← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

«٤١٤» - وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله تعالى فإن الحسود عدوّ للنعم. «٤١٥» - وقيل في الدعاء على الرجل: طلبك من لا يقصّر دون الظّفر، وحسدك من لا ينام دون الشفاء. «٤١٦» - وقيل: الحسود غضبان على القدر، والقدر لا يعتبه. «٤١٧» - وقيل لبعضهم: ما بال فلان ينتقصك؟ قال: لأنّه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة؛ فذكر دواعي الحسد كلها. «٤١٨» - وقال رسول الله ﷺ : كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر. «٤١٩» - وقال ﷺ : إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ٤٢٠- وكان يقال: الحسد يضعف اليقين، ويسهر العين، ويكثر

стр. 632

الهمّ. ٤٢١- وفي الحكمة: الحاسد لا يضرّ إلا نفسه. «٤٢٢» - وقال أعرابيّ: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، وهو مأخوذ من الخبر: قاتل الله الحسد فما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله. «٤٢٣» - وقيل [١] : ثلاث موبقات: الكبر فإنه حطّ إبليس عن مرتبته، والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه. «٤٢٤» - وقيل: يكفيك [٢] من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك. ٤٢٥- وقال محمد بن علي بن موسى بن جعفر: الحسد ما حق للحسنات، والزهو جالب للمقت، والعجب صادف عن طلب العلم داع إلى التخمّط في الجهل، والبخل أذمّ الأخلاق، والطمع سجية سيئة. «٤٢٦» - وقال أيضا: مخالطة الأشرار تدل على شر من يخالطهم، والكفر للنعم أمارة البطر وسبب للغير، واللجاجة مسلبة للسلامة ومؤذنة بالندامة، والهزء فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، والنّزق مغضبة للاخوان

стр. 633

يورث الشنآن، والعقوق يعقب القلة ويؤدي إلى الذلة. «٤٢٧» - وقال: إياك والحسد فإنه يبين فيك ولا يبين في عدوّك. «٤٢٨» - وقال محمد بن واسع: ليس لملول صديق، ولا لحسود غنى. ٤٢٩- وقال آخر: يجب على ذي السعة في رأيه، والفضل في خصاله، أن يتطوّل على حسّاده بنظره، ويتحرّى لهم المنافع، فإنه بلاء غرسه الله فيهم ثم لم يسلطهم عليه، فهم يعذّبون بحركات الحسد في وقت مسرّته بما أكرم به. ٤٣٠- وقال آخر: الحقد غصّة لا يسيغها إلا الظفر، والحسد شجى فارح [١] لا يدفعه عن صاحبه إلا بلوغ أمله في من قصده بحسده، وأنّى له بذلك؟ وقد قيل: من كنت سببا لبلائه فالواجب عليك التلطف له في علاجه من دائه. «٤٣١» - قال صاحب كليلة ودمنة: مثل الحقد في القلب ما لم يجد محركا مثل الجمر المكنون، وليس ينفكّ الحقد يتطلّع إلى العلل كما تبتغي [٢] النار الحطب، فإذا وجد شيئا استعر ثم لا يطفئه مال ولا كلام ولا تضرّع ولا

стр. 634

مناصفة ولا شيء غير تلف تلك الأنفس. «٤٣٢» - وقال: لا يزيدك لطف الحقود بك، ولينه لك، وتكرمته إياك إلا وحشة وسوء ظن، وإنك لا تجد للحقود الموتور أمانا هو أوثق من الذّعر، ولا أحرز من البعد والاحتراس منه. «٤٣٣» - وقد اعتذر عبد الملك بن صالح للحقد فشبه وما قصر، قال له يحيى بن خالد: لله أنت من سيد لولا أنّك حقود؛ فقال عبد الملك: أنا خزانة تحفظ الخير والشرّ، فقال يحيى: ما رأيت أحدا احتجّ للحقد حتى حسّنه غيرك. وسلك ابن الرومي هذه [١] السبيل فقال: [من الطويل] وما الحقد إلا توأم الشكر للفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض «٤٣٤» - ومن مكارم الأخلاق قول الشاعر: [من الطويل] وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد

стр. 635

«٤٣٥» - وقول آخر: [من الطويل] ومرضى إذا لوقوا [١] حياء وعفّة ... وفي الحرب أمثال الليوث الخوادر كأن بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلّا اتّقاء المعاير «٤٣٦» - وقول آخر: [من الوافر] يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فافعل ما تشاء «٤٣٧» - وقيل: الحياء لباس سابغ، وحجاب واق [٢] ، وستر من المساوىء واقع، وحليف للدين، وموجب للصنع، ورقيب للعصمة، وعين كالئة، يذود عن الفساد وينهى عن الفحشاء والأدناس. «٤٣٨» - وقيل: لا ترض قول أحد حتى ترضى فعله، ولا ترض بما فعل حتى ترضى عقله، ولا ترض عقله حتى ترضى حياءه، فإن ابن آدم مطبوع على كرم ولؤم، فإذا قوي الحياء قوي الكرم، وإذا ضعف الحياء قوي اللؤم.

стр. 636

«٤٣٩» - قال عروة بن الزبير: لعهدي بالناس والرجل منهم إذا أراد أن يسوء جاره سأل غيره حاجة، فيشكوه جاره ويقول: تجاوزني بحاجته [١] ، أراد بذلك شيني. «٤٤٠» - قال بعضهم: كنت أمشي مع الخليل فانقطع شسع نعلي، فخلع نعله، فقلت ما تصنع؟ قال: أواسيك في الحفا. «٤٤١» - وكان الأحنف إذا أتاه إنسان أوسع له، فإن لم يجد موضعا تحرّك ليريه أنه يوسع له. «٤٤٢» - وقال ابن السمّاك لمحمد بن سليمان أو لحماد بن موسى كاتبه، ورآه كالمعرض عنه: مالي أراك كالمعرض عني؟ قال: بلغني عنك شيء كرهته، قال: إذن لا أبالي، قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان ذنبا غفرته، وإن كان باطلا لم تقبله. فعاد إلى مؤانسته. «٤٤٣» - دخل على الحسين بن علي ﵉ جارية في يدها طاقة ريحان فحيّته بها، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى؛ قال أنس، فقلت له: تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ فقال: كذا أدبنا الله قال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها (النساء: ٨٦) . «٤٤٤» - وكتب إليه أخوه الحسن في إعطائه الشعراء، فكتب إليه

стр. 637

الحسين: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقى العرض (فانظر شرف خلقه كيف [١] ابتدأ كتابه بقوله: أنت أعلم مني) . «٤٤٥» - وجنى غلام له جناية توجب العقاب عليها فأمر به أن يضرب، فقال: يا مولاي وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ قال: خلّوا عنه، فقال: يا مولاي وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: قد عفوت عنك، قال: يا مولاي وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران: ١٣٤) قال: أنت حرّ لوجه الله، ولك ضعف ما كنت أعطيك. «٤٤٦» - وكان بينه وبين أخيه الحسن كلام، فقيل له: ادخل على أخيك فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدي ﷺ يقول: أيّما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضى الآخر كان سابقه إلى الجنة؛ وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر، فبلغ قوله الحسن فأتاه عاجلا. «٤٤٧» - وقال المغيرة بن حبناء: [من الطويل] فإن يك عارا ما لقيت فربّما ... أتى المرء يوم السّوء من حيث لا يدري ولم أر ذا عيش يدوم ولا أرى ... زمان الغنى إلّا قريبا من الفقر ومن يفتقر يعلم مكان صديقه ... ومن يحي لا يعدم بلاء من الدهر

