← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

«٦٤٧» - ظلمة القوادة يضرب بها المثل، كانت صبية في المكتب تسرق دويّ الصبيان وأقلامهم، فلما شبّت زنت، فلما أسنّت قادت، فلما قعدت اشترت تيسا تنزيه. «٦٤٨» - ابن الحجاج: [من البسيط] إن تحسدوني فلا والله ما بلغت ... لولا الخساسة حالي موضع الحسد وإنما في يدي عظم أمشّشه ... من المعاش بلا لحم ولا غدد «٦٤٩» - ابن حازم الباهلي: [الكامل المجزوء] مالي رأيتك لا تدو ... م على المودة للرجال خلق جديد كل يو ... م مثل أخلاق البغال (١) وله: [من الكامل] ومتى اختبرت أبا العلاء وجدته ... متلونا كتلون البغل «٦٥٠» - أبو تمام: [من الوافر] مساوىء لو قسمن على الغواني ... لما جهّزن إلا بالطلاق ٦٥١- آخر: [من البسيط] الليث ليث وإن جزّت براثنه ... والكلب كلب وإن طوّقته ذهبا

стр. 702

«٦٥٢» - حكي أن اعرابيا أخذ جرو ذئب فربّاه بلبن شاة عنده، فقال: إذا ربيته مع الشاء أنس بها فيذبّ عنها ويكون أشدّ من الكلب، ولا يعرف طبع أجناسه، فلما قوي وثب على شاته فافترسها، فقال الأعرابي: [من الوافر] أكلت شويهتي ونشأت فينا ... فمن انباك [١] أن أباك ذيب «٦٥٣» - قال رجل ملول: إنه ليبلغ من مللي أني أغيّر كلّ شهر كنيتي مرتين. «٦٥٤» - وقال خالد بن صفوان: إنه ليبلغ من مللي أن أتبرم بنفسي فأتمنى أن يؤخذ مني رأسي فلا يردّ إليّ إلا في كلّ أسبوع. «٦٥٥» - وقال بشار في نحوه: [من الطويل] إذا كان ذواقا أخوك من الهوى ... موجهة في كلّ أوب ركائبه فخلّ له وجه الفراق ولا تكن ... مطية رحّال كثير مذاهبه «٦٥٦» - شاعر يذم وقحا: [من الكامل المجزوء] الصّخر هشّ عند وج ... هك [ ... ] في الوقاحه

стр. 703

«٦٥٧» - في مثله: [من الكامل] يا ليت لي من جلد وجهك رقعة ... فأقدّ منها حافرا للأشهب «٦٥٨» - آخر: [من الخفيف] لك عرض مثلّم من قواري ... ر ووجه ململم من حديد «٦٥٩» - تشاجر رجلان فقال كل واحد منهما أنا ألأم، فتحاكما إلى رجل فقال: قد حكمتماني فأخبراني بأخلاقكما، فقال أحدهما: ما مرّ بي أحد إلا اغتبته ولا ائتمنني أحد إلا خنته، وقال الآخر: أنا أبطر الناس في الرخاء، وأجبنهم عند اللقاء، وأقلهم عند الحياء، فقال الرجل: كلا كما لئيم، وألأم منكما الحطيئة فإنه هجا أباه وأمّه ونفسه. (من نوادر العقوق [١] ) : «٦٦٠» - ضرب رجل أباه فقيل له: أما عرفت حقّه؟ قال: لا فإنه لم يعرف حقّي، قيل: وما حقّ الولد على الوالد؟ قال: أن يتخير أمّه، ويحسن اسمه، ويختنه، ويعلمه القرآن، فكشف عن عورته فإذا هو أقلف، وقال: اسمي برغوث، ولا أعلم حرفا من القرآن، وقد أولدني من زنجية، فقالوا للوالد: احتمله فانك تستأهل. «٦٦١» - جفا جحا أمه فقالت له: هذا جزائي منك وقد حملتك في

стр. 704

بطني تسعة أشهر؟! فقال: ادخلي في استي حتى أحملك سنتين وخلصيني. «٦٦٢» - وقالت امرأة لابنها: هذا جزائي وقد أرضعتك سنتين؟ فقال: ارتجعي عن دورقين لبنا دورقين محضا وأعفيني. «٦٦٣» - كان لحنظلة النميري ابن عاقّ اسمه مرة، فقال له يوما: إنك لمرّ يا مرة فقال: أعجبتني حلاوتك يا حنظلة، فقال: إنك خبيث كاسمك، فقال: أخبث مني من سمّاني به، فقال: كأنك لست من الناس، فقال: من أشبه أباه فما ظلم، قال: ما أحوجك إلى أدب، قال: الذي نشأت على يده أحوج إليه مني، قال: عقمت أمّ ولدتّك، قال: إذا ولدت من مثلك، قال: لقد كنت مشؤوما على إخوتك، دفنتهم وبقيت، قال: أعجبني كثرة عمومتي، قال: لا تزداد إلا خبثا، قال: لا يجتنى من الشوك العنب. «٦٦٤» - أمر بعض الملوك عاملا له أن يصيد شرّ طائر ويشويه بشرّ حطب، ويبعثه على يد شرّ رجل، فصاد رخمة، وشواها ببعر، ودفعها إلى خوزي، فقال الخوزي: أخطأت في كلّ ما أمرك به الملك، صد بومة، واشوها بدفلى، وادفعها إلى نبطي ولد زنا، ففعل، وكتب به إلى الملك، فقال الملك: أصبت، ولكن كفى أن يكون الرجل نبطيا لا يحتاج إلى ولد زنا، فليس يزداد النبطيّ بذلك شرارة، فقد بلغ بجنسه الغاية. تمّ الباب الرابع بحمد الله ومنّه يتلوه باب الجود والسخاء والبخل واللؤم

стр. 705

الباب الخامس في السّخاء والجود والبخل واللّوم

стр. 706

خطبة الباب بسم الله الرّحمن الرّحيم رب أنعمت فزد [١] الحمد لله الكريم الجواد، السابغ فضله على العباد، معطي الرغبات ومنيلها، ومنهض عثرات الكريم ومقيلها، سمح فأفضل، ومنح فأجزل، أحمده على سعة عطائه وأثني عليه بنعمه وآلائه، وأعوذ به من شحّ الأنفس، ومنع المنفس، وبخل مطاع مرد، وهوى متبع مغو، وأسأله التوفيق لحسن التقدير، في غير ما سرف ولا تقتير، وصلواته على رسوله النبيّ الأميّ معدن الافضال، وبحر النوال [٢] ، عصمة الأرامل والأيامى، وثمال العيّل واليتامى، أطعم في المحل والجدب إطعامه في الرخاء والخصب، وأعطى مع اللأواء والعسر، عطاء من لا يخاف الفناء والفقر، وعلى أصحابه وآله، المهتدين بهديه وفعاله.

