خلافة الله في هارون ثابتة ... وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور
إرث النبيّ لكم من دون غيركم ... حقّ من الله في القرآن مسطور
فقال: يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.
«٣١٢» - مدح شاعر زبيدة فقال: [من الكامل المجزوء]
أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكفّ من الرغاب
فتبادر العبيد ليوقعوا به، فقالت زبيدة: كفوا عنه فلم يرد إلا خيرا، ومن أراد خيرا فاخطأ خير ممن أراد شرا فأصاب؛ سمع الناس يقولون وجهك أحسن من وجه غيرك، وشمالك أندى من يمنى سواك، وقدّر أن هذا مثل ذاك، أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.
«٣١٣» - تقلّد فرج الرخجي الأهواز، واتصلت السعايات به، وتظلمت رعيّته منه فصرفه الرشيد بمحمد بن أبان الأنباري؛ قال مطير [١] بن سعيد كاتب فرج: فأحضره الرشيد وحضرنا معه، ولسنا نشك في إيقاعه به وإزالة نعمته، فوقفنا ننتظره يخرج على حال نكرهها، إذ خرج وعليه الخلع، فلما خلا سألته عن خبره فقال لي: دخلت إليه ووجهه في الحائط [٢] وظهره إليّ، فلما أحسّ بي شتمني أقبح شتم، وتوعّدني أشدّ توعّد، ثم قال لي: يا ابن الفاعلة رفعتك فوق قدرك، وائتمنتك فخنتني، وسرقت مالي، وفعلت وصنعت،
стр. 597
لأفعلنّ ولأصنعنّ، فلما سكن قلت له: القول قول سيدي، أمّا ما قال في إنعامه عليّ فهو صحيح وأكثر منه، وحلفت له بأيمان أكدتها [١] لقد نصحت وما سرقت، ووفّرت وما خنت، واستقصيت في طلب حقوقه من غير ظلم، ولكني كنت إذا حضرت أوقات الغلات جمعت التجار وناديت عليها، فإذا تقررت العطايا أنفذت البيع، وجعلت لي مع التجار حصة، فربما ربحت وربما وضعت، إلى أن جمعت [٢] من ذلك وغيره في عدة سنين عشرة آلاف ألف درهم، فاتخذت أزجا كبيرا فأودعته المال وسددته عليه، فخذه وحوّل وجهك إليّ، وكررت القول والحلف على صدقي، فقال لي: بارك الله لك في مالك، فارجع إلى عملك.
«٣١٤» - قال الجاحظ: ليس نفس تصبر على مضض الحقد ومطاولة الأيّام صبر الملوك، أشهد لكنت من الرشيد وهو متعلّق بأستار الكعبة بحيث يمسّ ثوبي ثوبه ويدي يده، وهو يقول في مناجاته: اللهمّ إني أستخيرك في قتل جعفر، ثم قتله بعد ذلك بستّ سنين.
«٣١٥» - قال ابن عبّاس لمعاوية: هل لك في مناظرتي فيما زعمت؟
قال: وما تصنع بذلك؟ فأشغب بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لا
стр. 598
ينفعك، ويبقى في قلبي ما يضرّك.
«٣١٦» - كان ابن عون إذا وجد على إنسان وبلغ منه قال له: بارك الله فيك، وكانت له ناقة كريمة عليه، فضربها الغلام فأندر عينها فقالوا: إن غضب ابن عون فهو يغضب اليوم، فقال للغلام: غفر الله لك.
٣١٧- ويقال: انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟ وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟
«٣١٨» - بينا أبو العبّاس السفّاح يحدّث أبا بكر الهذلي، فعصفت الريح فأذرت طستا من سطح إلى المجلس، فارتاع من حضر ولم يتحوّل الهذليّ ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح، فقال: ما أعجب شأنك يا هذلي!! فقال:
إن الله تعالى يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
(الأحزاب:
٤) وإنما لي قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، فلو انقلبت الخضراء على البيضاء ما أحسست بها ولا وجمت لها، فقال السفاح: لئن بقيت لأرفعنّ منك ضبعا لا تطيف [١] به السّباع ولا تنحطّ عليه العقبان.
«٣١٩» - وقال معاوية، يغلب الملك حتى يركب بالحلم عند سورته والاصغاء إلى حديثه.
ومن الشرف والرياسة حفظ الجوار وحمي الذمار:
وكانت العرب ترى ذلك دينا تدعو إليه، وحقا واجبا تحافظ عليه.
стр. 599
«٣٢٠» - كان أبو سفيان بن حرب إذا نزل بن جار قال: يا هذا إنك اخترتني جارا، واخترت داري دارا، فجناية يدك عليّ دونك، وإن جنت عليك يد فاحتكم حكم الصبيّ على أهله.
«٣٢١» - وذكر أبو عبيدة أن رجلا من السواقط من بني أبي بكر بن كلاب- والسواقط من قدم اليمامة ووردها من غير أهلها- قدم اليمامة ومعه أخ له، فكتب له عمير بن سلميّ أنه جار له، وكان أخو هذا الكلابي جميلا، فقال له قرين أخو عمير: لا تردنّ أبياتنا هذه بأخيك هذا؛ فرآه بعد بين أبياتهم فقتله، قال أبو عبيدة: وأما المولى فذكر أن قرينا أخا عمير كان يتحدّث إلى امرأة أخي الكلابيّ، فغيّر ذلك عليه زوجها فخافه قرين فقتله، وكان عمير غائبا، فأتى الكلابيّ قبر سلميّ أبي عمير وقرين فاستجار به وقال:
[من الكامل]
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر ... زيد بن يربوع وآل مجمّع
وأتيت سلميّا فعذت بقبره ... وأخو الزمانة عائذ بالأمنع
أقرين إنّك لو رأيت فوارسي ... بعمايتين إلى جوانب ضلفع [١]
حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغلّ الإصبع
(الإصبع موضعها ها هنا موضع اليد، يقال: لفلان عليك يد، وله عليك إصبع، والمراد النعمة، والعرب تقول: هو مغلّ الإصبع من أغل إذا خان وهو الذي يخدّ بإصبعه حتى يستسيل الودك) [٢] .
