← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

«١٠٩٥» - وقال أبو كبير الهذلي: [من الكامل] صعب الكريهة لا يرام جنابه ... ماضي العزيمة كالحسام المقصل [١] يحمي الصحاب إذا تكون كريهة ... وإذا هم نزلوا فمأوى العيّل «١٠٩٦» - وقال تأبّط شرا: [من الطويل] إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حد أخلق صائك يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك أراد المجرة وقيل الشمس [٢] . «١٠٩٧» - وقال موسى بن جابر الحنفي: [من الطويل] ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حدّ الموت والموت دونها وجدت بنفس لايجاد بمثلها ... وقلت اطمئنّي حين ساءت ظنونها وما خير مال لا يقي الذمّ ربّه ... ونفس امرىء في حقّها لا يهينها «١٠٩٨» - وقال عروة بن الورد: [من الطويل]

стр. 877

ولكنّ صعلوكا صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنوّر مطلّا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوّف أهل الغائب المتنظّر فذلك إن يلق الكريهة يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر «١٠٩٩» - وقال عمرو بن كلثوم: [من الطويل] معاذ الاله أن تنوح نساؤنا ... على هالك أو أن نضجّ من القتل قراع السيوف بالسيوف أحلّنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل «١١٠٠» - وقال عبد الله [١] بن سبرة: [من الطويل] وإني إذا ضنّ الأمير باذنه ... على الإذن من نفسي إذا شئت قادر «١١٠١» - وقال تأبط شرا: [من الطويل] قليل غرار النوم أكبر همّه ... دم الثأر أو يلقى كميّا مقنّعا يماصعه كلّ يشجّع قومه ... وما ضربه هام العدى ليشجّعا قليل ادّخار الزاد إلّا تعلّة ... فقد نشز الشّرسرف والتصق المعا يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا وإني وإن عمّرت أعلم أنني ... سألقى سنان الموت يبرق أصلعا ومن يغز بالأعداء لا بد أنه ... سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا

стр. 878

«١١٠٢» - وقال معبد بن علقمة: [من الطويل] فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتّامين للمتشتّم ولكننا نأبى الظّلام ونعتصي ... بكلّ رقيق الشفرتين مصمّم وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم وان التمادي في الذي كان بيننا ... بكفّيك فاستأخر له أو تقدّم «١١٠٣» - وقال موسى بن جابر الحنفي: [من الطويل] وإنا لوقّافون بالموقف الذي ... يخاف رداه [١] والنفوس تطلّع وإنّا لنعطي المشرفيّة حقّها ... فتقطع في أيماننا وتقطّع «١١٠٤» - تزوج الهذلول بن كعب العنبريّ امرأة من بني بهدلة، فرأته يوما يطحن وقد نزل به ضيف، فضربت صدرها وقالت: هذا زوجي [٢] ؟ فقال في ذلك: [من الطويل] تقول ودقّت [٣] صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس فقلت لها لا تعجبي وتبيّني ... فعالي إذا التفّت عليّ الفوارس ألست أردّ القرن يركب ردعه ... وفيه سنان ذو غرارين يابس

стр. 879

وأحتمل الأوق الثقيل وأمتري ... خلوف المنايا حين فرّ المغامس [١] وأقري الهموم الطارقات حزامة ... إذا كثرت للطارقات الوساوس إذا خام [٢] أقوام تقحمت غمرة ... يهاب حميّاها الألدّ المداعس لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس وإني لأشري الحمد أبغي رباحه ... وأترك قرني وهو خزيان تاعس «١١٠٥» - وقال طفيل الغنوي: [من الرجز] إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور ألفيتني ألوى بعيد المستمر ... ذا صولة في المصمئلّات الكبر أحمل ما حمّلت من خير وشر ... كالحية الصمّاء في ظلّ الحجر «١١٠٦» - قال آخر ويروى [٣] لابن قيس الرقيات: [من الطويل] وإني لآبى الشرّ حتى إذا أبى ... تجنّب بيتي قلت للشرّ مرحبا وأركب ظهر الأمر حتى يلين لي ... إذا لم أجد إلا على الشرّ مركبا

стр. 880

«١١٠٧» - وقال آخر: [من الطويل] أفرّ حذار الشرّ والشرّ تاركي [١] ... وأطعن في أنيابه وهو كالح «١١٠٨» .- (١) وقال ابن هرمة: [من الطويل] إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره ... فناجى ضميرا غير مضطرب العقل ولم يشرك الأدنين في جلّ أمره ... إذا انتقضت بالأضعفين قوى الحبل [٢] (٢) وقال أيضا في مثل ذلك: [من الطويل] يزرن امرءا لا يمحض القوم أمره ... ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبى ... وإن قال إني فاعل فهو فاعل «١١٠٩» - ومثله لسعد بن ناشب المازني: [من الطويل] إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا «١١١٠» - وقال مالك بن الريب في مثله: [من الطويل]

стр. 881

وما أنا بالنابي الحفيظة بالوغى ... ولا المتّقي في السلم جرّ الجرائم ولا المتأرّي في العواقب للذي ... أهمّ به من فاتكات العزائم ولكنني ماضي العزيمة مقدم ... على غمرات الحادث المتفاقم قليل اختلاج الرأي في الجدّ والهوى ... جميع الفؤاد عند وقع العظائم «١١١١» - وقال [أبو] قيس بن الأسلت: [من السريع] قالت ولم تقصد لقيل الخنا ... مهلا فقد أبلغت أسماعي واستنكرت لونا له شاحبا [١] ... والحرب غول ذات أخداع [٢] من يذق الحرب يجد طعمها ... مرّا وتتركه [٣] بأوجاع قد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع أسعى على جلّ بني مالك ... كلّ امرىء في شأنه ساع أعددت للأعداء فضفاضة ... موضونة [٤] كالنّهي بالقاع أحفزها [٥] عني بذي رونق ... أبيض مثل الملح [٦] قطّاع صدق حسام وادق حدّه ... ومارن [٧] أسمر قرّاع بزّ [٨] امرىء مستبسل حاذر ... للدهر جلد غير مجزاع الكيس والقوة خير من ال ... إدهان والفهّة [٩] والهاع [١٠]

стр. 882

هلا سألت القوم [١] إذ قلّصت ... ما كان إبطائي وإسراعي هل أبذل المال على حبّه ... فيهم وآتي دعوة الداعي وأضرب القونس [٢] يوم الوغى ... بالسيف لم يقصر به باعي «١١١٢» .- (١) وقال العلوي صاحب الزنج: [من الكامل] يلقى السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر ويقول للطّرف اصطبر لشبا القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر (٢) وقال أيضا: [من الرجز] إذا اللئيم مطّ حاجبيه ... وذبّ عن حريم درهميه فاقذف عنان البخل في يديه ... وقم إلى السيف وشفرتيه فاستنزل الرزق بمضربيه ... إن قعد الدهر فقم إليه (٣) ومن شعره أيضا: [من المتقارب] وإنّا لتصبح أسيافنا ... إذا ما اهتززن ليوم سفوك منابرهنّ بطون الأكفّ ... وأغمادهنّ رؤوس الملوك