стр. 707

مقدمة الباب (الباب الخامس في السخاء والجود والبخل واللؤم) الجود بذل المال [١] ، وأنفعه ما يصرف [٢] في وجه استحقاقه، وقد حثّ الله عليه، وندب إليه في قوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (آل عمران: ٩٢) والبخل منع الحقوق، وإليه الاشارة في قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة: ٣٤- ٣٥) . وقال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران: ١٨٠) . وقال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر: ٩) . «٦٦٥» - وقال رسول الله ﷺ : إنّ الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزيّنوا دينكم بهما. «٦٦٦» - وقال ﷺ : تجاوزوا عن ذنب السخيّ فإن الله آخذ

стр. 708

بيده كلّما عثر وفاتح له كلما افتقر. «٦٦٧» - ووفد عليه ﷺ رجل فسأله فكذبه فقال له: أسألك فتكذبني؟! لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشرّدت بك من وافد قوم. «٦٦٨» - وقال ﷺ : شرّ ما في الرجل شحّ هالع، أو جبن خالع. «٦٦٩» - وقال ﷺ : خلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق. «٦٧٠» - وقال بعض السلف: منع الموجود سوء ظنّ بالمعبود، وتلا وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (سبأ: ٣٩) . «٦٧١» - وقال علي ﵇: الجود حارس الأعراض. «٦٧٢» - وقال أيضا: السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمّم.

стр. 709

«٦٧٣» - وقال أيضا: البخل عار. «٦٧٤» وقال أيضا: عجبت للبخيل الذي استعجل الفقر الذي منه هرب، وفاته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. «٦٧٥» - وقال علي بن عبد الله بن العبّاس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء. ٦٧٦- وقال يحيى بن معاذ الرازي: تأبى القلوب للأسخياء إلا حبّا ولو كانوا فجارا، وللبخلاء إلا بغضا ولو كانوا أبرارا. «٦٧٧» - وقال بعض الحكماء: الجواد من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره. «٦٧٨» - وقيل لعمرو بن عبيد: ما الكرم؟ فقال: أن تكون بمالك متبرعا، وعن مال غيرك متورّعا. ٦٧٩- نظر أعرابي إلى قوم ينصرفون من المسجد الجامع فقال: لو ورد هؤلاء على بخيل لقضى حوائجهم، فكيف على أجود الأجواد؟

стр. 710

«٦٨٠» - ومن كلام ينسب إلى جعفر بن محمد ﵉: (١) لا يتمّ المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله وتصغيره وستره. (٢) جاهل سخيّ خير من ناسك بخيل. (٣) الجود زكاة السعادة. (٤) الايثار على النفس موجب لاسم الكريم. (٥) لا تستحي من بذل القليل فإن الحرمان أقلّ منه. ويشبه هذا المعنى قول الشاعر، وينسب إلى حماد عجرد: [من البسيط] بثّ النوال ولا يمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود ومن هذا الشعر: إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى يخال غنيّا وهو مجهود وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود «٦٨١» - وقال علي بن موسى: لا خير في المعروف إذا أحصي. «٦٨٢» - وقال علي بن الحسين: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بماله. «٦٨٣» - وقال الحسين بن عليّ لمعاوية: من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم.

стр. 711

«٦٨٤» - ومن كلام له: أيها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه. «٦٨٥» - وأنشد عبد الله بن جعفر قول الشاعر: [من الكامل] إنّ الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع فقال: هذا شعر رجل يريد أن يبخّل الناس؛ أمطر المعروف مطرا فإن صادف موضعا فهو الذي قصدت، وإلا كنت أحقّ به. «٦٨٦» - وقيل ليزيد بن معاوية: ما الجود؟ فقال: إعطاء المال من لا تعرف فإنه لا يصير إليه حتى يتخطّى من تعرف [١] . «٦٨٧» - وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر: ما دام قلمك يرعف فأمطره معروفا. «٦٨٨» - قال سعيد بن العاص، وكان من الأجواد: قبّح الله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك يتردد دمه في وجهه مخاطرا لا

стр. 712

يدري أتعطيه أم لا، وقد بات ليلته يتململ على فراشه، يعاقب بين شفتيه مرة هكذا ومرة هكذا من لحاجته، فخطرت بباله أنا أو غيري فمثّل أرجاهم في نفسه وأقربهم من حاجته ثم عزم عليّ وترك غيري، فلو خرجت له مما أملك لم أكافه وهو عليّ أمنّ مني عليه. «٦٨٩» - وقال علي بن أبي طالب ﵇ لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق في كلام دار بينهما: ما فعلت إبلك الكثيرة؟ قال: ذعذعتها [١] الحقوق يا أمير المؤمنين، قال: ذاك أحمد سبلها. «٦٩٠» - قال عمرو بن الأهتم: [من الطويل] ألا طرقت أسماء وهي طروق ... وباتت على أنّ الخيال يشوق بحاجة محزون كأنّ فؤاده ... جناح وهت عظماه فهو خفوق ذريني فإن البخل يا أمّ هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سروق وإنّي كريم ذو عيال تهمّني ... نوائب يغشى رزؤها وحقوق ذريني وحطّي في هواي فإنني ... على الحسب الزاكي الرفيع شفيق ومستنبح بعد الهدوء دعوته ... وقد حان من ساري الشتاء طروق يعالج عرنينا من الليل باردا ... تلفّ رياح ثوبه وبروق فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مبيت صالح وصديق

