← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

مقدمة الباب (الباب السادس في البأس والشجاعة والجبن والضّراعة [١] ) نذكر في هذا الباب ما جاء في البأس والشجاعة، والجبن والضراعة، والحرب والمقارعة، وما استعمل فيها من الآراء والمكايد، ونصب للأعداء فيها من الأشراك والمصايد، وتسمية أبطال الإسلام وقاتليهم [٢] ، ومن مات منهم حتف أنفه فلم يضرّه إقدامه، ولا دنا بخوضه الغمرات حمامه، وأتبع ذلك بنوادر من هذين النوعين، يرتاح لها المتأمل من كلال الجدّ والأين. الشجاعة عزّ والجبن ذل، وكفى بالعزّ مطلوبا، وبالذل مصروفا عنه ومرغوبا، وقد أثنى الله على الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وعلى الذين هم أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين فقال سبحانه: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: ٢٩) ووصف المجاهدين فقال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (الصف: ٤) وندب إلى جهاد الأعداء، ووعد عليه أفضل الجزاء، وجعل قتالهم أجلّ الأعمال ثوابا، والفرار أكبر وزرا وآلم عقابا. والرأي في الحرب أمام الشجاعة، قال رسول الله ﷺ : الحرب خدعة، وقال حكيم لابنه: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك فالحرب حرب [٣] للمتهور، وغنيمة للمتحذر.

стр. 842

«١٠٠٧» - قال رسول الله ﷺ : ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيله أو قطرة دمع في جوف الليل من خشيته. «١٠٠٨» - وسمع رجل عبد الله بن قيس يقول: قال رسول الله ﷺ : إنّ أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله ﷺ يقوله؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدوّ فضرب به حتى قتل. «١٠٠٩» - ولحق أبو الطيب المتنبي الأوائل بقوله: [من الكامل] الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أوّل وهي المحلّ الثاني لكنه لا يستغني عنها ولا يتم إلّا بها، لأن صاحب الرأي إذا عدمها ضلّ لبّه، وانخلع قلبه، فلم يتمّ له كيده، وخانه دونه بطشه وأيده. والعرب تقول: الشجاعة وقاية والجبن مقتلة، فانظر في من رأيت أو سمعت من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا. «١٠١٠» - قال قبيصة بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحرض بني وائل: الجزع لا يغني من القدر، والدنيّة أغلظ من المنية، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر خير وأكرم منه في الدبر، يا بني بكر حاموا فما من

стр. 843

المنايا بدّ، هالك معذور، خير من ناج فرور. «١٠١١» - وضدّ ذلك ما روي عن أسلم بن زرعة الكلابي، وقد خرج لمحاربة أبي بلال مرداس بن أديّة الخارجي أحد بني ربيعة بن حنظلة في الفين، ومرداس في أربعين، فانهزم منه، فقال له ابن زياد: ويلك أتمضي في ألفين وتنهزم من أربعين؟ فكان أسلم يقول: لأن يذمّني ابن زياد حيّا أحبّ إليّ من أن يمدحني ميتا. وكان أسلم بعد ذلك إذا خرج إلى السوق أو مرّ بصبيان صاحوا به: أبو بلال وراءك، حتى شكا ذلك إلى ابن زياد فأمر الشرط بكفّ الناس عنه. «١٠١٢» - قال علي بن أبي طالب ﵇: من أكثر النظر في العواقب لم يشجع. ١٠١» - وقال ﵇: الجبن منقصة. «١٠١٤» - قيل لأكثم بن صيفيّ: صف لنا الحرب، فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه، واعلموا أنّ كثرة الصياح من الفشل، فتثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، وربّ عجلة تعقب ريثا، وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل، وتحفّظوا من البيات. «١٠١٥» - ومن كلام عليّ ﵇ لأصحابه في الحرب: قدّموا

стр. 844

الدارع وأخرّوا الحاسر، وعضّوا على الأضراس فإنه أنبا للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فإنه أنور [١] للأسنّة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، ورايتكم فلا تميلوها ولا تحلّوها [٢] ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم، فإن الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفّون براياتهم ويكتنفونها، حفافها [٣] وأمامها ووراءها، لا يتأخرون عنها فيسلمونها [٤] ، ولا يتقدمون عليها فيفردونها [٥] ، اجزأ [٦] امرؤ قرنه، وواسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه، وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة، أنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم، إنّ في الفرار موجدة الله والذلّ اللازم والعار الباقي، وإنّ الفارّ غير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه. «١٠١٦» - كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح: بلغني أنّ رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا أو سرية قال: اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله، لا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا، فإذا بعثت جيشا أو سرية فمرهم بذلك. «١٠١٧» - وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول عند عقد الألوية:

стр. 845

بسم الله، وبالله، وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله والنصر، ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تغفلوا [١] عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، توقوا [٢] قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شنّ الغارات. «١٠١٨» - كتب أنوشروان إلى مرازبة خراسان: عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن ظنّ بالله . ١٠١٩- قيل لأبي مسلم من أشجع الناس؟ قال: كلّ قوم في إقبال دولتهم شجعان. «١٠٢٠» - قال عمر بن الخطاب: لا تخون [٣] قوى ما كان صاحبها ينزع وينزو (يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع [٤] في القوس وينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب) . «١٠٢١» - ومن كلام لعلي بن أبي طالب ﵇: ربّ حياة سببها التعرض [٥] للموت، وربّ منية سببها طلب الحياة.

