إلى الحاجب وهو ينظر إليها فقال له: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، وإن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف، فضحك عبيد الله وقال: فشأنك بها فهي لك قال: جعلت فداك، أنّى وإن يبلغ ذلك معاوية يجد عليّ، قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن، فإذا كان [١] خروجنا حملها إليك ليلا، قال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم اكبر من الكرم، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه، يعني معاوية، فظنّ عبيد الله أنها مكيدة منه فقال: دع هذا الكلام فإنا قوم نفي بما عقدنا ولا تنقض ما أكّدنا.
«٧٥٤» - وجاءه رجل من الأنصار فقال له: يا ابن عمّ محمد، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سمّيته باسمك تبركا مني به، وإنّ أمّه ماتت، فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة، وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار لينفقها على تربيته، ثم قال للأنصاريّ: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس، وفي المال قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك، لو سبقت حاتما بيوم ما ذكرته العرب أبدا، ولكنه سبقك فصرت له تاليا، وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ صوبك أكثر من وابله.
«٧٥٥» - وعبيد الله بن أبي بكرة من الأجواد، أدلى إليه رجل بحرمة فأمر له بمائة ألف درهم فقال: أصلحك الله ما وصلني بها أحد قط، لقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لنا بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس.
стр. 737
«٧٥٦» - الذين انتهى إليهم الجود في الجاهليّة: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المريّ، وكعب بن مامة الايادي، وضرب المثل بحاتم وكعب، وحاتم أشهرهما. فأما كعب فجاد بنفسه وآثر رفيقه بالماء، تصافنا الإداوة في المفازة فمات عطشا، وليس له خبر مشهور غيره. وأما حاتم فأخباره كثيرة، وآثاره في الجود مشهورة، وكان إذا اشتدّ البرد وكلب الشتاء أمر غلامه يسارا فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضلّ الطريق ليلا فيصمد نحوها، فقال في ذلك: [من الرجز]
أوقد فإن الليل ليل قرّ ... والريح يا واقد ريح صرّ
عسى يرى نارك من يمرّ ... إن جلبت ضيفا فأنت حرّ
قالوا: ولم يكن حاتم يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود به ثم جاد بفرسه في سنة أزمة:
«٧٥٧» - قالت النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ أفق السماء [١] ، وراحت الإبل حدبا حدابير [٢] ، وضنّت المراضيع عن أولادها أن تبضّ بقطرة، وجلفت [٣] السنة المال وأيقنّا بالهلاك، فو الله إني لفي
стр. 738
ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى أصيبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبيّة، فو الله ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني، فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد آخر الليل، فقال: من هذا؟ قال: جارتك فلانة، أتيتك [١] من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوّلا إلا عليك أبا عدي، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي جانبيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرّ، ثم كشط عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، فقال: شأنك فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا، عليكم بالنار، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم أو حافر.
«٧٥٨» - مرض سعيد بن العاص بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل ابن السمط ومسلم بن عقبة المريّ ويزيد بن شجرة الرهاوي، فلما نظر سعيد إلى معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما له، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان فإنك ضعفت للعلة، فسقط، فبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه، وأخذ بيده فأقعده معه على فراشه وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه، وأطال القعود عنده. فلما خرج التفت إلى شرحبيل ويزيد ابن شجرة فقال: هل رأيتما خللا في حال أبي عثمان؟ فقالا: لا ما رأينا شيئا ننكره، فقال لمسلم: ما تقول أنت؟ قال: رأيت خللا، قال: وما ذاك؟
قال: رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة، ورأيت صحن داره غير
стр. 739
مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه، قال: صدقت، كلّ ذلك قد رأيت، فوجه إليه [مع مسلم] بثلاثمائة ألف، فسبق رسول مسلم إلى سعيد يبشره بتوجيهها، ويخبره بما كان، فغضب سعيد وقال للرسول: إنّ صاحبك ظنّ أنه أحسن فأساء، وتأوّل فأخطأ، فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرت حركته اتسخ ثوبه، وأما كنس الدار فلست من جعل داره مرآته، وبهاءه لبسته [١] ، ومعروفه عطره، ثم لا يبالي من مات هزلا من ذوي رحمه أو لحمته [٢] ، وأما منازعة التجار قهرماني فمن كثرت حوائجه وبيعه وشراؤه لم يجد بدا من أن يكون طالبا أو مطلوبا، وأما المال الذي أمر لنا به أمير المؤمنين فوصلته به كلّ رحم قاطعة، وهناه كرامة [٣] المنعم بها، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معوّلنا. فركب مسلم إلى معاوية فأعلمه، فقال: صدق ابن عمّي فيما قال، وأخطأت فيما أنهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنّه من فعل خيرا كوفىء عليه.
«٧٥٩» - قال الحسن: بلغني أن رجلا جهده الجوع ففطن به بعض الأنصار، فلما أمسى أتى به رحله، وقال لامرأته: هل لك أن نطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟ قالت: نعم، قال: فإذا قرّبت الطعام فاعمدي كأنك تصلحين السراج فاطفئيها، ففعلت، وجاءت بثريدة كأنها قطاة فوضعتها، ثم دنت فأطفأت السراج فجعل الانصاريّ يضع يده في القصعة ولا يأكل، وأكل
стр. 740
الضيف حتى أتى عليها، فلما أصبح صلّى مع رسول الله ﷺ فقال له: أنت صاحب الكلام الليلة؟ قال: وما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: قد كان ذاك يا رسول الله، قال: فوالله لقد عجب الله من صنيعكما.
«٧٦٠» - اقترض ابن عبدل من التجار مالا، وحلف لهم بالطلاق ثلاثا أن يقضيهم المال عند طلوع الهلال، فلما بقي من الشهر يومان قال: [من المنسرح]
قد بات همّي قرنا أكابده ... كأنما مضجعي على حجر
من رهبة أن يرى هلال غد ... فإن رأوه فحقّ لي حذري
وفقد بيضاء غادة كملت ... كأنها صورة من الصور
أصبحت من أهلي الغداة ومن ... مالي على مثل ليلة الصّدر
فبلغ خبره عبد الملك بن بشر فأعطاهم ما لهم عليه وأضعفه له.
«٧٦١» - مرّ عبد الله بن جعفر ومعه عدة من أصحابه بمنزل رجل قد أعرس، فإذا بقينة تغنّي: [من المنسرح]
قل لكرام ببابنا يلجوا ... ما في التصابي على الفتى حرج
فقال عبد الله لأصحابه: لجوا فقد أذن لكم القوم، فنزل ونزلوا فدخلوا، فلما رآه صاحب المنزل تلقاه فأجلسه على الفرش، فقال للرجل: كم أنفقت على وليمتك؟ قال: مائتي دينار، قال: فكم مهر صاحبتك [١] ؟ قال:
كذا وكذا، فأمر له بالجميع وبمائة دينار بعد ذلك معونة واعتذر إليه وانصرف.
٧٦٢- قيل غاب محمد بن نصر بن بسام عن داره مدة عشرين سنة،
стр. 741
ووكل بها في هذه المدة من يفرشها وينظفها في كلّ يوم فيدخل إليها المقيمون هناك من خواصّه وأصحابه، فيجلسون حيث كان يجلس منها قبل انتقاله إلى بغداد، ومطبخه فيها قائم، ويجتمع الناس فيها على طعامه وهو غائب عنها هذه المدّة الطويلة.
٧٦٣- صنع عمرو بن حريث طعاما لعديّ بن حاتم، فلما دخل نظر إلى الستور مسبلة فقال: آكل وحدي؟ فقال عمرو: إنما هو شيء هيأناه لك خاصة، فقال: حرام عليّ اكله أو ترفع الستور فيدخل من شاء.
«٧٦٤» - كان المهلب يقول لبنيه: يا بنيّ ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم وخدمكم عند غيركم أحسن منها عندكم.