стр. 883

«١١١٣» - أبو العشائر ابن حمدان: [من الكامل] أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل م تحت الفوارس تنحط لقرأت منا ما تخطّ يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط «١١١٤» - وقال أبو العبّاس النامي: [من الكامل] ومنازلين إذا بدوا في شارق ... شبّوا ضياء وقوده بوقود ردّوا على داود صنعة سرده ... لغناهم [١] بالصبر عن داود لا يصبحون إذا انتضوا بيض الظبا ... وشبا القنا غير المنايا السود «١١١٥» - ومن كلام لأبي محمد المهلبي يناسب معنى البيت الثاني: فإنهم لشدّة [٢] تجهمهم، وسرعة تهجمهم [٣] : [من الكامل] تركوا المكيدة والكمين لجهدهم [٤] ... والنّبل والأرماح للأسياف «١١١٦» - ومن كلامه أيضا: قد صدقه الحملة، ومنعه المهلة، [من المتقارب] وأصلاه حر جحيم الحديد ... تحت دخان من القسطل

стр. 884

«١١١٧» .- (١) وقال أبو الفرج الببغاء: [من البسيط] من كلّ متّسع الأخلاق مبتسم ... للخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل يسعى به البرق إلا أنّه فرس ... في صورة الموت إلا أنه رجل يلقى الرماح بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ما له كفل (٢) وقال أيضا: [من البسيط] الباذلي العرف والأنواء باخلة ... والمانعي الجار والأعمار تخترم حيث الدجى النقع والبيض الكواكب وال ... أسد الفوارس والخطيّة الأجم «١١١٨» - وقال السريّ الرفّاء: [من الوافر] طلعت على الديار وهم نبات ... وأغمدت السيوف وهم حصيد فما أبقيت إلا مخطفات ... حمى الأخطاف منها والنهود «١١١٩» - وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري: [من الرجز] يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... إن تسلمي اليوم فلن تفوتي أو تبتلى فطالما عوفيت ... هذي حياض الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت «١١٢٠» .- (١) وقال عنترة: [من الكامل]

стр. 885

بكرت تخوّفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل فأجبتها إن المنية منهل ... لا بدّ أن أسقى بكأس المنهل فأقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... اني امرؤ سأموت إن لم أقتل «١١٢٠» . (٢) وقال عنترة أيضا: [من الكامل] وعلمت أن منيتي إن تأتني ... لا ينجني منها الفرار الأسرع فصبرت عارفة لذلك حرّة ... نفسي إذا نفس الجبان تطلّع «١١٢١» - وقال العبّاس بن مرداس: [من الكامل] القائلون إذا لقوا أقرانهم ... إنّ المنايا قصر من لم يقتل فتعانقوا الأبطال في حمس الوغى ... تحت الأسنّة والغبار الاطحل «١١٢٢» - وقال ضابىء البرجمي: [من الطويل] وما الفتك ما شاورت فيه ولا الذي ... تخبّر من لاقيت أنك فاعله «١١٢٣» - وقال حارثة بن بدر: [من الطويل] ولا تلتمس أمر الشديدة بامرىء ... إذا رام أمرا عوّقته عواذله وما الفتك الا لامرىء رابط الحشا ... إذا صال لم ترعد إليه خصائله «١١٢٤» - وقال حسان بن ثابت: [من الخفيف]

стр. 886

كرهوا الموت فاستبيح حماهم ... وأقاموا فعل اللئيم الذليل أمن الموت يهربون فإن ال ... موت موت الهزال غير جميل «١١٢٥» - وقال هدبة بن خشرم العذري: [من الطويل] وليس أخو الحرب الشديدة بالذي ... اذا زبنته كان للسلم أخضعا ولكن أخو الحرب الحديد سلاحه ... إذا حملته فوق حال تشجعا أ خو الحرب لا ينآد للحرب متنه ... ولا يظهر الشكوى إذا كان موجعا ركوب على أثباجها متخوف ... لعوراتها ينمي إذا الثقل أضلعا «١١٢٦» - وقال الحطيئة: [من الطويل] إذا همّ بالأعداء لم يثن همّه ... كعاب عليها لؤلؤ وشنوف أخذ المعنى وبعض اللفظ كثير فقال لعبد الملك: [من الطويل] إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها عقد درّ يزينها «١١٢٧» - وقالت امرأة من بني عبد القيس: [من الطويل] أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهم ... ولم يبتغوا من خشية الموت سلّما ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما

стр. 887

«١١٢٨» - وقال آخر: [من الرجز] قد علم المستأخرون في الوهل ... إذا السيوف عريت من الخلل أنّ الفرار لا يزيد في الأجل «١١٢٩» - ومما يروى لعلي بن أبي طالب ﵇: [من الرجز] من أيّ يوميّ من الموت أفر ... من يوم لا يقدر أم يوم قدر «١١٣٠» - وقال المخبّل السعدي: [من الطويل] وإنا أناس تعرف الخيل زجرنا ... إذا أمطرت سحب الصوارم بالدّم وأنا لنعطي النصف من لو نضيمه ... أقرّ ونأبى نخوة المتظلم «١١٣١» - ومما جاء في ذكر الجبناء قول الطرماح: [من الطويل] تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّي تميم لولّت ولو جمعت يوما تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لاستقلّت «١١٣٢» - وقال آخر: [من الطويل]

стр. 888

إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد «١١٣٣» - وقول الأخطل: [من الطويل] ونجّى ابن بدر ركضه من رماحنا ... ونضاحة الأعطاف ملهبة الحضر كأنهما والآل ينجاب عنهما ... إذا انغمسا فيه يعومان في بحر يسرّ إليها والرماح تنوشه ... فدى لك أمّي إن دأبت إلى العصر فظل يفدّيها وظلّت كأنها ... عقاب دعاها جنح ليل إلى وكر ١١٣٤- وقال آخر: [من البسيط] لو كنت في مائتي ألف جميعهم ... مثل المزرفن داود بن حمدان وتحتك الريح تجري حيث تأمرها ... وفي يمينك ماض غير خوّان لكنت أول فرار إلى عدن ... إذا تحرك سيف في خراسان «١١٣٥» - قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن أشجع من رأيت، فقال: والله يا أمير المؤمنين لأخبرنّك عن أحيل الناس، وعن أشجع الناس، وعن أجبن الناس، فقال له عمر: هات، فقال: أربعت الصعابية [١] فخرجت كأحسن ما رأيت، شقّاء مقاء طويلة الأنقاء [٢] [تمطّق بالعرق] تمطّق الشيخ بالمرق، فركبتها ثم آليت لا ألقى أحدا إلّا قتلته، فخرجت وهي تتقدّى [٣] [بي] ، فإذا بفتى بين عرضين [٤] ، فقلت