стр. 846

«١٠٢٢» - ومثله قول الحصين بن الحمام المري: [من الطويل] تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما وهي قصيدة طويلة مشهورة من جيد أشعار العرب في هذا الفن، فمن مختارها: فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما نفلّق هاما من رجال أعزّة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما ولما رأينا الصبر قد حيل دونه ... وان كان يوما ذا كواكب مظلما صبرنا وكان الصبر منا سجيّة ... بأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما ولما رأيت الودّ ليس بنافعي ... عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما فلست بمبتاع الحياة بسبّة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما «١٠٢٣» - قيل لعلي بن أبي طالب ﵇: إن جالت الخيل فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني. «١٠٢٤» - وقيل له: كيف صرت تقتل الأبطال؟ قال: لأني كنت ألقى الرجل فأقدّر أني أقتله، ويقدّر أني أقتله فأكون أنا ونفسه عونين عليه. «١٠٢٥» - وقال مصعب الزبيري: كان عليّ ﵇ حذرا في

стр. 847

الحروب، شديد الروغان [١] من قرنه، لا يكاد أحد يتمكّن منه، وكانت [٢] درعه صدرا لا ظهر لها، فقيل له: ألا تخاف أن تؤتى من قبل ظهرك؟ فقال: إذا أمكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن أبقى عليّ. «١٠٢٦» - قال ابن عبّاس: عقمت النساء أن يأتين بمثل علي بن أبي طالب ﵇، لعهدي به يوم صفين، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وهو يقف على شرذمة من الناس يحضّهم على القتال، حتى انتهى إليّ وأنا في كنف من الناس، وفي أغيلمة من بني عبد المطلب فقال: يا معشر المسلمين تجلببوا السكينة، وأكملوا اللأمة، وأقلقوا [٣] السيوف في الأغماد، وكافحوا [٤] بالظّبا، وصلوا السيوف بالخطا، فإنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله ﷺ . عاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، فإنه عار في الاعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن الحياة [٥] أنفسا، وسيروا إلى الموت سيرا سجحا، ودونكم هذا الرواق الأعظم فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكب صعيديه [٦] . قدّموا للوثبة رجلا وأخّروا للنكوص أخرى، فصمدا صمدا حتى يبلغ الحقّ أجله، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (محمد: ٢٥) . ثم صدر عني وهو يقرأ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (التوبة: ١٤) .

стр. 848

«١٠٢٧» - وقد أكثر الشعراء في مثل معنى قوله ﵇: صلوا السيوف بالخطا. (١) قال كعب بن مالك: [من الكامل] نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق (٢) ومثله لبعض بني قيس بن ثعلبة: [من البسيط] لو كان في الألف منّا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إياه يعنونا إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهم ... حدّ الظباة وصلناها بأيدينا (٣) ومثله: [من الطويل] إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب (٤) ومثله: [من الطويل]

стр. 849

إذا قصرت أسيافنا عن عداتنا ... جعلنا خطانا وصلها فتطول «١٠٢٧» . (٥) ومثله لوداك بن ثميل المازني: [من الطويل] مقاديم وصّالون في الروع خطوهم ... بكلّ رقيق الشفرتين يمان إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم بأيّ مكان «١٠٢٨» - تمثّل معاوية في عبد الله بن بديل: [من الطويل] أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت يوما به الحرب شمّرا ويدنو إذا ما الموت لم يك دونه ... قدى الشبر يحمي الأنف أن يتأخرا «١٠٢٩» - وقال نضلة السّلمي: [من الوافر] ألم تسأل فوارس من سليم ... بنضلة وهو موتور مشيح رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح فلم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح فأطلق غلّ صاحبه وأردى ... جريحا منهم ونجا جريح «١٠٣٠» - وقال حاتم: [من الطويل]

стр. 850

لحا الله صعلوكا مناه وهمّه ... إذا بات [١] أن يلقى لبوسا ومطعما ولكنّ صعلوكا خميصا فؤاده ... ويمضي على الهيجاء ليثا مصمّما [٢] فذلك إن يلق المنية يلقها ... كريما وإن يستغن يوما فربما «١٠٣١» - وقال الأعرج المعنيّ: [من الرجز] أنا أبو برزة إذ جدّ الوهل ... خلقت غير زمّل ولا وكل ذا قوّة وذا شباب مقتبل ... لا جزع اليوم على قرب الأجل نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل ... نحن بنو الموت إذا الموت نزل لا عار بالموت إذا حمّ الأجل ... الموت أحلى عندنا من العسل ١٠٣٢- وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل] وفيّ على ما كان من شيب لمتي ... خلائق مما يستحبّ وينفع جوامع من قول ونفس سخية ... وقلب إذا ما غشّي الهول أشجع وغلظة إضباري إذا رامني [٣] العدا ... وليني إذا حاد الضعيف المدفّع «١٠٣٣» - وقال قطريّ بن الفجاءة المازني: [من الوافر]

стр. 851

أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لن تراعي فانك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع ولا ثوب البقاء بثوب عز ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع ويروى أخي الجزع، واليراع: القصب، واحدته يراعة وإنما يريد خوره، والخنع: الخضوع [١] سبيل الموت غاية كلّ حيّ ... وداعيه لأهل الأرض داع ومن لا يعتبط يسأم ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع «١٠٣٤» - وقال قيس بن الخطيم الأوسي: [من الطويل] وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبّة ... أسبّ بها إلا كشفت غطاءها وإنّي في الحرب العوان موكّل ... باقدام نفس ما أريد بقاءها «١٠٣٥» - وقال بعض بني قيس بن ثعلبة: [من الطويل] دعوت بني قيس إليّ فشمّرت ... خناذيذ من سعد طوال السواعد إذا ما قلوب الناس طارت مخافة ... من الموت أرسوا بالنفوس المواجد

стр. 852

«١٠٣٦» - وقال القتّال الكلابي: [من الطويل] إذا همّ همّا لم ير الليل عمّة ... عليه ولم تصعب عليه المراكب إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعة ... ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب يرى أن بعد العسر يسرا ولا يرى ... إذا كان عسر أنه الدهر لازب «١٠٣٧» - وقال آخر: [من الرجز] إني إذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه وشدّ فوق بعضهم بالأرويه [١] ... هناك أوصيني ولا توصي بيه «١٠٣٨» - وقال بعضهم: [من الرجز] قد علم المستأخرون في الوهل ... إذا السيوف عريت من الخلل أنّ الفرار لا يزيد في الأجل «١٠٣٩» - وقال سالم بن وابصة: [من البسيط] عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إنّ التخلق يأتي دونه الخلق وموقف مثل حدّ السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق

стр. 853

فما زلقت ولا أبديت فاحشة ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا ١٠٤٠- قيل: أراد تبع أن يجهّز جيشا وأن يؤمّر عليه [١] رجلا، فأتي برجل فقال: انعت لي نفسك، فقال: أنا جريء عضب لساني، أعرض عن الأمر وإن ساءني، لا أنتقص في قومي، ولا يظفر بي خصمي، قال: انصرف ليس لهذا دعوتك؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: إذا تطاولت علوت، وإذا ساورت استويت، وإذا قدرت عفوت، وإذا غمزت قسوت، قال: ليس لهذا دعوتك انصرف؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: أعطي المائة، وأحمل الدية، وأسير بالسوية، وأسبق إلى الغاية، قال: انصرف ليس لهذا دعوتك؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: أصطنع الجميل، وأنهض بالثقيل، وأعود وأجود، وأكرم القعيد، وأنضي الشديد، وأشبع ضيفي وإن جاع عيالي قال: كدت ولم تفعل انصرف؛ ثم دعا بآخر فقال: انعت لي نفسك قال: أضرب عند النزال، وأغشى الأبطال، وألقح الحرب بعد الحيال، إذا أدبروا طعنت، وإذا أقبلوا ضربت، أترك قرني سطيحا، وكبش القوم نطيحا، فقال الملك: سئلت فبيّنت، ونطقت فأحسنت، اذهب فأنت أنت، وولّاه. «١٠٤١» - قال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه، وكان يجتنب غير الأدباء: أيّ المناديل أفضل؟ فقال قائل: مناديل مصر كأنها غرقىء البيض، وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع، فقال عبد الملك: ما صنعتم شيئا، أفضل المناديل ما قال أخو تميم، يعني عبدة بن الطبيب: [من البسيط]

стр. 854

لما نزلنا أصبنا [١] ظلّ أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل ورد وأشقر ما ينهيه [٢] طابخه ... ما غيّر الغلي منه فهو مأكول ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ لأيدينا مناديل وقد جمع ذلك امرؤ القيس في بيت واحد فقال: [من الطويل] نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب [٣] المضهب [٤] : الذي لم يدرك، ونمش: نمسح، ويقال للمنديل المشوش، وغرقىء البيض: قشره الباطن، وقشره الظاهر القيض، وينهيه: ينضجه. «١٠٤٢» - كان إبراهيم بن الأشتر من الشجعان المعدودين، حارب عبيد الله بن زياد وهو في أربعة آلاف وعبيد الله في سبعين ألفا فظفر به وقتله بيده وهزم جيشه. قال عمير بن الحباب السّلمي، وكان يقال له فارس الاسلام: كان إبراهيم لي صديقا، فلما كان الليلة التي يريد أن يواقع في صبيحتها ابن زياد خرجت إليه ومعي رجل من قومي، فصرت في عسكره، فرأيته وعليه قميص هرويّ وملاءة، وهو متوشح بالسيف، يجوس عسكره فيأمر فيه وينهى، فالتزمته من ورائه فو الله ما التفت إليّ ولكن قال: من هذا؟ فقلت: عمير بن الحباب، فقال: مرحبا بأبي المغلّس، كن بهذا الموضع حتى أعود إليك. (أرأيت أشجع من هذا قط؟ يختضنه رجل من عسكر عدوه لا يدري من هو فلا يلتفت إليه؟) ثم عاد إليّ فقال: ما الخبر؟

стр. 855

فقلت: القوم كثير، والرأي أن تناجزهم فإنه لا صبر بهذه العصابة القليلة على مطاولة هذا الجمع الكثير، فقال: نصبح إن شاء الله، ثم نحاكمهم إلى ظباة السيوف وأطراف القنا؛ والقصة طويلة لا يتعلق تمامها بهذا الباب. ١٠٤٣- قال ابن أبي عتيق: نظرت إلى عبد الله بن الزبير وعبد الله ابن صفوان وقد ذهب الناس عنهما ولم يبق معهما أحد، وهما نائمان يغطّان في الليلة التي قتلا في صبيحتها. «١٠٤٤» - ولما ذهب بهدبة بن الخشرم ليقتل انقطع قبال نعله، فجلس يصلحه، فقيل له: أتصلحه وأنت على مثل هذه الحال؟ فقال: [من الوافر] أشدّ قبال نعلي أن يراني ... عدوّي للحوادث مستكينا «١٠٤٥» - وكان الناس يختبرون جلد هدبة حين أخرج ليقتل، لقيه عبد الرحمن بن حسان [١] فقال له: يا هدبة أتأمرني أن أتزوج هذه بعدك؟ يعني زوجته، فقال له: إن كنت من شرطها قال: وما شرطها؟ قال: قد قلت ذلك وهو: [من الطويل] فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا ... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا [٢]

стр. 856

كليلا سوى ما كان من حدّ ضرسه ... أكيبد [١] مبطان العشيّات أروعا [٢] ضروبا بلحييه على عظم زوره ... إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا [٣] وحلّي بذي أكرومة وحمية ... وصبر إذا ما الدهر عضّ فأسرعا «١٠٤٦» - وقالت له حبى في تلك الحال: لقد كنت أعدّك من الفتيان وقد زهدت فيك [٤] اليوم لأني لا أنكر صبر الرجال على الموت، ولكن كيف تصبر عن هذه؟ فقال: والله إنّ حبي لها لشديد، وإن شئت لأصفنّ ذلك، ووقف ووقف الناس معه فقال: [من الطويل] وجدت بها ما لم تجد أمّ واحد ... ولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب رأته طويل الساعدين شمردلا ... كما اشترطت [٥] من قوة وشباب فانقمعت [٦] داخلة في بيتها وأغلقت الباب دونه. «١٠٤٧» - سأل ابن هبيرة عن مقتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر مجلسه: سألت وكيع بن الدورقية: كيف قتلته [٧] ؟ قال: غلبته بفضل قنا كان لي عليه، فصرعته وجلست على صدره وقلت: يا لثارات دوبلة، يعني أخاه من أمه، فقال: ويلك تقتل كبش مضر بأخيك وكان لا يساوي كفّ نوى؟ ثم تنخم فملأ وجهي، فقال ابن هبيرة: هذه البسالة والله،