стр. 600
فلجأ قرين إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة، فحمل قتادة إلى الكلابيّ ديات مضاعفة، وفعلت وجوه بني حنيفة مثل ذلك، فأبى الكلابيّ أن يقبل؛ فلما قدم عمير قالت له أمه، وهي أم قرين: لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابيّ جميع ماله، فأبى الكلابيّ أن يقبل وقد لجأ قرين إلى خاله السمين بن عبد الله، فلم يمنع عميرا منه، فأخذه عمير فمضى به حتى قطع الوادي فربطه إلى نخلة وقال للكلابيّ: أما إذ أبيت إلا قتله فأمهل حتى أقطع الوادي، وارتحل عن جواري فلا خير لك فيه، فقتله الكلابيّ، ففي ذلك يقول عمير: [من الطويل]
قتلنا أخانا بالوفاء لجارنا ... وكان أبونا قد تجير مقابره
وقالت أم عمير: [من الوافر]
تعدّ معاذرا لا عذر فيها ... ومن يقتل أخاه فقد ألاما
«٣٢٢» - جاور عروة بن مرّة أخو أبي خراش الهذلي ثمالة من الأزد، فجلس يوما بفناء بيته آمنا لا يخاف شيئا، فاستقبله رجل منهم بسهم فقصم صلبه، ففي ذلك يقول أبو خراش: [من الكامل]
لعن الإله وجوه قوم رضّع ... غدروا بعروة من بني بلّال
وأسر خراش بن أبي خراش، أسرته ثمالة، فكان فيهم مقيما، فدعا آسره رجلا منهم يوما للمنادمة، فرأى ابن ابي خراش موثقا في القدّ، فأمهل حتى قام الآسر لحاجة، فقال المدعوّ لابن أبي خراش: من أنت؟ فقال:
ابن أبي خراش فقال: كيف دلّيلاك؟ فقال: قطاة، قال: فقم فاجلس
стр. 601
ورائي، وألقى عليه رداءه، ورجع صاحبه، فلما رأى ذلك أصلت له بالسيف وقال له: أسيري، فنثل المجير كنانته وقال: والله لأرمينّك إن رميته، فإني قد أجرته، فخلّى عنه؛ فنجا إلى أبيه فقال له: من أجارك؟ قال: والله ما أعرفه، فقال أبو خراش: [من الطويل]
حمدت الهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشرّ أهون من بعض
يقول فيها:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض
«٣٢٣» - وكان الفرزدق شريفا، وكان يجير من عاذ بقبر أبيه غالب بن صعصعة، فممن استجار بقبره فأجاره امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر أن يسمّيها ويسبّها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسما ولا نسبا، ولكن قال في كلمته التي يهجو فيها بني جعفر بن كلاب:
[من الطويل]
عجوز تصلّي الخمس عاذت بغالب ... فلا والذي عاذت به لا أضيرها
«٣٢٤» - ومن ذلك أنّ الحجاج لما ولّى تميم بن زيد القيني السنّد، دخل البصرة فجعل يخرج من أهلها من شاء، فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت:
إني استجرت بقبر أبيك، وأتت منه بحصيّات، فقال: ما شأنك؟ قالت:
إن تميم بن زيد خرج بابن لي معه، ولا قرّة لعيني ولا كاسب عليّ غيره، فقال لها: وما اسم ابنك؟ قالت: حبيش، فكتب إلى تميم مع بعض من
стр. 602
شخص: [من الطويل]
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي ... بظهر ولا يعيا عليّ جوابها
وهب لي حبيشا واحتسب منه منّة ... لعبرة أمّ ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالب ... وبالحفرة السافي عليها ترابها
وقد علم الأقوام أنك ماجد ... وليت إذا ما الحرب شبّ شهابها
فلما ورد الكتاب على تميم تشكّك في الاسم فقال: أحبيش أم خنيس؟
فقال: انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا، فأصيب ستة ما بين حبيش وخنيس، فوجّه بهم إليه.
«٣٢٥» - ومنهم مكاتب لبني منقر، ظلع بمكاتبته فأتى قبر غالب فاستجار به، وأخذ منه حصيّات فشدّهنّ في عمامته، ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره وقال: إني قد قلت شعرا، فقال: هاته، فقال: [من الطويل]
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما ... خشيت الردى أو أن أردّ على قسر
بقبر امرىء تقري المجير [١] عظامه ... ولم يك إلا غالبا ميّت يقري
فقال لي استقدم أمامك إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
فقال له الفرزدق ما اسمك؟ قال: لهذم، قال: يا لهذم، حكمك مشتطا [٢] ، قال: ناقة كوماء سوداء الحدقة [٣] ، قال: يا جارية اطرحي إلينا حبلا، ثم قال: يا لهذم اخرج بنا إلى المربد فألقه في عنق ما شئت، فتخيّر العبد على عينه، ثم رمى بالحبل في عنق ناقة، وجاء صاحبها فقال له
стр. 603
الفرزدق: اغد عليّ [في] ثمنها، قال: فجعل لهذم يقودها والفرزدق يسوقها حتى إذا نفذ بها من البيوت إلى الصحراء صاح به الفرزدق: يا لهذم قبّح الله أخسرنا.
«٣٢٦» - كان أحمد بن أبي داود من المتقدمين في علوّ الهمة وحفظ الجوار، قال أبو العيناء: كان سبب اتصالي بأحمد بن أبي داود أن قوما من أهل البصرة عادوني وادّعوا عليّ دعاوى كثيرة، منها أنني رافضي، فاحتجت إلى أن خرجت عن البصرة إلى سرّ من رأى، وألقيت نفسي على ابن أبي داود وكنت نازلا في داره أجالسه في كلّ يوم، وبلغ القوم خبري فشخصوا نحوي إلى سرّ من رأى، فقلت له: إنّ القوم قد قدموا من البصرة يدا عليّ، فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
(الفتح: ١٠) فقلت: إن لهم مكرا، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
(الأنفال: ٣٠) فقلت هم كثيرون، فقال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
(البقرة:
٢٤٩) فقلت: لله درك أيها الأمير فأنت والله كما قال الصّموت الكلابيّ:
[من الكامل]
لله درّك أي جنّة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان
متخمّط يطأ الرجال غلبّة ... وطء العتيق دوارج [١] القردان
ويكبّهم حتى كأنّ رؤوسهم ... مأمومة [٢] تنحطّ للغربان
ويفرّج الباب الشديد رتاجه ... حتى يصير كأنه بابان
فقال لابنه الوليد: اكتب هذه الأبيات، فكتبها بين يديه.
قال الصولي: حفظي عن أبي العيناء الصموت الكلابيّ على أنه رجل،
стр. 604
وقال لي وكيع: حفظي أنها الصموت الكلابيّة، على أنها امرأة.