стр. 889

له: خذ حذرك فإني قاتلك، فقال: والله ما أنصفتني يا أبا ثور أنا كما ترى أعزل أميل، فأنظرني حتى آخذ نبلي، فقلت: وما غناؤها عنك؟ قال: أمتنع بها، قلت: خذها، قال: لا والله أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنّك لا تروعني حتى آخذها، قال: فأثلجته فقال: وإلهي [١] قريش لا آخذها أبدا، فسلم والله وذهبت، فهذا أحيل الناس. ثم مضيت حتى اشتمل عليّ الليل، فو الله إني لأسير في قمر زاهر، كالنور الظاهر، إذا بفتى على فرس يقود ظعينة وهو يقول: [الرمل المجزوء] يا لدينا يا لدينا [٢] ... ليتنا يعدى علينا ثم يبلى ما لدينا ثم يخرج حنظلة من مخلاته فيرمي بها في السماء فلا تبلغ الأرض حتى ينتظمها بمشقص من نبله، فصحت به: خذ حذرك ثكلتك أمّك فاني قاتلك، فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض، فقلت: إن هذا إلّا استخفاف، فدنوت منه فصحت به ويلك ما أجهلك، فما تحلحل ولا زال عن موضعه، فشككت بالرمح إهابه فإذا هو كأنه قد مات منذ سنة، فهذا أجبن الناس. ثم مضيت فأصبحت من دكادك هرشى إلى غزال [٣] ، فنظرت إلى أبيات فعدلت إليها، فإذا فيها جوار ثلاث كأنهنّ نجوم الثريا، فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكن؟ فقلن: لما ابتلينا به منك، ومن ورائنا أخت لنا هي أجمل منا، فأشرفت من فدفد، فإذا بامرىء لم أر قطّ أحسن من وجهه، وهو غلام يخصف نعله، عليه ذؤابة يسحبها، فلما نظر إليّ وثب على الفرس مبادرا، ثم ركض فسبقني إلى البيوت، فوجدهن قد ارتعن، فسمعته يقول: [من الرجز]

стр. 890

مهلا نسيّاتي لا تروّعن ... إن يمنع اليوم نساء تمنعن أرخين أذيال المروط وأرتعن فلما دنوت منه قال: أتطردني أم أطردك؟ فركض وركضت في أثره، حتى إذا أمكنت السنان من لفتته- واللفتة أسفل من الكتف- اتكأت عليه فإذا هو والله مع لبب فرسه، ثم استوى في سرجه فقلت: أقلني، قال: اطرد، فتبعته حتى إذا ظننت أن السنان بين ناغضتيه [١] اعتمدت عليه، فإذا هو والله قائم على الأرض والسنان زالج، ثم استوى على فرسه فقلت: أقلني، قال: اطرد فطردته حتى إذا أمكنت السنان من متنه اتكأت عليه وأنا أظنّ أن قد فرغت منه، فمال في سرجه حتى نظرت إلى يديه في الأرض ومضى السنان زالجا، ثم قال: بعد ثلاث تريد ماذا؟ اطردني ثكلتك أمك، فوليت وانا مرعوب [٢] منه، فلما غشيني ووجدت مسّ السنان التفتّ فإذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكفّ عني واستنزلني فنزلت، فجز والله ناصيتي وقال: انطلق فأنا أنفس بك عن القتل، فكان ذاك والله يا أمير المؤمنين عندي أشدّ من الموت، فذاك أشجع من رأيت، وسألت عن الفتى فقيل ربيعة بن مكدّم الفراسي من بني كنانة. «١١٣٦» - وكان عمرو بن معدي كرب موصوفا بالأيد والشدة عظيم الخلقة، جاء إليه رجل وهو واقف بالكناسة على فرس له وقد أسنّ، فقال: لأنظرنّ ما بقي من قوة أبي ثور، فأدخل يده بين ساقه وبين السرج، وفطن له عمرو فضمّها عليه وحرك فرسه، فجعل الرجل يعدو مع الفرس لا يقدر أن ينزع يده، حتى إذا بلغ منه قال: يا ابن أخي مالك؟ قال: يدي تحت ساقك، فخلّى عنه وقال: يا ابن أخي إن في عمك لبقية بعد.

стр. 891

«١١٣٧» - ومن بليغ الشعر في الحرب والبأس والنجدة قول محمد بن هانئ: [من الطويل] ومضرمة الأنفاس جمر وطيسها ... شرنبثة [١] الكفّين فاغرة الفم ضروس لها أبناء صدق تحشّها ... فمن خادر ورد وأشجع أيهم [٢] وأرعن يحموم [٣] كأنّ أديمه ... إذا شرعت أرماحه ظهر شيهم [٤] فما تنطق الأرماح غير تصلصل ... ولا ترجع الأبطال غير تغمغم فتملأ سمعا من رواعد رجّف ... وتملأ عينا من بوارق ضرّم فلا راجع باللأم [٥] غير مبتّك ... ولا بحبيك البيض غير مثلّم رفعت على هام العدى منه قسطلا ... خضبت مشيب الفجر منه بعظلم فلا تتكلّف للخميس من العدى ... خميسا ولكن رعه باسمك يهزم لقد أعذرت فيك الليالي وأنذرت ... فقل للعقول استأخري أو تقدمي كأن قد كشفت الأمر عن شبهاته ... فلم يضطهد حقّ ولم يتهضّم وفاض دما موج الفرات فلم يجز ... لوارده طهر بغير تيمم فلا حملت فرسان حرب جيادها ... إذا لم يزرهم من كميت وأدهم ولا عذب الماء القراح لشارب ... وفي الأرض مروانيّة غير أيّم بريغون في الهيجا إلى ذي حفيظة ... طويل نجاد السيف أبلج خضرم قليل لقاء البيض إلا من الظبا ... قليل شراب الكأس الا من الدم وأيّ قوافي الشعر فيك أحوكها ... وما ترك التنزيل من متردّم

стр. 892

«١١٣٨» - وكان حسان بن ثابت الشاعر من الجبناء، وكان ابن الزبير يحدث أنه كان في فارع أطم ابن ثابت، يعني حسان، مع النساء يوم الخندق ومعهم عمرو بن أبي سلمة [قال ابن الزبير] : ومعنا حسان بن ثابت ضارب وتدا في ناحية [١] الأطم، فإذا حمل أصحاب رسول الله ﷺ على المشركين حمل على الوتد يضربه بالسيف، وإذا أقبل المشركون انحاز عن الوتد، كأنه يقاتل قرنا، يتشبه بهم كأنه يرى أنه يجاهد حين جبن [٢] . وقيل إنه أتاهم في ذلك اليوم يهوديّ يطيف بالحصن، وقد قطعت قريظة ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، قالت صفية بنت عبد المطلب فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدلّ على عورتنا [٣] من وراءنا من اليهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه فانزل إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت: فلمّا قال ذلك ولم أر عنده شيئا اعتجرت [٤] ، ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلّا أنه رجل، قال: مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب. «١١٣٩» - كان حارثة بن بدر الغدانيّ من سادات بني تميم ووجوههم، وكان في وجه الخوارج والإمارة لغيره، فقتل صاحب الجيش فعقدوا الرياسة لآخر فقتل، فعقدوها لحارثة بن بدر فنادى في الناس: أن تثبتوا فتح الله