стр. 638

وإني لأستحيي إذا كنت معسرا ... صديقي والخّلان أن يعلموا عسري وأهجر خلّاني وما خان عهدهم ... حياء وإعراضا وما بي من كبر وأكرم نفسي أن ترى بي حاجة ... إلى أحد دوني وإن كان ذا وفر ولما رأيت المال قد حيل دونه ... وصدّت وجوه دون أرحامها البتر جعلت حليف النفس عضبا ونثرة ... وأزرق مشحوذا كخافية النسر ولا خير في عيش امرىء لا ترى له ... وظيفة حقّ في ثناء وفي أجر «٤٤٨» - وقال آخر: [من الطويل] وإني لألقى المرء أعلم أنه ... عدوّ وفي أحشائه الضّغن كامن فأمنحه بشري فيرجع قلبه ... سليما وقد ماتت لديه الضغائن «٤٤٩» - وقال يحيى بن زياد الحارثي: [من الطويل] ولكن إذا ما حلّ كره فسامحت ... به النفس يوما كان للكره أذهبا «٤٥٠» - وقال آخر: [من الكامل] أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر ويصمّ عمّا كان بينهما ... سمعي وما بي غيره وقر «٤٥١» - حدّث رجل من الأعراف قال: نزلت برجل من طيّء فنحر لي

стр. 639

ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى فقلت: إن عندك من اللحم ما يغني ويكفي، فقال: إني والله ما أطعم ضيفي إلا لحما عبيطا، قال: وفعل ذلك في اليوم الثالث، وفي كلّ ذلك آكل شيئا ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم يؤتى باللبن فأشرب شيئا ويشرب عامّة الوطب، فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته فاضطجع، فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله فأقبلته الفجّ فانتبه، واختصر عليّ الطريق حتى وقف لي في مضيق منه فألقم وتره فوق [١] سهمه، ثم نادى: لتطب نفسك عنها، قلت: أرني آية، قال: انظر إلى ذلك الضبّ فإني واضع سهمي في مغرز ذنبه، فرماه فأندر ذنبه، فقلت: زدني، قال: انظر إلى أعلى فقاره، فرمى فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثالثة والله في كبدك، قال قلت: شأنك بإبلك، قال: كلّا حتى تسوقها إلى حيث كانت، قال: فلما انتهيت بها قال: فكرت فيك فلم أجد لي عندك ترة تطالبني بها، وما أحسب حملك على أخذ إبلي إلا الحاجة، قلت: هو والله ذاك، قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها [٢] فخذها، فقلت: إذن والله لا أفعل حتى تسمع مدحك، فو الله ما رأيت رجلا أكرم ضيافة، ولا أهدى لسبيل، ولا أرمى كفّا، ولا أوسع صدرا، ولا أرغب خوفا، ولا أكرم عفوا منك، قال: فاستحيا فصرف وجهه عني وقال: انصرف بالقطيع مباركا لك فيه. «٤٥٢» - خرج رجل من طيء، وكان مصافيا لحاتم، فأوصى حاتما

стр. 640

بأهله فكان يتعهدهم، وإذا جزر جزرة بعث إليهم من أطايبها، فراودته امرأة الرجل فاستعصم ولم يفعل، فلما قدم زوجها أخبرته أنّ حاتما أرادها، فغضب من ذلك، وجاءت العشيرة للتسليم وحاتم معهم، فلم يلق حاتما بما كان يلقاه به من طلاقة الوجه وحسن البشر، فعلم حاتم أنّ ذلك من قبل امرأته، فأنشأ يقول: [من الطويل] إني امروّ من عصبة ثعليّة ... كرام أغانيها عفيف فقيرها [١] إذا ما بخيل الناس هرّت كلابه ... وشقّ على الضيف الطروق عقورها فإني جبان الكلب رحلي موطّأ ... جواد [٢] إذا ما النفس شحّ ضميرها وما تشتكيني جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها سيبلغها خيري ويرجع زوجها [٣] ... إليها ولم تسبل عليّ ستورها فلما بلغ الرجل الشعر عرف أن حاتما بريء، فطلّق امرأته. «٤٥٣» - وكان مسلمة بن عبد الملك إذا كثر عليه أصحاب الحوائج وخشي الضجر أمر أن يحضر ندماؤه من أهل الأدب، فتذاكروا مكارم الأخلاق في الناس وجميل طرائقهم ومروءاتهم، فيطرب ويهيج ثم يقول: ائذنوا لأصحاب الحوائج، فلا يدخل عليه أحد إلا قضى حاجته. «٤٥٤» - كان يحيى بن خالد بن برمك عاقلا أديبا كريما حسن الأخلاق

стр. 641

رضيّ الأفعال حليما ركينا، حتى لو ادّعى اجتماع مكارم الأخلاق فيه لكان أهلا للدعوى؛ وسخط الرشيد على كاتبه منصور بن زياد، وأمر أن يطالب بعشرة آلاف ألف درهم، أو يؤتى برأسه، وأمر صالحا صاحب المصلّى بذلك، قال صالح: فاستسلم للقتل وحلف أنه لا يعرف موضع ثلاثمائة ألف درهم فكيف بعشرة آلاف ألف، ثم دخل إلى داره فأوصى وارتفع الصراخ منها، وخرج فقال لي: امض بنا إلى أبي عليّ يحيى بن خالد لعل الله أن يأتينا بفرج من جهته، فلما قصّ القصة على يحيى قلق وأطرق مفكرا ثم قال لخازنه: كم عندك من المال؟ قال: خمسة آلاف ألف، فقال: أحضرني مفاتيحها، فأحضرها، ثم وجه إلى ابنه الفضل: إنك كنت أعلمتني أن عندك ألفي ألف درهم، قدّرت أن تشتري بها ضيعة، وقد أصبت لك ضيعة يبقى لك ذكرها وشكرها، فوجّه إليه بالمال، ثم وجه إلى جعفر ابنه فاستدعى منه ألف ألف درهم، ثم أرسل إلى دنانير جاريته فاستدعى منها عقدا كان وهبه الرشيد لها وابتاعه بمائة ألف وعشرين ألف دينار، قال صالح: وكان كعظم الذراع، وقال يحيى: قد حسبناه [١] بألفي ألف درهم، وهذا تمام مالك فانصرف وخلّ عن [٢] صاحبنا، قال صالح: فأخذت ذلك ورددت منصورا معي فلما صرنا بالباب أنشد منصور متمثلا (والشعر للعين المنقري) [٣] : [من الوافر] فما بقيا عليّ تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال قال صالح: فقلت ما على الأرض أنبل من رجل خرجنا من عنده ولا

стр. 642

أخبث سريرة من هذا النبطي، قال: ثم حدثت يحيى من بعد بقوله وقلت: أنعمت على غير شاكر، فجعل يحيى يطلب له المعاذير ويقول: إن المنخوب القلب ربّما سبقه لسانه بما ليس في ضميره، وقد كان الرجل في حال عظيمة، فقلت: والله ما أدري من أيّ أمريك أعجب، أمن أوّله أم [١] من آخره. «٤٥٥» - وأمر يحيى بن خالد كاتبين من كتابه أن يكتبا كتابا في معنى واحد فكتباه، واختصر أحدهما وأطال الآخر، فلما قرأ يحيى كتاب المختصر قال: ما أجد موضع مزيد، ثم قرأ كتاب المطيل فقال: ما أجد موضع نقصان. «٤٥٦» - قال رسول الله ﷺ إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه فانظروا إلى ما يتبعه من حسن الثناء. «٤٥٧» - وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (الشعراء: ٨٤) إنه أراد حسن الثناء من بعده. «٤٥٨» - وقال أكثم بن صيفي: إنما أنتم أخبار [فطيبوا أخباركم] [٢] ؛ ألمّ بهذا المعنى أبو تمام فقال: [من البسيط] وما ابن آدم إلّا ذكر صالحة ... أو ذكر سيئة يسري بها الكلم إذا سمعت بدهر باد أمّته ... جاءت بأخبارها من بعدها أمم