«٣٢٧» - والعرب تضرب المثل بجار أبي داود، وهو أبو داود الإيادي، حلّ جارا للحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان فأعطاه عطايا كثيرة، ثم مات ابن أبي داود وهو في جواره فوداه، فمدحه أبو داود، فحلف الحارث أنّه لا يموت له ولد إلا وداه، ولا يذهب له مال إلا أخلفه، فذلك قول قيس ابن زهير: [من الوافر]
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي داود
«٣٢٨» - تزوج مروان بن الحكم أمّ خالد بن يزيد بن معاوية، فقال مروان لخالد يوما، وأراد أن يصغّر به: يا ابن الرطبة، فقال له خالد: الأمير مخبر وأنت أعلم بهذا، ثم أتى أمّه فأخبرها وقال: أنت صنعت بي هذا، فقالت: دعه فإنه لا يقولها لك بعد اليوم، فدخل عليها مروان فقال لها: هل أخبرك خالد بشيء، فقالت: يا أمير المؤمنين خالد أشدّ تعظيما لك من أن يذكر لي شيئا جرى بينك وبينه. فلما أمسى وضعت مرفقة على وجهه، وقعدت هي وجواريها عليها حتى مات، فأراد عبد الملك قتلها، وبلغها ذلك فقالت:
أما إنه أشدّ عليك أن يعلم الناس أن أباك قتلته امرأة، فكفّ عنها. فهذه امرأة حميت أن سبّها ذو أمرها حتى انتصرت وكشفت العار عن ولدها.
«٣٢٩» - قال العتبي: حمل زياد من البصرة مالا إلى معاوية، ففزعت
стр. 605
بنو تميم والأزد إلى مالك بن مسمع، وكانت ربيعة مجتمعة عليه كاجتماعها على كليب في حياته، واستغاثوا به وقالوا: يحمل المال ونبقى بلا عطاء، فركب مالك في ربيعة، واجتمع إليه الناس، فلحق بالمال فردّه وضرب الفسطاط بالمربد، وأنفق المال في الناس حتى وفّاهم عطاءهم وقال: إن شئتم الآن أن تحملوا فاحملوا، فما راجعه زياد في ذلك بحرف.
«٣٣٠» - ولما ولي حمزة بن عبد الله بن الزبير البصرة جمع مالا ليحمله إلى أبيه، فاجتمع الناس إلى مالك واستغاثوا به، ففعل مثل فعله بزياد، فقال العديل بن الفرخ العجلي في ذلك: [من الطويل]
إذا ما خشينا من أمير ظلامة ... دعونا أبا غسان يوما فعسكرا
ترى الناس أفواجا إلى باب داره ... إذا شاء جاءوا دارعين وحسّرا
«٣٣١» - ومن أنواعه ما فعله هاشم بن عبد مناف في اعتقاد قريش (واعتفادها أن أهل البيت منهم كانوا إذا سافت [١] أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض، وضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تتاموا [٢] فيها حتى يموتوا من قبل أن يعلم بخلّتهم، حتى نشأ هاشم وعظم قدره في قومه) فقال: يا معشر قريش، إنّ العز مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالا وأعزّهم نفرا، وإن هذا الاعتقاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأيا؛ قالوا:
رأيك رشد [٣] فمرنا نأتمر؛ قال رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل
стр. 606
غنيّ فأضمّ إليه فقيرا عياله بعدد عياله، فيكون مؤازره [١] في الرحلتين: رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغنيّ من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعا للاعتقاد، قالوا: فإنك نعم ما رأيت. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله بهم ما أنزل، كان ذلك مفتاح النبوّة وأوّل عزّ قريش حتى هابهم الناس كلهم وقالوا: أهل الله والله يمنعهم [٢] ، وكان مولد رسول الله ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله صلّى الله عليه وآله، وكان فيما أنزل عليه وهو يعرّف قومه ما صنع بهم وما نصرهم من الفيل وأهله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
(الفيل: ١) إلى آخر السورة. ثم قال: ولم فعلت ذلك يا محمد بقومك، وهم يوم فعلت ذلك بهم أهل عبادة أوثان لا يعبدونني، ولا يحلّون لي ولا يحرّمون، فنصرتهم كما أنصر أوليائي وأهل طاعتي، ثم أخبره لم فعل ذلك، فقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ
(قريش: ١) إلى آخر السورة أي لتراحمهم وتواصلهم، وإن كانوا على شرك، وكان الذي أمنتهم منه من الخوف خوف الفيل وأصحابه، وإطعامه إياهم من الجوع، من جوع [٣] الاعتقاد.
«٣٣٢» - مروان بن أبي حفصة: [من الطويل]
هم يمنعون الجار حتى كأنّما ... لجارهم بين السماكين منزل
стр. 607
«٣٣٣» - نهشل: [من الطويل]
وجار منعناه من الضّيم والعدى ... وجيران أقوام بمدرجة النمل
«٣٣٤» - ابن نباتة: [من البسيط]
ولو يكون سواد الشعر في ذممي [١] ... ما كان للشيب سلطان على القمم
«٣٣٥» - قال علي بن محمد المدائني [٢] : كان رجل من الشيعة يسعى في فساد الدولة، فجعل المهديّ لمن دلّ عليه أو أتى به مائة ألف درهم، فأخذه رجل ببغداد، فأيس من نفسه، فمرّ به معن بن زائدة فقال له: يا أبا الوليد أجرني أجارك الله، فقال معن للرجل: مالك وماله؟ قال هذا طلبة أمير المؤمنين، قال: خلّ سبيله، قال: لا أفعل، فأمر معن غلمانه فأخذوه، وأردفه بعضهم، ومضى الرجل إلى سّلام الأبرش فأخبره بالقصة، وقال له:
إنّ معنا قال له إن طلبه أمير المؤمنين فأعلمه أنه عندي، فلم يضع معن ثيابه حتى أتاه رسول المهديّ، فركب وقال لغلمانه: اذهبوا، ولأهل بيته ومواليه:
كونوا دونه ولا يصل أحد إلى هذا الرجل ومنكم عين تطرف؛ فلما دخل على المهدي قال: يا معن أتجير عليّ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قتلت في طاعتكم في يوم واحد خمسة آلاف رجل، هذا إلى أيام كثيرة قد تقدّمت فيها طاعتي وسبق فيها بلائي، أفما تروني أهلا أن تجيروا لي رجلا واحدا استجار
стр. 608
بي؟ فاستحيا المهدي وأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: قد أجرنا يا أبا الوليد من أجرت، قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يحبو جاري فيكون قد أحياه وأغناه، قال: وقد أمرنا له بخمسين ألف درهم، قال: يا أمير المؤمنين ينبغي أن تكون صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية، وإنّ ذنب الرجل عظيم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجزل صلته، قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم، فقال: ان رأى أمير المؤمنين أن يهنّئه بتعجيلها، قال: تحمل بين يديه، فرجع إلى منزله فدعا بالرجل ووعظه وقال: لا تتعرض لمساخط الخلفاء، ودفع إليه المال.