стр. 713

وقمت إلى البرك الهواجد فاتّقت ... مقاحيد كوم كالمجادل روق [١] بأدماء مرباع النتاج كأنّها ... إذا عرضت دون العشار فنيق [٢] بضربة ساق أو بنجلاء ثرّة [٣] ... لها من أمام المنكبين فتيق وقام إليها الجازران فأوقدا ... يطيران عنها الجلد وهي تفوق [٤] فجرّ إلينا ضرعها وسنامها ... وأزهر يحبو للقيام عتيق [٥] بقير [٦] جلا بالسيف عنه غشاءة ... أخ باخاء الصالحين رفيق فبات لنا منها وللضيف موهنا ... عشاء سمين راهن وغبوق وبات له دون الصّبا وهي قرّة ... لحاف ومصقول الكساء رقيق وكلّ كريم يتّقي الذمّ بالقرى ... وللخير بين الصالحين طريق أضفت فلم أفحش عليه ولم أقل ... لأسمعه إن الفناء مضيق [٧] لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق نمتني عروق من زرارة للعلى ... ومن فدكيّ والأشدّ عروق أكارم يجعلن الفتى في أرومة ... يفاع وبعض الوالدين دقيق «٦٩١» - وقال حاتم الطائي: [من الطويل]

стр. 714

أماويّ إنّ المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال أمسى له وفر أماويّ إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لديّ ولا خمر تري أنّ ما أفنيت لم يك ضرّني ... وأنّ يدي مما بخلت به صفر أماويّ إما مانع فمبيّن ... وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلّا سقاناه بكأسيهما الدهر فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر «٦٩٢» - وقال أيضا: [من الكامل] وإذا تنوّر طارق مستنبح ... نبحت فدلّته عليّ كلابي وعوين يستعجلنه فلقينه ... يضربنه بشراشر الأذناب «٦٩٣» - وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل] دعيني فإن الجود يا أمّ خالد ... إليّ ومعروف الثناء عجيب وإنك إن بخّلت ثم ندبتني ... بصالح أخلاق الفتى لكذوب وما يك من عسري ويسري فإنني ... ذلول بحاج المعتفين أريب وما زلت مثل البحر يركب مرة ... فيعلى ويولي مرة فيثيب وما خير معروف الفتى في شبابه ... إذا لم يزده الشيب حين يشيب

стр. 715

وما السائل المحروم يرجع خائبا ... ولكن بخيل الأغنياء يخيب وللمال أشراك وإن ضنّ ربه ... يصيب الفتى من ماله وتصيب «٦٩٤» .- (١) وقال ابن هرمة: [من المنسرح] لا غنمي في الحياة مدّ لها ... إلى دراك القرى ولا إبلي كم ناقة قد وجأت منحرها ... بمستهلّ الشؤبوب أو جمل لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل (٢) وقال أيضا: [من الكامل] أغشى الطريق بقبّتي ورواقها ... وأحلّ في قلل الرّبى فأقيم إنّ امرءا جعل الطريق لبيته ... طنبا وأنكر حقّه للئيم (٣) وقال أيضا: [من الطويل] ومستنج تستكشط الريح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثوب معصم [١] عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نوّم فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له عند إتيان المهبين [٢] مطعم يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم

стр. 716

«٦٩٥» - وقال الخثعمي: [من البسيط] لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينفدها التبذير والسّرف وان تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف وقد روي هذان البيتان لبعض الكتاب، أنشدهما يحيى بن خالد وقد رآه يفرّق الصلات في النّاس. «٦٩٦» - وأخذ المعنى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فقال: [من الطويل] فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسرا ... وأنفق على ما خيّلت حين تعسر فلا الجود يفني المال والحظّ مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر «٦٩٧» - وقد قال عسل بن ذكوان: [من البسيط] أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... بين العباد مع الآجال أرزاق لا ينفع البخل مع دنيا مولّية ... ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق والكلّ مأخوذ من قول امرأة من العرب لابنها: يا بنيّ إذا رأيت المال مقبلا فأنفق، فإن ذهابه فيما تريد خير من ذهابه فيما لا تريد. ٦٩٨- وصف رجل عبد الله بن جعفر فقال: كان إذا افتقر لم تفتقر نفسه، وإذا استغنى لم يستغن وحده.

стр. 717

«٦٩٩» - وكان عبد الله بن جعفر من الجود بالمكان المشهور، وله فيه أخبار يكاد سامعها ينكرها لبعدها عن المعهود، وكان معاوية يعطيه ألف ألف درهم كل سنة فيفرقها في الناس، ولا تراه إلّا وعليه دين. ولما مات معاوية وفد على يزيد فقال له: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك؟ قال: كان ﵀ يعطيني ألف ألف، قال يزيد: قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف، قال: بأبي وأمي أنت، قال: ولهذه ألف ألف، قال: أمّا إني لا أقولها لأحد بعدك، فقيل ليزيد: أعطيت هذا المال العظيم رجلا واحدا من مال المسلمين فقال: والله ما أعطيته إلّا لجميع أهل المدينة، ثم وكل به من صحبه وهو لا يعلم، لينظر ما يفعل في المال، فلما وصل المدينة فرّق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى الدّين. «٧٠٠» - وقال له الحسن والحسين ﵉: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي أنتما، إن الله عوّدني أن يفضل عليّ وعوّدته أن أفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فتنقطع عنّي المادة. «٧٠١» - ولما ولي عبد الملك بن مروان جفا عبد الله ورقّت حاله. فراح يوما إلى الجمعة وجاءه سائل فقال له: إن كان يقنعك أحد قميصيّ هذين فخذه، فقال نعم، فقال: اللهم إنك عودتني عادة جريت عليها، فإن كان ذلك قد انقطع فاقبضني إليك، فتوفي في الجمعة الأخرى.