стр. 893

عليكم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة، وندب الناس فالتقوه وانهزم حارثة وقال: [من الرجز] كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا أير الحمار فريضة لعبيدكم ... والخصيتان فريضة الأعراب فتتابع الناس على أثره منهزمين. «١١٤٠» - وكان في الخوارج امرأة يقال لها أم حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها، وخطبها جماعة منهم فردتهم، وكانت في الحرب تحمل على الناس وتقول: [من الرجز] أحمل رأسا قد سئمت حمله ... وقد مللت دهنه وغسله ألا فتى يحمل عنّي ثقله وهم يفدّونها بالآباء والأمهات. «١١٤١» - وقال الحارث بن هشام يعتذر من الفرار. [من الكامل] الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوّي مشهدي فصددت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد

стр. 894

«١١٤٢» - وقال زفر بن الحارث وقد فرّ يوم مرج راهط عن أبيه وأخيه: [من الطويل] أيذهب يوم واحد إن اسأته ... بصالح أعمالي وحسن بلائيا ولم ير منّي زلّة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبيّ ورائيا «١١٤٣» - وقال أزهر بن هلال التميمي: [من الطويل] أعاتك ما ولّيت حتى تبددت ... رجالي وحتى لم أجد متقدّما وحتى رأيت الورد يدمى لبانه ... وقد هزّه الأبطال فانتعل الدما أعاتك أفناني السلاح ومن يطل ... مقارعة الأبطال يرجع مكلّما «١١٤٤» - وأحسن ما قيل في الفرار قول قيس بن الخطيم: [من الطويل] إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب صدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا تبرح الأقدام عند التضارب «١١٤٥» - وقال مالك بن أبي كعب: [من الطويل] أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب «١١٤٦» - وقال جرير يعيّر الأخطل إيقاع قيس ببني تغلب: [من الكامل]

стр. 895

حملت عليك حماة قيس خيلها ... شعثا عوابس تحمل الأبطالا ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا نظر المتنبي إلى المعنى فقال وأحال [١] : [من البسيط] وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا وغير شيء ليس بشيء فيرى [٢] ، وهذا مما طعن به عليه. وبيت جرير مأخوذ من قوله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [٣]- (المنافقون: ٤) . «١١٤٧» - خرجت المغيرية [٤] على خالد القسري وهو يخطب على المنبر ولا يعلم بهم، فخرجوا في التبابين [٥] ينادون: لبّيك لبيك جعفر، وعرف خالد خبرهم وهو يخطب على المنبر، فدهش ولم يعقل ما يقول فزعا، فقال: أطعموني ماء، ثم خرج الناس إليهم فأخذوا، فكان ضعفه على المنبر وجبنه حين خاف من أضعف خصم، ولما أمنهم وحصلوا في قبضته جعل يأخذ للرجل طنّ

стр. 896

قصب فيطلى بالنفظ ويقال له احتضنه، ويضرب حتى يفعل ذلك، ثم يحرق، فأحرقهم جميعا، فجمع القسوة وانخلاع القلب في حالتيه، وفي ذلك يقول الكميت [١] يمدح يوسف بن عمر: [من الطويل] خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن ... كمن حصنه فيه الرتاج المضبّب وما خالد يستطعم الماء فاغرا ... بعدلك والداعي إلى الموت ينعب «١١٤٨» - لما دخلت غزالة الحروريّة الكوفة على الحجاج ومعها شبيب تحصّن منها وأغلق قصره، فكتب إليه عمران بن حطان، وكان الحجاج قد لجّ في طلبه: [من الكامل] أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... ربداء تجفل من صفير الصافر هلّا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك مثل قلب الطائر [٢] صدعت غزالة قلبه بفوارس ... تركت مدابره كأمس الدابر «١١٤٩» - ويقال إن عباد بن زياد كان جبانا، فبينا هو ذات ليلة نائم في عسكره صاحت بنات [٣] آوى، فثارت الكلاب إليها، ونفر بعض الدواب،

стр. 897

ففزع عباد وظنّ أنها كبسة من العدو، فركب فرسه ودهش فقال: افتحوا سيفي، فذلك قول ابن مفرغ يعيره: [من الوافر] ويوم فتحت سيفك من بعيد ... أضعت وكلّ أمرك للضياع إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشّر شعب قعبك بانصداع ألم تر إذ تحالف حلف حرب ... عليك عددت من سقط المتاع وكدت تموت إذ صاح ابن آوى ... ومثلك مات من خوف السباع «١١٥٠» - وجه المهلب كعب بن معدان الأشقريّ إلى الحجاج في وقت محاربته الخوارج، فقال له الحجاج: كيف كانت حالكم مع عدوكم؟ قال: كنّا إذا لقيناهم بعفونا وجهدهم أيسنا منهم، وإذا لقيناهم بجهدهم وجهدنا طمعنا فيهم؛ قال: وكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة الحريم نهارا، وفرسان الليل تيقّظا [١] قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال: صفهم رجلا رجلا، قال: المغيرة فارسهم وسيدهم، نار ذاكية، وصعدة عالية، وكفى بيزيد فارسا شجاعا: ليث غاب وبحر جمّ [٢] العباب، وجوادهم قبيصة، ليث المغار وحامي الذمار، ولا يستحيي الشجاع أن يفرّ من مدرك، وكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، ولا يستحيي الشجاع أن يفرّ من مدرك، ويكف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادر؟ وعبد الملك سمّ ناقع، وسيف قاطع، وحبيب الموت الذّعاف إنّما هو طود شامخ، وبحر باذخ، وأبو عيينة البطل الهمام، والسيف الحسام، وكفاك بالفضل نجدة: ليث هرّار وبحر موّار، ومحمد ليث غاب، وحسام ضراب. قال: فأيهم أفضل؟ قال: هم

стр. 898

كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها [١] ، قال: فكيف جماعة الناس؟ قال: على أحسن حال، أدركوا ما رجوا وأمنوا ما خافوا، أرضاهم العدل، وأغناهم النّفل [٢] ، قال: فكيف رضاهم بالمهلب؟ قال: أحسن رضى، وكيف لا يكونون [٣] كذلك وهم لا يعدمون منه إشفاق [٤] الوالد ولا يعدم منهم برّ الأولاد؟ قال: فكيف فاتكم قطريّ؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه، فتحوّل عن منزله، قال: فهلّا اتبعتموه؟ قال: حال الليل بيننا وبينه، وكان التحرز إلى أن يقع العيان ويعلم امرؤ ما يصنع أحزم، وكان الجدّ عندنا آثر من النّفل [٥] . «١١٥١» - قيل لعنترة: أأنت أشجع العرب وأشدّها؟ قال: لا، قيل له: فبم شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم اذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الأحجام حزما، ولا أدخل موضعا لا أرى فيه مخرجا لي، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأنثني عليه فأقتله. «١١٥٢» - لقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب، وكان جبانا [٦] أهوج، وعليه حلّة جيّده، فقال أبو وهب لتأبط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت، وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ألقى الرجل: أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم، فبم تبتاعه؟ قال: بهذه