«٣٣٦» - كان جعفر بن أبي طالب يقول لأبيه: يا أبه إني لأستحيي أن أطعم طعاما وجيراني لا يقدرون على مثله، فكان أبوه يقول له: إني لأرجو أن يكون فيك خلف من عبد المطلب.
«٣٣٧» - نزل الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بقوم فقروه، فأغير على بعضهم، فركب في نفير [١] معه فاستنقذهم وقال [٢] : [من البسيط]
ناديتهم حين صمّوا عن مناشدتي ... صمّ القنا زعزعت أطرافه الخرق
وكم ترى يوم ذاكم من مولولة ... إنسان مقلتها في دمعها غرق
«٣٣٨» - استنصر سبيع بن الخطيم التيمي زيد الفوارس الضبيّ فنصره
стр. 609
وقال: [من البسيط]
نبّهت [١] زيدا ولم أفزع إلى وكل ... رثّ السلاح ولا في الحيّ مغمور [٢]
سالت عليه شعاب الحيّ [٣] حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
«٣٣٩» - سقط الجراد قريبا من بيت أبي حنبل جارية [٤] بن مرّ، فجاء الحيّ وقالوا: نريد جارك فقال: أما إذ جعلتموه جاري فو الله لا تصلون إليه، فأجاره حتى طار من عنده فقيل له: مجير الجراد، وفي ذلك يقول هلال بن معاوية الثعليّ: [من المتقارب]
وبالجبلين لنا معقل ... صعدنا إليه بصمّ الصّعاد
ملكناه في أوليات الزمان ... من قبل نوح ومن قبل عاد
ومنا ابن مرّ أبو حنبل ... أجار من الناس رجل الجراد
وزيد لنا ولنا حاتم ... غياث الورى في السّنين الشداد
٣٤٠- كان يقال: من تطاول على جاره، حرم بركة داره.
«٣٤١» - وكان عبيد الله بن أبي بكرة ينفق على من حول داره على أهل أربعين دارا من كل جهة من جهاتها الأربع، وكان يبعث إليهم بالأضاحي
стр. 610
والكسوة، ويقوم لمن تزوج منهم بما يصلحه، ويعتق في كل عيد مائة رقبة سوى ما يعتق في سائر السنة.
«٣٤٢» - قال الحسن: ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى.
«٣٤٣» - وجاءته امرأة محتاجة وقالت: أنا جارتك، قال: كم بيني وبينك؟ قالت: سبع أدؤر، فنظر الحسن فإذا تحت فراشه سبعة دراهم، فأعطاها إياها وقال: كدنا نهلك.
«٣٤٤» - كان كعب بن مامة إذا جاوره رجل قام بما يصلحه وأهله، وحماه ممن يقصده، وإن هلك له شيء أخلفه، وإن مات وداه، فجاوره أبو داود الإيادي، فزاده على عادته. واحتذى أبو داود فعله حتى قال فيه قيس بن زهير: [من الوافر]
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي داود
وصار مثلا في حسن الجوار (وله خبر قد ذكر من قبل) .
«٣٤٥» - (١) الرضيّ أبو الحسن الموسوي: [من الطويل]
وأبيض من عليا معدّ كأنما ... تلاقى على عرنينه القمران
إذا رمت طعنا بالقريض حميته ... وإن رام طعنا بالرماح حماني
(٢) وقال أيضا: [من المنسرح]
стр. 611
لو أمطرته السماء أنجمها ... عزا لما قال للسماء قد
لا يسأل الضيف عن منازله ... ومنزل البدر غير مفتقد
نوادر من هذا الباب
«٣٤٦» - كان عقيل بن علّفة من الغيرة والأنفة على ما ليس عليه [١] أحد، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه، وكانت لعقيل إليه حاجات، فقال له: إما إذ كنت فاعلا فجنبني هجناءك.
وخطب إليه ابنته إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة، وهو خال هشام بن عبد الملك ووالي المدينة، وكان أبيض شديد البياض، فردّه عقيل وقال: [من الوافر]
رددت صحيفة القرشيّ لما ... أبت أعراقه إلّا احمرارا
٣٤٧- قدّم أعرابيّ رجلا إلى القاضي واستعدى عليه، وتقدم شاهدان فقالا: نشهد أنه قد ظلم الأعرابيّ، فقال الأعرابيّ: كذبا ما ظلمني ولكنّه لوى حقي، (كأنه أنف أن يكون مظلوما) .
«٣٤٨» - ومثل هذا أن أعرابيا من بني سليم قيل له: أيما أحبّ إليك:
أن تلقى الله ظالما أو مظلوما؟ فقال: بل ظالما، قالوا: سبحان الله أتحبّ الظلم؟ قال: فما عندي إذا أتيته مظلوما يقول لي: خلقتك مثل البعير
стр. 612
الصّمحمح ثم أتيتني تعصر عينيك وتشتكي؟! «٣٤٩» - قيل لأعرابي اشتدّ به الوجع: لو تبت؟ فقال: لست ممن يعطي على الضيم، إن عوفيت تبت.
«٣٥٠» - قال أعرابيّ لرفيقه: أترى هذه الأعاجم تنكح نساءنا في الجنة؟ قال له: نعم أرى ذلك بأعمالهم الصالحة، فقال: توطأ إذن والله رقابنا قبل ذلك.
«٣٥١» - نزل عطّار يهوديّ بعض أحياء العرب ومات، فأتوا شيخا لهم لم يكن يقطع في الحيّ أمر دونه، فأعلموه خبر اليهودي، فجاء فغسله وكفّنه وتقدّم وأقام الناس خلفه وقال: اللهمّ إن هذا اليهوديّ جار وله ذمام، فأمهلنا حتى نقضي ذمامه، فإذا صار في لحده فشأنك والعلج.