стр. 718

«٧٠٢» - وامتدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأمر له بخيل وأثاث وإبل ودنانير ودراهم، فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟ فقال عبد الله: إن كان أسود فإن شعره لأبيض وإن ثناءه لعربيّ، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفنى ومطايا تنضى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى؟ «٧٠٣» - وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك تبذل الكثير إذا سئلت، وتضيّق في القليل إذا توجرت، فقال: إنّي أبذل مالي وأضنّ بعقلي. وله أخبار سأذكر بعضها حيث يتفق من هذا الباب. «٧٠٤» - كان لبيد بن ربيعة العامري جوادا شريفا في الجاهلية والإسلام، وكان نذر أن لا تهبّ الصّبا إلا نحر وأطعم حتى تنقضي، فهبت في الإسلام وهو بالكوفة مملق مقتر، فعلم بذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو واليها من قبل عثمان، فخطب الناس فقال: إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل وما وكّد على نفسه، فأعينوا أخاكم؛ ثم نزل فبعث إليه بمائة ناقة وبعث الناس إليه أيضا، فقضى نذره، ففي ذلك تقول بنت لبيد: [من الوافر] إذا هبّت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبّتها الوليدا

стр. 719

«٧٠٥» - وكان عبد الله بن جدعان التيميّ- تيم قريش- من أجواد العرب في الجاهلية، فلما أسنّ أخذت بنو تيم على يده ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان إذا أتاه الرجل يطلب منه قال: ادن مني، فإذا دنا منه لطمه، ثم يقول: اذهب فاطلب لطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله، وذلك قول ابن قيس الرقيات: [من الخفيف] والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللطم نائل وعطاء «٧٠٦» - مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ عوّاده، فقال لمولى له: ما بال الناس لا يعودونني؟ قال: للدّين الذي لك عليهم، قال: ناد فيهم: من كان عليه شيء فهو له، فكسروا درجته من تهافتهم. «٧٠٧» - كان سعيد بن العاص إذا سأله سائل فلم يكن له ما يعطيه قال له: اكتب عليّ سجّلا إلى يوم يسري؛ ولما مات أتى غرماوءه ابنه بما عليه من الصكاك وكان في جملتها صكّ لفتى من قريش فيه شهادة مولى له بعشرين ألفا فقال ابنه للمولى: من أين له هذا المال وإنما هو صعلوك من فتيان قريش؟ فقال المولى: إن أباك خرج من منزله فلقيه هذا الفتى فمشى معه، فلما بلغ حيث أراد سأله هل من حاجة؟ فقال: لا إنما رأيتك تمشي وحدك فوصلت جناحك، فلم يكن معه ما يعطيه فكتب له على نفسه بما رأيت.

стр. 720

«٧٠٨» - اشترى عبيد الله بن أبي بكرة جارية بستين ألف درهم، فطلب دابة تحمل عليها فلم توجد، فجاء رجل بدابّته فحملها فقال له: إلى أين أحملها؟ فقال له عبيد الله: اذهب بها إلى منزلك، ووهبها له. «٧٠٩» - واستعمله عبيد الله بن زياد على إطفاء بيوت النيران بين البصرة وسجستان، فأصاب أربعين ألف ألف درهم، فحال الحول عليه وعليه دين. «٧١٠» - أرتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى، فسكت ساعة ثم قال: لا أجمع عليكم عيّا وبخلا، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها عليّ. «٧١١» - باع أبو الجهم داره، فلما أرادوا الاشهاد عليه قال: بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص؟ قالوا: سبحان الله، وهل رأيت أحدا يشتري جوار أحد؟ قال: ألا تشترون جوار إنسان إذا أسأت إليه أحسن؟ لا أريد أن أبيعكم شيئا، ردّوا عليّ داري، فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه بألف دينار. «٧١٢» - طلب رجل من أبي العبّاس الطوسي خطرا فلم يعطه، فبلغ

стр. 721

ذلك معن بن زائدة وهو باليمن، فأرسل إليه بجراب خطر فيه ألف دينار وكتب إليه: اختضب بالخطر وانتفع بالنخالة. «٧١٣» - كان معن بن زائدة قد أبلى مع يزيد بن عمر بن هبيرة بلاء شديدا، فطلبه المنصور وبذل مالا لمن جاء به، فاضطر لشدة الطلب إلى أن أقام في الشمس حتى لوّحت وجهه، وخفّف عارضه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملا ثفالا، وخرج عليه ليمضي إلى البادية فيقيم بها؛ قال معن: فلما خرجت من باب حرب تبعني أسود متقلّد سيفا حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض علي فقلت: مالك؟ فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين، فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟ قال: دع هذا فأنا أعرف بك منك، قال معن فقلت له: يا هذا أتّق الله فيّ فان كانت القصة كما تقول فهذا جوهر حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي، فخذه ولا تسفك دمي، فقال: هاته، فأخرجته فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، فقلت: قل، فقال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت قطّ مالك كلّه؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظنّ أني قد فعلت ذلك، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله رزقي من أبي جعفر عشرون درهما، وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير قد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أنّ في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحقر بعدها كلّ شيء تفعله، ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى بالجوهر في حجري وخلّى خطام البعير وانصرف، فقلت له: يا هذا قد والله فضحتني، ولسفك

стр. 722

دمي أهون عليّ مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك فإني عنه غني، فضحك وقال: أردت أن تكذبني في مقامي هذا؟ والله لا آخذه ولا آخذ لمعروف ثمنا أبدا. فو الله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاء به ما شاء فما عرفت له خبرا، وكأن الأرض ابتلعته. «٧١٤» - أراد رجل أن يمدح رجلا عند خالد بن عبد الله القسري فقال: والله لقد دخلت إليه فوجدته أسرى الناس فرشا ودارا وآلة، فقال خالد: لقد ذممته من حيث أردت أن تمدحه، هذه والله حال من لم تدع فيه شهوته للمعروف فضلا. «٧١٥» - قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في علّته: لم يبق عليّ من لباس الزمان إلا العلة والخلّة، وأشدّهما عليّ أهونهما على الناس، لأن ألم جسمي بالأوجاع أهون من ألم قلبي للحقّ المضاع. «٧١٦» - قال أعرابي: ما زال فلان يعطيني حتى ظننته يودعني، وما ضاع مال أودع حمدا. «٧١٧» - شاعر: [من الكامل] وإذا الرجال تصرّفت أهواؤها ... فهواه لحظة سائل أو آمل ويكاد من فرط السخاء بنانه ... حبّ العطاء يقول هل من سائل

стр. 723

«٧١٨» - وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد: [من الكامل] تأبى خلائق خالد وفعاله ... إلا تجنّب كلّ أمر عائب وإذا حضرنا الباب عند غدائه ... أذن الغداء لنا برغم الحاجب «٧١٩» - وقال الخريميّ: [من الطويل] أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب «٧٢٠» - مرّ يزيد بن المهلب بأعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز يريد البصرة، فقرته عنزا فقبلها وقال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟ قال: ثمانمائة دينار، قال: فادفعها إليها، فقال له ابنه: إنك تريد الرجال ولا تكون الرجال إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير وهي بعد لا تعرفك، قال: فإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي؛ ادفعها إليها. «٧٢١» - قال العتبيّ: أشرف عمر بن هبيرة يوما من قصره فإذا هو بأعرابيّ يرقص قلوصه الآل، فقال لحاجبه: إن أرادني هذا فأوصله إليّ، فلما

