر النجوم أم النيران؟ قال: كلّ كثير. قال: أبلغ قومي التحيّة وقل لهم ليكرموا فلانا- يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر- فإنّ قومه لي مكرمون، وقل لهم: إنّ العرفج قد أدبى وشكّت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبهم إيّاها، وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معكم حيسا، واسألوا عن خبري أخي الحارث. فلما أدّى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملا أصهب. ثمّ سرّحوا العبد ودعوا الحارث فقصّوا عليه فقال: أنذركم؛ أما قوله: قد أدبى العرفج يريد أنّ الرجال قد استلأموا ولبسوا السلاح. وقوله: شكّت النساء أي اتّخذن الشّكاء للسفر، وقوله: الناقة الحمراء أي ارتحلوا عن الدّهناء واركبوا الصّمّان وهو الجمل الأصهب، وقوله: أكلت معكم حيسا أي أخلاط من الناس وقد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا ما قال وعرفوا لحن كلامه. ٧٩٣- ومن هذا الفنّ قوله تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (محمد: ٣٠) . «٧٩٤» - وقوله ﷺ : لعلّ أحدكم ألحن بحجّته، أي أغوص عليها. «٧٩٥» - بعث بشامة بن الأعور إلى أهله ثلاثين شاة ونحيا صغيرا فيه سمن، فسرق الرسول شاة واحدة وأخذ من رأس النّحي شيئا من السمن. فقال لهم الرسول: ألكم حاجة أخبره بها؟ قالت امرأته: أخبره أن الشهر محاقّ، وأنّ جدينا الذي كان يطالعنا وجدناه مرثوما. فارتجع منه الشاة والسمن.

стр. 3324

«٧٩٦» - ومن التخلّص المليح المتوصل إليه بالكناية ما روي عن عديّ بن حاتم بن عبد الله الطائيّ قال يوما في حقّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط: ألا تعجبون لهذا أشعر بركا متولي قبل هذا المصر؟ والله ما يحسن أن يقضي بين تمرتين. فبلغ ذلك الوليد فقال على المنبر: أنشد الله رجلا سمّاني أشعر بركا إلّا قام. فقام عديّ بن حاتم فقال: أيّها الأمير، إنّ الذي يقوم فيقول: أنا سميتك أشعر بركا لجريء، فقال له: اجلس أبا طريف فقد برّأك الله منها. فجلس وهو يقول: والله ما برّأني الله منها. والأصمعي يزعم أنّ زيادا هو الذي كان يسمّى أشعر بركا. والبرك: الصّدر. وكان زياد أشعر الصّدر. «٧٩٧» - أسرت طيّء غلاما من العرب، فقدم أبوه ليفديه، فاشتطّوا عليه فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبلي طيّء، ما عندي غير ما بذلته. ثم انصرف وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خير فهمه، كأنّه قال: الزم الفرقدين على جبلي طيّء، ففهم الابن تعريضه وطرد إبلا لهم من ليلته ونجا. «٧٩٨» - ومن البلاغة والتنقّل في الكلام إلى حيث شاء بلطيف الكناية ما روي عن واصل بن عطاء وكان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، وكان يخلّص كلامه منها، ولا يفطن بذاك لاقتداره وسهولة ألفاظه، وفيه يقول الشاعر: [من البسيط] ويجعل البر قمحا في تصرّفه ... وخالف الرأي حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر

стр. 3325

فممّا يحكى عنه أنّه قال- وأراد بشّارا: ما لهذا الأعمى الملحد المكنّى بأبي معاذ، من يقتله؟ والله لولا الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسيّا أو عقيليّا، ذكر هاتين القبيلتين لأنّ بشارا كان نازلا في بني سدوس ويتولّى بني عقيل، ثم لم يقل بشار ولا ابن برد ولا الضرير، ولم يقل أرسلت، ولا فراشه. «٧٩٩» - ومن الكنايات الدقيقة والاستعارات الرشيقة ألفاظ كان يوردها أحمد بن محمد بن محمد الغزّالي الواعظ على طريق الصوفية فيغرب فيها، فمنها: ماجت بحار التشبيه في قلب الخليل. ونقطة خاء الخلّة تبرز من صميم صفا. صدر كمين القلب فيقول: لا أحبّ الآفلين. صاحب اليرقان يرى العالم كلّه أصفر. كان بإبراهيم يرقان العشق فكلّ شيء رآه ظنّه المحبوب. [من البسيط] ومستطيل على الصهباء باكرها ... في فتية باصطباح الراح حذّاق يمضي بها ما مضى من عقل صاحبها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي فكلّ شيء رآه ظنّه قدحا ... وكلّ شخص رآه ظنّه الساقي «٨٠٠» - ومن كلامه: عزازيل وجد في باب الرحمة زحمة، طلب ما لا رحمة فيه. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (ص: ٧٨) . [من الطويل] لئن ساءني ذكراك لي بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالك «٨٠١» - كانت عليّة بنت المهدي تهوى خادما اسمع طلّ، فكانت تكنّي في شعرها عنه، فمن ذلك قولها وقد صحّفت اسمه: [من الطويل]