٧٦٥- اشتهى المأمون أن يأكل من الكواميخ، فقال له أخوه أبو إسحاق: إن لي نبطيا يجيدها، فاستدعى منه ما تعجّل عنده، فأحضر في الحال ثمانين غلاما على رؤوسهم جون وأطباق فيها ألوان من الكواميخ والمخللات والشواريز [١]- والسمك الطري والمملوح، ومن البوارد بالفراريج وغيرها، ومن المزوّرات، فاستكثره المأمون وأعجبه واستطابه، فقال لأبي إسحاق: قل له يعمل مثل ذلك في كلّ عام مرة، فقال: بل في كل يوم فإن منازلي لا تخلو منه وليس عليّ فيه كلفة. ثم رفع صاحب الديوان بعد مدة مؤامرة ببقايا السنة، فوجد المأمون فيها اسم مالك بن شاهي فقال: قد مرّ بي هذا الاسم، فقيل: هو الذي أكلت كوامخه، قال: فنأكل طعام الرجل ونحاسبه؟ وكان
стр. 742
عليه ثلاثة عشر ألف درهم، فوقع تحتها: يعان بها على مروءته، ورمى بها من يده ثم قال: ردّوها إليّ، إنّ الناس يتحدثون أن المأمون أكل سكرّجات قامت عليه بكذا وكذا، وأطلق صاحبها من الحبس، ثم وقع في المؤامرة باطلاق جميع من في الحبس، وكان مبلغ ما عليهم أربعين ألف ألف درهم.
«٧٦٦» - قيل لم يكن لخالد بن برمك جليس الا وقد بنى له دارا على قدر كفايته، وكان يقف على أولاد الإخوان ما يعيّشهم أبدا، وما كان لأحد من إخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له.
«٧٦٧» - وقيل إنّ جارا لابن المقفع أراد بيع داره لدين ركبه، وكان يجلس في ظلّ تلك الدار كثيرا، فقال: ما قمت إذن بحقّ ظلّ داره إن باعها معدما وبتّ واجدا، فبعث إليه بثمنها وقال: دعها على حالها وقلّب هذا المال في بعض التجارات.
«٧٦٨» - روي أن سعيد بن خالد بن عثمان بن عفان أتى سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، أتيتك مستعديا، قال: ومن بك؟ قال:
موسى شهوات، قال: وماله؟ قال: سمّع بي واستطال في عرضي، فقال: يا غلام عليّ بموسى شهوات، فأتي به فقال: ويلك أسمّعت به واستطلت في عرضه؟ فقال: ما فعلت يا أمير المؤمنين ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو، قال: وكيف ذاك؟ قال: علقت جارية لم تبلغ ثمنها جدتي، فأتيته وهو صديقي فشكوت إليه ذلك، فلم أصب عنده فيه شيئا، فأتيت ابن
стр. 743
عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد، فشكوت إليه ما شكوته إلى هذا، قال: تعود إليّ، فتركته ثلاثا ثم أتيته فسهّل من إذنى، فلما استقر بي المجلس قال: يا غلام قل لقيمتي هاتي وديعتي، ففتح باب بين بيتين فإذا أنا بالجارية، فقال لي: أهذه بغيتك؟ قلت: نعم فداك أبي وأمي، قال:
اجلس، ثم قال: يا غلام قل لقيمتي هاتي ظبية نفقتي، فأتي بظبية فنثرت بين يديه فإذا فيها مائة دينار ليس فيها غيرها فردت في الظبية، ثم قال: عتيدة طيبي! فأتي بها، ثم قال: ملحفة فراشي، فأتي بها، فصير ما في الظبية والعتيدة في حواشي الملحفة ثم قال: شأنك بهواك واستعن بهذا عليه؛ فقال له سليمان بن عبد الملك: فذلك حين تقول ماذا؟ فأنشده: [من الطويل]
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنّني أعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى ... وإن مات لم يرض الندى بعقيد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود
فقال سليمان: يا غلام عليّ بسعيد بن خالد، فأتي به فقال: أحقّ ما وصفك به موسى؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه، فقال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، قال فما طوّقتك عواقب هذه الأفعال؟ قال: دين ثلاثين ألف دينار، قال: قد أمرت لك بها وبمثلها [وبمثلها] وبثلث مثلها، فحمل إليه مائة ألف دينار. قال الراوي: فلقيت سعيد بن خالد بعد ذلك فقلت له: ما فعل المال الذي وصلك به سليمان؟ قال: ما أصبحت والله أملك منه خمسين دينارا، قلت: فما اغتاله؟ قال: خلّة من صديق وفاقة من ذي رحم.
ولما أنشده موسى الشعر قال له: اتفقت أسماؤهما وأسماء آبائهما، فتخوفت أن يذهب شعري باطلا، ففرّقت بينهما بأمهاتهما، فأغضبه أن مدحت ابن
стр. 744
عمه، فقال سليمان: بلى والله لقد هجوته، وما خفي عليّ ذلك، ولكن لا أجد إليك سبيلا، فاطلقه.
«٧٦٩» - والبخيل لا يزال عدوا للجواد يحسده على ما آتاه الله من فضله ويحقد عليه نعمة الله عنده؛ قال الطرماح بن حكيم: [من الطويل]
لقد زادني حبّا لنفسي أنني ... بغيض إلى كلّ امرىء غير طائل
وأنّى شقي باللئام ولا ترى ... شقيّا بهم إلا كريم الشمائل
«٧٧٠» - قال إبراهيم بن هرمة: ما رأيت قطّ أسخى ولا أكرم من رجلين: إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وإبراهيم بن طلحة [بن عمرو] بن عبيد الله بن معمر؛ أما إبراهيم بن طلحة فأتيته فقال: أحسنوا ضيافة أبي إسحاق، فأتيت بكلّ شيء من الطعام، فأردت أن أنشده فقال: ليس هذا وقت الشعر، ثم أخرج إليّ الغلام رقعة فقال: إيت بها الوكيل، فأتيته بها فقال: إن شئت أخذت لك جميع ما كتب به، وإن شئت أعطيتك القيمة، قلت: وما أمر لي به؟ قال: مائتي شاة برعائها وأربعة أجمال وغلام جمّال، ومظلة وما يحتاج إليه، وقوتك وقوت عيالك سنة، فقلت: أعطني القيمة، فأعطاني مائتي دينار؛ وأما إبراهيم بن عبد الله فأتيته في منزله بمشاش على بئر الوليد [١] بن عثمان بن عفان، فدخل منزله ثم خرج إليّ برزمة ثياب وصرّة من دراهم ودنانير وحلي ثم قال: لا والله ما بقّينا في منزلنا ثوبا نواري به امرأة ولا حليا ولا دينارا ولا درهما.
стр. 745
٧٧١- قال أعرابي: من لم يضنّ بالحقّ عن أهله فهو الجواد.
«٧٧٢» - وقال آخر: الصبر عند الجود أخو الصبر عند البأس.