стр. 724

دنا الأعرابيّ سأله فقال: قصدت الأمير، فأدخله إليه، فلما مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك؟ فقال الأعرابيّ: [من المنسرح] أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا ألحّ دهر أنحى بكلكه ... فأرسلوني إليك وانتظروا قال: فأخذت عمر الأريحية فجعل يهترّ في مجلسه ثم قال: أرسلوك إليّ وانتظروا، إذن والله ولا تجلس حتى ترجع إليهم غانما، فأمر له بألف دينار وردّه على بعيره. قال أبو العبّاس المبرد: بلغني أنّ الخبر لمعن، وذلك عندي أصحّ. «٧٢٢» - أتى رجل يسأل الحسن بن علي ﵉ فقال له: إنّ المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح، أو فقر مدقع، أو حمالة مفظعة، قال الرجل: ما جئت إلّا في إحداهن، فأمر له بمائة دينار، ثم أتى أخاه الحسين ﵇ فقال له مثل ما قال له أخوه، فأعطاه تسعة وتسعين دينارا، كره أن يساوي أخاه. ثم أتى عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما فأعطاه سبعة دنانير، ولم يسأله عن شيء، فحدثه بقصته وما جرى بينه وبينهما، فقال عبد الله: ويحك وأين تجعلني منهما؟ إنهما عذّيا العلم [١] غذاء. «٧٢٣» - لما وجّه يزيد بن معاوية عسكره لاستباحة أهل المدينة ضمّ عليّ ابن الحسين إلى نفسه أربعمائة منافيّة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأة منهن: ما عشت والله بين أبويّ بمثل ذلك التتريف [٢] .

стр. 725

٧٢٤- ذكر العبّاس بن محمد أنّ المهديّ لما وجّه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين خرج يشيّعه وأنا معه، فلما حاذى قصر مسلمة قلت له: يا أمير المؤمنين إن لمسلمة في أعناقنا منّة، كان محمد بن علي مرّ به فأعطاه أربعة آلاف دينار وقال له: يا ابن عم هذان ألفان لدينك وألفان لمعونتك، فإذا نفدت فلا تحتشمنا؛ فقال لما حدّثته الحديث: أحضروا من ها هنا من ولد مسلمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأمر أن تجرى عليهم الأرزاق ثم قال: يا أبا الفضل أكافأنا مسلمة وقضينا حقه؟ قلت: وزدت يا أمير المؤمنين. «٧٢٥» - قال يحيى بن خالد: جعلت الدنيا دون عرضي، فأبرّها عندي ما صانه، وأهونها عليّ ما شانه. «٧٢٦» - كتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان في نكبته: إنّ الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور، لأنّ اللئيم إذا ازداد نعما ازداد لؤما، والكريم إذا ازداد عسرا ازداد ظنّه بالله حسنا. «٧٢٧» - رفع الواقدي قصة إلى المأمون يشكو غلبة الدّين وقلّة الصبر، فوقّع المأمون عليها: أنت رجل فيك خلّتان: الحياء والسخاء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فبلغ بك ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنّا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك، وإن كنّا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نفسك، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء

стр. 726

الرشيد عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال للزبير: يا زبير، إن مفاتيح الرزق بساق [١] العرش، ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثّر كثّر له ومن قلّل قلّل له؛ قال الواقدي: وكنت أنسيت الحديث، فكانت مذاكرته إياي به أعجب إليّ من صلته. «٧٢٨» - بعث روح بن حاتم بن المهلب إلى رجل بثلاثين ألف درهم وكتب إليه: قد وجهت إليك بما لا أقلّله تكبرا، ولا أكثّره تمنّنا، ولا أستثيبك عليه ثناء، ولا أقطع لك به رجاء. «٧٢٩» - أراد الرشيد أن يخرج إلى القاطول فقال يحيى بن خالد لرجاء ابن عبد العزيز، وكان على نفقاته: ما عند وكلائنا من المال؟ قال: سبعمائة ألف درهم، قال: فاقبضها إليك يا رجاء، فلما كان من الغد غدا إليه رجاء فقبّل يده وعنده منصور بن زياد، فلما خرج قال لمنصور: قد ظننت أنّ رجاء قد توهّم أنا قد وهبنا المال له وإنما أمرناه بقبضه من الوكلاء ليحفظه علينا لحاجتنا إليه في وجهنا هذا، قال منصور: فأنا أعلمه ذلك، قال إذن يقول: فقل له يقبّل يدي كما قبلت يده، فلا تقل شيئا فقد تركتها له. «٧٣٠» - قال سلم بن زياد لطلحة بن عبيد الله بن خلف الخزاعي: إني أريد أن أصل رجلا له عليّ حقّ وصحبة بألف ألف درهم فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل هذه لعشرة، قال: فأصله بخمسمائة ألف درهم، قال: كثير، فلم يزل به حتى وقف على مائة ألف درهم قال: أفترى مائة الف يقضى بها

стр. 727

ذمام رجل له انقطاع وصحبة ومودة وحقّ واجب؟ قال: نعم، قال: هي لك وما أردت غيرك، قال: فأقلني قال لا أفعل والله. «٧٣١» - سئل إسحاق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد فقال: أما الفضل فيرضيك فعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد، وأما موسى فيفعل ما لا يجد. ٧٣٢- بات جماعة من الرؤساء عند أحمد بن أبي دواد، فلما أخذوا مضاجعهم إذا الخدم قد أخرجوا لكلّ واحد منهم جارية، قال: فاحتشموا من ذلك، وبات الجواري ناحية، فلما أصبحوا وجّه بجارية كلّ واحد إلى منزله ومعها وصيفة. «٧٣٣» - قال شريح بن الأحوص: [من الطويل] ومستنبح يبغي المبيت ودونه ... من الليل سجفا ظلمة وستورها رفعت له ناري فلما اهتدى بها ... زجرت كلابي أن يهرّ عقورها فبات وقد أسرى من الليل عقبة ... بليلة صدق غاب عنها شرورها إذا الشول راحت ثم لم تفد لحمها ... بألبانها ذاق السنان عقيرها «٧٣٤» - وقال عروة بن الورد: [من الطويل]