«٣٥٢» - كان خالد بن صفوان أحد من إذا عرض له القول قال، فيقال إن سليمان بن عليّ سأله عن ابنيه جعفر ومحمد، فقال له: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال: [من الطويل]
أبو مالك جار لها وابن برثن ... فيا لك جاري ذلّة وصغار
والشعر ليزيد بن مفرغ الحميري، فأعرض عنه سليمان، وكان سليمان من أجمل الناس وأكرمهم، وهو في الوقت الذي أعرض فيه عنه والي البصرة وعمّ الخليفة المنصور.
стр. 613
«٣٥٣» - خرج زياد الأعجم إلى المهلب ومدحه وهو بخراسان [١] ، فأمر له بجائزة، وأقام عنده أياما، قال: فإنه لعشية يشرب مع حبيب بن المهلب في دار فيها دلبة وفيها حمامة، فسجعت الحمامة فقال زياد: [من الوافر]
تغنّي أنت في ذممي وعهدي ... وذمة والدي ألّا تضاري
وبيتك أصلحيه ولا تخافي ... على صفر مزغّبة صغار
فإنك كلّما غنيت صوتا ... ذكرت أحبتي وذكرت داري
فاما يقتلوك طلبت ثأرا ... له نبأ لأنك في جواري
فقال حبيب: يا غلام هلمّ القوس، فأتي به، فنزع لها بسهم فقتلها، فوثب زياد فدخل على المهلب، فحدّثه الحديث وأنشده الشعر، فقال المهلب: عليّ بأبي بسطام فأتي بحبيب، فقال: أعط أبا أمامة دية جاره ألف دينار، فقال: أطال الله بقاء الأمير إنما كنت ألعب، فقال أعطه كما آمرك، فأعطاه، فأنشأ زياد يقول: [من الطويل]
فلله [٢] عينا من رأى كقضيّة ... قضى لي بها قرم العراق المهلّب
قضى ألف دينار لجار أجرته ... من الطير حضّان على السقب ينعب
رماها حبيب بن المهلب رمية ... فأثبتها بالسهم والشمس تغرب
فألزمه عقل القتيل ابن حرّة ... وقال حبيب إنما كنت ألعب
فقال زياد لا يروّع جاره ... وجارة جاري مثل جاري وأقرب [٣]
قال: فإنه لبعد هذا يشرب مع حبيب، وفي قلب حبيب عليه الألف،
стр. 614
إذ عربد عليه فشق قباء ديباج عليه فقام وقال: [من الطويل]
لعمرك ما الديباج خرّقت وحده ... ولكنّما خرّقت جلد المهلب
فبعث المهلب إلى حبيب فأحضره وقال: صدق زياد ما خرّقت إلا جلدي، تبعث عليّ هذا [١] يهجوني؟! ثم أحضره وتسلّل سخيمته وأمر له بمال وصرفه.
«٣٥٤» - قيل لأعرابيّ ما يمنعك أن تمنع جارتك فإنه يتحدّث إليها فتيان الحيّ، قال: وهي طائعة أو كارهة؟ قالوا: طائعة، قال: إنما أمنع جاري مما يكره.
«٣٥٥» - قدم الحكم بن عبدل الأسديّ على ابن هبيرة واسطا، فأقبل حتى وقف بين يديه ثم قال: [من الطويل]
اتيتك في أمر من آمر عشيرتي ... وأعيا الأمور المفظعات جسيمها
فإن قلت لي في حاجة أنا فاعل ... فقد ثلجت نفسي وولّت همومها
فقال ابن هبيرة: أنا فاعل إن اقتصدت، فما حاجتك؟ قال: غرم لزمنا في حمالة، قال: وكم هي؟ قال: أربعة آلاف، قال: نحن مناصفكوها، قال: أصلح الله الأمير، أتخاف عليّ التخمة إن أتممتها؟ قال: أكره أن أعوّد الناس هذه العادة، قال: فأعطني جميعها سرّا وامنعني جميعها ظاهرا حتى تعوّد الناس المنع، وإلا فالضرر عليك واقع إن عوّدتهم نصف ما يطلبون، فضحك ابن هبيرة وقال: ما عندنا غير ما بذلنا لك، فجثا بين يديه وقال:
стр. 615
امرأته طالق لا أخذت أقلّ من أربعة آلاف أو أنصرف وأنا غضبان، قال:
أعطوه إياها قبّحه الله فإنه ما علمت حلّاف مهين، فأخذها وانصرف.
«٣٥٦» - قال الأصمعي: دخلت خضراء [روح] فإذا أنا برجل من ولده على فاحشة يؤتى، فقلت: قبحك الله، هذا موضع كان أبوك يضرب فيه الأعناق ويعطي فيه اللهى، وأنت تفعل فيه ما أرى؟! فالتفت إليّ من غير أن يزول عنها وقال: (الشعر لمعن بن أوس المزني) [١] [من الوافر]
ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلته ... بناة السوء أوشك أن يضيعا
٣٥٧- حضر يوما بشر بن هارون وجماعة من الكتاب في دار أبي محمد المهلبي الوزير، وكان المهلبيّ بحيث يراهم ويسمع كلامهم، وهم لا يشاهدونه، فأنشأ أحدهم يقول: [من المتقارب]
سبال الوزير سبال كبير
فقال الآخر:
وعقل الوزير فعقل صغير
فقال بشر بن هارون:
زيادة هذا بنقصان ذا ... كما طال ليل النهار القصير
فخرج إليهم المهلبيّ وشاتمهم وجلس معهم ومازحهم وأجاز كل واحد
стр. 616
منهم.
«٣٥٨» - نظر أبو الحارث جمين [١] إلى برذون يستقى عليه الماء فقال:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
لو هملج هذا البرذون لم يجعل للرواية، والشعر لمعاوية بن فروة المنقري، وأوله: [من الطويل]
وإن خفت من أمر هوانا فولّه ... سواك وعن دار الأذى فتحوّل
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
«٣٥٩» - ومن الحمية المنكرة ما فعله عبد العزيز بن أبي دلف: كان له جارية يرى الدنيا بعينها فضرب عنقها وقال: خفت أن أموت من حبها فتنام هي بعدي تحت غيري.
٣٦٠- وقد ذكر أن عضد الدولة قتل جارية أحبّها لأنها ألهته عن النظر في أمور المملكة، وهذا من السياسة المذمومة.
«٣٦١» - عيّر شريف النسب سقراط بسقوط نسبه، فقال: نسبي عار عليّ، وأنت عار على نسبك.
«٣٦٢» - وقال عبد الملك لروح بن زنباع: أيّ رجل أنت لولا أنك
стр. 617
ممّن أنت منه!! قال يا أمير المؤمنين، ما يسرني أنني ممن أنت منه، قال:
كيف؟ قال: لأني لو كنت ممن أنت منه لغمرتني أنت ونظراؤك، وأنا اليوم قد سدت قومي غير مدافع، فأعجب بقوله.