стр. 899

الحلّة وكنيتي، قال: افعل، ففعل، وقال له: لك اسمي ولي اسمك وأخذ حلّته وأعطاه طمريه ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي: [من الطويل] ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلها ... تأبط شرا واكتنيت أبا وهب فهبه تسمّى اسمي وسمّاني اسمه ... فأين له صبري على معظم الخطب وأين له بأس كبأسي وسورتي ... وأين له في كلّ فادحة قلبي «١١٥٣» - البحتري: [من الطويل] وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى تضيق دروعها تقتّل من وتر أعزّ نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها «١١٥٤» - مرّ خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بعروة بن الزبير، وكان بينهما تباعد [١] ، فقال له: يا خالد أتدع ابن أثال وقد تفصّى [٢] أوصال عمّك [٣] بالشام وأنت بمكة مسبل إزارك تجرّه وتخطر فيه متخايلا؟! (وكان عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد عند معاوية بالشام، فخافه معاوية على الأمر، فدسّ إليه ابن أثال الطبيب فسقاه شربة فمات منها) ، فحمي خالد بن المهاجر ودعا مولى له يدعى نافعا فأعلمه الخبر، وقال له: لا بدّ من قتل ابن أثال، وكان نافع جلدا شهما، فخرجا حتى قدما دمشق، وكان ابن أثال يمسي [٤] عند معاوية،

стр. 900

فجلس له في مسجد دمشق إلى أصطوانة، وجلس غلامه إلى أخرى حتى خرج، فقال خالد لنافع: إيّاك أن تعرض له أنت، ولكن احفظ ظهري واكفني من ورائي، فإن رابك شيء من خلفي يريدني فشأنك [١] ، فلما حاذاه وثب إليه خالد فقتله [٢] ، وثار إليه من كان معه فصاح بهم نافع فانفرجوا، ومضى خالد ونافع وتبعهما من كان معه، فلما غشاهما الليل [٣] حملا عليهم فتفرقوا حتى دخل خالد ونافع زقاقا ضيّقا ففاتا القوم، فبلغ معاوية الخبر، فقال: هذا خالد بن المهاجر، اقلبوا الزقاق، ففتش عليه فأتي به [٤] فقال: لا جزاك الله من زائر خيرا قتلت طبيبي، قال: قتلت المأمور وبقي الآمر، فقال: أم والله لو كان تشهّد مرّة واحدة لقتلتك به، وحبسه وضرب نافعا مائة سوط، وألزم بني مخزوم اثني عشر ألف درهم، أدخل بيت المال منها ستة آلاف وأخذ هو ستة آلاف، فلم يزل ذلك يجري دية المعاهد حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأبطل الذي يأخذه السلطان لنفسه، وأثبت الذي يدخل بيت المال. «١١٥٥» - روي أن امرأة عمران بن حطان قالت له: ألم تزعم أنك لا تكذب في شعرك؟ قال: بلى، قالت: أفرأيت قولك: [الكامل المجزوء] وكذاك مجزأة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامه أيكون رجل أشجع من أسامة؟ قال: نعم، إن مجزأة بن ثور فتح مدينة

стр. 901

كذا وكذا، والأسد لا يقدر على فتح مدينة. «١١٥٦» - روي أن أبا محجن عبد الله بن حبيب الثقفي كان في من خرج مع سعد بن أبي وقّاص لحرب الفرس، وكان سعد يؤتى به شاربا فيتهدّده فيقول له: لست تاركها إلّا لله، فأمّا لقولك فلا، فأتي به يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد خراجة فلم يخرج إلى الناس يومئذ، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما اشتدّ القتال تلك الليلة صعد أبو محجن إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده، وأتى سلمى بنت أبي حفصة فقال لها: يا ابنة أبي حفصة هل لك إلى خير [١] ؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تحلّين عني وتعيرينني البلقاء، فلّله [٢]- علي- إن سلمني الله- أن أرجع إلى حضرتك [٣]- حتى تضعي [٤] رجلي في قيدي، فقالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يرسف في قيوده ويقول: [من الطويل] كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا عليّ وثاقيا إذا قمت عنّاني الحديد وأغلقت ... مصاريع من دوني تصمّ المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدا لا أخا ليا وقد شفّ جسمي أنني كلّ شارق ... أعالج كبلا مصمتا قد برانيا فلله درّي يوم أترك موثقا ... وتذهل عنّي أسرتي ورجاليا حبيسا عن الحرب العوان وقد بدت ... وإعمال غيري يوم ذاك العواليا فلله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت ألّا أزور الحوانيا

стр. 902

فقالت له سلمى: إني قد استخرت الله تعالى ورضيت بعهدك، فأطلقته ورجعت إلى بيتها، فخالفها أبو محجن إلى الفرس فأخذها وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق، فركبها ثم دبّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة، وأضاء النهار وتصافّ الناس كبّر ثم حمل على الميسرة يلعب برمحه وسلاحه [١] بين الصفّين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبدر أمام الناس فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا، فعجب الناس منه [٢] وهم لا يعرفونه، ولم يروه بالأمس، فقال بعض القوم: هذا من أوائل أصحاب هاشم بن عتبة أو هشام [٣] ، وقال قوم: إن كان الخضر شهد الحرب فهو صاحب البلقاء، وقال آخرون: لولا أن الملائكة لا تباشر القتال ظاهرا لقلنا هذا ملك بيننا، وجعل سعد يقول، وهو مشرف ينظر إليه: الطعن طعن أبي محجن، والضبر ضبر البلقاء، لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن، وهذه البلقاء، فلم يزل يقاتل حتى انتصف الليل وتحاجز أهل العسكرين، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر ووضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجليه في قيده وأنشأ يقول: [من الوافر] لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا وأكثرهم دروعا سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وأنا رفدهم في كلّ يوم ... وان جحدوا فسل بهم عريفا وليلة فارس [٤] لم يشعروا بي ... ولم أكره لمخرجي الزّحوفا فإن أحبس فقد عرفوا بلائي ... وان أطلق أجرّعهم حتوفا فقالت له سلمى: يا أبا محجن في أيّ شيء حبسك هذا الرجل؟ فقال:

стр. 903

أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدبّ الشعر على لساني فينفثه أحيانا، فحبسني لأني قلت: [من الطويل] إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة ... يروّي مشاشي بعد موتي عروقها ولا تدفنّني بالفلاة فانني ... إذا رحت مدفونا فلست أذوقها [١] قال: وكانت سلمى قد رأت من المسلمين جولة، وسعد بن أبي وقاص في القصر لعلة كانت به لم يقدر معها على حضور الحرب، وكانت قبله عند المثنّى بن حارثة الشيبانيّ فلما قتل خلف عليها سعد، فلما رأت شدة البأس صاحت: وامثّنياه ولا مثنّى لي اليوم، فلطمها سعد، فقالت: أفّ لك أجبنا وغيرة؟ وكانت مغاضبة لسعد عشية ارماث وليلة الهرير وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته وصالحته وأخبرته خبر أبي محجن، فدعا به وأطلقه وقال: اذهب فلست مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، فقال: لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا، وذلك قول أبي محجن: [من البسيط] إن كانت الخمر قد عزّت وقد منعت ... وحال من دونها الإسلام والحرج فقد أباكرها صرفا وأشربها ... ريا وامزج أحيانا فامتزج ولما انصرف أبو محجن إلى محبسه [٢] رأته امرأته منصرفا فعيرته بفراره، فقالت له [٣] : [من الكامل] من فارس كره الطّعان يعيرني ... رمحا إذا نزلوا بمرج الصّفّر فقال لها أبو محجن: [من الكامل] إن الكرام على الجياد مبيتها ... فدعي الرماح لأهلها وتعطّري

стр. 904

«١١٥٧» - وذكر المفضل [١] أن الناس لما التقوا مع العجم يوم قسّ الناطف [٢] كان مع الأعاجم فيل يكرّ عليهم، فلا تقوم له الخيل، فقال أبو عبيد ابن مسعود الثقفي: هل له مقتل؟ فقيل له: نعم خرطومه، إلا أنه لا يفلت منه من ضربه، فقال: أنا أهب نفسي لله، وكمن له حتى أقبل فوثب إليه فضرب خرطومه، ثم استدار فطحن الأعاجم وانهزموا. «١١٥٨» - لما قال بكر بن النطاح الحنفي قصيدته التي يقول فيها: [من الطويل] هنيئا لأخواني ببغداد عيدهم ... وعيدي بحلوان قراع الكتائب أنشدها أبا دلف العجلي فقال له: إنك لتكثر وصف نفسك بالشجاعة، وما رأيت لذلك عندك أثرا قط ولا فيك، فقال له: أيها الأمير وأيّ غناء يكون عند الرجل الحاسر الأعزل؟ فقال: اعطوه سيفا وفرسا ودرعا ورمحا، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه وركب الفرس، وخرج على وجهه، فلقيه مال لأبي دلف يحمل من بعض ضياعه فأخذه، وخرج جماعة من غلمانه ومانعوه، فجرحهم جميعا وقطعهم فانهزموا، وسار بالمال فلم ينزل إلا على عشرين فرسخا، فلما اتصل خبره بأبي دلف قال: نحن جنينا على أنفسنا، وقد كنا أغنياء عن إهاجة أبي [٣] وائل، ثم كتب إليه بالأمان وسوّغه المال، وكتب إليه: صر إلينا فلا ذنب لك، نحن كنا سبب فعلك بتحريكنا إياك وتحريضنا، فرجع ولم يزل معه يمتدحه حتى مات. «١١٥٩» - قال أبو الحسين الرواية، قال لي المأمون: أنشدني أشجع

стр. 905

بيت وأعفه وأكرمه من شعر المحدثين، فأنشدته: [من الطويل] ومن يفتقر منّا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت ... عروس بعقد أو سخاب قرنفل فقال لي: ويلك من يقول هذا؟ فقلت: بكر بن النطاح، فقال: أحسن والله، ولكنه كذب في قوله، فما باله يسأل أبا دلف ويمدحه وينتجعه؟ هلّا أكل خبزه بسيفه كما قال؟! «١١٦٠» - قال العتبي: كتب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الحجاج مبتدئا: أما بعد فان مثلي ومثلك كما قال القائل: [من البسيط] سائل مجاور جرم هل جنيت لهم ... حربا تزايل بين الجيرة الخلط أم هل دلفت بجرّار له لجب ... يغشى الأماعز بين السهل والفرط (والشعر لوعلة الجرميّ، وثالث البيتين: حتى تركت نساء الحيّ ضاحية [١] ... في ساحة الدار يستوقدن بالغبط) هذا مثلي ومثلك، سأحملك على أصعبه، وأريحك من مركبه، فكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه جوابه: أما بعد فاني قد أجبت عدوّ الرحمن ب «لا حول ولا قوة إلا بالله» ولعمر الله لقد صدق وخلع سلطان الله بيمينه وطاعته بشماله، وخرج من الدين عريان كما ولدته أمه؛ وعلى أن مثلي ومثله ما قال الشاعر: [من الطويل] ألم تعلموا أني تخاف عرامتي ... وأنّ قناتي لا تذلّ على القسر

стр. 906

وإني وإياكم كمن نبّه القطا ... ولو لم ينبّه باتت الطير لا تسري أناة وحلما وانتظارا بهم غدا ... فما أنا بالواني ولا الضّرع الغمر أظنّ صروف الدهر والجهل منكم ... ستحملكم منّي على مركب وعر «١١٦١» - قطري بن الفجاءة: [من البسيط] يا ربّ ظل عقاب قد وقيت بها ... مهري من الشمس والأبطال تجتلد وربّ يوم حمى أرعيت عقوته ... خيلي اقتسارا وأطراف القنا قصد ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به ... لهوي اصطلاء الوغى وناره تقد مشهرا موقفي والحرب كاشفة ... عنها القناع وبحر الموت يطّرد وربّ هاجرة تغلي مراجلها ... نحرتها بمطايا غارة تخد تجتاب أودية الأفراع آمنة ... كأنها أسد يقتادها أسد فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمدا ... على الطعان وقصر العاجز الكمد ولم أقل لم أساق الموت شاربه ... في كأسه والمنايا شرّع ورد «١١٦٢» - وقال أبو سعيد السكري: بلغني أن أبا دلف لحق أكرادا قطعوا في عمله، وقد أردف فارس منهم رفيقا له خلفه فطعنهما جميعا فأنفذهما، فتحدّث الناس أنه أنفذ بطعنة واحدة فارسين، فلما قدم من وجهه دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده: [من الكامل] قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا لا تعجبوا لو أنّ طول قناته ... ميل إذن نظم الفوارس ميلا