стр. 643

وإنما يكون الثناء على مكارم الأخلاق. «٤٥٩» - وقال الأحنف بن قيس: ما ذخرت الآباء للأبناء، وما أبقت الموتى للأحياء، أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الآداب والأحساب. ٤٦٠- وقال بعضهم: ظفر الكريم عفو، وظفر اللئيم عقوبة. «٤٦١» - وقال الأحنف: المروءة كلّها إصلاح المال وبذله للحقوق. ٤٦٢- قال ابن أبي دواد، وقد وصف كرم أخلاق المعتصم: دخلت عليه يوما فدعا بالغداء ثم قال: يا أبا عبد الله ها هنا رجل قد صار إليه من مال فارس أيام عليّ بن عيسى القمي عشرون ألف ألف درهم، وقد عزمت على أخذها منه، فإن خرج إليّ منها طوعا وإلا قتلته وأخذت كل ما ظهر لي من ماله، قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يعقوب بن فرادون [١] النصراني كاتب عليّ بن عيسى، فقلت: وفّق الله أمير المؤمنين لطاعته، قال: وأحضر الطست ليغسل يده فغسلها ثم قال لي: اغسل يدك، فقلت: مالي إلى الطعام حاجة، قال: ولم؛ قلت: تأخذ مال [٢] جاري وتقتله؟! قال: هو جار لك؟ قلت: بيتي وبيته، قال: فقد تركت من المال لك [٣] خمسة آلاف ألف درهم، فقلت: ما آكل شيئا، قال: يا غلام هات طعامك ولا أبالي أن لا يأكل، وهو في خلل ذلك يكلّمني ويبتسم، فوضع الطعام بين يديه، فو الله ما هناه أن يأكل كرما ونبلا، ثم قال: يا أبا عبد الله كل حتى أترك لك من المال

стр. 644

المذكور نصفه، فقلت: ما آكل شيئا، قال: فأكل لقما ثلاثا وأنا ألحظه ما يقدر أن يسيغها، ثم قال: يا أبا عبد الله ادن فكل فقد وهبت لك المال جميعه [١] ودمه، فقلت: وهب الله لأمير المؤمنين الجنة فو الله الذي لا إله إلّا هو ما رأيت ولا سمعت بخليفة قط ولا ملك أكرم منك عفوا، ولا أسمح كفا، ولا أجمل عشرة، ولا أنبل أخلاقا، ثم قال: يا غلام الطست، فجاء به، فغسلت يدي وأكلت، وبلغ الخبر إلى يعقوب فشكرني على ذلك فاستكففته وقلت: فعلت ذاك للحرمة لا للشكر. «٤٦٣» - سرق بعض غاشية جعفر بن سليمان بن علي درة نفيسة من بين يديه وباعها بمال جزيل، فأنفذ جعفر بن سليمان إلى الجوهريين بصفة الدرة فقالوا: باعها فلان منذ مدة، فأخذ وجيء به إليه وكان يختصّ به، فلما رآه جعفر ورأى ما قد ظهر عليه من الجزع والخوف قال له: أراك قد تغير لونك، ألست يوم كذا وكذا طلبت مني هذه الدرة فوهبتها لك؟ وأقسم بالله لقد أنسيت هذه الحال؛ وأحضر ما كان اشتريت به فدفعه إلى الجوهري ثم قال للرجل: خذ الدرة الآن [٢] وبعها حلالا بالثمن الذي تطيب به نفسك لا بيع خائف ولا وجل، والله لقد آلمني ما دخل عليك من الرعب والجزع. «٤٦٤» - وقال الأصمعي: ما رأيت أكرم أخلاقا ولا أشرف أفعالا من جعفر بن سليمان، كنا عنده فتغدينا معه واستطاب الطعام فقال لطباخه [٣] : قد أحسنت وسأعتقك وأزوّجك، فقال الطباخ: قد قلت هذه غير مرة وكذبت،

стр. 645

قال: فو الله ما زاد على أن ضحك، وقال لي: يا أصمعيّ إنما يريد البائس «أخلفت» ، قال الأصمعي: وإذا هو قد رضي ب «أخلفت» . «٤٦٥» - قيل كان المهتدي [١] يصلّي الصلوات كلّها في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوما فقال أعرابي: يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبت إلى الله تعالى في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء أن ينظروني، قال: انتظروه رحمكم الله، ودخل المحراب فوقف إلى أن أقبل وقيل له قد جاء الرجل، فعجب الناس من سماحة أخلاقه. «٤٦٦» - قال يحيى بن أكثم: ماشيت المأمون في بستانه ويده في يدي، فكان في الظلّ وأنا في الشمس، فلما بلغنا ما أردنا ورجعنا صرت أنا في الفيء وصار هو في الشمس، فدرت أنا إلى الشمس فقال: لا ليس هذا بإنصاف، كما كنت أنا في الفيء ذاهبا فكن أنت في الفيء راجعا. ٤٦٧- ووقع إلى علي بن هشام وقد شكاه غريم له: ليس من المروءة أن تكون آنيتك [٢] من ذهب وفضة ويكون غريمك عاريا [٣] وضيفك طاويا. ٤٦٨- كان أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي من أفاضل العلويين، وبقي في الاستتار ستين سنة، (فلما قام المنتصر وأظهر الميل إلى العلوية أراد أن يظهر فاعتلّ وتوفي بالبصرة) ؛ فبينا هو في استتاره مرّ به رجلان

стр. 646

قد تلازما، فطالب أحدهما صاحبه بمائة دينار دينا له عليه: والرجل المطالب معترف فهو [١] يقول: يا هذا لا تمض بي إلى الحاكم، فإني قد تركت في منزلي أطفالا قد ماتت أمهم لا يهتدون لشرب ماء إن عطشوا، فإن تأخرت عنهم ساعة ماتوا، وإن أقررت عند القاضي حبسني فتلفوا، فلا تحملني على يمين فاجرة، فإني أحلف لك ثم أعطيك مالك، وصاحبه يقول: لا بدّ من تقديمك وحبسك أو تحلف، فلما كثر هذا منهما إذا صرّة قد سقطت بينهما ومعها رقعة: يا هذا خذ هذه المائة الدينار التي لك قبل الرجل ولا تحمله على الحلف كاذبا، وليكن جزاء هذا أن تكتماه فلا يعلم به غيركما، ولا تسألا عن فاعله، فسرّا جميعا بذلك وافترقا، فبدأ الحديث من أحدهما فشاع، فقيل: فمن يفعل هذا الفعل إلا أحمد بن عيسى؛ فقصدوا الدار لطلبه فوجدوا آثارا تدلّ على أنه كان فيها وتنحى، وهرب صاحب الدار فأحرقت. ٤٦٩- قال علي بن عبيدة من كلام له: [حسن] الخلق جوهر الانسان، العفاف طهارة الجوارح. النية الحسنة عمارة الدين. ٤٧٠- وقال أعرابيّ: خصلتان من الكرم: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الإخوان. «٤٧١» - كان العبّاس بن الحسن [٢] بن عبيد الله بن العبّاس بن علي بن أبي طالب شاعرا عالما فصيحا وكان يقال: من أراد لذة لا تبعة فيها فليسمع كلام العبّاس بن الحسن. ودخل أبو دلف العجلي على الرشيد وهو جالس على طنفسة في طارمة، وعند باب الطارمة شيخ على طنفسة مثلها، فقال الرشيد:

стр. 647

يا قاسم ما خبر الجبل؟ قال: خراب يباب اعتوره الأكراد والأعراب، قال: أنت سبب خرابه وفساده، فان ولّيتك إياه، قال: أعمره وأصلحه، فقال بعض من حضر: أو غير ذلك، فقال أبو دلف: وكيف يكون غير ذلك وأمير المؤمنين يزعم أني ملكته فأفسدته وهو عليّ، أفتراني لا أقدر على إصلاحه وهو معي؟ فقال الشيخ: إن همته لترمي به وراء سنّه مرمى بعيدا، وأخلق به أن يزيد فعله على قوله، فقبل الرشيد قوله [١] وولاه، وأمر بأن يخلع عليه، فلما خرج أبو دلف سأل عن الشيخ فقيل له: هو العبّاس بن الحسن العلويّ، فحمل إليه عشرة آلاف دينار وشكر فعله، فقال له العباس: ما أخذت على معروف أجرا قطّ، فاضطرب أبو دلف وقال: إن رأيت أن تكمل النعمة عندي وتتمّها عليّ بقبولها، فقال: أفعل، هي لي عندك، فإذا لزمتني حقوق لقوم يقصّر عنها مالي صككت عليك بما تدفعه إليهم إلى أن أستنفدها، فقنع بذلك أبو دلف، فما زال يصك عليه للناس إلى أن أفناها من غير أن يصل إلى العباس درهم منها. «٤٧٢» - روي أنّ شيخا أتى سعيد بن سلم وكلّمه في حاجة وما شاه، فوضع زجّ عصاه التي يتوكأ عليها على رجل سعيد حتى أدماها، فما تأوّه لذلك ولا نهاه، فلما فارقه قيل له: كيف صبرت منه على هذا؟ قال: خفت أن يعلم جنايته فينقطع عن ذكر حاجته. «٤٧٣» - مرّ عبد العزيز بن مروان بمصر فسمع امرأة تصيح بابنها: يا عبد العزيز، فوقف وقال: من المسمّى باسمنا؟ ادفعوا إليه خمسمائة دينار، فما ولد

стр. 648

في أيامه مولود بمصر إلا سمي عبد العزيز. «٤٧٤» - استلب رجل رداء طلحة بن عبيد الله، فذهب صاحبه يتبعه، فقال له طلحة: دعه فما فعل هذا إلا من حاجة. «٤٧٥» - قرع رجل باب بعضهم فقال لجاريته: انظري من القارع، فقال: أنا صديق لمولاك، فنهض وبيده السيف وكيس يسوق جاريته، وفتح الباب وقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا يك ما ساءك [١] ، قد قسمت أمرك بين نائبة فهذا المال، وبين عدوّ فهذا السيف، وأيّم فهذه [٢] الجارية. «٤٧٦» - وقع جعفر بن يحيى في رقعة متحرم به، هذا فتى له حرمة الأمل فامتحنه بالعمل، فإن كان كافيا فالسلطان له دوننا، وإن لم يكن كافيا فنحن له دون السلطان. «٤٧٧» - قال خالد: أيلبس الرجل أجود ثيابه ويتطيّب بأطيب طيبه ثم يتخطى القبائل والوجوه لا [٣] يريد إلا قضاء حقي [٤] وتعظيمي بسؤاله حاجة، فلا أعرف ذلك له ولا أكافيه عليه؟! تخطيت إذن مكارم الأخلاق ومحاسنها إلى مساوئها.

стр. 649

«٤٧٨» - قال ابن عبّاس: قدم علينا الوليد بن عتبة المدينة واليا كأن وجهه ورقة مصحف، فو الله ما ترك عانيا إلا فكّه، ولا غريما إلّا أدّى عنه، ينظر إلينا بعين أرقّ من الماء، ويكلّمنا بكلام أحلى من الجنى، ولقد شهدت منه مشهدا لو كان من معاوية لذكرته منه أبدا: تغدينا عنده فأقبل الخباز بصحفة فعثر بوسادة وندرت الصحفة من يده، فو الله ما ردّها إلا ذقنه، وصار ما فيها في حجره، ومثل الغلام ما فيه من الروح إلا ما يقيم رجله، فقام فدخل فغير ثيابه ثم أقبل تبرق أسارير وجهه، فأقبل على الخباز فقال: يا بائس ما أرانا إلا قد روّعناك، أنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى. فهذا هو التواضع الجميل، والبذل الحسن، والكرم المحض. «٤٧٩» - وفد داود بن سلم [١] على حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فلما نزل به حطّ غلمانه رحله فقال: [من المتقارب] ولما دفعت لأبوابهم ... ولاقيت حربا لقيت النجاحا رأيناه يحمده المجتدون ... ويأبى على العسر إلا سماحا ويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا فأجازه بجائزة عظيمة، ثم استأذنه داود في الخروج فأذن له، فأعطاه ألف دينار، ولما أراد أن يرحل لم يعنه غلمانه ولم يقوموا إليه، فظنّ داود أن حربا ساخط عليه، فرجع إليه فأخبره بما رأى من غلمانه، فقال، سلهم لم فعلوا

стр. 650

بك ذلك [١] . قال فسألهم فقالوا: إنا ننزل من جاءنا ولا نرحّل من خرج عنا؛ فسمع الغاضريّ هذا الحديث فجاءه وقال له: أنا يهوديّ إن لم يكن الذي قال لك الغلمان أحسن من شعرك. «٤٨٠» - قال إسحاق الموصليّ: دخلت يوما إلى المعتصم وعنده إسحاق ابن إبراهيم بن مصعب، فاستدناني فدنوت، واستدناني فتوقفت خوفا من أن أكون موازيا في مجلسي لإسحاق بن إبراهيم، ففطن المعتصم وقال: إنّ إسحاق كريم وإنك لم تستنزل [٢] ما عند الكريم بمثل إكرامه، ثم تحدثنا فأفضت بنا المذاكرة إلى قول أبي خراش الهذلي: [من الطويل] حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشرّ أهون من بعض فأنشدها المعتصم إلى آخرها، وأنشد فيها: ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنّه قد حطّ عن ماجد محض فغلطت وأسأت الأدب فقلت: يا أمير المؤمنين هذه رواية الكتّاب وما أخذ عن المعلم، والصحيح: بزّ عن ماجد محض، فقال لي: نعم صدقت، وغمزني بعينه يحذّرني من إسحاق، وفطنت لغلطي فأمسكت، وعلمت أنه قد أشفق عليّ من بادرة تبدر من إسحاق لأنه كان لا يحتمل مثل هذا في الخلفاء من أحد حتى يعظم [٣] عقوبته، ويطيل حبسه كائنا من كان، فنبهني ﵀ على ذلك. ٤٨١- لما مات عبيد الله بن سليمان بن وهب وارتفع الصراخ من داره

стр. 651

سجد المعتضد فأطال السجود، وكان بحضرته بدر المعتضديّ، فلما رفع رأسه قال له بدر: والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الولاء مجتهدا في خدمتك، عفيفا عن أموالك وأموال رعيتك، ميمون النقيبة حسن التدبير، قال: أفظننت يا بدر أني سجدت سرورا بموته؟ إنما سجدت شكرا لله إذ وفّقني فلم أصرفه ولم أوحشه، ولم يبلغ بي الطمع فيه إلى القبض عليه، ولم يبلغ به الفزع مني إلى التدبير عليّ، ففارقني ومضى راضيا وما بيننا مستور، ولم يجد أعداؤنا طريقا إلى أن يصفوني بقلّة الرعاية، والمسارعة إلى الاستبدال بالخدم، والشره إلى أموال حاشيتي. ٤٨٢- قال علي بن عبد الملك بن صالح: ما سمعت في الكرم بأحسن من فعل بعض ولد الحسين بن علي ﵉ بمستميح له، وذلك أنه أتاه ليلا، فلما ابتدأ يتكلم بحاجته أطفأ السراج وقال له: تكلّم بلسانك كلّه فإني أتخوّف أن تخجلك المعاينة عن استيفاء جميع مسألتك. ٤٨٣- أنشد اليزيدي [١] : [من الطويل] وما الجود عن فقر الرجال ولا الغنى ... ولكنّه خيم النفوس وخيرها فنفسك أكرم عن أمور كثيرة ... فمالك نفس بعدها تستعيرها «٤٨٤» - وقال إبراهيم بن العبّاس: [من الوافر] أميل مع الصديق على ابن أمي ... وأقضي للصديق على الشقيق