«٧٧٣» - قيل: كان مبدأ أمر حاتم في الجود أنه لما ترعرع جعل يخرج طعامه، فإن وجد من يأكله معه أكله، وإن لم يجد طرحه، فلما رأى أبوه أنه يهلك طعامه قال له: الحق بالابل، فخرج إليها، ووهب له جارية وفرسا وفلوها. وقيل: بل هلك أبو حاتم وهو صغير، وهذه القصة كانت مع جدّه سعد بن الحشرج، فلما أتى حاتم الابل طفق يبغي الناس فلا يجدهم، ويأتي الطريق فلا يجد عليه أحدا، فبينا هو كذلك إذ بصر بركب على الطريق فأتاهم فقالوا: يا فتى هل من قرى؟ فقال: تسألوني عن القرى وقد ترون الابل؟
وكان الذين بصر بهم عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني، وكانوا يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الإبل، فقال عبيد: إنما أردنا اللبن، وكانت تكفينا بكرة إذا كنت لا بدّ متكلفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، ولكنّي رأيت وجوها مختلفة، وألوانا متفرقة، فظننت أن البلدان غير واحدة وأردت أن يذكر كلّ واحد منكم ما رأى إذا أتى قومه، فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها وذكروا فضله، فقال حاتم: أردت أن أحسن إليكم فصار لكم الفضل عليّ، وأنا أعاهد الله أن أضرب عراقيب إبلي عن آخرها أو تقوموا إليها فتقسموها، ففعلوا، فأصاب الرجل تسعة وثلاثين بعيرا، ومضوا على سفرهم إلى النعمان. وإن أبا حاتم أو جدّه سمع بما فعل، فأتاه فقال: أين
стр. 746
الابل؟ فقال: يا أبت [١] طوقتك بها طوق الحمامة مجد الدهر وكرما، لا يزال الرجل يحمل بيت شعر [٢] أثنى به علينا عوضا من إبلك، فلما سمع أبوه ذلك قال: أبإبلي فعلت ذلك؟ قال: نعم، قال: والله لا أساكنك أبدا، فخرج أبوه بأهله وترك حاتما ومعه جاريته وفرسه وفلوها، فقال يذكر تحول أبيه عنه (والشعر يدلّ على أنه جده لأنه حاتم بن عبد الله بن سعيد بن الحشرج) :
[من الطويل]
إنّي لعفّ الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكل لا يوافقه شكلي
وشكلي شكل لا يقوم لمثله ... من الناس إلا كلّ ذي نيقة مثلي
وأجعل مالي دون عرضي جنّة ... لنفسي وأستغني بما كان من فضلي
وما ضرّني أن سار سعد بأهله ... وأفردني في الدار [٣] ليس معي أهلي
قالوا: فبينا حاتم يوما بعد أن أنهب ماله ووهبه نائم إذ انتبه، وإذا حوله [٤] نحو من مائتي بعير تجول ويحطم بعضها بعضا [٥] فساقها إلى قومه فقالوا: يا حاتم أبق على نفسك، فقد رزقت مالا، ولا تعودنّ إلى ما كنت عليه من الإسراف، قال: فإنها نهبى بينكم، فانتهبت فأنشأ حاتم يقول: [من الطويل]
تداركني جدّي بسفح متالع ... فلا يأمنن ذو نومة أن يغنّما
وأقبل ركب من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان، فلقوا حاتما فقالوا له: إنا تركنا قومنا يثنون عليك خيرا، وقد أرسلوا إليك برسالة، قال: وما هي؟ فأنشده الأسديون شعرا لعبيد، وأنشده القيسيون شعرا للنابغة، فلما أنشدوه قالوا: إنا لنستحيي أن نسألك شيئا وإنّ لنا لحاجة، قال: وما
стр. 747
هي؟ قالوا: صاحب لنا قد أرجل، فقال حاتم: خذوا فرسي هذه فاحملوا عليها صاحبكم، فأخذوها، وربطت الجارية فلوها بثوبها، فأفلت فاتبعته الجارية، فقال حاتم: ما لحقكم من شيء فهو لكم، فذهبوا بالفرس والفلو والجارية.
«٧٧٤» - أسرت عنزة حاتما، فجعل نساء من عنزة يدارين بعيرا ليفصدنه، فضعفن عنه، فقلن: يا حاتم أفاصده أنت إن أطلقنا إحدى يديك؟ قال: نعم فأطلقن إحدى يديه فوجأ لبّته، فاستدمين منه ما شئن، ثم إنّ البعير عضد أي لوى عنقه، فقلن، ما صنعت؟ قال: هكذا فزدي، يريد فصدي، فجرت مثلا فلطمته إحداهنّ فقال: ما أنتنّ نساء عنزة بكرام ولا ذوات أحلام، وإن امرأة منهن يقال لها عاجزة أعجبت به فأطلقته ولم ينقمن [١] عليه، فقال حاتم يذكر البعير الذي فصده. [من الطويل]
كذلك فصدي إن سألت مطيتي ... دم الجوف إذ كلّ الفصاد وخيم
«٧٧٥» - عظم [٢] على طيء موت حاتم فادعى أخوه أن يخلفه، فقالت له أمه: هيهات فشتان ما بين خلقيكما، وضعته فبقي سبعة أيام لا يرضع حتى ألقمت أحد ثديي طفلا من الجيران، وكنت أنت راضعا أحدهما وآخذا الآخر بيدك، فأنى لك؟! «٧٧٦» - قال حذيفة بن اليمان: ربّ رجل فاجر في دينه، أخرق في
стр. 748
معيشته، يدخل الجنّة بسماحته.
«٧٧٧» - كان جعفر بن محمد يقول: اللهم ارزقني مواساة من قتّرت عليه رزقك بما أوسعت علي من فضلك.
«٧٧٨» - قيل لأنوشروان: ما الجود الذي يسع الناس كلهم؟ قال:
إرادة الخير لجميعهم، وبسط الوجه لهم.
«٧٧٩» - وقيل: الكريم يكرم وإن افتقر، كالأسد يهاب وإن كان رابضا، واللئيم يهان وإن أيسر كالكلب يخسأ وإن طوّق وحلّي.
«٧٨٠» - قال بعض العرب: يا بنيّ لا تزهدنّ في معروف فإن الدهر ذو صروف، كم راغب كان مرغوبا إليه، وطالب كان مطلوبا ما لديه، وكن كما قال أخو الدئل: [من الطويل]
وعدّ من الرحمن فضلا ونعمة ... عليك إذا ما جاء للخير طالب
ولا تمنعنّ ذا حاجة جاء راغبا ... فإنك لا تدري متى أنت راغب
«٧٨١» - المقنع الكندي: [من الكامل]
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل
стр. 749
٧٨٢- آخر مثله: [من الخفيف]
ليس جود الجواد من فضل مال ... إنّما الجود للمقلّ المواسي
«٧٨٣» - قال خالد بن عبد الله القسري وهو يخطب: أيها الناس من جاد ساد [١] ، ومن بخل رذل، وإنّ اكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته، والفروع من مغارسها تنمي وبأصولها تسمو، ثم قال في آخر كلامه: [من المنسرح]
قد توهم النفس في تحسّسها ... وتنكر العين في تفرسها
فعندها يستدلّ بالثمر ال ... عذب على مستطاب مغرسها
«٧٨٤» - احتضر الحكم بن المطلب، وكان من الأسخياء، فأصابته غشية، فقيل: اللهم هوّن عليه فإنه كان وكان، فأفاق فقال: إن ملك الموت يقول: إني بكلّ سخيّ رفيق. وكان الحكم هذا إذا انقطع شسعه خلع النعل الأخرى [٢] ومضى، فأخذ نعليه نوبيّ فسوّى الشسع، وجاءه بالنعلين في منزله، وقال: سوّيت لك الشسع، فدعا بثلاثين دينارا فدفعها إليه وقال:
ارجع بالنعلين فهما لك.