стр. 3326

أيا سروة البستان طال تشوّقي ... فهل لي إلى ظلّ إليك سبيل ومنه قولها: [من الكامل المجزوء] خلّيت جسمي ضاحيا ... وسكنت في ظلّ الحجال وحلف الرشيد أن لا تكلّم طلّا ولا تذكره في شعرها، فاطلع عليها يوما وهي تقرأ في آخر سورة البقرة: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فيما نهى عنه أمير المؤمنين. فدخل إليها وقبّل رأسها وقال: قد وهبت لك طلّا ولا أمنعك بعدها من شيء تريدينه. ثم عشقت خادما يقال له رشا، وكانت تكنّي عنه في شعرها بريب في قافية منصوبة، فعلم بذلك فقالت: [من السريع] القلب مشتاق إلى ريب ... يا ربّ ما هذا من العيب «٨٠٢» - كان شريح عند زياد وهو مريض، فلما خرج من عنده أرسل مسروق إليه رسولا وقال: كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهى. قال مسروق: إنّه صاحب عويص، فارجع إليه واسأله: ما يأمر وينهى؟ قال: يأمر بالوصية وينهى عن النوح. «٨٠٣» - وتقدّم إلى شريح قوم فقالوا: إنّ هذا خطب إلينا فقلنا له: ما تبيع؟ قال: أبيع الدواب، فإذا هو يبيع السنانير، قال: أفلا قلتم له: أيّ الدواب؟ وأجاز النكاح. «٨٠٤» - كان رجل يجلس إلى الشعبيّ يقال له: حبيس، فتحدّث الشعبيّ يوما فقال له حبيس: ما أحوجك إلى محدرج شديد الفتل ليّن المهزة عظيم

стр. 3327

التمرة، قد أخذ من عجب ذنب إلى مغرز عنق، فيوضع على مثل ذلك منك فتكثر له رقصاتك من غير جذل، قال: وما هو يا أبا عمرو؟ قال: هو والله أمر لنا فيه أرب ولك فيه أرب. «٨٠٥» - خطب رجل إلى قوم فجاءوا إلى الشعبيّ يسألونه عنه، وكان به عارفا فقال: هو والله ما علمت نافذ الطعنة ركين الجلسة، فزوّجوه فإذا هو خيّاط. فأتوه فقالوا: غررتنا، فقال: ما فعلت وإنّه لكما وصفت. «٨٠٦» - دخل رجل على عيسى بن موسى بالكوفة يكلّمه، وحضر عبد الله بن شبرمة فأعانه وقال: أصلحك الله فإنّ له شرفا وبيتا وقدما. فقيل لابن شبرمة: أتعرفه؟ قال: لا، قال: فكيف أثنيت عليه؟ قال: إنّ له شرفا أي أذنين ومنكبين، وبيتا يأوي إليه، وقدما يطأ عليه. «٨٠٧» - خطب باقلانيّ إلى قوم وذكر أن الشعبيّ يعرفه، فسألوه عنه، فقال: إنّه لعظيم الرماد كثير الغاشية. «٨٠٨» - وأخذ العسس رجلا فقالوا له: من أنت؟ فقال: [من الطويل] أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود فظنّوه من أولاد الأكابر، فلما أصبح سئل عنه فقيل: هو ابن باقلاني. ٨٠٩- وروي أنّ جميلا أراد زيارة بثينة فلقي أعرابيا من بني حنظلة، فقال له: هل لك في خير تصطنعه إليّ؟ فإن بيني وبين هؤلاء القوم ما يكون بين بني العمّ، فإن رأيت أن تأتيهم فإنّك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم بكرة أدماء تجر خفّها غفلا من السّمرة، فإن ذكروا لك شيئا فذاك، وإلا استأذنهم في