стр. 652

أفرّق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق فإن ألفيتني مولى مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق ٤٨٥- وقال ابن صرمة الأنصاري: [من الوافر] لنا صرم يؤول الحقّ فيها ... وأخلاق يسود بها الفقير ونصح للعشيرة حيث كانت ... إذا ملئت من الغشّ الصدور وحلم لا يصوب الجهل فيه ... وإطعام إذا قحط الصّبير بذات يد على ما كان فيها ... نجود به قليل أو كثير ومما روي في مساوىء الأخلاق: «٤٨٦» - شخص أبو وجزة السلميّ (المعروف بالسعديّ لنزوله في بني سعد ومحالفته إياهم) إلى المدينة يريد آل الزبير، وشخص أبو زيد الأسلميّ يريد إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر [١] بن مخزوم وهو والي المدينة وخال هشام بن عبد الملك [٢] ، فاصطحبا، فقال أبو وجزة: هلمّ فلنشترك فيما نصيبه، فقال أبو زيد: كلا أنا أمدح الملوك، وأنت تمدح السّوق، فلما دخلا المدينة صار أبو زيد إلى إبراهيم بن هشام فأنشده: يا ابن هشام يا أخا الكرام فقال إبراهيم: وكأنما أنا أخوهم وكأني لست منهم، ثم أمر به فضرب بالسياط. وامتدح أبو وجزة آل الزبير فكتبوا له بستين وسقا من تمر وقالوا: هي لك في كل سنة، فانصرفا فقال أبو زيد: [من الطويل]

стр. 653

مدحت عروقا للندى مصّت الثرى ... حديثا فلم تهمم بأن تتزعزعا [١] نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى ... وحلّبت الأيّام والدهر أضرعا سقاها ذوو الأرحام سجلا على الظما ... وقد كربت أعناقها أن تقطّعا بفضل سجال لو سقوا من مشى بها ... على الأرض أرواهم جميعا وأشبعا فضمّت بأيديها على فضل ما بها ... من الريّ لما أوشكت أن تضلّعا وزهّدها أن تفعل الخير في الغنى ... مقاساتها من قبله [٢] الفقر جوّعا وقال أبو وجزة: [من البسيط] راحت رواحا قلوصي وهي حامدة ... آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا راحت بستّين وسقا في حقيبتها ... ما حملت حملها الأدنى ولا السّددا ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت ... ستّين وسقا ولا جابت به بلدا ذاك القرى لا قرى قوم رأيتهم ... يقرون ضيفهم الملويّة الجددا [٣] «٤٨٧» - قال رجل من أهل العراق: أدناني أبو مسلم وآنسني ثم سألني فقال: أي الأعراض أدنى؟ قلت: عرض بخيل، قال: كلا، ربّ بخيل لم يكلّم عرضه، قلت: فأيها أصلح الله الأمير؟ قال: عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذمّ. «٤٨٨» - قال إبراهيم بن العباس: والله لو وزنت كلمة رسول الله ﷺ

стр. 654

بمحاسن الناس لرجحت وهي قوله: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم؛ هذا أبو عبّاد كان كريم العهد كثير البذل، سريعا إلى فعل الخير، فطمس ذلك سوء خلقه فما ترى له حامدا. «٤٨٩» - قيل للمأمون: إنّ دعبلا قد هجاك، فقال: وأيّ عجب في ذاك؟ هو يهجو أبا عبّاد لا يهجوني أنا؟ ومن أقدم على جنون أبي عباد أقدم على حلمي. ثم قال للجلساء: من كان منكم يحفظ شعره في أبي عباد فلينشده، فأنشده بعضهم: [من الكامل] أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبّره أبو عبّاد خرق على جلسائه فكأنّهم ... حضروا لملحمة ويوم جلاد يسطو على كتّابه بدواته ... فمضمّخ بدم ونضح مداد وكأنه من دير هزقل مفلت ... حرد يجرّ سلاسل الأقياد فاشدد أمير المؤمنين وثاقه ... فأصحّ منه بقية [١] الحداد وكان بقية هذا مجنونا في البيمارستان. ولأبي عباد حكايات عجيبة في طيشه وجهله، فمما يروى عنه أنه غضب على بعض كتّابه فرماه بدواة، فأبلغ المأمون فقال له: لم فعلت ذلك؟ فقال: أنا ممن قال الله فيهم: وإذا ما غضبوا هم يعقرون فقال: ويلك لا تحسن آية؟ فقال: نعم: أنا أقرأ من سورة ألف آية.

стр. 655

«٤٩٠» - وكان محمد بن جميل كاتب المنصور صاحب ديوان الخراج شديد الخرق غاية في الخفّة، وكان ومجلسه غاصّ بأهله يعدو خلف كاتبه بالنعل، وكاتبه يعدو بين يديه. «٤٩١» - لقي الحجاج أعرابيا بفلاة فسأله عن نفسه، فأخبره بكلّ ما يكره وهو لا يعرفه، فقال: إن لم أقتلك فقتلني الله، قال الأعرابي: فأين حقّ الاسترسال؟ فقال الحجاج: أولى لك، وأعرص عنه. (وليس الحجاج ممن تأتي منه مكرمة، ولكن ربّ رمية من غير رام) . «٤٩٢» - قال رسول الله ﷺ : ما نزعت الرحمة إلا من شقي. «٤٩٣» - ولما وفد عليه ﷺ قيس بن عاصم سأله بعض الأنصار عما يتحدّث به عنه في الموؤدات، فأخبره أنه ما ولدت له قطّ بنت إلا وأدها وقال: كنت أخاف العار، وما رحمت منهنّ إلّا بنيّة كانت لي ولدتها أمّها وأنا في سفر، فدفعتها إلى أخوالها، وقدمت فسألت عن الحمل فأخبرتني المرأة أنها ولدت ولدا ميتا، ومضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبية ويفعت، فزارت أمّها ذات يوم، فدخلت فرأيتها وقد ضفّرت شعرها، وجعلت في قرونها شيئا من خلوق، ونظمت عليها ودعا، وألبستها قلادة جزع، وجعلت في عنقها مخنقة بلح، فقلت: من هذه الصبية، فلقد أعجبني كمالها وكيسها؟

стр. 656

فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، فأمسكت عنها حتى اشتغلت أمها، ثم أخرجتها يوما فحفرت لها حفيرة وجعلتها فيها وهي تقول لي: يا أبة ما تصنع بي؟ وجعلت أقذف عليها التراب وهي تقول: أمغطي أنت بالتراب؟ أتاركي أنت وحدي ومنصرف عني؟ وجعلت أقذف عليها التراب حتى واريتها فانقطع صوتها. فدمعت عين رسول الله ﷺ ثم قال: إنّ هذه لقسوة وإن من لا يرحم لا يرحم. ورأى في حجر رسول الله ﷺ بعض بناته يشمّها فقال له: ما هذه السخلة تشمها؟ والله لقد وأدت ثمانية، وولد لي ثمانون ما شممت منهم أنثى ولا ذكرا قط، فقال رسول الله ﷺ : فهل إلا أن ينزع الله الرحمة منك. «٤٩٤» - وكان محمد بن عبد الملك الزيات قاسيا مع غير ذلك من رذائل جمعت فيه، على فضله وعلمه وأدبه وكفايته، فذكروا أن رجلا دخل عليه فقال له: أنا أصلحك الله أمتّ إليك بجواري وأرغب إليك في عطفك عليّ، فقال له: أما الجوار فنسب بين الحيطان، وأما العطف والرقة فهما للصبيان والنساء. ٤٩٥- وقيل: كان له جار أيّام انخفاض حاله، وكان بينهما ما يكون بين الجيران من التباعد، فلما بلغ محمد ما بلغ من الولاية شخص إلى سرّ من رأى، فورد بابه وهو يتغدّى، فوصل إليه وهو على طعامه، فتركه قائما لا يرفع إليه طرفه وهو يأكل حتى فرغ من أكله، ثم رفع رأسه إليه وقال له: ما خبرك؟ فقال الرجل: قد أصارك الله تعالى أيها الوزير إلى أجلّ الآمال، وصرف رغبات الناس إليك، وقد علمت ما كنت تنقمه عليّ، وقد غيّر الدهر حالي فوفدت إليك مستقيلا عثرتي ومستعطفا لك على خلّتي، فقال له: قد