«٧٨٥» - ومن الأجواد عبيد الله بن أبي بكرة، كتب إلى يزيد بن ربيعة
стр. 750
ابن مفرغ الحميري: إني قد توجهت إلى سجستان فالحق بي، فلعلك إن قدمت عليّ ألا تندم ولا تذم [١] رأيك، فتجهز ابن مفرغ وخرج حتى قدم سجستان ممسيا، فدخل عليه وشغله بالحديث وأمر له سرا بمنزل وفرش وخدم، وجعل يطاوله حتى علم أنه قد استتم ما أمر له به، ثم صرفه إلى المنزل الذي هيّىء له، ثم دعا به في اليوم الثاني فقال له: يا ابن مفرغ إنك قد تجشمت إليّ شقة بعيدة، واتسع لك الأمل فرحلت إليّ لأقضي عنك دينك وأغنيك عن الناس، وقلت: أبو حاتم بسجستان فمن لي بالغنى بعده؟
فقال: والله ما أخطأت أيها الأمير ما كان في نفسي، فقال عبيد الله: أم والله لأفعلنّ، ولأقلّنّ لبثك عندي ولأحسننّ صلتك، وأمر له بمائة ألف درهم ومائة وصيف ومائة وصيفة ومائة نجيبة، وأمر له بما ينفقه إلى أن يبلغ بلده سوى المائة الألف، وبمن يكفيه الخدمة من غلمانه ومواليه، وقال له: إن [من] خفّة السفر أن لا تهتم بخفّ ولا حافر، فكان مقامه عنده سبعة أيام، ثم ارتحل وشيعه ابن أبي بكرة أربعة فراسخ، ثم قال له: يا ابن مفرغ انه ينبغي للمودّع أن ينصرف، وللمتكلم أن يسكت، وأنا من قد عرفت، فأنفق على الأمل وعلى حسن ظنك بي ورجائك فيّ، فإذا بدا لك أن تعود فعد، والسلام.
«٧٨٦» - ولزم يزيد بن مفرّغ غرماؤه بدين فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير عسى أن يخرج الأشراف فيروني فيقضوا عني، فانطلقوا به، فكان أول من خرج إما عمر بن عبيد الله بن معمر وإما طلحة الطلحات، فلما رآه قال: أبا عثمان ما أقعدك ها هنا؟ قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم عليّ، قال: وكم هو؟ قال: سبعون ألفا، قال: علي منها عشرة آلاف، ثم خرج الآخر على الأثر فسأله كما سأل صاحبه قال: هل خرج قبلي أحد؟
стр. 751
قالوا: نعم، قال: فما صنع؟ قال: ضمن عشرة آلاف، قال: فعليّ مثلها، قال: فجعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك حتى ضمنوا له أربعين ألف درهم، وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة، فلم يخرج حتى غربت الشمس، فخرج مبادرا فلم يره حتى كاد يبلغ بيته، فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزوما وقد مرّ به الأشراف فضمنوا عنه، فكرّ راجعا فوجده قاعدا فقال له: يا أبا عثمان ما يجلسك ها هنا؟
قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني، قال: وكم ضمن عنك قال: أربعون ألفا، قال: فاستمتع بها وعليّ دينك أجمع.
«٧٨٧» - قيل لم يكن رجل من ولاة بني مروان أنفس على قومه ولا أحسد لهم من الوليد بن عبد الملك، فأذن يوما للناس فدخلوا عليه، وأذن للشعراء فكان أوّل من بدر بين يديه عويف القوافي الفزاري، فاستأذنه في الانشاد فقال: ما بقي لي بعد ما قلت لأخي زهرة؟ قال: وما قلت له مع ما قلت لأمير المؤمنين؟ قال: ألست الذي يقول له: [من الكامل]
يا طلح أنت أخو الندى وحليفه ... إنّ الندى من بعد طلحة ماتا
إن السماح إليك أطلق رحله ... فبحيث بتّ من المنازل باتا
أو لست الذي يقول: [من الوافر]
إذا ما جاء يومك يا ابن عوف ... فلا جادت [١] على الأرض السماء
ولا سار العزيز [٢] بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النساء
стр. 752
تساقى الناس بعدك يا ابن عوف ... ذريع الموت ليس له شفاء
ألم تقم علينا الساعة يوم قامت عليه؟ لا والله لا أسمع منك شيئا، ولا أنفعك بنافعة أبدا، أخرجوه عنّي. فقال له القرشيون والشاميون: وما الذي أعطاك [١] حتى استخرج هذا منك؟ قال: أم والله لقد أعطاني غيره أكثر من عطيته، ولكن لا والله ما أعطاني أحد قط أحلى في قلبي ولا أبقى شكرا ولا أجدر ألّا أنساه، ما عرفت الصلات، من عطيّته. قالوا: وما أعطاك؟
قال: قدمت المدينة ومعي بضيّعة لي لا تساوي عشرة دنانير أريد أن أبتاع قعودا من قعدان الصدقة، فإذا برجل بصحن السوق على طنفسة قد طرحت له، وإذا الناس حوله، وإذا بين يديه إبل معقولة، فظننت أنه عامل السوق، فسلّمت عليه فأثبتني وجهلته، فقلت له: رحمك الله، هل أنت معيني ببصرك على قعود من هذه القعدان تبتاعه لي؟ فقال: نعم، أو معك ثمنه؟ فقلت: نعم، فأهوى بيده إليّ فأعطيته بضيّعتي، فرفع طنفسته فألقاها تحتها، ومكث طويلا، ثم قمت إليه فقلت: أي رحمك الله انظر في حاجتي، فقال: ما منعني منك إلا النسيان، أمعك حبل؟ قلت: نعم قال: هكذا أفرجوا، فأفرجوا حتى استقبل الابل التي بين يديه، فقال: اقرن هذه وهذه [٢]-، فما برحت حتى أمر لي بثلاثين بكرة، أدنى بكرة فيها- ولا دنيّة فيها [٣]- خير من بضاعتي ثم رفع طنفسته فقال: شأنك ببضاعتك فاستعن بها على من ترجع إليه، فقلت: رحمك الله أتدري ما تقول؟ فما بقي عنده إلّا من نهرني وشتمني، ثم بعث معي نفرا فأطردوها حتى أطلعوها في رأس الثنية، فو الله لا أنساه ما دمت حيا أبدا.
стр. 753
٧٨٨- قيل: تراهن نفر من كلب ثلاثة على أن يختاروا من تميم وبكر نفرا ليسألوهم، فأيهم أعطى ولم يسألهم عن نسبهم ومن هم فهو أفضلهم، فاختار كلّ واحد منهم رجلا والذين اختيروا: عمير بن السليل بن قيس بن مسعود الشيباني وطلبة بن قيس بن عاصم المنقري وغالب بن صعصعة المجاشعي. فأتوا ابن السليل فسألوه مائة ناقة فقال: من أنتم؟ فانصرفوا عنه، ثم أتوا طلبة فقال لهم مثل ذلك، فردّوا عليه كردّ ابن السليل، فأتوا غالبا فسألوه فأعطاهم مائة ناقة وراعيها ولم يسألهم.
«٧٨٩» - قال محمد بن حبيب: كان للنمر بن تولب صديق، فأتاه النمر في ناس من قومه يسألونه في دية احتملوها، فلما رآهم وسألوه تبسم فقال النمر:
[من الوافر]
تبسّم ضاحكا لما رآني ... وأصحابي لدى عين التمام
فقال لهم الرجل: إن لي نفسا تأمرني أن أعطيكم ونفسا تأمرني أن لا أفعل، فقال النمر: [من البسيط]
أمّا خليلي فانّي لست معجله ... حتى يؤامر نفسيه كما زعما
نفس له من نفوس الناس صالحة ... تعطي الجزيل ونفس ترضع الغنما
ثم قال النمر لأصحابه: لا تسألوا أحدا فالدية كلها عليّ.
«٧٩٠» - ابن الرومي: [من الطويل]
عدونا إلى ميمون نطلب حاجة ... فأوسعنا منعا وجيزا بلا مطل
فقال اعذروني إنّ بخلي جبلّة ... وإنّ يدي مخلوقة خلقة القفل
طبيعة بخل أكّدتها خليقة ... تخلّقتها خوف احتياجي إلى مثلي
стр. 754
فألقى إلينا عذرة لا نردّها ... وكان ملقّى حجة اللؤم والبخل
«٧٩١» - كان رجل من البخلاء قد أفرط في البخل حتى صار مثلا، فأتى جارا له من الزهاد فجعل يشكو إليه البخل وما قد يلي به منه وأنه لا حيلة له فيه، فقال له الزاهد: لهذا القول كلام في الجواب طويل، ولكني أقول لك: إنك على ما وصفت من أنك لا تجود على نفسك بفلس غير بخيل، لأنّ البخيل يعطي ويمنع، وأنت تعطي كلّ مالك، فقال له البخيل: وكيف ذاك مع ما وصفت لك؟ قال: لأنك توفّره كلّه على من تخلّف. قال فرجع والله البخيل عن خلقه وعدّ من الأجواد.