стр. 728

إني امرو عافي إنائي شركة ... وأنت امرو عافي إنائك واحد أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترى ... بوجهي شحوب الحقّ والحقّ جاهد أقسّم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد «٧٣٥» - وقال آخر: [من البسيط] ألا ترين وقد قطّعتني عذلا ... ماذا من الفوت بين البخل والجود إلّا يكن ورق يوما أجود بها ... للمعتفين فإني ليّن العود «٧٣٦» - وقال قيس بن عاصم: [من الطويل] أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني غير آكله وحدي كريما قصيا أو قريبا فإنني ... أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما فيّ إلا تيك من شيمة العبد «٧٣٧» - وقال آخر: [من الطويل]

стр. 729

ومستنبح قال الصّدى مثل قوله ... حضأت له نارا لها حطب جزل وقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبل وأوسعني حمدا وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل «٧٣٨» - وقال محمد بن يسير: [من البسيط] لقلّ عارا إذا ضيف تضيفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي فضل [١]- المقلّ إذا اعطاه مصطبرا [٢] ... ومكثر في الغنى سيّان في الجود لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إمّا نوال وإما حسن مردود «٧٣٩» - وقال الهذلي: [من البسيط] وهّاب ما لا تكاد النفس ترسله ... من التّلاد وصول غير منّان [٣] «٧٤٠» - وقال البحتري: [من الطويل] ألست ترى مدّ الفرات كأنه ... جبال شرورى جين في البحر عوما وما ذاك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلما

стр. 730

«٧٤١» - وقال حاتم: [من الطويل] لا تسأليني واسألي أيّ فارس ... إذا الخيل جالت في قنا فتكسرا ولا تسأليني واسألي أيّ ياسر ... إذا بادر القوم الكنيف المستّرا وانّي لوهّاب لقطعي ونمرقي [١] ... إذا ما صحوت [٢] والكميت المصدرا وإني لتغشى أبعد الحيّ جفتني ... إذا ورق الطلح الطوال تحسّرا «٧٤٢» - نزل رجل بامرأة من العرب فقال لها: هل من لبن أو طعام يباع، فقالت: إنك للئيم أو حديث عهد باللئام، فاستحسن ذلك منها وخطبها فتزوجها. «٧٤٣» - قيل لأعرابيّة وقد حملت شاة تبيعها: بكم هذه؟ قالت: بكذا، قيل لها: أحسني، فتركت الشاة ومرّت لتنصرف، فقيل لها: ما هذا؟ فقالت: لم تقولوا أنقصي، وإنما قلتم أحسني، والإحسان ترك الكلّ. «٧٤٤» - قال أبو الحسين محمد بن عمر بن بكير: كان أبي بين يدي

стр. 731

المنتصر بالله، وأحمد بن الخصيب جالس، فدخل الحاجب فقال: أيها الأمير هذا [١] الحسن بن سهل بالباب، فالتفت إليه أحمد فقال: دعنا من العظام الناخرة والرسوم الداثرة، فوثب أبي وقال: أيها الأمير إنّ للحسن بن سهل عليّ نعما عظاما وله في عنقي أياد جمة، فقال: ما هو يا عمر؟ فقال: ملأ والله بيتي ذهبا وفضة، وأدنى مجلسي، وخلع عليّ وألحقني برؤساء أهل العلم كأبي عبيدة والأصمعي ووهب بن جرير وغيرهم، وقد أقدرني الله سبحانه بالأمير على مكافأته وهذا من أوقاته، فإن رأى الأمير أن يسهّل إذنه ويجعل ذلك على يدي وحبوة لي وذريعة إلى مكافأة الحسن بالحسنى فعل، فقال: يا أبا حفص بارك الله عليك، فمثلك يستودع المعروف، وعندك يثمر البرّ، وبمثلك يرغب الأشراف في اتخاذ الصنائع، وقد جعلت إذن الحسن إليك، فأدخله أيّ وقت حضر من ليل أو نهار، لا سبيل لأحد من الحجّاب عليه، فقبّل البساط ووثب إلى الباب، فأدخل الحسن، وأتكأه يده، فلما سلّم على المنتصر أمره بالجلوس فجلس، وقال له: قد جعلت إذنك إلى أبي حفص فاحضر إذا شئت من غدوّ أو عشيّ، وارفع حوائجك، وتكلّم بكلّ ما في صدرك، فقال الحسن: والله أيها الأمير ما أحضر طلبا للدنيا ولا رغبة فيها ولا حرصا عليها، ولكني عبد يشتاق إلى مواليه وسادته، وبلقائهم يشتدّ ظهره وينبسط أمله وتتجدّد نعم الله تعالى عنده، وما أحضر لغير ذلك، قال: وأحمد بن الخصيب يكاد ينقدّ غيظا. فقال له المنتصر: فاحضر الآن في أيّ الأوقات أحببت، فأكبّ الحسن على البساط يقبله شكرا ونهض. قال أبي: ونهضت معه، فلما بعدنا عن عينه بلغني أن المنتصر قال: هكذا فليكن الشاكرون، وعلى مثل هذا فلينعم المنعمون؛ ثم قال الحسن لعمر: والله ما أدري بأيّ لسان أثني عليك، فقال: يا سبحان الله أنا أولى بالثناء عليك