стр. 657

علمت هذا فانصرف وعد إليّ في غد، فولّى الرجل من بين يديه، فلما صار في صحن داره دعا به، فلما وقف بين يديه قال: لا والله مالك عندي شيء مما أمّلته وقدّرته، فلا تقم عليّ، ثم أقبل على بعض من بين يديه فقال: إنما رددته وأيّسته بخلا عليه بفسحة الأمل وأنس الرجاء في بقيّة يومه. ٤٩٦- وكان عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر موصوفا بالقسوة، كان [١] يغضب على الرجل فيأمر بضربه بالسياط وهو يتحدّث، ويتغافل عنه حتى يموت تحت السياط. وقال عيسى النوفلي: غضب ابن جعفر على غلام له وأنا عنده جالس في غرفة بأصفهان، فأمر أن يرمى به منها إلى أسفل، ففعل به ذلك، فتعلق بدرابزين كان على الغرفة فأمر بقطع يده التي أمسكه بها فقطعت، ومرّ الغلام يهوي حتى بلغ الأرض فمات. ٤٩٧- شاعر: [من الطويل] ولا تك ذا وجهين وجه شهادة ... ووجه مغيب غيبه غير طائل «٤٩٨» - آخر: [من الطويل] وكم من صديق ودّه بلسانه ... خؤون بظهر الغيب لا يتذمّم كذلك ذو الوجهين يرضيك شاهدا ... وفي غيبه إن غاب صاب وعلقم ٤٩٩- آخر: [من الوافر] وذو الوجهين ظاهره صحيح ... وباطن غيبه داء دفين

стр. 658

«٥٠٠» - قال بعض الحكماء: آفة الملوك سوء السيرة، وآفة الوزراء سوء السريرة، وآفة الجند مخالفة القادة، وآفة الرعيّة مفارقة الطاعة، وآفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة، وآفة القضاة شدّة الطمع، وآفة العدول قلة الورع، وآفة الملوك مضادة الأعوان، وآفة العدل ميل الولاة، وآفة الجريء إضاعة الحزم، وآفة القويّ استضعاف الخصم، وآفة المنعم قبح المنّ، وآفة المذنب سوء الظنّ. من كثر ملقه لم يعرف بشره. «٥٠١» - كان يوسف بن عمر الثقفي من الموصوفين بالقسوة والفظاظة، وكان في إمارته العراق يعظ الناس ويأمر بالخير، وينهى عن الأذى، ويزهّد في الدنيا، ويرغّب في المعاد، ويخالف فعله قوله- كان يتخد لهشام طنافس الخزّ في واسط، فامتحن طنفسة منها بأن جرّ عليها ظفر إبهامه فعلقت به غفرة من الطنفسة فأمر بيد الصانع فقطعت. وأمر أن يضرب الدرهم لا ينقص حبّة فما فوقها، ونادى من فعل ذلك ضربته ألف سوط، ووجد درهما ناقصا حبّة فأحضر الضرّابون فكانوا مائة، فضرب كلّ واحد ألف سوط، فقيل ضرب في حبّة فضة مائة ألف سوط. وقد أكثر الشعراء في ذكر حسد الأقارب: ٥٠٢- قال الأقرع بن معاذ: [من الطويل] ومولى أمنّا داءه تحت جنبه ... فلسنا نجازيه ولسنا نعاتبه رأى الله أعطاني فأضمر صدره ... على حسد الإخوان وازورّ جانبه فويل له منّا وويل لأمّه ... علينا إذا ما حرّكته حوازبه

стр. 659

«٥٠٣» - وقال مبذول العنزي [١] : [من الطويل] ومولى كضرس السوء يؤذيك مسّه ... ولا بدّ إن آذاك أنك فاقره دويّ الجوف إن ينزع يسؤك مكانه ... وان يبق تصبح كلّ يوم تحاذره يسرّ لك البغضاء وهو مجامل ... وما كلّ من يجني عليك تساوره وما كلّ من مدّدت ثوبك فوقه ... لتستره ممّا جنى أنت ساتره «٥٠٤» - وقال عمر بن أبي ربيعة: [من الكامل] ومشاحن ذي بغضة وقرابة ... يزجي لأقربه عقارب لسّعا يسعى ليهدم ما بنيت وإنني ... لمشيّد بنيانه المتضعضعا وإذا سررت يسوءه ما سرّني ... ويرى المسرّة مروتي أن تقرعا [٢] وإذا عثرت يقول إني شامت ... وأقول حين أراه يعثر دعدعا [٣] «٥٠٥» - وقال الحسن بن هانىء: [من المديد] وابن عمّ لا يكاشفنا ... قد لبسناه على غمره كمن الشنآن فيه لنا ... ككمون النار في حجره «٥٠٦» - وقال آخر: [من الطويل]

стр. 660

لكلّ كريم من ألائم قومه ... على كلّ حال حاسدون وكشّح «٥٠٧» - وقال ابن المعتز: [الكامل المجزوء] ما عابني إلا الحسو ... د وتلك من خير المناقب وإذا فقدت الحاسدي ... ن فقدت في الدنيا الأطايب «٥٠٨» - ومن كلام بعض الزهاد: إذا زال المحسود عليه علمت أنّ الحاسد كان يحسد على غير شيء. «٥٠٩» - وقال عروة بن أذينة: [من البسيط] لا يبعد الله حسّادي وزادهم ... حتى يموتوا بداء فيّ مكنون إني رأيتهم في كلّ منزلة ... أجلّ قدرا من اللائي يحبوني «٥١٠» - ولقد أحسن الآخر في قوله، وهو الكميت بن معروف الأسدي [١] : [من البسيط] فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد ٥١١- وفي الحسد يقول الشاعر: [من الطويل]

стр. 661

إني امرؤ لا أحسد الناس نعمة ... إذا نالها قبلي من الناس نائل أأحسد فضل الله أن ناله امرؤ ... سواي وعندي للاله فضائل وهبني حسدت المرء بالجهل رزقه ... وحال به عني من الله حائل ولم يضرر المحسود مني نفاسة ... أليس على قلبي تحوم البلابل «٥١٢» - ومن أبلغ ما سمع في الحنق أنّ أبا العبّاس السفّاح لمّا قتل بني أميّة بحضرته دعا بالغداء، ثم أمر ببساط فبسط عليهم، وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ قال: ما أعلمني أكلت أكلة قطّ كانت أهنا ولا أطيب في نفسي منها. ويقال: إنهم صلبوا في بستانه حتى تأذّى جلساؤه بروائحهم، فكلموه في ذلك فقال: والله لهذا ألذّ عندي من شمّ المسك والعنبر، غيظا عليهم، وتمثّل بقول ذي الإصبع: [من البسيط] لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ تشفيني «٥١٣» - وضد هذا التشفي [١] ما حكي عن محمد بن زيد بن علي بن الحسين في حكاية طويلة رواها القاضي التنوخي قال: كان محمد بن زيد الداعي العلوي بطبرستان إذا افتتح الخراج نظر ما في بيت المال من خراج السنة التي قبلها، ففرّق في قبائل قريش قسطا على دعوتهم، وفي الأنصار والفقهاء وأهل القرآن وسائر الناس، حتى يفرق جميع ما بقي، فجلس في سنة من السنين يفرّق المال كما كان يفعل، فلما فرغ من بني هاشم دعا بسائر عبد مناف، فقام رجل فقال له: من أيّ عبد مناف أنت؟ قال من بني أميّة، قال: من