«٧٩٢» - قيل: كان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكثر الناس مالا وأشدّهم عارضة ولسانا، فطال عمره، ونكبه دهره، واختلت حاله، فخرج عشية يتبقّل لأهله، فمرّ به عميلة الفزاريّ فسلّم عليه وقال: يا عمّ ما أصارك إلى ما أرى من حالك؟ فقال بخل مثلك بماله، وصوني وجهي عن مسألة الناس، فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرنّ من حالك، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرها بما قال له عميلة، فقالت: لقد غرّك كلام غلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرا، فبات متململا بين رجاء ويأس، فلما كان السحر سمع ثغاء الشاء ورغاء الابل وصهيل الخيل ولجب الاموال، فقال: ما هذا؟
فقالوا: هذا عميلة ساق إليك ماله، قال: فاستخرج ابن عنقاء ثم قسم ماله شطرين وساهمه عليه، وأنشأ ابن عنقاء يقول: [من الطويل]
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسرّ كما جهر
стр. 755
دعاني فآساني [١] ولو ضنّ لم ألم ... على حين لا بدو يرجّى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أبليت من ذمّ أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردّى رداء سابغ الذيل واتّزر
غلام رماه الله بالخير يافعا ... له سيمياء لا تشقّ على البصر
كأن الثريا علّقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي خدّه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى [٢] كأنه ... ذليل بلا ذلّ ولو شاء لانتصر
«٧٩٣» - دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فقال: أصلح الله الأمير، شيخ كبير حدته إليك بارية العظام، ومورثة الاسقام، ومطوّلة الأعوام، فذهبت أمواله، وذعذعت إباله، وتغيرت أحواله، فإن رأى الأمير أن يجبره بفضله، وينعشه بسجله، ويردّه إلى أهله، فقال: كل ذلك، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
«٧٩٤» - بعث معاوية إلى عائشة بمائة ألف درهم فما قامت من مجلسها حتى وزعتها، فدخلت عليها الخادم فقالت: لو حبست لنا درهما نشتري به لحما، فقالت: هلّا ذكرتني ذلك قبل أن أفرقه.
وكانت ترقع قميصا لها، ودخل عليها المنكدر فقال: أصابتني حاجة فأعينيني، فقالت: ما عندي شيء، ولو كانت عندي عشرة آلاف درهم بعثت بها إليك، فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف درهم من عند خالد
стр. 756
ابن أسيد، فقالت: ما أوشك ما ابتليت ثم أرسلت بها في أثره، فدخل السوق فاشترى جارية بألفي درهم فولدت له ثلاثة كانوا عبّاد أهل المدينة:
محمد وأبو بكر وعمر.
٧٩٥- جاء أسماء بن خارجة الفزاري إلى داره فوجد على بابه فتى جالسا فقال: ما يجلسك ها هنا يا فتى؟ قال: خير، فألحّ عليه فقال:
جئت سائلا إلى هذه الدار فخرجت منها جارية اختطفت قلبي، فجلست لكي تخرج ثانية، فجعل يعرضهنّ عليه حتى مرّت به فقال: هي هذه، فقال:
مكانك، فدخل ثم خرج إليه فقال: إنها لم تكن لي، كانت لبعض بناتي فابتعتها بثلاثة آلاف درهم، خذ بيدها بارك الله لك فيها.
٧٩٦- شاعر: [من الطويل]
أصبت صنوف المال من كلّ وجهة ... فما نلته إلا بكفّ كريم
وإني لأرجو أن أموت وتنقضي ... حياتي وما عندي يد للئيم
«٧٩٧» - قال كسرى: اجتماع المال عند الأسخياء أحد الخصبين، واجتماعه عند البخلاء أحد الجدبين.
«٧٩٨» - ابن الرومي: [من المتقارب]
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
стр. 757
«٧٩٩» - دخل عبد الرحمن بن أبي عمار، وهو يومئذ فقيه أهل الحجاز، على نخاس يعترض جواري له، فعلق واحدة منهن فاستهتر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه فكان جوابه: [من البسيط]
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا
فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له همة غيره، فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيّمة جواريه أن تطيّبها وتحلّيها ففعلت، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: مالي لا أرى ابن أبي عمار؟ فأتاه، فلما أراد أن ينهض استجلسه فقعد، فقال له عبد الله بن جعفر: ما فعل حبّ فلانة؟ قال: في اللحم والمخ والدم والعصب والعظام، قال: تعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها؟ قال: فإنا قد ضممناها إلينا، فو الله ما نظرت إليها، فأمر بها فأخرجت في الحلي والحلل، قال: أهي هذه؟ قال: نعم بأبي أنت وأمي، قال: فخذ بيدها فقد جعلتها لك، أرضيت؟ قال: أي والله بأبي أنت وأمي وفوق الرضا، فقال له ابن جعفر:
لكني والله لا أرضى أن أعطيكها هكذا، يا غلام احمل معه مائة ألف درهم كيلا يهتمّ بها وتهتمّ به، قال: فراح بها وبالمال.
«٨٠٠» - قال مروان بن أبي حفصة: دخلت على الوليد بن يزيد وأنا
стр. 758
غلام شاب ولي جمّة فينانة، وبيد الوليد قضيب، فجعل يشير به إلى جمتي ويقول: إنك لفينان الشعر يا ابن أبي حفصة فمن ولد سكّر أنت؟ قلت:
لا، ثم أنشد الوليد شعرا له: [من الطويل]
ألا أبلغوا أهل الحجاز رسالة [١] ... بأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع
ستوشك أموال معا وزوائد ... وأعطية تأتيكم تتسرّع [٢]
قال مروان: فقلت معارضا للوليد: [من الطويل]
أتت منك قطّان الحجاز رسالة ... فأنت بها واف وقولك مقنع
وعدت بها أن تكشف الضر عنهم ... وأبلغها الركبان عنك فاسرعوا
في شعر لمروان طويل؛ ثم أنشدته شعرا مضى فيه فقلت: [من البسيط]
... فقلت لهم ... ذو اللبّ يعلم أنّى تؤكل الكتف
قال: ومعن بن زائدة واقف على رأس الوليد، قال: ثم انصرفت، فقبل أن أخرج من الدار أحسست بإنسان يضرب بين كتفيّ، فالتفتّ فإذا هو معن، فقال لي: يا ذا الكتف إن سمعت بي يوما من دهر قد وقعت في شيء فأتني، قال: ثم خرجت فنسيت قول معن وضرب الدهر من ضربه، ثم حججت في خلافة المنصور، فبينا أنا أطوف في البيت إذا رجل يضرب بين كتفيّ ويقول: يا ذا الكتف، فالتفتّ إليه فلم أعرفه فقال: أنا معن بن
стр. 759
زائدة، وقد وليت اليمن فالحق بي، فصرت إلى منزله فقلت: أعزّ الله الأمير، إنّ لي أبا شيخا كبيرا وأما عجوزا ولم أقدّر لقاءك في هذا الوجه فأخبرهما به فيسكنا إليه، فأذن لي في الرجوع إليهما واللحوق بك بعد ذلك، فأجابني إلى ما سألت، ونهضت من بين يديه، فلما كنت في بعض الدار تبعني غلام بكيس لا أعلمه إلا قال: خمسمائة دينار وبرد وشي فقال: يقول لك الأمير استعن بهذا على سفرك إلى أهلك ومن أهلك إلينا، فأخذتها ومضيت إلى منزلي، ثم خرجت إليه على طريق نجران فوافيته بصنعاء، فلما دخلت عليه أنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الكامل]
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان
وكان على فراش فنزل عنه، وأمر لي بمال فأعطانيه، ثم أنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الكامل]
مسحت ربيعة وجه معن سابقا ... لما جرى وجرى ذوو الأحساب
خلّى الطريق له الجياد قواصرا ... من دون غايته وهنّ كوابي
وسمت به غرّ سوابق زانها ... كرم النّجار وصحّة الأنساب
فقام من مجلسه إليّ وقبّل رأسي وأمر لي بمال فأعطانيه، فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الطويل]
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفّان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم في الجاهلية أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وان أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
стр. 760
فأمر لي بمال أعطانيه، فقلت له: أغنيتني أغناك الله، فقال: لعن الله من يقدّر أنه قد كافأك يا ابن أبي حفصة.