стр. 907

«١١٦٣» لما غدر أصحاب مصعب به يوم مسكن، وقتل إبراهيم بن الأشتر، بقي مصعب وابنه عيسى في نفر قليل، فدعا محمد بن مروان عيسى بن مصعب، فقال له أبوه: انظر ما يريد محمد، فدنا منه فقال له: إني لكم ناصح، إنّ القوم خاذلوكم ولك الأمان، فأبى قبول ذلك، وناشده فرجع إلى أبيه فأخبره، فقال له: إني أظنّ أنّ القوم سيفون فإن أحببت أن تأتيهم فأتهم، فقال: والله لا يتحدث نساء قريش أني خذلتك، ورغبت بنفسي عنك، قال: فتقدم حتى أحتسبك، فتقدم وتقدّم ناس معه فقتل وقتلوا، وترك أهل العراق مصعبا حتى بقي في سبعة، وجاء رجل من أهل الشام ليحتزّ رأس عيسى فشدّ عليه مصعب فقتله، وشدّ على الناس فانفرجوا، ثم رجع فقعد على مرفقة ديباج، ثم جعل يقوم عنها ويحمل على أهل الشام فيفرجون له، ثم رجع فقعد على المرفقة، ففعل ذلك مرارا، ودعاه عبيد الله بن زياد ابن ظبيان، إلى المبارزة فقال أغرب يا كلب، وشدّ عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فرجع عبيد الله فعصب رأسه، وجاء ابن أبي فروة كاتب مصعب فقال له: جعلت فداك، قد تركك الناس، وعندي خيل مضمّرة فاركبها وانج بنفسك، فدفع في صدره وقال: ليس أخوك بالعبد، ورجع ابن ظبيان فحمل عليه هو وروق بن [١] زائدة بن قدامة، ونادى يا لثارات المختار، فقتله وحمل رأسه إلى عبد الملك، فلما وضعه بين يديه سجد، قال ابن ظبيان: فهممت والله أن أقتله حين سجد، فأكون أفتك العرب، قتلت ملكين في يوم واحد، ثم وجدت نفسي تنازعني إلى الحياة فأمسكت. «١١٦٤» - وقال عبد الملك يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟ فاكثروا

стр. 908

في هذا المعنى، فقال: أشجع الناس مصعب بن الزبير، جمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وأمة الحميد بنت عبد الله بن عاصم، وولي العراقين، وزحف إلى الحرب فبذل له الأمان والحباء والولاية والعفو عما خلص في يده، فأبى قبول ذلك واطّرح كلّ ما كان مشغولا به من ماله وأهله وراء ظهره، وأقبل بسيفه يقاتل قدما، وما بقي معه إلا سبعة، حتى قتل كريما. «١١٦٥» - وكان مصعب لما قدم الكوفة يسأل عن الحسين بن عليّ ﵉ وعن قتله، فجعل عروة بن المغيرة يحدثه عن ذلك، فقال متمثلا بقول سليمان بن قتة: [من الطويل] إن الأولى بالطفّ من آل هاشم ... تأسّوا فسنّوا للكرام التأسيا قال عروة: فعلمنا أن مصعبا لا يفرّ أبدا. «١١٦٦» - وقال خلاد بن فروة [١] السدوسي: لما كان يوم السبخة حين عسكر الحجاج بازاء شبيب الشاري، قال له الناس: لو تنحيت أيها الأمير عن هذه السبخة فقال لهم: ما تنحّوني إليه والله أنتن، فهل ترك مصعب لكريم مفرّا؟ ثم تمثل بقول الكلحبة: [من الطويل] إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطّعا «١١٦٧» - حدث شيخ من أهل مكة قال: لما أتى عبد الله بن الزبير قتل

стр. 909

مصعب أضرب عن ذكره أياما حتى تحدّثت به إماء مكة في الطريق، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليا لا يتكلم، فنظرت إليه والكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقا، فقلت لآخر إلى جنبي: ماله لا يتكلم؟ أتراه يهاب المنطق؟ فو الله إنه لخطيب فما تراه يهاب؟ قال: أراه يريد أن يذكر قتل مصعب سيد العرب، فهو يفظع [١] بذلك، وغير ملوم هو. فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، مالك الدنيا والآخرة، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، إلا أنه والله لا يذلّ من كان الحقّ معه وان كان مفردا ضعيفا، ولا يعزّ من كان الباطل معه وإن كان في العدد والكثرة. ثم قال: إنه أتانا الخبر من العراق بلد الغدر والشقاق، فساءنا وسرّنا، أتانا أنّ مصعبا قتل، رحمة الله عليه ومغفرته، فأما الذي حزننا [٢] من ذلك فان لفراق الحميم لذعة [٣] يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذوو الرأي والدين إلى جميل الصبر، وأما الذي سرّنا منه فانا قد علمنا أنّ قتله شهادة، وأنّ الله جاعل لنا وله خيرة في ذلك، إن شاء الله. إنّ أهل العراق أسلموه وباعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه منه وأخسره، أسلموه إسلام الجمل المخطم فقتل [٤] ، ولئن قتل فلقد قتل أبوه وعمه وأخوه وكانوا الخيار [٥] الصالحين، إنّا والله ما نموت حتف أنوفنا، ما نموت إلا قتلا قصعا قصعا بين قصد الرماح وتحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان، والله ما قتل رجل منهم في جاهلية ولا إسلام. وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا ملكه [٦] ، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ البطر

стр. 910

الأشر، وإن تدبر عنّي لا أبكي عليها بكاء الخرف المهتر [١] ؛ ثم نزل. ١١٦» - قال المفضل الضبي: خرجت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن فلما صار [٢] بالمربد وقف على دار [٣] سليمان بن عليّ، فأخرج له صبيّان من ولده فضمهما إليه وقال: هؤلاء والله منّا ونحن منهم، إلّا أن آباءهما فعلوا بنا وصنعوا، وذكر كلاما يعتدّ عليهم فيه بالإساءة، ثم توجه لوجهه وتمثل: [من المنسرح] مهلا بني عمنا ظلامتنا ... إنّ بنا سورة من القلق لمثلكم تحمل السيوف ولا ... تغمز أحسابنا من الرفق إني لأنمي إذا انتميت إلى ... عزّ عزيز ومعشر صدق بيض سباط كأنّ أعينهم ... تكحل يوم الهياج بالزرق فقلت: ما أفحل هذه الأبيات، فلمن هي؟ قال: لضرار بن الخطاب، قالها في يوم جزع [٤] الخندق في اجتماع المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، وتمثّل بها عليّ ﵇ يوم صفين، والحسين بن علي ﵉ يوم قتل، وزيد بن علي، ولحق القوم ثم مضى [٥] إلى باخمرى، فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد فتمثل: [من الكامل] نبّئت أنّ بني ربيعة أجمعوا ... أمرا خلا لهم ليقتل خالدا إن تقتلوني لا تصب أرماحكم ... ثأري ويسعى القوم سعيا جاهدا