стр. 3328

البيوت وقل: إنّ المرأة والصبيّ قد يريان ما لا يرى الرجال، فتنشدهم، ولا تدع أحدا تصيبه عينك عنك، ولا بيتا من بيوتهم إلا نشدتها فيه. قال الرجل: فأتيت القوم فإذا هم في جزور يقسمونها، فسلّمت وفعلت ما قال، واستأذنتهم في البيوت فأتيتها بيتا بيتا فلم يذكروا شيئا حتى انتصف النهار، وفرغت من البيوت، وذهبت لأنصرف، فإذا بثلاثة أبيات، فقلت: ما عند هؤلاء إلا ما عند غيرهم، ثم تذمّمت فانصرفت عائدا إلى أعظمها بيتا فذكرت لهم ضالّتي، فقالت جارية منهم: يا عبد الله، ما أظنّك إلا قد اشتدّ عليك الحرّ واشتهيت الشراب، قلت: أجل، قالت: ادخل. فأضافتني وأكرمت، فأتيت عليها ثم قلت: يا أمة الله، هل ذكرت في ضالّتي ذكرا؟ قالت: أترى هذه الشجرة فوق الشرف؟ قلت: نعم، قالت: فإنّ الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها، ثم حال الليل بيني وبينها. فرجع الرجل إلى جميل فعرف لحن الكلام وأتاها ليلا فحادثها. ٨١٠- وروي أنّ لقاءها تعذّر عليه لمراعاة أبيها وزوجها لها. فنزل بهم قوم من قريش فأحسن قراهم، فقال له أحدهم: هل لك حاجة؟ قال: نعم، تنزل بأبي بثينة وتبيت عنده، فإذا وجدت غفلة قلت له: إنّ لي غريما وعدني وحلف لي ألا أطلبه ولا أرسل إليه إلا أتاني وقد طال مطله إيّاي، وهو رجل منكم، وأريد أن تعينني عليه، فإنّها ستجيبك بوعد تحصّله لي. ففعل القرشيّ ذلك، وخاطب أباها به، فقالت بثينة: يا أبه، قد رأيت هذا الفتى القرشيّ ملازما لرجل يطالبه بحقّ له في وقت مساء تحت شجرات بأعلى الوادي، ولست أعرف الرجل بعينه لأنه كان في وقت مظلم، فقال له أبوها: إذا غدوت عليه وطالبته عاونتك وكرامة. فلما أصبح مضى إلى جميل فأخبره الموعد فتوافيا فيه. «٨١١» - كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج: أنت عندي كسالم، فلم يدر

стр. 3329

ما هو، فكتب إلى قتيبة يسأله، فكتب إليه: إن الشاعر يقول: [من الطويل] يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم «٨١٢» - وكتب إليه مرّة أخرى: أنت عندي قدح ابن مقبل، فلم يدر ما هو، فكتب إلى قتيبة فكتب إليه قتيبة: إنّ ابن مقبل نعت قدحا له فقال: [من الطويل] غدا وهو مجدول وراح كأنّه ... من المشّ والتقليب بالكفّ أفطح خروج من الغمّى إذا صكّ صكّة ... بدا والعيون المستكفّة تلمح المشّ: المسح، ومنه: نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ومنه قيل: لمنديل الغمر مشوش. [كنايات الفقهاء في الإيمان] «٨١٣» - قال بعض الشيعة لبعض الخوارج: أنا من عليّ ومن عثمان بريء. فظاهر كلامه البراءة منهما، وأراد: أنا من عليّ وإليه، أتولاه، وبريء من عثمان وحده. «٨١٤» - ورسمت الفقهاء في أيمانهم عند الشيء يتوقّى شرّه، أو لإصلاح أمر معاد أو معاش. فمن ذلك: (١) كلّ مالا أملكه- على أنه لاحن- ومعناه ما لن أملكه. (٢) وقولهم: واللاه ما فعلت، على فاعل من اللهو، وأشباه ذلك على أن ينويه الإنسان بضميره ويتحرّى قصده. (٣) ويقال: ما رأيت فلانا: أي ما ضربت رئته؛ ولا كلمته من الكلوم، على تكرّر الفعل.

стр. 3330

«٨١٤» .- (٤) ولا أمليت هذا الكتاب ولا قرأته من قوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً (آل عمران: ١٧٨) . وقرأت: جمعت. (٥) وما رأيت جعفرا ولا كلّمت سريّا. فالجعفر: النهر الكبير، والسريّ: النهر الصغير. (٦) وما رأيت ربيعا ولا كلّمته. فالربيع حظّ الأرض من الماء في كلّ ربع يوم وليلة، والربيع: النهر. (٧) وما كلّمت عمر. والعمر عمور الإنسان. (٨) وما وطئت لفلان أرضا ولا دخلتها. فالأرض باطن الحافر، قال الشاعر: [من الطويل] إذا ما استحمّت أرضه من سمائه (٩) وما أخذت من فلان عسلا ولا خلّا. فالعسل من عسلان الذئب، والخلّ: الطريق في الرمل. (١٠) وما رأيت كافرا ولا فاسقا. فالكافر: السحاب، والكافر: الليل، والكافر أيضا: الذي يغطيه سلاحه ويستره. والفاسق: الذي يجرّد من ثيابه. (١١) ويقال: ما عرفت لفلان طريقا. فالطريق: النّخل الذي لا ينال باليد. (١٢) وما أمرت فلانا: أي ما صيّرته أميرا؛ وما أحببت كذا، من أحبّ البعير إذا برك.
следующие страницы →