«٨٠١» - وولي معن أذربيجان، فقصده قوم من أهل الكوفة فاستأذنوا، فدخل الحاجب فقال: أعزّ الله الأمير، إنّ بالباب وفدا من أهل العراق، قال: من أيّ العراقين؟ قال: من أهل الكوفة، فأذن لهم، فلما نظر إليهم وثب عن أريكته وأنشأ يقول (الشعر لعباد بن عباد المهلبي) [١] : [من الطويل]
إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم ... مرمّتها فالدهر بالناس قلّب
فأحسن ثوبيك الذي هو لابس ... وأحسن مهريك الذي هو يركب
فبادر بمعروف إذا كنت قادرا ... حذار اقتدار أو غنى منك يعقب
فوثب إليه رجل من القوم فقال: أصلح الله الأمير، أنا أنشدك ما هو أحسن من هذا لابن عمك ابن هرمة، فقال: هات، فقال: [من الطويل]
وللنفس حاجات [٢] تحلّ بها العرى ... وتسخو عن المال النفوس الشحائح
إذا المرء لم ينفعك حيا فنفعه ... أقلّ إذا ضمّت [٣] عليه الصفائح
لأية حال يمنع المرء ماله [٤] ... غدا فغدا والموت غاد ورائح
стр. 761
قال: أحسنت والله، وإن كان الشعر لغيرك، يا غلام أعطهم أربعة آلاف، أربعة آلاف ليستعينوا بها على أمورهم إلى أن يتهيأ لنا فيهم ما نريد، قال الغلام: يا سيدي أعطيهم دنانير أو دراهم؟ قال معن: لا تكون همتك أبعد من همتي صفّرها لهم، فأعطاهم دنانير.
«٨٠٢» - لم يغسل عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ثوبا قط، كلما استغسل ثوبه كساه، فكلما أراد أحد من أهله أو من غيرهم شيئا من ثيابه قال له: استغسل ثوبك، فيدفعه إليه.
«٨٠٣» - جاء رجل إلى أحمد بن أبي دواد فقال: أيها القاضي مالي إليك حاجة غير أني أحبّك لعموم معروفك، ثم أنشأ يقول: [من الكامل]
مالي إلى ابن أبي دواد حاجة ... تدني إليه ولا له عندي يد
إلا يد عمّت فكنت كواحد ... ممن يعين على الثناء ويحمد
«٨٠٤» - كانت العرب تسمي الكلب داعي الضمير، وهادي الضمير، وداعي الكرم، ومتمم النعم، ومشيد الذكر، لما يجلب من الأضياف بنباحه.
والضمير: الضيف الغريب، من أضمرته البلاد إذا غيبته؛ وكانوا إذا اشتد البرد وهبّت الرياح ولم تثبت النيران فرقوا الكلاب حوالي الحيّ وجعلوا لها مظالّ، وربطوها إلى العمد لتستوحش فتنبح فتهدي الضلّال.
«٨٠٥» - المتنبيّ: [من الطويل]
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
стр. 762
وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
٨٠٦- غزا تبع الأوس والخزرج فكان يقاتلهم نهارا ويخرجون إليه القرى ليلا.
«٨٠٧» - سأل الوليد بن عقبة مروان بن الحكم، وهو على المدينة، والمغيرة ابن شعبة، وهو على الكوفة، فلم يجد عندهم طائلا، فانحدر إلى عبد الله بن عامر، وهو على البصرة، فقضى عنه دينه مائة ألف، وأجازه بمائة ألف، فقال: [من الطويل]
ألا جعل الله المغيرة وابنه ... ومروان نعلي بذلة لابن عامر
لكي يقياه الحرّ والقرّ والأذى ... ولسع الأفاعي واحتدام الهواجر [١]
«٨٠٨» - قال يوسف بن محمد مولى آل عثمان: بعثني عبد الرحمن بن قطن المخزوميّ إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير يستسلفه ألف دينار، فدخلت عليه، فأمر بنجيبة له مريء [٢] ، فحلبت في عسّ وطرح فيه طبرزد فشرب وسقاني، ودعا بالألف فأعطانيه، فلم يلبث عبد الرحمن إلا يسيرا أن بعثني بالألف إليه، فدخلت عليه، فحلبت النجيبة وسقيت لبنها مع الطبرزد، وقسم الألف نصفين وقال: خذ خمسمائة وأعطه خمسمائة وقل له: إنا قوم لا نعود فيما خرج منّا.
стр. 763
«٨٠٩» - مرّ محمد بن واسع بأسود عند حائط يحفظه، وبين يديه كلب يأكل لقمة ويطعمه لقمة، فقال له: إنك تضرّ [١] بنفسك، فقال: يا شيخ عينه بحذاء عيني، أستحيي أن آكل ولا أطعمه، فاستحسن ذلك منه فاشتراه واشترى الحائط وأعتقه ووهب له الحائط، فقال: إن كان لي فهو في سبيل الله، فاستعظم ذلك منه فقال: يجود هو وأبخل أنا؟ لا كان هذا أبدا.
«٨١٠» - وقف أعرابيّ على محمد بن معمر، وكان سخيا، فسأله فخلع خاتمه وأعطاه وقال له: لا تخدعنّ عن هذا الفصّ فانه قام علي بمائة دينار، فهشم الأعرابيّ الخاتم وقلع فصّه وقال: دونكه، فالفضّة تكفيني أياما فقال:
هذا والله أجود مني.
«٨١١» - قدم نهيك بن مالك القشيريّ الملقب بمنهب الورق مكة بعير عليها طعام ومتاع فأنهبه، وقد أنهب ماله بعكاظ ثلاث مرات، فعاتبه خاله فقال: [من البسيط]
يا خال ذرني ومالي ما فعلت به ... وخذ نصيبك منّي إنني مودي
إن نهيكا أبى إلّا خلائقه ... حتى تبيد جبال الحرة السود
فلن أطيعك إلا أن تخلّدني ... فانظر بكيدك هل تسطيع تخليدي
الحمد لا يشترى إلّا له ثمن ... ولن أعيش بمال غير محمود
«٨١٢» - لقي سليمان بن المغيرة شعبة فشكا إليه الحاجة، وكان راكب
стр. 764
حمار فقال: والله ما أملك من الدنيا إلا هذا الحمار، فنزل عنه ودفعه إليه.
«٨١٣» - دخل طلحة بن عبد الله بن عوف سوق الظّهر يوما فوافق فيه الفرزدق، فقال: يا أبا فراس، اختر عشرا من الابل، ففعل، فقال: ضمّ إليها مثلها، فلم يزل يقول ذلك حتى بلغت مائة فقال: هي لك، فقال:
[من الكامل]
يا طلح أنت أخو الندى وعقيده ... إنّ الندى إن مات طلحة ماتا
إن الندى ألقى إليك رحاله ... فبحيث بتّ من المنازل باتا
«٨١٤» - وقدم الفرزدق المدينة فتلقاه من نعى إليه طلحة فقال: بفيك التراب والحجر، ودخل من رأس الثنيّة يولول ويقول: يا أهل المدينة أنتم أذلّ قوم في الأرض، غلبكم الموت على طلحة.