٣٦٣- شاعر يذم صامتا لغير حلم ولا سيادة:
يا صنما في الصمت لا في الحسن
«٣٦٤» - ولابن حجاج [١] في معناه: [من السريع]
يا صنما يعبده شعري ... بلا ثواب وبلا أجر
انطق تنفّس قبل أن يحسبوا ... أنك من جصّ وآجرّ
«٣٦٥» - قال أعرابيّ: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما.
«٣٦٦» - قال رجل لسيد: إن سوّدك القوم لجهلهم فسيد الجاهلين غير شريف، وإن سودوك للفقر إليك فأنت كما قال القائل: [من الكامل]
خلت البلاد فسدت غير مسوّد ... ومن العناء تفردي بالسؤدد
«٣٦٧» - شتم مجنون رجلا فقال: أتشتمني وأنا سيد قومي؟ فقال:
стр. 618
[من الطويل]
وإنّ بقوم سودوك لفاقة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
٣٦٨- نادرة في رياسة العلم: قال حماد بن سلمة: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاته لا شعير فيها.
«٣٦٩» - قال حفص بن غياث [١] : خرج إلينا الأعمش يوما فقال لنا:
تدرون ما قالت الأذن؟ قلنا: وما قالت؟ قال: قالت لولا أني أخاف أن أقمع بالجواب لطلت كما طال اللسان (قال حفص: فكم من كلمة غاظني صاحبها منعني جوابها قول الأعمش) .
«٣٧٠» - قال الجاحظ: مررت بحجّام يحجم حجاما أيام قتل المخلوع وهو يقول: سقط والله المأمون من عيني مذ قتل أخاه، فقلت له: هلك والله المأمون إذ سقط من عين مثلك؛ فرفع الخبر إلى المأمون فوجّه إليه بدرة وقال:
إن رأيت أن ترضى عني فعلت، قال: قد فعلت.
تمّ الباب الثالث بحمد الله ومنّه يتلوه الباب الرابع في مكارم الأخلاق ومساوئها.
стр. 619
الباب الرّابع في محاسن الأخلاق ومساوئها
стр. 620
خطبة الباب
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الرؤوف بعباده، العطوف على من أناب منهم بعد عناده، الداني منهم برحمته، النائي عنهم بعظمته، العفوّ عن المذنب المسي، الغفور لهفوة المحتقب الغوي، مقيل العثرات، والمنجي من الغمرات، مسبل القطر عند اليأس، ومنزل الصبر حين البأس، وسعت رحمته، وشملت نعمته، حتى نال حظّه منها الملمّ [١] والمسرف، وأبصر بنورهما فاهتدى المضحي والمسدف، أحمده على صنوف آلائه، وأستدفع برأفته صروف بلائه، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنفي عن القلوب غواشي اللمم، وتشفي الأسماع من عوادي الصمم، والصلاة على محمد رسوله المبعوث بمكارم الأخلاق والشيم، والداعي إلى معالم الفضل والكرم، المأثور عنه حسن العفو الجزيل، والمأمور بالصفح الجميل، والمنعوت بالخلق العظيم، وعلى آله أهل التبجيل والتعظيم.
стр. 621
مقدمة الباب
(الباب الرابع في محاسن الأخلاق ومساوئها) هذه سمة [١] تجمع معاني لو أتيت بها في باب واحد طال فأملّ [٢] ، وبعد على ذي الحاجة إليه مكان ملتمسه، إذ كانت تحوي الآداب والسياسة، والهمّة والسيادة، والصدق والوفاء، والجود والسخاء، والبأس والصبر، والقناعة والتواضع، وغير ذلك من خلال الخير والفضائل، وأضدادها من المساوىء والرذائل، فأفردت لكلّ واحد من هذه وعكسها بابا تطلب فيه، ويسرع إليه تأمل مبتغيه، وأوردت في هذا المكان جملا من مكارم الأخلاق نهجا لمن رام تقيّلها، ومن مساوئها تنبيها لمن أراد [٣] تجنبها، والله الموفق للسداد، والهادي إلى سبيل الرشاد.
«٣٧١» - جاء [٤] جبريل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أتيتك بمكارم الأخلاق: أهل الجنة وأهل الدنيا في ثلاثة أحرف من كتاب الله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
(الأعراف: ١٩٩) وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
стр. 622
«٣٧٢» - قال الله وقوله الحق ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
(فصلت: ٣٤) ووصف نبيّه ﷺ وأثنى عليه فقال وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
(القلم: ٤) . فسّروا قوله تعالى وَلِباسُ التَّقْوى
(الأعراف: ٢٦) إنه الحياء؛ ومن أوامره تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
(البقرة: ٨٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
(طه:
٤٤) وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
(الإسراء: ٢٣) فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
(الإسراء: ٢٨) وقال ﷺ : من لانت كلمته وجبت محبته.
«٣٧٣» - وقال رسول الله ﷺ : أمرني ربي بتسع: الاخلاص في السرّ والعلانية، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أعفو عمن ظلمني، وأصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة.
«٣٧٤» - وقال ﷺ من كلام له: ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا الذين يألفون ويؤلفون.
«٣٧٥» - وقالت عائشة ﵂: مكارم الأخلاق عشر: صدق الحديث، وصدق البأس، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والمكافأة بالصنيع، وبذل المعروف، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهنّ الحياء.
стр. 623
«٣٧٦» - وقال علي بن أبي طالب ﵇: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في الخير، عجبت لرجل يجيئه أخوه في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كنا لا نرجو جنّة ولا نخشى نارا، ولا ننتظر ثوابا ولا عقابا، لكان ينبغي أن نطلب مكارم الأخلاق، فإنها تدلّ على سبل النجاة، فقام رجل فقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله ﷺ ؟
قال: نعم، وما هو خير منه، لما أتينا بسبايا طيء [١] كانت في النساء جارية حمّاء حوراء، لعساء لمياء عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة، درماء الكعبين، خدلّجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصر، ظاهرة الكشح، مصقولة المتن، فلما رأيتها أعجبت بها، فقلت: لأطلبنّ إلى رسول الله ﷺ أن يجعلها من فيئي، فلما تكلمت نسيت جمالها لما سمعت من فصاحتها، فقالت: يا محمد هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلّي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني بنت سيد قومي، كان أبي يفكّ العاني، ويحمي الذمار، ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويفرّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، لم يردد [٢] طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي؛ فقال رسول الله ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه، خلّوا عنها فإن أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق والله يحبّ مكارم الأخلاق.