стр. 857

استدلّ عليها بكثرة [١] ريقه في ذلك الوقت. «١٠٤٨» - لما أخذ بيهس الخارجيّ قطعت يداه ورجلاه وترك يتمرغ في التراب، فلما أصبح قال: هل أحد يفرغ عليّ دلوين فاني احتلمت في هذه الليلة، وهو عجب إن كان صادقا، وإن كان كاذبا فيدلّ أيضا على قلة مبالاته وفراغه للمجون. ١٠٤٩- ووقف عليه رجل وهو مقطوع فقال: ألا أعطيك خاتما تتختم به؟ فقال له بيهس: أشهد أنك [٢] إن كنت من العرب فأنت من هذيل، وإن كنت من العجم فأنت بربري، فسئل عنه فإذا هو من هذيل وأمّه بربرية. «١٠٥٠» - ذكر أعرابي قوما فقال: يقتحمون الحرب كأنهم يلقونها بنفوس أعدائهم. «١٠٥١» - كان عبّاد بن الحصين الحبطيّ من فرسان الإسلام، فقيل له: في أيّ جنّة تحبّ أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل مستأخر. «١٠٥٢» - قال المهلب: أشجع الناس ثلاثة: ابن الكلبية وأحمر قريش وراكب البغلة، فابن الكلبية مصعب بن الزبير أفرد في سبعة نفر وأعطي الأمان

стр. 858

وولاية العراقين فأبى ومات كريما، وأحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر ما لقي خيلا قطّ إلا كان في سرعانها، وراكب البغلة عبّاد بن الحصين الحبطي ما كنّا قط في كربة إلا فرّجها؛ فقال الفرزدق [١] وكان حاضرا: فأين أنت عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن خازم؟ فقال: ويحك إنما ذكرنا الإنس، فأما الجن فلم نذكرهم بعد. «١٠٥٣» - كان المهلب بن أبي صفرة وأولاده من الشجاعة والنجدة بالموضع المعروف، إلا أنّ المغيرة بن المهلب من بينهم كان أشدّ تمكنا، وكان المهلب يقول: ما شهد معي حربا إلا رأيت البشرى في وجهه، وكان أشدّ ما تكون الحرب أشدّ ما يكون تبسما، وكان إذا نظر إلى الرماح قد تشاجرت في وجهه نكس على قربوس السرج وحمل من تحتها فبراها بسيفه وأثر في أصحابها. «١٠٥٤» - قيل للمهلب: إنك لتلقي نفسك في المهالك، قال: إن لم آت الموت مسترسلا أتاني مستعجلا، إني لست آتي الموت من حبه وإنما آتيه من بغضه، ثم تمثل بقوله: [من الطويل] تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما «١٠٥٥» - وقيل له في بعض حروبه: لو نمت، فقال: إن صاحب

стр. 859

الحرب إذا نام نام قلبه [١] . «١٠٥٦» - وقال المهلب: يا بني تباذلوا تحابوا، فإن بني الأمّ يختلفون فكيف بنو العلّات؟ البرّ ينسأ في الأجل، ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلّة وتعقب النار بعد الذلة، واتقوا زلّة اللسان فإن الرجل نزلّ رجله فينتعش ويزلّ لسانه فيهلك، وعليكم في الحرب بالمكيدة فإنها أبلغ من النجدة، فإن القتال إذا وقع وقع القضاء وبطل الخيار، فان ظفر فقد سعد، وإن ظفر به لم يقولوا فرّط؛ واقتدوا بقول نبيكم ﷺ : الحرب خدعة، فليكن أول أمركم منها وآخره المكيدة، فإذا اضطررتم إلى المجالدة فعليكم بالمطاولة فإنها نتيجة الظفر وذريعة المكايد [٢] ، وهي بعد دربة [٣] الفارس وتخريج الناشىء. «١٠٥٧» - قال الجاحظ، قال المهلب: ليس أنمى من سيف، فوجد الناس تصديق قوله فيما نال ولده من السيف، فصار فيهم النماء؛ وقال علي بن أبي طالب ﵇: السيف أنمى عددا، وأكرم ولدا، ووجد الناس ذلك بالعيان الذي صار إليه ولده من نهك السيف وكثرة الذروء وكرم النجل.

стр. 860

«١٠٥٨» - قال حبيب بن المهلب: ما رأيت رجلا مستلئما في الحرب إلا كان عندي رجلين، ولا رأيت حاسرين إلا كانا عندي واحدا، فسمع بعض أهل المعرفة هذا الكلام فقال: صدق، إن للسلاح فضيلة، ألا تراهم ينادون السلاح السلاح ولا ينادون الرجال الرجال. «١٠٥٩» - قال رجل: كنت عند يزيد بن حاتم بافريقية، وكنت به خاصّا، فعرض عليه تاجر أدراعا فأكثر تقلبيها ومزاولة صاحبها [١] ، فقلت له: أصلح الله الأمير فعلام نلوم السوق؟ فقال: ويحك إنّي لست أشتري أدراعا إنما أشتري أعمارا. «١٠٦٠» - قال بعض لصوص بني سعد: [من الطويل] ألم ترني صاحبت صفراء نبعة [٢] ... وأسمر إلا ما تحلّل عامله [٣] وطال احتضاني السيف حتى كأنما ... يلاط بكشحي جفنه وحمائله أخو فلوات صاحب الجنّ وانتحى ... عن الإنس حتى قد تقضّت وسائله له نسب في الإنس يعرف نجره ... وللجنّ منه شكله وشمائله

стр. 861

«١٠٦١» - وقال العبّاس بن عبد المطلب: [من الطويل] أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدما تركناهم لا يستحلّون بعدها ... لذي رحم من سائر الناس محرما وزعناهم وزع الخوامس غدوة ... بكلّ سريجيّ إذا هزّ صمما أبا طالب لا تقبل النّصف منهم ... وإن أنصفوا حتى تعفّ وتظلما «١٠٦٢» - قال أبو طالب بن عبد المطلب: [من الطويل] وإنا لعمر الله إن جدّ قومنا ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل [١] بكفّ فتى مثل الشهاب سميدع ... أخي ثقة حامي الحقيقة باسل وحتى ترى ذا الرّدع يركب ردعه ... من الطّعن فعل الأنكب المتحامل [٢] «١٠٦٣» - قطري بن الفجاءة: [من الطويل] إلى كم تعاديني [٣] السيوف ولا أرى ... معاداتها تدعو إليّ حماميا أقارع عن دار الخلود ولا أرى ... بقاء على حال لمن ليس باقيا