«٨١٥» - وخرج طلحة ومع غلامه سبعة آلاف درهم، فقال له أعرابي: أعنّي على الدهر، فقال لغلامه: انثرها في حجر الأعرابي، فذهب يقلّها فعجز عنها فبكى، فقال: لعلك استقللتها، فقال: لا والله، ولكن تفكرت فيما تأكل الأرض من كرمك فبكيت.
«٨١٦» - وفد أبو عطاء السنديّ على نصر بن سيار بخراسان مع رفيقين له، فأنزله وأحسن إليه وقال: ما عندك يا أبا عطاء؟ قال: وما عسى أن أقول وأنت أشعر العرب؟ غير أني قلت بيتين، قال: هاتهما، فقال: [من البسيط]
стр. 765
يا طالب الجود إما كنت طالبه ... فاطلب على نأيه نصر بن سيّار
الواهب الخيل تعدو في أعنّتها ... مع القيان وفيها ألف دينار
فأعطاه ألف دينار ووصائف ووصفاء، وحمله وكساه، فقسم ذلك بين رفيقيه ولم يأخذ منه شيئا، فبلغه ما فعل فقال: ماله قاتله الله من سنديّ فما أضخم قدره!! ثم أمر له بمثله.
«٨١٧» - خرج الحسنان وعبد الله بن جعفر وأبو حبّة الأنصاريّ من مكة إلى المدينة، فأصابتهم السماء فلجأوا إلى خباء أعرابي، فأقاموا عنده ثلاثا حتى سكنت السماء، وذبح لهم، فلما ارتحلوا قال له عبد الله: إن قدمت المدينة فسل عنّا، فاحتاج الأعرابي بعد سنين، فقالت له امرأته: لو أتيت المدينة فلقيت أولئك الفتيان، فقال: قد أنسيت أسماءهم، قالت: سل عن ابن الطيار، فأتاه فقال: الق سيدنا الحسن، فلقيه فأمر له بمائة ناقة بفحولها ورعائها، ثم أتى الحسين فقال: كفانا أبو محمد مؤونة الابل، فأمر له بألف شاة، ثم أتى عبد الله بن جعفر فقال: كفاني أخواي الابل والشاء، فأمر له بمائة ألف درهم، ثم أتى أبا حبّة فقال: والله ما عندي مثل ما أعطوك، ولكن جئني بإبلك، فأوقرها له تمرا، فلم يزل اليسار في أعقاب الأعرابيّ.
«٨١٨» - قال المأمون لمحمد بن عباد: بلغني أنّ فيك سرفا، قال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظن بالمعبود، فأمر له بمائة ألف درهم وقال:
стр. 766
أنا مادتك، والله مادتي، فأنفق ولا تبخل.
«٨١٩» - بخلاء العرب أربعة: الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان.
«٨٢٠» - أما الحطيئة فمرّ به ابن الحمامة وهو جالس بفناء بيته فقال:
السلام عليكم، فقال: قلت ما لا ينكر، فقال: إني خرجت من أهلي بغير زاد، فقال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: فتأذن لي أن آتي ظلّ بيتك فأتفيأ به؟ فقال: دونك الجبل يفىء عليك، قال: أنا ابن الحمامة، قال:
انصرف وكن ابن أيّ طائر شئت.
«٨٢١» - وأتاه رجل وهو في غنم له فقال: يا صاحب الغنم، فرفع الحطيئة العصا وقال: إنها عجراء من سلم، فقال: إني ضيف، قال:
لكعاب الضيفان أعددتها، فانصرف عنه.
«٨٢٢» - وأما حميد الأرقط فكان هجاء للضيفان فحّاشا عليهم، فنزل به ضيف ذات ليلة فقال لامرأته: نزل بك البلاء فقومي وأعدّي لنا شيئا، فجعل الضيف يأكل متنفّجا ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلما فرغ قال حميد: [من الطويل]
стр. 767
يحرّ على الأطناب من جذل بيتنا ... هجفّ [١] لمخزون التحية باذل
يقول وقد ألقى المراسي للقرى [٢] ... ابن لي ما الحجاج بالناس فاعل
فقلت لعمري ما لهذا أتيتنا [٣] ... فكل ودع الأخبار [٤] ما أنت آكل
تدبّل [٥] كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الصدر ما حازت عليه الأنامل
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنّه ... من العيّ لما أن تكلّم باقل
«٨٢٣» - ونزل به أضياف فأطعمهم تمرا وهجاهم وادّعى عليهم أنهم أكلوه بنواه فقال: [من البسيط]
باتوا وجلّتنا الشهريز حولهم ... كأنّ أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنّوى ملقى معرّسهم ... وليس كلّ النوى ألقى المساكين
«٨٢٤» - وأما أبو الأسود فعمل دكانا عاليا يجلس عليه، فكان ربما أكل عليه فلا يناله المجتاز، فمر به أعرابيّ على جمل، فعرض عليه أن يأكل معه، وظنّ أنه لا يناله، فأناخ الاعرابيّ بعيره حتى وازى الدكان وأكل معه، فلم يجلس بعدها عليه.
٨٢٥- وتصدق على سائل بتمرة، فقال له السائل: جعل الله نصيبك
стр. 768
من الجنة مثلها.
«٨٢٦» - وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا كنا أسوأ حالا منهم.
«٨٢٧» - وأما خالد بن صفوان فكان إذا أخذ جائزته قال للدرهم: والله لطالما سرت في البلاد، أما والله لأطيلنّ ضجعتك ولأديمن صرعتك.
«٨٢٨» - وقيل لخالد: مالك لا تنفق فإن مالك عريض؟ قال: الدهر اعرض منه؛ قيل له: كأنك تأمل أن تعيش الدهر كله، قال: ولا أخاف أن اموت في أوله.
«٨٢٩» - وأحيحة بن الجلاح ممن كان يبخّل، وكان إذا هبّت الصّبا طلع من أطمه فنظر إلى ناحية هبوبها ثم يقول: هبّي هبوبك، فقد أعددت لك ثلاثمائة وستين صاعا من عجوة أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات فيردّ علي ثلاثا لصلابتها بعد جهد، ما يلوك منها اثنتين.
«٨٣٠» - وتضرب العرب بمادر المثل [١] في اللؤم تقول: هو ألام من
стр. 769
مادر، يزعمون أنه بنى حوضا وسقى إبله، فلما أصدرها سلح في الحوض لئلا يسقي غيره فيه.
«٨٣١» - وكان عمر بن يزيد الأسدي مبخّلا جدا، فأصابه القولنج، فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحلّ ما في بطنه في الطّست، فقال للغلام: ما تصنع به؟ قال: أصبّه، قال: لا ولكن ميّز الدهن منه واستصبح به.
«٨٣٢» وجاءه الحكم بن عبدل الأسدي ومعه جماعة من قومه يسألونه حاجة، فدخلوا إليه وهو يأكل تمرا، فلم يدعهم إليه، وذكروا حاجتهم فلم يقضها، فقال فيه ابن عبدل. [من البسيط]
جئنا وبين يديه التمر في طبق ... فما دعانا أبو حفص ولا كادا
علا على جسمه ثوبان من دنس ... لؤم وكفر ولولا أيره سادا
قال ذلك لأن أباه وجده مع أمة له فكان يعيّر بذلك.