стр. 662

أيهم؟ فسكت. قال: لعلك من بني معاوية؟ قال: نعم، قال: فمن أي ولده؟ فأمسك، قال: لعلك من ولد يزيد، قال: نعم، قال بئس الاختيار اخترت لنفسك من قصدك بلدا ولايته لآل أبي طالب، وعندك ثأرهم في سيدهم، وقد كانت لك مندوحة عنهم في الشام والعراق إلى من يتوالى جدّك ويحبّ برّك، فإن كنت جئت على جهل [١] بهذا [٢] منك فما يكون بعد جهلك شيء، وإن كنت جئت لغيره فقد خاطرت بنفسك، قال: فنظر إليه العلويون نظرا شديدا، فصاح بهم محمد وقال: كفوا، كأنكم تظنون أنّ في قتل هذا دركا أو ثأرا بالحسين بن علي، وأيّ جرم لهذا؟ إنّ الله جل وعز قد حرّم أن تطالب نفس بغير ما اكتسبت، والله لا يعرض له أحد إلا أقدته منه؛ واسمعوا حديثا أحدثكم به يكون لكم قدوة فيما تستأنفون، حدثني أبي عن أبيه قال: عرض على المنصور سنة حجّ جوهر فاخر فعرفه وقال: هذا جوهر كان لهشام بن عبد الملك وهو هذا بعينه وقد بلغني [٣] خبره عند محمد ابنه، وما بقي منهم أحد غيره، ثم قال للربيع: إذا كان غدا وصليت بالناس في المسجد الحرام وحصل الناس فيه فأعلق الأبواب كلّها ووكلّ بها ثقاتك من الشيعة فأقفلها وافتح للناس بابا واحدا وقف عليه، فلا يخرج أحد إلا من عرفته. فلما كان من الغد فعل الربيع ما أمره به وتبيّن محمد بن هشام القصة، فعلم أنه هو المطلوب وأنه مأخوذ، فتحير، وأقبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على تفئة ذلك فرآه متحيرا وهو لا يعرفه، فقال له: يا هذا أراك متحيرا فمن أنت، ولك أمان الله وأنت في ذمتي حتى أتخلّص بك، فقال: أنا محمد ابن هشام بن عبد الملك، فمن أنت؟ قال: أنا محمد بن زيد بن علي بن الحسين، فقال عند ذلك: أحتسب نفسي إذن، قال: لا بأس عليك يا ابن

стр. 663

عمّ، فانك لست قاتل زيد ولا في قتلك إدراك ثأره، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامي إيّاك، ولكن تعذرني في مكروه أتناولك به وقبيح [١] أخاطبك به يكون [٢] فيه خلاصك، قال: أنت وذاك، فطرح رداءه على رأسه ووجهه، ولبّبه وأقبل يجره، فلما وقعت عين الربيع عليه لطمه لطمات وجاء به إلى الربيع وقال له: يا أبا الفضل إنّ هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكراني جماله ذاهبا وراجعا، وقد هرب منّي في هذا الوقت وأكرى بعض القواد الخراسانية، ولي عليه بيّنة فتضمّ إليّ حرسيّين يصيران به معي إلى القاضي ويمنعان الخراسانيّ من إعزازه، فضمّ إليه حرسيين وقال امضيا معه، فلما بعد عن المسجد قال له: يا خبيث تؤدّي إليّ حقي؟ قال: نعم يا ابن رسول الله، فقال للحرسيين: انصرفا، فانصرفا وأطلقه، فقبّل محمد بن هشام رأسه وقال: بأبي أنت وأمي: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ثم أخرج جوهرا له قدر وقال: تشرّفني بقبول هذا؟ قال: يا ابن عم إنّا أهل بيت لا نقبل على المعروف مكافأة، وقد تركت لك أعظم من ذلك، تركت لك دم زيد بن علي، فانصرف راشدا ووار شخصك حتى يخرج هذا الرجل فإنه مجدّ في طلبك، فمضى وتوارى. ثم أمر للداعي الأموي بمثل ما أمر به لسائر بني عبد مناف، وضمّ إليه جماعة من مواليه، وأمرهم أن يخرجوه إلى الريّ ويأتوه بكتابه بسلامته، فقام الأمويّ فقبّل رأسه، ومضى معه القوم حتى وصل إلى مأمنه، وجاءوه بكتابه من الري. «٥١٤» - ومن الحقد البليغ ما فعله عبد الله بن الزبير بأخيه عمرو، وكان

стр. 664

عمرو بن الزبير قد شايع بني أميّة، وهدم دور قوم في هواهم، فلما ولي عبد الله ابن الزبير أخوه واستولى على الحجاز، أقام عمرا للناس ليقتصوا منه، فبالغ كلّ ذي حقد عليه في ذلك، وتدسّس فيه من يتقرّب إلى أخيه، وكان أخوه عبد الله لا يسأل من ادعى عليه شيئا بيّنة، ولا يطالبه بحجة، وإنما يقبل قوله ودعواه، ثم يدخله إلى السجن ليقتص منه، فكانوا يضربونه والقيح يتنضح [١] من ظهره وأكتافه على الأرض والحائط [٢] ، لشدّة ما يمرّ به، ثم يضرب وهو على تلك الحال، ثم أمر بأن ترسل عليه الجعلان، فكانت تدبّ عليه فتثقب لحمه وهو مقيّد مغلول يستغيث فلا يغاث، حتى مات على تلك الحال. فدخل الموكل به على أخيه عبد الله بن الزبير وفي يده قدح لبن يريد أن يتسحر به وهو يبكي، فقال له: مالك، أمات عمرو؟ قال: نعم، قال: أبعده الله، وشرب اللبن ثم قال: لا تغسلوه ولا تكفّنوه وادفنوه في مقابر المشركين، فدفن فيها. «٥١٥» - حدث شيخ من بني نبهان قال: أصابت بني شيبان [٣] سنة ذهبت بالأموال، فخرج منهم رجل بعياله حتى أنزلهم الحيرة، وقال لهم: كونوا قريبا من الملك يصبكنّ من خيره حتى أرجع إليكنّ، وآلى أليّة لا يرجع حتى يكسبهن خيرا أو يموت؛ فتزود زادا ثم مشى [يوما] إلى الليل فإذا هو بمهر مقيّد يدور حول خباء [٤] ، فقال: هذا أول الغنيمة، فذهب يحلّه ويركبه، فنودي خلّ عنه واغنم [٥] نفسك، فتركه ومضى، فمشى سبعة أيّام

стр. 665

حتى انتهى إلى عطن إبل مع تطفيل الشمس، وإذا خباء عظيم وقبة أدم [١] ، قال: فقلت في نفسي: ما لهذا الخباء بدّ من أهل، وما لهذه القبة بدّ من ربّ، وما لهذا العطن بدّ من إبل، فنظرت في الخباء فإذا شيخ كبير قد اختلفت ترقوتاه كأنه نسر، [قال] : فجلست خلفه، فلما وجبت الشمس إذا فارس قد أقبل لم أر فارسا قطّ أعظم منه، ولا أجسم، على فرس مشرف، ومعه أسودان يمشيان جنبيه، وإذا مائة من الإبل مع فحلها، فبرك الفحل وبركن حوله، فقال لأحد عبديه احلب فلانة ثم اسق الشيخ، فحلب في عسّ حتى ملأه ووضعه بين يدي الشيخ وتنحّى، فكرع فيه الشيخ مرة أو مرتين ثم نزع، وثرت إليه فشربته، فرجع إليه العبد فقال: يا مولاي شربه حتى أتى على آخره، ففرح بذلك وقال: احلب له فلانة، فحلبها ثم وضع العسّ بين يدي الشيخ، فكرع فيه كرعة ثم نزع، فثرت إليه فشربت نصفه وكرهت أن آتي على آخره فأتّهم، فجاء العبد وأخذه وقال لمولاه: قد شرب وروي: قال: دعه، ثم أمر بشاة فذبحت وشوى للشيخ منها، واكل هو وعبداه، فأمهلت حتى إذا ناموا وسمعت الغطيط ثرت إلى الفحل فحللت عقاله وركبته، فاندفع بي وتبعته الإبل، فمشيت [٢] ليلتي حتى الصباح، فلما أصبحت نظرت فلم أر أحدا، فشللتها إذن شلا عنيفا حتى تعالى النهار، ثم التفتّ التفاتة فإذا بشيء كأنه طائر، فما زال يدنو حتى تبيّنته، فإذا فارس على فرس، وإذا هو صاحبي بالأمس، فعقلت الفحل ونثلت كنانتي، ووقفت بينه وبين الإبل، فقال: احلل عقاله، فقلت: كلا والله، لقد خلّفت نسيّات بالحيرة وآليت أليّة ألا أرجع أو أفيدهنّ خيرا أو أموت، قال: فإنك ميت، حلّ عقاله لا أمّ لك، قلت: هو ما قلت لك، قال: إنك لمغرور انصب لي خطامه وانصب [٣]