стр. 862

ولو قرّب الموت القراع لقد أنى ... لموتي أن يدني إليّ قراعيا [١] أغادي جلاد المعلمين كأنني ... على العسل الماذيّ أصبح غاديا وأدعو الكماة للنزال إذا القنا ... تحطّم فيما بيننا من طعانيا ولست أرى نفسا تموت وإن دنت ... من الموت حتى يبعث الله داعيا «١٠٦٤» - سأل عبد الملك بن مروان عن أشجع الناس في الشعر فقالوا: عمرو بن معدي كرب فقال عبد الملك: كيف وهو الذي يقول: [من الطويل] وجاشت إليّ النفس أوّل مرة ... وردّت [٢] على مكروهها فاستقرّت قالوا: فعامر بن الطفيل، قال: وكيف وهو الذي يقول: [من الطويل] أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلّي مراحا إنني غير مدبر [٣] قالوا فعنترة، قال: كيف وهو الذي يقول: [من الكامل] إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم ... عنها ولكنّي تضايق مقدمي

стр. 863

قالوا: فمن أشجعهم؟ قال: ثلاثة نفر: قيس بن الخطيم الأوسي والعبّاس بن مرداس السلمي ورجل من مزينة، أما قيس بن الخطيم فقال: [من الطويل] وإني لدى الحرب العوان موكّل ... بإقدام نفس ما أريد بقاءها وأما العبّاس بن مرداس فقال: [من الوافر] أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها وأما المزني فقال: [من الوافر] دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت ردوا ألا طاب النزول «١٠٦٥» - قيل للمهلب بن أبي صفرة: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ فقال: فتى كان يخرج إلينا منهم في كل غداة فيقف ويقول: [من الطويل] وسائلة بالغيب عني ولو درت ... مقارعتي الأبطال طال نحيبها إذا ما التقينا كنت أوّل فارس ... يجود بنفس أثقلتها ذنوبها ثم يحمل فلا يقوم له شيء إلا أقعده فإذا كان من الغد عاد لمثل ذلك. «١٠٦٦» - وقال زيد الخيل: [من البسيط] هلا سألت بني نبهان [١] ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرّت الحدق

стр. 864

وجالت الخيل مبتلّا جحافلها [١] ... زورا يسفح من لبّاتها العرق [٢] هل أطعن الفارس الحامي حقيقته ... نجلاء يهلك فيها الزيت والخرق وأضرب الكبش والخيلان جانحة ... والهام منا ومن أعدائنا فلق «١٠٦٧» - وقال آخر: [من الطويل] وقد طال حملي الرمح حتى كأنه ... على فرسي غصن من البان نابت يطول لساني في العشيرة مصلحا ... على أنّني يوم الكريهة ساكت «١٠٦٨» - وقال آخر: [من الطويل] حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندقّ قدما في الصدور صدورها محرمة أعجاز خيلي على القنا ... محللّة لبّاتها ونحورها «١٠٦٩» - وقال جابر بن حنيّ: [من الطويل] نعاطي الملوك السّلم ما قصدوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم يرى الناس منّا جلد أسود سالخ ... وفروة ضرغام من الأسد ضيغم وعمرو بن همّام صقعنا جبينه ... بشنعاء تشفي سورة المتظلم

стр. 865

«١٠٧٠» - وقال القطامي: [من الوافر] بضرب يبصر العميان منه ... وتعشى دونه الحدق البصار «١٠٧١» - وقال الأعشى: [من الكامل] وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... يخشى الكماة الدارعون نزالها كنت المقدم غير لابس جنّة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها ١٠٧٢- وقال رجل من بني كاهل: [من الطويل] يزيد اتساعا في الكريهة صدره ... تضايق أطراف الوشيج المقوّم فما شارب بين الندامى معلل ... بأطرب منه بين سيف ولهذم كأنّ نفوس الناس في سطواته ... فراش تهادى في حريق مضرّم «١٠٧٣» - وقال أبو ذؤيب: [من الكامل] حميت عليه الدرع حتى وجهه ... من حرّها يوم الكريهة أسفع تعدو به خوصاء يفصم جريها ... حلق الرحالة فهي رخو تمزع [١] بينا تعنّقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء سلفع [٢] وكلاهما متوشّح ذا رونق ... عضبا إذا مسّ الكريهة يقطع وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبّع [٣]

стр. 866

وكلاهما في كفّه يزنيّة ... فيها سنان كالمنارة أصلع [١] يتناهبان المجد كلّ واثق ... ببلائه واليوم يوم أشنع فتنازلا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مخدّع فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التي لا ترقع [٢] وكلاهما قد عاش عيشة ماجد ... وجنى العلاء لو أنّ شيئا ينفع السلفع: الجريء، يقال: ناقة سلفع أي جريئة على السير، وقوله كالمنارة أراد المصباح نفسه فلما لم يستقم له أقام المنارة مقامه، وأصلع: براق، والمخدّع ها هنا أي ذو خدعة في الحرب، وقال أبو عمرو: مجدّع مضروب بالسيف ومخدّع أيضا بالخاء وهو المقطع بالسيوف. «١٠٧٤» - أمّر عثمان بن عفان ﵁ عبد الله بن سعد بن أبي سرح على إفريقية فغزاها، وكان المسلمون عشرين ألفا، وفيهم عبد الله بن الزبير بن العوام، قال عبد الله بن الزبير: أحاط بنا جرجير [٣] صاحب إفريقية وهو ملك فرنجة [٤] في مائة وعشرين ألفا، فضاق بالمسلمين أمرهم واختلفوا في الرأي، فدخل عبد الله بن سعد فسطاطه يخلو ويفكر، قال عبد الله بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير، والناس على مصافّهم، رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا منهم، معه جاريتان تظلان عليه من الشمس بريش الطواويس [٥] ،