«٨٣٣» كان الحكم بن أيوب من ولد أبي عقيل الثقفي بخيلا، وكان عاملا على البصرة، فاستعمل رجلا من بني مازن يقال له جرير بن بيهس، ولقبه العطرّق، على العرق، [فخرج الحكم يتنزّه وهو باليمامة] فأتي بغدائه، فدعا العطرق فتغدّى معه، وجاءوا بدراجة فتناول العطرق فخذها فانتزعها، فعزله الحكم واستعمل مكانه نويرة بن شقيق أحد بني حارثة بن حرقوص، فقال نويرة: [من البسيط]
قد كان بالعرق صيد لو قنعت به ... فيه غنى لك عن درّاجة الحكم
стр. 770
وفي عوارض ما تنفكّ آكلها ... لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم
وفي وطاب مملّاة متمّمة ... فيها الصريح الذي يشفي من السقم
ثم استعمل الحكم مكانه رجلا من بني ضبة يقال له المحلق، فقال نويرة للحكم: [من الطويل]
أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ... ونصحي إذن ما بعتني بالمحلّق
ولا اعتلّ سرّاق العراقة صالح ... عليّ ولا كلّفت ذنب العطرق
صالح بن كدير المازني كان على استخراج الحجاج فدفع إليه رجلا ليستخرج منه مالا فدفنه حيا فلقّبه الحجاج «قفل الأمانة» .
«٨٣٤» - قال أنو شروان لأصحابه: أيّ شيء أضرّ على الإنسان؟
قالوا: الفقر، قال: الشحّ أضرّ منه، لأنّ الفقير إذا وجد اتسع، والشحيح لا يتّسع وإن وجد.
«٨٣٥» - وقال عليّ بن أبي طالب ﵇: البخل جامع لمساوىء العيوب، وهو زمام يقاد به إلى كلّ سوء.
«٨٣٦» - قيل لحبّى المدنية: ما السّقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم الذي [١] لا يجدي عليه.
стр. 771
«٨٣٧» - قيل لجعفر بن محمد: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب، فقال: ولم يا ويحه مع ما قد مكّن الله له من السلطان وجبى إليه من الأموال؟ فقيل له: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال فقال: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما ترك له دينه [١] .
«٨٣٨» - وكان المنصور شديد البخل، حدا به سلم الحادي في طريقه إلى الحجّ، فحدا يوما بقول الشاعر: [من الرجز]
أغر بين حاجبيه نوره ... يزينه حياؤه وخيره
ومسكه يشوبه كافوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره
فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل ثم قال: يا ربيع، أعطه نصف درهم، فقال سلم: نصف درهم يا أمير المؤمنين؟ والله لقد حدوت بهشام فأمر لي بثلاثين ألف درهم، فقال المنصور: ما كان له أن يعطيك ثلاثين ألف درهم من بيت مال المسلمين، يا ربيع وكلّ به من يستخرج منه هذا المال، فقال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه وقفوله بغير مؤونة.
«٨٣٩» - كان الحارثي يقول: الوحدة خير من جليس السوء، وأكيل السوء شر من جليس السوء، لأن كلّ أكيل جليس وليس كلّ جليس أكيلا.
стр. 772
«٨٤٠» - وكان لسوار القاضي كاتبان، رزق أحدهما أربعون درهما والآخر عشرون درهما، فكتب إلى المنصور يسأله أن يلحق صاحب العشرين بالأربعين فأجابه بأن يحطّ من الأربعين عشرة ويزيدها صاحب العشرين حتى يعتدلا.
«٨٤١» - وكان عبد الملك بن مروان بخيلا فقال يوما لكثّير: أيّ الشعر أفضل؟ قال: أفضله قول المقنّع: [من البسيط]
إنّي أحرّض أهل البخل كلّهم ... لو كان ينفع أهل البخل تحريضي
يعرّض ببخله، فقال عبد الملك وعرف ما أراد: الله أصدق من المقنّع حيث يقول: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
(الفرقان: ٦٧) .
«٨٤٢» - قال العبّاس بن المأمون لغلامه: إني رأيت [في] الرصافة نقلا حسنا، فاشتر لي منه بنصف درهم [فقال المأمون: أما وقد عرفت للدرهم] نصفا فو الله لا أفلحت أبدا.
«٨٤٣» .- (١) قال أبو الشمقمق: [من الوافر]
طعامك في السحاب إذا التقينا ... وخبزك عند منقطع التراب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
(٢) وقال أيضا في سعيد بن سلم: [من الكامل]
стр. 773
هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد
تالله لو ملك البحور بأسرها ... وأتاه سلم في زمان مدود
يبغيه منها شربة لطهوره ... لأبي وقال تيممن بصعيد
«٨٤٤» - وقال آخر: [من الوافر]
فتى لرغيفه شنف وقرط ... ومرسلتان من خرز وشذر
ودون رغيفه لمس الثريا ... ويوم مثل وقعة يوم بدر
وإن ذكر [١] الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر
«٨٤٥» - آخر: [من البسيط]
وأبغض الضيف ما بي جلّ مأكله ... لكن تنفّجه حولي إذا قعدا
ما زال ينفض جنبيه وحبوته ... حتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا
«٨٤٦» - آخر: [من الطويل]
وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة ... مخافة أن يضرى بنا فيعود
٨٤٧- آخر: [من الطويل]
إذا المرء أثرى ثم قال لقومه ... أنا السيّد المفضى إليه المعمّم
стр. 774
ولم يعطهم شيئا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو ألوم
«٨٤٨» - آخر: [من الطويل]
إذا كنت جماعا لمالك ممسكا ... فأنت عليه خازن وأمين
تؤديه مذموما إلى غير حامد ... فيأكله عفوا وأنت دفين
«٨٤٩» - وقال الرضي الموسوي: [من البسيط]
واجعل يديك مجاز المال تحظ به ... إنّ الأشحّاء للورّاث خزّان
٨٥»
- روي أنه افتقر رجل من الصيارفة بإلحاج الناس في أخذ أموالهم التي كانت عليه، وتعذّر أمواله التي له عند الناس، فسأل جماعة من الجيران أن يصيروا معه إلى رجل من قريش كان موسرا من أولاد أجوادهم ليسدّ من خلته، فصاروا إليه فجلسوا في الصحن، فخرج إليهم يخطر بقضيب في يده، حتى ثنى وساده فجلس عليها، فذكروا حاجتهم وخلّة صاحبهم مع قديم نعمته وقرب جواره، فخطر بالقضيب ثم قال متمثلا: [من الطويل]
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو صديق توامقه
стр. 775
بخلت وبعض البخل حزم وقوة ... ولم يفتلذك المال إلا حقائقه
ثم أقبل على القوم وقال: إنّا والله ما نجمد عن الحقّ ولا نتدفّق في الباطل، وان لنا لحقوقا تشغل فضول أموالنا، وما كلّ من أفلس من الصيارفة احتلنا لجبره، قوموا يرحمكم الله، قال: فابتدر القوم الأبواب.
قوله: يفتلذك يقول: يقطع منك، يقال: فلذ له أي قطع له.
«٨٥١» - قال الجاحظ: يقول المروزي لزائره إذا أطال عنده: تغديت اليوم؟ فان قال: نعم، قال: لولا أنك تغديت لغديتك بطعام طيّب، فإن قال: لا قال: لو كنت تغديت لسقيتك خمسة أقداح، فلا يكون في يده على هذين الوجهين قليل ولا كثير.
«٨٥٢» - كان أبو العتاهية ومروان بن أبي حفصة بخيلين يضرب بهما المثل، ويحسن فيهما قول أحمد بن أبي فنن: [من الطويل]
وإن أحقّ الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل
وكان سلم الخاسر سمحا، فكان يأتي باب المهديّ وعليه الثياب الجميلة، ورائحة الطيب تفوح منه، وتحته برذون فاره، وكان مروان يأتي وعليه فرو كبل منتن الرائحة، وكان لا يأكل اللحم حتى يقرم إليه، فإذا همّ بأكله اشترى رأسا، فقيل له في ذلك فقال: أعرف سعره فآمن خيانة الغلام فيه، وآكل منه ألوانا، آكل من غلصمته لونا، ومن عينيه لونا، ومن دماغه لونا.
«٨٥٣» - وقال مروان: ما فرحت بشيء قطّ فرحي بمائة ألف درهم