٣٧٧- ومن كلام عليّ ﵇: إن الله تعالى جعل مكارم الأخلاق وصلة بينه وبين عباده، فحسب أحدكم أن يتمسك بخلق متصل بالله
стр. 624
عز وجل [١] .
«٣٧٨» - وقال رسول الله ﷺ : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم. (وفي رواية أخرى: فسعوهم ببسط الوجه والخلق الحسن) .
«٣٧٩» - وقال ﷺ : أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن.
«٣٨٠» - وقال ﷺ حسن الخلق نصف الدين.
«٣٨١» - وقال ﷺ : الحياء خير كله.
«٣٨٢» - وقال ﷺ : صلة الرحم منماة للعدد، مثراة للمال، محبة للأهل، منسأة للأجل.
«٣٨٣» - وقال ﷺ : كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه عمله [٢] .
стр. 625
«٣٨٤» - وقال ﷺ : لا تجلسوا على الطرق فإن أبيتم فغضّوا الأبصار، وترادّوا السلام، واهدوا الضالّة، وأعينوا الضعيف.
«٣٨٥» - وقال ﷺ : لا عقل كالتدبير في رضى الله، ولا ورع كالكفّ عن محارم الله، ولا حسب كحسن الخلق.
«٣٨٦» - ومما يروى عنه ﷺ : من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن برّه لأهل بيته مدّ له في عمره؛ ثم قال: وحسن الخلق وكفّ الأذى يزيدان في الرزق.
«٣٨٧» - وقيل ليوسف ﵇: أتجوع وخزائن الدنيا بيدك؟
قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.
«٣٨٨» - وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل له: لم [١] قلت كذا وكذا؟ ولكن يعمّي فيقول: ما بال أقوام.
«٣٨٩» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه
стр. 626
الله ويبتليك.
«٣٩٠» - كان [١] الحسن إذ ذكر رسول الله ﷺ قال: أكرم ولد آدم على الله ، أعظم الأنبياء منزلة عند الله، أتي بمفاتيح الدنيا فاختار ما عند الله، كان يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض ويقول: إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، وكان يلبس المرقوع والصوف، ويركب الحمار ويردف خلفه، ويأكل الجشب من الطعام، ما شبع من خبز برّ يومين متواليين حتى لحق بالله، من دعاه لباه، ومن صافحه لم يدع يده من يده حتى يكون هو الذي يدعها، من دعاه لباه، ومن صافحه لم يدع يده من يده حتى يكون هو الذي يدعها، يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجالس الفقراء، أعظم الناس من الله مخافة وأتعبهم لله بدنا، وأجدّهم في أمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما والله ما كانت تغلق دونه الأبواب ولا كان دونه حجاب ﷺ كثيرا.
«٣٩١» - وقال أنس: ما بسط رسول الله ﷺ ركبتيه بين يدي جليس له قطّ، ولا جلس إليه رجل فقام حتى يكون هو الذي يقوم من عنده، ولا صافحه رجل قطّ فأخذ يده من يده حتى يكون هو الذي يأخذ يده، ولا شممت رائحة قطّ أطيب من ريح رسول الله ﷺ .
٣٩٢- وحدّث ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ دخل غيضة ومعه صاحب له، فأخذا منها مسواكين أراكا، أحدهما مستقيم والآخر معوج، فأعطى
стр. 627
صاحبه المستقيم وحبس المعوج، فقال يا رسول الله: أنت أحقّ بالمستقيم مني قال: كلا إنه ليس من صاحب يصاحب صاحبا ولو ساعة من نهار إلا سأله الله تعالى عن مصاحبته إياه، فأحببت أن لا أستأثر عليك بشيء.
«٣٩٣» - وقال عبد الله بن مسعود: كنا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، فكان عليّ وأبو لبابة زميلي رسول الله ﷺ ، فكانا إذا دارت عقبتهما قالا: يا رسول الله اركب ونمشي عنك، فيقول: ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما.
«٣٩٤» - وعن أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وآله ما عاب طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله، وإلا لم يعبه.
٣٩٥- وكان ﵇ يطوف بالبيت، فانقطع شسعه، فأخرج رجل شسعا من نعله فذهب يشدّه في نعل رسول الله ﷺ ، فقال: هذه أثرة ولا أحبّ الأثرة.
«٣٩٦» - وقال أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما أرسلني في حاجة قط فلم تهيّأ إلا قال: لو قضي كان، لو قدّر كان.
«٣٩٧» - وقالت عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله ﵌ امرأة قط ولا خادما له ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله، ولا خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما حتى يكون إثما فإذا كان إثما كان أبعد
стр. 628
الناس منه.
«٣٩٨» - قال علي ﵇: خالطوا الناس مخالطة جميلة، إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم.
٣٩٩- وقال محمد بن علي بن الحسين ﵈: من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرم الرفق والخلق كان ذلك سبيلا إلى كلّ شرّ وبلية، إلّا من عصمه الله.
«٤٠٠» - وقال ابن عبّاس: لجليسي علي ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدث.
«٤٠١» - وكان القعقاع بن شور أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة إذا جالسه جليس فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله، وأعانه على عدوه، وشفع له في حاجته، وغدا عليه بعد المجالسة شاكرا حتى شهر بذلك، وفيه يقول القائل: [من الوافر]
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السنّ إن نطقوا بخير ... وعند الشرّ مطراق عبوس
стр. 629
«٤٠٢» - قال بعض الحكماء: ليس من جهل الناس بقدر الفضل قصّروا عنه، ولكن من استثقال فرائضه حادوا عن التمسك به، وهم على تبجيل أهله مجمعون؛ وإلى هذا المعنى نظر منصور النمري في قوله: [من البسيط]
الجود أخشن مسّا يا بني مطر ... من أن تبزّكموه كفّ مستلب
ما أعلم الناس أنّ الجود مكسبة ... للحمد لكنه يأتي على النّشب
ونظر المتنبي إلى المعنى فقال: [من البسيط]
لولا المشقة ساد الناس كلّهم ... الجود يفقر والإقدام قتّال
«٤٠٣» - قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر، قال الله تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
(فاطر: ٤٣) والبغي، قال الله سبحانه يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
(يونس: ٢٣) ومن بغي عليه لينصرنّه الله، والنكث، قال الله فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
(الفتح: ١٠) .