стр. 732

منك، والدعاء لك، لأنك خوّلتني الغنى وألبستني النعمى في الزمان الصعب والحال التي يجفوني في مثلها الحميم، فجزاك الله عنّي وعن ولدي أفضل الجزاء، فقال الحسن: والهفاه على أن لا يكون ذلك المعروف أضعاف ما كان، لادرّ درّ الفوت وتعسا للندم وأحواله، ولله درّ الخريميّ حيث يقول: [من الطويل] ودون الندى في كلّ قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل وودّ الفتى في كلّ نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أنّ نائله جزل ثم قال لي أبي: يا محمد اخرج معه، أعزه الله، حتى تؤدّيه إلى منزله، قال أبو الحسين: فخرجت معه، فلم أزل أحدّثه حتى جرى ذكر رزين العروضيّ الشاعر، وكان قد امتدحه بقصيدة، فمات رزين من قبل أن يوصلها إلى الحسن، فقلت: أعزّ الله الأمير، كان شاعرا ومن أهل العلم، مدح الأمير بقصيدة هي في العسكر مثل ومات قبل أن ينشدها، قال: فأسمعنيها أنت، فأنشدته: قرّبوا جمالهم للرحيل ... غدوة أحبّتك الأقربوك خلّفوك ثم مضوا مدلجين ... مفردا بهمّك ما ودّعوك وهي ستون بيتا على غير وزن العروض. قال أبو الحسين: فأنا والله أنشده، ودموعه تهمي على خده وتقطر على نحره، ثم قال: والله ما أبكي إلّا على قصور الأيام عنّا وبنا عنه، ثم جعل يتلهّف وقال: فما الذي منعه من اللقاء: تعذّر الحجاب أم قعود الأسباب؟ فقلت له: اعتلّ، جعلني الله فداك؛ فجعل يترحّم عليه ترحّم الرجل على أخيه ثم قال: والله لا أكون أعجز من علقمة قال: فوالله ما دريت ما عنى، فقلت: جعلني الله فداك: ومن علقمة؟ قال: علقمة بن علاثة حيث مات قبل وصول الحطيئة بالقصيدة التي رحل بها إليه حيث يقول: [من الطويل]

стр. 733

لعمري لنعم الحيّ من آل جعفر ... بحوران أمسى أدركته الحبائل فإن تحي لا أملل حياتي وان تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل وما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى الا ليال قلائل فبلغت هذه الأبيات علقمة، فأوصى له بمثل نصيب ابن. ولكن هل ترك الرجل وارثا؟ قلت: بنيّة، قال: أتعرف مكانها؟ قلت: نعم، قال: والله ما أتسع في وقتي هذا ما أبرّ به هذه الصبية، ولكنّ القليل يقع منها والعذر يقنع، ثم دعا غلاما له فقال: هات ما بقي من نفقة شهرنا، قال: هذه فأعطاه ألفي درهم فدفعها إليّ وقال: خذ ألفا وأعط الصبية ألفا، ففعلت ما قال. «٧٤٥» - وأتى الحسن بن شهريار الحسن بن سهل فكلّمه في رجل فقال له: العيال متوافرون، والضياع متحيّفة، والوظائف قائمة، وذو العادة لا يرضيه دون عادته، وقد أمرت له بثلاثين ألف درهم، فقال الحسن بن شهريار: إنما مقدار الرجل الذي سألتك فيه أن يعطى ألفا أو ألفين، فقال: يا حسن إنّ لكلّ شيء زكاة، وإن زكاة الجاه بذله، فإذا أجرى الله تعالى لإنسان على يدك خيرا فلا تعترض فيه. «٧٤٦» - قال علي ﵇ لأصحابه: من كانت له إليّ منكم حاجة فليرفعها إليّ في كتاب لأصون وجهه عن المسألة. «٧٤٧» - وقالوا: السخيّ من كان مسرورا ببذله، مسرعا بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ويكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحبّ للطير لا يريد نفعها ولكن نفع

стр. 734

نفسه. «٧٤٨» - نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع فقال له: ما أصبرك على هذا القميص!! فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه، فبعث إليه بتخت من ثياب، فقال أبو الأسود: [من الطويل] كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر وإنّ أحقّ الناس ان كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر «٧٤٩» - ذكر عمر بن الخطاب ﵁ الفقراء فقال: إنّ سعيد بن خريم منهم، فأعطاه ألف دينار وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أعطيت فأغن. «٧٥٠» - وقدم على رسول الله ﷺ وفد من العرب، فأعطاهم وفضّل رجلا منهم، فقيل له في ذلك فقال: كلّ القوم عيال عليه. «٧٥١» - وكان عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطلب من الأجواد، أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا ابن عبّاس إنّ لي عندك يدا وقد احتجت إليها، فصعد فيه بصره وصوّبه فلم يعرفه ثم قال: ما يدك عندنا؟ فقال: رأيتك واقفا بزمزم، وغلامك يمتح لك من مائها والشمس قد

стр. 735

صهرتك، فظللتك بطرف كسائي حتى شربت، فقال: أجل إني لأذكر ذلك، وإنك لتتردّد بين خاطري وفكري، ثم قال لغلامه ما عندك قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم، قال: ادفعها إليه، وما أراها تفي بحقّه عندنا، فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك كفاية، فكيف وقد ولد سيّد الأولين والآخرين محمدا ﷺ ، ثم شفع بك وبأبيك. «٧٥٢» - وحبس معاوية عن الحسين بن علي ﵉ صلاته، فقيل له: لو وجّهت إلى ابن عمك عبيد الله فإنه قد قدم بنحو ألف ألف، فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله، فو الله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر، ثم وجّه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله، وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم، فلما قرأ عبيد الله كتابه، وكان أرق الناس قلبا، وألينهم عطفا، انهملت عيناه ثم قال: ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك من الإثم حين أصبحت ليّن المهاد، رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال وكثرة العيال؟! ثم قال لقهرمانه: احمل إلى الحسين نصف ما نملكه من فضة وذهب ودابّة، وأخبره أني شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر، فقال له القهرمان: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا [ذلك] دللتك على أمر تقيم به حالك، فلما أتاه الرسول قال: إنا لله، حملت والله على ابن عمي وما حسبت أنه يتسع لنا هذا كلّه، وأخذ الشطر من ماله. «٧٥٣» - وأهدى إليه معاوية وهو عنده من هدايا النيروز حللا كثيرة ومسكا وآنية من ذهب وفضة، ووجهها مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر

стр. 736

إلى الحاجب وهو ينظر إليها فقال له: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، وإن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف، فضحك عبيد الله وقال: فشأنك بها فهي لك قال: جعلت فداك، أنّى وإن يبلغ ذلك معاوية يجد عليّ، قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن، فإذا كان [١] خروجنا حملها إليك ليلا، قال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم اكبر من الكرم، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه، يعني معاوية، فظنّ عبيد الله أنها مكيدة منه فقال: دع هذا الكلام فإنا قوم نفي بما عقدنا ولا تنقض ما أكّدنا. «٧٥٤» - وجاءه رجل من الأنصار فقال له: يا ابن عمّ محمد، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سمّيته باسمك تبركا مني به، وإنّ أمّه ماتت، فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة، وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار لينفقها على تربيته، ثم قال للأنصاريّ: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس، وفي المال قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك، لو سبقت حاتما بيوم ما ذكرته العرب أبدا، ولكنه سبقك فصرت له تاليا، وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ صوبك أكثر من وابله. «٧٥٥» - وعبيد الله بن أبي بكرة من الأجواد، أدلى إليه رجل بحرمة فأمر له بمائة ألف درهم فقال: أصلحك الله ما وصلني بها أحد قط، لقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لنا بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس.