стр. 867

فجئت فسطاط عبد الله بن سعد فطلبت الإذن عليه من حاجبه فقال: إنه في شأنكم وقد أمرني أن أمسك الناس عنه، قال: فدرت فأتيت مؤخر الفسطاط فرفعته فإذا هو مستلق على فراشه، ففزع وقال: ما أدخلك عليّ يا ابن الزبير؟ فقلت: انه كلّ أزبّ نفور، إني رأيت عورة من عدونا فرجوت الفرصة منها وخشيت فوتها، فاندب الناس لي، قال: وما هي؟ فأخبرته فقال: فرصة وعورة لعمري، ثم خرج فقال: أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم. فاخترت ثلاثين فارسا وقلت: إني حامل فاضربوا عن [١] ظهري فاني سأكفيكم من ألقى إن شاء الله تعالى، فحملت في الوجه الذي هو فيه وحملوا فذبّوا عني حتى حزتهم إلى أرض خالية وتبيّنني فصمدت صمده، فو الله ما حسب إلا [٢] أني رسول ولا ظنّ أكثر أصحابه إلا ذاك، حتى رأى ما بي من السلاح فثنى برذونه هاربا. فأدركته فطعنته فسقط، فرميت بنفسي عليه، واتقت جاريتاه عنه السيف فقطعت يدا إحداهما، وأجهزت عليه ثم رفعت رأسه في رمحي، وجال أصحابه، وحمل المسلمون في ناحيتي وكثروا [٣] ، فقتلوهم كيف شاءوا وكانت الهزيمة. «١٠٧٥» - لما كان يوم مسكن وهرب الناس عن مصعب بن الزبير، دخل على سكينة بنت الحسين، وكانت شديدة المحبة له، وكانت تخفي ذلك عنه، فلبس غلالة وتوشح عليها وانتضى السيف، فلما رأت ذلك علمت أنه عزم على أن لا يرجع، فصاحت من ورائه واحرباه، فالتفت إليها وقال: أو هذا لي في قلبك؟ فقالت: أي والله وأكثر من هذا، فقال: أما لو علمت

стр. 868

لكان لي ولك شأن، ثم خرج فقال لابنه عيسى: يا بنيّ انج إلى نجائك فإن القوم لا حاجة بهم إلى غيري، وستفلت بحيلة أو بقيا [١] فقال: يا أبتاه لا أخّرت [٢] والله عنك أبدا فقال: أما والله لئن قلت ذلك لما زلت أتعرّف الكرم في أساريرك وأنت تقلّب في مهدك، فقتل بين يدي أبيه. ففي ذلك يقول الشاعر: [من الطويل] فلو كان شهم النفس أو ذا حفيظة ... رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب وأم عيسى هذا بنت فلان بن السائب من بني أسد بن عبد العزّى، وروي أن أباها زوجها عمرو بن عثمان بن عفان فلما نصت عليه طلّقها على المنصة، فجاء أبوها إلى عبد الله بن الزبير فقال له: إنّ عمرو بن عثمان طلّق ابنتي على المنصّة، وقد ظنّ الناس أنّ ذلك لعاهة، وأنت عمها فقم فادخل إليها، فقال عبد الله: أو خير من ذلك؟ جيئوني بالمصعب فخطب عبد الله فزوجها من المصعب وأقسم عليه ليدخلنّ بها في ليلته، فلا يعلم أنّ أمرأة نصت على رجلين في ليلة غيرها، فأولدها المصعب عيسى وعكاشة. «١٠٧٦» - كان محمد بن الحنفية شجاعا أيّدا وله في أيده أحاديث مشهورة، منها: أن أباه عليا ﵇ اشترى درعا فاستطالها، فقال: لينقص منها كذا، وعلّم على موضع منها، فقبض محمد بيده اليمنى على ذيلها وبالأخرى على فضلها، ثم جذبه فقطعها من الموضع الذي حدّ أبوه، وكان عبد الله بن الزبير يحسده على قوته، فإذا حدّث بهذا الحديث غضب واعتراه أفكل [٣] .

стр. 869

«١٠٧٧» - كان مسلمة بن عبد الملك فارس بني أمية وشجاعهم، قال له أخوه هشام: يا أبا سعيد هل دخلك ذعر قطّ بحرب شهدتها أو لعدو؟ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة، ولم يفتني فيها ذعر سلبني [١] رأيي، قال هشام: هذه البسالة. «١٠٧٨» - لم يكن في بني العبّاس أشجع من المعتصم، ولا أشدّ قلبا وأيدا، ولا أحسن تيقظا في الحرب، وكان من شدته يسمي ما بين إصبعيه السبابة والوسطى «المقطرة» ، واعتمد بها مرة على ساعد إنسان فدقّه، وكتب إليه ملك الروم يتهدّده، فأمر بكتب جوابه فلما قرىء عليه لم يرضه وقال للكاتب: اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد قرأت كتابك والجواب ما ترى لا ما تسمع وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (الرعد: ٤٢) . «١٠٧٩» - وقال ابن أبي دواد: كان المعتصم يقول لي: يا أبا عبد الله عضّ ساعدي بأكثر قوتك، فأقول: والله يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك، فيقول: إنه لا يضرّني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فكيف الأسنان؟ «١٠٨٠» - ويقال إنه طعنه بعض الخوارج وعليه جوشن، فأقام المعتصم ظهره فقصف الرمح بنصفين.

стр. 870

«١٠٨١» كان عبد الملك بن صالح واليا للرشيد على الشام، فكان إذا وجه سريّة إلى أرض الروم أمّر عليها أميرا شهما وقال له: اعلم أنك مضارب الله تعالى بخلقه، فكن بمنزلة التاجر الكيّس إن وجد ربحا وإلا احتفظ برأس المال، وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوك عليك. «١٠٨٢» - وولّى العبّاس بن زفر الثغر فودّعه وقال: يا عبّاس إنّ حصن المحارب من عدوه حسن تدبيره، والمقاتل عنه جليد رأيه وصدق بأسه. «١٠٨٣» - يقال: إنه لا يصدق ويصبر في اللقاء إلا ثلاثة: مستبصر في دين، أو غيران على حرمة، أو ممتعض من ذلّ. «١٠٨٤» - كان حبيب بن مسلمة الفهري يغزو الترك، فخرج ذات مرّة إلى بعض غزواته فقالت له امرأته: أين موعدك؟ قال: سرادق الطاغية أو الجنة، قالت: إني لأرجو أن أسبقك إلى أيّ الموضعين كنت فيه، فجاء فوجدها في سرادق الطاغية تقاتل الترك. «١٠٨٥» - قال جعفر بن علبة الحارثيّ: [من الطويل] لا يكشف الغماء إلّا ابن حرّة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها

стр. 871

«١٠٨٦» - وقال ابن هرمة: [من الوافر] إذا شدّوا عمائمهم ثنوها ... على كرم وإن سفروا أناروا يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار ١٠٨٧- قيل: دخل على معاوية بعض كنانة فقال له: هل شهدت بدرا؟ قال: نعم، قال: مثل من كنت يومئذ؟ قال: غلام ممدود مثل عصا الجلمود، قال: فحدثني ما رأيت وحضرت، قال: ما كنّا إلا شهودا كأغياب، وما رأيت ظفرا كان أوشك منه، قال: فصف لي من رأيت، قال: رأيت في سرعان الناس عليّ بن أبي طالب غلاما ليثا عبقريا يفري الفريّ، لا يلبث [١] له أحد إلّا قتله، ولا يضرب شيئا إلا هتكه، لم أر من الناس أحدا قطّ أثقف منه، يحمل حملة ويلتفت التفاتة كأنه ثعلب روّاغ، وكأن له عينين في قفاه، وكأنّ وثوبه وثوب [٢] وحشيّ، يتبعه رجل معلم بريش نعامة، كأنه جمل يحطم يبيسا، لا يستقبل شيئا إلا هدّه، ولا يثبت له شيء إلا ثكلته أمّه، شجاع ابله يحمل بين يديه، قيل هذا حمزة بن عبد المطلب عم محمد ﷺ قال: فرأيت ماذا؟ قال: رأيت ما وصفت لك، ورأيت جدّك عتبة وخالك الوليد حيث قتلا، ورأيت من حضر من أهلك لم يغنوا عنه شيئا، قال: فكنت من المنهزمين؟ قال: نعم لما انهزمت عشيرتك، قال: فأين كنت منهم؟ قال: لما انهزمنا كنت في سرعانهم، قال: فأين أرحت؟ قال: ما أرحت حتى نظرت إلى الهضبات [٣] ، قال: لقد أحسنت الهرب،

стр. 872

قال: قبلي ما [١] أحسنه أبوك وبعد ما اتعظت بمصرع كمصرع جدّك وخالك وأخيك، قال: إنك لغليظ الكلام، قال: إنني ممن تعرف، قال: إنكم لتبغضون قريشا، قال: أما من كان أهله منهم فنبغضه، قال: ومن الذين هم اهله [٢] ؟ قال: من قطع القرابة واستأثر بالفيء وطلب الحقّ فلما أعطيه منعه، قال: ما فيك خير من أن نسكت عنك، قال: ذاك إليك، قال: قد فعلت، قال: فقد [٣] سكت. «١٠٨٨» - قال الحارث بن خالد المخزومي، وقد فرّ عبد العزيز بن عبد الله بن أسيد من الخوارج فرارا قبيحا، على كثرة عدده [٤] وقلتهم: [من الخفيف] فرّ عبد العزيز حين رأى الأب ... طال بالسفح نازلوا قطريّا عاهد الله إن نجا ملمنايا ... ليعودنّ بعدها حرميّا [٥] حيث لا يشهد القتال ولا يس ... مع يوما لكرّ خيل دويا «١٠٨٩» - قيل لأعرابي: ألا تغزو فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي في عافية فكيف أمضي إليه ركضا، ومثله قول الشاعر: [من البسيط]

стр. 873

تمشي المنايا إلى قوم فأبغضها ... فكيف أعدو إليها عاري الكتف «١٠٩٠» - أنفذ الحجاج رجلا من ثقيف يستحثّ المهلب على مناجزة الخوارج، فلما وقعت الحرب انهزم الثقفيّ، فقال رجل من بني عامر بن صعصعة: [من الكامل] ما زلت يا ثقفيّ تخطب بيننا ... وتعمّنا بوصية الحجّاج حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا ... وسما لنا صرفا بغير مزاج ولّيت يا ثقفيّ غير مناظر ... تنساب بين أحزّة وفجاج ليست مقارعة الكماة لدى الوغى ... شرب المدامة في إناء زجاج «١٠٩١» - قال أعرابيّ لقومه، وقد صافّوا بعض أصحاب السلطان: يا قوم لا أعرّكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها نيوب الفيلة، وقسيّ كأنها العتل، ينزع أحدهم حتى يتفرق شعر إبطه، ثم يرسل نشابة كأنها رشاء مقطع [١] ، فما بين أحدكم وبين أن ينصدع قلبه منزلة، قال: فطاروا رعبا قبل اللقاء. «١٠٩٢» - قيل: كانت لفتى من قريش وصيفة نظيفة جميلة الوجه حسنة الأدب وكان بها معجبا، فأضاق واحتاج إلى ثمنها، فحملها إلى العراق زمن الحجاج فباعها، فوقعت إلى الحجاج، فكانت تلي خدمته، فقدم عليه

стр. 874

فتى من ثقيف، أحد بني عقيل [١] ، فأنزله قريبا منه وألطفه، فدخل عليه يوما والوصيفة تغمز رجل الحجاج، وكان للفتى جمال وهيئة، فجعلت الوصيفة تسارق الثقفيّ النظر، وفطن الحجاج فقال للفتى: ألك أهل؟ قال: لا، قال: خذ بيد هذه الوصيفة فاسكن إليها واستأنس بها حتى [٢] أنظر لك بعض [٣] بنات عمك، فدعا له، وأخذها مسرورا وانصرف إلى رحله، فباتت معه ليلتها [٤] وهربت بغلس، فأصبح لا يدري أين هي، وبلغ الحجاج ذلك، فأمر مناديا فنادى: برئت الذمة ممن آوى وصيفة من صفتها كذا وكذا، فلم يلبث أن أتي بها، فقال لها: يا عدوة الله، كنت عندي من أحبّ الناس، واخترت لك ابن عمي شابا حسن الوجه، ورأيتك تسارقينه النظر، فدفعتك إليه وأوصيته بك، فما لبثت إلا سواد ليلتك حتى هربت، قالت: يا سيدي، اسمع قصتي ثم اصنع ما أحببت، قال: هات، قالت: كنت لفلان القرشي، وكان بي معجبا، فاحتاج إلى ثمني فحملني إلى الكوفة، فلما صرنا قريبا من البلد دنا مني فوقع عليّ فلم يلبث أن سمع بزئير الأسد، فوثب عني إليه واخترط سيفه ثم حمل عليه فضربه وقتله [٥] ، ثم أقبل إليّ وما برد ما عنده، فقضى حاجته، وكان ابن عمك هذا الذي اخترته لي لما أظلم الليل قام إليّ، فإنه لعلى بطني إذ وقعت فأرة من السقف عليه، فضرط ثم وقع مغشيا عليه، فمكث زمانا طويلا أقلّبه وأرشّ على وجهه الماء وهو لا يفيق، فخفت أن تتهمني به فهربت فزعا [٦] من القتل، فما ملك الحجاج نفسه وقال: ويحك لا تعلمي بهذا أحدا، قالت: يا سيدي على أن لا تردني إليه، قال: لك ذلك.