«٤٠٤» - وقال ﷺ : أعجل الأشياء عقوبة البغي.
«٤٠٥» وقال ﷺ : ما من ذنب أدنى [١] أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخّر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم.
стр. 630
«٤٠٦» - وقيل [١] : سوء الخلق يعدي لأنّه يدعو صاحبه إلى أن يقابله بمثله.
«٤٠٧» - وقيل: الحسن الخلق قريب عند البعيد، والسيء الخلق بعيد عند أهله.
٤٠٨- وقيل: المرء عبد من رجاه، وبئس الشعار الحسد، والافتقار يمحق الأقدار، والبطر يسلب النعمة، وكثرة الكلام تكسب الملال وإن كان حكما، وإظهار الفاقة من خمول الهمة.
«٤٠٩» - وقال معاوية: ثلاث ما اجتمعن في حرّ: مباهتة الرجال، والغيبة للناس، والملال لأهل المودة.
«٤١٠» - وقيل: شرّ الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.
«٤١١» - وقال سقراط: المال رداء الكبر، والهوى مركب المعاصي، والتمني؟؟؟ رأس مال الجاهل، والكبر قاعدة المقت، وسوء الخلق سدّ بين المرء وبين الله.
«٤١٢» - وقال عليّ ﵇: الحاسد بخيل بما لا يملكه.
«٤١٣» - وقال أيضا: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.
стр. 631
«٤١٤» - وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله تعالى فإن الحسود عدوّ للنعم.
«٤١٥» - وقيل في الدعاء على الرجل: طلبك من لا يقصّر دون الظّفر، وحسدك من لا ينام دون الشفاء.
«٤١٦» - وقيل: الحسود غضبان على القدر، والقدر لا يعتبه.
«٤١٧» - وقيل لبعضهم: ما بال فلان ينتقصك؟ قال: لأنّه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة؛ فذكر دواعي الحسد كلها.
«٤١٨» - وقال رسول الله ﷺ : كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر.
«٤١٩» - وقال ﷺ : إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
٤٢٠- وكان يقال: الحسد يضعف اليقين، ويسهر العين، ويكثر
стр. 632
الهمّ.
٤٢١- وفي الحكمة: الحاسد لا يضرّ إلا نفسه.
«٤٢٢» - وقال أعرابيّ: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، وهو مأخوذ من الخبر: قاتل الله الحسد فما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله.
«٤٢٣» - وقيل [١] : ثلاث موبقات: الكبر فإنه حطّ إبليس عن مرتبته، والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه.
«٤٢٤» - وقيل: يكفيك [٢] من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك.
٤٢٥- وقال محمد بن علي بن موسى بن جعفر: الحسد ما حق للحسنات، والزهو جالب للمقت، والعجب صادف عن طلب العلم داع إلى التخمّط في الجهل، والبخل أذمّ الأخلاق، والطمع سجية سيئة.
«٤٢٦» - وقال أيضا: مخالطة الأشرار تدل على شر من يخالطهم، والكفر للنعم أمارة البطر وسبب للغير، واللجاجة مسلبة للسلامة ومؤذنة بالندامة، والهزء فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، والنّزق مغضبة للاخوان
стр. 633
يورث الشنآن، والعقوق يعقب القلة ويؤدي إلى الذلة.
«٤٢٧» - وقال: إياك والحسد فإنه يبين فيك ولا يبين في عدوّك.
«٤٢٨» - وقال محمد بن واسع: ليس لملول صديق، ولا لحسود غنى.
٤٢٩- وقال آخر: يجب على ذي السعة في رأيه، والفضل في خصاله، أن يتطوّل على حسّاده بنظره، ويتحرّى لهم المنافع، فإنه بلاء غرسه الله فيهم ثم لم يسلطهم عليه، فهم يعذّبون بحركات الحسد في وقت مسرّته بما أكرم به.
٤٣٠- وقال آخر: الحقد غصّة لا يسيغها إلا الظفر، والحسد شجى فارح [١] لا يدفعه عن صاحبه إلا بلوغ أمله في من قصده بحسده، وأنّى له بذلك؟ وقد قيل: من كنت سببا لبلائه فالواجب عليك التلطف له في علاجه من دائه.
«٤٣١» - قال صاحب كليلة ودمنة: مثل الحقد في القلب ما لم يجد محركا مثل الجمر المكنون، وليس ينفكّ الحقد يتطلّع إلى العلل كما تبتغي [٢] النار الحطب، فإذا وجد شيئا استعر ثم لا يطفئه مال ولا كلام ولا تضرّع ولا
стр. 634
مناصفة ولا شيء غير تلف تلك الأنفس.
«٤٣٢» - وقال: لا يزيدك لطف الحقود بك، ولينه لك، وتكرمته إياك إلا وحشة وسوء ظن، وإنك لا تجد للحقود الموتور أمانا هو أوثق من الذّعر، ولا أحرز من البعد والاحتراس منه.
«٤٣٣» - وقد اعتذر عبد الملك بن صالح للحقد فشبه وما قصر، قال له يحيى بن خالد: لله أنت من سيد لولا أنّك حقود؛ فقال عبد الملك: أنا خزانة تحفظ الخير والشرّ، فقال يحيى: ما رأيت أحدا احتجّ للحقد حتى حسّنه غيرك.
وسلك ابن الرومي هذه [١] السبيل فقال: [من الطويل]
وما الحقد إلا توأم الشكر للفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
«٤٣٤» - ومن مكارم الأخلاق قول الشاعر: [من الطويل]
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
стр. 635
«٤٣٥» - وقول آخر: [من الطويل]
ومرضى إذا لوقوا [١] حياء وعفّة ... وفي الحرب أمثال الليوث الخوادر
كأن بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلّا اتّقاء المعاير
«٤٣٦» - وقول آخر: [من الوافر]
يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فافعل ما تشاء
«٤٣٧» - وقيل: الحياء لباس سابغ، وحجاب واق [٢] ، وستر من المساوىء واقع، وحليف للدين، وموجب للصنع، ورقيب للعصمة، وعين كالئة، يذود عن الفساد وينهى عن الفحشاء والأدناس.
«٤٣٨» - وقيل: لا ترض قول أحد حتى ترضى فعله، ولا ترض بما فعل حتى ترضى عقله، ولا ترض عقله حتى ترضى حياءه، فإن ابن آدم مطبوع على كرم ولؤم، فإذا قوي الحياء قوي الكرم، وإذا ضعف الحياء قوي اللؤم.