стр. 737

«٧٥٦» - الذين انتهى إليهم الجود في الجاهليّة: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المريّ، وكعب بن مامة الايادي، وضرب المثل بحاتم وكعب، وحاتم أشهرهما. فأما كعب فجاد بنفسه وآثر رفيقه بالماء، تصافنا الإداوة في المفازة فمات عطشا، وليس له خبر مشهور غيره. وأما حاتم فأخباره كثيرة، وآثاره في الجود مشهورة، وكان إذا اشتدّ البرد وكلب الشتاء أمر غلامه يسارا فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضلّ الطريق ليلا فيصمد نحوها، فقال في ذلك: [من الرجز] أوقد فإن الليل ليل قرّ ... والريح يا واقد ريح صرّ عسى يرى نارك من يمرّ ... إن جلبت ضيفا فأنت حرّ قالوا: ولم يكن حاتم يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود به ثم جاد بفرسه في سنة أزمة: «٧٥٧» - قالت النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ أفق السماء [١] ، وراحت الإبل حدبا حدابير [٢] ، وضنّت المراضيع عن أولادها أن تبضّ بقطرة، وجلفت [٣] السنة المال وأيقنّا بالهلاك، فو الله إني لفي

стр. 738

ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى أصيبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبيّة، فو الله ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني، فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد آخر الليل، فقال: من هذا؟ قال: جارتك فلانة، أتيتك [١] من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوّلا إلا عليك أبا عدي، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي جانبيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرّ، ثم كشط عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، فقال: شأنك فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا، عليكم بالنار، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم أو حافر. «٧٥٨» - مرض سعيد بن العاص بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل ابن السمط ومسلم بن عقبة المريّ ويزيد بن شجرة الرهاوي، فلما نظر سعيد إلى معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما له، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان فإنك ضعفت للعلة، فسقط، فبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه، وأخذ بيده فأقعده معه على فراشه وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه، وأطال القعود عنده. فلما خرج التفت إلى شرحبيل ويزيد ابن شجرة فقال: هل رأيتما خللا في حال أبي عثمان؟ فقالا: لا ما رأينا شيئا ننكره، فقال لمسلم: ما تقول أنت؟ قال: رأيت خللا، قال: وما ذاك؟ قال: رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة، ورأيت صحن داره غير

стр. 739

مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه، قال: صدقت، كلّ ذلك قد رأيت، فوجه إليه [مع مسلم] بثلاثمائة ألف، فسبق رسول مسلم إلى سعيد يبشره بتوجيهها، ويخبره بما كان، فغضب سعيد وقال للرسول: إنّ صاحبك ظنّ أنه أحسن فأساء، وتأوّل فأخطأ، فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرت حركته اتسخ ثوبه، وأما كنس الدار فلست من جعل داره مرآته، وبهاءه لبسته [١] ، ومعروفه عطره، ثم لا يبالي من مات هزلا من ذوي رحمه أو لحمته [٢] ، وأما منازعة التجار قهرماني فمن كثرت حوائجه وبيعه وشراؤه لم يجد بدا من أن يكون طالبا أو مطلوبا، وأما المال الذي أمر لنا به أمير المؤمنين فوصلته به كلّ رحم قاطعة، وهناه كرامة [٣] المنعم بها، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معوّلنا. فركب مسلم إلى معاوية فأعلمه، فقال: صدق ابن عمّي فيما قال، وأخطأت فيما أنهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنّه من فعل خيرا كوفىء عليه. «٧٥٩» - قال الحسن: بلغني أن رجلا جهده الجوع ففطن به بعض الأنصار، فلما أمسى أتى به رحله، وقال لامرأته: هل لك أن نطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟ قالت: نعم، قال: فإذا قرّبت الطعام فاعمدي كأنك تصلحين السراج فاطفئيها، ففعلت، وجاءت بثريدة كأنها قطاة فوضعتها، ثم دنت فأطفأت السراج فجعل الانصاريّ يضع يده في القصعة ولا يأكل، وأكل

стр. 740

الضيف حتى أتى عليها، فلما أصبح صلّى مع رسول الله ﷺ فقال له: أنت صاحب الكلام الليلة؟ قال: وما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: قد كان ذاك يا رسول الله، قال: فوالله لقد عجب الله من صنيعكما. «٧٦٠» - اقترض ابن عبدل من التجار مالا، وحلف لهم بالطلاق ثلاثا أن يقضيهم المال عند طلوع الهلال، فلما بقي من الشهر يومان قال: [من المنسرح] قد بات همّي قرنا أكابده ... كأنما مضجعي على حجر من رهبة أن يرى هلال غد ... فإن رأوه فحقّ لي حذري وفقد بيضاء غادة كملت ... كأنها صورة من الصور أصبحت من أهلي الغداة ومن ... مالي على مثل ليلة الصّدر فبلغ خبره عبد الملك بن بشر فأعطاهم ما لهم عليه وأضعفه له. «٧٦١» - مرّ عبد الله بن جعفر ومعه عدة من أصحابه بمنزل رجل قد أعرس، فإذا بقينة تغنّي: [من المنسرح] قل لكرام ببابنا يلجوا ... ما في التصابي على الفتى حرج فقال عبد الله لأصحابه: لجوا فقد أذن لكم القوم، فنزل ونزلوا فدخلوا، فلما رآه صاحب المنزل تلقاه فأجلسه على الفرش، فقال للرجل: كم أنفقت على وليمتك؟ قال: مائتي دينار، قال: فكم مهر صاحبتك [١] ؟ قال: كذا وكذا، فأمر له بالجميع وبمائة دينار بعد ذلك معونة واعتذر إليه وانصرف. ٧٦٢- قيل غاب محمد بن نصر بن بسام عن داره مدة عشرين سنة،
следующие страницы →