стр. 666

خمس عجر، ففعلت فقال: أين تحبّ أن أضع سهمي، فقلت: في هذا الموضع، فكأنما وضعه بيده، ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمس بخمسة أسهم، فرددت نبلي وحططت قوسي، ووقفت له مستسلما فدنا مني، فأخذ السيف والقوس ثم قال: ارتدف خلفي، وعرف أني الذي شربت عنده اللبن، فقال: ما ظنّك بي؟ قلت: أحسن الظنّ، قال: وكيف ذاك؟ قلت: لما لقيت من تعب ليلتك وقد أظفرك الله بي، فقال: أترانا نهيجك وقد بتّ تنادم مهلهلا؟ فقلت: أزيد الخيل أنت؟ قال: نعم، فقلت: كن خير آخذ، فقال: ليس عليك بأس، فمضى إلى موضعه الذي كان به ثم قال: أما لو كانت هذه الإبل لي لسلّمتها إليك ولكنها لبنت مهلهل، فأقم عليّ فإني على شرف غارة، فأقمت أياما [١] ، فمضى فأغار على بني نمير بالملح، فأصاب مائة بعير فقال: هذه أحبّ إليك أم تلك؟ قلت: بل هذه، قال: دونكها، وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء حتى وردت الحيرة، فلقيني نبطيّ فقال: أيسرّك أنّ لك بإبلك هذه بكلّ بعير منها [٢] بستانا من هذه البساتين؟ فقلت: وكيف ذلك؟ قال: هذا قرب مخرج نبيّ يخرج فيملك هذه الأرض ويحول بين أربابها وبينها حتى إنّ أحدكم ليبتاع البستان من هذه البساتين بثمن بعير، قال: فاحتملت بأهلي حتى انتهيت إلى مواطننا، فبينا نحن في الشّيطين على ماء لنا وقد كان الحوفزان بن شريك أغار على بني تميم، فجاءنا خبر رسول الله ﷺ فأسلمنا فما مضت أيّام حتى اشتريت بثمن بعير من إبلي بستانا بالحيرة. «٥١٦» - أسلم أبو خراش الهذلي فحسن إسلامه، ثم أتاه نفر من أهل اليمن قدموا حجاجا [فنزلوا بأبي خراش] والماء غير بعيد عنهم، فقال: يا بني

стр. 667

عمي ما أمسى عندنا ماء ولكن هذه برمة وشاة وقربة فردوا الماء ثم كلوا شاتكم ودعوا برمتنا وقربتنا على الماء حتى نأخذهما، فقالوا: لا والله ما نحن بسارين في ليلتنا هذه وما نحن ببارحين حيث أمسينا. فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استقى، ثم أقبل صادرا فنهشته حيّة. فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء، وقال: اطبخوا شاتكم وكلوا، ولم يعلمهم ما أصابه، فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا، وأصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه، فبلغ خبره عمر بن الخطاب فغضب غضبا شديدا وقال: لولا أن تكون سنّة لأمرت أن لا يضاف يمان أبدا، ولكتبت بذلك إلى الآفاق، إنّ الرجل ليضيف أحدهم فيبذل له مجهوده فيتسخطّه ولا يقبله منه ويطالبه بما لا يقدر عليه، كأنه يطالبه بدين، أو يتعنّته ليفضحه فهو يكلّفه التكاليف حتى أهلك ذلك من فعلهم رجلا مسلما وقتله، ثم كتب إلى عامله أن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرّمهم ديته ويؤدّبهم بعد ذلك بعقوبة يمسّهم بها جزاء لفعلهم. «٥١٧» - قال أعرابيّ: أسوأ ما في الكريم أن يكفّ عنك خيره [١] ، وخير ما في اللئيم أن يكفّ عنك شرّه [٢] . «٥١٨» - قال عبد الملك بن مروان: يا بني أمية ابذلوا نداكم، وكفّوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، فإن خير المال ما أفاء حمدا

стр. 668

أو نفى ذمّا، ولا يقولنّ أحدكم ابدا بمن تعول فإنما الناس عيال الله قد كفل بأرزاقهم فمن وسّع أخلف الله عليه ومن ضيّق ضيق الله عليه. «٥١٩» - وقال أعرابي: لا يوجد العجول محمودا، ولا الغضوب مسرورا، ولا الملول ذا أخدان [١] ، ولا الحرّ حريصا، ولا الشّره غنيا. ٥٢٠- وقال أعرابي: صن عقلك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدتك بمجانبة الخيلاء، ومحلك بالإجمال في الطلب. «٥٢١» - شاعر: [من الطويل] أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى ... وللحلم أحيانا من الجهل أقبح إذا كان حلم المرء عون عدوّه ... عليه فإن الجهل أعفى وأروح وفي العفو ضعف والعقوبة قوة ... إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح «٥٢٢» - قال رجل للأحنف: دلّني على رجل كثير العيوب، قال: اطلبه عيّابا فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه. «٥٢٣» - وأنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل] ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب

стр. 669

«٥٢٤» - ومثله: [من الوافر] وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب «٥٢٥» - ويقال: شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند الاعطاء. ٥٢٦- وقال سفيان بن عيينة، وذكر عنده البغي: أراد إخوة يوسف أن يذلّوه فما برح بهم الدهر حتى قالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ (يوسف: ٨٨) . ٥٢٧- الأقرع بن معاذ: [من الطويل] يطّيب نفسي أنني غير مجرم ... وأني إذا ناجيتها لا ألومها «٥٢٨» - زهير: [من الطويل] وفي الحلم إدهان وفي العفو دربة ... وفي الصدق منجاة من الشرّ فاصدق ومن يلتمس حسن الثناء بماله ... يصن عرضه من كلّ شنعاء موبق ومن لا يصن قبل النوافذ عرضه ... فيحرزه يعرر به ويخرّق «٥٢٩» - العرزمي: [من الطويل] وإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشرّ دعّاء وللغيّ جالب

стр. 670

والأصل فيه قوله تعالى وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (الأنفال: ٤٦) . «٥٣٠» - عدي بن زيد: [من الطويل] وإياك من فرط المزاح فإنّه ... جدير بتسفيه الحليم المسدّد ٥٣١- يحيى بن زياد: [من البسيط] لا يلبث الهزل أن يجني لصاحبه ... ذما ويذهب عنه بهجة الأدب «٥٣٢» - طريح بن إسماعيل: [من الطويل] إذا كنت عيّابا على الناس فاحترس ... لنفسك مما أنت للناس قائله «٥٣٣» - بشار: [من الرجز] وصاحب كالدمّل الممدّ ... حملته في رقعة من جلدي أرقب منه مثل يوم الورد ... حتى مضى غير حميد الفقد وما درى ما رغبتي من زهدي ٥٣٤- نافع بن لقيط الاسدي: [من الطويل] إذا أنت اكثرت المجاهل كدّرت ... عليك من الأخلاق ما كان صافيا
следующие страницы →