стр. 911

أرمي الطريق وإن صددت لضيعة ... وأنازل البطل الكميّ الحاردا فقلت: لمن هذه الأبيات؟ فقال للأحوص بن جعفر بن كلاب تمثّل بها يوم شعب جبلة، وهو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميما. قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر فقتل من أصحابه وقتل من القوم حتى كاد الظفر يكون له، قال المفضل، فقال لي: حرّكني بشيء، فأنشدته هذه الأبيات: [من الطويل] ألا أيها الناهي فزارة بعد ما ... أجدّت [١] أسيرا إنما أنت حالم أبى كلّ حرّ أن يبيت بوتره ... ويمنع منه النوم إذا أنت نائم أقول لفتيان العشيّ تروّحوا ... على الجرد في أفواههنّ الشكائم قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها ... ومن يخترم لا تتّبعه اللوائم وهل أنت إن باعدت نفسك منهم ... لتسلم فيما بعد ذلك سالم فقال لي: أعد، فتنبهت فقلت: أو غير ذلك؟ فقال: لا أعدها فأعدتها فتمطّى في ركابيه حتى خلته قد قطعهما، فطعن رجلا وطعنه آخر فقلت: أتباشر الحرب بنفسك والعسكر منوط بك؟ فقال إليك يا أخا بني ضبة، كأن عويفا أخا بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا حين يقول: [من المتقارب] ألمّت خناس وإلمامها ... أحاديث نفس وأسقامها يمانية من بني مالك ... تطاول في المجد أعمامها وإنّ لنا أصل جرثومة ... تردّ الحوادث أيامها تردّ الكتيبة مفلولة ... بها أفنها وبها ذامها قال: وجاءه السهم العاثر فشغله عني. «١١٦٩» - قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لمعاوية: إني لأعجب

стр. 912

لك، تتقدم حتى أقول: أشجع الناس، وتتأخر حتى أقول: أجبن الناس، فقال له: إنني أتقدّم ما كان التقدم حزما، وأتأخر ما كان التأخر حزما كما قيل: [من الطويل] شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان «١١٧٠» - محمد بن عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي: [من الكامل] وكتيبة كالليل بل هي أظلم ... فيها شعار بني النزال تقدموا تذر الاكام صفاصفا مسلوكة ... والبحر رنقا ماؤه يتقسّم ولها يمين لا تشلّ بنانها ... ولها شمال صوب درّتها الدم وكأن بين يمينها وشمالها ... نارا بأرواح الكماة تضرّم نهنهت أولاها بضرب صادق ... هبر كما عطّ الرداء المعلم وعليّ سابغة الذيول كأنها ... سلخ كسانيه الشجاع الأرقم «١١٧١» - كان أبو موسى الأشعريّ محاصرا تستر، فخرج رجل من العجم فدعا إلى البراز، فخرج إليه شيخ مسن من باهلة يدعى حليل [١] بن أوس على فرس عجفاء، فقال أبو موسى: ممن الرجل؟ قال: من باهلة، فقال ارجع يا أخا باهلة فإنك بال على بال، وأحجم الناس عن الرجل فدعا ثانية فخرج الباهليّ فردّه أبو موسى، فأبى أن يرجع ومضى، فقال أبو موسى: اللهم إنه في حلّ، وتطاعنا فقتله الباهليّ وأقبل يجرّ رمحه ويقول: [من الوافر] رآني الأشعريّ فقال بال ... على بال ولم يعلم بلائي ومثلك قد عرضت الرمح فيه ... فبان بدائه وشفيت دائي

стр. 913

إذا اجتمع العشائر واستكفّوا ... فجامعني إلى ظلّ اللواء فقال أبو موسى: إني لم أرد بأسا يا أخا باهلة، فقال الباهلي: وأخو باهلة لم يرد بأسا يا أخا الأشعريين. فبلغ الخبر عمر بن الخطاب ﵁، وكان لا يخفى عنه ما يجري بين الناس، فكتب إلى أبي موسى يلومه ويأمره أن يعرف لأهل البلاء بلاءهم وينزلهم منازلهم. «١١٧٢» - كان مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان بن عفان حين شخص إلى خراسان وكان له منه رزق واسع، فبينا هم في بعض الطريق افتقدوا صاحب إبل سعيد والذي يحلب لهم نوقه واحتاجوا إلى اللبن، فقال مالك لبعض غلمان سعيد: أدن مني الفلانة- ناقة كانت لسعيد غزيرة- فأدناها منه فاحتلبها، فإذا أحسن الناس حلبا وأغزره درة، فانطلق الغلام فاخبر بذلك سعيدا فقال سعيد لمالك: هل لك أن تقيم في إبلي وأجزل لك الرزق إلى ما أرزقك، وأضع عنك الغزو؟ فقال مالك: [من الطويل] وإني لأستحيي الفوارس أن أرى ... بأرض العدى بوّ المخاض الروائم وإني لأستحيي إذا الحرب شمّرت ... أن أرخي دون الحرب ثوب المسالم (وبعدها أبيات تتضمن العزم ذكرت مع أمثالها في مكان آخر من هذا الباب) . «١١٧٣» - قيس بن الخطيم: [من الطويل] ومنّا الذي آلى ثلاثين ليلة ... عن الخمر حتى زاركم في الكتائب [١]

стр. 914

فلما هبطنا الحرث [١] قال أميرنا ... حرام علينا الخمر ما لم نضارب فسامحه منّا رجال أعزّة ... فما برحوا حتى أحلّت لشارب ويوم بعاث ألحقتنا سيوفنا ... إلى حسب في جذم غسّان ثاقب يعرّين بيضا حين نلقى عدوّنا ... ويغمدن حمرا ناحلات المضارب أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب [٢] ترى قصد المرّان تلقى كأنها ... تذرّع خرصان بأيدي الشواطب [٣] وأضربهم [٤] يوم الحديقة حاسرا ... كأنّ يدي بالسيف مخراق لاعب «١١٧٤» - وفد ابن أبي محجن على معاوية فقام خطيبا فأحسن، فحسده، فأراد أن يكسره فقال: أأنت الذي أوصاك أبوك بقوله: [من الطويل] إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي [٥] عروقها ولا تدفننّي بالفلاة فانني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها فقال: بل أنا الذي يقول أبي: [من البسيط] لا تسأل [٦] الناس ما مالي وكثرته ... وسائل [٧] الناس ما جودي وما خلقي أعطي الحسام [٨] غداة الروع حصّته ... وعامل الرمح أرويه من العلق

стр. 915

ويعلم الناس [١] أني من سراتهم ... إذا سما بصر الرعديدة الفرق وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... واكتم [٢] السرّ فيه ضربة العنق «١١٧٥» - عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي: [من الطويل] وملمومة قد لثّم النقع وجهها ... وأثقلها حمل الوشيج المقوّم تثاقل في طود من الخيل أرعن ... وتسبح في بحر من البيض مفعم رداح كما مادت رداح خريدة ... عروس المنايا زينها نقط الدم «١١٧٦» - محمد بن إبراهيم التميمي الكموني المغربي: [من الطويل] فتى الخيل يكسوها الغبار غلائلا ... إذا صممّمت [٣] فيه وهنّ عوابس طوال عليهنّ الطوال رماحهم ... عتاق عليهنّ العتاق الأبالس «١١٧٧» - عبد الله بن محمد الأزدي المعروف بالعطّار المغربي: [من الكامل] ويبيت [٤] ملتحف العجاج كأنّه ... قبس يضيء سناه تحت دخان ١١٧٨- أبو عبد الله القزاز المغربي: [من الخفيف] وإذا شمرت بنو الحرب عن سا ... ق ونادى الأبطال بالأبطال
следующие страницы →