стр. 875

«١٠٩٣» - حدّث جار لأبي حية النميري قال: كان لأبي حيّة سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان يسميه لعاب المنية، فأشرفت عليه وقد انتضاه من غمده وقد استذمر، وهو واقف [١] على باب بيت في داره، وقد سمع حسا، وهو يقول: أيّها المغترّ بنا والمجترىء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنايا [٢] الذي سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك لا أدخل بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا تملأ الفضاء خيلا ورجلا، فيا سبحان الله ما أكثرها وأطيبها، ثم فتح الباب على وجل فإذا كلب قد خرج فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا. «١٠٩٤» - قال الأخطل يذكر شجاعا: [من الطويل] وكرّار خلف المرهقين جواده ... حفاظا إذا لم يحم أنثى حليلها ثنى مهره والخيل رهو كأنها ... قداح على كفّي مفيض يجيلها يهين وراء الخيل نفسا كريمة ... لكبّة موت ليس يودى قتيلها ويعلم أنّ المرء [٣] ليس بخالد ... وأن منايا المرء يسعى دليلها

стр. 876

«١٠٩٥» - وقال أبو كبير الهذلي: [من الكامل] صعب الكريهة لا يرام جنابه ... ماضي العزيمة كالحسام المقصل [١] يحمي الصحاب إذا تكون كريهة ... وإذا هم نزلوا فمأوى العيّل «١٠٩٦» - وقال تأبّط شرا: [من الطويل] إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حد أخلق صائك يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك أراد المجرة وقيل الشمس [٢] . «١٠٩٧» - وقال موسى بن جابر الحنفي: [من الطويل] ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حدّ الموت والموت دونها وجدت بنفس لايجاد بمثلها ... وقلت اطمئنّي حين ساءت ظنونها وما خير مال لا يقي الذمّ ربّه ... ونفس امرىء في حقّها لا يهينها «١٠٩٨» - وقال عروة بن الورد: [من الطويل]

стр. 877

ولكنّ صعلوكا صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنوّر مطلّا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوّف أهل الغائب المتنظّر فذلك إن يلق الكريهة يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر «١٠٩٩» - وقال عمرو بن كلثوم: [من الطويل] معاذ الاله أن تنوح نساؤنا ... على هالك أو أن نضجّ من القتل قراع السيوف بالسيوف أحلّنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل «١١٠٠» - وقال عبد الله [١] بن سبرة: [من الطويل] وإني إذا ضنّ الأمير باذنه ... على الإذن من نفسي إذا شئت قادر «١١٠١» - وقال تأبط شرا: [من الطويل] قليل غرار النوم أكبر همّه ... دم الثأر أو يلقى كميّا مقنّعا يماصعه كلّ يشجّع قومه ... وما ضربه هام العدى ليشجّعا قليل ادّخار الزاد إلّا تعلّة ... فقد نشز الشّرسرف والتصق المعا يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا وإني وإن عمّرت أعلم أنني ... سألقى سنان الموت يبرق أصلعا ومن يغز بالأعداء لا بد أنه ... سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا

стр. 878

«١١٠٢» - وقال معبد بن علقمة: [من الطويل] فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتّامين للمتشتّم ولكننا نأبى الظّلام ونعتصي ... بكلّ رقيق الشفرتين مصمّم وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم وان التمادي في الذي كان بيننا ... بكفّيك فاستأخر له أو تقدّم «١١٠٣» - وقال موسى بن جابر الحنفي: [من الطويل] وإنا لوقّافون بالموقف الذي ... يخاف رداه [١] والنفوس تطلّع وإنّا لنعطي المشرفيّة حقّها ... فتقطع في أيماننا وتقطّع «١١٠٤» - تزوج الهذلول بن كعب العنبريّ امرأة من بني بهدلة، فرأته يوما يطحن وقد نزل به ضيف، فضربت صدرها وقالت: هذا زوجي [٢] ؟ فقال في ذلك: [من الطويل] تقول ودقّت [٣] صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس فقلت لها لا تعجبي وتبيّني ... فعالي إذا التفّت عليّ الفوارس ألست أردّ القرن يركب ردعه ... وفيه سنان ذو غرارين يابس

стр. 879

وأحتمل الأوق الثقيل وأمتري ... خلوف المنايا حين فرّ المغامس [١] وأقري الهموم الطارقات حزامة ... إذا كثرت للطارقات الوساوس إذا خام [٢] أقوام تقحمت غمرة ... يهاب حميّاها الألدّ المداعس لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس وإني لأشري الحمد أبغي رباحه ... وأترك قرني وهو خزيان تاعس «١١٠٥» - وقال طفيل الغنوي: [من الرجز] إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور ألفيتني ألوى بعيد المستمر ... ذا صولة في المصمئلّات الكبر أحمل ما حمّلت من خير وشر ... كالحية الصمّاء في ظلّ الحجر «١١٠٦» - قال آخر ويروى [٣] لابن قيس الرقيات: [من الطويل] وإني لآبى الشرّ حتى إذا أبى ... تجنّب بيتي قلت للشرّ مرحبا وأركب ظهر الأمر حتى يلين لي ... إذا لم أجد إلا على الشرّ مركبا

стр. 880

«١١٠٧» - وقال آخر: [من الطويل] أفرّ حذار الشرّ والشرّ تاركي [١] ... وأطعن في أنيابه وهو كالح «١١٠٨» .- (١) وقال ابن هرمة: [من الطويل] إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره ... فناجى ضميرا غير مضطرب العقل ولم يشرك الأدنين في جلّ أمره ... إذا انتقضت بالأضعفين قوى الحبل [٢] (٢) وقال أيضا في مثل ذلك: [من الطويل] يزرن امرءا لا يمحض القوم أمره ... ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبى ... وإن قال إني فاعل فهو فاعل «١١٠٩» - ومثله لسعد بن ناشب المازني: [من الطويل] إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا «١١١٠» - وقال مالك بن الريب في مثله: [من الطويل]
следующие страницы →